← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ هذا خطاب للأبناء بما فعل الآباء، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ، والتقريع إليهم؛ لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة الرّسل. ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كانوا نتانى؛ أهل كرّاث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء-والعكر بكسر الكاف: العادة، والديدن، وبالفتح دردي كل شيء-واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم. فقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وكنوا عن المنّ، والسّلوى بطعام واحد، وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر. فلذلك قالوا: طعام واحد. وقيل: لتكرار هما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصّلاة، والصوم، والقراءة: هو على أمر واحد؛ لملازمته لذلك، انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ والطعام يطلق على ما يطعم، ويشرب، قال تعالى في الآية رقم [٢٤٩] الآتية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ والمراد ماء النهر، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٣]: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أي: ما شربوه من الخمر. هذا؛ والطّعم بالضم: الطعام، قال أبو خراش: [الطويل] أردّ شجاع البطن لو تعلمينه... وأوثر غيري من عيالك بالطّعم وأغتبق الماء القراح فأنتهي... إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم أراد بالأول الطّعام، وبالثاني ما يشتهى منه. ﴿مِنْ بَقْلِها:﴾ البقل معروف، وهو: كلّ نبات ليس له ساق مثل الخضر من السلق وغير ذلك، والشّجر: ما له ساق. ﴿وَقِثّائِها﴾ بكسر القاف، وقد تضم، وهو أيضا معروف، ويطلق على الخيار، وقيل في جمعه: قثّائيّ، مثل: علباء، وعلابيّ، إلا أن قثاء من ذوات الواو. هذا؛ وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز عقليّ؛ لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى. فائدة: روى ابن ماجة: قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة-﵂-قالت: كانت أمي تعالجني للسّمنة،

стр. 177

تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ ، فما استقام لها ذلك حتّى أكلت القثّاء بالرّطب، فسمنت كأحسن سمنة. وهذا إسناد صحيح، وتريد بالدّخول على رسول الله ﷺ زفها له عروسا. والله أعلم. ﴿وَفُومِها:﴾ اختلف في الفوم، فقيل: هو الثّوم؛ لأنه المشاكل للبصل، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا: مغافير، ومغاثير لصمغ يسيل من شجر العرفط رائحته ليست طيبة، وجدث وجدف للقبر، وقرأ ابن مسعود-﵁: («ثومها») بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس ﵄. وقال أميّة بن أبي الصّلت، الذي آمن شعره، ولم يؤمن قلبه: [البسيط] كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة... فيها الفراديس والفومان والبصل وقال حسّان بن ثابت-﵁: [المتقارب] وأنتم أناس لئام الأصول... طعامكم الفوم والحوقل يعني: الثوم، والبصل، وهو قول الكسائي، والنضر بن شميل. وقيل: الفوم: الحنطة، روي عن ابن عباس أيضا، وأكثر المفسرين، واختاره النّحاس، وقال: وهو أولى، ومن قال به أعلى، وأسانيده صحاح، وإن كان الكسائيّ، والفرّاء، قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء، والإبدال لا يقاس عليه، وليس ذلك بكثير في كلام العرب، وأنشد ابن عباس ﵄-لما سأله عن الفوم، وأنّه الحنطة قول أحيحة بن الجلاح: [الكامل] قد كنت أغنى النّاس شخصا واحدا... ورد المدينة عن زراعة فوم وقال أبو إسحاق الزجّاج: وكيف يطلب القوم طعاما لا برّ فيه؟ والبرّ أصل الغذاء، وقال الجوهري أبو نصر: الفوم: الحنطة، وأنشد الأخفش: [الوافر] وقال ربيئهم لمّا أتانا... بكفّه فومة أو فومتان تنبيه: الثّوم، والبصل، والفجل، والكرّاث من الخضراوات ذات الرّائحة المكروهة، فالرّسول ﷺ كان لا يأكل شيئا من هذه الخضراوات، وعلّل كراهته لأكلها لأحد أصحابه: «كلّ فإنّي أناجي من لا تناجي». أخرجه مسلم. فهذا بيّن في الخصوص له، والإباحة لغيره، وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب-﵁: أنّ النبيّ ﷺ نزل عنده، في أول مقدمه المدينة مهاجرا، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلمّا ردّ إليه سأل عن موضع أصابع النّبيّ ﷺ فقيل له: لم يأكل، ففزع، وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟ قال: «لا؛ ولكنّي أكرهه» قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. فالنّبيّ ﷺ لم يحرم هذه الخضراوات على أمّته، وخذ ما يلي: فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «من أكل البصل، والثّوم، والكرّاث، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم». أخرجه مسلم، ورواه الطّبراني، في الأوسط، والصّغير، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «من أكل من هذه الخضراوات: الثّوم، والبصل، والكرّاث، والفجل، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ

стр. 178

الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم». وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أنه ذكر عند رسول الله ﷺ الثّوم، والبصل، وقيل: يا رسول الله! وأشد ذلك الثّوم، أفتحرمه؟ فقال رسول الله ﷺ : «كلوه فمن أكله منكم فلا يقرب المسجد حتّى يذهب ريحه منه». رواه ابن خزيمة في صحيحه. وعن عمر بن الخطاب-﵁: أنّه خطب يوم الجمعة، فقال في خطبته: «ثم إنكم يا أيها الناس تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: البصل، والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما؛ فليمتهما طبخا». رواه مسلم، والنسائي. ﴿وَعَدَسِها﴾ العدس: معروف، والعدسة بثرة تخرج بالإنسان، وربما قتلت و «عدس» زجر للبغال، قال يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وهو الشّاهد رقم [٨٣٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] عدس ما لعبّاد عليك إمارة... نجوت وهذا تحملين طليق والعدس: شدّة الوطء والكدح أيضا، وعدست المنية إليه، أي: سارت، قال الكميت: [الطويل] أكلّفها هول الظّلام، ولم أزل... أخا اللّيل معدوسا إليّ وعادسا أي: يسار إليّ بالليل. وعدس: لغة في حدس. قاله الجوهري. ويؤثر عن النبي ﷺ من حديث عليّ-﵁: أنه قال: «عليكم بالعدس: فإنه مبارك مقدّس، وإنه يرقّ القلب ويكثر الدّمعة، فإنّه بارك فيه سبعون نبيّا، آخرهم عيسى ابن مريم». ذكره الثعلبي وغيره، قال الحليمي: والعدس، والزيت طعام الصّالحين، لو لم يكن له فضيلة: إلا أنه ضيافة إبراهيم ﵇ في مدينته، لا تخلو منه؛ لكان فيه كفاية، وهو يخفف البدن، فيجفّ للعبادة، ولا تثور منه الشّهوات كما تثور من اللّحم. ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ الاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر، ومنه البدل، أي: تطلبون إبداله، والسين والتاء للطلب. ﴿أَدْنى﴾ ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان: أحدهما أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني: أن يكون بمعنى القريب منكم؛ لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون فأخّرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع ومعنى الجملة: أتستبدلون البقل، والقثاء، والفوم، والبصل الذي هو أدنى بالمنّ، والسّلوى الذي هو خير؟! والخيرية بسبب: أنّ المن، والسّلوى ألذّ، وأطيب ممّا طلبوه، وأنهما لا كلفة فيهما، ولا تعب، والذي طلبوه لا

стр. 179

يجيء إلا بالحرث، والزّراعة، والتعب، وأنّهما لا مرية في حلّهما، وخلوصهما؛ لنزولهما من عند الله، وما يخرج من الأرض يتخلّله البيع، والغشّ، واللّفّ، والدّوران، فكان أدنى من هذه الوجوه. ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ أي: انزلوا، وأصل النزول من أعلى إلى أسفل، وانظر الآية رقم [٣٦]، وصرف ﴿مِصْراً﴾ لأن المراد به مصر من الأمصار، فهو نكرة بسبب تنوينه، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ﵁. وقيل: بل المراد مصر فرعون؛ التي كانوا فيها في عهده، واستدل القائلون بهذا بما في القرآن من أنّ الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون، وآثارهم. وأجازوا صرفها، قال الأخفش، والكسائيّ: لخفتها، وشبهها ب «هند»، و «دعد» يعني بسكون الوسط، قال الشاعر: [المنسرح] لم تتلفّع بفضل مئزرها... دعد ولم تسق دعد في العلب وقال الحطيئة وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] ألا حبّذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النّأي والبعد ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم من البقول، والنباتات المذكورة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: ألزموها، وقضي عليهم بها، كناية عن إحاطتها بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه. وهذا كان على قبائل اليهود، وعلى نسلهم إلى زمن قريب، ويسمّى ذلك استعارة بالكناية، قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان: [الكامل] إنّ السّماحة والمروءة والنّدى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج هذا؛ و ﴿الذِّلَّةُ﴾ الذلّ، والصّغار، والمسكنة، والفقر، فلا يوجد يهوديّ-وإن كان غنيّا- خاليا من زي الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم الله كلّ حياتهم، فبخت نصّر المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما سترى في أول سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول ﷺ من المدينة، ثم طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس؛ فرض عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ الله نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسها أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي: فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين

стр. 180

مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلا سلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، وغيره. وعن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا، وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود. ومن قول عبد الله بن مسعود-﵁: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، إذا طلبنا العزّة بغيره؛ أذلّنا الله. ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من الله؛ أي: لزمهم ذلك، وصاروا أحقاء به، ومنه قوله ﷺ في حديث سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي» أي: أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك، لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ رقم [٢٩]، وأصله في اللغة الرّجوع، ومثله «آب» بتقديم الهمزة على الباء، وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٧٧]: [الوافر] فابوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا أي: رجعوا، ورجعنا. وقد تقدّم معنى «الغضب» في سورة الفاتحة. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الذلّة، والمسكنة، والغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بسبب كفرهم بآيات الله، أي: بالتوراة، أو بالمعجزات التي أجراها الله على يد موسى تأييدا لنبوّته، وتقوية لحجّته ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ مثل: يحيى، وزكريا، وشعياء. فعن عبد الله بن مسعود-﵁، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النّهار. رواه أبو داود الطيالسي، بمعنى: لا يهمهم ذلك، ولا يكترثون به، ولا يحسبون له حسابا، وكلمة «في اليوم» لا تعني كلّ يوم، ولكن في بعض الأيام، وعن ابن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيّا، وإمام ضلالة، وممثّل من الممثّلين» أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث قاله رسول الله ﷺ حين طعن أبيّ ابن خلف في غزوة أحد، وكان ذلك سببا لموته.

стр. 181

﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ:﴾ معلوم: أنّه لا يقتل نبيّ بحقّ، ولكن يقتل بالدّفاع عن الحقّ، فصرح بقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ للتشنيع عليهم، فلم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين، وقتل الأنبياء؟! قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في علوّ مقاماتهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك خذلانا لهم. قال ابن عباس، والحسن-﵃: لم يقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال؛ نصره. ومعلوم: أنّ نبينا ﷺ أمر بقتال، فنصر بذلك. ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا:﴾ الإشارة إلى ما تقدّم، والعصيان: خلاف الطاعة. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون حدود الله، فينتهكونها. ويؤخذ من هذا: أن صغار الذنوب يجرّ إلى كبارها، كما أنّ صغار الطّاعات يجرّ إلى كبارها، فاليهود جرّهم ارتكاب معصية الله إلى عظائم الأمور؛ حيث قتلوا الأنبياء، واستحلوا المحرّمات، وجرّهم ذلك أيضا إلى الكفر بمحمد ﷺ وتحريف التوراة، وغير ذلك ممّا ذكره القرآن الكريم عنهم. هذا؛ و (نبيّون) جمع نبي، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبيّ يخبر عن ربه. وقيل: بل مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأنّ رتبة النبيّ ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبيّ غير الرسول، بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة الحجّ رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأنّ كل رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولا، أمّا تعريفهما؛ فالرّسول: ذكر، حرّ، من بني آدم، سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبيّنا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا، بنزول صدر سورة (المدثر) عليه. هذا؛ ويروى: أنّ أبا ذرّ-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط، هذا: وأربعة منهم من العرب، هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ . وإسماعيل بن إبراهيم مستعرب لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوّجه بامرأتين منهم. والمذكور من الرّسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم، فيجب عليه أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا وقال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.

стр. 182

هذا؛ وقد روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: كلّ الرّسل من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما كثيرا. هذا؛ وذكروا من أنبياء العرب حنظلة بن صفوان بعث لأصحاب الرّس، وخالد بن سنان العبسي، انظر أصحاب الرّس في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) فإنّه جيد. والحمد لله!. هذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٣٨] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأنّ الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة منهم لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، هم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، وآدم، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما كثيرا. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط] حتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا في تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا ويعني قوله في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات (الأنعام) المذكورة، وينبغي أن تعلم أن هؤلاء الرّسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيّد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمّد صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما. والأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-يجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النّساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية من ضعف، وشيخوخة، إلا أنّهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: «الصدق، والأمانة، والتّبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النّبوّة، وبعدها، والسّلامة من العيوب المنفّرة، ويستحيل عليهم ضدّها». الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية السابقة. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿مُوسى﴾): مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب (﴿يا﴾) النداء، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول ﴿لَنْ﴾ حرف ناصب. ﴿نَصْبِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب، والفاعل

стр. 183

مستتر تقديره: نحن. ﴿عَلى طَعامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ:﴾ صفة ﴿طَعامٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَادْعُ:﴾ الفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وصحيحا؛ فادع... إلخ. (ادع): فعل أمر، وطلب، والتماس، مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. من: إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا» والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿يُخْرِجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الطلب المقدر، أو هو مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تدع يخرج، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الجازم. ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومفعوله محذوف، التقدير: يخرج لنا شيئا، أو مأكولا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف صفة المفعول المحذوف يؤيده المعنى. هذا؛ وقال الأخفش: (من) زائدة في الإيجاب و (ما) هي المفعول به. ﴿تُنْبِتُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يخرج لنا من الذي، أو من شيء تنبته الأرض. ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، الواقع مفعولا به. وقيل: هما بدل من ﴿مِمّا﴾ بدل بعض من كل. ﴿وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها:﴾ معطوفات على ﴿بَقْلِها﴾ بالواو العاطفة، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى. وقيل: بل الفاعل هو الله، والأوّل أقوى، والجملة الفعلية مع مقولها الآتي كلام مستأنف لا محل له من الإعراب؛ إذ هو بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْنى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وصلة الموصول الجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿اِهْبِطُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِصْراً:﴾ مفعول به، وقل فيه مثل ما رأيت في الجملة: ﴿اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] فهي مثلها بلا فارق؛ لأن هبط بمعنى نزل، ودخل، وسكن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، وتقدير الكلام: فأبوا أن يرجعوا عن طلبهم، فدعا موسى ربه، فقال الله تعالى:

стр. 184

﴿اِهْبِطُوا مِصْراً..﴾. إلخ، ويبعد أن يكون من كلام موسى ﵇. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (إنّ) تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها مؤخرا. ﴿سَأَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي سألتمونا إيّاه، وجملة: (إنّ...) تعليل للأمر لا محل لها. ﴿وَضُرِبَتْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿ضُرِبَتْ﴾): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّلَّةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الْمَسْكَنَةُ﴾): معطوف عليه، والجملة الفعلية معترضة بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآتي، والغرض من هذا الاعتراض بيان ما حلّ باليهود من الصّغار، والهوان في الدنيا، ولعذاب الآخرة أنكى، وأخزى. (﴿باؤُ﴾): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِغَضَبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: رجعوا مغضوبا عليهم، وهو جيد، معنى. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة غضب، أو هما متعلقان به؛ لأنّه مصدر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وهذه الجملة في رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ﴾ مستأنفة لا محل لها. (﴿يَقْتُلُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مبطلين بغير، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَيَقْتُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، وهي

стр. 185

مؤكّدة لسابقتها. (﴿كانُوا يَعْتَدُونَ﴾): إعرابها مثل إعراب: (﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾) وهي معطوفة على سابقتها، تؤول مثلها بمصدر بسبب العطف، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، وبسبب اعتدائهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ الشرح: لمّا بين الله تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما لا إذن فيه، وانتهك المحارم، وما أحلّ به من النّكال؛ فبيّن تعالى على أن من أحسن من الأمم السّالفة، وأطاع فإنّ له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كلّ من اتّبع الرسول النبيّ الأميّ؛ فله السّعادة الأبديّة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية رقم [٦٢] من سورة (يونس) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وعن مجاهد قال: قال سلمان الفارسي-﵁: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم، وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾. وقال السّدي: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينما هو يحدث النّبيّ ﷺ إذ ذكر أصحابه: فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلّون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون: أنّك ستبعث نبيّا. فلما فرغ سلمان الفارسي من ثنائه عليهم؛ قال له النّبيّ ﷺ : «يا سلمان! هم من أهل النار». فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية. فكان إيمان اليهود: أنّه من تمسك بالتوراة، وسنّة موسى-﵇-حتى جاء عيسى، فلمّا جاء عيسى كان من تمسّك بالتوراة وأخذ بسنة موسى، فلم يدعها، ولم يتبع عيسى؛ كان هالكا. وإيمان النصارى: أنّ من تمسك بالإنجيل منهم، وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ ، فمن لم يتّبع محمدا ﷺ منهم، ويدع ما كان عليه من سنّة عيسى، والإنجيل، كان هالكا. انتهى. ابن كثير. وما يشبهه في أسباب النّزول للسّيوطي. ثمّ قال ابن كثير: وهذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ الآية، قال: فأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ الآية رقم [٨٥] من سورة (آل عمران)، فإنّ هذا الذي قاله ابن عباس-﵄-إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة، ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به، فأمّا قبل ذلك، فكلّ من اتّبع الرّسول في زمانه، فهو على هدى، وسبيل، ونجاة. وهذا هو الحق.

стр. 186

هذا؛ والمراد ب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الّذين آمنوا بمحمد ﷺ ، وقيل: هم الذين آمنوا بالأنبياء السابقين قبل بعثته. وقال سفيان الثّوري: المراد: المنافقون، كأنّه قال: الذين آمنوا في ظاهرهم، فلذلك قرنهم باليهود، والنصارى، والصابئين، ثم بيّن حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: «هاد» بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف)، أو سمّوا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. (﴿النَّصارى﴾) جمع نصراني، سمّوا بذلك لأنّهم نصروا عيسى ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسمّوا باسمها، أو باسم من أسّسها، والأنثى نصرانة، كندمانة، قال أبو الأخزر الحماني في وصف ناقتين: [الطويل] فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها... كما أسجدت نصرانة لم تحنّف قال سيبويه: لا يستعمل نصران، ونصرانة إلا مع ياء النّسب، فيقال: نصراني، ونصرانيّة. وقيل: سموا بذلك لقوله تعالى حكاية عن قول عيسى في آخر سورة (الصّف): ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ،﴾ وأيضا في (آل عمران) رقم [٥٢]. (﴿الصّابِئِينَ﴾) وقرأ نافع: («الصابين») بدون همز، جمع صابئ، واختلف فيهم، وأظهر الأقوال قول مجاهد، ومتابعيه، ووهب بن منبه: إنّهم قوم ليسوا على دين اليهود، ولا النّصارى، ولا المجوس، ولا المشركين، إنّما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين لهم مقرّر يتّبعونه، ويقتفونه، ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصّابئ؛ أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال عبد الرحمن بن زيد-رحمه الله تعالى-: الصابئون: أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبيّ، إلا قول: لا إله إلا الله. انتهى. مختصر ابن كثير بتصرف. وقال ابن عباس-﵃: لا تحلّ ذبائحهم، ولا مناكحتهم. وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس، لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم. وقيل: هم قوم بين اليهود، والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم، وهم الذين أمر أبو بكر الصدّيق-﵁-جيشه بقتلهم أينما وجدوا، وذلك في وصيته المعروفة المسطورة. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ قال الخازن رحمه الله تعالى: فإن قلت: كيف قال في أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال في آخرها: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ فما فائدة التعميم أولا، ثمّ التخصيص آخرا؟ قلت: اختلف العلماء في حكم الآية، فلهم فيه طريقان: أحدهما: أنه أراد: إنّ الذين آمنوا على التّحقيق. ثمّ اختلفوا فيهم. فقيل: هم الذين آمنوا في زمن الفترة، وهم طلاب الدّين، مثل: حبيب النّجار، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبحيرا الرّاهب، وأبي ذرّ الغفاري،

стр. 187

وسلمان الفارسي، فمنهم من أدرك النبيّ ﷺ ، ومنهم من لم يدركه، فكأنه تعالى قال: إنّ الذين آمنوا قبل مبعث النبي ﷺ ، والذين كانوا على الدّين الباطل المبدل من اليهود، والنصارى، والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر، وبمحمّد ﷺ فلهم أجرهم عند ربهم. وأمّا الطريقة الثانية: فقالوا: إنّ المذكورين بالإيمان في أوّل الآية إنّما هو على طريقة المجاز دون الحقيقة، وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين، ولم يؤمنوا بك. وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم، واليهود، والنصارى، والصابئين، فكأنه تعالى قال: هؤلاء المطلوبون كلّ من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمنا عند الله. انتهى. خازن. هذا وفي عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها إيحاء بأنّ العمل الصالح قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، وهذا يسمّى في فن البديع احتراسا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿وَالصّابِئِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا منصوب، وعلامة نصبه الياء إلخ. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو، وهناك محذوف تقديره: منهم. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾ صفته. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلَهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من المبتدأ، والتقدير: فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم. وهو غير مسلّم له؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النّحاة، وعلى رأسهم سيبويه؛ لأن الحال تبين هيئة الفاعل، أو المفعول، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: (لهم أجرهم) في محل جزم جواب الشرط. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه. فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنَ﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: من آمن منهم... إلخ، والجملة الاسمية: (لهم أجرهم) في محل رفع خبره،

стр. 188

ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهي زائدة، والجملة الاسمية على هذين الوجهين في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز أن يكون (من) بمعنى الّذي مبنيّا على السكون في محل نصب بدلا من اسم (إنّ) والعائد محذوف أيضا. والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ في رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وقد حمل على لفظ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ و (﴿عَمِلَ﴾) فوحّد الضمير، وحمل على معناها قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ فجمع الضمير. وهذا واقع في الآيات القرآنية؛ لأنّ ﴿مَنْ﴾ تصلح للمفرد والمثنى، والجمع. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، وموجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة، لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأن (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرّفع أيضا. ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك: (فلا خوف) بمعنى: ليس. انتهى قرطبي. وقد ذكرت لك: أنّها إذا تكررت؛ أهملت؛ أي: لا تعمل عمل ليس. تنبيه: الآية مذكورة بحروفها في سورة (المائدة) برقم [٦٩]، والقراءة هناك (﴿وَالصّابِئُونَ﴾) انظر إعرابها وما ذكرته تبعا لها، فإنه جيد، والحمد لله!. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ بهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الميثاق: العهد، وأصله: الموثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والجمع: المواثيق، فهو من: وثق، يثق، وإسناد أخذ الميثاق إليه تعالى من حيث: أنه أمر موسى بذلك؛ لأنه غيرممكن أن يحصل ذلك مباشرة بين الله وبينهم. هذا؛ و ﴿الطُّورَ﴾ يطلق في الأصل على جبل مخصوص في فلسطين كان موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يناجي ربه عليه، كلّما أراد مناجاته، ومخاطبته. ومناسبة الآيات لما قبلها: أنه لما ذكّرهم الله بالنّعم الجليلة؛ الّتي أنعمها عليهم؛ أردف

стр. 189

ذلك ببيان ما حل بهم من نقم جزاء كفرهم، وعصيانهم، وتمرّدهم على الله، فقد كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا في السّبت، فمسخهم الله إلى قردة. وهكذا شأن كلّ أمّة عتت عن أمر ربها، وعصت رسله. وإنما قال: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولم يقل: مواثيقكم؛ لأن المراد ميثاق كل واحد منكم، كقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: يخرج كلّ واحد منكم طفلا. وقال بعض أهل اللّطائف: كانت نفوس بني إسرائيل خبيثة من ظلمات عصيانها، تخبط في عشواء حالكة الجلباب، وتخطر في غلوائها، وعلوّها في حلّتي كبر، وإعجاب، فلما أمروا بأخذ التوراة، ورأوا ما فيها من أثقال؛ ثارت نفوسهم، فرفع الله عليهم الجبل، فوجدوه أثقل ممّا كلفوه، فهان عليهم حمل التوراة، قال الشاعر: [الطويل] إلى الله يدعى بالبراهين من أبى... فإن لم يجب نادته بيض الصّوارم هذا كلّه من صفوة التّفاسير بتصرّف بسيط. كان سبب رفع الجبل فوقهم: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند ربه؛ ليحكم بينهم فيه، فسأل ربّه، فأعطاه التّوراة، فلما رأوا ما فيها من التكاليف الشاقّة؛ كبرت عليهم، فأبوا قبولها، فأمر الله تعالى جبريل ﵇، فقلع جبل الطّور من مكانه، وكان على قدر عسكرهم، وفوق رءوسهم قدر قامتهم كالظلة، وقيل لهم: إن لم تقبلوا التّوراة؛ وإلا أنزلته عليكم، فقبلوها مكرهين، وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى، وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى، وهم سجود، فصار ذلك سنّة في سجود اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، وقالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله، ورحم بها عباده، فلما رفع عنهم الجبل رجعوا إلى الامتناع. وهو ما تفيده الآية التالية. ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ:﴾ اقبلوا التوراة، والتعاليم الإلهيّة. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدّ، واجتهاد، وكثرة درس، ونيّة، وإخلاص، واذكروا ما فيه، أي: تدبّروه، واحفظوا أوامره، ووعيده، ولا تنسوه، ولا تضيعوه. هذا؛ والمقصود من الكتب التي يقرؤها كلّ واحد أن يعمل بمقتضاها، ولا يكتفي بتلاوتها باللّسان، فإنّ ذلك نبذ لها على ما قاله الشّعبيّ، وابن عيينة. وقد روى النّسائي عن أبي سعيد الخدري-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن من شرّ النّاس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوي إلى شيء منه»، وقال الإمام مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. فما لزم إذا من قبلنا، وأخذ عليهم؛ فهو لازم لنا، وواجب علينا، قال الله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٥]: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأمرنا باتباع كتابه، والعمل بمقتضاه، لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود، والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب، والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة الجهل، وطلب الرئاسة، واتّباع الأهواء. وروى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدّرداء ﵁-قال: كنّا مع رسول الله ﷺ ، فشخص ببصره إلى السّماء، ثم قال: «هذا أوان

стр. 190

يختلس فيه العلم من النّاس؛ حتّى لا يقدروا منه على شيء». فقال زياد بن لبيد الأنصاريّ: كيف يختلس منا؛ وقد قرأنا القرآن؟! فو الله لنقرأنّه، ولنقرئنّه نساءنا، وأبناءنا!. فقال: «ثكلتك أمك يا زياد! وإن كنت لأعدّك من فقهاء المدينة، هذه التوراة، والإنجيل عند اليهود، والنصارى، فماذا تغني عنهم؟ أي: لم ينتفعوا بهما؛ لأنهم لم يعملوا بهما». وانظر الترجّي في الآية رقم [٢١]. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية رقم [٦١] ولذا كانت الآية السابقة، وما ذكرته من قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ في الآية قبلها اعتراضا بين المتعاطفين. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِيثاقَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (﴿رَفَعْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿فَوْقَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الطُّورَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فلست مفندا، ويكون الرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿خُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَيْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: خذوا الذي آتيناكموه، وجملة: ﴿خُذُوا:﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا، التقدير: ورفعنا حال كوننا قائلين... إلخ. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿خُذُوا﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، العائد إلى (ما) وهو الأولى. (﴿اُذْكُرُوا﴾): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما﴾ مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول القول المحذوف. لعلّكم: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية مفيدة للترجي، والتعليل، انظر هذا الترجي في الآية رقم [٢١]. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ تولّى: تفعّل، وأصله: الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر، والأديان، والمعتقدات اتّساعا، ومجازا.

стр. 191

﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق، ورفع الجبل. ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ..﴾. إلخ: فضله: قبول التّوبة، و (﴿رَحْمَتُهُ﴾): عفوه. والأصل في الفضل: الزيادة على ما وجب، والزيادة في الخير، والإفضال: الإحسان. ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ في الدّنيا، والآخرة. وانظر «الخسران» فيما تقدّم. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿أَخَذْنا..﴾.) إلخ، فهي في محل جر مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر ﴿فَضْلُ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود. (﴿رَحْمَتُهُ﴾): معطوفة على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لَكُنْتُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (كنتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كنتم) والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تنبيه: قال ابن مالك-رحمه الله تعالى في ألفيته-: [الرجز] وبعد لولا غالبا حذف الخبر وقد بينت متى يكون الحذف واجبا، وجائزا، إذا كان كونا عامّا، أو خاصّا، وذلك في قول أبي العلاء المعري، وهو الشاهد رقم [٤٩٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فانظره هناك، وانظر موجز القول في لولا أيضا إن كنت من أهل الشهادات العالية، وهو ما يلي: [الوافر] يذيب الرّعب منه كلّ عضب... فلولا الغمد يمسكه لسالا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ:﴾ أي عرفتم، فيتعدّى لواحد فقط إذا كان من المعرفة، بخلافه من العلم اليقيني، فإنّه يتعدّى لمفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه والفرق بينهما: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم؛ فإنّ متعلقه المعاني، والنّسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنك

стр. 192

عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى، لم يتجاوز مفعولا؛ لأنّ المعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أنّ العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصّفة. ﴿اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ:﴾ تجاوزوا الحدّ الذي حدّه الله لهم في يوم السبت، وهو أحد أيام الأسبوع المعروفة. قال ابن عطية: والسبت إما مأخوذ من السبوت الذي هو الرّاحة، والدّعة، وإما من السبت وهو القطع؛ لأن الأشياء سبتت، وتمّ خلقها في أيام الأسبوع الستّة قبله. انتهى بتصرف. هذا والسّبت بكسر السين: الجلد المدبوغ بالقرظ، ولم ينجرد من شعره. وقال أبو زيد: السّبت جلود البقر خاصّة مدبوغة، قال عنترة في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] بطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا..﴾. إلخ: هذا الأمر معناه: الإهانة، والتّحقير، وقال بعضهم: هذا أمر تسخير، وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة. ﴿خاسِئِينَ:﴾ صاغرين، ذليلين، حقيرين، مبعدين من رحمة الله. هذا؛ وقرئ: («قردة») بفتح القاف، وكسر الراء، و («خاسين») بدون همز. تنبيه: ما ذكر في هذه الآية كان في زمن داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- بقرية يقال لها: أيلة على شاطئ البحر الأحمر، وتدعى اليوم: «إيلات» وهي مرفأ هام لليهود على البحر الأحمر، يروى: أنّ الله تعالى اختار لهم يوم الجمعة، ليكون يوم راحة، وعبادة، ونظافة، وغير ذلك، فأبوا، وقالوا: فرغ ربّنا من خلق السموات والأرض يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فنحن نختاره لذلك، فشدّد الله عليهم بأن حرّم عليهم أي عمل دنيوي ما عدا العبادة، والنظافة، وأمثالها، وكانت معيشة أهل تلك البلدة من صيد الأسماك، لا مورد لهم غيره، فابتلاهم الله، أي: اختبرهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السّبت، وأقبل نحوهم، فإذا مضى يوم السبت؛ ذهبت الحيتان في أعماق البحر، فلم يتمكّنوا من الصيد طوال أيام الأسبوع، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٣]: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فظهر لهم الشّيطان، وقال لهم: احفروا حياضا قرب البحر، وافتحوا جداول بينها وبين البحر، وكانت الحيتان تدخل الحياض يوم السبت، ويصطادونها يوم الأحد، فنهاهم نبيهم عن فعلهم هذا، فصاروا ثلاث فرق، وكانوا سبعين ألفا، فرقة أمسكت، ونهت، وفرقة أمسكت، ولم

стр. 193

تنه، وفرقة اصطادت، واعتدت، فهذه هي التي مسخت قردة لهم أذناب يتعاوون. وقيل: مسخ الشبّان قردة، والشيوخ خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام فقط، ثم هلكوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، ولم يتوالدوا، ونجت الفرقتان الأخريان: الناهية، والساكتة عن النّهي، وقيل: هلكت أيضا. ويقال: إنّ الناهين قالوا: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد. فقالوا: إن للناس لشأنا، فعلوا الجدار، فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الأبواب، ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي أنسابهم من الإنس، فتشم ثيابه، وتبكي، فيقول لهم: ألم ننهكم؟! فتقول القردة برأسها: نعم! وانظر تفصيلهم في سورة (الأعراف). قال ابن عباس-﵄: لم يعش مسخ قطّ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم ينسل. قال ابن عطية: وروي عن النّبيّ ﷺ ، وثبت: أنّ الممسوخ لا ينسل، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، أما قول النبي ﷺ لبني قريظة، ولبني النّضير: «يا أحفاد القردة!» لم يرد به إلا التّقريع، والتوبيخ، والله أعلم. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو: وأقسم والله. واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدلّ على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشّرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر)، افهم هذا، واحفظه فإنّه جيّد، والله ولي التّوفيق!. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم؛ فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السّور. مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: ورب النجم، ورب الشمس... إلخ، الدليل على ذلك التّصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات)، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة) قالوا: في الآيتين حرف قسم وجر. والمقسم به محذوف بلا ريب. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتُمُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على

стр. 194

الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿اِعْتَدَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي السَّبْتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قِرَدَةً﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾. ﴿خاسِئِينَ﴾ خبر ثان. وقيل: صفة ﴿قِرَدَةً﴾ وهو ضعيف؛ لأن جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل، وقيل: حال من واو الجماعة، والأول أرجح وأقوى، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلنا...) إلخ: معطوفة على جملة: (﴿اِعْتَدَوْا..﴾.) إلخ: لا محل لها مثلها، وهو أقوى من العطف على جملة: (قد ﴿عَلِمْتُمُ..﴾.) إلخ. روى النّسائيّ عن صفوان بن عسّال-﵁-قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ، قال له صاحبه: لا تقل: نبيّ، لو سمعك؛ كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله ﷺ ، وسألاه عن ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا المحصنة ولا تولّوا يوم الزّحف، وعليكم خاصّة يهود ألاّ تعدوا في السّبت» فقبّلوا يديه، ورجليه، وقالوا: نشهد: أنّك نبي! قال: «فما يمنعكم أن تتّبعوني؟». قالوا: إن داود دعا بأن لا يزال من ذرّيته نبيّ، وإنّا نخاف إن اتّبعناك أن تقتلنا يهود. أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح. ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿فَجَعَلْناها:﴾ الضمير عائد إلى العقوبة التي ذكرها الله تعالى في الآية السابقة، وهي مسخهم قردة. وقيل: عائد إلى القرية؛ إذ معنى الكلام يقتضيها. ﴿نَكالاً:﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها: أي تمنعه من فعل المحرّمات، وتجاوز حدود الله، والنّكال: الزّجر، والعقاب، والنّكل، والأنكال: القيد، وسمّيت القيود: أنكالا؛ لأنّها ينكل بها؛ أي: يمنع. والتنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم، أي: تخوفهم، وتردعهم، وقال تعالى في سورة (النّازعات) في حقّ فرعون اللّعين: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ وقال في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ﴾. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها:﴾ قال ابن عباس، والسّدي: لما بين يدي المسخة: ما قبلها من ذنوب القوم. ﴿وَما خَلْفَها﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، قال ابن عطيّة: وهذا قول جيد، والضّميران للعقوبة. وروى الحاكم عن مجاهد، عن ابن عباس-﵄: لمن حضر معهم، ولمن يأتي بعدهم، واختاره النّحاس. قال: وهو أشبه بالمعنى. هذا؛

стр. 195

والتعبير (ما ﴿بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾) كناية عمّن أتى قبلها، وأتى بعدها من الأمم، والخلائق، أو عبرة لمن تقدّم، ومن تأخر. والتّعبير بمثل هذا كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كلّ موضع بمعنى حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٥٥]، ومثلها في الآية رقم [٩] من سورة (سبأ) يفسر ما في هذه الآية، وكذلك رقم [١١٠] من سورة (طه) تخالف معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا وعليها ألف صلاة، وألف سلام. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ الوعظ: التخويف، وقال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير مما يرقّ له القلب، قال الماورديّ: وخصّ المتقين بالذكر، وإن كانت موعظة للعالمين؛ لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين؛ أي: لأنهم هم المنتفعون بها بخلاف غيرهم من المنافقين، والفاسقين، والكافرين. وقال الزجّاج: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ لأمة محمّد ﷺ أن ينتهكوا من حرم الله ما نهاهم عنه، فيصيبهم ما أصاب أصحاب السّبت؛ إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم. انتهى. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الذّاريات): ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. هذا؛ وأصل المتقين: الموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وأبدلت الواو على أصلهم في اجتماع الواو، والتاء، مثل: اتصل، أصله: اوتصل، وأدغمت التاء في التّاء، فصار: للمتّقين. هذا؛ والتقوى: طاعة من غير عصيان، وذكر من غير نسيان، وشكر من غير كفران. الإعراب: ﴿فَجَعَلْناها:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أوّل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. ﴿نَكالاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَكالاً؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْها:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و «ها» في محل جر بالإضافة. (ما): معطوفة على ما قبلها بالواو العاطفة، فهي في محل جر مثلها. ﴿خَلْفَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و «ها»: في محل جر بالإضافة. (﴿مَوْعِظَةً﴾) معطوف على ﴿نَكالاً﴾. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب (﴿مَوْعِظَةً﴾) أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)﴾ الشرح: لمّا ذكر الله تعالى بعض قبائح اليهود، وجرائمهم، من نقض المواثيق، والعهود، واعتدائهم في السّبت، وتمرّدهم على الله في تطبيق شريعته المنزلة على موسى؛ أعقبه بذكر نوع آخر من مساوئهم، ألا وهو مخالفتهم للأنبياء، وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لأوامر

стр. 196

الله الّتي يوحيها الله إليهم، ثمّ كثرة اللّجاج، والعناد للرّسل، صلوات الله، وسلامه عليهم، وجفاؤهم في مخاطبة نبيّهم الكريم موسى ﵇... إلى آخر ما هنالك من قبائح، ومساوئ. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً:﴾ هي واحدة البقر، تقع على الذكر والأنثى، نحو حمامة، والصّفة تميّز الذكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى، وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصّة من هذا الجنس، والذكر: الثّور، نحو ناقة، وجمل، وأتان، وحمار، وسمّي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث. هذا؛ وأهل اليمن يسمّون البقرة: باقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصّدقة لأهل اليمن: في ثلاثين باقورة بقرة. مختار الصّحاح. والباقر: جماعة البقر مع رعاتها، والتبقّر: التوسع في العلم، ومنه محمّد الباقر لأبي جعفر محمّد بن علي زين العابدين-﵃-أجمعين، لتبقّره في العلم؛ أي: لتبحره، وتعمّقه فيه، قال الأزهري: البقر: اسم للجنس، وجمعه: باقر، وفي لسان العرب: فأمّا بقر، وباقر، وبيقور، وباقور، وماقور، وباقورة؛ فأسماء للجمع. هذا؛ وقال أميّة بن أبي الصّلت، وهو الشّاهد رقم [٥٩٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف] سلع ما ومثله عشر ما... عائل ما وعالت البيقورا وقال ودّاك بن ثميل المازني الطّائي وهو الشّاهد رقم [٥٩٦] من كتابنا المذكور: [البسيط] أجاعل أنت بيقورا مسلّعة... ذريعة لك بين الله والمطر هذا؛ وقال الماوردي-رحمه الله تعالى-: وإنّما أمروا-والله أعلم-بذبح بقرة دون غيرها من الحيوانات؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته، وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة، وليس بعلّة في جواب السائل، ولكنّ المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حيّ، فيكون أظهر لقدرة الله في اختراع الأشياء من أضدادها. ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ هذا جواب منهم لموسى ﵇ لمّا قال لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وذلك: أنهم وجدوا قتيلا بين أظهرهم. قيل: اسمه عاميل، واشتبه أمر قاتله عليهم، ووقع بينهم خلاف. فقالوا: نقتتل؛ ورسول الله بين أظهرنا؟! فأتوه، فسألوه البيان، وذلك قبل نزول القسامة في التّوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله، فسأل موسى ﵇ ربّه، فأمرهم بذبح بقرة، فلمّا سمعوا ذلك من موسى، وليس في ظاهره جواب عمّا سألوه، واحتكموا فيه عنده؛ قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟﴾. هذا؛ و ﴿هُزُواً﴾ يقرأ بسكون الزاي، والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر هزأ، يهزأ هزأ من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) النّاهية عن السّخرية، والاستهزاء بالنّاس معروفة، وأحاديث الرسول ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة.

стр. 197

﴿أَعُوذُ بِاللهِ:﴾ أستعيذ، وأستجير، وأتحصّن بالله. ﴿الْجاهِلِينَ:﴾ جمع: جاهل، والجهل هو السّفه والطيش، والحمق، والجاهل هو الذي يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة، ومن حقّ الحكيم العاقل ألا يقدم على شيء حتّى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذليّ، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل وإن لم يكن كذلك يصدق عليه أنّه من أكبر الجهّال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل] فضل الحمار على الجهول بحركة... معروفة عند الّذي يدريها إنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها تنبيه: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مقدّم في التلاوة، وقوله: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْساً..﴾. إلخ الآية رقم [٧٢] الآتية مقدّم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، وكأنّ الله أمرهم بذبح البقرة حتّى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتيل، فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويكون ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ (مقدما) في المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا؛ لأنّ الواو لا توجب الترتيب، ونظيره في التنزيل في قصّة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله جلّ ذكره في سورة هود: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قوله: «إلا قليلا» فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ فذكر الركوب متأخرا في الخطاب، ومعلوم: أنّ ركوبهم كان قبل الهلاك، وكذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً﴾ وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا، ومثله في القرآن كثير، انتهى. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكروا إذ، وهو متعلق بهذا المحذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. وقال النسفي: وهو معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ في قوله: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كأنه قال: اذكروا ذاك، واذكروا إذ قال موسى، وكذلك في الظروف التي مضت. ﴿قالَ مُوسى:﴾ فعل ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَأْمُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول

стр. 198

به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَذْبَحُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ تَذْبَحُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: بذبح البقرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هو منصوب بنزع الخافض، وبعضهم يعتبره مفعولا ثانيا لفعل أمر على حدّ قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب ﴿بَقَرَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿أَتَتَّخِذُنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿تَتَّخِذُنا﴾): فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: أنت، و (نا) مفعوله الأول. ﴿هُزُواً:﴾ مفعوله الثاني، وهو مؤول باسم المفعول، أو هو على حذف مضاف، أي: ذوي هزؤ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر، فكأنّ قائلا سأل: ماذا قالوا؟ ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿أَعُوذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب ﴿إِنَّ،﴾ واسمه تقديره: أنا. ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُونَ﴾ و ﴿إِنَّ،﴾ والفعل ﴿أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: من كوني جاهلا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَعُوذُ،﴾ وجملة: ﴿أَعُوذُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ..﴾. إلخ: هذا تعنيت منهم، وقلّة طواعية، ولو امتثلوا الأمر، وذبحوا أيّ بقرة كانت؛ لحصل المقصود، لكنّهم شدّدوا على أنفسهم، فشدّد الله عليهم. قاله ابن عباس، ﵄، وغيرهما. ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أي: ما سنّها، وما حالها، وما شكلها؟ وليس المراد السؤال عن حقيقتها، فحقيقة البقرة معروفة. ﴿لا فارِضٌ﴾ مسنّة كبيرة جدّا بحيث لا تلد، وقد فرضت، تفرض فروضا، أي: سنّت، ويقال للشيء القديم: فارض، قال الشاعر: [الرجز] شيّب أصداغي فرأسي أبيض... محامل فيها رجال فرّض يعني: رجال هرماء. وقال خفاف بن ندبة مخاطبا العباس بن مرداس السلمي-وكان بينهما مهاجاة، ومعارضة ﵃: [الطويل]

стр. 199

لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا... تساق إليه ما تقوم على رجل ولم تعطه بكرا فيرضى سمينة... فكيف تجازي بالمودّة والفضل؟ أي: قديمة. وقال آخر: [الرجز] يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض... له قروء كقروء الحائض أي: ضغن قديم. ﴿وَلا بِكْرٌ:﴾ البكر الصغيرة التي لم تحمل. وحكى العتبي: أنها التي ولدت، والبكر الأول من الأولاد قال الشاعر: [الرجز] يا بكر بكرين ويا خلب الكبد... أصبحت منّي كذراع من عضد والبكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، والجمع: أبكار، والمصدر: البكارة، وبفتحها: الفتى من الإبل، والأنثى بكرة. ﴿عَوانٌ:﴾ بين ذلك. والعوان: النّصف قد ولدت بطنا، أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر، وأحسنه بخلاف الخيل، قال الشاعر يصف فرسا: [الطويل] كميت بهيم اللّون ليس بفارض... ولا بعوان ذات لون مخصّف فرس أخصف: إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد: العوان من البقر: هي التي قد ولدت مرة بعد مرّة، ويقال: إنّ العوان: النخلة الطويلة، وهي فيما زعموا لغة يمانية. وحرب عوان: إذا كان قبلها حرب بكر، قال زهير: [الطويل] إذا لقحت حرب عوان مضرّة... ضروس تهرّ النّاس أنيابها عصل أي: لا هي صغيرة، ولا هي مسنّة، وجمعها: عون بضم، وسكون، وسمع: عون بضمتين، كرسل، وقال أبو جهل الخبيث في غزوة بدر، وهو من شواهد مغني اللبيب رقم [٦٣]: [الرجز] ما تنقم الحرب العوان منّي... بازل عامين حديث سنّي لمثل هذا ولدتني أمّي ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ:﴾ تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت. فما تركوه، بل زادوا منه، ودليله ما يأتي. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اُدْعُ:﴾ فعل أمر والتماس مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمّة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿يُبَيِّنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم

стр. 200

لوقوعه في جواب الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم استفهام، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع خبره، ويجوز اعتباره مبتدأ مؤخرا و ﴿ما:﴾ خبرا مقدما، وعلى الوجهين فالجملة اسمية في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُبَيِّنْ﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب الطلب، والأمر، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مُوسى﴾). ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها، ﴿بَقَرَةٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ﴾ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿فارِضٌ:﴾ صفة ﴿بَقَرَةٌ:﴾ وهي صفة منفية. ﴿وَلا بِكْرٌ:﴾ معطوف على سابقه وهو صفة منفية أيضا، وجوز أبو البقاء وغيره اعتبار الصفتين خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: لا هي فارض، ولا هي بكر، وتكون الجملتان في محل رفع صفة (بقرة). ﴿عَوانٌ:﴾ صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ أيضا، أو هي خبر لمبتدإ محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿عَوانٌ﴾ أو هو متعلق به نفسه. و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وانظر دلالة: ﴿ذلِكَ﴾ على المثنى في الآية رقم [١٥٠] من سورة (النساء). ﴿فَافْعَلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا وجدتم البقرة الموصوفة بما ذكر (﴿فَافْعَلُوا﴾) وهذا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُؤْمَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: فافعلوا الذي، أو شيئا تؤمرون به، وجملة: ﴿فَافْعَلُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب للشّرط المقدر ب «إذا»، والشرط المقدر، وجوابه في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ اللّون: واحد الألوان، وهو هيئة كالسواد، والبياض، والحمرة، والزرقة... إلخ، واللون: النوع، وفلان متلوّن: إذا كان لا يثبت على خلق واحد، وحال واحدة، قال الشاعر في هجاء متلوّن: [مجزوء الكامل]

стр. 201

كلّ يوم تتلوّن... غير هذا بك أجمل ﴿صَفْراءُ:﴾ لونها أصفر. ﴿فاقِعٌ لَوْنُها:﴾ شديد الصفرة، وجمهور المفسّرين: أنها صفراء اللون من الصّفرة المعروفة، قال مكي عن بعضهم: حتّى القرن، والظّلف. وروي عن الزمخشري: ولعلّه مستعار من صفة الإبل؛ لأن سوادها تعلوه صفرة، وبه فسر قوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ وقال الأعشى: [الخفيف] تلك خيلي منه وتلك ركابي... هنّ صفر أولادها كالزّبيب وردّ هذا التفسير بأنّ الفقوع خاص بالصّفرة، وهو تأكيد لها، كما يؤكد غيرها، فيقال: أبيض ناصع، وأحمر قان، وأسود حالك، وأخضر ناضر، والمراد: تأكيد الصفات بما بعدها بمعنى شديدها. ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ:﴾ تعجبهم لحسنها، وجمالها. والسّرور: لذّة في القلب عند حصول نفع، أو توقّعه، ومنه السرير ذو النعمة لإتمام سرورهم بالنّعمة، وسرير الميّت تشبيها له بذلك في الصّورة، وتفاؤلا بذلك. جمل. روي عن الإمام عليّ كرّم الله وجهه: أنه قال: من لبس نعلا صفراء قلّ همّه، وكثر سروره، لقوله تعالى: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها:﴾ انظر الآية السابقة فهو مثله في إعرابه. ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ:﴾ انظر الآية السابقة أيضا. ﴿فاقِعٌ:﴾ صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿لَوْنُها:﴾ فاعل ب ﴿فاقِعٌ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وليس اسم فاعل؛ لأنه صفة ثابتة، وليست متجدّدة، و «ها» في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿فاقِعٌ﴾ خبرا مقدما، وفاعله مستتر فيه. و (﴿لَوْنُها﴾): مبتدأ مؤخرا، والجملة الاسمية صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿تَسُرُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿النّاظِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثالثة ل ﴿بَقَرَةٌ﴾ أو هي في محل نصب حال من ﴿بَقَرَةٌ﴾ بعد وصفها بما تقدم. هذا؛ وجوز أن يكون ﴿لَوْنُها﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية على هذا صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ وأنّث الفعل ﴿تَسُرُّ﴾ لأن المبتدأ ﴿لَوْنُها﴾ اكتسب التأنيث من الضمير المؤنث: (ها) كما في قولهم: قطعت بعض أصابعه، وهذا يعني: أنّ فاعل ﴿تَسُرُّ﴾ يعود إلى ﴿لَوْنُها﴾ وأراه تكلفا لا داعي له، ولو قرئ: ««يسرّ»» بياء المضارعة؛ لكان وجها صحيحا، ولكن لم أطلع على قراءة بذلك. ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أي: أهي مذلّلة بالعمل، أم هي متروكة بدون عمل، ودلّ على ذلك تفسيره بالآية الآتية. ﴿الْبَقَرَ﴾ جماعة البقر، وانظر الآية رقم [٦٧]. ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾

стр. 202

لكثرته، وكثرة ما يتّصف بالصّفتين المذكورتين في الآيتين السابقتين، وقرئ: («تشابه») بضم الهاء وتخفيف الشين، كما قرئ بضم الهاء وتشديد الشين، وأصله: تتشابه، فأبدلت التاء الثانية شينا، وأدغمت في مثلها. هذا؛ ووجوه البقر تتشابه، ومنه حديث حذيفة بن اليمان-﵁-عن النبيّ ﷺ : أنه ذكر فتنا كقطع الليل، تأتي كوجوه البقر، يريد أنها يشبه بعضها بعضا. ﴿وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: إلى البقرة المطلوبة. وقوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ تعليق بمشيئة الله، وهذا يسمّى في الشرع استثناء، قال الرسول ﷺ : «لو لم يستثنوا؛ لما بيّنت لهم آخر الأبد»، وفي رواية: «لو ما استثنوا؛ ما اهتدوا إليها أبدا». الإعراب: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٦٨]. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْبَقَرَ:﴾ اسمها. ﴿تَشابَهَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْبَقَرَ﴾. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. (﴿إِنّا﴾): حرف مشبه بالفعل، و (نا) في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت فيما سبق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط عند سيبويه: جملة: ﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه. وعند أبي العباس المبرد: محذوف، و ﴿إِنَّ﴾ ومدخولها كلام معترض بين اسم (إنّ) وخبرها. (مهتدون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: (إنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾) معطوفة على الجملة قبلها، فهي داخلة في التعليل، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ أي: غير مذلّلة بالعمل، أي: هي بقرة صعبة غير ريّضة. ولم يؤنث: ﴿ذَلُولٌ﴾ لأن فعول يستوي فيه المذكر، والمؤنث. تقول: رجل صبور، وامرأة صبور، فهو صيغة مبالغة. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ:﴾ تقلّبها، وتحرّكها بالحراثة للزراعة، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٩]: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾. ومنه الحديث: «أثيروا القرآن: فإنه علم الأولين والآخرين». ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ:﴾ غير مستعملة في سقي الأرض المهيّأة للزراعة، والمزروعة. ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ خالية من العيوب، وآثار العمل. ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أي: لا لون فيها غير لونها الأصفر؛ حتى ظفرها، وقرنها، فهي صفراء كلّها، والشّية في الأصل مصدر:

стр. 203

وشى من باب: وعد، والمصدر: «وشيا» إذا خلط بلون آخر، فحذفت الواو من المصدر، وعوّض عنها التاء في الآخر، مثل: عدة، وزنة، والشّية مأخوذة من: وشي الثوب: إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشّى: في وجهه، وقوائمه سواد. ويقال: فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، وثور أشيه. كلّ ذلك بمعنى البلقة. هكذا نصّ أهل اللغة. ﴿الْآنَ:﴾ هذه الكلمة في هذه الآية وأمثالها ملازمة للظرفية الزمانية غالبا، مبنية على الفتح دائما لتضمّنها معنى الإشارة، وألفها منقلبة عن واو؛ لقولهم في معناها: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من: آن، يئين: إذا قرب، وقيل: أصله: أوان؛ قلبت الواو ألفا، ثمّ حذفت لالتقاء الساكنين. وردّ بأنّ الواو قبل الألف لا تقلب، كالجواد، والسواد. وقيل: حذفت الألف، وغيّرت الواو إلى الألف، كما قالوا: راح، ورواح، استعملوه مرة على فعل، ومرة على فعال كزمن وزمان. هذا؛ وقال ابن هشام رحمه الله تعالى في كتابه شذور الذّهب، والآن: اسم لزمن حضر جميعه، أو بعضه: فالأول: نحو قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. والثّاني: نحو قوله تعالى في سورة (الجن) رقم [٩]: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾. وقد تعرب كقول أبي صخر الهدبي: [الطويل] لسلمى بذات الخال دار عرفتها... وأخرى بذات الجزع آياتها سطر كأنّهما ملآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدّارين من بعدنا عصر أصله: كأنهما من الآن فحذف نون (من) لالتقائها ساكنة مع لام الآن، ولم يحركها لالتقاء الساكنين كما هو الغالب، وأعرب «الْآنَ» فخفضه بالكسرة. وقد اختلف في علّة بنائه على الفتح اختلافا كثيرا. قال الزجّاج: «الْآنَ» مبني على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد. تقول: أنت إلى الآن هنا، فالمعنى إلى هذا الوقت، فبنيت، كما بني «هذا» وفتحت النون لالتقاء الساكنين، وهو عبارة عمّا بين الماضي، والمستقبل. وفحوى هذا: أن الألف واللام لم تعرّفه، ولا هو علم، ولا مضمر، ولا شيء من أقسام المعارف، فيلزم أن يكون تعريفه باللام المقدرة، واللام زائدة زيادة لازمة، كما لزمت في «الذي» ونحوه. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وقد تزاد لازما كاللاّت... والآن والّذين ثمّ اللات ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: الواضح، فتقدير هذه الصفة واجب، وإلا كان كفرا. ﴿فَذَبَحُوها﴾ بعد أن طلبوها بالصفات المذكورة: فوجدوها عند الولد البار بأمّه، فاشتروها بملء جلدها ذهبا. ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما قاربوا الذّبح لغلاء ثمنها. وقيل: خوفا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم. قاله وهب بن منبّه، وكلّه يدلّ على تثبيطهم في ذبحها وقلّة مبادرتهم إلى أمر الله.

стр. 204

هذا؛ وسقى، يسقي من الثلاثي، كما يأتي هذا الفعل من الرباعي: أسقى، والعرب تقول: سقيته، وأسقيته لغتان بمعنى واحد. وتقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمزة تارة، وبدونها أخرى، وشاهد المهموز قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً،﴾ ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد وردت اللغتان في قول لبيد ﵁: [الوافر] سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال ولكنّه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الأفعال المذكورة في سورة القصص: ﴿يَسْقُونَ،﴾ ﴿لا نَسْقِي،﴾ ﴿فَسَقى لَهُما،﴾ ﴿ما سَقَيْتَ لَنا﴾. هذا وفرق الأعلم بين المهموز، وغيره. فقال: تقول: سقيتك ماء: إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك: إذا حصّلت له سقيا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ:﴾ في محل نصب مقول القول ل ﴿يَقُولُ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿ذَلُولٌ:﴾ صفة منفية ل ﴿بَقَرَةٌ،﴾ وقيل: إنّ ﴿لا﴾ اسم بمعنى غير، فهي صفة، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، لكونها على صورة الحرف، وعليه فهي مضاف، و ﴿ذَلُولٌ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المنقولة إليه من ﴿لا﴾ بطريق العارية. هذا ويجوز اعتبار ﴿ذَلُولٌ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: لا هي ذلول، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾. وقرأ عبد الرحمن السلمي: («لا ذلول») بالنصب على اعتبار ﴿لا﴾ نافية للجنس، والخبر محذوف، وتبقى الجملة الاسمية صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ وهي قراءة غير سبعية. ﴿تُثِيرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿ذَلُولٌ﴾. وهذا على أنّ الصّفة توصف، وهي صفة كاشفة. وقال أبو البقاء: هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿ذَلُولٌ،﴾ التقدير: لا تذل في حال إثارتها. وهذا أقوى من الأول. وقيل: صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ،﴾ وجملة: (﴿لا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾) معطوفة عليها، و (﴿لا﴾) زائدة لتأكيد النفي؛ لأنها منفية بسبب العطف، ويجوز أن تكون خبرا لمبتدإ محذوف أيضا. ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ﴾. وأجيز اعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف، وتعود الجملة، فتكون صفة: ﴿بَقَرَةٌ﴾ ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿لا﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿شِيَةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيها﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثالثة

стр. 205

ل ﴿بَقَرَةٌ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْآنَ:﴾ ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب متعلق بالفعل بعده. ﴿جِئْتَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من تاء الفاعل؛ أي: جئت ملتبسا بالحق، أو معك الحق، وحذفت صفة الحق، كما رأيت في الشرح، وجملة: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر. ﴿فَذَبَحُوها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على كلام محذوف، انظر الشرح. ﴿وَما:﴾ الواو واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كادُوا:﴾ فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: الذّبح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كاد)، وجملة: (﴿ما كادُوا..﴾.) إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ أي: واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل هذه النفس، وما وقع فيه من القصّة. والخطاب لليهود المعاصرين للنبيّ ﷺ ، وإسناد القتل، والتدارؤ إليهم؛ لأنّ ما يصدر من الأسلاف ينسب إلى الأخلاف توبيخا، وتقريعا. ﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها:﴾ تدافعتم، وتخاصمتم. وأصله: تدارأتم، فاجتمعت التاء مع الدال، وهما متقاربان في المخرج، فقلبت التاء دالا، وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها، فصار: اددارأتم ثم أدغم، ولهذه الكلمة نظائر مثل قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٨]: ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً﴾ وقوله تعالى في سورة (النّمل) رقم [٦٦]: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وأيضا: اذّكر، واطّلع، واطّير، وازيّن، فإن الأصل: تذكر، وتطلع، وتطير، وتزين. وأيضا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٨]: ﴿اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ:﴾ مظهر، فهو اسم فاعل، من أخرج الرباعي. ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون في صدوركم من أمر القتيل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وعن المسيب بن رافع: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. هذا؛ وفي الحديث: «لو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، لا باب لها، ولا كوّة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». أخرجه ابن ماجة، وابن حبّان عن أبي سعيد الخدري-﵁ من حديث طويل. وخذ قوله تعالى حكاية عن وصية لقمان لابنه، وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ..﴾. إلخ.

стр. 206

الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، أو هو مفعول به لهذا المقدّر. انظر الشرح. والجملة المقدرة معطوفة على مثلها فيما سبق. ﴿قَتَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (ادارأتم): فعل وفاعل. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿مُخْرِجٌ﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. وقال أبو البقاء: معترضة بين ما قبلها، وبين ما بعدها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿مُخْرِجٌ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَكْتُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، أو الرابط ل ﴿ما﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ﴾ وهذه الجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. هذا؛ واعتبار ﴿ما﴾ مصدرية فيه ضعف. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم. ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ أي: القتيل: ببعضها: ببعض لحم البقرة بعد ذبحها، لا على تعيين شيء منها، فيحيا، ويخبركم عن قاتله. فضربوه، فحيي، وقال: قتلني فلان ابن أخي. ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ. أي: إحياء الناس بعد موتهم، وبعثهم للحساب شبيه بإحياء تلك النفس التي ضربت ببعض البقرة، و ﴿الْمَوْتى﴾ جمع: ميت، ويجمع أيضا على «أموات» وعلى «ميتون» قال تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الزمر) رقم [٣٠]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي: يريكم دلائل قدرته؛ لتتدبروا، ولتفكروا، وتعلموا: أنّ الله على كل شيء قدير. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، فتمتنعون عن عصيانه، ومخالفة أمره. وعقلت نفسي عن كذا، أي: منعتها منه. تنبيه: ذكر الله تعالى إحياء الموتى في هذه السورة الكريمة في خمسة مواضع: الأول: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ الآية رقم [٥٦]. الثاني: في هذه القصة: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾. الثالث: في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؛ فقال لهم الله: ﴿مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ الآية رقم [٢٤٣] الآتية. الرابع: في قصة عزيز في قوله تعالى: ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ الآية رقم [٢٥٩] الآتية. الخامس: في قصة إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام في قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ الآية رقم [٢٦٠] الآتية.

стр. 207

الإعراب: ﴿فَقُلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قلنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قَتَلْتُمْ﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿اِضْرِبُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِبَعْضِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. وها: في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء الذي أحيا به القتيل. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وقبلها كلام محذوف، تقديره: فضربوه ببعضها، فحيي، وقال... إلخ. ﴿وَيُرِيكُمْ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿يُرِيكُمْ﴾): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعوله الأول. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا والفعل: (يري) بصري ينصب مفعولا واحدا، وقد تعدّى هنا إلى الثاني بالهمزة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيها معنى التعليل. تنبيه: بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [٦٧] نقلا عن القرطبي: أذكر هنا: أنّ هذه الآية هي أول القصّة، وقدّمت الآيات السابقة عليها في التنزيل لغرض، وهو: أنّه لمّا ذكر سابقا خبائثهم، وقبائحهم، وجناياتهم، ووبّخوا عليها؛ ناسب أن يقدّم في هذه القصّة ما هو من قبائحهم، وهو تعنتهم على موسى؛ لتتصل قبائحهم، ومساوئهم ببعضها، ليكون أبلغ في توبيخهم على القتل. انتهى. جمل. وقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: وإنّما غيّر الترتيب لتكرير التوبيخ، وتثنية التقريع، فإنّ كلّ واحد من قتل النفس المحرمة، والاستهزاء بموسى ﵇، والافتيات على أمره جناية عظيمة جديرة بأن تنعى عليهم. تنبيه: قال علماء السّير، والأخبار: إنّه كان في بني إسرائيل رجل غني، لا أولاد له، وله ابن عمّ فقير، لا وارث له سواه، فلمّا طال موته؛ قتله؛ ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى، وألقاه على بابها، ثمّ أصبح يطلب ثأره، وجاء بناس إلى موسى يدّعي عليهم بالقتل، فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فسألوا موسى أن يدعو الله لهم ما أشكل عليهم، فسأل موسى ربّه في ذلك، فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ببعضها، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً..﴾. إلخ الآيات التي رأيتها فيما سبق. وكان في ذلك حكمة لله عزّ، وجلّ، وذلك: أنه كان رجل صالح في بني إسرائيل، وله ابن وله عجلة، فأتى بها غيضة، وقال: اللهم إنّي استودعتك هذه العجلة لابني حتّى يكبر، ومات ذلك

стр. 208

الرّجل، وصارت العجلة في الغيضة عوانا، وكانت تهرب من الناس، فلمّا كبر ذلك الطفل، وكان بارّا بأمّه؛ فقالت له أمّه يوما: يا بنيّ! إنّ أباك ورّثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا، فانطلق، وادع إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق أن يردّها عليك، وعلامتها: أنك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أن شعاع الشّمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهّبة؛ لحسنها، وصفرتها. فأتى الفتى الغيضة، فرآها ترعى، فصاح بها، وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، فأقبلت البقرة حتى وقفت بين يديه، فقبض على قرنها يقودها، فسار بها إلى أمّه، فقالت له: إنّك رجل فقير، ولا مال لك، ويشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار، والقيام في الليل، فانطلق وبع البقرة، فقال: بكم أبيعها؟ قالت: ثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي، وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير، فانطلق الفتى بها إلى السّوق، وبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته، ويختبر الفتى كيف برّه بأمه؟ وهو أعلم، فقال له الملك: بكم هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير، وأشترط رضا أمي، فقال الملك: لك ستة دنانير، ولا تستأمر أمّك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا، لم آخذه إلا برضا أمّي، ورجع الفتى إلى أمّه، وأخبرها بالثّمن، فقالت له: ارجع، فبعها بستة دنانير، ولا تبعها إلا برضاي، فرجع إلى السوق، وأتى الملك، فقال له: استأمرت أمّك؟ فقال: نعم إنّها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على رضاها، فقال الملك: إنّي أعطيك اثني عشر دينارا، ولا تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمّه، وأخبرها الخبر بذلك، فقالت له أمّه: إنّ الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجرّبك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة، أم لا؟ ففعل، فقال له الملك: اذهب إلى أمّك، فقل لها: أمسكي البقرة؛ فإنّ موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبعها إلا بملء مسكها ذهبا، والمسك الجلد، فأمسكها وقدّر الله على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفون البقرة؛ حتّى وصفت لهم تلك البقرة بعينها مكافأة لذلك الفتى على برّه بأمه، فضلا من الله ورحمة. فاشتروها، وذبحوها، ثمّ ضربوا القتيل بقطعة لحم منها، فحيي، وقال لبني عمّه: قتلني فلان، ثمّ رجع ميتا، فقتل موسى القاتل، وحرم الميراث. ومن طلب شيئا قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه. انتهى. خازن بتصرّف مع اختصار. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ:﴾ القساوة: عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر، وقساوة القلب: نبوّه عن الاعتبار، فقساوته مستعارة من قساوة الحجر، استعيرت لنبوّ قلوبهم عن

стр. 209

التأثر بالعظات، والقوارع الّتي تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور. هذا؛ وأصل الفعل: «قسى» فلما اتصلت به تاء التأنيث صار: «قسات» فحذفت الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث فصار: «قست». هذا؛ والقلب: قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلاّ للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله بالخطّ الإلهي، ويضبطه بالحفظ الربّاني حتّى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمة من الملك، ولمة من الشّيطان، -كما قال الرسول ﷺ ، فأمّا لمّة الملك؛ فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، وأما لمّة الشيطان؛ فإيعاد بالشرّ، وتكذيب بالحقّ، من وجد الأول؛ فيعلم: أنه من الله، ويحمد الله، ومن وجد الثاني؛ فليعوذ بالله من الشّيطان، ثم قرأ الرّسول ﷺ قوله تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٢٦٧] الآتية. هذا واللّمة بفتح اللام: الخطرة الواحدة. من: الإلمام، وهو القرب من الشيء، والمراد بها في الحديث: التي تقع في القلب من خير أو شرّ، فأما لمّة الشيطان؛ فوسوسة، وأما لمّة الملك؛ فإلمام من الله تعالى. هذا وسمّي القلب قلبا لأنّه يتقلّب؛ قال الشاعر: [الطويل] وما سمّي الإنسان إلا لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ من بعد المعجزات التي جاء بها موسى ﵇، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال تعالى في سورة (الحديد): ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾. ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً:﴾ اختلف العلماء في معنى (﴿أَوْ﴾) هنا، بعد استحالة كونها للشكّ، فقال بعضهم: هي هنا بمعنى الواو، كقوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ وقوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً،﴾ وكما قال جرير في مدح الخليفة الصّالح-وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر أي: وكانت. وقيل: هي بمعنى «بل» كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٧]: ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وكقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٤٧]: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وقال جرير في مدح هشام بن عبد الملك-وهو الشاهد رقم [١٠١] من كتابنا المذكور-: [الطويل] ماذا ترى في عيال قد برمت بهم... لم أحص عدّتهم إلاّ بعدّاد؟ كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي

стр. 210

أي: بل، وزادوا ثمانية، وأيضا قول ذي الرّمّة: [الطويل] بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى... وصورتها أو أنت في العين أملح أي: بل أنت، وقيل: معناها الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي. [الوافر] أحبّ محمّدا حبّا شديدا... وعبّاسا وحمزة أو عليّا فإن يك حبّهم رشدا أصبه... ولست بمخطئ إن كان غيّا ولم يشكّ أبو الأسود الدّؤلي: أنّ حبهم رشد ظاهر، وإنّما قصد الإبهام. ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ:﴾ والمراد: جميع الحجارة، أو حجر موسى الذي كان يضربه في التيه لسقيهم. ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ:﴾ التّشقّق دون التفجر، والمراد منه العيون الصغيرة، والينابيع، وأصل الفعل: يتشقّق، قلبت التاء شينا، ثمّ أدغمت في الثانية بعد سكونها، وقرأ الأعمش على الأصل ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ المعنى: من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم، لخروج الماء منها، وتردّيها. قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجّر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن. وهو صحيح لا غبار عليه. فإنه لا يمتنع أن يعطي الله بعض الجمادات المعرفة، فتعقل، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله ﷺ إذا خطب، فلمّا تحول عنه ﷺ ؛ حنّ إليه. وثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن حجرا كان يسلّم عليّ في الجاهليّة، إنّي لأعرفه الآن»، وكما روي: أنّ النبي ﷺ قال: «قال لي ثبير: اهبط فإنّي أخاف أن يقتلوك على ظهري، فيعذبني الله». فناداه حراء: إليّ يا رسول الله! وقال تعالى في آخر سورة (الأحزاب): ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها..﴾. إلخ. وقال تعالى في سورة (فصّلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٤]: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محلّها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ:﴾ فيه وعيد، وتهديد، والمعنى: أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم حتّى يجازيهم في الآخرة، فهي مسجلة في كتاب، وهو لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. بعد هذا: فقسوة القلب سبب في شقاء الفرد، وشقاء المجتمع، والحقد، والحسد، وسبب في ترك الصّلاة، ومنع الزكاة، وترك صلاة الجمعة، والجماعة، وسبب في أكل الرّبا، وفعل

стр. 211

الزّنى، والغيبة، والنّميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، وسبب في شهادة الزّور، وارتكاب الفجور، وشرب الخمر، ولعب القمار، ومخالفة الجبّار، بل إنّي أقول: إن قسوة القلب سبب في كلّ معصية، وبلاء، وقد رأيت كيف ذمّ الله اليهود، وذوي القلوب الغافلة القاسية. ولقائل أن يقول: ما هي أسباب قسوة القلب حتى نجتنبها؟ فأذكر بعضا منها على سبيل الاختصار: فأقول وبالله التوفيق: منها: أكل الحرام، فإنّ الشخص الذي لا يبالي من أين أكل: من الحلال، أم من الحرام؛ تخبث نفسه، ويقسو قلبه، وتفحش أعماله، وتسوء أخلاقه. ومنها: اتباع الهوى، والانقياد للشّيطان الرّجيم، فإنّ الشخص الذي يسلسل لنفسه قيادها، تجرّه إلى المهالك، والذي ينقاد إلى شيطانه يأمره بكل شرّ، وينهاه عن كلّ خير، ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط] وخالف النّفس والشّيطان واعصهما... وإن هما محّضاك النّصح فاتّهم ولا تطع منهما خصما ولا حكما... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم ومنها: كثرة الشّغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل، وقد قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل». ثمّ قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذيّ، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. والمراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن. ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السرّ، والعلن، والإعراض عن واجبات الله كالصّلاة، وغيرها، فإنّ الشّخص الذي يعرض عن الله يعرض الله عنه، ويكله إلى شيطانه مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ رقم [٣٦] من سورة (الزخرف). ومنها: كثرة الكلام فيما لا يعني، والخوض في الباطل، فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي». أخرجه الترمذي. ومنها: الانغماس في الشّهوات، والملذّات، والإغراق في التّرف، والنّعم، وكثرة الأكل، والشرب، قال بعض العلماء: من كثر أكله؛ كثر شربه، ومن كثر شربه؛ كثر نومه، ومن كثر نومه؛ كثر تخمه، ومن كثر تخمه؛ قسا قلبه، ومن قسا قلبه؛ غرق في الآثام، ومن غرق في الآثام؛ فالنار أولى به! ورحم الله تعالى من يقول: [الطويل] يميت الطعام القلب إن زاد كثرة... كزرع إذا بالماء قد زاد سقيه وإنّ لبيبا يرتضي نقص عقله... بأكل لقيمات لقد ضلّ سعيه

стр. 212

قال سعدي الشيرازي رحمه الله تعالى: [البسيط] إنّ الحديد متى أودى به صدأ... فليس بالصّقل تبدو منه آثار لا يدخل الوعظ قلبا مظلما أبدا... ولا يغوص بقلب الصّخر مسمار أما دواء قسوة القلب؛ فهو الإخلاص في العبادة، والعبادة في النّهار، والتهجّد في الليل، وقراءة القرآن، وتدبّر معانيه، ومجالسة أهل الخير، والتّقوى، والصلاح، والإقلال من الطّعام، والشراب، وتجنّب الأمور الّتي تسبب قسوة القلب، المذكورة آنفا، ورحم الله من يقول: [البسيط] دواء قلبك خمس عند قسوته... فدم عليها تفز بالخير والظّفر خلاء بطن وقرآن تدبّره... كذا تضرّع باك ساعة السّحر كذا قيامك جنح اللّيل أوسطه... وأن تجالس أهل الخير والخبر الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قَسَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل لها. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿قَسَتْ:﴾ معطوفة على جملة: (قلنا) فهي في محل جر أيضا بسبب العطف. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَالْحِجارَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وعليه فهي مضاف، والحجارة مضاف إليه، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي معطوفة بالفاء على الجملة الفعلية السّابقة، فهي في محل جرّ أيضا. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أشد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرت ﴿أَشَدُّ﴾ معطوفا على الخبر المحذوف، أو على الكاف؛ فيكون العطف من عطف المفردات. ﴿قَسْوَةً:﴾ تمييز، والمتعلّق محذوف؛ إذ التقدير: أو أشدّ قسوة منها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنَ الْحِجارَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف رفع خبر (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها، ﴿لَما:﴾ اللام: لام الابتداء، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ) مؤخر. ﴿يَتَفَجَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿يَتَفَجَّرُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: (﴿إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ﴾) في محل نصب حال من ﴿الْحِجارَةِ،﴾ والرّابط الواو،

стр. 213

وأعيدت الحجارة بلفظها للبيان، والإيضاح، ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وجملة: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَشَّقَّقُ﴾ لا محل لها مثلها؛ لأنها صلة الموصول، وجملة: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ:﴾ معطوفة على سابقتها فهي في محل نصب حال أيضا، وهي مثلها في إعرابها. ﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿اللهِ﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (﴿مَا﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وبعضهم يعتبر (ما) تميمية، فيعتبر لفظ الجلالة مبتدأ، والباء مزيدة في خبره و (غافل) اسم الفاعل، ففاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب حال من الكاف في ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفنّدا، والمعنى لا يأباه، ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما الله بغافل عن الذي، أو عن شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: وما الله بغافل عن عملكم. ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ:﴾ هذا الخطاب للنبيّ ﷺ ولأصحابه، والاستفهام إنكاريّ، أو استبعادي، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود، أي: إن كفروا فلهم سابقة في ذلك، وذلك: أنّ الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف، والجوار الذي كان بينهم. هذا؛ والطّمع: نزوع النّفس إلى الشيء، وتعلّقها به، والحرص على حصوله، وهو مذموم إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة، وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم، ويقال: طمع فيه طمعا، وطماعية، فهو طمع على وزن فعل، ويقال في التعجب: طمع الرّجل بضم الميم، أي: صار كثير الطمع، وامرأة مطماع: تطمع، ولا تمكّن. ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ الفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر، وجمعه في أدنى العدد: فرق، وفي الكثير: فرقاء. وقال الأعلم-رحمه الله تعالى-: الفريق يقع للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، مثل: صديق، وعدو، وقعيد.

стр. 214

﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال الربيع، وابن إسحاق: المراد: السّبعون الذين اختارهم موسى للاعتذار عن عبادة بني إسرائيل العجل، فسمعوا كلام الله، فلم يمتثلوا أمره، وحرّفوا القول في إخبارهم لقومهم. وهذا ضعيف جدّا، والمعتمد الأوّل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾. قال مجاهد، والسّدّي: هم علماء اليهود؛ الّذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالا، والحلال حراما اتّباعا لأهوائهم. وأيضا حرّفوا ما فيها من صفة النبي ﷺ ، وحرّفوا آية الرّجم، ويفسّرون التوراة بما يشتهون، ففي صفات النبي ﷺ كتبوا بدل «أكحل العين، ربعة، أجعد الشعر، حسن الوجه»: أزرق العين، سبط الشّعر، طويلا... إلخ. هذا؛ والفعل (يسمع) من الأفعال الصّوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محلّ نصب حال؛ إن كان المتقدّم معرفة؛ مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. هذا؛ والكلام بالنسبة إلى البشر يدلّ على أحد ثلاثة أمور: أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا. تريد: تكلّمك إيّاه. وقال الشاعر: [البسيط] قالوا: كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا وثانيها: ما يدور في النّفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه اللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمّى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا ثالثها: كلّ ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللّسانين)، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله)، ثم انظر إلى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (التوبة) رقم [٦]: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في سورة (آل عمران) رقم [٤١]: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي الّذي نفى الكلام اللّفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]

стр. 215

أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم والدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١] حكاية عن قول السماء والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنهما تكلمتا حقيقة، وقال آخرون: إنهما لما انقادتا لأمر الله ؛ نزل ذلك منزلة القول، والكلام، وانظر شرح القول في الآية رقم [٢٦]. ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ:﴾ من بعد ما فهموه، وضبطوه بعقولهم، وانظر العقل في الآية [٤٤]. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أي: أنهم مبطلون مفترون. والمعنى: أنّ أحبار اليهود كانوا على هذه الحالة من التحريف، والتغيير، والتبديل لكلام الله، فكيف تتوقعون إيمان سفلتهم، وجهالهم، وأنهم إن كفروا؛ فلهم سابقة في ذلك. الإعراب: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري استبعادي. واختلف في مثل هذا التركيب؛ أي: دخول الهمزة على الفاء، وعلى الواو، وعلى ثمّ، فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدّمة من تأخير، لأن لها الصّدر، ولا حذف في الكلام، والتقدير: فأ تطمعون، وأ لا يعلمون... إلخ. وذهب الزمخشري إلى أنّها داخلة على محذوف، وعليه سياق الكلام، والتقدير هنا: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون. الفاء: حرف عطف. (تطمعون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهذا على تأويل الفعل ب «ينقادوا»، وأما على تأويله ب «صدقوكم»، فاللام زائدة، والكاف مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (تطمعون). ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿فَرِيقٌ:﴾ اسم (﴿كانَ﴾). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿كَلامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وأجاز قوم أن تكون الجملة صفة ل ﴿فَرِيقٌ،﴾ و ﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر. وهو ضعيف، والجملة الفعلية: (﴿قَدْ كانَ﴾): في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.
следующие страницы →