Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
احذرهم مخافة فتنتهم. ﴿عَنْ بَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْضِ:﴾ مضاف، و (ما): مضاف إليه، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن بعض الذي، أو: بعض شيء أنزله الله إليك، والتقدير على المصدرية: عن بعض إنزال الله إليك، وهو ضعيف معنى، كما ترى.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محلّ جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿أَنِ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُصِيبَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:
﴿أَنِ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (اعلم)، وجملة: (اعلم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له مفرّع عمّا قبله لا محلّ له.
﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسمها. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَثِيراً﴾ أو بمحذوف صفة له، وتعليقهما ب: (فاسقون) بعدهما ضعيف.
﴿لَفاسِقُونَ... :﴾ اللام: هي المزحلقة. (فاسقون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:
﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، واعتبارها حالا من الضمير: (هم) لا بأس به، ويكون الرابط: الواو فقط، وقد أظهر في محل الإضمار، فمقتضى القياس: «وإنّ كثيرا منهم لفاسقون».
﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿الْجاهِلِيَّةِ... :﴾ تطلق هذه الكلمة على أحوال العرب قبل الإسلام حينما كانوا يعبدون الأوثان، والفوضى ضاربة أطنابها فيهم، وهي أيضا: متابعة الهوى، والميل إلى الباطل، والمداهنة في الحكم، وهي الآن ضاربة أطنابها في بلاد المسلمين بهذا المعنى. وإليك ما جاء في الظلال للمرحوم سيد قطب، قال: إنّ الجاهلية في ضوء هذا النصّ القرآني البليغ هي حكم البشر للبشر، وعبودية البشر للبشر، ورفض ألوهيّة الله، والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنّه مفرق الطريق، فإمّا حكم الله، وإمّا حكم الجاهلية، ولا وسط، ولا بديل، إما أن تنفذ شريعة الله في حياة الناس، أو ينفذ حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبوديّة لغير الله.
стр. 1542
والجاهلية ليست فترة من الزّمن، ولكنّها وضع من الأوضاع يوجد بالأمس، واليوم، وغدا.
والناس إمّا أنّهم يحكمون بشريعة الله، ويقبلونها، ويسلّمون بها تسليما، فهم إذا مسلمون، وإمّا أن يحكموا بشريعة من صنع البشر، فهم في جاهلية، وهم خارجون عن شريعة الله. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمعنى: أيتولون عن حكمك، ويبتغون غير حكم الله، وهو حكم الجاهليّة؟! هذا؛ ويقرأ حكم بضم الحاء وسكون الكاف، وبفتحتين، كما يقرأ بفتح الميم، وضمّها.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: هذا إنكار، ونفي لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم الله تعالى، أو مساو له؛ وإن كان ظاهر السّبك غير متعرّض لنفي المساواة، وإنكارها.
﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يعتقدون بالله، أو بحكمه. وفي الخازن: والإيقان: إتقان العلم بنفي الشّكّ، والشبهة عنه بالاستدلال. واليقين: عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأنّ الإنسان في أوّل الحال لا ينفك عن شبهة، وشكّ، فإذا كثرت الدلائل، وتوافقت؛ صارت سببا لحصول اليقين، والطمأنينة في القلب، وزالت الشّبهة عند ذلك. وينبغي أن تعلم أن اليقين من «يقن» الثّلاثي، وأمّا الإيقان؛ فإنّه من «أيقن» الرّباعي. هذا؛ وأصل الفعل: «يؤيقنون» فحذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة مثل: «أؤيقن» الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: «يويقنون» ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو، فصار (يوقنون).
تنبيه: سبب نزول هذه الآية الكريمة: كانت بين بني النضير، وبني قريظة-حيين من اليهود في المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ إليها-دماء، وكان بنو النضير يفضّلون أنفسهم على بني قريظة، كما ذكرته لك فيما مضى قريبا، فلمّا هاجر الرّسول ﷺ إلى المدينة؛ تحاكموا إليه، فقال بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، ويفضّلون أنفسهم علينا، يجعلون القتيل منهم بقتيلين منا، وأرش جراحتنا على النّصف من جراحتهم، فاحكم بيننا، وبينهم، فقال الرسول ﷺ : «أنا أحكم: أنّ دم القرظي كدم النّضيريّ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم، ولا عقل، ولا جراحة». فغضب بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك! فأنزل الله الآية الكريمة على سيد الخلق، وحبيب الحقّ.
تنبيه: روي: أنّ طاوس-رحمه الله تعالى-كان إذا سئل عن الرّجل يفضّل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية، وكان-﵁-يقول: ليس لأحد أن يفضّل بعض ولده على بعض، فإن فعل؛ لم ينفذ، وفسخ. وبه قال الإمام أحمد، وأهل الظاهر، وأجاز ذلك مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واستدلّوا بفعل الصدّيق-﵁-في نحله عائشة-﵂-دون سائر ولده. واحتجّ الأوّلون بقول النبي ﷺ لبشير بن النّعمان-﵄:
«أكلّ ولدك نحلت مثله؟» فقال: لا، قال ﷺ : «فلا تشهدني إذا؛ فإنّي لا أشهد على جور».
стр. 1543
قالوا: وما كان جورا؛ فهو باطل، لا يجوز، وأمّا فعل الصديق-﵁-فلا يعارض به قول النبي ﷺ ، ولعلّه كان قد نحل أولاده نحلا يعادل ذلك.
والّذي يرجّح المنع، بل والتحريم ما ينشأ عن ذلك من العقوق؛ الّذي هو أكبر الكبائر، وزرع الضغينة، والحقد، والحسد بين الأولاد، وهذا واقع في حياتنا، ولذلك قال الرسول ﷺ :
«اتّقوا الله، واعدلوا بين أولادكم».
وقوله ﷺ : «إنّ الله يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم ولو في القبل». قال النّعمان-﵁-فرجع أبي فردّ تلك الصّدقة. فليتق الله المسلم، وليكن ضابطا لعواطفه حتّى لا يجرّ الشّقاء على ورثته من بعده. والشقي من اتّعظ به غيره، والسّعيد من اتّعظ بغيره.
الإعراب: ﴿أَفَحُكْمَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. والفاء: حرف عطف. و (حكم):
مفعول به مقدّم على ناصبه، وهو مبتدأ على رفعه، وهو مضاف، و ﴿الْجاهِلِيَّةِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم الفاعل لفاعله. ﴿يَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على رفع: (حكم) ويكون قد حذف الرابط، وهو المفعول به، كما حذفه أبو النّجم العجلي في قوله-وهو الشاهد رقم [٣٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
فتكون الجملة اسمية. وسواء كانت الجملة اسمية، أم فعلية فهي مستأنفة، لا محلّ لها.
وقال الزمخشري، ومتابعوه: الجملة على الوجهين معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيتولون عن حكمك، فيبغون حكم الجاهلية؟! ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿حُكْماً:﴾ تمييز. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب:
﴿حُكْماً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محلّ جرّ صفة: (قوم).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. أمّا المناسبة بين هذه الآية وما يتلوها من آيات، وبين ما تقدّم؛ فإنّ الله تعالى لمّا حكى عن أهل الكتاب: أنّهم تركوا العمل بالتّوراة، والإنجيل، وحكم عليهم بالكفر، والظلم، والفسوق؛ حذّر الله تعالى في هذه الآيات من موالاة
стр. 1544
اليهود، والنصارى، ثمّ عدّد جرائم اليهود، وما اتّهموا به الذّات الإلهية المقدّسة من شنيع الأقوال، وقبيح الفعال. واختلف في سبب نزول الآيات.
فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصّامت-﵁، وعبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين، وذلك: أنّهما اختصما، فقال عبادة-﵁: إنّ لي أولياء من اليهود، كثير عددهم، شديدة شوكتهم، وإنّي أبرأ إلى الله، وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكنّي لا أبرأ من ولايتهم، فإنّي أخاف الدوائر، ولا بدّ لي منهم. فقال النبي ﷺ : «يا أبا الحباب، ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه». فقال: إذن أقبل، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. والمراد باليهود قبيلة بني قينقاع؛ الذين أجلاهم الرّسول ﷺ من المدينة، وكانوا حلفاء لعبد الله المنافق، فتشبث بهم.
وقال السدي-رحمه الله تعالى-: لمّا كانت وقعة أحد؛ اشتدّ الأمر على طائفة من الناس، وتخوّفوا أن يدال عليهم للكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا الحق بفلان اليهودي، وآخذ منه أمانا، وقال آخر: أنا ألحق بفلان النّصراني من أهل الشام، وآخذ منه أمانا، فأنزل الله هذه الآية ينهاهم فيها عن موالاة اليهود، والنصارى. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، لمّا بعثه ﷺ إلى بني قريظة حين حاصرهم. وهذا ضعيف.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: يوالي، ويناصر بعضهم بعضا؛ لاتحادهم في الكفر، واجتماعهم على عداوتكم، وما نراه في العصر الحديث من مساعدة الإنكليز، والأمريكان لليهود يؤكّد هذه الحقيقة التي نزل بها القرآن منذ أربعة عشر قرنا، وهي ماثلة أمام أعين الناس أجمعين.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: من يعتمد على اليهود، والنصارى، والمشركين في شئونه، ويأمن غدرهم، وشرّهم؛ فهو منهم، ويحشر معهم يوم القيامة، وهذا تعليم من الله تعالى، وتشديد عظيم في مجانبة الكفار جميعا، وكلّ من خالف دين الإسلام. وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ. أي: لا يوفق الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أعداء الله، أو ظلموا المؤمنين بموالاة أعدائهم، وانظر «الظلم» وأنواعه في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.
﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَهُودَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَوْلِياءَ... :﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها.
стр. 1545
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّهُمْ:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفته منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محلّ رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ . ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شكّ، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعف الإيمان فيها، و «المرض» حقيقة فيما يعرض للبدن. فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: يسارعون في موالاة الكفار، ومودّتهم، والمراد بالذين في قلوبهم مرض: عبد الله بن أبيّ، ومن على شاكلته من المنافقين. انظر الآية السابقة.
﴿يَقُولُونَ نَخْشى:﴾ نخاف. ﴿أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أي: من دوائر الزّمان بأن ينقلب الحال، وتكون الدولة، والغلبة لكفار قريش على المسلمين، و «الدائرة»: اسم للحادثة من حوادث الدّهر، سمّيت بذلك؛ لأنّها تدور على الناس من خير إلى شرّ، ومن شرّ إلى خير، ثم اختصت في الاستعمال بالمكروه من الحوادث، والجمع: دوائر، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٩٨]:
﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾. وقال عنترة في معلّقته رقم [٧٧]: [الكامل]
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر... للحرب دائرة على ابني ضمضم
стр. 1546
﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ:﴾ (عسى) ليست هنا للترجّي، وإنّما هي للتحقيق. قال المفسّرون:
(عسى) من الله واجب؛ لأنّ الكريم إذا أطمع في خير؛ فعله، وهو بمنزلة الوعد؛ لتعلّق النفس به، ورجائها له. والمعنى: فعسى أن يأتي الله بالفتح لرسوله محمد ﷺ على أعدائه، وإظهار دينه على الأديان كلّها. وقيل: أراد فتح مكة، وقيل: أراد فتح قرى اليهود، مثل: خيبر، وفدك، ونحوهما من بلادهم. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ:﴾ قال السدي: يعني: ضرب الجزية على اليهود، والنصارى. وقيل: المعنى: إنّ الله تعالى يقطع أصل اليهود من أرض الحجاز، ويخرجهم من ديارهم بلا كلفة، وتعب، كما ألقى الرعب في قلوبهم، فتركوا أصل ديارهم، وخرّبوها بأيديهم، ورحلوا إلى الشّام.
﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا..﴾. إلخ. أي: فيكون المنافقون نادمين على إسرارهم الكفر في قلوبهم فضلا عمّا ظهر على ألسنتهم من كلمات الكفر، وذلك إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، أو إذا عاينوا العذاب عند الموت. هذا؛ و (يصبح) ليس على بابه من التوقيت في الصّباح، وإنّما هو بمعنى:
يصير، أو يكون.
هذا؛ و (ترى) ماضيه: رأى، فالقياس: ترأى، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي-وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب» -: [الوافر]
أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات
وربّما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: «(أرأيتكم)» و «(أرأيت)»: «(أرايتكم)» و «(أرايت)» بدون همز، قال الشاعر: [الخفيف]
صاح هل ريت أو سمعت براء... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب
وإذا أمرت منه على الأصل؛ قلت: أرء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال (ترى): أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الرّاء للتخفيف.
الإعراب: ﴿فَتَرَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أوّل. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور، والتقدير: ترى الذين استقرّ في قلوبهم مرض. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم و ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر؛ فعليه تكون الجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها.
стр. 1547
﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان على اعتبار (ترى) قلبيّا، وفي محل نصب حال من الموصول على اعتبارها بصريّا، ومثله في الآية رقم [٦٢] الآتية. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿نَخْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نَخْشى..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة، أو هي من تعدّد المفعول الثاني على اعتبار (ترى) قلبيّا.
﴿فَعَسَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عسى): فعل ماض جامد دال على الرّجاء في الأصل، وانظر الشرح، مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿اللهُ:﴾ اسم (عسى)، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في محل نصب خبر (عسى)، وهو يؤول بعد سبكه باسم الفاعل، فيكون التقدير:
فعسى الله آتيا. ﴿بِالْفَتْحِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَوْ:﴾
حرف عطف. ﴿أَمْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ عِنْدِهِ:﴾ متعلّقان ب ﴿أَمْرٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيُصْبِحُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب:
﴿نادِمِينَ﴾ بعدهما، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿أَسَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو: على شيء أسروه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ ب ﴿عَلى،﴾ التقدير: على إسرارهم. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب. ﴿نادِمِينَ﴾ خبر: (يصبحوا) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: حين يمنّ الله بالفتح على المؤمنين، وترجع الحسرة، والخيبة، والندامة للمنافقين. واختلف في المقول لهم: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ على وجهين:
إما أن يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين، واغتباطا بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، والثبات على الإيمان: هؤلاء المنافقون الذين حلفوا لكم بأغلظ
стр. 1548
الأيمان: أنّهم معكم، ومعاضدوكم على الكفّار؟ وإما أن يقولوا هذا الكلام لليهود؛ لأنّ المنافقين حلفوا لهم: أنهم معهم بالمعاضدة، والنّصرة، كما حكى الله عنهم في سورة (الحشر):
﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ..﴾. إلخ: هذا من تتمّة قول المؤمنين. أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلّفونها في رأي أعين النّاس، ويتزلّفون إليهم بها. وفيه معنى التعجب.
كأنّه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم في الدنيا والآخرة! خسروا في الدنيا بافتضاحهم، وخسروا في الآخرة بإحباط أعمالهم، ودخولهم نار جهنّم وبئس المصير، والقرار! هذا؛ و «جهد اليمين» أغلظه، والجهد بفتح الجيم وضمها: الطاقة، والقدرة، وقرئ بهما قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٧٩]: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ والله أعلم بمراده.
الإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ يقرأ بالرفع بواو، وبدونها على الاستئناف، ويقرأ بالنصب عطفا على:
﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ باعتبار المعنى، وأجيز اعتبار المصدر بدلا من لفظ الجلالة، فيصير التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وفيه قول ثالث وهو أن تعطفه على (الفتح) على حدّ قول ميسون -وهو الشّاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والشاهد رقم [١٣٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]
للبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، وجملة: ﴿أَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿جَهْدَ:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، وقيل: مفعول مطلق عامله: (أقسموا) و ﴿جَهْدَ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ في محل نصب مقول القول.
﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿لَمَعَكُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (معكم): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية جواب: (أقسموا) لا محلّ لها. ﴿حَبِطَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث.
﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
(أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاسِرِينَ:﴾
خبر: (أصبحوا) منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
стр. 1549
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ:﴾ من يرجع عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر؛ فلن يضرّ الله شيئا، وإنّما يضرّ نفسه برجوعه عن الدّين الحق. ففيه دليل على نبوّة سيد الخلق، وحبيب الحقّ؛ حيث أخبر القرآن بأمور لم تكن، فكانت، فقد ارتدّ عن الإسلام من العرب في أواخر عهد رسول الله ﷺ ثلاث فرق: بنو مدلج في اليمن؛ حيث تنبّأ فيهم الأسود العنسي، وكان يلقب بذي الحمار، وكان كاهنا، فكان يقول للحمار سر، فيسير، قف؛ فيقف، وقد أخزاه الله، فقتل قبل وفاة الرّسول ﷺ بليلة، وأخبر المسلمين بقتله، وكان فيروز الدّيلمي-﵁-بيّته، وقتله.
وبنو حنيفة: حيث تنبّأ فيهم مسيلمة الكذاب، وقد أخزاه الله، فقتل بخلافة الصدّيق-﵁، وكان الذي باشر قتله وحشيّ قاتل الحمزة-﵁، فكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، وأرجو أن تكون هذه بهذه. وارتدّ بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة؛ التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري: [البسيط]
امّت سجاح ووافاها مسيلمة... كذّابة من بني الدّنيا وكذّاب
وكانت شريفة، فلمّا تزوّجها؛ سلمت له، فاتّبعه قومها، وهم بنو حنيفة، وقال الشّاعر فيهما: [الوافر]
مسيلمة اليمامة كان أدهى... وأكذب حيث سار إلى سجاح
ليمدح قومه بأبي رباح... وفاز وردّ مقصوص الجناح
وفيهما يقول قيس بن عاصم-﵁: [البسيط]
أضحت نبيّتنا أنثى نساء بها... وأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا
فلعنة الله والأقوام كلّهم... على سجاح ومن بالإفك أغرانا
أعني مسيلمة الكذّاب لا سقيت... أصداؤه ماء المزن حيثما كانا
ثمّ لما قتل مسيلمة تابت سجاح، وحسن إسلامها.
стр. 1550
وارتدّ بنو أسد؛ حيث تنبّأ فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، فبعث إليه رسول الله ﷺ خالد بن الوليد-﵁. فقاتله، فانهزم بعد القتال إلى الشّام، ثمّ أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وارتدّ سبع فرق في خلافة الصدّيق-﵁. وقال ابن إسحاق: لمّا قبض رسول الله ﷺ ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد جؤاثى في البحرين، وكانوا في ردّتهم على قسمين: قسم نبذ الشّريعة كلّها، وخرج عنها، كما قدّمت، وقسم نبذ وجوب الزّكاة، واعترف بوجوب غيرها، فقالوا: نصوم، ونصلّي، ولا نزكي، فقاتل الصديق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد وغيره إليهم بالجيوش، فقاتلهم، وسباهم، وردّهم إلى الإسلام على ما هو المشهور من أخبارهم.
ومن قرأ التاريخ يعرف ما لأبي بكر-﵁-من الفضل. قال أبو بكر بن عيّاش:
سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصدّيق، لقد قام مقام نبيّ من الأنبياء في قتال أهل الردّة. ولقد ارتدّ عن الإسلام في عهد عمر-﵁-قبيلة غسّان قوم جبلة بن الأيهم، وتنصّر، وهرب-بسبب اللّطمة للفزاري-إلى بلاد الرّوم، انظر قصّته في الآية رقم [١٦] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويقرأ: «يرتد» و (يرتدد) بالفك والإدغام، وفي سورة (البقرة) رقم [٢١٧] بالفكّ فقط.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] من سورة (النساء) ففيها الكفاية.
هذا، والمحبّة ميل النّفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقرّبها إليه.
والعبد إذا علم: أنّ الكمال المطلق الحقيقي ليس إلا لله، ، وأنّ كلّ ما يراه كمالا من نفسه، أو من غيره؛ فهو من الله، وبالله، وإلى الله؛ لم يكن حبّه إلا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرّغبة فيما يقرّبه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتّباع الرسول ﷺ في عبادته، والحرص على مطاوعته. انتهى. بيضاوي. ومن محبّة الله للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. وعدم محبة الله للعبد كناية عن بغضه، والسّخط، والغضب عليه، أعاذنا الله من ذلك. هذا؛ وقد حمل الزّمخشري على الصّوفية بادّعائهم الحبّ، وما ينتج عنه من أعمال دجل، وشعوذة. انظر الكشاف؛ فإنّه جيد.
قال عبد الله بن زيد-﵄: غلطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى:
ظننت: أنّي أحبّه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وظننت: أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عنّي، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وظننت: أنّي أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ،﴾ وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. وظننت أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويتذلّلون للمؤمنين. متواضعون لهم، عاطفون عليهم، راحمون لهم. من قولهم: دابة ذلول، أي: تنقاد سهلة، ولم يرد ذلّ الهوان. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾
стр. 1551
أشداء، أقوياء، غلظاء على أعدائهم الكافرين. قال ابن عبّاس-﵄: هم للمؤمنين كالوالد للولد، والسّيّد للعبد، وهم في الغلظة على الكفّار كالسّبع على فريسته. قال تعالى في وصفهم في آخر سورة (الفتح): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ انظر شرحها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ وبين: ﴿أَذِلَّةٍ﴾ و ﴿أَعِزَّةٍ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ يبذلون أموالهم، وأرواحهم في سبيل نصرة الدّين الحنيف، ولا يخافون لومة لائم: بخلاف المنافقين يخافون الدّوائر، فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي-﵃ أجمعين-؛ لأنّهم جاهدوا في الله- -في حياة رسول الله ﷺ ، وقاتلوا المرتدّين بعده، ومعلوم: أنّ من كانت فيه هذه الصفات؛ فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامّة في كلّ من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة.
فعن عبادة بن الصّامت-﵁-قال: «بايعت رسول الله ﷺ على السّمع، والطّاعة في العسر، واليسر، والمنشط، والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحقّ أينما كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم». متّفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقرنّ أحدكم نفسه أن يرى لله أمرا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا، وكذا؟ فيقول: مخافة النّاس، فيقول: إيّاي أحقّ أن تخاف». أخرجه الإمام أحمد.
﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبّة، ولين الجانب للمؤمنين، والشدّة على الكافرين، وأنّهم يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم. كلّ ذلك من فضل الله تعالى، تفضّل به عليهم، ومن إحسانه إليهم. ﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ:﴾ يعطيه، ويمنحه من يشاء من عباده. ﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغنيّ الذي وسع جميع مخلوقاته. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعال عباده، وبمن يستحقّ الفضل، والرحمة، قال تعالى في سورة طه:
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ و «أتى» يأتي لازما؛ إن كان بمعنى: حضر، وأقبل. ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ. فمن الأول ما في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَأْتِي اللهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ رقم [٤٧] من سورة (الأنعام)، ومثلها برقم [٤٠] منها، هذا؛ و «أتى» بمعنى:
أعطى، يعطي ينصب مفعولين، ومنه ما في الآية الكريمة: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾. و ﴿لائِمٍ﴾ أصله:
لاوم اسم فاعل من: لام، يلوم، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف
стр. 1552
الزائدة لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، فصار: لائم. وقل مثله في اليائي: بائع؛ فإنّ أصله: بايع.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْتَدَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالفتحة للخفّة، ويجوز تحريك الدّال بالكسرة؛ لأنّه الأصل في التخلّص من السكونين، ويمتنع الضم هنا لعدم ضمّ عينه. هذا؛ وعلى قراءة: (يرتدد) فالسكون ظاهر، والفاعل مستتر يعود إلى:
﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾. ﴿عَنْ دِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسَوْفَ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. ﴿بِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿يُحِبُّهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم). ﴿وَيُحِبُّونَهُ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجوز اعتبارها حالا من الضمير المنصوب، ويكون الرابط:
الواو، والضمير. ﴿أَذِلَّةٍ:﴾ صفة ثانية ل (قوم). ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَذِلَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أَعِزَّةٍ:﴾ صفة ثالثة ل (قوم) وقرئ بالنصب على الحال من: (قوم) بعد وصفه بما تقدّم.
﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعِزَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿يُجاهِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة رابعة ل (قوم) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. وقيل: حال من الضمير المستتر في: ﴿أَعِزَّةٍ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه، وجملة: (لا يخافون...) إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿لَوْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿لائِمٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهُ:﴾
مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ:﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب
стр. 1553
مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
يؤتيه الذي، أو: شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية هذه في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة. وقيل: في محل رفع خبر ثان للمبتدإ.
وقيل: مستأنفة لا محل لها، والمعتمد الأول، وهو على حدّ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾. ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ جملة اسمية مستأنفة أو معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها على الاعتبارين، هذا؛ وساغ مجيء الحال من لفظ الجلالة، وهو مضاف إليه؛ لأنّ المضاف جزؤه، وقال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ..﴾. إلخ: أي: ناصركم، ومعينكم، ويتولّى أموركم الله، ورسوله محمّد ﷺ . ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ المراد بهم صحابة النّبيّ ﷺ ، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، الذين وصفوا بإقامة الصّلاة، وإيتاء الزكاة، وانظر شرح ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [١٠٣] من سورة (النّساء)، وشرح (الزّكاة) في الآية رقم [١٢] من هذه السّورة. ﴿راكِعُونَ:﴾ خاشعون، متواضعون في صلاتهم، وأفرد الرّكوع بالذّكر مع كونه داخلا في الصّلاة تنويها بشأنه.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في حقّ عليّ بن أبي طالب-﵁-حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنّه كان واسعا، غير محتاج في إخراجه من يده إلى عمل كثير يؤدّي إلى فساد الصّلاة. واستدلّ الشّيعة باطلا بهذه الآية على إمامته، زاعمين: أنّ المراد بالولي المتولّي للأمور، والمستحقّ للتصرّف فيها، وقد قال تعالى: ﴿وَلِيُّكُمُ﴾ ولم يقل:
أولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية لله تعالى بالأصالة، ولرسوله، وللمؤمنين بالتّبع. ويرد على الشيعة: أن حمل الجمع على الواحد خلاف الظاهر؛ وإن قيل: إنّ الآية نزلت فيه، والمراد بالجمع المفهوم من الموصول.
هذا؛ وقد ذكر ابن عباس-﵄: أنّ الآية نزلت في عبادة بن الصّامت-﵁-حين تبرّأ من اليهود، وموالاتهم، وقال: أتولّى الله، ورسوله، والمؤمنين، كما رأيت في الآية رقم [٥٢].
وقال جابر بن عبد الله-﵄: نزلت الآية في عبد الله بن سلام-﵁، وذلك: أنّه جاء إلى النبي ﷺ بعد إسلامه، فقال: يا رسول الله! إنّ قومنا: قريظة،
стр. 1554
والنّضير قد هجرونا، وفارقونا، وأقسموا أن لا يجالسونا. فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله ﷺ ، فقال-﵁: رضينا بالله ربّا، وبرسوله نبيّا، وبالمؤمنين أولياء.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿وَلِيُّكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، انظر الشرح. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو بمعنى الفاعل ب: (ولي)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف على ﴿اللهُ،﴾ والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعده صلته، والمتعلّق محذوف.
﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز اعتباره بدلا ممّا قبله، وصفة له مع ضعفه، وخبرا لمبتدإ محذوف، التقدير:
هم الذين، ومفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذين، وجملة: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. (هم):
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿راكِعُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط: الواو، والضمير. وقيل بجواز عطفها على الجملة الفعلية قبلها.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ..﴾. إلخ؛ أي: من فوّض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين؛ فهو من حزب الله. أو المعنى: ومن يتولّ القيام بطاعة الله، ونصرة رسوله، والمؤمنين. وانظر الآية رقم [٤٩]. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ..﴾. إلخ: فإنّ أنصار الله ﴿هُمُ الْغالِبُونَ﴾ لأنّ الله ناصرهم على عدوهم، قال تعالى في آخر سورة (المجادلة): ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لذلك غلبوا اليهود، والنّصارى بالسّبي، والقتل، وضرب الجزية، والإجلاء من الأرض. هذا و «الحزب» في اللغة: أصحاب الرّجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون معه لأمر حزبه؛ أي: أهمّه. والحزب: الورد في الطاعة، ومنه الحديث: «فمن فاته حزبه من اللّيل». وحزبه أمر: أصابه. والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأعداء.
هذا؛ وكل حزب لا يكون سائرا على الجادة المستقيمة، فهو حزب الشيطان، يعني: أتباعه، وأنصاره، وأعوانه، وهم الخاسرون، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي:
الكاملون في الخسران؛ لأنّهم فوّتوا على أنفسهم النّعيم الدائم، وعرّضوها للعذاب المقيم، وكلّ حزب يسير على الجادة المستقيمة فهو حزب الله، وحزب الله هم المفلحون، أي: الناجون من غضب الله، وعقابه، الفائزون برحمة الله، ورضوانه.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (يتولّ): فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من
стр. 1555
آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: هو. ﴿اللهَ:﴾
منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على الله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾
اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعده صلته، والمتعلق محذوف، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فالله يعينهم، وينصرهم، وهم حزب الله.
وقد دلّت الجملة الاسمية الآتية على ذلك الجواب المحذوف. وابن هشام في المغني قال بمحذوف الجواب أيضا. وقيل: بل الجملة الاسمية هي الجواب، وقد وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه، وتنويها بذكر المتولّين الله، ورسوله، والمؤمنين، وتعظيما لشأنهم، وتشريفا لهم بهذا الاسم: ﴿حِزْبَ اللهِ﴾ وتعريضا بمن يوالي غير هؤلاء بأنّهم حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم المغلوبون.
﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل، أو هي واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.
﴿حِزْبَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْغالِبُونَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (إنّ). هذا، وإن اعتبرت الضّمير فصلا، لا محلّ له ف: ﴿الْغالِبُونَ﴾ يكون خبر (إنّ) والجملة الاسمية: (إنّ...) إلخ تعليلية لا محلّ لها؛ إن اعتبرت الجواب محذوفا، أو هي في محل جزم جواب الشرط، وهو الظاهر. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السورة. ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً:﴾ قال ابن عباس-﵄: كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام، ثمّ نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله هذه الآية. ومعنى: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ هو إظهارهم الإسلام بألسنتهم قولا، وهم مع ذلك يبطنون الكفر، ويسرّونه.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: اليهود. ﴿وَالْكُفّارَ﴾ يعني: عبدة الأصنام، وإنما فصل بينهما، وإن كان أهل الكتاب من الكفار؛ لأنّ كفر المشركين من عبادة الأصنام، أغلظ، وأفحش من كفر أهل الكتاب.
стр. 1556
﴿أَوْلِياءَ:﴾ أنصارا، وأعوانا، قال ابن خويز منداد، هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ..﴾. إلخ رقم [٥١]، وقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٨]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ..﴾. إلخ، فقد تضمّنت الآيات هنا، وهناك المنع من التأييد، والانتصار بالمشركين، وأهل الكتاب، روى جابر-﵁: أنّ النبيّ ﷺ لمّا أراد الخروج إلى أحد؛ جاءه قوم من اليهود، فقالوا: نسير معك، فقال سيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ : «إنّا لا نستعين على أمرنا بالمشركين». ويروى: أنّ قيصر ملك الروم عرض مساعدته لمعاوية في حربه مع عليّ ﵁، فقال معاوية: والله لو قطّعت إربا، إربا لا أستعين بكافر على مسلم.
(اتقوا الله): خافوه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حقّا؛ لأنّ المؤمن الحقّ يأبى موالاة أعداء الله، ومناصرتهم، ومعاونتهم. وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النساء)، وانظر شرح (اتقوا) في الآية [٣٢] من هذه السورة. هذا؛ و «الدّين» اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى، و «الدّين»: الملة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. و ﴿يَوْمِ الدِّينِ:﴾ يوم الجزاء، والحساب؛ الّذي يحاسب الله الناس فيه على أعمالهم. هذا؛ ويطلق «الدّين» على العادة، والشأن، والحال، ومنه قول امرئ القيس في معلّقته: [الطويل]
كدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
هذا؛ و «الدّين» بفتح الدال: القرض المؤجّل، وجمع الأوّل: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. والدينونة: القضاء، والحساب، ومنه: كما تدين تدان، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
هذا وأصل «اتخذتم»: ائتخذتم من: الأخذ، ووزنه: افتعلتم، سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار: «ايتخذتم» فاضطربت الياء في التصريف، فصارت ألفا في (ياتّخذ) وواوا في (موتخذ) فأبدلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنّطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٠]: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير، ومنه قول ذي الرّمّة: [البسيط]
أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟
ومثله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾. وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. وقوله تعالى في سورة (محمد) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾. وقوله جلّت حكمته في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها.
стр. 1557
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.
﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾
ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به أوّل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلَعِباً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾:
متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. و ﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في الموصول الأوّل.
﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿الْكِتابَ:﴾
مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، العائدة على الموصول، و ﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والجملة الفعلية: ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَالْكُفّارَ﴾ يقرأ بالنصب عطفا على الموصول الأول، وبالجر عطفا على الموصول الثاني، التقدير: ومن الكفار. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان للفعل: ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ وهذه الجملة، لا محلّ لها كما رأيت. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾
منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فاتقوا الله. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مرتبط بما قبله تمام الارتباط، لا محلّ له مثله.
﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾
الشرح: قال الكلبي-رحمه الله تعالى-: كان منادي رسول الله ﷺ إذا أذّن إلى الصلاة، وقام المسلمون إليها؛ قالت اليهود-لعنهم الله-: قاموا، لا قاموا، وصلّوا، لا صلّوا، ويضحكون على طريق الاستهزاء. وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في رجل من النّصارى كان بالمدينة، فكان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله ﷺ ، يقول: حرق الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار، وهو وأهله نيام، فطارت شرارة، فاحترق البيت، واحترق هو، وأهله.
стр. 1558
وقيل: إنّ اليهود، والمنافقين كانوا إذا سمعوا الأذان؛ حسدوا المسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله ﷺ ، قالوا: يا محمد! لقد أبدعت شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى من الأمم، فإن كنت تدّعي النبوة؛ فقد خالفت الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير؛ لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبح هذا الصوت! وما أسمج هذا الأمر! فأنزل الله هذه الآية، وأنزل قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٣] من سورة (فصلت).
تنبيه: ليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية، أمّا ذكر النداء في سورة (الجمعة) فهو خاصّ بيوم الجمعة، والأذان سنة لكلّ فرض صلاة، سنة كفاية في الجماعة، وسنّة عين للمنفرد، وأمّا فضل الأذان، والمؤذن؛ فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح، منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «إذا نودي للصّلاة؛ أدبر الشّيطان، وله ضراط؛ حتّى لا يسمع التّأذين... إلخ» الحديث. وفي الموطّأ عن أبي سعيد الخدري-﵁-أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ، ولا إنس، ولا شيء إلاّ شهد له يوم القيامة». وغير ذلك كثير.
وأمّا مشروعية الأذان؛ فكانت برؤيا عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وغيرهما من الصّحابة في المنام، ثمّ أيد ذلك الوحي بنزول هذه الآية الكريمة، والأذان مثنى مثنى بالاتّفاق، وأمّا الإقامة؛ فهي عند أبي حنيفة مثنى مثنى أيضا، وعند غيره بالإفراد، وإجابة المؤذن، والمقيم سنّة، فعن عبد الله بن عمرو-﵄: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة من الجنّة، لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة؛ حلّت له الشّفاعة». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
تنبيه بل فائدة: ليس أشدّ على الكفار، والمنافقين من كلمات الأذان في كلّ زمان، ومكان، فهي أشدّ عليهم من وقع القنابل، وقذف الصّواريخ، فقد ذكر ابن إسحاق، وغيره في السّيرة: أنّ رسول الله ﷺ لمّا دخل مكّة عام الفتح، ومعه بلال، فأمره رسول الله ﷺ أن يؤذّن على سطح الكعبة، وأبو سفيان، وعتّاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتّاب: لقد كرّم الله أسيدا (والده) ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم: أنّه محقّ؛ لاتّبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت؛ لأخبرت عنّي هذه الحصى. فخرج عليهم النّبيّ ﷺ ، فقال: «قد علمت الّذي قلتم» ثمّ ذكر ذلك لهم. فقال الحارث، وعتّاب: نشهد: أنّك رسول الله، ما اطّلع على هذا أحد كان معنا، فنقول:
أخبرك!!.
стр. 1559
هذا؛ و ﴿هُزُواً﴾ يقرأ بسكون الزاي، والهمز، وبضم الزاي، والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر: هزأ، يهزأ، هزءا من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) الناهية عن السّخرية، والاستهزاء بالنّاس معروفة، وأحاديث الرّسول ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (البقرة).
﴿ذلِكَ﴾ أي: لعبهم، وهزؤهم من أفعال السّفهاء، والجهلة، فكأنّهم لا عقول لهم تمنعهم من ذلك. هذا؛ والعقل: المنع، ومنه: عقال البعير الذي تشدّ به ركبته؛ لأنّه يمنعه من الحركة.
ومنه سمّي العقل: عقلا؛ لأنّه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإنّ كلّ شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصّحيح، فقد ورد: أنّه مرّ رجل معتوه على مجلس النبيّ ﷺ ، فقال الصّحابة-رضوان الله عليهم-: هذا مجنون. فقال سيّد الخلق، وحبيب الخالق: «هذا مصاب، وإنّما المجنون من أصرّ على معصية الله». والعقل: الدّية، سميت بذلك؛ لأنّ الإبل المؤداة تعقل بباب وليّ المقتول. والعقال أيضا: صدقة عام، قال الشاعر يهجو عاملا على الصّدقات في عهد بني أميّة: [البسيط]
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح النّاس أوبادا فلم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
هذا؛ والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تغشّى به الهوادج. قال علقمة: [البسيط]
عقلا ورقما تكاد الطّير تخطفه... كأنّه من دم الأجواف مدموم
هذا؛ والعقل: جوهر لطيف في البدن ينبت شعاعه منه بمنزلة السّراج في البيت، يفصل به بين حقائق المعلومات. ثمّ اختلفوا في محله، فقالت طائفة منهم: محلّه الدّماغ؛ لأنّ الدّماغ محلّ الحسّ. وقالت طائفة أخرى: محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة، ومادّة الحواس، ويردّ هذين القولين: أنّ فاقد العقل لم يفقد دماغه، ولا قلبه، بل هما موجودان فيه، بل القول الصّحيح: إنّ هناك لطيفة ربّانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، انظر الآية رقم [٧٠] الآتية.
وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: والعقل قوة تهيئ قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة: عقل، ومنه قول عليّ بن أبي طالب: [مجزوء الوافر]
وأنّ العقل عقلان... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مطبوع... إذا لم يك مسموع
كما لا تنفع الشّمس... وضوء العين ممنوع
стр. 1560
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نادَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿إِلَى الصَّلاةِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿اِتَّخَذُوها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب: (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿وَلَعِباً:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿قَوْمٌ:﴾ خبر: (أنّ). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب لسيّد الخلق وحبيب الحقّ ﷺ ليسأل اليهود عن سبب نقمتهم على الإسلام، والمسلمين. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ هذا النداء يشمل اليهود، والنّصارى؛ لأنّ لكلّ كتابا. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا:﴾ هل تنكرون منّا، وتعيبون علينا، وتكرهون؟ يقال: نقم منه كذا: إذا أنكره. وانتقم منه: إذا كافأه على فعله. وقرئ بفتح القاف، والمضارع: ينتقم من الباب الأوّل.
وقرئ بكسر القاف، وفتحها في المضارع من الباب الرّابع. ﴿إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ:﴾ وحده، لا شريك له، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. والاستفهام بمعنى النفي، وفي الكلام استثناء صفة مدح من صفة ذمّ منفيّة، ومنه قول النّابغة الذّبياني في مدح بني غسّان: [الطويل]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب
وهذا يسمّى في فنّ البديع: تأكيد المدح بما يشبه الذمّ. ومنه قول ابن قيس الرّقيّات في مدح بني أميّة: [الخفيف]
وما نقموا من بني أميّة إلاّ... أنّهم يحلمون إن غضبوا
ومنه الآية رقم [٧٤] من سورة (التوبة) والآية رقم [١٢٦] من سورة (الأعراف) وأيضا في سورة (البروج) رقم [٨]. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: آمنا بجميع الكتب المنزلة على
стр. 1561
جميع الرسل من لدن آدم إلى محمد، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ المعنى: إنّ سبب نقمتكم علينا هو الإيمان بالله، والإيمان بالكتب السّماوية جميعها، وكونكم فاسقين خارجين عن جادة الحقّ، والصواب، وقد قال جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ لعلمه الأزلي: أنّ من أهل الكتاب من يؤمن بالله، ورسوله.
تنبيه: جاء جماعة من علماء اليهود، وزعمائهم إلى رسول الله ﷺ وسألوه عمّن يؤمن به.
فقال: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية رقم [٨٤] من سورة (آل عمران)، و [١٣٧] من سورة (البقرة)، فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى-﵇: لا نعلم دينا شرا من دينكم، فأنزل الله الآية الكريمة.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء تنوب مناب:
«أدعو». (أهل): منادى، وهو مضاف. و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿تَنْقِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والفعل في محل نصب ب: (أن). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿آمَنّا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ل: ﴿تَنْقِمُونَ﴾ وقال العكبري: مفعول به. و ﴿آمَنّا﴾ مفعوله الثاني أي: تقدّم على الأول، والأول أقوى.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها. ﴿وَما أُنْزِلَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وبني: ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى.
﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿أَكْثَرَكُمْ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول من: ﴿أَنْ آمَنّا﴾. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وكأنّ المستثنى لازم الأمرين، وهو المخالفة؛ أي: ما تنكرون منّا إلا مخالفتكم؛ حيث دخلنا في الإيمان، وأنتم خارجون منه. أو كان الأصل: واعتقاد: أنّ أكثركم فاسقون. فحذف المضاف. أو العطف على (ما) أي: وما تنقمون منّا إلاّ الإيمان بالله، وبما أنزل، وبأنّ أكثركم فاسقون. أو العطف على علّة محذوفة، والتّقدير: هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا لقلّة إنصافكم، وفسقكم، أو هو منصوب بإضمار فعل يدلّ عليه: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ أي: ولا تنقمون أن أكثركم
стр. 1562
فاسقون. أو المصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، ولكن حبّ الرئاسة، والمال يمنعكم من الإنصاف. انتهى بيضاوي. أقول: المعتمد الوجهان الأولان، والبواقي يظهر فيها التعسّف، والتكلّف. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ:﴾ هذا جواب لليهود لمّا قالوا: ما نعرف دينا شرّا من دينكم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود؛ الّذين قالوا هذه المقالة: هل أخبركم بشرّ من ذلك الذي ذكرتم، ونقمتم علينا من إيماننا بالله، وبما أنزل علينا؟ والخطاب موجّه للنّبيّ ﷺ . وانظر شرح (شر) في الآية [١٧٠] من سورة (النساء). ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ:﴾ جزاء ثابتا عند الله، والمثوبة مختصّة بالخير كالعقوبة مختصّة بالشرّ، فوضعت هنا موضعها تهكما على حدّ قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. هذا؛ وأصلها: مثووبة على وزن مفعولة، فنقلت حركة الواو الأولى إلى الثاء؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فحذفت إحدى الواوين لالتقائهما ساكنتين. ومثله مقولة، ومجوزة، ومضوفة على معنى المصدر، كما قال أبو جندب الهذلي: [الطويل]
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري
هذا؛ ودين محمد ﷺ لا شرّ فيه قطعا، ولكن جاء الجواب على حسب قولهم، واعتقادهم، فإن اليهود حكموا بأنّ اعتقاد ذلك الدين شرّ، فقال لهم الله: هب أن الأمر كذلك. لكن من لعنه الله، وغضب عليه، ومسخ صورته شرّ من ذلك. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ يعني: من اليهود من لعنه الله، وغضب عليه، ومنهم من جعلهم قردة، وخنازير. قال ابن عباس-﵄: إنّ الممسوخين كلاهما أصحاب السّبت، فشبّانهم مسخوا قردة، وشيوخهم خنازير، انظر الآية رقم [٦٥] من سورة (البقرة) وتفصيلها في سورة (الأعراف) الآية [١٦٣] وما بعدها.
وقيل: إنّ مسخ بعضهم قردة كان في أصحاب السبت من اليهود، ومسخ بعضهم خنازير كان بعد نزول المائدة في زمن عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ولمّا نزلت الآية الكريمة عيّر المسلمون اليهود، وقالوا لهم: يا إخوان القردة، والخنازير، وافتضحوا بذلك، فنكّسوا رءوسهم، وقال الشاعر: [الرجز]
فلعنة الله على اليهود... إنّ اليهود إخوة القرود
﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ يعني: وجعل منهم من عبد الطاغوت، يعني من أطاع الشّيطان فيما سوّل له، والطّاغوت: هو الشّيطان، وقيل: هو العجل، وقيل: هو الكهّان، والأحبار. وجملته: أنّ
стр. 1563
كل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده، وهو الطّاغوت. انظر الآية رقم [٥١] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك ويثلج صدرك. هذا؛ وفي ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أربع وعشرون قراءة، ثنتان سبعيتان، والباقي من الشّواذ.
﴿أُولئِكَ﴾ الملعونون، والمغضوب عليهم، والممسوخون. ﴿شَرٌّ مَكاناً:﴾ يعني: من غيرهم، ونسب الشر إلى المكان، والمراد به أهله، وذلك مبالغة في الذمّ، ومن أحسن ما قيل فيه:
أولئك الذين لعنهم الله شرّ مكانا في الآخرة من مكانكم في الدّنيا لما لحقكم من الشرّ، يعني:
من الهموم الدنيوية، والحاجة، والإعسار، والسّقم، وغير ذلك. وانظر شرح: ﴿سَواءِ السَّبِيلِ﴾ في الآية رقم [٧٧] الآتية.
تنبيه: القردة، والخنازير الموجودون في زمننا ليسوا ممّا مسخ الله من بني إسرائيل، وإنّما هم موجودون قبل بني إسرائيل، فقد قال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: عن ابن مسعود ﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة، والخنازير: أهي ممّا مسخ الله؟ فقال:
«إنّ الله لم يهلك قوما، أو لم يمسخ قوما، فيجعل لهم نسلا، ولا عقبا، وإنّ القردة، والخنازير كانت قبل ذلك». رواه مسلم. وقال أبو داود: عن ابن مسعود-﵁، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة، والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: «إنّ الله لم يلعن قوما قطّ فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلمّا غضب الله على اليهود، فمسخهم، جعلهم مثلهم». هذا؛ وانظر «اللّعن» في الآية رقم [٥٢] من سورة (النّساء) فإنّه جيد، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام.
﴿أُنَبِّئُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿بِشَرٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعوله الثاني، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (شرّ)؛ لأنّه أفعل تفضيل، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.
﴿مَثُوبَةً:﴾ تمييز. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَثُوبَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و ﴿عِنْدَ:﴾
مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ﴾ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بدل من: (شرّ) أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو لعن من لعنه الله، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف دلّ عليه السّابق، أي: أعرفكم من. ﴿لَعَنَهُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والعائد، أو الرابط:
الضمير المنصوب. ﴿وَغَضِبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وقد أفرد الضمير فيهما مراعاة للفظ:
стр. 1564
﴿مِنْ،﴾ وجمع فيما بعدهما مراعاة لمعناها. ﴿وَجَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله).
﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِرَدَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْخَنازِيرَ:﴾ معطوف على (ما) قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَعَبَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:
﴿مِنْ﴾. ﴿الطّاغُوتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة؛ إذ التقدير: ومن عبد الطّاغوت، وهذا على قراءة الفعل بالبناء للمعلوم ونصب: ﴿الطّاغُوتَ﴾ وهو واضح. ويقرأ بالبناء للمجهول ورفع: «(الطّاغوت)» فيحتاج إلى تقدير ضمير يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ فيكون التقدير:
ومن عبد الطاغوت فيهم. وذكرت كثرة القراءات في هذه الجملة، فيطول الكلام فيها وفي أوجه إعرابها، فلذا أعرضت عنها اختصارا.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿شَرٌّ:﴾ خبره. ﴿مَكاناً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَضَلُّ:﴾ معطوف على: ﴿شَرٌّ﴾ عطف مفرد على مفرد. أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: هم أضلّ، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها. ﴿عَنْ سَواءِ:﴾ متعلقان ب: (أضلّ)، و ﴿سَواءِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا..﴾. إلخ: قال قتادة-رحمه الله تعالى-: نزلت في أناس من اليهود، دخلوا على رسول الله ﷺ ، فأخبروه: أنّهم مؤمنون، راضون بالذي جاء به، وكانوا متمسّكين بضلالهم، وكفرهم، فكان هؤلاء يظهرون الإيمان، وهم منافقون، فأخبر الله نبيه ﷺ بحالهم، وشأنهم.
﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ:﴾ يعني: إنّهم دخلوا عليك يا محمد كافرين، وخرجوا كما دخلوا كافرين لم يتعلّق بقلوبهم شيء من الإيمان، فهم كافرون في حالتي الدخول، والخروج. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي: يخفون من الكفر في قلوبهم؛ لأنّ الله عالم بالسّرائر، وما تنطوي عليه الضمائر، وإنه عالم الغيب والشهادة. هذا؛ و ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: عالم؛ لأنّه ليس على بابه؛ إذ ليس لأحد علم يشبه علم الله تعالى حتّى يقارن به، وتجري بينهما المفاضلة، ومثله كثير في آيات القرآن.
هذا؛ وكتم، يكتم من باب: نصر، وربما عدّي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وقال تعالى في سورة (النّساء) رقم [٤٢]: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾. وكتم الشيء: بالغ في كتمانه؛ أي: في إخفائه، قال الرسول ﷺ :
стр. 1565
«استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». قال صاحب القاموس: والكتم محركة، والكتمان بالضمّ، نبت يخلط بالحنّاء، ويخضّب به الشّعر، ويصنع به مداد الكتابة، ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول في البيت رقم [١٤] وما بعده: [البسيط]
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٨]. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها... إلخ. ﴿قالُوا:﴾
ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿دَخَلُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْكُفْرِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، وقيل: متعلّقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: دخلوا ملتبسين بالكفر، فتكون حالا متداخلة. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿قَدْ خَرَجُوا﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿قالُوا﴾ فهي حال متعددة. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: ملتبسين به، فتكون حالا متداخلة أيضا.
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْتُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالّذي، أو بشيء كانوا يكتمونه.
﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿وَتَرى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: وترى يا محمد كثيرا من اليهود.
﴿يُسارِعُونَ:﴾ المسارعة في الشيء: المبادرة إليه بسرعة، لكن لفظة «المسارعة» إنّما تستعمل في
стр. 1566
الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في سورة (الأنبياء)، وقال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ. وضدّ المسارعة في الخير: العجلة، وتقال في الشر في الأغلب، وإنّما ذكرت لفظة المسارعة في قوله: ﴿يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ..﴾. إلخ لفائدة، وهي: أنّهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات بشغف، كأنّهم محقّون فيها. هذا؛ و ﴿الْإِثْمِ:﴾ اسم جامع لجميع المعاصي، والمنهيات، فيدخل تحته العدوان، وأكل السحت، فلهذا ذكر الله العدوان، وأكل السّحت بعده. وقيل: الإثم: ما كتموه من التّوراة، والعدوان: ما زادوا فيها، والسّحت هو الرّشا، وما يأكلونه من غير وجهه المشروع، وقد تقدّم شرح ذلك كلّه.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ فهذا ذمّ لجميع أعمالهم. وانظر شرح «نعم» و «بئس» في الآية رقم [٥٨] من سورة (النساء) فإنّه جيد والحمد لله!
الإعراب: ﴿وَتَرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر، تقديره: أنت. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيراً﴾. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (من) وهو الأقوى، ومثله في الآية رقم [٥٢]. ﴿فِي الْإِثْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما ﴿وَالْعُدْوانِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَأَكْلِهِمُ:﴾ معطوف على: ﴿الْإِثْمِ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿السُّحْتَ﴾ مفعول به للمصدر، وجملة: ﴿وَتَرى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿لَبِئْسَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر تقديره:
هو مميز ب: (ما). ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز. ﴿كانُوا:﴾
فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب صفة (ما)، وتقدير الكلام: بئس الشيء شيئا كانوا يعملونه، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: المذموم عملهم، هذا؛ ويذكر في هذه الجملة وجوه أخر من الإعراب يظهر فيها التعسّف والتكلّف، ذكرتها في الآية رقم [٩٠] من سورة (البقرة). والجملة الفعلية: ﴿لَبِئْسَ..﴾. إلخ، مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، وكذا لو اعتبرتها جواب قسم محذوف لا محلّ لها.
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض بمعنى: «هلا» مفيدة للتوبيخ، والتأنيب، والتقريع.
стр. 1567
﴿يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ:﴾ قال الحسن-رحمه الله تعالى-: الربّانيون: أهل الإنجيل.
والأحبار: أهل التوراة. وقال غيره: كلهم من اليهود؛ لأنّ الكلام متّصل بذكرهم، وانظر شرحها، وتفسيرها في الآية رقم [٤٤]. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ أي: الكذب. وانظر شرحه في الآية رقم [٢] ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ مثل الآية السابقة. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ هو أبلغ من قوله:
﴿يَعْمَلُونَ﴾ في الآية السابقة، من حيث: أنّ الصنع عمل الإنسان بعد تدرّب، وتروّ فيه، وتحرّي إجادة، ولذلك ذمّ به خواصهم بينما في الآية السابقة ذمّ به عوامهم. وعن ابن عباس-﵄-قال: هي أشدّ آية في القرآن؛ حيث أنزل تارك النّهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر في الوعيد. وهذه الآية، والآيتان قبلها في ذمّ اليهود المعاصرين للنبيّ ﷺ ، وأمّا الآية رقم [٦٠]؛ فإنّها في ذمّ السّابقين منهم.
هذا؛ وقال ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، قال: خطب عليّ بن أبي طالب-﵁، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس! إنّما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربّانيّون، والأحبار، فلمّا تمادوا في المعاصي؛ أخذتهم العقوبات.
فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا: أنّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرّب أجلا.
وروى أبو داود عن جرير بن عبد الله-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيّروا عليه، فلا يغيّروا؛ إلاّ أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا». وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [١٠٤ و ١١٠] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقد تضمنت الآية الكريمة توبيخ العلماء والعبّاد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى. وأنشد عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: [المتقارب]
وهل أفسد الدّين إلاّ الملو... ك وأحبار سوء ورهبانها
الإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَنْهاهُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الرَّبّانِيُّونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿وَالْأَحْبارُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْإِثْمَ:﴾ مفعول به للمصدر. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل ما قبله في الآية السّابقة بلا فارق.
стр. 1568
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: محبوسة، مقبوضة عن الرزق، والبذل، والعطاء، فنسبوا إلى الله البخل، والقبض، تعالى الله عن ذلك! وغلّ اليد، وبسطها مجاز عن البخل، والجود. ومنه قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله! وانظر مثل مقالتهم الخبيثة هذه في الآية رقم [١٨١] من سورة (آل عمران). وقائل هذه المقالة الخبيثة هنا، وهناك: فنحاص بن عازوراء لعنه الله! وسببها ما يلي:
قال ابن عباس-﵄: إنّ الله كان قد بسط على اليهود حتّى كانوا في المدينة أكثر الناس أموالا، وأخصبهم ناحية، فلمّا عصوا الله، وكفروا بمحمد ﷺ كفّ عنهم ما بسط عليهم من السّعة، فعند ذلك قال الخبيث هذه المقالة: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يعني: محبوسة مقبوضة عن الرزق، والبذل، والعطاء، ولما قال الخبيث هذه المقالة الخبيثة، ولم ينهه بقية اليهود، ورضوا بقوله، فإنّ الله جلّت قدرته أشركهم معه جميعا فيما حكى عنهم. تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا!.
هذا؛ ولمّا كانت اليد آلة لكل الأعمال؛ لا سيما لدفع المال، وإنفاقه، وإمساكه، فقالوا:
هذه المقالة، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود، والبخل إلى اليد مجازا، فقيل للجواد الكريم: فياض اليد، ومبسوط اليد. وقيل للبخيل: مقبوض اليد، ومغلول اليد، وجعد الأصابع، وكزّ الأنامل، قال الشاعر: [البسيط]
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها... وكلّ باب من الخيرات مفتوح
فاستبدلت بعده جعدا أنامله... كأنّما وجهه بالخلّ منضوح
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ يعني: أمسكت أيديهم عن كلّ خير، وطردوا عن رحمة الله. قال الزجّاج: ردّ الله عليهم، فقال: أنا الجواد الكريم، وهم البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسوكة. وقيل: هذا دعاء عليهم، علّمنا الله كيف ندعو عليهم، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي في نار جهنّم، فعلى هذا هو من الغلّ حقيقة؛ أي: شدّت أيديهم إلى أعناقهم، وطرحوا في النّار جزاء لهم على هذا القول. هذا؛ ويقال لهم، ولأمثالهم يوم القيامة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ﴾
стр. 1569
﴿صَلُّوهُ..﴾. إلخ. ومعنى: ﴿وَلُعِنُوا بِما قالُوا:﴾ عذّبوا بسبب ما قالوا. فمن لعنتهم: أنّهم مسخوا في الدنيا قردة، وخنازير، وضربت عليهم الذلّة، والمسكنة، والجزية، ولهم في الآخرة عذاب النّار، وانظر شرح اللّعن في الآية رقم [٥٢] من سورة (النّساء).
﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ يعني: أنّه تعالى جواد كريم. ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ يعني: أنّه تعالى يرزق كما يريد، ويختار، فيوسع على من يشاء، ويقتّر على من يشاء، لا اعتراض عليه في ملكه، ولا فيما يفعله. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎:
أنفق أنفق عليك. وقال: يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء اللّيل، والنّهار»، وقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السّماوات والأرض، فإنّه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان، يخفض، ويرفع». متّفق عليه، وهذا الحديث أحد أحاديث الصفات، فيجب الإيمان به، وإمراره كما جاء من غير تشبيه، ولا تكييف، وقال تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ..﴾. إلخ؛ يعني: كلّما نزلت عليك يا محمد آية من القرآن؛ كفروا بها، فازدادوا شدّة في كفرهم، وطغيانا مع طغيانهم. والمراد ب: «الكثير»: علماء اليهود، وحالهم، وشأنهم، كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصّالح للأصحّاء. وإذا كان الكفر يزداد؛ فالإيمان يزيد، وينقص. انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، والآية رقم [١٢٦] من سورة (التوبة) تجد فيها ما يسرّك، ويثلج صدرك.
﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ..﴾. إلخ؛ أي: ألقينا بين اليهود العداوة، والبغضاء، فكلمتهم مختلفة، وقلوبهم شتّى، لا يزالون متباغضين متعادين إلى قيام الساعة، وهم مذاهب مختلفة متناحرة، كما قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى،﴾ فإنّ بعض اليهود جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم مشبهة، وكذلك النّصارى فرق، ومذاهب، انظر الآية رقم [١٢٩] من سورة (الأنعام) فهو جيد، والحمد لله!.
﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ أي: كلما أرادوا حرب رسول الله ﷺ وأثاروا شرّا عليه، وخالفوا حكم الله؛ بعث الله عليهم من يهلكهم: أفسدوا، فبعث الله عليهم بختنصر البابلي فسباهم، وشرّدهم، ثم أفسدوا، فبعث الله عليهم طيطوس الرّومي، فانتقم منهم، ثم أفسدوا فسلّط الله عليهم الفرس، فأذلّوهم، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين فقهروهم، وضربوا عليهم الجزية، وأخرجوهم من بلاد الحجاز في عهد عمر-﵁-ولكن في هذه الأيام حيث اختلّت كلمة المسلمين، وتمزّقت وحدتهم؛ اتّحدوا، وتعاونوا، وأقاموا لهم دولة في عقر دار الإسلام بمساعدة النّصارى، كما هو الواقع في زمننا. هذا؛ و «إيقاد النار في الحرب» استعارة؛ لأنّ الحرب لا نار لها، وإنّما شبهت بالنّار؛ لأنّها تأكل أهلها، كما تأكل النّار حطبها.
стр. 1570
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ أي: إنّ من سجيّتهم، وطبعهم: أنّهم دائما يسعون في الأرض فسادا، فهم يجتهدون في دفع الإسلام، ويستعملون المكر، والكيد، والحيل لإطفاء نوره. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: إنّ الله لا يحبّ من كانت هذه صفته، وطبيعته. قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس فيها. وهم أبغض خلق الله إليه.
هذا؛ و «اليد» في كلام العرب تكون للجارحة، كما في قوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ وهذا محال على الله تعالى. وتكون للنّعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم نعمة لي قد أسديتها له. وتكون للقوة، كما في قوله تعالى في سورة (محمد): ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. وتكون للملك، والقدرة، كقوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾. وتكون بمعنى الصلة، قال الله تعالى في سورة (يس): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً﴾ أي: ممّا عملنا نحن، وقال في سورة (البقرة): ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ أي: الذي له عقدة النكاح. وتكون بمعنى التأييد، والنصرة، ومنه قول النبي ﷺ : «يد الله مع القاضي حتّى يقضي والقاسم حتّى يقسم». وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له، وتكريما، قال تعالى في سورة (ص): ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلا يجوز أن يحمل على الجارحة؛ لأنّ الباري-عزّ، وجل-واحد، لا يجوز عليه التبعيض. ولا على القوّة، والملك، والنّعمة، والصّلة؛ لأنّ الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس. انتهى. قرطبي. وانظر ما ذكرته أيضا في الآية رقم [١١] فإنّه جيد أيضا.
هذا؛ و «زاد، يزيد» ضد: «نقص، ينقص» يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين كما في الآية التي بين أيدينا، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والحبّ مدّا، فدرهما، ومدّا: تمييز، ومثله قل في:
«نقص» فمن المتعدي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً،﴾ ومن اللازم قوله تعالى في سورة (ق): ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
الإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.
﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله. ﴿يَدُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَغْلُولَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿غُلَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وهي دعائية إنشائية. ﴿وَلُعِنُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية،
стр. 1571
والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لعنوا بالذي أو: بشيء قالوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: لعنوا بسبب قولهم.
﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿يَداهُ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمّة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَبْسُوطَتانِ:﴾ خبره مرفوع مثله، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. وقال الجمل: عطف على تقدير يقتضيه المقام، أي: ليس الأمر كذلك، بل هو في غاية الجود. انتهى. نقلا من أبي السعود. وهذا كما ترى حلّ معنى لا إعراب. ﴿يُنْفِقُ:﴾ فعل مضارع وفاعله يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ تقديره: هو.
﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول مطلق للفعل بعده، أو هو في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَشاءُ﴾ المستتر، ومفعول: ﴿يَشاءُ﴾ محذوف، كما ترى في شرحه فيما مضى، ومفعول: ﴿يُنْفِقُ﴾ محذوف للتعميم، وجملة: ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ في محل نصب حال من فاعل:
﴿يُنْفِقُ﴾ العائد إلى: ﴿اللهِ﴾ تعالى، وقال الجمل نقلا عن السّمين: «كيف» في مثل هذا التركيب شرطية، وقدّر محذوفات، لا داعي لها، وتعسّف تعسّفا ظاهرا في هذه التقديرات. وجملة: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: إنّها في محل رفع خبر ثان للمبتدإ: ﴿يَداهُ،﴾ ولا وجه له.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يزيدن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ الّتي هي حرف لا محلّ له. ﴿كَثِيراً:﴾
مفعول به أوّل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب: ﴿كَثِيراً﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى:
﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر العائد إلى (ما)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿طُغْياناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَكُفْراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: (ليزيدن...) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لقسم محذوف، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له، وهو كلام مبيّن لشدّة شكيمتهم، وغلوّهم في المكابرة، والعناد، وعدم إفادة التبليغ نفعا، وتصديره بالقسم لتأكيد مضمونه، وتحقيق مدلوله.
(ألقينا): فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾ بمعنى: مستمرين إلى يوم، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.
стр. 1572
﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَوْقَدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
﴿ناراً:﴾ مفعول به. ﴿لِلْحَرْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ناراً﴾ و (ما) والفعل: ﴿أَوْقَدُوا﴾ في تأويل مصدر في محلّ جرّ بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت إيقاد نار، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿أَطْفَأَهَا:﴾ فعل ماض، ومفعوله. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها، لا محلّ لها أيضا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَساداً:﴾ يجوز أن يكون مفعولا مطلقا من معنى الفعل، وأن يكون حالا، بمعنى مفسدين. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(الله): مبتدأ. (لا) نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُفْسِدِينَ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ اليهود، والنصارى. والمقصود هنا: اليهود لوجودهم في المدينة في حياة الرّسول ﷺ . ﴿آمَنُوا﴾ أي: بمحمد ﷺ بما جاء به من عند ربه، وانظر الإيمان في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النّساء). ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ أصل الفعل اتّقى، فلما اتصل به واو الجماعة صار (اتّقاوا) فحذف الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وبقيت الفتحة على القاف لتدلّ عليها. وانظر (التقوى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي: لغفرناها لهم، ومحوناها عنهم؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله. ففيه تنبيه عظيم على عظم معاصيهم، وكثرة ذنوبهم، وأنّ الكتابيّ، وغيره من الكفّار لا يدخل الجنة؛ حتى يؤمن بالله ربّا، وبمحمد رسولا، وشفيعا.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿أَهْلَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿آمَنُوا:﴾
فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرّد، التقدير: ولو ثبت، أو حصل إيمانهم. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو إيمانهم ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجّح؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر. والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعليّة لا
стр. 1573
محلّ لها من الإعراب؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها. ﴿لَكَفَّرْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (كفرنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جرّ بالإضافة، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ لها.
﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ الواو حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (أدخلناهم):
فعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿جَنّاتِ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك يقال في مفعول «دخل» الثلاثي، ومفعول «أنزل» و «سكن». وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وعلى جميع الاعتبارات فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة... إلخ، و ﴿جَنّاتِ:﴾ مضاف. و ﴿النَّعِيمِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:
(لأدخلناهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ:﴾ الضّمير يعود إلى: ﴿أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ اليهود، والنصارى. ﴿أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:﴾ عملوا بتعاليمهما، فنشروا أحكامهما، وبيّنوا للنّاس ما فيهما من نعت محمد ﷺ ؛ لأنّ ذلك من إقامة هذين الكتابين: الإيمان به، وتصديقه في كلّ ما جاء به، والإذعان لحكمه، فإنّ الكتب الإلهية جميعها آمرة بالإيمان بمن صدّقته المعجزة، ناطقة بوجوب الطّاعة له.
﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ المراد به القرآن الكريم، أو كلّ الكتب السّماوية. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لوسّع الله عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات السماء والأرض، أو بكثرة ثمرة الأشجار، وغلّة الزّروع، أو يرزقهم الجنان الواسعة اليانعة الثمار، فيجنونها من رءوس الأشجار، ويلتقطون ما تساقط منها على الأرض. بيّن الله بذلك: أنّ ما كف عنهم إنّما هو بشؤم كفرهم، ومعاصيهم، لا لقصور الفيض الإلهي، ولو أنّهم آمنوا، وأقاموا ما أمر الله؛ لوسّع عليهم، وجعل لهم خير الدّارين، كما قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَلَوْ أَنَّ﴾
стр. 1574
﴿أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾. وبالجملة في الكلام استعارة عن سبوغ النّعم، وتوسعة الرزق عليهم، قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾.
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي: من أهل الكتاب جماعة معتدلة مستقيمة غير غالية، ولا مقصّرة، وهم الذين آمنوا بمحمّد ﷺ ، كعبد الله بن سلام، والنّجاشي، وسلمان الفارسي، ومن تبعهم من أهل الكتاب. قال تعالى في سورة (الأعراف). ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس ما يعملونه، فيه معنى التعجّب، والذّم، أي: ما أسوأ عملهم! وهو المعاندة، وتحريف الحقّ، والإفراط في العداوة.
هذا؛ و: ﴿أُمَّةٌ﴾ المراد بها هنا: جماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حق إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً﴾ سورة (النّحل). وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده» لأنّه لم يشرك في دينه غيره. والأمّة: الطريقة، والملّة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ وكل جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ ويستدلّ بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح. والأمّة: الحين، والوقت. كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين، والأمّة: الشّجّة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأيم. والأمّة: القامة، يقال: فلان حسن الأمّة، أي: القامة، قال الشاعر: [المتقارب]
وإنّ معاوية الأكرمين... حسان الوجوه طوال الأمم
تنبيه: بينات الآية الكريمة، وما قبلها: أنّ اليهود عوقبوا في الدّنيا بالفقر، وضيق العيش، فلا يرد كون كثير من المتّقين العاملين بطاعة الله في غاية الضّيق، فالتوسّع في الرزق، والتضييق ليسا من الإكرام، والإهانة، ولكنّ الله تعالى يجعل ضيق الرزق كسعته نعمة في بعض عباده، ونقمة على آخرين، فلا يلزم من توسيع الرّزق الإكرام، ولا من تضييقه الإهانة. انتهى. جمل نقلا من كرخي.
هذا؛ وبيّن الله في غير ما آية أنّه يختبر عباده بالخير، والشر، والنعم، والنقم، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الأنبياء): ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ وأحاديث الرّسول ﷺ كثيرة في ذلك، فمن اطّلع عليها؛ يتبيّن له فضل الله على عبده المؤمن فيما يبتليه من ألوان الفتن، وضروب المحن. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 1575
الإعراب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿التَّوْراةَ﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر. و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿لَأَكَلُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أكلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة للمفعول المحذوف، التقدير: لأكلوا رزقا كائنا من فوقهم، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَمِنْ تَحْتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و ﴿تَحْتِ:﴾ مضاف ﴿أَرْجُلِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿مُقْتَصِدَةٌ:﴾ صفة: ﴿أُمَّةٌ﴾ هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، وأمّة هي الخبر؛ لأنّ «من» الجارة دالة على التّبعيض، أي: بعضهم أمّة مقتصدة، وجمع الضمير يؤيّد ذلك، ويؤيده أيضا عطف (كثير) عليه هنا، ومقابلته به، ومثله الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران) ولا يصحّ المعنى إلا على هذا الاعتبار، وخذ قول الحماسي: [الكامل]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ-أعني: لفظة: «بعضهم» -وهذا ممّا يدلّ على أنّ مضمون ﴿مِنْهُمْ﴾ مبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾
مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب: (كثير)، أو بمحذوف صفة له. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسّره التمييز، وهو ﴿ما﴾ فإنّها نكرة موصوفة بمعنى:
شيئا. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، وواو الجماعة فاعله، والجملة الفعلية صفة ما، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا يعملونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو عملهم. هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل (ساء) متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار: ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة، ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: وكثير منهم ساءهم الذي أو شيء يعملونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَثِيرٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
стр. 1576
﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ:﴾ انظر الآية رقم [٤١]. المناسبة: لمّا حذّر الله تعالى من موالاة الكافرين في الآيات السابقة، وكانت رسالته ﷺ تتضمّن الطّعن في أحوال الكفارة، والمخالفين، وعقائدهم، وهذا يستدعي مناصبتهم العداء له، ولأصحابه، وأتباعه؛ أمره الله في هذه الآيات بتبليغ الدّعوة، ووعده بالحفظ، والنّصرة، ثمّ ذكر طرفا من عقائد أهل الكتاب الفاسدة، وبخاصة النّصارى الذين يعتقدون بألوهيّة عيسى، وأنّه ثالث ثلاثة، وردّ عليهم بالدّليل القاطع، والبرهان السّاطع.
﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ:﴾ روي عن الحسن البصري-﵁: أنّ الله تعالى لمّا بعث رسول الله ﷺ بدين الحقّ؛ ضاق ذرعا، وعرف: أنّ من الناس من يكذّبه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك: أنّ الرسول ﷺ دعاهم إلى الإسلام، فقالوا:
أسلمنا قبلك، وجعلوا يستهزءون به، ويقولون: تريد أن نتخذك حنانا، كما اتّخذت النصارى عيسى حنانا! فلمّا رأى-أي رسول الله ﷺ -ذلك منهم؛ سكت، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ..﴾. إلخ. وقيل: نزلت في أمر الجهاد، وذلك: أنّ المنافقين كرهوه، فكان النبي ﷺ يمسك في بعض الأحايين عن الحثّ على الجهاد؛ لما علم من كراهية بعضهم له، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: بلّغ جميع ما أمرت بتبليغه غير مراقب أحدا، ولا خائف مكروها. فدلّت الآية الكريمة على ردّ قول من قال: إنّ النبيّ ﷺ كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، وعلى بطلانه، وهم الشيعة. ودلّت أيضا على أنّه ﷺ لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدّين؛ لأنّ المعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا، ولولا هذا ما كان في قوله : ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فائدة، وانظر شرح: ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٩١] من سورة (النّساء).
قال البخاريّ-رحمه الله تعالى-عند تفسير هذه الآية: عن عائشة-﵂-قالت:
من حدّثكم: أنّ محمدا ﷺ كتم شيئا ممّا أنزل الله عليه؛ فقد كذب، والله يقول: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وفي الصّحيحين عنها أيضا: أنّها قالت: لو كان محمد كاتما شيئا من القرآن؛ لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ إلخ رقم [٣٧] من سورة (الأحزاب).
انظر شرحها هناك. فإنّه جيد، والحمد لله. هذا؛ وفي الآية تأديب للنبيّ ﷺ ، وتأديب لحملة العلم من أمّته، وقد قال الرسول ﷺ : «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي عن أبي هريرة-﵁.
وقال ابن أبي حاتم: عن هارون بن عنترة عن أبيه؛ قال: كنت عند ابن عبّاس-﵄-فجاء رجل، فقال له: إنّ ناسا يأتوننا، فيخبروننا: أنّ عندكم شيئا لم يبده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 1577
للناس، فقال ابن عباس-﵄: ألم تعلم أنّ الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ..﴾. إلخ. والله ما ورّثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء!.
وفي صحيح البخاري عن وهب بن عبد الله السوائي؛ قال: قلت لعليّ بن أبي طالب-﵁: هل عندكم شيء من الوحي ممّا ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ومعنى العقل: الدية.
﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ:﴾ يحفظك، ويرعاك من الكافرين، ويمنعك منهم، فلا يقدر أحد يريدك بالقتل، وإن حصل له بعض الأذى من المشركين كشجّ رأسه، وكسر رباعيّته ﷺ يوم أحد، وتعرّضهم له بالأذى. وقد يجاب عن ذلك بأنّ ما حصل كان قبل نزول الآية الكريمة، وخذ ما يلي:
وذلك: أنّ رسول الله ﷺ غزا بني محارب، وبني أنمار، فنزلوا منزلا، ولا يرون من العدوّ أحدا، فوضع المسلمون السّلاح، فخرج رسول الله ﷺ لحاجة حتّى قطع الوادي، فحال السّيل بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله؛ إن لم أقتله، ثمّ انحدر من الجبل، ومعه السّيف، ولم يشعر به النّبيّ ﷺ ، إلا وهو قائم على رأسه، وقد سلّ السيف من غمده، وقال: يا محمد! من يمنعك مني الآن؟ فقال رسول الله ﷺ : «الله !» ثمّ قال: «اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت!» فأهوى غورث بالسّيف؛ ليضرب به رسول الله ﷺ ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها. فبدر السّيف من يده.
فقال رسول الله ﷺ فأخذ السّيف، وقال: «من يمنعك منّي الآن يا غورث؟!» فقال: لا أحد! كن خير آخذ يا محمّد! فقال رسول الله ﷺ : «أتشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله؟» قال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك، ولا أعين عليك عدوّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال: لأنت خير منّي، فقال رسول الله ﷺ : «أجل أنا أحقّ بذلك منك». فرجع إلى قومه، وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس، وذكر لهم حاله مع رسول الله ﷺ ، وسكن الوادي، فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: معناه: لا يرشد من كذّبك، وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطّبري: معناه: إنّ الله لا يوفق للرّشد من حاد عن سبيل الحقّ، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئت به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله، وطاعته فيما فرض عليه، وأوجبه.
وعن أنس بن مالك-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ يحرسه بعض أصحابه ليلا حتى نزلت الآية الكريمة، فأخرج رأسه من قبّة أدم، فقال: «انصرفوا أيّها النّاس! فقد عصمني الله من النّاس». رواه الحاكم، وأخرجه الترمذيّ عن عائشة-﵂.
стр. 1578
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» أو «أنادي» (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و (ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جرّ بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الرَّسُولُ:﴾ بدل من لفظ: (أيها). ﴿بَلِّغْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها.
﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر. و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
(إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ومفعوله محذوف للعلم به من سياق الكلام، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.
﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿بَلَّغْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿رِسالَتَهُ:﴾
مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ويقرأ: «(رسالاته)» فيكون علامة النصب الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. ﴿وَإِنْ﴾ ومدخولها معطوف على جملة: ﴿بَلِّغْ..﴾. إلخ، أو هو مستأنف ولا محلّ له على الاعتبارين.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ، ﴿يَعْصِمُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله يعصمك) في محل نصب حال من تاء الفاعل المتحركة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٥١].
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ:﴾ المعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود، والنّصارى: لستم على شيء من الدين الحقّ المرتضى عند الله، ولستم على شيء ممّا تدّعون
стр. 1579
أنّكم عليه ممّا جاءكم به موسى-﵇، يا معشر اليهود! ولا ممّا جاءكم به عيسى-﵇-يا معشر النّصارى! فإنّكم أحدثتم، وغيّرتم ما أنزل الله في كتابكم. وفي هذا التعبير من التّحقير، والتّصغير ما لا غاية وراءه.
وقال ابن عباس-﵄: جاء رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، منهم رافع بن حارثة، وسلاّم بن مشكم، ومالك بن الصّيف، ورافع بن حرملة، وقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّك على ملّة إبراهيم، ودينه، وتؤمن بما عندنا من التّوراة، وتشهد: أنّها حق؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى، ولكنّكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها ممّا أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيّنوه للناس، فأنا بريء من إحداثكم». قالوا: فإنّا نأخذ بما في أيدينا، فإنّنا على الحقّ والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتّبعك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ المراد به: القرآن، أو: كل الكتب السماوية، فيجب على اليهود، وعلى كلّ النّاس أن يعملوا بما فيها؛ إذا لم يطرأ عليها تغيير، أو تبديل.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٤]. هذا؛ والطّغيان: مجاوزة الحدّ. يقال:
طغا، يطغى، ويطغو، طغيانا، وطغوانا: جاوز الحدّ، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حقّ فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ أي: أسرف في الدّعوى؛ حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى،﴾ والمعنى في الآية: أنّ الله يزيد أهل الكتاب بسبب ما ينزل من آيات القرآن تمرّدا، وفسادا في الأرض. هذا؛ وطغى البحر: هاجت أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿فَلا تَأْسَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦] والمعنى هنا: فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم، وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإنّ ضرر ذلك لاحق بهم، ولا يتخطّاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم. ولم يقل: عليهم، وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الكفر، ورسوخه في قلوبهم.
هذا؛ و ﴿لَسْتُمْ﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء، والسين؛ إذ أصل الفعل: ليس-بكسر الياء-ثمّ سكّنت للتّخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتّصل بضمير رفع متحرك؛ سكّنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: (لستم).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء. (أهل): منادى منصوب، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَسْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر (ليس). ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تُقِيمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة
стр. 1580
نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿التَّوْراةَ:﴾
مفعول به. ﴿وَالْإِنْجِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله، و «أن» المضمرة، والفعل: ﴿تُقِيمُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالنفي الّذي تضمّنه (ليس) والكلام كلّه في محلّ نصب مقول القول: ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٦]: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٤] ففيها الكفاية.
﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط محذوف. (لا): ناهية جازمة.
﴿تَأْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، والتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا منهم؛ فلا تأس عليهم.
وهذا الكلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة:
﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾
الشرح والإعراب: تفسير هذه الآية، وإعرابها مثل الآية رقم [٦٢] من سورة (البقرة) بلا فارق، انظره هناك تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، مع ملاحظة مجيء (الصابئين) هناك بالياء والنون، ومجيئه هنا بالواو والنون وهذا لا بدّ من إعرابه على هذا الوجه، وذكر ما قيل فيه من أوجه الإعراب، فأقول وبالله التوفيق:
(الصابئون) مبتدأ خبره محذوف، والنية فيه التأخير عما في حيز ﴿إِنَّ،﴾ والتقدير: إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، كقول ضابئ بن الحارث البرجمي-وهو الشاهد رقم [٢٧٩] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي-وقيّار-بها لغريب
وهو كاعتراض دلّ به على أنّه لما كان الصّابئون مع ظهور ضلالهم، وميلهم عن الأديان كلّها يتاب عليهم؛ إن صحّ منهم الإيمان، والعمل الصّالح؛ كان غيرهم أولى بذلك. ويجوز أن يكون (والنّصارى) معطوفا عليه، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ خبرهما، وخبر (إنّ) مقدّر، دلّ عليه ما بعده كقول قيس بن الحطيم الأوسي-وهو الشاهد رقم [١٠٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح]
نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف
следующие страницы →