← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ:﴾ انظر الآية رقم [٤١]. المناسبة: لمّا حذّر الله تعالى من موالاة الكافرين في الآيات السابقة، وكانت رسالته ﷺ تتضمّن الطّعن في أحوال الكفارة، والمخالفين، وعقائدهم، وهذا يستدعي مناصبتهم العداء له، ولأصحابه، وأتباعه؛ أمره الله في هذه الآيات بتبليغ الدّعوة، ووعده بالحفظ، والنّصرة، ثمّ ذكر طرفا من عقائد أهل الكتاب الفاسدة، وبخاصة النّصارى الذين يعتقدون بألوهيّة عيسى، وأنّه ثالث ثلاثة، وردّ عليهم بالدّليل القاطع، والبرهان السّاطع. ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ:﴾ روي عن الحسن البصري-﵁: أنّ الله تعالى لمّا بعث رسول الله ﷺ بدين الحقّ؛ ضاق ذرعا، وعرف: أنّ من الناس من يكذّبه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك: أنّ الرسول ﷺ دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا قبلك، وجعلوا يستهزءون به، ويقولون: تريد أن نتخذك حنانا، كما اتّخذت النصارى عيسى حنانا! فلمّا رأى-أي رسول الله ﷺ -ذلك منهم؛ سكت، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ..﴾. إلخ. وقيل: نزلت في أمر الجهاد، وذلك: أنّ المنافقين كرهوه، فكان النبي ﷺ يمسك في بعض الأحايين عن الحثّ على الجهاد؛ لما علم من كراهية بعضهم له، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: بلّغ جميع ما أمرت بتبليغه غير مراقب أحدا، ولا خائف مكروها. فدلّت الآية الكريمة على ردّ قول من قال: إنّ النبيّ ﷺ كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، وعلى بطلانه، وهم الشيعة. ودلّت أيضا على أنّه ﷺ لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدّين؛ لأنّ المعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا، ولولا هذا ما كان في قوله : ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فائدة، وانظر شرح: ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٩١] من سورة (النّساء). قال البخاريّ-رحمه الله تعالى-عند تفسير هذه الآية: عن عائشة-﵂-قالت: من حدّثكم: أنّ محمدا ﷺ كتم شيئا ممّا أنزل الله عليه؛ فقد كذب، والله يقول: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وفي الصّحيحين عنها أيضا: أنّها قالت: لو كان محمد كاتما شيئا من القرآن؛ لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ إلخ رقم [٣٧] من سورة (الأحزاب). انظر شرحها هناك. فإنّه جيد، والحمد لله. هذا؛ وفي الآية تأديب للنبيّ ﷺ ، وتأديب لحملة العلم من أمّته، وقد قال الرسول ﷺ : «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي عن أبي هريرة-﵁. وقال ابن أبي حاتم: عن هارون بن عنترة عن أبيه؛ قال: كنت عند ابن عبّاس-﵄-فجاء رجل، فقال له: إنّ ناسا يأتوننا، فيخبروننا: أنّ عندكم شيئا لم يبده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1577

للناس، فقال ابن عباس-﵄: ألم تعلم أنّ الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ..﴾. إلخ. والله ما ورّثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء!. وفي صحيح البخاري عن وهب بن عبد الله السوائي؛ قال: قلت لعليّ بن أبي طالب-﵁: هل عندكم شيء من الوحي ممّا ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ومعنى العقل: الدية. ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ:﴾ يحفظك، ويرعاك من الكافرين، ويمنعك منهم، فلا يقدر أحد يريدك بالقتل، وإن حصل له بعض الأذى من المشركين كشجّ رأسه، وكسر رباعيّته ﷺ يوم أحد، وتعرّضهم له بالأذى. وقد يجاب عن ذلك بأنّ ما حصل كان قبل نزول الآية الكريمة، وخذ ما يلي: وذلك: أنّ رسول الله ﷺ غزا بني محارب، وبني أنمار، فنزلوا منزلا، ولا يرون من العدوّ أحدا، فوضع المسلمون السّلاح، فخرج رسول الله ﷺ لحاجة حتّى قطع الوادي، فحال السّيل بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله؛ إن لم أقتله، ثمّ انحدر من الجبل، ومعه السّيف، ولم يشعر به النّبيّ ﷺ ، إلا وهو قائم على رأسه، وقد سلّ السيف من غمده، وقال: يا محمد! من يمنعك مني الآن؟ فقال رسول الله ﷺ : «الله !» ثمّ قال: «اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت!» فأهوى غورث بالسّيف؛ ليضرب به رسول الله ﷺ ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها. فبدر السّيف من يده. فقال رسول الله ﷺ فأخذ السّيف، وقال: «من يمنعك منّي الآن يا غورث؟!» فقال: لا أحد! كن خير آخذ يا محمّد! فقال رسول الله ﷺ : «أتشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله؟» قال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك، ولا أعين عليك عدوّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال: لأنت خير منّي، فقال رسول الله ﷺ : «أجل أنا أحقّ بذلك منك». فرجع إلى قومه، وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس، وذكر لهم حاله مع رسول الله ﷺ ، وسكن الوادي، فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: معناه: لا يرشد من كذّبك، وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطّبري: معناه: إنّ الله لا يوفق للرّشد من حاد عن سبيل الحقّ، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئت به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله، وطاعته فيما فرض عليه، وأوجبه. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ يحرسه بعض أصحابه ليلا حتى نزلت الآية الكريمة، فأخرج رأسه من قبّة أدم، فقال: «انصرفوا أيّها النّاس! فقد عصمني الله من النّاس». رواه الحاكم، وأخرجه الترمذيّ عن عائشة-﵂.

стр. 1578

الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» أو «أنادي» (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و (ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جرّ بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الرَّسُولُ:﴾ بدل من لفظ: (أيها). ﴿بَلِّغْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر. و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ومفعوله محذوف للعلم به من سياق الكلام، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿بَلَّغْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿رِسالَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ويقرأ: «(رسالاته)» فيكون علامة النصب الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. ﴿وَإِنْ﴾ ومدخولها معطوف على جملة: ﴿بَلِّغْ..﴾. إلخ، أو هو مستأنف ولا محلّ له على الاعتبارين. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ، ﴿يَعْصِمُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله يعصمك) في محل نصب حال من تاء الفاعل المتحركة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٥١]. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ:﴾ المعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود، والنّصارى: لستم على شيء من الدين الحقّ المرتضى عند الله، ولستم على شيء ممّا تدّعون

стр. 1579

أنّكم عليه ممّا جاءكم به موسى-﵇، يا معشر اليهود! ولا ممّا جاءكم به عيسى-﵇-يا معشر النّصارى! فإنّكم أحدثتم، وغيّرتم ما أنزل الله في كتابكم. وفي هذا التعبير من التّحقير، والتّصغير ما لا غاية وراءه. وقال ابن عباس-﵄: جاء رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، منهم رافع بن حارثة، وسلاّم بن مشكم، ومالك بن الصّيف، ورافع بن حرملة، وقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّك على ملّة إبراهيم، ودينه، وتؤمن بما عندنا من التّوراة، وتشهد: أنّها حق؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى، ولكنّكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها ممّا أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيّنوه للناس، فأنا بريء من إحداثكم». قالوا: فإنّا نأخذ بما في أيدينا، فإنّنا على الحقّ والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتّبعك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ المراد به: القرآن، أو: كل الكتب السماوية، فيجب على اليهود، وعلى كلّ النّاس أن يعملوا بما فيها؛ إذا لم يطرأ عليها تغيير، أو تبديل. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٤]. هذا؛ والطّغيان: مجاوزة الحدّ. يقال: طغا، يطغى، ويطغو، طغيانا، وطغوانا: جاوز الحدّ، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حقّ فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ أي: أسرف في الدّعوى؛ حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى،﴾ والمعنى في الآية: أنّ الله يزيد أهل الكتاب بسبب ما ينزل من آيات القرآن تمرّدا، وفسادا في الأرض. هذا؛ وطغى البحر: هاجت أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿فَلا تَأْسَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦] والمعنى هنا: فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم، وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإنّ ضرر ذلك لاحق بهم، ولا يتخطّاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم. ولم يقل: عليهم، وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الكفر، ورسوخه في قلوبهم. هذا؛ و ﴿لَسْتُمْ﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء، والسين؛ إذ أصل الفعل: ليس-بكسر الياء-ثمّ سكّنت للتّخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتّصل بضمير رفع متحرك؛ سكّنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: (لستم). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء. (أهل): منادى منصوب، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَسْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر (ليس). ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تُقِيمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة

стр. 1580

نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿التَّوْراةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْإِنْجِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله، و «أن» المضمرة، والفعل: ﴿تُقِيمُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالنفي الّذي تضمّنه (ليس) والكلام كلّه في محلّ نصب مقول القول: ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٦]: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٤] ففيها الكفاية. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط محذوف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، والتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا منهم؛ فلا تأس عليهم. وهذا الكلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ الشرح والإعراب: تفسير هذه الآية، وإعرابها مثل الآية رقم [٦٢] من سورة (البقرة) بلا فارق، انظره هناك تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، مع ملاحظة مجيء (الصابئين) هناك بالياء والنون، ومجيئه هنا بالواو والنون وهذا لا بدّ من إعرابه على هذا الوجه، وذكر ما قيل فيه من أوجه الإعراب، فأقول وبالله التوفيق: (الصابئون) مبتدأ خبره محذوف، والنية فيه التأخير عما في حيز ﴿إِنَّ،﴾ والتقدير: إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، كقول ضابئ بن الحارث البرجمي-وهو الشاهد رقم [٢٧٩] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي-وقيّار-بها لغريب وهو كاعتراض دلّ به على أنّه لما كان الصّابئون مع ظهور ضلالهم، وميلهم عن الأديان كلّها يتاب عليهم؛ إن صحّ منهم الإيمان، والعمل الصّالح؛ كان غيرهم أولى بذلك. ويجوز أن يكون (والنّصارى) معطوفا عليه، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ خبرهما، وخبر (إنّ) مقدّر، دلّ عليه ما بعده كقول قيس بن الحطيم الأوسي-وهو الشاهد رقم [١٠٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح] نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف

стр. 1581

ولا يجوز عطفه على محلّ ﴿إِنَّ﴾ واسمها، فإنّه مشروط بالفراغ من الخبر؛ إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ، وخبر: ﴿إِنَّ﴾ معا، فيجتمع عليه عاملان. ولا على الضّمير في: ﴿هادُوا﴾ وهو قول الكسائي، والأخفش. قال النّحاس: سمعت الزجّاج يقول، وقد ذكر له قول الأخفش، والكسائي، هذا خطأ من جهتين: إحداهما: أنّ المضمر المرفوع يقبح العطف عليه؛ حتّى يؤكّد. والجهة الأخرى: أنّ المعطوف شريك المعطوف عليه في الحكم. فيصير المعنى: إنّ الصابئين قد دخلوا في اليهودية. وهذا محال. وقيل: (إنّ) بمعنى «نعم»، وما بعدها في محل رفع بالابتداء، و (الصابئون) معطوف عليه، أو هو مبتدأ، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا بعد تمام الكلام، وانقضاء الاسم، والخبر. وخذ قول قيس الرقيات-وهو الشاهد رقم [٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٥٢٣] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [مجزوء الكامل] بكر العواذل في الصّبو... ح يلمنني وألومهنّه ويقلن شيب قد علا... ك وقد كبرت فقلت إنّه وقيل: (الصابئون) معطوف على اسم: ﴿إِنَّ﴾ وهو منصوب، وجاء بالواو على لغة بلحارث الّذين يجعلون المثنّى بالألف على كلّ حال، وجمع المذكر السالم بالواو على كلّ حال. وقيل: منصوب بالفتحة الظاهرة، وقد أجاز أبو علي الفارسي نصب جمع المذكر السالم بالفتحة، وهو بالياء والنون، وأجاز غيره وهو بالواو والنون، والقياس لا يدفعه. انتهى بيضاوي، وعكبري بتصرّف. وذكر مكيّ بن أبي طالب القيسي ما يشبهه. هذا؛ وقال سليمان الجمل رحمه الله تعالى تبعا للجلال: خبر ﴿إِنَّ﴾ هذه محذوف، تقديره: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون دلّ عليه المذكور، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ مبتدأ فالواو لعطف الجمل، أو للاستئناف، وقوله: ﴿وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى﴾ عطف على هذا المبتدأ، وقوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ..﴾. إلخ: بدل من كلّ منها بدل بعض، فهو مخصّص، فكأنّه قال: الذين آمنوا من اليهود، ومن النصارى، ومن الصّابئين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، فالإخبار عن اليهود، ومن بعدهم بما ذكر بشرط الإيمان، لا مطلقا. هذا حاصل ما درج عليه الشّارح في الإعراب، وفي المقام وجوه تسعة أخرى ذكرها السّمين، وما مشى عليه الجلال أوضح وأظهر من كلّ منها. تأمّل. انتهى بحروفه. هذا وأقول: إنّ ابن هشام-طيّب الله ثراه-ذكر: أنّ الفرّاء، والكسائيّ اعتبرا: (الصابئون) معطوفا على محل (الذين) ولذا قال: وأجيب، أي: من طرف البصريين بأمرين: أحدهما: أنّ خبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، أي: مأجورون، أو آمنون، أو فرحون. و (الصّابئون): مبتدأ، وما بعده الخبر، ويشهد له قول الشاعر-وهو الشاهد [٨٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما... -وإن لم تبوحا-بالهوى دنفان

стр. 1582

والأمر الثاني: أنّ الخبر المذكور ل: ﴿إِنَّ﴾ وخبر (الصّابئون) محذوف، تقديره: كذلك، ويشهد له قول صابئ المذكور آنفا، انظر شرح الأبيات المذكورة في كتابينا المذكورين؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات فيما مضى. والمعنى: أخذنا بالعهود عليهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التّوحيد، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عمّا نهيناهم عنه، ولكنهم نقضوا العهود، والمواثيق التي أخذها الله عليهم في التوراة، واجترحوا من الجرائم العظام ما سجّله التاريخ عليهم؛ أي: في جميع العصور والأزمان، فلا يستغرب منهم ما يصدر من الأذى والعصيان للرسول ﷺ وللمسلمين. ﴿وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً﴾ أي: أرسلنا إليهم الرّسل ليرشدوهم، وليبينوا لهم أمر الدين. ﴿كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ:﴾ أي يخالف أهواءهم، ويضاد شهواتهم من ميثاق التكليف، والعمل بالشّرائع. ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا:﴾ من الرّسل الذين جاءتهم. ﴿وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ أي: فريقا آخر قتلوه، فكان ممّن كذبوا: عيسى، ومحمد ﷺ . وكان فيمن قتلوا: زكريا، ويحيى، وغيرهما من الأنبياء، وقد تقدّم ذكرهم في سورة (البقرة، وآل عمران) هذا؛ والتعبير بالمضارع: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ موضع «قتلوا» على حكاية الحال الماضية، استفظاعا للقتل، وتنبيها على أنّ إيذاء الأنبياء، ومعاداتهم من شأنهم ماضيا ومستقبلا. هذا؛ و (فريق) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط... إلخ: وهو بمعنى: الطائفة من الناس. والفريق أكثر من الفرقة، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وقال في سورة (الشّورى): ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٦٦] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزّتي، وجلالي. (قد): حرف تحقيق، يقرّب الماضي من الحال. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور،

стр. 1583

وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، أو للتركيب المزجي. (أرسلنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُسُلاً:﴾ مفعول به. ﴿كُلَّما:﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [٦٤]. ﴿جاءَهُمْ رَسُولٌ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، و (ما) والفعل: (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: (كل) إليه. التقدير: كلّ وقت مجيء رسول، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَهْوى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: كلما جاءهم رسول بالّذي، أو: بشيء لا تهواه أنفسهم. ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به مقدّم. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، وقيل: هذه الجملة مستأنفة، وجواب ﴿كُلَّما﴾ محذوف، التقدير: كلما جاءهم... إلخ ناصبوه العداء، فتكون الجملة: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا﴾ دالة عليها، ومفسّرة لها، ويشهد لها قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧٨]: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ،﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب صفة: ﴿رُسُلاً﴾ والرابط محذوف؛ إذ التقدير: كلّما جاءهم رسول منهم... إلخ. ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿وَحَسِبُوا..﴾. إلخ؛ أي: ظنّ اليهود: أن لا يصيبهم بلاء، وعذاب بفعلهم السيّئ من قتلهم الأنبياء، وتكذيبهم لهم فيما جاءوا به من عند ربهم. فعموا عن طريق الحق والصواب، فلم يبصروه. وهذا كناية عن عمى البصيرة لا البصر، قال تعالى في سورة الحج: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ﴿وَصَمُّوا:﴾ عن استماع الموعظة، والنصيحة، كما فعلوا حين عبدوا العجل، ووعظهم هارون ﵇، فلم يقبلوا منه. و «الصمم»: هو كناية عن منع نفوذ الحقّ إلى قلوبهم، وسبب ذلك شدّة جهلهم، وقوّة كفرهم، وإعراضهم عن قبول الحقّ، وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في سورة (البقرة) مثل ذلك. ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حين تابوا، واعتذروا؛ قبل الله توبتهم. ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ يعني: في زمان عيسى، ويحيى، وزكريا، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام؛ لأنّهم كذبوا عيسى، وقتلوا زكريا، ويحيى. وقيل: إنّ العمى

стр. 1584

الأوّل كان بعد موسى، ثمّ تاب عليهم ببعثة عيسى، ﵇، ثمّ عموا، وصموا ببعثة محمّد ﷺ . ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود؛ لأنّ بعضهم آمن بمحمد ﷺ كعبد الله بن سلام، وأصحابه. انظر قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ فشرحها جيد هناك. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ:﴾ فيجازيهم بما يستحقّون، ففيه وعيد، وتهديد. هذا؛ و (حسب) من باب «تعب» في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنّهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا. الإعراب: ﴿وَحَسِبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (حسبوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع تام منصوب ب: (أن). ﴿فِتْنَةٌ:﴾ فاعله، هذا؛ وقرئ الفعل بالرّفع على اعتبار أنّ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنّه. والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، و (أن) على الاعتبارين تؤوّل مع مدخولها بمصدر، وهذا المصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي الفعل: (حسبوا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، ويتغيّر معنى (حسبوا) على الاعتبارين، فعلى اعتبار: (أن) ناصبة يكون معناه: الظنّ، والشكّ. وعلى اعتبارها مخففة من الثقيلة يكون معناه: اليقين. وجملتا: (عموا، وصمّوا) معطوفتان على ما قبلهما أيضا، وانظر متعلّق الفعلين في الشّرح. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تابَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ثمّ تابوا، فتاب الله عليهم، والكلام كلّه معطوف على ما قبله، لا محلّ له أيضا. ﴿عَمُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿كَثِيرٌ:﴾ فيه أربعة أوجه: الأول: كونه بدلا من واو الجماعة على اعتبارها فاعلا. والثاني: فاعلا، والواو علامة الجمع، كقولهم: «أكلوني البراغيث». والثالث: كونه خبرا لمبتدإ محذوف؛ أي: العمى، والصمم كثير منهم. والرابع: كونه مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره. وضعّفه البيضاوي؛ لأنّ تقديم الخبر في مثل ذلك ممتنع. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهذا الاستعمال ورد في قول النبي ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل، وملائكة بالنّهار». وورد في الشعر العربي بكثرة، كقول عبيد الله بن قيس الرّقيات-وهو الشاهد رقم [٦٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٩٧] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] تولّى قتال المارقين بنفسه... وقد أسلماه مبعد وحميم

стр. 1585

وأيضا قول الآخر-وهو الشاهد رقم [٦٨٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب] يلومونني في اشتراء النّخي... ل أهلي فكلّهم ألوم وأيضا: قول أبي فراس الحمداني، -وهو الشاهد رقم [١٩٦] -من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [مجزوء الكامل] فتح الرّبيع محاسنا... ألقحنها غرّ السّحائب انظر شرح هذه الشّواهد في كتابينا تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ﴾. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها على الاعتبارين الأوّلين فيها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بصير بالذي، أو: بشيء يعملونه. وتؤوّل على اعتبارها مصدرية مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: الله بصير بعملهم. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، هذا؛ وقرئ: «(عموا، وصمّوا)» بضم العين، والصاد من باب: زكم، وأزكمه الله، وقد جاء بغير همز فيما لم يسم فاعله، وهو قليل، واللغة الفاشية: أعمى، وأصمّ. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢)﴾ الشرح: مناسبة الآية وما بعدها لما تقدّم: لمّا حكى الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق، وقتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرّسل، وغير ذلك؛ شرع في الإخبار عن كفر النّصارى، وما هم عليه من فساد الاعتقاد. وما ذكر في هذه الآية من اعتبارهم عيسى إلها هو قول الملكانية، واليعقوبية منهم؛ لأنّهم يقولون: إنّ مريم ولدت إلها، وإنّ الإله جلّ علاه حلّ في ذات عيسى، واتّحد به. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا! ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ..﴾. إلخ؛ أي: كفر النّصارى، وخرجوا عن جادة الحقّ، والصّواب بقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ..﴾. إلخ؛ أي: أنا عبد مثلكم، فاعبدوا خالقي، وخالقكم، الّذي يذلّ له كلّ شيء، ويخضع له كل موجود، كيف لا يكون عبدا لله، وأوّل كلمة نطق بها؛ وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ ولم يقل: إنّي أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. وكذلك قال لهم في كهولته، ونبوّته، آمرا لهم بعبادة الله ربه، وربهم وحده، لا شريك له: قال تعالى هنا: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.

стр. 1586

﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ يعني: من يجعل لله شريكا من خلقه في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي: دخولها، وأوجب له النّار إذا مات على شركه. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٨ و ١١٦]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. وفي الصّحيح: أنّ النبي ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: «إنّ الجنّة لا يدخلها إلاّ نفس مسلمة». وفي لفظ: «مؤمنة». ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك، وارتكاب المعاصي. ﴿مِنْ أَنْصارٍ:﴾ أي: ما لهم من أنصار، وأعوان ينصرونهم، ويمنعونهم من العذاب يوم القيامة. هذا؛ والمراد ب: (الظالمين) في هذه الآية: الكفار، كما عبّر عنهم في آيات كثيرة ب: (المجرمين) و (الفاسقين) و (الكاذبين) وغير ذلك، وإنّنا نجد الكثير من المسلمين يتّصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، والوعيد، كما يوجه إلى الكفار؟ الحقّ أقول: نعم يوجه إليهم ذلك، ولا سيّما من قرأ القرآن الكريم، واطّلع على أخبار الأمم السابقة، والقرون السّالفة كيف فعل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين. وإنّما سمّي الكافر ظالما لأنّه وضع العبادة في غير موضعها، وكلّ من يدّعي الإسلام، ولا يعمل بتعاليمه؛ فهو ظالم لنفسه، ويستحقّ ما يستحقّ الكافر من العذاب في الدنيا، والآخرة. الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٧٠] ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ خبره. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة: ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو بدل منه، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْمَسِيحُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ..﴾. إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين باللام. ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ:﴾ فعل ماض، وفاعله. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السّالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني): مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبِّي:﴾ بدل من لفظ الجلالة منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جرّ بالإضافة من

стр. 1587

إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبَّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل... إلخ، والكلام: ﴿يا بَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير المحذوف؛ إذ التقدير: وقد قال المسيح لهم. وإن اعتبرتها معطوفة على جملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ فلا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرِكْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحاضر. ﴿حَرَّمَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته مرارا، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يُشْرِكْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر؛ إن كانت من كلام عيسى، ومستأنفة لا محلّ لها؛ إن كانت من كلام الله تعالى ابتداء. ﴿وَمَأْواهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (مأواه): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ،﴾ فهي في محل جزم مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَنْصارٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحلّ بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار: ﴿أَنْصارٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور قبله؛ لاعتماده على النفي، ولم يذكر تعليق الجار والمجرور، ولعلّه يعني تعليقهما ب: (ما) النافية، وهذا غير متعارف عليه، أو هما متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وما يثبت للظالمين أنصار. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) نافية حجازية تعمل عمل «ليس» فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها مقدما. و ﴿أَنْصارٍ:﴾ اسمها مؤخر، وعلى الوجهين؛ فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام اعتراضا تذييليّا، لا محلّ لها على الاعتبارين. هذا؛ وقد وضع الظّاهر موضع المضمر تسجيلا على أنّهم ظلموا أنفسهم بالشّرك، وعدلوا عن طريق الحقّ، والصواب. ونبّه الله به على أنّهم قالوا ذلك تعظيما لعيسى، وتقرّبا إليه، وهو معاديهم، ومخاصمهم فيه. هذا وقد روعي لفظ: ﴿مَنْ﴾ بالضّمير، في فاعل: ﴿يُشْرِكْ﴾ ومعناها في الاسم الظّاهر. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.

стр. 1588

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ:﴾ هذا قول المرقوسيّة، والنّسطورية من النّصارى، ولتفسير قولهم طريقان: أحدهما: وهو قول أكثر المفسّرين: أنّهم أرادوا بهذه المقالة: أنّ الله، ومريم، وعيسى آلهة ثلاثة، وأنّ الإلهية مشتركة بينهم، وأنّ كلّ واحد منهم إله، ويبين ذلك قوله تعالى للمسيح في آخر هذه السّورة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ،﴾ فقوله: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ فيه إضمار، تقديره: إنّ الله أحد ثلاثة آلهة، أو: واحد من ثلاثة آلهة. قال الواحدي-رحمه الله تعالى-: ولا يكفر من يقول: إنّ الله ثالث ثلاثة، ولم يرد به: أنّه ثالث ثلاث آلهة؛ لأنّه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ،﴾ وقد قال النبي ﷺ لأبي بكر-﵁: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟!». والطريق الثاني: أنّ المتكلّمين حكوا عن النّصارى: أنّهم يقولون: إنّه جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أنّ الشّمس اسم يتناول القرص، والشّعاع، والحرارة، وعنوا بالأب: الذّات، وبابن: الكلمة، وبالرّوح: الحياة، وأثبتوا الذّات، والكلمة، والحياة، وقالوا: إنّ الكلمة الّتي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللّبن، وزعموا أنّ الأب إله، والابن إله، والرّوح إله، والكلّ واحد. واعلم: أنّ هذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل، فإنّ الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا ترى في الدنيا مقالة أشدّ فسادا، ولا أظهر بطلانا من مقالة النّصارى. انتهى. خازن. أقول: أفسد من عقيدة النصارى عقائد الوثنيّين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧١] من سورة (النّساء). ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: لا يوجد في الكون إله يستحقّ العبادة من حيث هو الفاعل المختار إلا إله واحد منفرد بالوحدانيّة، والقدم، والبقاء، وهو الله تعالى لا شريك له، ولا والد، ولا ولد له، ولا صاحبة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٦٣]: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ انظر شرحها هناك فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ أي: إن لم ينته النّصارى عن هذه المقالة الباطلة، والادّعاء الكاذب. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ليصيبنّهم عذاب أليم في الدّنيا، والآخرة. في الدّنيا: القتل، والأسر، والجزية، وقد حصل شيء من هذا. ولعذاب الآخرة

стр. 1589

أخزى، وأنكى. هذا؛ وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ لعلمه السّابق: أنّ من النصارى من يؤمن الإيمان الكامل، ويترك هذه الأقوال الفاسدة، وقد حصل ذلك منهم. تنبيه: قال مكّي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: في التركيب: ﴿وَإِنْ لَمْ﴾ دخلت: (إن) على (لم) ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ «لم» تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضيّ و «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدهما بمعنى الماضي؛ ردّتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأنّ «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى. الإعراب: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ:﴾ انظر الآية السابقة. و ﴿ثالِثُ:﴾ مضاف، و ﴿ثَلاثَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لتقدّم النفي عليها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِلهٍ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة. هذا هو الإعراب الظاهر، والإعراب الحقيقي أن تعتبر الخبر محذوفا، تقديره: موجود، و ﴿إِلهٍ:﴾ الثاني بدل من المبتدأ، أو من الضّمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو أقوى على حدّ: «لا إله إلا الله»، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! دلّ على هذا القسم الكلام الآتي، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْتَهُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محلّ جرّ ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وإن لم ينتهوا عن الذي، أو: عن شيء يقولونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ ب: (عن)، التقدير: وإن لم ينتهوا عن قولهم. ﴿لَيَمَسَّنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يمسّنّ): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل: (يمسّنّ). ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف

стр. 1590

لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسّابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. هذا؛ مع ملاحظة: أنّ اللام الموطئة للقسم محذوفة، وقد روعي حكمها؛ إذ التقدير: ولئن لم ينتهوا، كما صرّح به في قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ الآية رقم [١٢١] من سورة (الأنعام). ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ..﴾. إلخ؛ أي: أفلا يرجعون إلى الله بالانتهاء عن تلك العقائد الزائفة، والأقوال الكاذبة في حقّ عيسى، وأمّه، ﵉. وهذا من كرم الله تعالى، وجوده، ولطفه، ورحمته بخلقه مع هذا الذّنب العظيم. وهذا الافتراء، والإفك يدعوهم إلى التوبة، والمغفرة، فكلّ من تاب إليه؛ تاب عليه. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أي: بالتوحيد، والتنزيه عن الاتحاد، والحلول بعد ما تقدّم من التهديد، والوعيد. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ:﴾ لهم إن تابوا إلى الله، وأنابوا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم، والإسلام يجبّ ما قبله، وانظر: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٨٢] من سورة (النّساء). هذا؛ والفعل: استغفر، ويستغفر: السّين، والتاء فيهما للطّلب، والفعل يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف الجر، نحو: استغفرت الله من ذنبي، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٨٠]: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فالمفعول الصّريح للأفعال الأربعة محذوف، وقد يحذف حرف الجر، فيصل الفعل إلى الثاني بنفسه، كقول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل ومثل «استغفر»: اختار، وكنى، وسمع، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، وأمر. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي-وهو الشاهد رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار. الفاء: حرف استئناف، وقال الجمل: الفاء للعطف على مقدّر، يقتضيه المقام، أي: ألا ينتهون عن تلك العقائد، فلا يتوبون.

стр. 1591

﴿يَتُوبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها مستأنفة. أو معطوفة على مقدّر. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وعطفها على الجملة الفعلية السّابقة لا محلّ لها أيضا واعتبارها حالا من لفظ الجلالة جيّد، ويكون الرابط: الواو، وإعادة لفظ الجلالة. ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ:﴾ فيه نفي الألوهية عنه، كما أنّ الرسل الذين كانوا قبله لم يكونوا آلهة، وأمّا إبراؤه الأكمه، والأبرص، وإحياء الميت على يده؛ فهو كإحياء العصا، وجعلها حيّة في يد موسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٥٩]: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر، وأنثى، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٥٩]: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: وما أمّه أيضا إلا كبعض النّساء المصدّقات للأنبياء، المؤمنات بهم، وهذا أعلى مقاماتها، فدلّ على أنّها ليست نبيّة، كما زعمه ابن حزم، وغيره ممّن ذهب إلى نبوّة سارة أم إسحاق، ونبوّة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالا منهم بخطاب الملائكة لهنّ، والذي عليه الجمهور: أنّ الله لم يبعث نبيّا إلاّ من الرجال، قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. والإجماع منعقد على ذلك. ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين، كما زعمت فرق النّصارى الضالّة عن طريق الهدى، والحقّ، والصّواب. وبالجملة فإنّ فساد عقيدتهم واضح لا يحتاج إلى إقامة دليل. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ﴾ الدّالة على بطلان قولهم، وفساد عقيدتهم. والخطاب للنبي ﷺ ، ولكلّ عاقل يفكّر في أمرهم. ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ:﴾ كيف يصرفون عن استماع الحقّ، وقبوله. هذا؛ وتكرير الأمر بالنّظر للمبالغة في التعجّب، ولفظ: ﴿ثُمَّ﴾ لإظهار ما بين العجبين من التّفاوت؛ أي: إن بياننا للآيات أمر بديع بالغ أقصى الغايات من الوضوح، والتحقيق، وإعراضهم عنها أعجب؛ وأبدع.

стр. 1592

هذا وأصل «الإفك» قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفّاك؛ لأنّه يقلب الكلام عن وجهه الصّحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرّابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى الصّرف كقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ومصدره: أفك كضرب، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى في سورة (الشّعراء): ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾. وانظر مثله في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام). الإعراب: ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ مبتدأ. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة له، أو بدل منه، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الرُّسُلُ:﴾ فاعل: ﴿خَلَتْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿رَسُولٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿كانا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح، وألف الاثنين اسمه. ﴿يَأْكُلانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانا،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من المسيح وأمّه؛ فيجب تقدير «قد» قبلها. ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام، وتعجب مبني على الفتح في محلّ نصب حال من فاعل: ﴿نُبَيِّنُ﴾ المستتر، و ﴿كَيْفَ﴾ معلقة للفعل: ﴿اُنْظُرْ﴾ عن العمل لفظا. ﴿نُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ وهذه الجملة مستأنفة لا محلّ لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام، وتعجب مبني على السّكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرتها للمكان-كما هو أصل معناها-فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر: الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.

стр. 1593

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ هذا خطاب للنّصارى الذين ألّهوا عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى: يا محمد! قل لهؤلاء النصارى: أتعبدون من دون الله. ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ أي: لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّكم الله به من البلايا، والمصائب في الأنفس، والأموال، ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به الله من صحّة الأبدان، وسعة الأرزاق، فإنّ الضار، والنافع هو الله تعالى، لا من تعبدون من دونه، ومن لا يقدر على النّفع، والضّرّ لا يكون إلها. قال في البحر: لمّا بيّن الله بدليل النقل، والعقل انتفاء الألوهية عن عيسى ﵇، ودعاهم للتوبة، وطلب الغفران؛ أنكر عليهم، ووبّخهم من وجه آخر، وهو عجز عيسى عن دفع ضرر، وجلب نفع، وأنّ من كان لا يدفع عن نفسه حريّ أن لا يدفع عنكم. هذا؛ و «العبادة» غاية التذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السّجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرّضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصّبر على المفقود. وانظر شرح: ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [١١٦] من سورة (النّساء). هذا؛ وإنّما قال، وكنى عن عيسى-﵇-بما دوّن من التحقيق ما هو المراد من كونه بمعزل عن الألوهية رأسا ببيان انتظامه-﵇-في سلك الأشياء؛ الّتي لا قدرة لها على شيء أصلا. وانظر مثلها في الآية رقم [٣] من سورة (النساء) والآية الأخيرة من هذه السّورة. هذا؛ وقد قال بعض المحققين في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: إذا كان عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لا يملك ضرّا، ولا نفعا لأحد؛ فما بالك بوليّ من الأولياء؛ هل يملك لغيره نفعا، أو ضرّا؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (تعبدون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (ما)، والمراد به عيسى كما رأيت، وهو العائد. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.

стр. 1594

﴿ضَرًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَفْعاً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر الثاني. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان له، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في محل رفع خبر لفظ الجلالة. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير بدلا من لفظ الجلالة، وفصلا لا محلّ له، فيكون: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبرين للفظ الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وجوز اعتبارها حالا من واو الجماعة، ويكون الرابط الضمير فقط، والاستئناف أقوى. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ . ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ الخطاب لأهل الكتابين: اليهود، والنّصارى. ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: غلوّا باطلا، والغلو: مجاوزة الحدّ، وذلك: أنّ الحقّ بين طرفي: الإفراط، والتفريط، ومجاوزة الحدّ، والتقصير مذمومان. فغلو النّصارى رفع عيسى فوق قدره بنسبة الألوهيّة إليه. وغلو اليهود وضعه؛ حيث قالوا: إنّه ابن زنى. وكلا الفريقين متجاوز للحدّ، فهو هالك بالإفراط، أو بالتفريط، وانظر الآية رقم [١٧١] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: أسلافهم، وأئمّتهم الذين خرجوا عن جادة الحقّ، والصّواب قبل مبعث محمد ﷺ ؛ حيث حرّفوا، وبدّلوا أحكام التوراة، والإنجيل. والخطاب لليهود، والنصارى الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ ، نهوا عن اتّباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضّلالة بأهوائهم. وانظر شرح: ﴿الْهَوى﴾ في الآية رقم [١٣٥] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً﴾ من الناس ممّن شايعوهم، وسمعوا منهم، واتّبعوهم على ضلالتهم، وأهوائهم. ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ:﴾ أي: أخطئوا الطريق السّويّ بعد مبعث محمد ﷺ حيث كذّبوه، وعادوه، وبغوا عليه. هذا؛ و «ضلّ» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام. ومصدره: الضّلال، وهو كثير، ويأتي «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾. وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، ومنه قوله تعالى في سورة (الرعد) وفي سورة (غافر): ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾.

стр. 1595

وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم له في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضل: تحيّر، وهو أقرب ما يفسّر به قوله تعالى مخاطبا حبيبه ﷺ في سورة (الضّحى): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. و: أضلّ، يضلّ غيره من الرّباعي، مصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، وهما في هذه الآية. ومصدر الثلاثي: الضلال، وهو الخروج عن جادة الحقّ، والانحراف عن الصراط المستقيم، وينبغي أن تعلم: أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأمّا الضّلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعّبة. قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. وقال الشاعر الحكيم: [البسيط] الطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد هذا؛ و «سواء» مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صحّ الإخبار به عن متعدّد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى: مستو، وهو لا يثنّى، ولا يجمع. قالوا: هم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى. قالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع: أسواء، وهذا كلّه ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ ويأتي أيضا بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال): ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وسواء السبيل: ما استقام منه، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [١٠٨] من سورة (البقرة): ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته، وسواء الشيء: غيره. قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا الإعراب: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ انظر الآية رقم [٦٨]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَغْلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿فِي دِينِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿غَيْرَ:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: لا تغلوا في دينكم غلوّا غير، وجوز اعتباره حالا من واو الجماعة؛ أي: غير محقّين. و ﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه،

стр. 1596

﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) ... إلخ. ﴿أَهْواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿ضَلُّوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، والجملتان: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ معطوفتان على ما قبلهما فهما في محل جرّ مثلها. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: لعنهم الله في الزّبور، والإنجيل على لسان هذين النبيين. قال ابن عباس-﵄: لعنوا بكلّ لسان، وكلّ كتاب، لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزّبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد محمد في القرآن، وفيه جواز لعن الكافرين، وإن كانوا من أولاد الأنبياء، وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم، وانظر اللّعنة في الآية رقم [٥٢] من سورة (النساء). قال أكثر المفسرين: هم أصحاب السبت لمّا اعتدوا في السّبت، واصطادوا الحيتان فيه. قال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: اللهم العنهم، واجعلهم قردة! فمسحوا قردة، وقد ذكرت قصّتهم بالتفصيل في سورة (الأعراف) الآية رقم [١٦٣] وما بعدها. ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: لعنوا أيضا على لسان عيسى، على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وهم كفار أصحاب المائدة، لمّا أكلوا، وادّخروا، ولم يؤمنوا؛ قال عيسى: اللهم العنهم، واجعلهم خنازير! فمسخوا خنازير، وستأتي قصّتهم في آخر هذه السورة. ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أي: ذلك اللّعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم، واعتدائهم، وخروجهم عن أوامر أنبيائهم؛ الّتي هي من أوامر الله تعالى. هذا؛ وإعلال ﴿عَصَوْا﴾ كما يلي: أصله قبل دخول واو الجماعة عليه: «عصي» فقل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فلمّا اتصلت به واو الجماعة؛ صار: «عصاو» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلّة أولى بالحذف من الضّمير، فحذف حرف العلّة، وبقيت الفتحة على الصّاد دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصالها بواو الجماعة، فصار: (عصيوا) فقلبت الياء ألف لتحركها وانفتاح ما قبلها، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف

стр. 1597

لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (عصيوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء وواو الجماعة، فحذفت ياء العلّة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كلّ فعل ناقص؛ اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا... إلخ. تنبيه: جاء لفظ ﴿لِسانِ﴾ بالإفراد دون التثنية، والجمع، فلم يقل: على لساني داود... إلخ على التثنية لقاعدة كلية، وهي أنّ كل جزءين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا إلى كليهما من غير تفريق جاز فيه ثلاثة أوجه: لفظ الجمع، وهو المختار، ويليه التثنية عند بعضهم. وعند بعضهم الإفراد مقدّم على التثنية، فيقال: قطعت رءوس الكبشين، وإن شئت قلت: رأسي الكبشين، وإن شئت قلت: رأس الكبشين، ومنه قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] ففيها الشّفاء الكافي لقلبك. وانظر شرح (لسان) في الآية رقم [٤٦] من سورة (النساء). الإعراب: ﴿لُعِنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية بعده صلته، والمتعلق محذوف. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة العائدة على الموصول، و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في الموصول. و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه، وقد تقدّم إعراب مثل هذه الكلمات. ﴿عَلى لِسانِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿لُعِنَ،﴾ و ﴿لِسانِ:﴾ مضاف، و ﴿داوُدَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَعِيسَى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة (عيسى)، و ﴿اِبْنِ:﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿لُعِنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿بِما:﴾ الباء حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿عَصَوْا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ؛ إذ التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْتَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كانوا)، وجملة: ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، تؤوّل مثلها بمصدر بسبب العطف. التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، وبسبب اعتدائهم. وقيل: هي مستأنفة. والأوّل أقوى.

стр. 1598

﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ..﴾. إلخ: أي: كان اليهود، والنصارى لا ينهى بعضهم بعضا عن فعل قبيح؛ إذا أراد البعض فعله. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ:﴾ في هذه الجملة المؤكّدة بالقسم دليل على أنّ ترك النهي عن المنكر من العظائم، فيا خيبة المسلمين في إعراضهم عنه! وخذ ما يلي: عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل: أنّه كان الرّجل يلقى الرّجل، فيقول: يا هذا اتّق الله، ودع ما تصنع، فإنّه لا يحلّ لك، ثمّ يلقاه من الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلمّا فعلوا ذلك؛ ضرب الله قلوب بعضهم ببعض»، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾. ثمّ قال: «كلا والله لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحقّ أطرا». رواه أبو داود، والترمذيّ، واللفظ لأبي داود. لتأطرنّه: أي: لتردنّه على الحق. وأصل «الأطر» العطف، والتثني. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قيل: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم». قال زيد: تفسير معنى قول النبي ﷺ : «العلم في رذالكم»: إذا كان العلم في الفسّاق. رواه ابن ماجة. وعن حذيفة بن اليمان-﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم». رواه أحمد، والترمذي. وانظر ما ذكرته في الآيتين رقم [١٠٤ و ١١٠] من سورة (آل عمران) ففيهما الكفاية، وانظر شرح «نعم» و «بئس» في الآية رقم [٥٩] من سورة (النساء). الإعراب: ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَتَناهَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية مفسرة لمعاصيهم، واعتدائهم في الآية السابقة. ﴿عَنْ مُنكَرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَعَلُوهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿مُنكَرٍ﴾. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٦٢].

стр. 1599

﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿تَرى:﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، أو لكلّ أحد. ﴿كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود. وقال مجاهد: يعني: المنافقين. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ يوالون المشركين من أهل مكة، وذلك حين خرجوا إليهم ليجيّشوا على رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس-﵄: معناه: ترى كثيرا من المنافقين يتولّون اليهود، ويصافونهم بغضا لرسول الله ﷺ ، وللمؤمنين. ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: بئس الشيء؛ الذي قدموه لآخرتهم؛ ليروه يوم القيامة مسجّلا في صحائف أعمالهم. وانظر مثل هذا الذمّ في الآيتين رقم [٦٢ و ٦٣] والذي قدموه لأنفسهم هو: سخط الله عليهم في الدّنيا، والآخرة. وخلودهم في النار يوم القيامة. وانظر شرح: ﴿تَرى﴾ في الآية رقم [٥٢]. الإعراب: ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: أنت. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيراً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَتَوَلَّوْنَ... :﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال على اعتبار: ﴿تَرى﴾ بصرية من: ﴿كَثِيراً﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور، أو هي في محل نصب مفعول به ثان على اعتبار: ﴿تَرى﴾ علميّة. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَبِئْسَ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (بئس) فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر، تقديره: «هو»، مميّز ب: (ما). ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿سَخِطَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و ﴿أَنْ سَخِطَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف هو المخصوص بالذم. التقدير: هو سخط الله عليهم. وقيل: المصدر المؤوّل تعليل للذمّ، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: لبئس الشيء مقدما لهم ذلك؛ لأنّه أكسبهم السّخط. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في العذاب): متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير

стр. 1600

منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، فهي من جملة المخصوص بالذمّ. ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ؛ قيل: المراد بهم: اليهود، فلو كانوا يؤمنون بالله، وبموسى، وبالتوراة؛ التي أنزلت إليه. وقيل: المراد: المنافقون اتّخذوا اليهود أنصارا، وأحبابا. فيكون المراد ب: ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ أي: القرآن؛ الذي أنزل على محمّد ﷺ . ﴿وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ:﴾ خارجون عن دينهم، أو هم مستمرّون في نفاقهم. وإنّما قال تعالى: ﴿كَثِيراً مِنْهُمْ﴾ لأنّه علم: أنّ منهم من سيؤمن كعبد الله بن سلام، وأصحابه، وكذلك بعض المنافقين تاب من نفاقه. هذا؛ و (النبيّ) يقرأ بالهمز، وبدونه مأخوذ من النبأ، وهو: الخبر، وقيل: مأخوذ من النبوة، وهي الارتفاع؛ لأنّ رتبة النّبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق، وانظر الآية رقم [١٦٤] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلّقان به. ﴿وَالنَّبِيِّ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (الله والنبي). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿اِتَّخَذُوهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأوّل. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسم (لكنّ). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب: ﴿كَثِيراً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر (لكنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محلّ لها أيضا.

стр. 1601

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ وذلك لشدة شكيمتهم، وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء، ومعاداتهم. وانظر إعلال: (تجد) في الآية رقم [٥٢] (النساء). وإعلال: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٣٥] و ﴿الْيَهُودَ﴾ في الآية رقم [٢٠]. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هم أهل مكة المشركون. ﴿مَوَدَّةً:﴾ لينا، ومحبة. ﴿نَصارى:﴾ انظر الآية رقم [١٥] وقد كان النصارى كذلك للين جانبهم، ورقة قلوبهم، وقلة حرصهم على الدنيا، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من صفاتهم الحميدة. ﴿قِسِّيسِينَ﴾ جمع قسيس، وهو مثال مبالغة على فعّيل كصديق، وهو هنا رئيس النصارى، وعالمهم، وأصله من تقسس الشيء إذا اتبعه، وتطلبه بالليل، ويقال لرئيس النصارى: قس، وقسيس، وهما بفتح القاف، وكسرها، ولم ينقل أهل اللغة في الأول القس بضم القاف، لا مصدرا، ولا وصفا، فأما قس بن ساعدة الإيادي، فهو علم، وهو بضم القاف، فيكون مما غير عن طريق العلمية، وقس هذا كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : «يبعث أمة وحده» انتهى. جمل بتصرف كبير. (رهبان): جمع راهب، وهو من النصارى: من اعتزل الناس إلى دير يتعبد فيه، ويجمع رهبان على: رهابين. والرهبنة، والرهبانية: طريقة الرهبان، وقد بين القرآن الكريم: أنهم ابتدعوها، ولم يفرضها الله، ولا عيسى عليهم. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ أي عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون، ولا يتكبرون كاليهود، وفيه دليل على أن التواضع، والإقبال على العلم، والعمل، والإعراض عن الشهوات محمودة، وإن كانت من كافر. انتهى. بيضاوي. الإعراب: ﴿لَتَجِدَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَشَدَّ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَداوَةً:﴾ تمييز. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَداوَةً،﴾ أو بمحذوف صفه له، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْيَهُودَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿الَّذِينَ:﴾ معطوف على: ﴿الْيَهُودَ،﴾ فهو مبني على الفتح في محل نصب مثله، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] وجملة: ﴿لَتَجِدَنَّ..﴾. إلخ جواب قسم محذوف مع المتعلق، التقدير: (أقسم بالله...) إلخ، والجملة القسمية مستأنفة، لا محل

стр. 1602

لها، وجملة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَصارى﴾ في محل مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿قِسِّيسِينَ:﴾ اسم (أنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَرُهْباناً:﴾ معطوف على ما قبله، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ معطوف على المصدر السابق، فهو في محل جر مثله. وإعراب هذه الجملة واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿سَمِعُوا:﴾ هذا الفعل من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية، مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول: كذا. ﴿ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ:﴾ المراد به القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ . (ترى): انظر الآية رقم [٥٥]. ﴿أَعْيُنَهُمْ:﴾ جمع عين، انظر الآية رقم [٤٨]. ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ:﴾ الفيض: انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة. أو جعلت ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ من فرط البكاء كأنها ﴿تَفِيضُ﴾ بأنفسها، وهو بيان لرقة قلوبهم، وشدة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحق، وعدم تأبيهم عنه. انتهى. بيضاوي. هذا؛ وفي الشهاب: فوضع الفيض موضع الامتلاء للمبالغة، وجعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض مجاز الامتلاء بعلاقة المبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض موضع الامتلاء بعلاقة السببية، فإن الثاني سبب للأول، فالمجاز في المسند، و ﴿الدَّمْعِ﴾ هو ذلك الماء، أو الفيض على حقيقته، والتجوز في إسناده إلى العين للمبالغة كجري النهر. انتهى. جمل بتصرف كبير. ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: إن فيض ﴿الدَّمْعِ﴾ المذكور، إنما كان بسبب معرفتهم الحق الذي جاء به محمد ﷺ ، هذا؛ وقد قيل: إن ﴿مِنَ﴾ الثانية للتبعيض، أي إنهم عرفوا بعض الحق، فكيف إذا عرفوا كله، وقرءوا القرآن، وأحاطوا بالسنة. ﴿يَقُولُونَ:﴾

стр. 1603

انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦]. ﴿رَبَّنا:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] والآية رقم [٢٢] (الأعراف) تجد ما يسرك. ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: من الذين شهدوا بأن ما أنزل على محمد حق، أو اجعلنا من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة. وقالوا ذلك؛ لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك. تنبيه: الآية الكريمة، وما قبلها، وما بعدها تتحدث هذه الآيات عن النجاشي، وأصحابه حين قال لجعفر بن أبي طالب ﵁ لما اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة، والمشركون الذين ذهبوا في طلبهم ليردوهم إلى مكة، وكان قد أحضر الرهبان، والقسيسين: هل في كتابكم ذكر مريم، وعيسى، قال جعفر: نعم، فيه سورة تنسب إلى مريم، قال: اقرأها، فقرأها إلى قوله تعالى: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ..﴾. إلخ وقرأ سورة (طه) إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ فبكى النجاشي، وقومه الحاضرون، وقال: إن هذا؛ والذي أنزل على عيسى من مشكاة واحدة. وفي رواية: أخذ النجاشي عودا من الأرض، وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود. فكره المشركون قوله، وتغيرت وجوههم. وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ، وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم سورة (يس) فبكوا، وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦١] ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها، وجملة: ﴿سَمِعُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿تَرى:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [٨٣] وجملة: ﴿تَفِيضُ﴾ في محل نصب حال من: ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ لأن ﴿تَرى﴾ هنا بصرية. ﴿مِنَ الدَّمْعِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مملوءة ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَفِيضُ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿عَرَفُوا﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ﴿عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على خبر (أنّ) في الآية السابقة، وهو ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فصار الكلام من مدخول (أنّ). وقيل: يجوز أن يكون مستأنفا في اللفظ، وإن كان له تعلق بما قبله في المعنى، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿عَرَفُوا،﴾ والرابط الضمير فقط، والجملة الندائية: ﴿رَبَّنا﴾ والفعلية: ﴿آمَنّا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول. ﴿فَاكْتُبْنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط محذوف، وانظر الآية رقم [٤]. (اكتبنا): فعل، ومفعول به، وانظر إعراب ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله،

стр. 1604

وهو مضاف، و ﴿الشّاهِدِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة (اكتبنا...) إلخ لا محل لها لأنها جواب للشرط المحذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا ﴿فَاكْتُبْنا..﴾. إلخ، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم. ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤)﴾ الشرح أي: شيء يمنعنا من الإيمان بالله ورسوله، والذي ظهر لنا من صدقه؟! أي: فنحن جديرون بذلك. فهو استفهام إنكار، واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام دليله وموجبه، وهو الطمع في إنعام الله عليهم، بصحبة: ﴿الصّالِحِينَ:﴾ الأبرار. وقيل: لما رجعوا إلى قومهم؛ لاموهم على إيمانهم، فأجابوهم بذلك. ﴿بِاللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. (جاء): انظر الآية رقم [١٦]. ﴿الْحَقِّ﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿وَنَطْمَعُ:﴾ الطمع: نزوع النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله. وهو مذموم إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة. ﴿رَبُّنا:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] أو الآية رقم [٢] (الأعراف). ﴿الْقَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢]. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه، تقديره: «نحن». ﴿بِاللهِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال (ما): لما فيها من معنى الفعل، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وهي مبنية على السكون في محل جر معطوفة على لفظ الجلالة. وذكر أبو البقاء أوجها لا وجه لها. وجملة: ﴿جاءَنا﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل العائد إلى (ما)، ومن بيان لما أبهم فيها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾ في محل نصب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ﴿وَنَطْمَعُ﴾ في إدخال ربّنا لنا. وجملة: (نطمع...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا نُؤْمِنُ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، وجوز اعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: ونحن نطمع... إلخ، والجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من فاعل: ﴿نُؤْمِنُ﴾ المستتر، فهي حال متداخلة. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل: ﴿يُدْخِلَنا،﴾ ومع مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الصّالِحِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

стр. 1605

﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ..﴾. إلخ: فجزاهم. ﴿اللهُ﴾ بقولهم المذكور فيما تقدم. ﴿جَنّاتٍ..﴾. إلخ، وإنما منحهم الله ذلك بمجرد القول؛ لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا. وهو المعرفة، والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص، واستكانة القلب؛ لأن القول إذا اقترن بالمعرفة؛ فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢٦] (البقرة). ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع جنة، وهي البستان من النخل، والشجر الكثير المتكاثف الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسميت دار الثواب جنة؛ لما فيها من النعيم الذي لا ينفد. وجمع الجنة على: ﴿جَنّاتٍ﴾ يدل على ﴿جَنّاتٍ﴾ كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن شتان ما بين (أنهار) الجنة و (أنهار) الدنيا، هذا؛ ويجمع النهر على: أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تسكن، وتفتح. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ مقيمين أبدا، لا يموتون، ولا يخرجون. ﴿وَذلِكَ:﴾ إشارة إلى ال ﴿جَزاءُ﴾ والثواب المذكور. ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ الذين أحسنوا النظر، والقول، والعمل، أو الذين اعتادوا الإحسان في جميع الأمور. وانظر الآية رقم [١٤] وانظر (يجزون) في الآية [١٢٠] من سورة (الأنعام). الإعراب: (أثابهم): ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، وجملة: ﴿قالُوا﴾ صفة (ما)، أو صلتها على الاعتبارين الأولين، والرابط أو العائد محذوف، التقدير: الذي، أو شيء، قالوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بقولهم. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ والجملة الفعلية: (أثابهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. (ذلك): مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: (ذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ (كذبوا بآيات) الله التي أنزلها على نبيه، فقد عطف سبحانه التكذيب بآياته على الكفر، وهو ضرب منه؛ لأن القصد بيان حال

стр. 1606

المكذبين، وذكرهم في معرض المصادقين بها جمعا يبن الترغيب والترهيب. ﴿أَصْحابُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] ﴿الْجَحِيمِ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٥] (النساء)، وانظر (نا) في الآية رقم [٣٥]. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ معطوفة عليها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿أَصْحابُ:﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٢/ ٣]. ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ أي: لا تمنعوا أنفسكم من مستلذات الحياة الدنيا؛ التي أحلها الله لكم. ﴿وَلا تَعْتَدُوا:﴾ لا تجاوزوا الحد الذي حده الله في التحليل، والتحريم. ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: يسخط عليهم، ويمقتهم. وانظر المحبة في الآية رقم [٥٧]. هذا؛ وانظر الحرام في الآية رقم [٥]. تنبيه: روي: أن النبي ﷺ وصف القيامة لأصحابه يوما، وبالغ في إنذارهم، فرقوا، واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، ﵃ أجمعين، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، والودك، ولا يقربوا النساء، والطيب، ويرفضوا الدنيا، ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقّا، فصوموا، وأفطروا، وقوموا، وناموا، فإني أقوم، وأنام، وأصوم، وأفطر، وآكل اللحم، والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني، ونزلت الآية الكريمة تؤيد رأيه، وآية (الأعراف) رقم [٣١] تؤيده أيضا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١] و [٥٤]. ﴿طَيِّباتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿طَيِّباتِ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير ﴿أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْتَدُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة: ﴿لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآيتين رقم [١٤] و [٥٤]. وهي تعليل للنهي، لا محل لها.

стр. 1607

﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿وَكُلُوا مِمّا..﴾. إلخ: أي: كلوا من رزق الله ما لذ، وطاب إذا كان من كسب حلال؛ لأن الحرام لا يكون طيبا؛ ولو كان من أفخر أنواع الطعام؛ لأن فيه سوء العاقبة في الدنيا، والآخرة. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فيها توكيد للأمر بما تقدم، وزاد توكيدا بقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لأن الإيمان بالله من مقتضياته أن يوجب التقوى فيما أمر به، ونهى عنه. الإعراب: (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَلالاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: (رزقكم الله إياه حلالا): فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مفعول (كلوا). الثاني: كونه حالا من الضمير المحذوف المقدر، الثالث كونه صفة لمصدر محذوف، التقدير: (أكلا حلالا)، وجملة: (كلوا...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد هو الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام: هو الساقط الذي لا يعتد به، ولغو اليمين: هو ما لا عقد معه، كما إذا سبق به اللسان، أو تكلم به جاهلا لمعناه، كقولك: لا والله، وإي والله، وبلى والله لمجرد التوكيد لقولك، فهذا لا إثم فيه، ولا كفارة. وهذا قول الشافعي،

стр. 1608

رحمه الله تعالى. وقيل: الحلف على ما يظن: أنه كذلك، ولم يكن. وإليه ذهب أبو حنيفة، رحمه الله تعالى. ﴿أَيْمانِكُمْ:﴾ جمع يمين، والمراد به الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه. واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على (أيمان)، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وانظره بكسر الهمزة في الآية رقم [٦٩]. ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ:﴾ تعمدتم، وقصدتم به اليمين، وتعقيد ﴿الْأَيْمانَ:﴾ توثيقها، قال الفرزدق: [الطويل] ولست بمأخوذ بلغو تقوله... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم أي إذا لم توثق، وتعمد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة البقرة رقم [٢٢٤] بدل هذه الجملة: ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ومعناه: قصدت ﴿قُلُوبُكُمْ﴾. ﴿إِذا حَلَفْتُمْ﴾ وإن كان كذبا، وبه ضياع حق، فهو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار. وقرئ: «عقدتم» بتشديد القاف وتخفيفها، كما قرئ: «(عاقدتم)». ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ أي: كفارة نكثه، أو فكفارة معقود ﴿الْأَيْمانَ،﴾ والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي: تسترها، أو تمحوها، وهو معنى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ و ﴿كَفّارَةُ﴾ اليمين كما ترى في الآية الكريمة مخيرة ابتداء، ومرتبة انتهاء، وتفسير الأول أن الحانث في يمينه مخير في الكفارة بين: ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ،﴾ أو إعتاق عبد، أو عبدة، وقد ذكر : أن الإطعام يكون من الوسط، لا من الفاخر العالي، ولا من الوضيع الداني، ولكل زمان، ومكان حكمهما، فلذا فإن إعطاء مد قمح للمسكين في هذه الأيام لا يكون من وسط الإطعام، والطعام، وإذا أراد الحانث في يمينه تبرئة ذمته فما عليه إلا أن يعطي المساكين نقودا تكفي لغدائه، أو لعشائه وجبة واحدة من الوسط. وعند أبي حنيفة: وجبتين، أي: غداء، وعشاء. وعند الشافعي لا يكفي إطعام مسكين ولو في عشرة أيام خلافا لأبي حنيفة أيضا، ولو صنع في بيته طعاما من الوسط، ودعا عشرة مساكين إليه، وأشبعهم تبرأ ذمته، كما أن الكسوة تكون من الوسط، والكسوة ثوب يغطي العورة. وعن عبد الله بن عمر ﵄ (قميص، وإزار، ورداء) وهي بكسر الكاف وقد تضم، وهل يعادل مد القمح في هذه الأيام شيئا من الكسوة، وأين هو من إعتاق الرقيق، بل وهل يعادل صيام يوم من الأيام، بل الثلاثة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أو إعتاق عبد مملوك، وشرط فيه الشافعي الإيمان، قياسا على كفارة القتل، فإن لم يجد المكلف أحد الأشياء الثلاثة المذكورة، أو لم يقدر على واحد منها لفقره يصوم ثلاثة أيام، يجوز عندنا تفريقها، وتتابعها، وشرط أبو حنيفة التتابع؛ لأنه قرئ في الشواذ من القراءات (ثلاثة أيام متتابعات). هذا؛ ولفظ (عشرة) هو على عكس المعدود في التذكير، والتأنيث إن كان مفردا. وعلى وفقه إن كان مركبا، تقول: عشرة رجال، وعشر نسوة، وخمسة عشر رجلا، وخمس عشرة امرأة. وشينه تسكن مع المؤنث، وهي لغة أهل الحجاز، وقد تكسر وهي لغة أهل نجد، وقرئ بهما، وبالفتح أيضا، وهي لغة ثالثة.

стр. 1609

و ﴿مَساكِينَ:﴾ جمع مسكين، وهو عندنا أحسن حالا من الفقير، وعند الحنفية بالعكس. وانظر الآية رقم [٦١] (التوبة) تجد ما يسرك. ﴿أَهْلِيكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٢]. ﴿يَجِدْ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥٢] (النساء). (صيام): انظر الآية رقم [٦٢]. ﴿يَجِدْ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٢/ ٤٨] ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى أنواع الكفارة المذكورة. ﴿إِذا حَلَفْتُمْ﴾ أي: وحنثتم. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ:﴾ بأن تضنوا بها، ولا تبذلوها في كل أمر، أو بأن تبروا فيها ما استطعتم، ولم يفت بها خير، انظر الآية رقم [٢/ ٢٢٤]. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ يوضح. ﴿آياتِهِ:﴾ أحكامه، وتعاليم دينه. ﴿تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمة التعليم، أو جميع نعمه الواجب شكرها، وانظر الآية رقم [٧]. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾ مضارع، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما ب: (اللغو) لأنه مصدر، كما جوز تعليقهما بمحذوف حال منه. وجملة: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: (عقدتم الأيمان عليه) وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بتعقيدكم الأيمان، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَكَفّارَتُهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (كفارته): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على الحنث المفهوم من سياق الكلام، أو هي عائدة على العقد الدال عليه الفعل، وقيل غير ذلك. ﴿إِطْعامُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿عَشَرَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿عَشَرَةِ:﴾ مضاف، و ﴿مَساكِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿مِنْ أَوْسَطِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، يقع مفعولا ثانيا للمصدر؛ إذ التقدير: ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ طعاما كائنا من ﴿أَوْسَطِ﴾. و ﴿أَوْسَطِ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تطعمونه. ﴿أَهْلِيكُمْ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿فَكَفّارَتُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب شرط محذوف، التقدير: إن حصل منكم حنث، أو إن سألتم عن كفارة الحنث؛ ﴿فَكَفّارَتُهُ..﴾. إلخ. ﴿كِسْوَتُهُمْ:﴾ معطوف على: ﴿إِطْعامُ﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿تَحْرِيرُ:﴾ معطوف عليه أيضا، وهو مضاف، و ﴿رَقَبَةٍ:﴾ مضاف إليه

стр. 1610

من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. الفاء: حرف عطف. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، وفاعله يعود إلى (من)، ومفعوله محذوف. ﴿فَصِيامُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صيام): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه (صيام)، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكفارته (صيام)، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، و (صيام) مضاف، و ﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿كَفّارَةُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، و ﴿كَفّارَةُ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق ب ﴿كَفّارَةُ﴾ مبني على السكون في محل نصب. ﴿حَلَفْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وهناك جملة محذوفة معطوفة عليها، تقديرها: وحنثتم، وجملة: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية لا محل لها مثلها، وهي مؤكدة لمضمون الكلام السابق. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، التقدير: يبين الله لكم آياته تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين. والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. والكاف اسمه، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر: (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للتبيين، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الشرح: ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢١٨] ﴿وَالْأَنْصابُ:﴾ الأصنام التي نصبت للعبادة، وانظر الآية رقم [٤]. ﴿وَالْأَزْلامُ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿رِجْسٌ:﴾ نجس، أو خبيث مستقذر، تعافه العقول السليمة، وإفراده لأنه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أو هو خبر لمضاف محذوف، كأنه قال: إنما تعاطي ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..﴾. إلخ. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ:﴾ لأنه مسبب عن تسويله، وتزيينه، فكأنه عمله، هذا؛ وانظر شرحه، واشتقاقه في الاستعاذة.

стр. 1611

﴿فَاجْتَنِبُوهُ:﴾ فابتعدوا عنه، والضمير يعود إلى: ال ﴿رِجْسٌ،﴾ أو لما ذكر، أو للتعاطي المقدر. ﴿تُفْلِحُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧]. تنبيه: اعلم أن الله تعالى أكد تحريم ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما، وقرنهما (بالأصنام)، و ﴿وَالْأَزْلامُ﴾ وسماهما: (رجسا)، وجعلهما ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ،﴾ تنبيها على أن الاشتغال بهما شرّ بحت، أو غالب، وأمر بالاجتناب عن عينهما، وجعله سببا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية، والدنيوية المقتضية للتحريم في الآية التالية. انتهى بيضاوي. هذا؛ وأقول: لقد خاب الفسقة، والفجرة الذين يقولون: إن الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة «حرم» في تحريمها. ألا يكفيهم خزيا: أن الله قرنها بعبادة الأوثان في الآية الكريمة، وطلب الابتعاد عنهما معا، وأ لا يكفيهم خيبة أن اختار للزجر عنها صيغة تحريم الشرك، والأوثان، وتحريم شهادة الزور، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. فاعتبروا يا أولي الأبصار. تنبيه: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ..﴾. إلخ، وكانت ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ مما يستطاب عندهم؛ بيّن الله تعالى في هذه الآية: أنهما غير داخلين في جملة الطيبات، أي: الحلالات، بل هما من جملة المحرمات. انتهى. خازن. وجمل. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١] ففيه الكفاية. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْخَمْرُ:﴾ مبتدأ، وما بعده معطوف عليه. ﴿رِجْسٌ:﴾ خبر المبتدأ، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿مِنْ عَمَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِجْسٌ،﴾ و ﴿عَمَلِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. الفاء: هي الفصيحة. (اجتنبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر بإذا؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا ﴿فَاجْتَنِبُوهُ،﴾ والشرط المقدر، ومدخوله معطوف على ما قبله لا محل له مثله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿يُرِيدُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤] و [٢٠] ﴿الشَّيْطانُ:﴾ انظر الاستعاذة. في ﴿الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ:﴾ وإنما خصهما بإعادة الذكر، وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود بالبيان، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة، والشرارة لقوله عليه

стр. 1612

الصلاة والسّلام: «شارب الخمر كعابد الوثن» وخص ربنا-جل علاه-الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم، والإشعار بأن الصادّ عنها كالصاد عن الإيمان، من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر. وانظر: ﴿وَيَصُدَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٩٩] (آل عمران) وانظر: ﴿الصَّلاةِ﴾ في الآية رقم [١٠٣] (النساء). ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ:﴾ معنى هذه الجملة: (انتهوا). فقد خرج الاستفهام من معناه الأصلي. إلى الأمر. تنبيه: هذه الآية الكريمة من الآيات التي وافقت رأي عمر، ﵁. وانظر الآية رقم [٢/ ٩٨] و [٢/ ١٢٥] و [٢/ ٢١٨] ففيها الكفاية، وأيضا انظر الآية رقم [٤/ ٦٠] ورقم [٨٥] من سورة (التوبة). الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ الشَّيْطانُ:﴾ فعل وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُوقِعَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، الكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي الْخَمْرِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُوقِعَ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾. ﴿وَيَصُدَّكُمْ:﴾ معطوف على ﴿يُوقِعَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والكاف مفعول به. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وذكر مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَنِ الصَّلاةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُنْتَهُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر. التقدير، وإذا كان ما ذكر حاصلا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ، والتقدير: فانتهوا كما رأيت في الشرح، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا شرط مقدر، والمعنى يؤيده، بل ويقويه. ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ:﴾ طاعته سبحانه تكون باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وكذلك تكون طاعة رسوله ﷺ ، وأفادت الآية الكريمة: أن طاعة الرسول مقرونة بطاعته سبحانه، كيف لا؟ والله يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. انظر الآية رقم [٨٠] (النساء) وما ذكرته تبعا لها، والآية رقم [٩/ ١٢]. ﴿وَاحْذَرُوا:﴾ كونوا حذرين خاشعين؛ لأنهم إذا حذروا؛ دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة، وعمل كل حسنة. هذا؛ والحذر في الأصل: التحرز من الوقوع في الشر. وهو أيضا الخوف. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ أعرضتم عن طاعة الله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا..﴾. إلخ أي: فأيقنوا أنكم لم تضروا بإعراضكم هذا إلا أنفسكم؛ لأن ﴿الرَّسُولَ﴾ لم يكلف إلا تبليغكم ما أنزل إليه من

стр. 1613

ربه، وإعراضكم لا يضره شيئا. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الرَّسُولَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٤]. ﴿الْمُبِينُ:﴾ الواضح، وانظر إعلاله في الآية رقم [١٧]. وانظر (نا) في الآية رقم [١٤]. الإعراب: (أطيعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على معنى الجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة عليها، وكذلك جملة: (احذروا). ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وإعراب: (اعلموا) مثل إعراب: (أطيعوا) ﴿عَلى رَسُولِنَا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: (اعلموا)، وجملة (اعلموا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله، ورسوله، وبوجود الملائكة، واليوم الآخر، وما فيه، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. وانظر زيادة الإيمان ونقصه في الآية رقم [٢] (الأنفال) تجد ما يسرك. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف أنواعها، ومراتبها، ودرجاتها، ﴿جُناحٌ:﴾ إثم ومؤاخذة. ﴿طَعِمُوا﴾ أي: شربوا الخمر، وأكلوا من القمار، قبل تحريمهما. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] وأيضا رقم [١٤]. تنبيه: لما نزل تحريم الخمر، والميسر؛ قالت الصحابة: يا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا؛ وهم يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر؟! فنزلت الآية الكريمة، وهي تنفي الإثم عمن شرب، وأكل قبل التحريم. هذا؛ وتكرار: ﴿اِتَّقَوْا﴾ لا عيب فيه؛ لأن كل لفظ مع ما بعده يفيد معنى غير المعنى الأول، فمعنى الأول: اتقوا المحرم، واثبتوا على الأعمال ﴿الصّالِحاتِ﴾. ومعنى الثاني: اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر، والميسر، وآمنوا بتحريمه. ومعنى الثالث: استمروا، واثبتوا على اتقاء المعاصي، ﴿وَأَحْسَنُوا،﴾ وتحروا الأعمال الجميلة، واشتغلوا بها.

стр. 1614

تنبيه: أطلق سبحانه لفظ: ﴿طَعِمُوا﴾ على شرب الخمر، وأكل القمار، وهو يؤول بتناولوا من الخمر شربا، وتناولوا من الميسر أخذ المال. كما لنا كلام في تأويل قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾. هذا؛ وقد قال ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خبزا، ولا ماء، ولا نوما، قال الشاعر: [الطويل] فإن شئت حرمت النساء سواكمو... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا النقاخ: الماء، والبرد: النوم. ﴿وَاللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والعائد: واو الجماعة، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] و ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفه له، و ﴿مَا﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، وجملة: ﴿طَعِمُوا﴾ صلة: ﴿مَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: طعموه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية، مبني على السكون في محل نصب متعلق بما يفهم من الجملة السابقة؛ إذ المعنى: لا يأثمون، ولا يؤاخذون وقت اتقائهم، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿إِذا﴾ متضمنة معنى الشرط، فيكون الفعل بعدها شرطها، وجوابها محذوفا لتقدم ما يدل عليه. ﴿مَا:﴾ صلة. وجملة: ﴿اِتَّقَوْا﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وانظر الإعراب في الآية رقم [٦٨] وجملة: ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها فهي في محل جر مثلها، وكذلك الجمل ﴿اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ مع المفعول المحذوف أو المتعلق المحذوف كلها معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٤] والجملة الاسمية مستأنفة مؤكدة لمضمون الكلام السابق، واعتبارها حالا من واو الجماعة لا يأباه المعنى، ويكون الرابط الواو فقط. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ:﴾ ليختبرنكم بما نزل بكم. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ:﴾ تأخذونه ب ﴿أَيْدِيكُمْ،﴾ وتطعنونه ب ﴿وَرِماحُكُمْ،﴾ فالذي يؤخذ باليد الفرخ، وبيض الطيور، والذي يطعن بالرماح كبار الصيد، مثل بقر الوحش، ونحوه. وانظر الآية رقم [١٢] لشرح اليد. ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ:﴾ ليتميز الخائف من عقابه؛ وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه، وقوة إيمانه.

стр. 1615

فذكر العلم، وأراد وقوع المعلوم، وظهوره. وانظر مثله في الآية رقم [٣/ ١٦٧] ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ:﴾ تجاوز حدود الله تعالى بأن صاد بعد ذلك الابتلاء، والاختبار. ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هذا؛ وعيد؛ لأن من لا يملك نفسه في مثل ذلك، ولا يراعي حكم الله فيه، وهو شيء هين فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه، وأحرص عليه؟! وانظر الآية رقم [٣٩] لشرح ﴿عَذابٌ﴾. تنبيه: نزلت الآية الكريمة عام الحديبية، وكان المسلمون محرمين بالعمرة التي منعوا من أدائها في عامها، فابتلاهم الله بالصيد، فكانت الوحوش، والطيور تغشى رحالهم من كثرتها، فهموا بأخذها، وصيدها، فأنزل الله الآية، وإنما قال: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ ليعلم: أنه ليس بفتنة من الفتن العظام، التي تزل عندها أقدام الثابتين، ويكون التكليف فيها صعبا، وشاقّا، كالابتلاء ببذل الأموال، والأرواح، وإنما هو ابتلاء سهل، كما ابتلى أصحاب السبت بصيد السمك فيه، لكن الله جلت قدرته بفضله، وكرمه، وجوده، وإحسانه عصم أمة محمد ﷺ ، فلم يصطادوا شيئا في حالة الابتداء، ولم يعصم أصحاب السبت، فمسخوا قردة، وخنازير. انتهى خازن بتصرف وانظر الآية رقم [٦٥] (البقرة). الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يبلونكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، الكاف: مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم، والجواب كلام لا محل له؛ لأنه وقع بعد النداء. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الصَّيْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (شيء). ﴿تَنالُهُ:﴾ مضارع، ومفعوله. ﴿أَيْدِيكُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والكاف في محل جر بالإضافة. (رماحكم): معطوف على ما قبله... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿تَنالُهُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: (شيء)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من: ﴿الصَّيْدِ﴾. ﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام: لام التعليل، و (يعلم): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ:﴾ مفعوله، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿يَخافُهُ﴾ صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يبلونكم) ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من الضمير المتصل الواقع مفعولا به. الفاء: حرف استئناف. ﴿مِنَ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِعْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية
следующие страницы →