Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: صلة. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أوهما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. وقيل: الفاء عاطفة على جملة محذوفة، التقدير: قل: كذبوا، أو: ليس الأمر كذلك، فمن... إلخ، وعليه: فالمعطوف، والمعطوف عليه في محل نصب مقول القول، ولا أرى تقدير المحذوفة قويّا، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُهْلِكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل نصب مفعول به.
﴿الْمَسِيحُ:﴾ مفعول به. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة له، و ﴿اِبْنُ:﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَأُمَّهُ:﴾ معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ نصب معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: ﴿الْمَسِيحُ﴾ وما عطف عليه، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائيّة، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ دلّ عليه ما قبله، و ﴿إِنَّ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول؛ لأنّه مرتبط بالجملة قبله.
﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ رفع معطوف على ﴿مُلْكُ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة الموصول، أو صفة:
(ما) على اعتبارها موصوفة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.
﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله):
مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 1472
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى..﴾. إلخ: قال ابن عبّاس-﵄: خوّف رسول الله ﷺ جماعة من اليهود العقاب، فقالوا: لا نخاف، فإنّا أبناء الله، وأحباؤه، فنزلت الآية الكريمة فيهم، وفي النّصارى. وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: زعمت اليهود أنّ الله- -أوصى إلى إسرائيل-﵇: أنّ ولدك بكري من الولد، وقال غيره: والنّصارى قالت: نحن أبناء الله؛ لأنّ في الإنجيل حكاية عن عيسى-﵇: أذهب إلى أبي، وأبيكم. وقيل: المعنى نحن أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف، أو المعنى: نحن أتباع ابنيه: عزير، والمسيح، أو مقرّبون عنده قرب الأولاد من والدهم. وبالجملة: فقد كانوا، ولا يزالون يدّعون: أنّ لهم فضلا، ومزيّة عند الله على سائر الخلق.
﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ : ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: إن صحّ ما زعمتم؛ فلم يعذبكم بذنوبكم؟ وقد عذّبكم في الدّنيا بالقتل، والأسر، والمسخ، وتشتيت الشّمل، واعترفتم بأنّه سيعذّبكم في الآخرة بالنّار أياما معدودة بعدد الأيام التي عبد فيها آباؤكم العجل، ولا يعذّب الوالد ولده، ولا الحبيب حبيبه؛ فإذا أنتم كاذبون في دعواكم البنوة، والمحبّة. هذا؛ وقيل: معنى: ﴿يُعَذِّبُكُمْ:﴾ عذّبكم، فهو بمعنى المضي، ولا بأس به؛ إذ المعنى عليه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: أنتم بشر من جملة المخلوقات؛ الّتي خلقها الله تعالى، ولكم ما لهم، وعليكم ما عليهم، يحاسبكم على أعمالكم، ويجازي كلاّ بما عمل.
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ لمن يستحقّ المغفرة بسبب توبة، أو طاعة. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:﴾ من يستحقّ العذاب بسبب كفره، أو إدمانه المعاصي، والمنكرات. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ..﴾. إلخ:
انظر الآية السّابقة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ:﴾ إليه المرجع، والمال في الآخرة يحاسب كلّ إنسان على ما قدّمت يداه. هذا؛ وبين: ﴿يَغْفِرُ﴾ و (يعذب) طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
﴿الْيَهُودُ:﴾ سمّوا بذلك نسبة إلى «يهودا بن يعقوب» وهو أكبر أولاده، وقد عبّر عنهم القرآن في كثير من المواضع ب: ﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ فهو مثل الأوّل. أو سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف): ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾.
هذا، وماضي: ﴿يَشاءُ:﴾ شاء، ولم يرد له، ولا ل: أراد، يريد أمر فيما أعلم، وأصل شاء شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما
стр. 1473
قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، ومفعول: أراد؛ حتّى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيّد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد: «لو» وليس كذلك. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ إلخ: انظر مثل هذا الكلام في الآية السابقة، وكرّر للتأكيد، والتقرير.
(بشر): يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: (الفلك) تطلق على المفرد، والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، وهي ظاهر الجلد بخلاف أكثر المخلوقات، فإنّها مكسوة بالشّعر، أو بالصوف، أو بالرّيش. هذا. و (بشر) يطلق على المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. ومنه ما في هذه الآية، وانظر شرح (لم) وما أشبهه في الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!
الإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.
﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَبْناءُ:﴾
خبره، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَحِبّاؤُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: إن صحّ ما زعمتم؛ فلم... إلخ. (لم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وقد حذفت ألف ما الاستفهامية فرقا بين الخبر، والاستخبار.
﴿يُعَذِّبُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية في محل جزم جواب للشرط المقدّر ب «إن» و «إن» المقدرة، ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَشَرٌ﴾.
و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿خَلَقَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو: أشخاص خلقهم، والجملة الاسمية: ﴿بَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول القول أيضا.
стр. 1474
﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: يغفر الذنوب.
﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للّذي، أو لشخص يشاء مغفرته، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام ومحلّه في الآية السابقة.
(إليه): جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:﴾ انظر الآية رقم [١٥]. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: على انقطاع من الرّسل بين محمّد، وعيسى، عليهما الصّلاة والسّلام. والمعنى:
مضت للرّسل مدّة قبل محمّد ﷺ . واختلف في مقدار هذه المدّة: كم هي؟ فالمعتمد: أنّها بين عيسى، ومحمد ﷺ خمسمائة سنة وتسعا وستين. ذكره الكلبي. وقال قتادة: كانت ستمائة سنة. رواه البخاريّ عن سلمان الفارسي-﵁. وذكر ابن سعد عن عكرمة قال: بين آدم، ونوح عشرة قرون كلّهم على الإسلام، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، فهذا ما بين آدم، ومحمد-﵉-من القرون، والسنين.
انتهى قرطبي. كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى النّاس بابن مريم؛ لأنّه ليس بيني وبينه نبيّ» وهذا فيه ردّ على من زعم: أنّه بعث بعد عيسى نبيّ يقال له: خالد بن سنان. والمقصود: أنّ الله بعث محمدا ﷺ على فترة من الرّسل، وطموس من السّبل، وتغيّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان، والنيران، والصّلبان، فكانت النّعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، وكان الفساد قد عمّ جميع البلاد، والطّغيان، والجهل قد ظهر في سائر البلاد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين.
بالإضافة لما ذكرته في الآية السابقة من تخويف النبي ﷺ لليهود، والنصارى، وقولهم:
﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أذكر: أنّ معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب-﵃-قالوا لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله، فو الله إنكم لتعلمون: أنّه رسول الله! ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا، ولا نذيرا من بعده، فأنزل الله الآية الكريمة ردّا عليهم.
стр. 1475
والمعنى: إنّ الله أرسل محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق بعد انقطاع الرّسل بعد عيسى في المدّة المذكورة؛ ليقطع حجّة اليهود، والنّصارى بعدم إرسال رسول بعد عيسى، ولئلا يبقى لهم عذر يعتذرون به. هذا؛ و ﴿بَشِيرٍ﴾ و ﴿نَذِيرٍ﴾ هو محمد ﷺ بشير بالجنة، والنعيم المقيم فيها لمن اهتدى، ونذير من النّار لمن كفر، وفسق، وعصى، وشقّ على ربّه العصا.
الإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [١٥]، ومفعول ﴿يُبَيِّنُ﴾ محذوف، تقديره: الدّين، أو أحكامه، وحذف لفهمه من المقام، أو تقديره: يبين لكم ما كنتم تخفون، وحذف لتقدّم ذكره في الآية السّابقة. ﴿عَلى فَتْرَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾ المستتر. ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَتْرَةٍ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف عند الكوفيين، التقدير: لئلا تقولوا. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يبين)، وهو عند البصريّين في محل جر بإضافة اسم إليه واقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهة، أو مخافة قولكم: ما جاءنا... إلخ.
وانظر الآية الأخيرة من سورة (النساء) ففيها تفصيل، وبيان، وزيادة.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض. و (نا) مفعول به. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَشِيرٍ:﴾
فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):
نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿وَلا نَذِيرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿بَشِيرٍ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية تعليل لكلام محذوف، التقدير: لا تعتذروا بقولكم: ما جاءنا... إلخ؛ لأنّه قد جاءكم بشير، والتعليل، والمعلل كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾
هو مثل الآية رقم [١٧].
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ..﴾. إلخ؛ أي: اذكر يا محمد حين قال موسى لبني إسرائيل: اذكروا نعمة الله العظمى عليكم، واشكروه عليها. قال الطّبريّ-رحمه الله تعالى-:
هذا تعريف من الله تعالى لنبيه ﷺ بتمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدهم عن الحقّ، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدّة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم، وتتابع أياديه لديهم،
стр. 1476
فسلّى بذلك نبيّه محمدا ﷺ عمّا نزل به من الشدائد؛ التي حصلت له من مخالفة قومه، ومعاصيهم عليه. انتهى. خازن.
﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ:﴾ أي: كلّما مات نبيّ؛ قام فيكم نبيّ آخر من لدن أبيكم إبراهيم ومن بعده، فلم يخل زمن من نبيّ، ورسول فيكم يدعو إلى الله، ويحذّركم نقمته؛ حتى ختموا بعيسى ابن مريم، ﵇، ثمّ أوحى الله إلى خاتم النبيين، والمرسلين محمد ﷺ المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ أي: جعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد أن كنتم عبيدا.
وعن ابن عباس-﵄-قال: كان الرّجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة، والخادم، والدار سمّي: ملكا. وقال ابن جرير: عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄، وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله-﵁: لك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، فقال: إن لي خادما، قال: فأنت من الملوك. أخرجه مسلم. وهذا كما قال رسول الله ﷺ : «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه عنده قوت يومه؛ فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها».
أخرجه الترمذي، وابن ماجة عن عبد الله بن محصن، ﵁. هذا وقيل: إنّ المعنى:
جعلكم كالملوك في رغد العيش. فحذف أداة التشبيه، ووجه الشبه، فأصبح بليغا.
﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ يعني: عالمي زمانكم، فإنّهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان، والقبط، وسائر أصناف بني آدم، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٧ و ١٢٢]: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾.
هذا؛ و ﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع: عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عمّا يقال:
إنّه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بدّ أن يكون له ثلاثة أفراد، فأكثر، وجمع بالياء والنون كما يجمع بالواو والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكلّ ما سوى الله، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم-لمّا قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. هذا؛ والعوالم كثيرة، لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ، والبحر؛ إذ كلّ جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ ولا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، وقوم. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: العالمون ثمانون ألف عالم: أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر. انتهى. وجمع جمع المذكر السالم، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنّه دالّ على وجود خالقه، وصانعه، وعلى وحدانيته-جلّ، وعلا-كما قال ابن المعتز: [المتقارب]
стр. 1477
فيا عجبا كيف يعصى الإل... هـ أم كيف يجحده الجاحد؟
وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه الواحد
﴿مُوسى﴾ هو ابن عمران، بن يصهر، بن قاهت، بن لاوي، بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. و ﴿مُوسى:﴾ اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية، والعجمة، وهو مركب من اسمين: الماء، والشجر، فالشجر يقال له في العبرانية: (مو) والشّجر يقال له: شا، فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسّين، وسبب تسميته بذلك: أنّ امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشّجر لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص).
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض.
﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه في النداء خاصّة؛ لأنّه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي). ومنهم من يثبتها، ويحرّكها بالفتحة، فيقول: (يا قومي). ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما) ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ويزاد سادسة، وهي لغة القطع: (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف يقول: (يا ربّ! يا ربّ! يا ربّ!)، وقرئ في سورة (يوسف) رقم [٣٣]: (قال ربّ السجن أحب إليّ...) إلخ.
والآية الكريمة كلّها في محل نصب مقول القول. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَتَ اللهِ،﴾ أو بمحذوف حال منه. ﴿إِذْ:﴾ حرف تعليل، وهو أقوى من اعتبارها ظرفية. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿فِيكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْبِياءَ:﴾ مفعول به أوّل، والجار والمجرور: ﴿فِيكُمْ﴾ هما المفعول الثاني تقدّم على الأول، والجملة الفعلية تعليل للتذكير، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. (آتاكم): فعل
стр. 1478
ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به أوّل.
﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُؤْتِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو العائد، أو الرابط. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُؤْتِ أَحَداً﴾ صلة (ما) أو صفتها، وجملة: ﴿وَآتاكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَداً،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ:﴾ المطهّرة، أو المباركة، وهي أرض ببيت المقدس، أو: أريحا، أو: فلسطين، أو الشّام كلّها. وسمّيت: مقدّسة؛ لأنّ الله جعلها بعد ذلك قرار الأنبياء، وسكن المؤمنين. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي: فرض دخولها عليكم، ووعدكم سكناها؛ إن آمنتم، وأطعتم. يدلّ على ذلك: أنّه حرّمها عليهم بعد ما عصوا الله، كما سيأتي قريبا، وكان ذلك لمّا خرجوا من مصر أمرهم الله بجهاد أهل أريحا من أرض فلسطين، فقالوا:
لا علم لنا بتلك الدّيار. فبعث موسى بأمر الله اثني عشر نقيبا؛ من كلّ سبط رجل، يتجسّسون الأخبار كما رأيت فيما سبق، فرأوا سكّانها من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة. وذكر القرطبيّ -رحمه الله تعالى-العجيب من أوصافهم التي تدلّ على قوّتهم، وجبروتهم، وهذا كان لمّا نقض النقباء العهد، وأخبروا قومهم ما عدا يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، كما قدّمته لك. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ﴾ أي: ولا ترجعوا القهقرى مرتدّين على أعقابكم، ولكن امضوا لأمر الله الذي أمركم به، أو: لا ترتدّوا عن الإيمان بالعصيان، ومخالفة الواحد الديّان. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي: فترجعوا بالخسران، والحرمان من ثواب الله في الدّنيا، والآخرة.
الإعراب: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿الْأَرْضَ:﴾ ظرف مكان عند بعض النحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام) وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً،﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا؛ بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأوّل يكون صريحا مثل: أدخلت خالدا البيت. ﴿الْمُقَدَّسَةَ:﴾ صفة
стр. 1479
﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ثانية للأرض، وجملة: ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: التي كتبها الله لكم.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَرْتَدُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى أَدْبارِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَنْقَلِبُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء على اعتبارها للسببية، وهو الأولى، والأقوى، وعلامة الجزم، أو النّصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النّصب تؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ارتداد، فانقلاب. ﴿خاسِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ. والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وهي من قول موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها﴾ يعني: في الأرض المقدّسة. ﴿قَوْماً جَبّارِينَ:﴾ قوما عاتين لا طاقة لنا بهم، ولا قوّة لنا بقتالهم. وسمّوا جبارين؛ لشدّة بطشهم، وعظم خلقهم، وكانوا ذوي أجسام طويلة، وأشكال هائلة، وهم العمالقة بقيّة قوم عاد. وأصل الجبّار في صفة الإنسان فعّال؛ من: جبره على الأمر؛ يعني: أجبره عليه، وهو العاتي الّذي يجبر الناس على ما يريد.
وقيل: مأخوذ من قولهم: نخلة جبّارة: إذا كانت طويلة، مرتفعة، لا تصل إليها الأيدي. ويقال:
رجل جبّار: إذا كان طويلا، عظيما، قويّا تشبيها بالجبّار من النّخل.
﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ يعني: أرض الجبّارين؛ التي أمرهم الله بدخولها. ﴿حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها:﴾
حتى يخرج الجبّارون من الأرض المقدّسة. وإنّما قالوا ذلك استبعادا لخروج الجبّارين من أرضهم. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ:﴾ قال العلماء بالأخبار: إنّ النقباء لمّا خرجوا يتجسّسون الأخبار لموسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ورجعوا إليه، وأخبروه خبر القوم، وما عاينوا منهم، قال لهم موسى: لا تخبروا بني إسرائيل بهذا، فيجبنوا، ويضعفوا عن قتالهم. وقيل: إنّ النقباء الاثني عشر لما خرجوا إلى أرض الجبارين، قال بعضهم لبعض:
لا تخبروا بني إسرائيل بما رأيتم، فلمّا رجعوا، وأخبروا موسى، فأمرهم ألا يخبروا بني إسرائيل
стр. 1480
بذلك، فخالفوا أمره، ونقضوا العهد، وأخبر كلّ رجل من النقباء سبطه بما رأى، إلا يوشع، وكالب. فإنّهما كتما، ووفيّا بالعهد، فلمّا علم بنو إسرائيل بذلك، وفشا ذلك فيهم؛ رفعوا أصواتهم بالبكاء، وقالوا: ليتنا متنا في أرض مصر، ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون نساؤنا، وأولادنا غنيمة لهم، وجعل الرّجل من بني إسرائيل يقول لصاحبه: تعالوا نجعل لنا رأسا، وننصرف إلى مصر. فلمّا قالوا ذلك، وهمّوا بالانصراف إلى مصر؛ خرّ موسى، وهارون ساجدين، وخرق يوشع، وكالب ثيابهما، وقالا ما في الآية التالية.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا مُوسى:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: (أدعو). (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
﴿إِنَّ:﴾ مقدّم. ﴿قَوْماً:﴾ اسمها مؤخّر. ﴿جَبّارِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الاسمية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنْ﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَدْخُلَها:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ والفاعل ضمير مستتر تقديره:
نحن، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ولعلّك تدرك معي: أنّ اتصال الضمير بالفعل ﴿نَدْخُلَها﴾ يؤيد ما ذهب إليه الأخفش، والمحققون من أنّ الاسم المنصوب بعد الأفعال (دخل، ونزل، وسكن) إنّما هو في محل نصب مفعول به، وإن كان رباعيّا دخلت عليه همزة التعدّي، فهو مفعول به ثان انظر الآية السابقة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة.
﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْها:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿مِنْها:﴾
متعلقان به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.
﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّا): حرف مشبّه بالفعل مثل سابقه. و (نا): اسمها.
﴿داخِلُونَ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محلّ المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.
стр. 1481
﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي: يخافون الله، ويراقبونه، وهما: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا على المعتمد. ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: بالعصمة، والإيمان، فكتما ما اطّلعا عليه من حال الجبابرة إلا عن موسى، ﵇، بخلاف بقية النّقباء، فإنّهم أفشوا، فجبنوا.
وقال البيضاوي تبعا للكشّاف: وقيل: كانا رجلين من الجبابرة أسلما، وسارا إلى موسى. فعلى هذا «الواو» لبني إسرائيل، والرّاجع إلى الموصول محذوف، أي: من الذين يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له: أنّه قرئ: «(الذين يخافون)» بالضمّ، أي: المخوفين وعلى المعنى الأوّل يكون هذا من الإخافة؛ أي: من الذين يخوّفون من الله بالتّذكير، أو يخوّفهم الوعيد. انتهى.
﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا:﴾ بالإيمان، واليقين، والصّلاح. ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ باب قريتهم، أي: باغتوهم، وامنعوهم من الخروج إلى الصّحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا. بخلاف ما إذا دخلتم عليهم الأبواب، فإنّهم لا يقدرون فيها على الكرّ، والفرّ لعظم أجسامهم، ولا يهولنّكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة، وقلوبهم ضعيفة جبانة. ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ:﴾ قالا ذلك تيقّنا بنصر الله، وإنجاز وعده، ولما عهداه من صنع الله بموسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا..﴾. إلخ: أي: اعتمدوا على الله، وثقوا بنصره بعد الأخذ بأسباب النصر، من تضحية، وبذل مال، ونفس في سبيل الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ بالله، وبنبوّة موسى. فلمّا قال الرجلان ذلك؛ أراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وعصوا أمرهما، وقالوا ما أخبر الله عنهم بالآية التالية:
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَجُلانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلانِ﴾. ﴿يَخافُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَنْعَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَجُلانِ،﴾ أو في محل نصب حال منهما بعد وصفهما بما تقدّم، أو هي حال من الواو، وهو ضعيف، ويجب تقدير «قد» قبلها على اعتبارها حالا، أو هي معترضة بين القول ومقوله على اعتبارها دعائية إنشائية، قاله ابن هشام
стр. 1482
-رحمه الله تعالى-: ويضعف من حيث المعنى أن تكون حالا، ولا يضعف في الصناعة لوصفها بالظرف.
﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبابَ:﴾ انظر: ﴿الْأَرْضَ﴾ في الآية [٢١]، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، فقيل:
بالجواب. واعترض بأن الجواب قد يقترن بالفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. وقيل:
بالشرط. واعترض أيضا بأنّها مضافة للشرط، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنّ القائلين: إنّ الناصب هو الشرط، لا يقولون بإضافة: «إذا» إليه، فلذا كان الثاني أرجح، وإن كان الأول أشهر، فقول بعض المعربين: خافض لشرطه، منصوب بجوابه جرى على غير الرّاجح، ولذا كانت عبارة سيبويه-رحمه الله تعالى-: (خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك) محتملة لما تريد من احتمالات، لذا فقد ذكرتها كلّما عرضت «إذا» إليّ.
﴿دَخَلْتُمُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المرجوح المشهور. ﴿فَإِنَّكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إنكم):
حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿غالِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (على الله): متعلقان بالفعل بعدهما.
﴿فَتَوَكَّلُوا:﴾ الفاء: حرف صلة. (توكلوا): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء:
اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، وجملة: ﴿وَعَلَى اللهِ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، والاستئناف ممكن.
﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها:﴾ انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿أَبَداً ما دامُوا فِيها﴾ وهذا عناد شديد، ونكول عن الجهاد، ومخالفة ظاهرة لأمر الله، وأمر موسى، على نبينا، وحبيبنا،
стр. 1483
وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ و «الأبد» عبارة عن الزمان الطويل؛ الذي لا انقطاع له، ولا يتجزأ مثل غيره من الأزمنة؛ لأنّه لا يقال: أبد كذا، كما يقال: زمن كذا، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ:﴾ وصفوا الله بالذّهاب، والانتقال، والله متعال عن ذلك. ﴿إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ:﴾ قالوا ذلك استهانة، واستخفافا بالله، وبنبيّه موسى، ﵇. ولا وجه لما قيل:
إنّ المراد ب: (ربّك): أخوك، وهو هارون؛ لأنّه كان أكبر من موسى، وكان موسى يطيعه.
وقال النسفي: من العلماء من حمله على الظّاهر، وقال: إنّه كفر منهم، وليس كذلك؛ إذ لو قالوا ذلك اعتقادا، وكفرا به؛ لحاربهم موسى، ولم تكن مقاتلة الجبّارين أولى من مقاتلة هؤلاء، ولكن الوجه فيه أن يقال: اذهب أنت وربك يعينك على قتالهم، قال الخازن: لكن قوله: فقاتلا يفسد هذا التأويل، والأصح: أنّهم قالوا ذلك جهلا منهم بالله، وبصفاته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
تنبيه: ما أكبر الفارق بين أصحاب موسى، وأصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم يوم بدر حين استشارهم في قتال النّفير، فتكلّم أبو بكر-﵁-فأحسن، ثمّ تكلّم من تكلّم من الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول: «أشيروا عليّ أيّها النّاس» وما يقول ذلك إلا يستعلم به ما عند الأنصار؛ لأنّهم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ-﵁: كأنّك تعرض بنا يا رسول الله! فو الذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته؛ لخضناه معك، ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، وإنّا لصبر في الحرب، صدق في اللّقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله! فسرّ رسول الله ﷺ بقول سعد-﵁، ونشّطه ذلك. وممّن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي-﵁، كما قال عبد الله بن مسعود-﵁-قال: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحبّ إليّ مما عدل به: أتى رسول الله ﷺ ، وهو يدعو على المشركين يوم بدر، فقال: يا رسول الله! إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن امض، ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله ﷺ أشرق لذلك، وسرّه ذلك. أخرجه البخاري.
الإعراب: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٤]، ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل قبله. ﴿ما:﴾ ظرفية مصدرية. ﴿دامُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: «دام» التقدير: ما داموا موجودين فيها، و ﴿ما﴾ والفعل: (دام) في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية،
стр. 1484
وهو بدل من: ﴿أَبَداً﴾ بدل بعض من كل، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. ﴿فَاذْهَبْ:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر. (اذهب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَرَبُّكَ:﴾ معطوف على الضمير، وجاز ذلك للتأكيد بالضمير المنفصل، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
وإن على ضمير رفع متّصل... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
وقد نقل الجمل عن السّمين ثلاثة وجوه أخرى في إعرابه، لا داعي لها، وهو تكلّف.
ومثل هذه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٣٥]: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. والجملة الفعلية:
(اذهب) في محل نصب مقول القول، وعلى اعتبار الفاء الفصيحة فلا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط محذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا منّا؛ فاذهب، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والأول أولى؛ لأنّه لا يحوج إلى تقدير محذوف. ﴿فَقاتِلا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿هاهُنا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بما بعده. ﴿قاعِدُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتّعليل.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ: لمّا نكل بنو إسرائيل عن القتال مع موسى غضب عليهم، وقال داعيا متوسلا ضارعا: ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي: افصل، وقيل: احكم، ومن الأوّل قول الشّاعر: [الرجز]
يا ربّ فافرق بينه وبيني... أشدّ ما فرقت بين اثنين
﴿الْفاسِقِينَ:﴾ جمع فاسق، وهو الخارج عن حدّ الإيمان. وأصل الفسوق: الخروج عن حدّ القصد. والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأول: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها. فإذا
стр. 1485
شارف هذا المقام، وتخطّى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التّغابي، أو الانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتّصديق؛ الذي هو مسمّى الإيمان. انتهى. بيضاوي.
تنبيه: توجّه موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-إلى ربه بهذا الكلام، باثّا حزنه إليه تعالى لمّا خالفه قومه، ولم يبق معه موافق يثق به إلا هارون أخوه، والرّجلان المذكوران، وإن كانا يوافقانه، ولكنّه لم يثق بهما؛ لما رأى من فسوق قومه، وعصيانهم لأوامر الله تعالى. وقيل: يجوز أن يراد بأخي من يؤاخيني في الدّين، فيدخلان حينئذ، وشكواه ممزوجة برقة القلب، والأسف الشديد. بمثل ذلك يستجاب الدّعاء، وتستجلب الرّحمة، وتستنزل النّصرة، ولذا غضب الله على بني إسرائيل، وفعل بهم ما تراه في الآية التالية.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، وانظر ما يجوز فيه من أوجه الإعراب في الآية رقم [٢٠]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَفْسِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محلّ جر بالإضافة. ﴿وَأَخِي:﴾ ذكر فيه الجمل نقلا عن السمين ستة أوجه: أظهرها: أنّه منصوب عطفا على: ﴿نَفْسِي﴾. الثاني: أنّه منصوب عطفا على اسم: (إنّ) وخبره محذوف أيضا، والرابع: أنّه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف للدلالة المتقدّمة، ويكون قد عطف جملة اسمية غير مؤكدة على جملة اسمية مؤكدة ب: (إنّ). الخامس: أنّه مرفوع عطفا على الضمير المستتر في الفعل قبله، التقدير: ولا يملك أخي إلا نفسه، وجاز ذلك للفصل.
السادس: أنّه مجرور عطفا على ياء المتكلم، وهو جائز على مذهب الكوفيين، وغير جائز على مذهب البصريين للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. انتهى بتصرّف منّي. هذا؛ وقد زاد ابن هشام في شذور الذهب وجوها أخر ضعيفة، أوصلها إلى أحد عشر.
﴿فَافْرُقْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا منهم؛ فافرق... إلخ. (افرق): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و (نا) في محل جر بالإضافة والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
стр. 1486
﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ الله : ﴿فَإِنَّها﴾ أي: الأرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً:﴾ ظرف زمان، فإن علّق ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ كان التحريم موقتا بهذه المدّة غير مؤبّد، ويؤيد ذلك ما روي: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-سار بعدها بمن بقي معه من بني إسرائيل، ففتح أريحا، وأقام فيها ما شاء الله، ثمّ قبض. وقيل: إنّه قبض في التّيه، ولما احتضر؛ أخبرهم بأنّ يوشع بعده نبيّ، وأنّ الله أمره بقتال الجبّارين، فسار يوشع بهم، وقتل الجبابرة، وصار الشّام كله لبني إسرائيل. وإن علق الظرف بالفعل: ﴿يَتِيهُونَ﴾ أي: يسيرون فيها متحيرين، لا يرون طريقا، ولا يعرفون أين يسيرون، فيكون التحريم مطلقا. روي: أنّه لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممّن قال: ﴿إِنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾. بل هلكوا جميعا في التيه. هذا؛ والتّحريم المذكور تحريم منع، لا تحريم شرع. قاله أكثر المفسّرين، ومنه قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [١١٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري... إنّي امرؤ صرعي عليك حرام
ف: «حرام» بكسر الميم، انظر كتابنا المذكور لتعرف لماذا كسرت الميم؟ وأصل التيه في اللغة: الحيرة، يقال منه: تاه، يتيه، تيها، وتوها، إذا تحيّر، والأرض التيهاء: التي لا يهتدى فيها. قال الشاعر: [الطويل]
بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي: لا تأسف، ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به، فإنّهم مستحقون ذلك، ففيه تسلية لموسى-﵇-لمّا ندم على الدّعاء عليهم، وبيّن: أنّهم أحقاء بذلك العذاب لفسقهم، ولم يقل: «فلا تأس عليهم» وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الفسوق، ورسوخه في قلوبهم و «الأسى»: الحزن، وأسي، يأسى، أسى، أي: حزن. قال امرؤ القيس في معلّقته: [الطويل]
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
وشرح التيه: أنّهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا، وكانوا ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون من الصّباح إلى المساء، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه، ويسيرون من المساء إلى الصباح فإذا هم في المكان نفسه، وكان ذلك عقوبة لبني إسرائيل، ما خلا موسى. وهارون، ويوشع، وكالب، فإنّ الله سهّله عليهم، وأعانهم عليه، كما سهّل النار على
стр. 1487
إبراهيم، وجعلها عليه بردا، وسلاما. وبقاء هذا الجمع العظيم في هذه المساحة من الأرض مدّة أربعين سنة، بحيث لم يخرج منهم أحد، إنّما هو من باب خرق العادة، وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد.
ولمّا آذاهم حرّ الشمس؛ أرسل الله عليهم الغمام يظلّهم في النهار، وأرسل عمودا من نور يطلع في الليل، فيضيء لهم طريقهم، وكان طعامهم من المنّ، والسلوى، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٧] مذكّرا الأبناء بنعمه على الآباء: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾. وكان ماؤهم من الحجر الّذي يحملونه، فيضربه موسى بعصاه، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠]: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ..﴾. إلخ، ومثلها في الأعراف رقم [١٦٠]، ولكن نفوسهم الخبيثة كرهت المنّ، والسّلوى، وطلبوا الثّوم، والبصل، وغيرهما، وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ..﴾. إلخ. هذا؛ وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم دائمة، فينشأ الناشئ منهم فتكون معه على مقدار هيئته، ولا تبلى حتّى يموت.
تنبيه: توفي هارون ﵇ في التيه قبل موسى، ولم يره بنو إسرائيل، فقالوا لموسى:
أنت قتلته لحبّنا إيّاه، وكان ﵇ رفيقا لطيفا بهم، فقال موسى: ويحكم إنّ هارون أخي، أفتروني أنّي أقتله؟! فلما أكثروا عليه؛ قام فصلى ركعتين، ثمّ دعا الله- -فرفعت الملائكة سرير هارون بأمر الله ؛ حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلّمت الملائكة بموته، فصدقت بنو إسرائيل: أنّه مات. وبرّأ الله موسى ممّا قالوه، ثمّ إنّ الملائكة حملوه، ودفنوه، ولم يطّلع على موضع قبره أحد.
وفي رواية أخرى: أوحى الله إلى موسى أن انطلق بهم إلى قبره فإنّي باعثه؛ حتى يخبرهم:
أنّه مات موتا، ولم تقتله. فانطلق بهم إلى قبره، فنادى: يا هارون! فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟! قال: لا، ولكنّي متّ، قال: فعد إلى مضجعك. وانصرف.
وأمّا موسى-﵇، فقال ابن إسحاق: كان صفيّ الله موسى-﵇-قد كره الموت، وأعظمه، فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع بن نون، فكان موسى يغدو، ويروح إليه، ويقول له: يا نبيّ الله! ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع: يا نبيّ الله ألم أصحبك كذا، وكذا سنة؟ فهل كنت أسألك عن شيء ممّا أحدث الله إليك حتى كنت أنت تبتدئ به، وتذكره لي؟ ولا يذكر له شيئا، فلمّا رأى موسى ذلك كره الحياة، وأحبّ الموت. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أرسل ملك الموت إلى موسى، ﵊، فلمّا جاءه صكّه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربّه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما
стр. 1488
غطّت يده بكلّ شعرة سنة، قال: أي ربّ! ثمّ مه؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالآن». فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر، فقال رسول الله ﷺ : «فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق تحت الكثيب الأحمر». أخرجه مسلم.
واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت، وفقئها على أقوال كثيرة، والصّحيح من هذه الأقوال: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-عرف ملك الموت، وأنّه جاءه ليقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنّه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نصّ عليه نبيّنا محمد ﷺ من أنّ الله لا يقبض روح نبيّ حتى يخيّره، فلمّا جاء على غير هذا الوجه الذي أعلم؛ بادر بشهامته، وقوّة نفسه إلى أدبه، فلطمه، ففقأ عينه امتحانا لملك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتّخيير، وممّا يدل على صحة هذا: أنّه لما رجع ملك الموت، فخيره بين الحياة والموت؛ اختار الموت، واستسلم. والله بغيبه أحكم، وأعلم، هذا أصحّ ما قيل في وفاة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا، وأخبارا الله أعلم بصحّتها، وفي الصحيح غنية عنها، وكان عمره مائة وعشرين سنة يوم توفي.
خاتمة: بعد وفاة موسى، وهارون في التيه على المعتمد تولى يوشع-﵇-أمر بني إسرائيل؛ لأنّ الله منحه النبوة، والرسالة، فلمّا انقضت الأربعون سنة أخبرهم أنّ الله قد أمره بقتال الجبّارين، فصدّقوه، وتابعوه، فتوجه بهم إلى مدينة الجبّارين، وهي أريحا، وقيل:
بيت المقدس، فحاصرها حتى فتحها، وكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، وبقيت من الجبّارين بقيّة، وكادت الشمس أن تغرب، وخشي دخول السّبت عليهم، فقال مخاطبا الشمس: إنّك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ! فحبسها الله؛ حتّى فتحها، وأمره الله أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة المفتوحة سجّدا، وأن يقولوا: حطّة، أي: حطّ عنا يا ربنا ذنوبنا. فبدّلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبّة في شعرة. انظر الآيتين [٥٨ و ٥٩] من سورة (البقرة)، والآيتين رقم [١٦١ و ١٦٢] من سورة (الأعراف)، حيث انتقم الله منهم، وإذا عرفت: أنّ الذين كانوا مع يوشع ﵇ هم أبناء الذين خالفوا أمر موسى ﵇، وتاهوا؛ عرفت الخبث، واللّؤم المتأصّل في اليهود.
والحكمة في حبس الشمس على يوشع-﵇-عند قتاله الجبّارين، وإشرافه على فتح المدينة المذكورة عشيّ يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح: أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السّبت، ويعلم به عدوهم فيعمل بهم السّيف، ويجتاحهم، فكان ذلك آية خصّ بها بعد أن كانت نبوّته ثابتة بخبر موسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 1489
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء:
حرف صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. التقدير: إذا كان هذا فعلهم؛ فإنّها... إلخ. (إنّها): حرف مشبه بالفعل. و (ها): اسمها. ﴿مُحَرَّمَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب ﴿مُحَرَّمَةٌ،﴾ أو بالفعل بعده على نحو ما رأيت في التفسير، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿سَنَةً:﴾ تمييز، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَتِيهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (على) على تعليق الظرف ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ:﴾ ومستأنفة لا محلّ لها على تعليق الظرف بالفعل:
﴿يَتِيهُونَ﴾. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ صفة القوم.
﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾
الشرح: المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى تمرّد بني إسرائيل، وعصيانهم لأمر الله في قتال الجبّارين؛ ذكر قصّة ابني آدم، وعصيان قابيل لأمر الله، وإقدامه على قتل النّفس البريئة؛ الّتي حرّمها الله، فاليهود اقتدوا في العصيان بأول عاص لله في الأرض، فطبيعة الشرّ، والفساد فيهم مستقاة من ولد آدم الأوّل، فتشابهت القصتان من حيث التمرّد، والعصيان. ثم ذكر الله تعالى عقوبة قطاع الطّريق، والسّرّاق الخارجين على أمن الدولة، والمفسدين في الأرض فيما يأتي من الآيات.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اقرأ على أهل الكتاب الحاسدين لك. ﴿نَبَأَ:﴾ خبر. ﴿اِبْنَيْ آدَمَ:﴾ هما:
هابيل، وقابيل. و ﴿آدَمَ:﴾ اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض، أي من وجهها وترابها، أو من الأدمة بمعنى الألفة، قال سعيد بن جبير-﵁:
إنّما سمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وإنّما سمي إنسانا؛ لأنّه نسي، وكنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] سورة (البقرة) وما بعدها.
وأصله أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في: إيمان، فإنّ أصله: إئمان، وكما قلبت في: أومن فإن أصله: أأمن.
стр. 1490
هذا؛ و (الحق) ضدّ الباطل، قال الرّاغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق: المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و (الحقّ) يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة. ذلك؛ ويقال: فعل الله كلّه حق، نحو: الموت حقّ، والحساب حقّ، والجزاء حق... إلخ، ويقال للاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشّيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حقّ. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، نحو: قولك حقّ، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى. بغدادي.
﴿قُرْباناً:﴾ هو اسم لما يتقرّب به إلى الله تعالى، من ذبيحة، أو صدقة، أو صوم... إلخ، وقيل: هو مصدر، ولذا فإنّه لم يثنّ، أي: لم يقل: قربانين؛ مع كونهما اثنين. ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما:﴾ وهو هابيل، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [١٥٢] من سورة (النساء)، فرفع قربان هابيل إلى الجنة، فلم يزل فيها إلى أن فدي به الذّبيح إسماعيل ﵇. ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ:﴾ هو قابيل. ﴿قالَ:﴾ أي: قابيل. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ:﴾ توعّد أخاه هابيل بالقتل لفرط حسده على تقبّل قربانه. ﴿قالَ﴾ أي: هابيل. ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: تقبل الله قرباني لحسن نيّتي، وتقواي. وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه؛ لخبث نيّته، وسوء فعله.
تنبيه: روي: أنّ حوّاء-﵍-كانت تلد لآدم-﵇-بعد هبوطها من الجنة في كل بطن غلاما، وجارية إلا «شيثا» ﵇، فإنّها وضعته مفردا عوضا عن هابيل بعد قتله، وجملة أولادهما تسعة وثلاثون في عشرين بطنا، عشرون من الذكور، وتسعة عشر من الإناث أوّلهم قابيل، وتوأمته إقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم، فلم يمت؛ حتى رأى ولده، وولد ولده قد بلغوا أربعين ألفا، وكان إذا كبر أولاده؛ زوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر؛ لأنّه لم يكن نساء إلا أخواتهم، واستمرّ ذلك حتّى عهد نوح، عليه الصّلاة، والسّلام، فنسخ ذلك بتحريم الأخت مطلقا.
فلمّا كبر قابيل، وهابيل، وكان الأوّل أكبر من الثاني بسنتين أمر آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل، وأن يزوج هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت أجمل من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما، فرضي هابيل، وسخط قابيل، وقال: هي أختي، وأنا أحق بها، فقال له أبوه: إنّها لا تحلّ لك.
فأبى، وقال: إن الله لم يأمرك بهذا، وإنّما هو رأيك، فقال لهما: قربا لله قربانا، فأيكما تقبّل قربانه؛ فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا قبلت؛ نزلت نار بيضاء من السماء فأكلتها، وإن لم تكن مقبولة؛ لم تنزل النار، بل تأكلها الطيور، والسباع، فخرجا من عند آدم؛ ليقربا القربان، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام رديء، وأضمر في نفسه: لا أبالي: قبل، أم لم يقبل؟ لا يتزوج أختي أحد غيري، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه،
стр. 1491
وأضمر في نفسه ابتغاء مرضاة الله، فوضعا قربانيهما على جبل، ثمّ دعا آدم، فنزلت نار من السّماء، فأكلت قربان هابيل، فغضب قابيل، وأضمر الشرّ في نفسه إلى أن حجّ آدم كعبة الله في مكة المكرمة، فأتى هابيل، وهو في غنمه، وقال: لأقتلنّك؛ لأنّ الله تقبّل قربانك، وردّ قرباني، فقال هابيل: وما ذنبي إنّما يتقبل الله من المتّقين... إلخ.
قال المرحوم عبد الوهاب النجار في كتابه: (قصص الأنبياء): وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة الدّم، مشهورة بأنّها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عنده، ثم قال: وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير، غير الحافظ: أنّه رأى النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وهابيل، أي: في المنام، وأنّه استحلف هابيل: أنّ هذا دمه، فحلف له، وذكر: أنّه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدّعاء، فأجابه إلى ذلك، وصدقه الرسول ﷺ وقال: إنّه، وأبا بكر، وعمر يزورون هذا المكان كلّ خميس، والله أعلم.
أقول: قد زرت ذلك المكان في عام (١٩٥٨ م) ورأيت الدم لا يزال متجمّدا على الصخرة ماثلا يشاهد بالعين الباصرة بلا ريب، ولا خفاء. والله أعلم بحقيقة الأمر، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٠] من سورة (الأعراف) فإنّه جيد، والحمد لله!
تنبيه: ذكر الله هذه الحادثة لنبيه ﷺ ، وقال له: اقرأها على اليهود اللّؤماء، وذلك كبرهان قاطع على صحّة نبوّته؛ لأنّه لم يكن يعرف القراءة، والكتابة، وقد أتى بأخبار الأوّلين، وهذا غيض من فيض، ومن قرأ القرآن، وتدبّره يجد الكثير من ذلك موجودا بين دفتيه، وهذه الحادثة مذكورة في التّوراة بكاملها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتل): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره. وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما في الآية رقم [٢٠] وما بعدها؛ لأنّ الواو عاطفة حادثة على حادثة. ﴿نَبَأَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اِبْنَيْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿اِبْنَيْ:﴾ مضاف، و ﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ أي: ملتبسا بالحقّ، وقيل: من الضمير المستتر بالفعل، والأوّل أقوى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نَبَأَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، وتعليقه بالفعل: (اتل) لا بأس به. ﴿قَرَّبا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين فاعله. ﴿قُرْباناً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
﴿فَتُقُبِّلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تقبّل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى القربان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿مِنْ أَحَدِهِما:﴾
стр. 1492
متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.
﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُتَقَبَّلْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم) ونائب الفاعل يعود إلى القربان. ﴿مِنَ الْآخَرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى قابيل تقديره: هو. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف تقديره: والله، وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره:
أقسم بالله. (أقتلنك): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ الّتي هي حرف لا محلّ له، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدّر، لا محلّ لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى هابيل، تقديره: «هو». ﴿إِنَّما:﴾
كافة، ومكفوفة. ﴿يَتَقَبَّلُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله، ومفعوله محذوف؛ أي: يتقبّل الله القربان.
﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها؛ لأنّها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر كالتي قبلها.
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ..﴾. إلخ؛ أي: لئن قصدت قتلي؛ فأنا لا أقصد قتلك؛ فهذا استسلام من هابيل، ﵇، فبسط اليد كناية عن البطش، والفتك، انظر الآية رقم [١١]، وفي الخبر:
«إذا كانت الفتنة؛ فكن خير ابني آدم». وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
قلت: يا رسول الله! إن دخل عليّ بيتي، وبسط يده إليّ؛ ليقتلني؟ فقال رسول الله ﷺ : «كن كخير ابني آدم» وتلا هذه الآية، وقال عبد الله بن عمر-﵄-وجمهور الناس: كان هابيل أشدّ قوة من قابيل، ولكنّه تحرّج. قال ابن عطية: وهذا هو الأظهر، ونحو هذا فعل عثمان-﵁-حين حصره المجرمون، وعرض عليه عليّ، وجماعة من الصّحابة المناصرة، ولكنّه أبى، قال أيوب السّختياني: إنّ أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمّة عثمان بن عفان، ﵁، وروي: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل».
الإعراب: ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير: والله. (إن): حرف شرط جازم.
﴿بَسَطْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَقْتُلَنِي:﴾ فعل
стр. 1493
مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل ﴿بَسَطْتَ﴾.
﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محلّ رفع اسمها. ﴿بِباسِطٍ:﴾ حرف جر صلة. (باسط): خبر: ﴿ما﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر تقديره:
أنا. ﴿يَدِيَ:﴾ مفعول به ل: (باسط) منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (باسط)، والجملة الاسمية: ﴿ما أَنَا..﴾. إلخ جواب القسم لا محلّ لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والكلام: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ لأنّه من قول هابيل.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: أنا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و ﴿رَبَّ:﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء... إلخ. وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتّعليل.
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿إِنِّي أُرِيدُ..﴾. إلخ: المعنى: إن أردت قتلي؛ فأنا لا أريد قتلك؛ لأنّي أريد أن تحمل وزري؛ إن قتلتني. وهذا يعضده قوله ﷺ : «يؤتى يوم القيامة بالظّالم، والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظّالم، فتزاد في حسنات المظلوم؛ حتّى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات؛ أخذ من سيّئات المظلوم، فتطرح عليه». أخرجه مسلم بمعناه، ويعضده قوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. وحديث: «أتدرون من المفلس؟» مشهور مسطور. ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ أي: من المخلّدين فيها، الملازمين لها. ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس-﵄: خوّفه بالنار، فلم ينته، ولم ينزجر.
стр. 1494
هذا؛ و ﴿تَبُوءَ:﴾ ترجع، وتنقلب، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ،﴾ ومنه قول النبي ﷺ في حديث سيد الاستغفار. «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي» أي: أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك؛ لتغفره لي. وأصله في اللغة: الرّجوع، ومثله:
«آب» بتقديم الهمزة على الباء، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته [٦٥]: [الوافر]
فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا
﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. أمّا ﴿أَصْحابِ﴾ فإنّه جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصّديق، ويجمع على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثمّ يجمع أصحاب على: أصاحيب، ثم يخفّف، فيقال: أصاحب. ﴿النّارِ:﴾ أصلها النّور، يقال: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنّث المجازي، وقد تذكّر، وتصغيرها نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة. هذا؛ وقد جعل الله الكفار ﴿أَصْحابِ النّارِ﴾ بمعنى: مالكيها، لملازمتهم، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾.
هذا؛ ويكنّى بها عن جهنّم؛ التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين المفسدين يوم الدّين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضّيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]
وألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها
﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ:﴾ هذا من مقول الله تعالى، فيكون فيه وعيد، وتهديد لكلّ معتد، وظالم، وإن كان من مقول هابيل؛ ففيه وعظ مشوب بالتّهديد، والوعيد. وإنّما قال له هذا بعد أن وعظه، واستعطفه، وذكّره الله تعالى، فلم يرجع، ولم ينته، فلمّا رآه هابيل قد صمّم على القتل؛ قال له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَبُوءَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: أنت، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل آخر للنفي في الآية السابقة، وهي من مقول هابيل أيضا. ﴿بِإِثْمِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِثْمِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَكُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تكون): معطوف على: ﴿تَبُوءَ﴾ منصوب مثله وهو مضارع ناقص، واسمه مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر:
(تكون)، و ﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله،
стр. 1495
وفاعله مستتر فيه. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ:﴾ زينت، وسهّلت. من: طاع له المرتع: إذا اتّسع، وسهل.
وذلك: أنّ الإنسان إذا تصوّر: أنّ قتل النفس من أكبر الكبائر؛ صار ذلك صارفا له عن القتل، فإذا سهّلت عليه نفسه هذا الفعل؛ فعله بغير كلفة. وقرئ: «(فطاوعت له نفسه)». ﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي: هابيل. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: خسر دنياه، وآخرته، أمّا دنياه؛ فأسخط والديه، وبقي بلا أخ، وأمّا آخرته فأسخط ربّه، وصار إلى النّار. وانظر (الخسران) في الآية رقم [١١٩] من سورة (النّساء).
قال ابن جريج: لمّا قصد قابيل قتل هابيل، فلم يدر كيف يقتله؟ فتمثّل له إبليس، وقد أخذ طيرا، فوضع رأسه على حجر، ثمّ رضخه بحجر آخر، وقابيل ينظر، فعلّمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين؛ وهو نائم مستسلم صابر، وقيل: بل اغتاله؛ وهو نائم فقتله، وكان ابن عشرين سنة، واختلف في المكان اختلافا كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] واعتمده.
عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقتل نفس ظلما إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها؛ لأنّه أوّل من سنّ القتل». أخرجه السّتّة ما عدا أبا داود، ثمّ إنّه هرب إلى أرض عدن من اليمن، فأتاه إبليس، وقال له: إنّما أكلت النّار قربان أخيك؛ لأنّه كان يعبدها، فانصب أنت نارا تكون لك، ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من عبد النّار فيما قيل، والله أعلم.
وروي عن ابن عباس-﵄-أنّه لمّا قتل قابيل هابيل، وآدم بمكّة؛ اشتاك الشّجر، وتغيّرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرّت الأرض، فقال آدم- على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند؛ فإذا قابيل قد قتل هابيل، وروي: أنّه لما تغيّرت الحال؛ قال: [الوافر]
تغيّرت البلاد ومن عليها... فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّر كلّ ذي طعم ولون... وقلّ بشاشا الوجه المليح
ويروى عن ابن عباس-﵄: أنّه قال: من قال: إنّ آدم قال شعرا؛ فقد كذب، وإن محمّدا ﷺ والأنبياء كلّهم في النهي سواء. يروى: أنّ إبليس أخزاه الله جاء إلى
стр. 1496
حواء مسرعا، فقال لها: يا حواء! إنّ قابيل قتل هابيل، فقالت: ويحك! وأيّ شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتحرك. قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم، وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلّمه، ورجع إليها مرّتين، فلم تكلّمه، فقال: عليك الصّيحة وعلى بناتك، وأنا وبنيّ منها براء.
ولمّا مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين. وقيل:
بخمسين سنة، ولدت حواء له «شيثا»، وتفسيره: هبة الله، أي: خلفا من «هابيل» فأنزل الله عليه خمسين صحيفة، وصار وصيّ آدم، ووليّ عهده، والصّحائف فيها أحكام، وعظات، وتبيين عبادات.
الإعراب: ﴿فَطَوَّعَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (طوعت): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿نَفْسُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قَتْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أَخِيهِ:﴾
مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقَتَلَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى «قابيل» والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. (أصبح): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى «قابيل» تقديره: هو. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر: (أصبح) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.
﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ:﴾ يحفر الأرض بمنقاره، ورجليه. ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي:﴾ يدفن. ﴿سَوْأَةَ أَخِيهِ:﴾ جسده الميت، فإنّه يستقبح أن يرى مكشوفا متروكا في العراء. ﴿قالَ:﴾ أي: قابيل. ﴿يا وَيْلَتى:﴾ كلمة تحسر، وتلهّف، تقال عند وقوع الدّاهية العظيمة. قال الزجاج: أصلها: يا ويلتي: فأبدل من الياء ألفا؛ لأنّها أخف من الياء، والكسرة.
هذا؛ ويقرأ فيها وفي مثلها بالياء على الأصل. قال البيضاوي: أصله في الشرّ، فأطلق على كل أمر فظيع، وجاءت في سورة (هود) رقم [٧٢] للتعجّب. ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ﴾ يعني: مثل هذا الغراب الذي وارى الغراب الآخر في الحفرة؛ الّتي حفرها. ﴿فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي:﴾ أي: فأستر جثّته، وعورته عن الأعين.
стр. 1497
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ:﴾ يعني: على حمله، لا على قتله. وقيل: إنّه ندم على قتل أخيه؛ لأنّه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه، وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنّه جنى جناية، واقترف ذنبا عظيما بقتله، فلم يكن ندمه ندم توبة، وخوف، وإشفاق من قتله، فلأجل ذلك لم ينفعه الندم. هذا؛ والغراب طائر أسود يتشاءم النّاس به. ويجمع على: أغرب، وغرب، وأغربة، وجمع الجمع: غربان.
خاتمة: قال أصحاب الأخبار: لمّا قتل قابيل أخاه هابيل؛ تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع به؛ لأنّه أول ميت من بني آدم، فقصدته السّباع لتأكله، فحمله على ظهره في جراب؛ حتى أنتن، فبعث الله غرابين، فاقتتلا؛ حتى قتل أحدهما الآخر، فحفر بمنقاره، ورجليه حفيرة، ثم ألقاه فيها، وواراه التراب، وقابيل ينظر، فلمّا رأى ذلك من فعل الغراب؛ قال: يا ويلتى... إلخ:
فأصبح من النادمين على حمله، لا على قتله، فلم يكن ندمه ندم توبة وخوف من فعله، فلأجل هذا لم ينفعه الندم.
وأمّا قابيل؛ فذهب طريدا شريدا، وأخذ بيد أخته إقليما، وهرب بها إلى أرض اليمن كما قدّمته، وعبد النّار، وفعلت ذريته من بعده الفواحش، والمنكرات حتى أغرقهم الله جميعا بالطّوفان في زمن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فلم يبق من ذرية قابيل أحد، وأبقى الله ذرية شيث، ونسله إلى يوم القيامة.
ولمّا مات قابيل؛ علقت إحدى رجليه بفخذه، وعلق بها، فهو معلق بها إلى يوم القيامة، وجهه إلى الشمس حيث دارت، وعليه حظيرة من نار في الصّيف، وخطيرة من ثلج في الشتاء، فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَبَعَثَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بعث الله غرابا): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَبْحَثُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿غُراباً﴾.
﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿غُراباً﴾.
﴿لِيُرِيَهُ:﴾ اللام: حرف جر وتعليل. (يريه): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ على المعتمد، وقيل: إلى (الغراب)، والهاء مفعول به أول، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبله: (بعث)، ويكون الفاعل عائدا إلى: ﴿اللهُ،﴾ أو بالفعل: ﴿يَبْحَثُ﴾ فيكون الفاعل عائدا إلى: (الغراب). ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل:
﴿يُوارِي﴾ بعده، الذي هو فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى «قابيل». ﴿سَوْأَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و ﴿أَخِيهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ يُوارِي..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (يري).
стр. 1498
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «قابيل». ﴿يا وَيْلَتى:﴾ (يا): حرف نداء، وندبة ينوب مناب: أدعو. (ويلتى): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والمنقلبة ألفا في الندبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، والمعنى: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك.
﴿أَعَجَزْتُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (عجزت): فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: أنا. ﴿مِثْلَ:﴾
خبر ﴿أَكُونَ﴾ و ﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، واسم الإشارة: ﴿هذَا﴾ مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له، أو عطف بيان له، وبعضهم يعتبره نعتا له، و ﴿أَنْ﴾ و ﴿أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هو منصوب بنزع الخافض.
﴿فَأُوارِيَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أواري): معطوف على: (أكون) منصوب مثله، وقيل:
الفاء للسببية، والفعل منصوب ب: «أن» مضمرة بعدها، ولا وجه له، والفاعل مستتر تقديره: أنا.
﴿سَوْأَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أَخِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿يا وَيْلَتى..﴾. إلخ كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ:﴾ انظر مثلها في الآية السابقة، وهي معطوفة على جملة: (بعث الله...) إلخ. أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾
الشرح: المناسبة بين هذه الآية وبين ما تقدّم تتجلّى فيما يلي: إنّ اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة في الزّجر عن قتل النّفس؛ أقدموا على قتل الأنبياء، والرّسل، وذلك يدلّ على قساوة قلوبهم، وبعدهم عن الله، . ولمّا كان الغرض من ذكر هذه القصّة-أي:
المتقدمة-تسلية النّبيّ ﷺ على ما أقدم عليه اليهود من الفتك به، وبأصحابه؛ فتخصيص بني إسرائيل بالذّكر في هذه الآية مناسب للكلام السّابق، وتوكيد للمقصود. والله أعلم. انتهى.
خازن. بتصرف.
стр. 1499
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ:﴾ أي: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما، وعدوانا، وبسبب جنايته عليه.
﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم، وفرضنا عليهم، وأعلمناهم، وتخصيص بني إسرائيل بالذّكر، وقد تقدّمتهم أمم قبلهم؛ كان قتل النفس فيهم محظورا؛ لأنّهم أوّل أمّة نزل الوعيد عليهم في قتل النّفس مكتوبا في التّوراة، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، فغلّظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم، وسفكهم الدّماء.
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ..﴾. إلخ: أي: من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحلّ قتلها بلا سبب، ولا جناية فكأنّما قتل الناس جميعا. وفي تأويل ذلك أقوال كثيرة، فروي عن ابن عباس-﵄: أنّه قال: المعنى: من قتل نبيّا، أو إمام عدل، فكأنّما قتل الناس جميعا، ومن أحياه بأن شدّ عضده، ونصره؛ فكأنّما أحيا الناس جميعا. وعنه أيضا: أنّه قال: المعنى: من قتل نفسا واحدة، وانتهك حرمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعا. ومن ترك نفسا واحدة، وصان حرمتها، واستحياها خوفا من الله؛ فهو كمن أحيا النّاس جميعا. وبالجملة: فقد حرّم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بظلم، وعدوان. وهذا صريح قول الرسول ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيّب الزّاني، والنّفس بالنّفس، والتّارك لدينه، المفارق للجماعة». أخرجه الخمسة ما عدا ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود، ﵁.
قال سعيد بن جبير-﵁: من استحلّ دم مسلم؛ فكأنّما استحلّ دماء الناس جميعا، ومن حرّم دم مسلم؛ فكأنّما حرّم دماء الناس جميعا. والأقوال في ذلك كثيرة، وأكتفي بهذا. هذا؛ و «الإحياء» يكون بسبب عفو، أو منع من قتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة، كغرق، وحرق... إلخ؛ فكأنّما فعل ذلك بالناس جميعا، والمقصود تهويل أمر القتل، وتفخيم شأن الإحياء. هذا؛ وبين: ﴿قَتَلَ﴾ و ﴿أَحْيَا﴾ طباق وهو من المحسّنات البديعيّة.
﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالبراهين السّاطعة، والحجج الدّامغة، والدّلائل الواضحة. ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود. ﴿بَعْدَ ذلِكَ:﴾ أي: بعد مجيء الرّسل.
﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ:﴾ متجاوزون حدود الله. وإنّما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ لأنّه تعالى علم أنّ منهم من يؤمن بالله ورسوله، وهم قليل من كثير، كعبد الله بن سلام، وأصحابه. وفيه تقريع لهم، وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، وما أكثر ما وبّخهم الله، وقرّعهم على فسادهم. ومن قرأ القرآن وتدبّر معانيه؛ يجد ذلك في كثير من سوره.
بعد هذا: بين ﴿قَتَلَ﴾ و ﴿أَحْيَا﴾ طباق، وهو من المحسنات البديعية. وفي قوله تعالى:
﴿أَحْياها﴾ استعارة؛ لأنّ المراد استبقاها حيّة، ولم يتعرّض لقتلها، وإحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه إلا الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 1500
هذا؛ وقوله تعالى: ﴿كَتَبْنا﴾ فإنّه يكثر التعبير بمثل هذا في القرآن الكريم، قال ابن تيميّة -رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح): وقوله تعالى: (جعلنا) (أعطينا) (إنا) (نحن) (نقص) و (نعطي) لفظ يقع في جميع اللّغات على من كان له شركاء، وعلى الواحد العظيم المطاع، الّذي له أعوان يطيعونه؛ وإن لم يكن له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنّا، نحن، وفعلنا، وضربنا... إلخ، ولا يريدون أنّهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك ربّ العالمين، وربّ كلّ شيء، ومليكه هو أحقّ أن يقول: إنّا، نحن... إلخ مع أنّه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السّماوات، والأرض. انتهى.
أقول: و (نا) هذه تسمّى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلّم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا، وليس معه أحد، وهذا مستعمل، وواقع.
الإعراب: ﴿مِنْ أَجْلِ:﴾ متعلّقان بالفعل بعدهما، وقيل: متعلّقان ب: ﴿النّادِمِينَ﴾ وهو ضعيف، و ﴿أَجْلِ:﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿كَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة إعرابا، ومتّصلة بما قبلها معنى، كما ذكرته في الشّرح. ﴿عَلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وعلامة جرّه الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وهو ضمير الشأن. ﴿مِنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَتَلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى:
﴿مِنْ﴾ تقديره: هو. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله المستتر، و (غير) مضاف، و ﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿فَسادٍ:﴾ معطوف على ﴿نَفْسٍ:﴾ التقدير: غير فساد، وقرئ بالنّصب على أنّه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أو عمل فسادا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَسادٍ،﴾ وهما متعلقان به؛ لأنّه مصدر. ﴿فَكَأَنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (كأنّما): كافة، ومكفوفة. ﴿قَتَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿جَمِيعاً:﴾
حال من ﴿النّاسَ،﴾ وجملة: ﴿فَكَأَنَّما..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ، الذي هو ﴿مِنْ﴾ مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ والجملة
стр. 1501
الفعلية بعدها صلتها، وجملة (كأنّما... إلخ) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿كَتَبْنا﴾.
﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمة في الآية رقم [١٢]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به.
﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله. و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيراً﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق ب: (مسرفون) بعده، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾
متعلقان ب: (مسرفون) أيضا. ﴿لَمُسْرِفُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مسرفون) خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ معطوفة على الجملة القسمية، لا محلّ لها مثلها.
﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يحاربون شريعة الله، ودينه، وأولياءه، وهم المؤمنون، فهو على حذف المضاف، وفي الحديث القدسي: «من أهان لي وليّا؛ فقد بارزني بالمحاربة». وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى يقول: من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب». أخرجه البخاريّ، رحمه الله تعالى. ومنه قول الرسول ﷺ : «من آذى جاره؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن حارب جاره؛ فقد حاربني، ومن حاربني؛ فقد حارب الله». رواه ابن حبان عن أنس-﵁.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ أي: بالقتل، وأخذ أموال الناس، وقطع الطريق، وإخافة الناس. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا..﴾. إلخ: فالقتل لمن قتل فقط. والصّلب لمن قتل، وأخذ المال. والقطع لمن أخذ المال، ولم يقتل. والنفي لمن أخاف النّاس فقط. والقطع من خلاف: أي: تقطع
стр. 1502
أيديهم اليمنى، وأرجلهم اليسرى. والنّفي: هو الإبعاد من بلد إلى آخر، بحيث لا يمكّنون من القرار في موضع، والمقصود من ذلك الإيحاش، والبعد عن الأهل، والوطن، فإذا عيّن الحاكم المسلم جهة؛ فليس للمنفي طلب غيرها، وفسّره أبو حنيفة، ومالك بالحبس، فينفى من سعة الدّنيا إلى ضيقها، فصار كأنّه إذا سجن؛ فقد نفي من الأرض إلاّ من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: [الطويل]
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا
حكى مكحول-رحمه الله تعالى-: أنّ عمر-﵁-أوّل من حبس في السّجون، وقال: أحبسه؛ حتى أعلم منه التّوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد، فيؤذيهم. والظاهر: أنّ الأرض في الآية هي أرض النّازلة، وقد تجنّب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذّنوب، ومنه حديث الذي قتل تسعا وتسعين.
﴿أَوْ:﴾ في الآية الكريمة للتقسيم، والتنويع، والترتيب، وقيل: إنّها للتّخيير، فالإمام مخيّر بين هذه الأمور، والمعتمد الأوّل. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الجزاء المذكور بأنواعه. ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا:﴾ لهم ذلّ، وهوان، وفضيحة، ونكال في هذه الحياة الدنيا مع ما ادّخر الله لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وهذا يؤيد قول من قال: إنّها نزلت في المشركين، فأمّا أهل الإسلام؛ ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت-﵁-قال: «أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النّساء: ألاّ نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل، ولا يعضه بعضنا بعضا-يرمي غيره بالإفك، والكذب، والبهتان-قال: فمن وفى منكم؛ فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب؛ فهو كفّارة له، ومن ستره الله؛ فأمره إلى الله إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».
وعن عليّ-كرّم الله وجهه-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصاب في الدّنيا ذنبا، فعوقب به؛ فالله أعدل من أن يثنّي عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا في الدّنيا، فستره الله عليه؛ فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة برقم [٢٦٠٤].
وقال ابن جرير: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا، فلهم في الآخرة مع الجزاء الّذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي فرضتها عليهم عذاب عظيم في الآخرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في ثمانية أشخاص من قبيلتي عكل، وعرينة، قدموا المدينة المنورة، وأظهروا الإسلام نفاقا، فأقاموا فيها أياما، فمرضوا؛ لأنّ المدينة لا تقبل من كان في
стр. 1503
قلبه دخن، بل تنفيه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ : فرخّص لهم أن يأتوا إبل الصّدقة، فشربوا من ألبانها، وأبوالها، ولمّا صحّوا، وشفوا؛ قتلوا راعي الإبل، واستاقوا الإبل، وكانت خمسة عشر بعيرا، وكان الرّاعي عبدا لرسول الله ﷺ ، واسمه: يسار، وكان نوبيّا، فأرسل الرّسول ﷺ في طلبهم عشرين فارسا، أميرهم كرز بن جابر الفهري-﵃ أجمعين-، فأدركوهم، وأتوا بهم إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بهم فسمرت أعينهم، وقطعت أيديهم، وأرجلهم، وتركوا في الحرّة يعضون الحجارة من شدّة العطش، ويستسقون، فلا يسقون حتّى ماتوا، وسمر الأعين معناه: أنّه أحمى مسامير الحديد، وكحل بها أعينهم؛ حتّى ذهب ضوؤها، وهذا الفعل وإن كان من قبيل المثلة المحرّمة، لكن فعله النبي ﷺ إمّا قبل التحريم، أو لأنّهم فعلوا بالرّاعي مثل هذا الفعل.
تنبيه: خصوص السبب لا يمنع تعميم الحكم. فالحكم باق إلى يوم القيامة، فكلّ من آذى المسلمين بقتل، أو سلب مال، أو إخافة يستحق العقوبة الّتي قرّرتها الآية الكريمة، ويطلق على من يفعل ذلك اسم: البغاة، وهذا الحكم ممّا اختصت به سورة (المائدة) فلم يذكر في غيرها.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿يُحارِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿فَساداً:﴾ مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر وقع موقع الحال بمعنى: يفسدون، أو ذوي فساد، أو هو مفعول مطلق، عامله الفعل قبله؛ لأنّه بمعنى: يفسدون، و «فساد» اسم مصدر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.
﴿يُقَتَّلُوا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وما بعده معطوف عليه، وقد قرئ بتخفيف الأفعال الثلاثة، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محلّ رفع خبر المبتدأ، الذي هو: ﴿جَزاءُ﴾ فهو إخبار بمصدر عن مصدر، التقدير: إنّما جزاء... إلخ التقتيل، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ نائب فاعل ل: ﴿تُقَطَّعَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿وَأَرْجُلُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيها في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ،﴾ بمعنى: مختلفة. ﴿أَوْ:﴾
حرف عطف. ﴿يُنْفَوْا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، وحذفت الصّفة، التقدير: من الأرض التي يريدون الإقامة فيها.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر،
стр. 1504
والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: ﴿خِزْيٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، ويجوز أن يكون: ﴿خِزْيٌ﴾ خبرا ل: ﴿ذلِكَ﴾. و ﴿وَلَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خِزْيٌ﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا، ويجوز أن يكون: ﴿لَهُمْ﴾ خبرا ل:
﴿ذلِكَ﴾. و ﴿خِزْيٌ:﴾ فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان مقدّم، أو هما متعلّقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الضّمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقهما بمحذوف حال من: ﴿عَذابٌ﴾ لا يجيزه كثير من النّحويين. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ أي: من المحاربين، والقطّاع. ومعنى توبتهم: رجوعهم إلى حوزة المسلمين، وتسليم أسلحتهم، واعترافهم بأنّ خروجهم كان خطأ، وجهلا. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ:﴾ وهذا قيد لقبول توبتهم، وهذا في حقّ الله تعالى أيضا، وأمّا حقّ العباد؛ فلا يسقط بتوبتهم، ولو كانت قبل القدرة عليهم، فإن قتلوا نفسا، أو سلبوا مالا؛ فلا بدّ من القصاص منهم؛ وأن ردّوا المال لصاحبه، كما أنّه لا تنفعهم توبتهم بعد القدرة عليهم، وهذا كلّه في حقّ المسلمين إذا خرجوا عن طاعة الحاكم المسلم العادل، وأمّا الكفار؛ فتقبل توبتهم قبل القدرة عليهم، وبعدها؛ حتى في حقّ العباد ما لم يظهر لنا منهم خداع بعد القدرة عليهم.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ:﴾ اعتقدوا، وتيقنوا. ﴿غَفُورٌ﴾ أي: للمحاربين، والقطاع إذا تابوا قبل القدرة عليهم، وهذا في حق الله تعالى، كما قدّمت. و ﴿غَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة، و ﴿رَحِيمٌ:﴾ مثله.
هذا وقال قوم من الصحابة، والتابعين: لا يطالب من المال إلا بما وجد عنده، وأمّا ما استهلكه؛ فلا يطالب به، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي غير أنّ مالكا-رحمه الله تعالى-قال:
يؤخذ بالدّم إذا طالب به وليّه، فأمّا ما أصاب من الدّماء، والأموال، ولم يطلبها أولياؤها، فلا يتبعه الإمام بشيء من ذلك، وهذا حكم عليّ-﵁-بحارثة بن بدر الفداني، فإنّه كان محاربا، ثمّ تاب قبل القدرة عليه، فكتب له عليّ-كرّم الله وجهه-بسقوط الأموال، والدّم عنه كتابا منشورا.
وكذلك جاء رجل من مراد إلى أبي موسى الأشعري-﵁-وهو على الكوفة في خلافة عثمان-﵁-بعد ما صلّى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى! هذا مقام العائذ بك،
стр. 1505
أنا فلان بن فلان المرادي، كنت قد حاربت الله، ورسوله، وسعيت في الأرض فسادا، وإنّي تبت من قبل أن يقدر عليّ. فقام أبو موسى، فقال: هذا فلان المراديّ، وإنّه كان حارب الله، ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، وإنّه قد تاب من قبل أن يقدر عليه، فلا يتعرّض له أحد إلا بخير. وروى ابن جرير: أنّ عليّا الأسديّ حارب، وأخاف السّبيل، وأصاب الدّم، والمال، فطلبه الأئمة، والعامّة، فامتنع، ولم يقدروا عليه؛ حتّى جاء تائبا، وذلك: أنّه سمع رجلا يقرأ قوله تعالى في سورة الزّمر: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا..﴾. إلخ، فوقف عليه، فقال: يا عبد الله! أعد قراءتها، فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثمّ جاء تائبا؛ حتى قدم المدينة من السّحر، فاغتسل، ثمّ أتى مسجد رسول الله ﷺ ، فصلّى الصّبح، ثمّ قعد إلى أبي هريرة-﵁-في أغمار أصحابه، فلمّا أسفروا؛ عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائبا من قبل أن تقدروا عليّ! فقال أبو هريرة-﵁: صدق، وأخذ بيده؛ حتى أتى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا جاء تائبا، ولا سبيل لكم عليه، فترك وشأنه. ثمّ إنّه خرج مجاهدا في سبيل الله في البحر، فغرق فيه-﵁. وخذ ما يلي:
قال العلماء: يناشد اللّصّ بالله تعالى، فإن كفّ؛ ترك، وإن أبى؛ قوتل، فإن قتل؛ فشرّ قتيل، ودمه هدر. روى النّسائي عن أبي هريرة-﵁: أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن عدي على مالي؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فقاتل، فإن قتلت؛ ففي الجنّة، وإن قتلت؛ ففي النّار». وأخرجه البخاريّ، ومسلم، وليس فيه ذكر المناشدة. وذكرت لك مرارا عند الكلام على الشّهادة: أنّ من قتل دون ماله فهو شهيد.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ،﴾ وهذا بالطبع أخص من المتقدّم ليصح الاستثناء. وقيل:
هو في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ في محل جر بالإضافة، أي: من قبل القدرة عليهم. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي زائدة في خبر المبتدأ. (اعلموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.
﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل: (إنّ) والمصدر المؤول منها، واسمها، وخبرها في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (اعلموا)، والجملة الفعلية مستأنفة على الاعتبار الأول في الموصول، وفي محل رفع خبره على الاعتبار الثاني فيه، وعليه؛ فالرابط محذوف، التقدير: غفور لهم رحيم بهم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾.
إلخ في محل نصب على الاستثناء من الكلام السابق، واعتبار الموصول مستثنى من الكلام
стр. 1506
السابق يجعل الجملة الفعلية: (اعلموا...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى، وقد تقدّم نظائر لها كثيرة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ أصل الفعل:
اوتّقيوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت بالتّاء، وحذفت الضمّة التي على الياء، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، فصار (اتّقوا) ثم قلبت الفتحة ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ و (التّقوى):
حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأنّ أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتّحرّز من المهالك في الدّنيا، والآخرة.
﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ:﴾ اطلبوا إلى الله الوسيلة. قال ابن عباس-﵄:
القربة، وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: أي: تقربوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يرضيه، والوسيلة هي الّتي يتوصّل بها إلى تحصيل المقصود. قال عنترة: [الكامل]
إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة... أن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
والجمع: الوسائل، قال الشّاعر: [الطويل]
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا... وعاد التّصافي بيننا والوسائل
هذا؛ و (الوسيلة): درجة في الجنّة، وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة، والصّلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الّذي وعدته؛ حلّت له شفاعتي يوم القيامة».
وعن عبد الله بن عمرو-﵁: أنّه سمع النبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن؛ فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنّة، لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة؛ حلّت له الشّفاعة». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنّسائي.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صلّيتم عليّ؛ فسلوا لي الوسيلة» قيل: يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنّة، لا ينالها إلاّ رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». رواه أحمد، والترمذيّ.
стр. 1507
هذا؛ وعلى تفسير (الوسيلة) بطاعة الله، وما يرضيه، وترك السّيّئات، فيكون في الكلام استعارة، وهناك من يتوسّل بالنبي ﷺ ، وبالصّالحين في طلب حاجاته من الله تعالى، ولا بأس به إن كان المتوسّل من الصّالحين، فيضم إلى توسّله بصلاحه توسّله بالنبيّ العظيم، والأولياء المقرّبين، وأمّا إن كان المتوسّل من الفاسدين المفسدين؛ فلا ينفعه توسّله بالنبيّ ﷺ ، أو غيره.
﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: حاربوا أعداء الله بالسّنان، واللّسان، كما قال تعالى في سورة (التوبة) وفي سورة (التحريم): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.
و «سبيل الله» دينه الّذي ارتضاه للناس أجمعين، وانظر الآية رقم [١٦].
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تسعدون بالخلود في جنّته؛ لأنّ الفلاح اسم جامع للخلاص من كلّ مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصل الفعل: تؤفلحون، حذفت منه الهمزة لثقلها، وانظر مثل هذا الترجّي في الآية رقم [٦].
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١]. ﴿وَابْتَغُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿إِلَيْهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما ب: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ بعدهما؛ لأنّها بمعنى المتوسّل به، أو بمحذوف حال من: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ أي: الوسيلة كائنة إليه، وهذه الحال كانت صفة ل: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ فلما قدمت عليها؛ صارت حالا، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه.
﴿تُفْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:
(لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محلّ لها، وبعضهم يعتبرها في محل نصب حال، التقدير: حالة كونكم راجين الفلاح، ويمنع من الحال كون الجملة إنشائية؛ لأنّ التّرجي إنشاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾
الشرح: المعنى: إنّ الكافر لو ملك الدنيا، ودنيا أخرى مثلها معها، ثمّ فدا نفسه من العذاب يوم القيامة؛ لم يقبل منه ذلك الفداء. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. المقصود من هذا؛ أنّ العذاب لازم للكفّار، وأنّه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه بوجه من الوجوه. وملكه الدنيا على سبيل الفرض، والتّقدي. وأنّى له الملك؟! وخذ ما يلي:
عن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يقول الله لأهون أهل النّار عذابا يوم القيامة: لو كانت لك الدّنيا كلّها؛ ألست مفتديا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك
стр. 1508
أيسر من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، ولا أدخلك النّار، وأدخلك الجنّة، فأبيت إلاّ الشّرك». هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري، قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له:
أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي...».
وهذا يتعارض ظاهره مع قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ ويجاب بأنّ آية (الأعراف) معناها: الخضوع، والتذلّل، وما في الحديث معناه: الانقياد، والطاعة.
وانظر الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران)، بعد هذا انظر (الكفر) في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النساء)، أمّا ﴿عَذابِ﴾ فهو اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر تعذيب؛ لأنّه من: عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، ونبات، وسلام، من:
أعطى، وأنبت، وسلّم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ) مؤخّر. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من (ما) مؤكدة لها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، وفيه قولان: أحدهما وهو قول سيبويه: أنّه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف التقدير. لو إيمانهم ثابت. والثاني وهو قول المبرد: أنّه في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: لو ثبت إيمانهم، وهو المرجّح؛ لأنّ (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَمِثْلَهُ:﴾ معطوف على (ما) منصوب مثله، وقيل: منصوب على المعيّة، ولا وجه له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف حال من: (مثله) والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿لِيَفْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المحذوف، الذي ستعرفه، وقيل: متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وهو: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقد أفرد الضمير مع كونه عائدا على اثنين، وهما: ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ و (مثله) إما لتلازمهما فهما في حكم شيء واحد، وإمّا لأنّه حذف من الثاني لدلالة ما
стр. 1509
في الأول عليه، وإمّا لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. وانظر مثله في الآية رقم [١٦]. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿يَوْمِ:﴾
مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿تُقُبِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى: ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها من الإعراب. و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر:
﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها، واعتبارها حالا من الضّمير المجرور في: ﴿لَهُمْ﴾ غير مستبعد، ويكون الرابط:
الواو، والضمير.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾
الشرح: في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أنّهم يقصدون الخروج من النّار، ويطلبونه، ولكن لا يستطيعون ذلك. قيل: إذا حملهم لهب النار إلى فوق؛ طلبوا الخروج، فلا يقدرون عليه. والوجه الثاني: أنّهم يتمنّون الخروج من النّار بقلوبهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: ولهم عذاب دائم ثابت، لا يزول عنهم، ولا ينتقل أبدا.
وعن طلق بن حبيب؛ قال: كنت من أشدّ الناس تكذيبا بالشّفاعة؛ حتى لقيت جابر بن عبد الله، ﵄، فقرأت عليه كلّ آية أقدر عليها يذكر فيها خلود أهل النّار، فقال:
يا طلق! أتراك أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنّة رسول الله منّي؟! إنّ الّذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا، فعذّبوا، ثمّ أخرجوا منها. ثمّ أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النّار بعد ما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت. رواه ابن مردويه.
الإعراب: ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من الرّباعي، والواو نائب فاعله، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محلّ نصب مفعول به، وجملة:
﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو:
стр. 1510
واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِخارِجِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خارجين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (خارجين) والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار، ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم.
﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُقِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾
الشرح: المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى أخذ الأموال بطريق السّعي في الأرض، والفساد؛ ذكر حكم السّارق من غير حراب. هذا؛ وقدّم الله السّارق على السّارقة هنا، وقدّم الزانية على الزّاني في سورة (النور)؛ لأنّ الرّجل على السّرقة أجرأ، والزنى من المرأة أشنع، وأقبح، فناسب ذكر كلّ منهما المقام. وقال ابن السائب: نزلت الآية في طعمة بن أبيرق، الّذي تقدّمت قصته في سورة (النساء). وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: بدأ الله في السّارق هنا؛ لأنّ حبّ المال من الرّجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النّساء أغلب، بدأ بهما في الموضعين. هذا؛ وقطعت اليد لأنّها آلة السّرقة، ولم تقطع آلة الزنى تفاديا عن قطع النّسل. هذا؛ والسارق هو الذي يأخذ المال من حرز مثله، وهذا بخلاف الأخذ جهرا، وعنوة، وقهرا، فإنّه تقدّم حكمه في الآية رقم [٣٣].
هذا؛ والسّارق الذي تقطع يده هو: البالغ، العاقل، العالم بتحريم السّرقة. فلو كان حديث عهد بالإسلام، ولا يعلم: أنّ السرقة حرام؛ فلا قطع عليه. والقطع يكون إذا كان المأخوذ ربع دينار، أو يساويه خفية؛ لقول النبي ﷺ : «القطع في ربع دينار فصاعدا». أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة-﵁. وعن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقطع يد السّارق إلاّ في ربع دينار فصاعدا». أخرجاه في الصّحيحين. والقطع يكون من الرّسغ؛ لأنّ النبي ﷺ أتي بسارق، فأمر بقطع يمينه منه، وإن كان يطلق لفظ اليد على تمام العضو.
والمراد بالأيدي: الأيمان.
﴿جَزاءً:﴾ مجازاة، ومعاقبة، من: المجازاة، وهي: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ وتكون في الشرّ، قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشرّ. والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، والفعل منه ينصب مفعولين، تقول: جزى زيد عمرا خيرا.
следующие страницы →