السابق يجعل الجملة الفعلية: (اعلموا...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى، وقد تقدّم نظائر لها كثيرة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ أصل الفعل:
اوتّقيوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت بالتّاء، وحذفت الضمّة التي على الياء، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، فصار (اتّقوا) ثم قلبت الفتحة ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ و (التّقوى):
حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأنّ أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتّحرّز من المهالك في الدّنيا، والآخرة.
﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ:﴾ اطلبوا إلى الله الوسيلة. قال ابن عباس-﵄:
القربة، وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: أي: تقربوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يرضيه، والوسيلة هي الّتي يتوصّل بها إلى تحصيل المقصود. قال عنترة: [الكامل]
إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة... أن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
والجمع: الوسائل، قال الشّاعر: [الطويل]
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا... وعاد التّصافي بيننا والوسائل
هذا؛ و (الوسيلة): درجة في الجنّة، وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة، والصّلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الّذي وعدته؛ حلّت له شفاعتي يوم القيامة».
وعن عبد الله بن عمرو-﵁: أنّه سمع النبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن؛ فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنّة، لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة؛ حلّت له الشّفاعة». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنّسائي.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صلّيتم عليّ؛ فسلوا لي الوسيلة» قيل: يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنّة، لا ينالها إلاّ رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». رواه أحمد، والترمذيّ.
стр. 1507
هذا؛ وعلى تفسير (الوسيلة) بطاعة الله، وما يرضيه، وترك السّيّئات، فيكون في الكلام استعارة، وهناك من يتوسّل بالنبي ﷺ ، وبالصّالحين في طلب حاجاته من الله تعالى، ولا بأس به إن كان المتوسّل من الصّالحين، فيضم إلى توسّله بصلاحه توسّله بالنبيّ العظيم، والأولياء المقرّبين، وأمّا إن كان المتوسّل من الفاسدين المفسدين؛ فلا ينفعه توسّله بالنبيّ ﷺ ، أو غيره.
﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: حاربوا أعداء الله بالسّنان، واللّسان، كما قال تعالى في سورة (التوبة) وفي سورة (التحريم): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.
و «سبيل الله» دينه الّذي ارتضاه للناس أجمعين، وانظر الآية رقم [١٦].
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تسعدون بالخلود في جنّته؛ لأنّ الفلاح اسم جامع للخلاص من كلّ مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصل الفعل: تؤفلحون، حذفت منه الهمزة لثقلها، وانظر مثل هذا الترجّي في الآية رقم [٦].
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١]. ﴿وَابْتَغُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿إِلَيْهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما ب: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ بعدهما؛ لأنّها بمعنى المتوسّل به، أو بمحذوف حال من: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ أي: الوسيلة كائنة إليه، وهذه الحال كانت صفة ل: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ فلما قدمت عليها؛ صارت حالا، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه.
﴿تُفْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:
(لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محلّ لها، وبعضهم يعتبرها في محل نصب حال، التقدير: حالة كونكم راجين الفلاح، ويمنع من الحال كون الجملة إنشائية؛ لأنّ التّرجي إنشاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾
الشرح: المعنى: إنّ الكافر لو ملك الدنيا، ودنيا أخرى مثلها معها، ثمّ فدا نفسه من العذاب يوم القيامة؛ لم يقبل منه ذلك الفداء. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. المقصود من هذا؛ أنّ العذاب لازم للكفّار، وأنّه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه بوجه من الوجوه. وملكه الدنيا على سبيل الفرض، والتّقدي. وأنّى له الملك؟! وخذ ما يلي:
عن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يقول الله لأهون أهل النّار عذابا يوم القيامة: لو كانت لك الدّنيا كلّها؛ ألست مفتديا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك
стр. 1508
أيسر من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، ولا أدخلك النّار، وأدخلك الجنّة، فأبيت إلاّ الشّرك». هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري، قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له:
أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي...».
وهذا يتعارض ظاهره مع قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ ويجاب بأنّ آية (الأعراف) معناها: الخضوع، والتذلّل، وما في الحديث معناه: الانقياد، والطاعة.
وانظر الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران)، بعد هذا انظر (الكفر) في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النساء)، أمّا ﴿عَذابِ﴾ فهو اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر تعذيب؛ لأنّه من: عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، ونبات، وسلام، من:
أعطى، وأنبت، وسلّم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ) مؤخّر. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من (ما) مؤكدة لها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، وفيه قولان: أحدهما وهو قول سيبويه: أنّه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف التقدير. لو إيمانهم ثابت. والثاني وهو قول المبرد: أنّه في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: لو ثبت إيمانهم، وهو المرجّح؛ لأنّ (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَمِثْلَهُ:﴾ معطوف على (ما) منصوب مثله، وقيل: منصوب على المعيّة، ولا وجه له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف حال من: (مثله) والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿لِيَفْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المحذوف، الذي ستعرفه، وقيل: متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وهو: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقد أفرد الضمير مع كونه عائدا على اثنين، وهما: ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ و (مثله) إما لتلازمهما فهما في حكم شيء واحد، وإمّا لأنّه حذف من الثاني لدلالة ما
стр. 1509
في الأول عليه، وإمّا لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. وانظر مثله في الآية رقم [١٦]. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿يَوْمِ:﴾
مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿تُقُبِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى: ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها من الإعراب. و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر:
﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها، واعتبارها حالا من الضّمير المجرور في: ﴿لَهُمْ﴾ غير مستبعد، ويكون الرابط:
الواو، والضمير.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾
الشرح: في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أنّهم يقصدون الخروج من النّار، ويطلبونه، ولكن لا يستطيعون ذلك. قيل: إذا حملهم لهب النار إلى فوق؛ طلبوا الخروج، فلا يقدرون عليه. والوجه الثاني: أنّهم يتمنّون الخروج من النّار بقلوبهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: ولهم عذاب دائم ثابت، لا يزول عنهم، ولا ينتقل أبدا.
وعن طلق بن حبيب؛ قال: كنت من أشدّ الناس تكذيبا بالشّفاعة؛ حتى لقيت جابر بن عبد الله، ﵄، فقرأت عليه كلّ آية أقدر عليها يذكر فيها خلود أهل النّار، فقال:
يا طلق! أتراك أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنّة رسول الله منّي؟! إنّ الّذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا، فعذّبوا، ثمّ أخرجوا منها. ثمّ أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النّار بعد ما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت. رواه ابن مردويه.
الإعراب: ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من الرّباعي، والواو نائب فاعله، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محلّ نصب مفعول به، وجملة:
﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو:
стр. 1510
واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِخارِجِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خارجين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (خارجين) والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار، ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم.
﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُقِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾
الشرح: المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى أخذ الأموال بطريق السّعي في الأرض، والفساد؛ ذكر حكم السّارق من غير حراب. هذا؛ وقدّم الله السّارق على السّارقة هنا، وقدّم الزانية على الزّاني في سورة (النور)؛ لأنّ الرّجل على السّرقة أجرأ، والزنى من المرأة أشنع، وأقبح، فناسب ذكر كلّ منهما المقام. وقال ابن السائب: نزلت الآية في طعمة بن أبيرق، الّذي تقدّمت قصته في سورة (النساء). وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: بدأ الله في السّارق هنا؛ لأنّ حبّ المال من الرّجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النّساء أغلب، بدأ بهما في الموضعين. هذا؛ وقطعت اليد لأنّها آلة السّرقة، ولم تقطع آلة الزنى تفاديا عن قطع النّسل. هذا؛ والسارق هو الذي يأخذ المال من حرز مثله، وهذا بخلاف الأخذ جهرا، وعنوة، وقهرا، فإنّه تقدّم حكمه في الآية رقم [٣٣].
هذا؛ والسّارق الذي تقطع يده هو: البالغ، العاقل، العالم بتحريم السّرقة. فلو كان حديث عهد بالإسلام، ولا يعلم: أنّ السرقة حرام؛ فلا قطع عليه. والقطع يكون إذا كان المأخوذ ربع دينار، أو يساويه خفية؛ لقول النبي ﷺ : «القطع في ربع دينار فصاعدا». أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة-﵁. وعن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقطع يد السّارق إلاّ في ربع دينار فصاعدا». أخرجاه في الصّحيحين. والقطع يكون من الرّسغ؛ لأنّ النبي ﷺ أتي بسارق، فأمر بقطع يمينه منه، وإن كان يطلق لفظ اليد على تمام العضو.
والمراد بالأيدي: الأيمان.
﴿جَزاءً:﴾ مجازاة، ومعاقبة، من: المجازاة، وهي: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ وتكون في الشرّ، قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشرّ. والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، والفعل منه ينصب مفعولين، تقول: جزى زيد عمرا خيرا.
стр. 1511
﴿نَكالاً مِنَ اللهِ:﴾ عقوبة مفروضة من الله على من اجترأ على أموال النّاس بغير حقّ، فهي تنكل من اعتبر بها، أي: تمنعه من فعل المحرّمات، وتجاوز حدود الله. والنّكال: الزّجر، والعقاب، والنّكل، والأنكال: القيود، وسمّيت القيود أنكالا؛ لأنّها ينكّل بها، أي: يمنع.
والتنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تنكّل بهم من وراءهم؛ أي: تخوفهم، وتروّعهم. قال تعالى في سورة (النّازعات) في حقّ فرعون اللّعين: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾. وقال تعالى في حقّ اليهود اللّؤماء في سورة (البقرة) رقم [٦٦]: ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
والفعل: نكل به، ينكل من باب: قتل، نكلة قبيحة: أصابه بنازلة. ونكّل بالتّشديد مبالغة.
﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ قوي في انتقامه ممّن عصاه. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما قضى، وحكم. قال الأصمعيّ- رحمه الله تعالى-: قرأت يوما هذه الآية: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾ وإلى جنبي أعرابيّ، فقلت: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: ليس هذا بكلام الله! أعد، فأعدت، وتنبّهت، فقلت: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: نعم هذا كلام الله، فقلت:
أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أنّي أخطأت؟! فقال: يا هذا! عزّ، فحكم، فقطع، ولو غفر، ورحم؛ لما قطع. ومثله يذكر في الآية رقم [١١٨] من هذه السورة الكريمة.
تنبيه: اعترض، ويعترض بعض الملحدين على الشّريعة الغرّاء في قطع يد السّارق بالقليل من المال، ونظم أبو العلاء المعرّي في ذلك شعرا، فقال: [البسيط]
يد بخمس مئين عسجد وديت... ما بالها قطعت في ربع دينار؟
تحكّم ما لنا إلاّ السّكوت له... وأن نعوذ بمولانا من النّار
ولمّا قال ذلك، واشتهر عنه، تطلّبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه النّاس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي-﵀-أن قال: لما كانت أمينة؛ كانت ثمينة، ولما خانت؛ هانت. ويروى: أنّه أجابه شعرا بقوله: [البسيط]
عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها... ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري
بعد هذا أذكر: أنّ بعض الغربيين، والملحدين من الشّرقيين يعيبون على الشّريعة الإسلامية قطع يد السارق، ويزعمون: أنّ هذه العقوبة صارمة، لا تليق بمجتمع متحضّر، ويقولون: يكفي في عقوبة السّارق السّجن ردعا له، وكان من أثر هذه الفلسفة المعوجّة؛ التي لا تستند على نطق سليم أن زادت الجرائم، وكثرت العصابات، وأصبحت السّجون غاصّة بالمجرمين، وقطّاع الطّريق، الذين يهدّدون الأمن، والاستقرار، يسرق السّارق، ويقتل القاتل، ويختلس المختلس، وهو آمن مطمئنّ لا يخشى شيئا إلا ذلك السّجن، الّذي يطعم فيه، ويكسى، فيقضي مدّة العقوبة، التي فرضها القانون الوضعي، ثمّ يخرج منه إلى الإجرام أميل، وعلى الشرّ أقدر، ولا سيما إذا
стр. 1512
أعطى قسطا للقضاء من المال الذي سرقه، ونهبه في هذا الزمن. يؤكّد هذا ما نقرؤه، ونسمعه عن تعداد الجرائم، وزيادتها يوما بعد يوم، وذلك لقصور العقل البشري عن الوصول إلى الدّواء النّاجع، والشّفاء النافع لمعالجة هذه الأمراض الخطيرة، أمّا الإسلام؛ فقد استطاع أن يقتلع الشّرّ من جذوره، ويد واحدة تقطع كافية لردع المجرمين، انظر قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ المراد به: المثنّى؛ لأنّ المقصود يد السّارق، ويد السّارقة، وقد جمع المضاف في محل المثنّى، وقد تكلّم السّيوطي-رحمه الله تعالى-على هذه المسألة في كتابه: (همع الهوامع) الذي شرحت شواهده، وأعربتها، وأرجو من الله أن يمنّ عليّ بالتوفيق لطباعته، وها أنا ذا أنقل لك ما قاله بالحرف؛ لتكون على بينة من أمرك.
قال رحمه الله تعالى: الأصل في كلام العرب دلالة كلّ لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على الجمع، وقد يخرج الكلام عن هذا الأصل، وذلك قسمان: مسموع، ومقيس.
فالأول: ما ليس جزءا ممّا أضيف إليه. سمع: ضع في رحالهما. يريد في اثنين، وديناركم مختلفة، أي: دنانيركم، وعيناه حسنة، أي: حسنتان، وأورد أربعة أبيات شعرية شاهدا لذلك، قال: ومنه لبّيك، وإخوته، فإنّه مثنى، وضع موضع الجمع، وقالوا: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد، وعظيم المناكب، وغليظ الحواجب، والوجنات، والمرافق، وعظيمة الأوراك، فكل هذا مسموع، لا يقاس عليه، وقاسه الكوفيّون، وابن مالك إذا أمن اللّبس، وهو ماش على قاعدة الكوفيين من القياس على الشّاذّ، والنادر. قال أبو حيّان: ولو قيس على شيء من هذا؛ لالتبست الدّلالات، واختلطت الموضوعات.
والثاني: ما أضيف إلى متضمّنه، وهو مثنى لفظا، نحو قطعت رءوس الكبشين، أي:
رأسيهما، أو معنى، نحو قول الشاعر: [الطويل]
رأيت بني البكريّ في حومة الوغى... كفاغري الأفواه عند عرين
فإنّ مثل ذلك ورد فيه الجمع، والإفراد، والتثنية، فمن الأول قوله تعالى في سورة (التحريم): ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما،﴾ والآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. ومن الإفراد قراءة الحسن قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢١] وفي ثلاث آيات من سورة (الأعراف): (فبدت لهما سوأتهما) ومن التثنية قراءة من قرأ: «(فبدت لهما سوأتاهما)»، وقراءة الجمهور من الأوّل: «فبدت لهما سوأتهما» فطرد ابن مالك قياس الجمع، والإفراد أيضا لفهم المعنى، وخصّ الجمهور القياس بالجمع، وقصروا الإفراد على ما سمع، وورد، وإنّما وافق
стр. 1513
الجمهور على قياس الجمع كراهة اجتماع تثنيتين مع فهم المعنى، ولذلك شرط ألا يكون لكلّ واحد من المضاف إليه إلا شيء واحد؛ لأنّه إن كان له أكثر التبس، فلا يجوز في: قطعت أذني الزّيدين الإتيان بالجمع، ولا الإفراد للإلباس، وأورد ستّة أبيات شعرية شاهدا لذلك.
فإن فرّق متضمناهما، كقوله تعالى في الآية رقم [٧٨] الآتية: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ..﴾. إلخ؛ فقال ابن مالك أيضا بقياس الجمع، والإفراد، وخلافه أبو حيّان؛ لأنّ الجمع إنّما قيس هناك كراهة اجتماع تثنيتين وقد زالت بتفريق المتضمنين قال: فالذي يقتضيه النظر الاقتصار على التثنية، وإن ورد جمع، أو إفراد اقتصر فيه على مورد السّماع. قال: وأمّا الآية فليس المراد فيها باللسان الجارحة، بل المراد الكلام، أو الرسالة، فليس جزءا من داود، ولا من عيسى ﵉. انتهى.
أقول: ولم يذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-أرجح الأوجه الثلاثة في الثاني، وهو ما أضيف إلى متضمنه، وهي جمع المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وإفراد المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وبقاء كلّ من المضاف، والمضاف إليه على تثنيته، فأرجحها الوجه الأول، وهذه لغة القرآن كما رأيت، وهو متّفق على رجحانه عند جميع النّحاة، واختلف في الوجهين الآخرين، فذهب ابن مالك إلى رجحان الثاني على الثالث، وذهب أبو حيان إلى العكس، ومنه قول الرّسول ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار... إلخ» وقد أطلت عليك الكلام في ذلك بغية الإفادة، والله ولي التوفيق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية الآتية برقم [٧٨].
الإعراب: ﴿وَالسّارِقُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (السارق): مبتدأ. ﴿وَالسّارِقَةُ:﴾ معطوف عليه. وفي الخبر وجهان: أحدهما: محذوف، وهو قول سيبويه، التقدير: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم حكم السارق، فقد حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعند المبرّد الخبر هو الجملة الفعلية: ﴿فَاقْطَعُوا..﴾. إلخ، وهو موافق للكوفيين في هذا، ودخلت الفاء في الخبر زائدة؛ لأنّ الكلام في معنى الشرط، التقدير: الذي يسرق، والتي تسرق فاقطعوا... إلخ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [١٥] من سورة (النساء): ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (النور): ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا﴾ هذا؛ وقرئ: «(السّارق والسّارقة)» بالنّصب على إضمار فعل يفسره المذكور بعده، وهو المختار في أمثاله؛ لأنّ الخبر لا يكون إنشاء إلا بإضمار، وتأويل. ﴿فَاقْطَعُوا:﴾ الفاء: زائدة، أو للسببية المحضة. (اقطعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي مفسرة، أو هي مستأنفة على حسب أوجه الإعراب المتقدّم. ﴿أَيْدِيَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول لأجله، أو هو
стр. 1514
مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جازاهما جزاء. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:
﴿جَزاءً﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كَسَبا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو:
بشيء كسباه. ﴿نَكالاً:﴾ مفعول لأجله أيضا، وقيل: هو بدل من: ﴿جَزاءً﴾. هذا وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: جزاء بكسبهما. (الله):
مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أي: تاب بعد سرقته أموال الناس، وأناب إلى الله؛ فإنّ الله يتوب عليه فيما بينه، وبينه، فأمّا أموال الناس؛ فلا بدّ من ردّها إليهم، أو بدلها عند الجمهور. وسمّيت السّرقة ظلما لأمرين: الأوّل: ظلم المسروق، والثاني: ظلم نفسه بالمعصية.
﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصالح نفسه بالعمل، وردّ المسروق لصاحبه. ﴿فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ:﴾ يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة، أمّا القطع فلا يسقط عنه بالتّوبة على المعتمد إلا إذا عفا عنه صاحب المال قبل الرّفع إلى الحاكم، فإنّه يسقط عنه القطع. وعليه الشّافعيّ. وخذ ما يلي:
فقد روى الإمام أحمد-﵁-عن عبد الله بن عمرو-﵄: أنّ امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فجاء بها الّذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله! إنّ هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول الله ﷺ : «اقطعوا يدها» فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: «اقطعوا يدها» فقطعت يدها اليمين، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟! قال: «نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك» فأنزل الله في سورة (المائدة): ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ..﴾.
إلخ. وهذه المرأة هي المخزوميّة الّتي سرقت، وحديثها ثابت في الصّحيحين، وخذه بما يلي:
عن عائشة-﵂، وعن والديها-أنّ قريشا أهمّهم شأن المخزوميّة؛ الّتي سرقت فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ ثمّ قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ ؟ فكلّمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : «يا أسامة أتشفع في حدّ من حدود الله؟!». ثمّ قام فاختطب، فقال: «إنّما أهلك الّذين من قبلكم: أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله! لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها».
أخرجه السّتّة. وانظر التّوبة، وشروطها في الآيتين رقم [١٧ و ١٨] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!.
стр. 1515
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿ظُلْمِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَصْلَحَ:﴾
معطوف على: ﴿تابَ﴾ فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَإِنَّ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة بعده صلته، والجملة الاسمية: (إنّ الله...) إلخ في محلّ رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم؛ فهو كلام جيّد، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مفرعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليلية، أو مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع الوجوه.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ ، ولكلّ من يتأتّى منه العلم، والمعرفة. ودخول الاستفهام على النفي يفيد التقرير. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلقا، وعبيدا، وملكا.
وقدّمت السموات على الأرض لشرفها، ومزيد فضلها، ولأنّها لا يحصل فيها معاص، ومنكرات كما في الأرض، وخصّهما بالذّكر؛ لأنّهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السّماوات دون الأرض، وهي مثلهنّ سبعا؛ لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة بالصّفات، والآثار، والحركات.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ انظر الآية رقم [١٨] فقد قدّم المغفرة هناك؛ لأنّ سياق الكلام للترغيب في الإيمان، وقدّم التعذيب هنا؛ لأنّ سياق الكلام للوعيد، أو هو آت على ترتيب ما سبق، أو لأنّ استحقاق التعذيب مقدّم، أو لأنّ المراد به القطع، وهو في الدّنيا.
وهذه الآية فاضحة للقدريّة، والمعتزلة في قولهم بوجوب الرّحمة للمطيع، والعذاب للعاصي؛ لأنّ الآية دالة على أنّ التعذيب، والرّحمة مفوضان إلى المشيئة، والوجوب ينافي ذلك. وجواب آخر، وهو: أنّ الله تعالى أخبر: أنّ له ملك السموات، والأرض، والمالك له أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء، وأراد، لا اعتراض لأحد في ملكه. ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللهُ﴾
стр. 1516
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ يعني: إنّه تعالى قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه، وغفران من أراد إسعاده، وإنقاذه من الهلكة من خلقه؛ لأنّ الخلق كلّهم عبيده، وملكه، يتصرّف فيهم كيف يشاء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخّر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي الفعل: ﴿تَعْلَمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعذب الذي، أو: شخصا يشاء تعذيبه، وجملة:
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وهو أقوى من اعتبارها في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، وجملة: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، إفرادا، وجملا. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٧].
﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾
المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى قصّة ابني آدم، وإقدام الأخ على قتل أخيه بسبب البغي، والحسد، وذكر أحكام البغاة، والسّرقة؛ أعقب ذلك بذكر أمر المنافقين، وأمر اليهود في حسدهم للرّسول ﷺ وتربّصهم به، وبأصحابه الدّوائر، وأمر الله رسوله ﷺ أن لا يحزن لما يناله من أذاهم، فالله سيعصمه من كيدهم، وينجّيه من مكرهم. ثمّ ذكر ما أنزل الله في التوراة من أحكام نورانيّة، وفوائد ربّانيّة.
стр. 1517
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ..﴾. إلخ: لمّا بيّن الله في الآية السابقة: أنّه مالك الملك؛ أمر نبيّه ﷺ بتفويض الأمر إليه، وعدم المبالاة بمكايد الأعداء، وناداه بهذا النداء، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ولم يخاطبه بوصف الرّسالة في جميع القرآن إلا في موضعين في هذه السورة: هذا، وما يأتي في الآية رقم [٦٧]، وبقيّة خطاباته بوصف النبوّة، وكلا النّداءين فيهما تشريف، وتكريم له ﷺ .
﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يقعون في الكفر سريعا، أي: في إظهاره، والجهر به إذا وجدوا فرصة. والمراد: المنافقون؛ الذين قال الله فيهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإنّهم أظهروا الإيمان بالقول، وأخفوا الكفر في القلوب. والمعنى:
لا تهتمّ يا محمد بهم، ولا تبال بكفرهم، فإنّك منصور عليهم، ومحفوظ من شرّهم، فإنهم لن يضروك أبدا.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: وطائفة من اليهود كذلك يسارعون في الكفر، ويؤذونك. ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ:﴾ أي: إنّ سفلة اليهود، والمنافقين يسمعون الكذب من الأحبار من تحريف التوراة، والبهتان، والافتراء. وقيل: المعنى: يسمعون كلامك يا محمد؛ ليكذبوا عليك، وذلك: أنّهم كانوا يسمعون من رسول الله ﷺ ثمّ يخرجون من عنده، ويقولون: سمعنا كذا، وكذا، ولم يسمعوا منه، بل كذبوا عليه عند عامّتهم، يريدون تشويه سمعته، وتحريف رسالته، ونبوّته.
﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ المراد: بنو قريظة الذين كانوا يسكنون المدينة مع النّبيّ ﷺ فكانوا ينقلون الكلام لقوم آخرين هم أهل خيبر محرّفا، ومزيفا، فقد كان بنو قريظة جواسيس، وعيونا على النّبيّ ﷺ . ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يعني: إنّ أهل خيبر لم يأتوك، ولم يحضروا عندك يا محمد!.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أي: يغيّرون حدود الله الّتي أوجبها عليهم في التّوراة،
وذلك: أنّهم بدّلوا الرّجم بالجلد، والتّحميم. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّهم يغيّرون ما يسمعون من النّبيّ ﷺ بالكذب عليه. هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ وقال في الآية رقم [١٣] وفي سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ والفرق بينهما: أنا إذا فسّرنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ بالتّأويلات الباطلة، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ أنّهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيها بيان: أنّهم يحرفون تلك اللّفظة من الكتاب، وأما قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ ففيه دلالة على أنّهم جمعوا الأمرين: يعني أنّهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يحرّفون اللّفظة من الكتاب، ففي قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ إشارة إلى التأويل الباطل، وفي قوله:
﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ إشارة إلى إخراجه من الكتاب بالكلّية. انتهى. خازن. وانظر شرح ﴿الْكَلِمَ﴾ في الآية رقم [١٣]. وملخص الكلام: أنّ لليهود صفتين بارزتين: الأولى: سماع
стр. 1518
الكذب من أحبارهم، ونقله إلى عوامّهم. والثانية: وسماع الحق منك يا محمد! ونقله لأحبارهم؛ ليحرفوه. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: علماء اليهود لسفلتهم. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ يعني:
إن أفتاكم محمّد بالجلد، والتّحميم؛ فاقبلوا منه، واعلموا به. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: وإن لم يفتكم بذلك، وأفتاكم بالرّجم؛ فاحذروا أن تقبلوا منه.
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلالته في الدنيا، وعقوبته في الآخرة. ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً:﴾ فلن تقدر على دفع أمر الله فيه. وفيه ردّ على من يقول بالصّلاح، والأصلح، وعلى من يقول: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه كالمعتزلة. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم من رجس الكفر، وخبث الضّلالة، كاليهود، ونفاق المنافقين.
وفي هذه الآية دلالة على أنّ الله لم يرد إسلام الكافر، وأنّه لم يطهّر قلبه من الشكّ، والشّرك، ولو فعل ذلك لامن. وهذه الآية من أشد الآيات على القدريّة.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرّجم، ثمّ أحضرت التوراة فوجد فيها الرّجم. وقيل: خزيهم بأخذ الجزية منهم، والقتل، والسّبي، والطّرد من أرض الحجاز إلى غيرها. وخزي المنافقين بالفضيحة، وهتك أستارهم بإظهار نفاقهم، وخبثهم، ومكرهم. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ هو الخلود في جهنم، قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: الآية جاءت تسلية للرسول ﷺ ، وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر، وقطعا لرجائه من إسلامهم، وفلاحهم.
هذا والخزي، والإخزاء هو: الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني وهو شاعر جاهليّ: [البسيط]
لاه ابن عمّك (١) ... لا أفضلت في حسب
عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهذا هو الشّاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومنه قول حسّان بن ثابت ﵁-يخاطب به من شجّ وجه النّبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك (٢) ... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق (٣)
وهو على هذا من الرّباعي، من: أخزى، يخزي، وهو من الثّلاثي: خزي، يخزى، خزاية بمعنى: استحيا، وخجل. قال نهشل بن حريّ الدّارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه، وكان قتل بصفين مع الإمام عليّ، كرّم الله وجهه: [الطويل]
стр. 1519
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وهو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقال ذو الرّمّة: [البسيط]
خزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
هذا؛ والحزن ضد الفرح، والسرور، ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرجل، وأحزنه غيره، وحزنه أيضا، مثل: سلكه، وأسلكه. قال اليزيدي: حزنه لغة الحجاز، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما إلا في سورة الأنبياء، فإنّه في الأولى فقط، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهي أفصح اللغتين.
تنبيه: روي: أنّ رجلا شريفا عند اليهود من خيبر زنى بامرأة شريفة في نظرهم، وكانا محصنين، فكره اليهود رجمهما عملا بالتوراة، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة؛ ليسألوا رسول الله ﷺ عن الحكم فيهما، وقالوا: إن أمركم محمّد بالجلد، والتحميم؛ فاقبلوا، وإن أمركم بالرّجم؛ فلا، فأمرهم رسول الله ﷺ بالرّجم، فأبوا، وقالوا: إنّ التّوراة لا تأمر بالرّجم، وإنّما تأمر بالجلد، والتحميم، فجعل رسول الله ﷺ ابن صوريا-وهو من علماء اليهود المعظمين عندهم-حكما بينه، وبينهم، فقال رسول الله ﷺ له: «أنشدك الله، الذي لا إله إلا هو الّذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطّور، وأنجاكم، وأغرق آل فرعون، والّذي أنزل عليكم كتابه، حلاله وحرامه: هل تجد فيه الرّجم على من أحصن؟» قال: نعم. فوثبوا عليه، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما عند باب المسجد، ونزلت الآية الكريمة تبيّن ما بيّتوه من مكر، وخديعة، وكشفت نواياهم الخبيثة، وفضحتهم.
تنبيه: أقام الرسول ﷺ حدّ الرّجم على الزانيين حين ترافعوا إليه، ولو لم يترافعوا إليه؛ لما تعرّض لهم بالحكم عليها. وهذا يجري في كلّ زمان، ومكان إلى يوم القيامة، فإن ترافع اليهود، والنّصارى إلى الحاكم المسلم؛ يحكم عليهم بما أنزل الله، وإلا؛ فلا يتعرّض لهم. وانظر الآية التالية:
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ:﴾ انظر إعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وهو يقرأ بفتح الياء، وضم الزاي من الثلاثي، وبضم الياء، وكسر الزاي من الرّباعي، والكاف مفعول به.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي الْكُفْرِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. و ﴿مِنَ﴾ بيان للموصول الأول. ﴿قالُوا:﴾
فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.
стр. 1520
﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال.
(لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم). ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو والضمير، فهي حال متداخلة، وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ وهو مثله في إعرابه.
﴿سَمّاعُونَ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف التقدير: هم سماعون. ﴿لِلْكَذِبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَمّاعُونَ﴾ وقيل: اللام صلة، و (الكذب): مفعول به ل: ﴿سَمّاعُونَ﴾ فهو مجرور لفظا منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: «هم سمّاعون» في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وجوز اعتبار: (من الذين هادوا) متعلقين بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿سَمّاعُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل صفة لموصوف، التقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون... إلخ.
﴿سَمّاعُونَ﴾ يجوز فيه ما جاز بسابقه، فيكون من تأكيد الجملة بالجملة، وقيل: هو من تأكيد المفرد بالمفرد. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَمّاعُونَ،﴾ وقيل: متعلقان ب: (الكذب)، المعنى:
ليكذبوا قوما آخرين. والأول أقوى. ﴿آخَرِينَ﴾ صفة: (قوم) مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَأْتُوكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (قوم) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه ب: ﴿آخَرِينَ﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الْكَلِمَ:﴾ مفعول به.
﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿مَواضِعِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة أخرى ل: (قوم)، أو في محلّ نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، أو في محل نصب حال من الضّمير المستتر ب: ﴿سَمّاعُونَ،﴾ أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، أي: هم يحرفون... إلخ، ويجوز في الجملة الاسمية هذه ما جاز في الجملة الفعلية، أو هي مستأنفة لا محلّ لها، وما قيل فيها يقال في جملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَخُذُوهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (خذوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة
стр. 1521
الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، ولا يخفى عليك إعراب: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ وهذا معطوف على ما قبله فهو مثله في محل نصب مقول القول.
﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُرِدِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فِتْنَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف ناصب. ﴿تَمْلِكَ:﴾
فعل مضارع منصوب ب (لن)، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له... إلخ.
﴿شَيْئاً..﴾. مفعول به، أو هو مفعول مطلق، والجملة الفعلية: (لن تملك...) إلخ في محلّ جزم جواب الشّرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسميّة:
﴿وَمَنْ يُرِدِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يُرِدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ يُطَهِّرَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنْ﴾ والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿قُلُوبُهُمْ... :﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:
﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.
﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان مقدم، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خِزْيٌ﴾ كان صفة له... إلخ، وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان ل:
﴿أُولئِكَ﴾ فلست مفندا، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ:﴾ هو مثل الآية السابقة، وكرّر للتّأكيد، والتنفير من فعلهم.
﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ... :﴾ هو صيغة مبالغة، والأصل: آكلون، والسّحت: المال الحرام كالرّشا،
стр. 1522
والرّبا، وغير ذلك من أنواع الحرام، وهو من: سحته: إذا استأصله، والسّحت في اللغة أصله:
الهلاك، والشدّة، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لقوم فرعون: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ..﴾. إلخ، وقال الفرزدق في مدح عبد الملك: [الطويل]
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلاّ مسحتا أو مجلّف
وسمّي المال الحرام: سحتا؛ لأنّه يسحت الطّاعات، أي: يذهب بركتها، ويستأصلها، ولأنّه يسحت مروءة الإنسان، وكرامته، وقال الرسول ﷺ : «كلّ لحم نبت من السّحت فالنّار أولى به». أخرجه الطّبراني في الصّغير عن عبد الله بن عبّاس-﵄. والسّحت:
الرّشوة، فعن ثوبان-﵁-قال: «لعن رسول الله ﷺ : الرّاشي، والمرتشي، والرّائش». يعني: الذي يمشي بينهما. رواه أحمد، والطّبرانيّ.
وروي عن وهب بن منبه: أنّه قيل له: الرّشوة حرام في كل شيء؟ قال: لا، إنّما يكره من الرّشوة أن ترشي لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقّا قد لزمك، فأمّا أن ترشي لتدفع عن دينك، ودمك، ومالك؛ فليس بحرام. انتهى. أقول: وكذلك إن دفعت الرّشوة لتصل إلى حقّك، فعند ذلك تقتصر اللّعنة على الّذي يماطل في الحقّ؛ حتى يأخذ الرّشوة؛ مثلا كالموظف الّذي لا يؤدّي واجبه إلا بالرّشوة.
لذا فقد نزلت الآية الكريمة في حكّام اليهود، مثل: كعب بن الأشرف، وأمثاله، كانوا يرتشون، ويقضون لمن رشاهم. قال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحدهم برشوة؛ جعلها في كمّه، ثمّ يريه إيّاها، ويتكلّم بحاجته، فيسمع منه، ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب، ويأكل الرّشوة، وهي السّحت.
قال ابن مسعود-﵁: الرّشوة في كل شيء، فمن شفع شفاعة ليردّ بها حقّا، أو يدفع بها ظلما، فأهدى بها إليه هدية، فقبلها؛ فهو سحت. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ والسّحت يقرأ بضم السّين، وسكون الحاء، وبضمهما، وقرئ بفتح السّين مع سكون الحاء.
﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ خيّر الله رسوله ﷺ في الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك. قال الحسن، ومجاهد، والسّدّيّ: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وقال قتادة: نزلت في رجلين من قريظة، والنضير، قتل أحدهما الآخر. قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: كان حيي بن أخطب قد جعل للنّضيريّ، وللقرظيّ دية واحدة؛ لأنّه كان من النضير، فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حيي، ونتحاكم إلى محمّد، فأنزل الله هذه الآية يخير فيها نبيّه
стр. 1523
محمدا ﷺ في الحكم بينهم، ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي المسلم؛ لم يجب عليه الحكم بينهما. وهو قول الشّافعي. والأصح وجوبه إذا كان المترافعان، أو أحدهما ذميّا؛ لأنّا التزمنا الذبّ عنهم، ودفع الظلم عنهم، والآية الكريمة ليست في أهل الذمّة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقا. وانظر الآية رقم [٤٨ - ٤٩].
﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً:﴾ فلن يقدروا على الإضرار بك؛ لأنّ الله حافظك، وعاصمك من كيدهم. وإن حكمت؛ فاحكم بينهم بالقسط: أي: بالعدل الّذي أمر الله به. إنّ الله يحب المقسطين: يحفظهم، ويرفع شأنهم، هذا؛ وأقسط رباعي معناه: العدل، واسم الفاعل منه:
مقسط بمعنى العادل، أو العدل، بخلاف قسط الثلاثي، فمعناه: الجور، والظلم، يقال: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، قال تعالى في سورة (الجنّ) رقم [١٥]: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾. وهذا هو المشهور خلافا للزجّاج في جعلهما سواء، وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن-وكلتا يديه يمين-الّذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا». رواه مسلم، والنسائي.
وعنه أيضا: أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ المقسطين في الدّنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرّحمن -بما أقسطوا في الدّنيا». أخرجه ابن أبي حاتم، والنسائي. وخذ قول الحارث بن حلّزة في معلقته: [الخفيف]
ملك مقسط وأكمل من يم... شي ومن دون ما لديه الثّناء
هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السّين، لا يقع إلا بين متعدد لفظا، وحكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، ك: «الجون» يطلق على الأسود، والأبيض. ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: «(لقد تقطع بينكم)» حيث قرئ بضم النون، ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-من قصيدته الّتي مدح بها النّبيّ ﷺ ، وهو الشّاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
الإعراب: ﴿سَمّاعُونَ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، أي: هم سمّاعون، والجملة الاسمية مستأنفة إعرابا مؤكّدة لما تقدّم معنى. ﴿لِلْكَذِبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَمّاعُونَ﴾ وانظر الآية السابقة.
﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ:﴾ هو مثل سابقه إعرابا، ومحلاّ، وفيهما ضمير مستتر هو الفاعل. ﴿فَإِنْ:﴾
الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاؤُكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في
стр. 1524
محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(احكم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها... إلخ، وجملة: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ معطوفة عليها، و (إن) ومدخولها كلام مفرّع عما قبله أو مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ:﴾
إعراب هذا الكلام مثل سابقه، وهو معطوف عليه. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول مطلق، أو نائبه؛ لأنّه نائب عن مصدر. ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ:﴾ إعراب هذا الكلام واضح إن شاء الله، وهو معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٤]. والجملة الاسمية تعليل لما قبلها.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ..﴾. إلخ: هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه ﷺ في تحكيم اليهود إيّاه مع علمهم بما في التّوراة، وتركهم قبول ذلك الحكم مع اعتقادهم صحّته، وعدولهم إلى حكم من يجحدون نبوّته طلبا للرّخصة، وتخفيفا للحكم. لا جرم: أنّ الله تعالى أظهر جهلهم، وعنادهم؛ لأنّهم حكّموا النبي ﷺ في أمر الزّانيين، ثمّ أعرضوا عنه، وعن حكمه. وفي الآية توبيخ، وتقريع لليهود؛ إذ المعنى: وكيف يجعلونك حكما بينهم، ويرضوان بحكمك، وعندهم التّوراة. ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ يعني: الرجم الّذي تحاكموا من أجله.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ أي: بالمؤمنين، والمصدّقين بكتابهم، كما يزعمون لإعراضهم عنه، وعدم العمل به. وهذا إلزام لهم؛ لأنّ من خالف كتاب الله، وبدّله؛ فدعوى الإيمان باطلة. هذا؛ والإشارة بالبعيد للإيذان ببعد درجتهم في العتوّ، والمكابرة.
هذا؛ و «ثمّ» حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التّشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللّبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و «لا» العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح.
هذا؛ و «ثمّ» هذه غير «ثمّ» بفتح الثّاء فإنّها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشّعراء) رقم [٦٤]: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]:
﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. وهذه ظرف لا يتصرّف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتّصل به كاف
стр. 1525
الخطاب، وقد تتّصل به التّاء المربوطة، فيقال: ثمّة، و «ثمّت» العاطفة إذا اتصلت بها تاء التأنيث اختصت بعطف الجمل بخلاف (ثمّ)، فإنّها تعطف المفرد، والجملة.
الإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والعامل فيه ما بعده. ﴿يُحَكِّمُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَعِنْدَهُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (عندهم):
ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر مقدّم، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿التَّوْراةُ:﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط، وهي حال متكرّرة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿حُكْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محلّ نصب حال من التّوراة، والرابط: الضمير فقط.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَلَّوْنَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ:﴾
مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (ما)، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (المؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ:﴾ سبب نزول هذه الآية: استفتاء اليهود رسول الله ﷺ في أمر الزّانيين، وقد سبق بيانه، والهدى: هو البيان؛ لأنّ التّوراة بيّنت صحّة نبوّة محمّد ﷺ . وبيّنت ما تحاكموا فيه. والنّور: هو الكاشف للشّبهات، الموضح للمشكلات. والتّوراة كذلك. وقيل: الفرق بين الهدى، والنور: أنّ الهدى محمول على بيان الأحكام، والشّرائع، والنّور محمول على بيان أحكام التّوحيد، والنبوّات، والمعاد. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 1526
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ أراد بالنّبيّين: الّذين بعثوا بعد موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وذلك: أنّ الله بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء، والمرسلين، وليس معهم كتاب، إنّما بعثوا بإقامة التوراة، وأحكامها. ومعنى ﴿أَسْلَمُوا:﴾ انقادوا لأمر الله تعالى، والعمل بكتابه، وهذا على سبيل المدح لهم، وفيه تعريض باليهود؛ لأنّهم بعدوا عن الإسلام، الذي هو دين الأنبياء. وتنويه بشأن المسلمين؛ الذين هم مهتدون بهدي الأنبياء، والمرسلين. وقال ابن الأنباري: هذا ردّ على اليهود، والنصارى؛ لأنّ الأنبياء-﵈-ما كانوا موصوفين باليهوديّة، والنّصرانية، بل كانوا مسلمين لله تعالى، منقادين لأمره، ونهيه، ومعنى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا:﴾ على الذين هادوا؛ أي: يحكمون على اليهود بحكم التّوراة، كما فعل رسول الله ﷺ من حملهم على حكم الرّجم، كما هو في التوراة، ولم يوافقهم على الجلد، والتّحميم.
﴿وَالرَّبّانِيُّونَ﴾ جمع: رب، وفيه قولان: أحدهما: أنّه منسوب إلى الربّ، والألف، والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، والثاني: أنّه منسوب إلى ربّان، والرّبّان هو معلم الخير، ومن يسوس النّاس، ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالان على زيادة في الوصف، كهي في:
عطشان، ونحوه، وتكون النسبة على هذا للمبالغة في الوصف نحو: أخمري. والأول قول سيبويه، والثاني قول المبرد. واختلفوا في معنى الربّاني؛ فقال ابن عباس-﵄: معناه: فقهاء علماء، وعنه أيضا: فقهاء معلّمون. وقيل: الربّانيّ هو الذي يربّي النّاس بصغار العلم، وكباره، وقيل: الربّانيّ: العالم الّذي يعمل بعلمه، وقيل: الرّبانيّ: العالم بالحلال، والحرام، والأمر، والنهي. وقيل: الربّانيّ الذي جمع بين علم البصيرة، والعلم بسياسة الناس. ولما مات ابن عباس ﵄-قال ابن الحنفية-﵁: اليوم مات ربّانيّ هذه الأمة.
﴿وَالْأَحْبارُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هم الفقهاء، واحدة: حبر-بفتح الحاء وكسرها لغتان-وإنّما سمي العالم: حبرا؛ لما عليه من أثر جمال العلم، كما أنّ الحبر يترك أثرا على الورقة عند الكتابة به. وهل هناك فرق بين الربّانيين، والأحبار، أم لا؟ فقيل: لا فرق، وهم بمعنى واحد، وهم العلماء، والفقهاء. وقيل: الربّانيّون أعلى درجة من الأحبار؛ لأنّ الله قدّمهم في الذّكر على الأحبار، وقيل: الرّبانيّون: علماء النّصارى، والأحبار: علماء اليهود.
وانظر توبيخهم في الآية رقم [٦٣] الآتية.
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ:﴾ بسبب أمر الله إيّاهم أن يحفظوا كتابه من التّضييع، والتحريف، وقيل: هو أن يحفظوه، فلا ينسوه، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين معا، وذلك بأن يحفظوا كتاب الله في صدورهم، ويدرسونه بألسنتهم؛ لئلا ينسوه، وأن لا يضيعوا أحكامه، ولا يهملوا شرائعه، فإذا فعلوا ذلك؛ كانوا قائمين بحفظه، ورعايته.
стр. 1527
﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ... :﴾ رقباء؛ لئلا يحرّف، ويبدّل، ويعلمون: أنّه حقّ من عند الله، وصدق، كما فعل عبد الله بن سلام، وابن صوريا؛ حيث عملا بالتّوراة، وآمنا بمحمد ﷺ :
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٣]. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي..﴾. أي: ولا تستبدلوا بآيات الله، وأحكامه ثمنا قليلا، يعني: الرّشوة في الأحكام، والجاه عند الناس، ورضاهم.
والمعنى: كما نهيتكم عن تغيير الأحكام لأجل خوف الناس؛ لذلك أنهاكم عن التغيير، والتبديل؛ لأجل الطّمع في المال، والجاه، وأخذ الرّشوة، فإنّ كلّ متاع الدّنيا قليل، لا قيمة له بجانب نعيم الآخرة الدائم، هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا..﴾. إلخ التفات من الغيبة إلى الخطاب، والقياس: فلا يخشوا، ولا يشتروا. وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقلات، والسّآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامّة، ويختصّ كلّ موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع، ووجهه حثّ السّامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل عليه المتكلّم، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ:﴾ مستهينا به، ومنكرا له. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ:﴾
لاستهانتهم به، وتمرّدهم عليه بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم الله بقوله الآتي: ﴿الظّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفاسِقُونَ﴾ فكفرهم لإنكاره، وجحوده، وظلمهم بالحكم بخلافه، وفسقهم بالخروج عنه، وقال ابن عباس-﵄: من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا؛ فهو كافر، وإن لم يكن جاحدا؛ فهو فاسق ظالم. وقال ابن مسعود-﵁: هي عامّة في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين، واليهود، والكفّار. وقيل: الكافرون للمسلمين، والظّالمون لليهود، والفاسقون للنّصارى. وهذا اختيار أبي بكر ابن العربي. قال: لأنّه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة، والشعبيّ أيضا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع؛ الّتي لم تكن مضت في أسلافهم؛ الّذين مضوا قبلهم، ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله؛ إلاّ جعل الله بأسهم بينهم» رواه ابن ماجة برقم: [٤٠١٩]، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
стр. 1528
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿التَّوْراةَ... :﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿هُدىً:﴾ مبتدأ مؤخّر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية: ﴿فِيها هُدىً﴾ في محل نصب حال من: ﴿التَّوْراةَ﴾ والرّابط: الضمير فقط. ﴿وَنُورٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلّقان به. ﴿النَّبِيُّونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضّمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال أخرى من التّوراة. وقيل: حال من الضّمير في: ﴿فِيها﴾ والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، وقيل:
مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة. ﴿النَّبِيُّونَ﴾ على معنى المدح، والثناء، لا على معنى الصفة الّتي تأتي للفرق بين الموصوف، وبين من ليس صفته. انتهى. مكي. لأنّه لا يمكن أن يكون ثمّة نبيون غير مسلمين. أقول: لذا يجوز اعتباره منصوبا على المدح بفعل محذوف. ﴿أَسْلَمُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَحْكُمُ،﴾ وقيل: متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلْنَا،﴾ وجملة: ﴿هادُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ:﴾ معطوفان على: ﴿النَّبِيُّونَ﴾. ﴿بِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَحْكُمُ،﴾ وقيل: متعلقان ب: ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ وقيل: هما بدل من قوله: ﴿بِهَا﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿اُسْتُحْفِظُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء استحفظوه. ﴿مِنْ كُتُبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) و ﴿كِتابِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شُهَداءَ﴾ بعدهما.
﴿شُهَداءَ:﴾ خبر: (كانوا)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها.
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات إفرادا، وجملا في الآية رقم [٣] من هذه السّورة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَشْتَرُوا... :﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة
стр. 1529
في الفاء. ﴿بِآياتِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جرّ بالإضافة. ﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة له.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء أنزله الله.
وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محلّ جر بالباء، التقدير: ومن لم يحكم بإنزال الله. وهو ضعيف معنى كما ترى. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.
﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له من الإعراب. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة... إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا. و ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، وعليه فالكلام يعمّ كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود، والنصارى، والمسلمين. هذا ويجوز اعتبار (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، فيكون المقصود بهذه الآية اليهود خاصّة، ولا تنس: أنّه روعي لفظ (من) في رجوع الفاعل إليها، وروعي معناها في رجوع الإشارة إليها، وعلى كلّ اعتبار فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ يعني: وفرضنا على بني إسرائيل في التّوراة: أنّ نفس القاتل تقتل بنفس المقتول وفاقا، فيقتل به، وذلك: أنّ الله حكم في التوراة: أنّ على الزاني المحصن الرّجم، وأخبر تعالى: أنّ اليهود بدّلوه، وغيّروه، وأخبر أيضا أنّ في التوراة: أنّ النّفس بالنفس، وأنّ هؤلاء اليهود غيّروا هذا الحكم، وبدّلوه، ففضلوا بني النّضير على بني قريظة، فكان بنو
стр. 1530
النّضير إذا قتلوا من قريظة؛ أدّوا إليهم نصف الدّية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النّضير؛ أدّوا إليهم الدّية كاملة، فغيّروا حكم الله؛ الذي أنزله في التّوراة.
قال ابن عباس-﵄: أخبر الله بحكمه في التوراة: وهو: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ قال: فما لهم يخالفون، فيقولون النفسين بالنفس، ويفقئون العينين بالعين؟! ومعنى الآية: أنّ قاتل النفس يقتل بها إذا تكافأ الدّمان، وسائر الأطراف، والأعضاء يجري فيها القصاص كذلك.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ يعني: فيما يمكن أن يقتصّ منه، وهذا تعميم بعد التّخصيص؛ لأنّ الله تعالى ذكر النّفس، والعين، والأنف، والأذن، فخصّ هذه الأربعة بالذّكر، ثمّ قال تعالى:
﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ على سبيل العموم، فيمكن أن يقتصّ منه، كاليد، والرجل، والذّكر، والأنثيين، وغيرها، وأمّا ما لا يمكن القصاص فيه، كرضّ في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن؛ يخاف منها التّلف؛ فلا قصاص في ذلك. وفيه الأرش، والحكومة (١). وانظر الآية رقم [١٧٨] من سورة (البقرة).
واعلم: أنّ هذه الآية دالة على أنّ هذا الحكم كان شرعا في التوراة، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه بالتفصيل؛ قال: هذه الآية حجّة في شرعنا، ومن أنكره؛ قال: إنّها لست بحجّة علينا. وأصل هذه المسألة: أنّ النبي ﷺ وأمّته بعد البعثة متعبّدون بشرع من تقدّم من الأنبياء، ﵈، وفي ذلك خلاف مشهور، فبعض العلماء يقول: إنّ النبي ﷺ كان متعبّدا بما صحّ من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم المبدّلة، واختار بعض العلماء المنع من ذلك. واحتجّ الأوّلون لصحّة مذهبهم بأنّ الإجماع منعقد على صحّة الاستدلال بالآية الكريمة مع أنّه من شريعة من تقدّم؛ لأنّه مذكور في التوراة، ومكتوب على بني إسرائيل، ولولا أنّا متعبّدون بشريعة من قبلنا؛ لما صحّ هذا الاستدلال.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: بالقصاص، فلم يقتص من الجاني. ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ:﴾ في هاء: ﴿لَهُ﴾ قولان: أحدهما: أنّ الهاء كناية عن المجروح، وولي المقتول، وذلك أنّ المجروح، أو وليّ المقتول إذا تصدّق بالقصاص؛ كان ذلك كفارة لذنوبه. وهذا قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن البصري-﵃-ويدلّ عليه ما روي عن أبي الدّرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يصاب بشيء من جسده، فيتصدّق به؛ إلاّ رفعه الله به درجة، وحطّ عنه به خطيئة». أخرجه الترمذيّ. وعن أنس-﵁-قال: ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو.
стр. 1531
أخرجه أبو داود، والنسائي. والقول الثاني: يعني: أنّ المجني عليه إذا عفى عن الجاني؛ كان ذلك كفارة لذنب الجاني. لا يؤاخذ به في الآخرة. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، كما أنّ القصاص كفارة له، فأمّا أجر العافي؛ فعلى الله تعالى. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يعني: لأنفسهم؛ حيث لم يحكموا بما أنزل الله، .
هذا؛ والعين تطلق على الماء الجاري: أو النّابع من الأرض، وجمعها في القلّة: أعين، وفي الكثرة: عيون، قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا في الكثرة على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال، كما تطلق العين على العين الباصرة، كما في الآية التي بين أيدينا، وهو أشهر، وأكثر ما تستعمل في ذلك. كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بثّ الأمير عيونه في المدينة، أي: جواسيسه. كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء خالد عينه، وتطلق على الشّمس. وعين الشيء:
خياره. وتطلق على النّقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]
واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهم
فالمراد بالعين: نفسه، وذاته، والمراد ب: «جارية» عينه الباصرة؛ التي تجري بالدّمع، والمراد بقوله: «بها» نقد الذهب، وهذا يسمّى في فنّ البديع استخداما، وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا، وعلى المطر الهاطل من السّحاب، قال عنترة في معلّقته-وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.
الإعراب: ﴿وَكَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِيها:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿التَّوْراةَ..﴾.
وساغ ذلك؛ لأنّ الجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْزَلْنَا..﴾. إلخ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿النَّفْسَ:﴾ اسمها. ﴿بِالنَّفْسِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ التقدير: تقتل، أو مقتولة بالنفس، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.
﴿وَالْعَيْنَ:﴾ معطوف على: ﴿النَّفْسَ﴾. ﴿بِالْعَيْنِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر، التقدير: أي:
تقلع، أو مقلوعة بالعين، وقل مثله في بقية الأسماء المعطوفة، هذا؛ وقرئ: «(العين)» بالرفع، وكذلك بقية الأسماء المعطوفة عليها، وفيها ثلاثة أوجه:
الأول: كلّ واحد منها مبتدأ، والجار والمجرور بعده متعلّقان بمحذوف خبره. وهذه الجمل الاسمية معطوفة على: ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها باعتبار المعنى، أو هي مستأنفة، ومعناها: وكذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسنّ مقلوعة بالسنّ.
стр. 1532
والثاني: أنّ (العين) معطوف على محلّ ﴿النَّفْسَ،﴾ و ﴿بِالْعَيْنِ﴾ معطوفان على: ﴿بِالنَّفْسِ﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر في التقدير، كما في قراءة النصب. وهناك قول آخر: إنّ المرفوع منها معطوف على الضمير المستتر في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ،﴾ والمجرورات على هذا متعلّقة بمحذوف أحوال مبينة للمعنى، والمعتمد الأوّل من هذه الأقوال. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع.
(من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَصَدَّقَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفّارَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَفّارَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية السابقة.
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ..﴾. إلخ أي: أتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا، والربّانيين، والأحبار بعيسى... إلخ، وأصل (قفينا): قفّونا، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. واشتقاقه من:
قفوته: إذا اتبعت قفاه، ثم اتّسع فيه، فأطلق على كلّ تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع، والقفا: مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا. ومنه قول النبيّ ﷺ : «يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد... إلخ». رواه الشيخان، وغيرهما، ومنه: قافية الشعر، وهي آخر حرف من البيت، سميت بذلك لأنّها تعاد، وتتبع ما قبلها من أبيات، هذا وقال تعالى في سورة (الحديد): ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ هذا؛ وعيسى هو بالعبرية: يسوع، مأخوذ من: العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء، ومنه قيل للإبل البيض: عيس، واحدها: بعير أعيس، وناقة عيساء، قال امرؤ القيس: [الطويل]
يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا
العيط: جمع: عيطاء، وهي النّاقة الفتية التي لم تحمل. وانظر شرح ﴿مَرْيَمَ﴾ في الآية رقم [١٧].
﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي: مؤمنا بها، وحاكما بما فيها، هذا؛ وقوله: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من مجاز الكلام، وذلك: أنّ ما بين يديه أمامه، فقيل لكل شيء تقدّم على الشيء: هو بين يديه لغاية ظهوره، واشتهاره. هذا؛ و ﴿التَّوْراةِ﴾ مشتقة من: ورى الزّند: إذا خرجت ناره،
стр. 1533
وأصلها تورية على وزن: تفعلة التاء زائدة، وتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقيل:
التوراة مأخوذة من التّورية، وهي التّعريض بالشّيء، والكتمان لغيره؛ لأنّ أكثر التوراة معاريض، وتلويحات من غير تصريح، وإيضاح. هذا قول المؤرج، والجمهور على القول الأول، لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
هذا؛ وأنثت التوراة نظيرة ل: موماة، ودوداة ونحوها في كلام العرب.
﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي: أنزلنا عليه الإنجيل، وهو يذكّر، ويؤنّث، فمن أنّث أراد الصّحيفة، ومن ذكّر أراد الكتاب، وهو الأكثر، ويجمع على: أناجيل، وتجمع التوراة على توار، وهو مشتقّ من النّجل، وهو الأصل، كأنّه أصل الدّين، يرجع إليه، ويؤتمّ به، ومنه سمّي الولد، والنسل: نجلا لخروجه من والديه، كما قال الشاعر: [الطويل]
إلى معشر لم يورث اللّؤم جدّهم... أصاغرهم وكلّ فحل له نجل
ويقال: لعن الله أناجيله، يعني: والديه؛ إذ كانا أصله، ويقال: [المحدث]
بئس النّجل ما نجلا
هذا؛ وقد يسمى القرآن: إنجيلا أيضا، كما روي في قصّة موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أنّه قال: يا رب أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم، فاجعلهم أمّتي! فقال الله له: تلك أمّة أحمد يا موسى! وإنما أراد بالأناجيل: القرآن. هذا والإنجيل خال من الأحكام. وخاصّة المواريث، وقد دخل الإنجيل التحريف، والتزييف، كما دخلا التوراة، وما إنجيل متّى، ومرقس... إلخ إلا من اختراعهم، وابتداعهم.
﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ انظر الآية رقم [٤٤]، وأصل: ﴿هُدىً:﴾ هدي-بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة-فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: هدى وإنّما أتوا بياء أخرى لتدلّ على الياء المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها. وقالوا: هدا، فلا يوجد ما يدلّ عليها. وهذا الإعلال يجري في كلّ اسم مقصور مجرّد من ال، والإضافة.
﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ فالهدى بيان طريق الرّشد المأمور بسلوكه دون طريق الغيّ، والموعظة: هي الكلام الذي يفيد الزّجر عمّا لا ينبغي في طريق الدّين، والأخلاق. وإنّما خص المتقين بالهدى، والموعظة؛ لأنّهم هم المنتفعون بهما دون غيرهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (قفينا): فعل، وفاعل. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿بِعِيسَى... :﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على
стр. 1534
جملة: ﴿أَنْزَلْنَا..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٤٤] فهي في محل رفع مثلها. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة (عيسى) أو بدل منه، و ﴿اِبْنِ:﴾ مضاف. و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من (عيسى).
﴿لِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقاً﴾. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿بَيْنَ:﴾
ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد بين يديه، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام- رحمه الله تعالى-يعتبر اللام في (لما) زائدة، ويسمّيها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج): ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج): ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. وأورد ابن هشام قول حاتم الطائي، وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري-﵁، وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
﴿مِنَ التَّوْراةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الظرف ﴿بَيْنَ،﴾ و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). (آتيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أوّل. ﴿الْإِنْجِيلَ:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ. ﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٤]، وهي هنا في محل نصب حال من: ﴿الْإِنْجِيلَ﴾. ﴿وَمُصَدِّقاً:﴾
معطوف على الجملة الاسمية الواقعة حالا، فهو حال مثلها. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب ما قبلها. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على (مصدقا): منصوب مثله... إلخ ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿لِلْمُتَّقِينَ... :﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما على التنازع، وقد حذف متعلّق أحدهما لدلالة متعلق الآخر عليه. هذا؛ وقد قرئ برفع الاسمين على أنّهما مبتدأ حذف خبرهما، التقدير: وفيه هدى، وموعظة للمتقين.
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَلْيَحْكُمْ..﴾. إلخ: يقرأ هذا الفعل بسكون اللام، وكسرها. وقد ذكرت في الآية السابقة: أنّ الإنجيل خال من الأحكام. وإنّما كلّه مواعظ، وحكم؛ فإذا ما معنى الأمر هنا؟ فيه تأويلان: أحدهما: أنّ الإنجيل مصدق للتوراة، ولأحكامها، كما هو صريح الآية السّابقة، فيكون ضمنا آمرا بتنفيذ أحكامهما، وتشريعهما، كما قال تعالى في الآية رقم [٦٨] الآتية: ﴿قُلْ﴾
стр. 1535
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. ومن لم ينفذ ذلك يكن غير مؤمن بالإنجيل. والتّأويل الثاني: أنّ المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمّد ﷺ لأنّ ذكره في الإنجيل، ووجوب التّصديق بنبوّته موجود، فإذا آمنوا بمحمّد، وبالقرآن الّذي أنزل عليه؛ فقد حكموا بما في الإنجيل، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ..﴾. إلخ. هذا؛ وهناك من يقول: إنّ في الإنجيل أحكاما يجب تطبيقها، ولم نطّلع عليها. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ..﴾.
إلخ. انظر الآية رقم [٤٤] ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿وَلْيَحْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الأمر. (يحكم): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿أَهْلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، والإنجيل مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، التقدير: وقلنا: ليحكم... إلخ، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿أَنْزَلْنَا..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٤] فهي في محلّ رفع مثلها. هذا؛ وعلى قراءة كسر اللام؛ فهي لام التعليل و (يحكم): منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة، والفعل: (يحكم) في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: (آتيناه).
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يحكم). و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وجملة: ﴿أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب: (في)، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:
بإنزال فيه، وهو ضعيف كما ترى. وجملة: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ معطوفة على: (هدى وموعظة...) إلخ.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الكلمات جملة، وإفرادا في الآية رقم [٤٤].
﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ و ﴿الْكِتابَ:﴾ القرآن. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ بالأمر الحق. ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ﴾ المراد:
جميع الكتب السماوية؛ التي أنزلها الله على الرّسل، فالقرآن يؤيّدها، ويؤكّدها. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أي: عاليا على جميع الكتب، ومرتفعا عليها، وشاهدا، ورقيبا على سائر
стр. 1536
الكتب المتقدّمة، يشهد لها بالصحّة، والثبات، وجامعا لأحكامها، وتعاليمهما. قال حسان ﵁: [الكامل]
إنّ الكتاب مهيمن لنبيّنا... والحقّ يعرفه ذوو الألباب
هذا؛ ويقرأ بفتح الميم الثانية على صيغة المفعول، وفسّر بأنّ محمدا مؤتمن عليه، وحافظ له من التغيير، والتبديل، والحافظ له في الحقيقة هو الله تعالى بقوله: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وكذلك الحفّاظ في كل عصر.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: أنزل إليك. هذا أمر يوجب الحكم بين اليهود، والنّصارى، فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله في الآية رقم [٤٢]: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وقيل: ليس هذا وجوبا، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت. ولا تتبع أهواءهم... إلخ: فهذا النهي ليس على بابه، وإنّما هو على سبيل الفرض، والتقدير. فحاشاه ﷺ أن يميل عن الحقّ لبعض الناس! أو: يكون الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد أمّته. وانظر شرح ﴿الْهَوى﴾ في الآية رقم [١٣٥] من سورة النّساء فإنّه جيّد، والحمد لله!.
﴿لِكُلٍّ﴾ أي: لكل الناس من مسلمين، ويهود، ونصارى. ﴿جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً:﴾
شريعة، وطريقة واضحة في الدّين، ومنهاجا يمشون عليه. ويتقيّدون بأحكامه. والشريعة في كلام العرب: المشرعة؛ التي يشرعها الناس، فيشربون، ويسقون منها، وقيل: الشّريعة: الطريقة، ثم استعيرت للطريقة الإلهية المؤدّية إلى الدّين. والمنهاج: الطريق الواضح. وقال بعضهم:
الشّريعة، والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتّأكيد، والمراد بها الدّين. وقال آخرون:
بينهما فرق لطيف، وهو أنّ الشريعة هي التي أمر الله بها عباده. والمنهاج: الطّريق الواضح المؤدّي إلى الشّريعة، ولكلّ رسول، وكتاب شريعة، يحلّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه، والدّين الذي لا يقبل غيره هو التّوحيد، والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرّسل، ﵈، كما ثبت في صحيح البخاريّ: أنّ رسول الله ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلاّت، ديننا واحد». أي: أبناء ضرائر.
وقال عليّ-﵁: الإيمان منذ بعث آدم ﵇: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، ولكلّ قوم شريعة، ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالّة على عدم التباين في طريقة الأنبياء، والرّسل، منها قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً..﴾. إلخ رقم [١٣] من سورة (الشّورى)، ومنها قوله : ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ..﴾. إلخ رقم [٩٠] من سورة (الأنعام)، ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم، منها قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً،﴾ وطريق الجمع بين هذه الآيات: أنّ كلّ آية دلّت على عدم التباين فهي دالّة على أصول الدّين، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه،
стр. 1537
ورسله، واليوم الآخر، وكلّ ذلك جاءت به الرّسل من عند الله، ولم يختلفوا فيه. وأمّا الآيات الدّالّة على حصول التباين بينهم فمحمولة على الفروع، وما يتعلّق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبّد الله عباده في كلّ وقت بما يشاء. فهذه طريق الجمع بين هذه الآيات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. واحتجّ بهذه الآية من قال: إنّ شرع من قبلنا لا يلزمنا؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ يدلّ على أنّ كلّ رسول جاء بشريعة خاصّة، فلا يلزم أمّة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر. انتهى. خازن.
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: جماعة متّفقة على شريعة واحدة، ودين واحد، لا اختلاف فيه في جميع الأعصار من غير نسخ، وتبديل. ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ:﴾ ولكن فرّقكم، وجعلكم شيعا؛ ليختبركم فيما آتاكم من الشّرائع المختلفة، وليظهر المطيع منكم، والعاصي، والموافق، والمخالف. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ:﴾ سارعوا إليها انتهازا للفرصة، وحيازة لفضل السّبق، والتقدّم. وفيه استعارة حيث شبه الطّائعين المسارعين إليها بالمتسابقين على ظهور الخيل؛ إذ كلّ واحد ينافس صاحبه في السّبق لبلوغ الغاية المقصودة. ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ أي: ترجعون إلى الله جميعا، وذلك بالموت الذي قهر به العباد، وحكم به على كلّ مخلوق، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ...﴾. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤] ففيها الكفاية، وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-: [الوافر]
فلو أنّا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كلّ حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا... ونسأل بعد ذا عن كلّ شيء
الإعراب: ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤٤] فهي في محلّ رفع مثلها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكتاب، أي: ملتبسا بالحقّ. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال ثانية من: ﴿الْكِتابَ،﴾ وقيل: من الضّمير المستتر بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾.
﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٦]. ﴿وَمُهَيْمِناً:﴾
معطوف على: ﴿مُصَدِّقاً﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.
﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (احكم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت.
﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (احكم)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فاحكم بينهم بالذي، أو: بشيء أنزله الله، وجملة: (احكم...) إلخ لا محلّ لها؛
стр. 1538
لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فاحكم... إلخ.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: عادلا، أو مائلا عن الحقّ. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال (من) الفاعل المستتر، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما).
﴿لِكُلٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف، التقدير: لكلّ النّاس، وهما في محل نصب مفعول به ثان تقدّم على الفعل إن كان بمعنى: صيّر.
﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بصفة لما عوض عنه تنوين: (كلّ) وقيل: متعلقان بمحذوف، تقديره: أعني: منكم، ولا يجوز تعليقهما بمحذوف على أنّه صفة ل:
(كلّ) لأنّه يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بجملة: ﴿جَعَلْنا﴾. وهي أجنبية ليس فيها تأكيد، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصل به، وهو تكلّف لا داعي له، وقد وقع الفصل بين الصفة والموصوف في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ رقم [١٤] من سورة (الأنعام). ﴿شِرْعَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَمِنْهاجاً... :﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لِكُلٍّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، جيء بها لحمل أهل الكتابين من معاصريه-عليه الصّلاة، والسّلام-على اتّباعه، والانقياد لحكمه.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾
ماض، وفاعله، والمفعول محذوف دلّ عليه الجواب، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).
(جعلكم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها. و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ اللام: لام التعليل. (يبلوكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، انظره في الشرح.
﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة.
﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
стр. 1539
ليبلوكم في الّذي، أو: في شيء آتاكموه، والكلام: ﴿وَلكِنْ﴾ معطوف على الواو، ومدخولها، لا محلّ له مثله.
﴿فَاسْتَبِقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (استبقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْخَيْراتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الابتلاء، والاختبار واقعا؛ فاستبقوا الخيرات. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للأمر لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الكاف، والميم، وهي حال مؤكّدة.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (الله) والكاف مفعول به أوّل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في محلّ نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ﴾ إلخ صلة: (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط:
الضمير المجرور محلاّ ب: (في) وعلى اعتبار: (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ بالباء، التقدير: فينبئكم باختلافكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ..﴾. إلخ: فهذا تأكيد لما تقدّم من الأمر بذلك؛ والنهي عن خلافه، وهو النّسخ لقوله تعالى في آية سبقت: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وقال بعض العلماء: ليس في هذه الآية تكرار لما تقدّم، وإنّما أنزلتا في حكمين مختلفين، أمّا الآية الأولى؛ فنزلت في شأن رجم المحصن، حيث طلبت اليهود من النبي ﷺ أن يجلده فقط، وأن يحمّمه، وهذه الآية نزلت في أمر قتيل بينهم.
﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: إنّ كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس-أخزاهم الله-قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمّد؛ لعلّنا نفتنه عن دينه. فأتوه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأشرافهم، وساداتهم.
стр. 1540
وإنّا إن اتّبعناك؛ اتبعتنا اليهود، ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك، فاقض لنا عليهم؛ نؤمن بك، ونصدقك. فأبى رسول الله ﷺ . وإنّما حذّره ربه، وهو رسول معصوم مأمون؛ لقطع أطماع اليهود اللّؤماء. هذا؛ وقيل: المعنى: أن يفتنوك عن كلّ ما أنزل الله إليك، والبعض يستعمل بمعنى الكل، والمعتمد الأوّل، وإنّ المراد به: الرّجم، أو الحكم الذي كانوا أرادوه، ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكلّ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ فإن أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله إليك، وأرادوا غيره. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: فاعتقد أنّ الله يعاقبهم ببعض ذنوبهم. وهذا يشير: أنّ لهم ذنوبا كثيرة. وفيه تعظيم الذنوب، فإنّ بعضها مهلك، فكيف بكلّها؟! هذا؛ وقد أصابهم في الدّنيا ببعض ذنوبهم بالجلاء، والجزية، والقتل، ولعذاب الآخرة أشدّ، وأبقى. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ:﴾
المراد: اليهود؛ لأنّهم ردّوا حكم الله تعالى، وما أكثر الفاسقين في هذا الزّمن من الذين يدّعون الإسلام، والإيمان!.
هذا؛ و «تولى» تفعّل، وأصله: الإعراض، والإدبار عن الشّيء بالجسم، ثمّ استعمل في الإعراض عن الأوامر، والأديان، والمعتقدات اتّساعا، ومجازا، وانظر الآية رقم [٥٦] الآتية.
هذا؛ وأصل «الفتنة»: الاختبار، ثمّ يختلف معناها، فقوله تعالى هنا: ﴿يَفْتِنُوكَ﴾ معناه:
يصدّوك، ويردّوك عن الحقّ. وتكون الفتنة بمعنى الشرك، كقوله تعالى في سورة (البقرة) الآية رقم [١٩١]: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ،﴾ ورقم [٢١٧]: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ،﴾ ورقم [١٩٣]:
﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهي في (الأنفال) برقم [٣٩]، ولها معان أخر بحسب موقعها من الجملة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مصدري، ونصب. ﴿اُحْكُمْ:﴾ فعل أمر في محل نصب ب: (أن) وفاعله مستتر تقديره: أنت، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ نصب معطوف على: ﴿الْكِتابَ﴾ في الآية السابقة، التقدير: أنزلنا إليك الكتاب، والحكم. وقيل:
معطوف على ﴿الْحَقِّ﴾ فهو في محل جرّ، وقيل: (أن) مفسّرة، وهناك فعل محذوف، التقدير:
وأمرناك، ثمّ فسّر هذا الأمر ب: (احكم) ولا بأس به، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على جملة:
(أنزلنا...) إلخ. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية السّابقة. ﴿وَاحْذَرْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنِ:﴾
حرف مصدري، ونصب. ﴿يَفْتِنُوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنِ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤوّل منهما بدل اشتمال من: (هم) أي: احذرهم فتنتهم، أو هو مفعول لأجله على حذف مضاف. التقدير:
стр. 1541
احذرهم مخافة فتنتهم. ﴿عَنْ بَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْضِ:﴾ مضاف، و (ما): مضاف إليه، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن بعض الذي، أو: بعض شيء أنزله الله إليك، والتقدير على المصدرية: عن بعض إنزال الله إليك، وهو ضعيف معنى، كما ترى.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محلّ جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿أَنِ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُصِيبَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:
﴿أَنِ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (اعلم)، وجملة: (اعلم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له مفرّع عمّا قبله لا محلّ له.
﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسمها. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَثِيراً﴾ أو بمحذوف صفة له، وتعليقهما ب: (فاسقون) بعدهما ضعيف.
﴿لَفاسِقُونَ... :﴾ اللام: هي المزحلقة. (فاسقون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:
﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، واعتبارها حالا من الضمير: (هم) لا بأس به، ويكون الرابط: الواو فقط، وقد أظهر في محل الإضمار، فمقتضى القياس: «وإنّ كثيرا منهم لفاسقون».
﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿الْجاهِلِيَّةِ... :﴾ تطلق هذه الكلمة على أحوال العرب قبل الإسلام حينما كانوا يعبدون الأوثان، والفوضى ضاربة أطنابها فيهم، وهي أيضا: متابعة الهوى، والميل إلى الباطل، والمداهنة في الحكم، وهي الآن ضاربة أطنابها في بلاد المسلمين بهذا المعنى. وإليك ما جاء في الظلال للمرحوم سيد قطب، قال: إنّ الجاهلية في ضوء هذا النصّ القرآني البليغ هي حكم البشر للبشر، وعبودية البشر للبشر، ورفض ألوهيّة الله، والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنّه مفرق الطريق، فإمّا حكم الله، وإمّا حكم الجاهلية، ولا وسط، ولا بديل، إما أن تنفذ شريعة الله في حياة الناس، أو ينفذ حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبوديّة لغير الله.
стр. 1542
والجاهلية ليست فترة من الزّمن، ولكنّها وضع من الأوضاع يوجد بالأمس، واليوم، وغدا.
والناس إمّا أنّهم يحكمون بشريعة الله، ويقبلونها، ويسلّمون بها تسليما، فهم إذا مسلمون، وإمّا أن يحكموا بشريعة من صنع البشر، فهم في جاهلية، وهم خارجون عن شريعة الله. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمعنى: أيتولون عن حكمك، ويبتغون غير حكم الله، وهو حكم الجاهليّة؟! هذا؛ ويقرأ حكم بضم الحاء وسكون الكاف، وبفتحتين، كما يقرأ بفتح الميم، وضمّها.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: هذا إنكار، ونفي لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم الله تعالى، أو مساو له؛ وإن كان ظاهر السّبك غير متعرّض لنفي المساواة، وإنكارها.
﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يعتقدون بالله، أو بحكمه. وفي الخازن: والإيقان: إتقان العلم بنفي الشّكّ، والشبهة عنه بالاستدلال. واليقين: عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأنّ الإنسان في أوّل الحال لا ينفك عن شبهة، وشكّ، فإذا كثرت الدلائل، وتوافقت؛ صارت سببا لحصول اليقين، والطمأنينة في القلب، وزالت الشّبهة عند ذلك. وينبغي أن تعلم أن اليقين من «يقن» الثّلاثي، وأمّا الإيقان؛ فإنّه من «أيقن» الرّباعي. هذا؛ وأصل الفعل: «يؤيقنون» فحذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة مثل: «أؤيقن» الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: «يويقنون» ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو، فصار (يوقنون).
تنبيه: سبب نزول هذه الآية الكريمة: كانت بين بني النضير، وبني قريظة-حيين من اليهود في المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ إليها-دماء، وكان بنو النضير يفضّلون أنفسهم على بني قريظة، كما ذكرته لك فيما مضى قريبا، فلمّا هاجر الرّسول ﷺ إلى المدينة؛ تحاكموا إليه، فقال بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، ويفضّلون أنفسهم علينا، يجعلون القتيل منهم بقتيلين منا، وأرش جراحتنا على النّصف من جراحتهم، فاحكم بيننا، وبينهم، فقال الرسول ﷺ : «أنا أحكم: أنّ دم القرظي كدم النّضيريّ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم، ولا عقل، ولا جراحة». فغضب بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك! فأنزل الله الآية الكريمة على سيد الخلق، وحبيب الحقّ.
تنبيه: روي: أنّ طاوس-رحمه الله تعالى-كان إذا سئل عن الرّجل يفضّل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية، وكان-﵁-يقول: ليس لأحد أن يفضّل بعض ولده على بعض، فإن فعل؛ لم ينفذ، وفسخ. وبه قال الإمام أحمد، وأهل الظاهر، وأجاز ذلك مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واستدلّوا بفعل الصدّيق-﵁-في نحله عائشة-﵂-دون سائر ولده. واحتجّ الأوّلون بقول النبي ﷺ لبشير بن النّعمان-﵄:
«أكلّ ولدك نحلت مثله؟» فقال: لا، قال ﷺ : «فلا تشهدني إذا؛ فإنّي لا أشهد على جور».
стр. 1543
قالوا: وما كان جورا؛ فهو باطل، لا يجوز، وأمّا فعل الصديق-﵁-فلا يعارض به قول النبي ﷺ ، ولعلّه كان قد نحل أولاده نحلا يعادل ذلك.
والّذي يرجّح المنع، بل والتحريم ما ينشأ عن ذلك من العقوق؛ الّذي هو أكبر الكبائر، وزرع الضغينة، والحقد، والحسد بين الأولاد، وهذا واقع في حياتنا، ولذلك قال الرسول ﷺ :
«اتّقوا الله، واعدلوا بين أولادكم».
وقوله ﷺ : «إنّ الله يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم ولو في القبل». قال النّعمان-﵁-فرجع أبي فردّ تلك الصّدقة. فليتق الله المسلم، وليكن ضابطا لعواطفه حتّى لا يجرّ الشّقاء على ورثته من بعده. والشقي من اتّعظ به غيره، والسّعيد من اتّعظ بغيره.
الإعراب: ﴿أَفَحُكْمَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. والفاء: حرف عطف. و (حكم):
مفعول به مقدّم على ناصبه، وهو مبتدأ على رفعه، وهو مضاف، و ﴿الْجاهِلِيَّةِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم الفاعل لفاعله. ﴿يَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على رفع: (حكم) ويكون قد حذف الرابط، وهو المفعول به، كما حذفه أبو النّجم العجلي في قوله-وهو الشاهد رقم [٣٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
فتكون الجملة اسمية. وسواء كانت الجملة اسمية، أم فعلية فهي مستأنفة، لا محلّ لها.
وقال الزمخشري، ومتابعوه: الجملة على الوجهين معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيتولون عن حكمك، فيبغون حكم الجاهلية؟! ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿حُكْماً:﴾ تمييز. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب:
﴿حُكْماً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محلّ جرّ صفة: (قوم).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. أمّا المناسبة بين هذه الآية وما يتلوها من آيات، وبين ما تقدّم؛ فإنّ الله تعالى لمّا حكى عن أهل الكتاب: أنّهم تركوا العمل بالتّوراة، والإنجيل، وحكم عليهم بالكفر، والظلم، والفسوق؛ حذّر الله تعالى في هذه الآيات من موالاة
стр. 1544
اليهود، والنصارى، ثمّ عدّد جرائم اليهود، وما اتّهموا به الذّات الإلهية المقدّسة من شنيع الأقوال، وقبيح الفعال. واختلف في سبب نزول الآيات.
فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصّامت-﵁، وعبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين، وذلك: أنّهما اختصما، فقال عبادة-﵁: إنّ لي أولياء من اليهود، كثير عددهم، شديدة شوكتهم، وإنّي أبرأ إلى الله، وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكنّي لا أبرأ من ولايتهم، فإنّي أخاف الدوائر، ولا بدّ لي منهم. فقال النبي ﷺ : «يا أبا الحباب، ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه». فقال: إذن أقبل، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. والمراد باليهود قبيلة بني قينقاع؛ الذين أجلاهم الرّسول ﷺ من المدينة، وكانوا حلفاء لعبد الله المنافق، فتشبث بهم.
وقال السدي-رحمه الله تعالى-: لمّا كانت وقعة أحد؛ اشتدّ الأمر على طائفة من الناس، وتخوّفوا أن يدال عليهم للكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا الحق بفلان اليهودي، وآخذ منه أمانا، وقال آخر: أنا ألحق بفلان النّصراني من أهل الشام، وآخذ منه أمانا، فأنزل الله هذه الآية ينهاهم فيها عن موالاة اليهود، والنصارى. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، لمّا بعثه ﷺ إلى بني قريظة حين حاصرهم. وهذا ضعيف.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: يوالي، ويناصر بعضهم بعضا؛ لاتحادهم في الكفر، واجتماعهم على عداوتكم، وما نراه في العصر الحديث من مساعدة الإنكليز، والأمريكان لليهود يؤكّد هذه الحقيقة التي نزل بها القرآن منذ أربعة عشر قرنا، وهي ماثلة أمام أعين الناس أجمعين.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: من يعتمد على اليهود، والنصارى، والمشركين في شئونه، ويأمن غدرهم، وشرّهم؛ فهو منهم، ويحشر معهم يوم القيامة، وهذا تعليم من الله تعالى، وتشديد عظيم في مجانبة الكفار جميعا، وكلّ من خالف دين الإسلام. وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ. أي: لا يوفق الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أعداء الله، أو ظلموا المؤمنين بموالاة أعدائهم، وانظر «الظلم» وأنواعه في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.
﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَهُودَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَوْلِياءَ... :﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها.
стр. 1545
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّهُمْ:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفته منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محلّ رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ . ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شكّ، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعف الإيمان فيها، و «المرض» حقيقة فيما يعرض للبدن. فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: يسارعون في موالاة الكفار، ومودّتهم، والمراد بالذين في قلوبهم مرض: عبد الله بن أبيّ، ومن على شاكلته من المنافقين. انظر الآية السابقة.
﴿يَقُولُونَ نَخْشى:﴾ نخاف. ﴿أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أي: من دوائر الزّمان بأن ينقلب الحال، وتكون الدولة، والغلبة لكفار قريش على المسلمين، و «الدائرة»: اسم للحادثة من حوادث الدّهر، سمّيت بذلك؛ لأنّها تدور على الناس من خير إلى شرّ، ومن شرّ إلى خير، ثم اختصت في الاستعمال بالمكروه من الحوادث، والجمع: دوائر، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٩٨]:
﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾. وقال عنترة في معلّقته رقم [٧٧]: [الكامل]
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر... للحرب دائرة على ابني ضمضم