← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

﴿فَاجْتَنِبُوهُ:﴾ فابتعدوا عنه، والضمير يعود إلى: ال ﴿رِجْسٌ،﴾ أو لما ذكر، أو للتعاطي المقدر. ﴿تُفْلِحُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧]. تنبيه: اعلم أن الله تعالى أكد تحريم ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما، وقرنهما (بالأصنام)، و ﴿وَالْأَزْلامُ﴾ وسماهما: (رجسا)، وجعلهما ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ،﴾ تنبيها على أن الاشتغال بهما شرّ بحت، أو غالب، وأمر بالاجتناب عن عينهما، وجعله سببا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية، والدنيوية المقتضية للتحريم في الآية التالية. انتهى بيضاوي. هذا؛ وأقول: لقد خاب الفسقة، والفجرة الذين يقولون: إن الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة «حرم» في تحريمها. ألا يكفيهم خزيا: أن الله قرنها بعبادة الأوثان في الآية الكريمة، وطلب الابتعاد عنهما معا، وأ لا يكفيهم خيبة أن اختار للزجر عنها صيغة تحريم الشرك، والأوثان، وتحريم شهادة الزور، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. فاعتبروا يا أولي الأبصار. تنبيه: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ..﴾. إلخ، وكانت ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ مما يستطاب عندهم؛ بيّن الله تعالى في هذه الآية: أنهما غير داخلين في جملة الطيبات، أي: الحلالات، بل هما من جملة المحرمات. انتهى. خازن. وجمل. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١] ففيه الكفاية. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْخَمْرُ:﴾ مبتدأ، وما بعده معطوف عليه. ﴿رِجْسٌ:﴾ خبر المبتدأ، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿مِنْ عَمَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِجْسٌ،﴾ و ﴿عَمَلِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. الفاء: هي الفصيحة. (اجتنبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر بإذا؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا ﴿فَاجْتَنِبُوهُ،﴾ والشرط المقدر، ومدخوله معطوف على ما قبله لا محل له مثله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿يُرِيدُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤] و [٢٠] ﴿الشَّيْطانُ:﴾ انظر الاستعاذة. في ﴿الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ:﴾ وإنما خصهما بإعادة الذكر، وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود بالبيان، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة، والشرارة لقوله عليه

стр. 1612

الصلاة والسّلام: «شارب الخمر كعابد الوثن» وخص ربنا-جل علاه-الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم، والإشعار بأن الصادّ عنها كالصاد عن الإيمان، من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر. وانظر: ﴿وَيَصُدَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٩٩] (آل عمران) وانظر: ﴿الصَّلاةِ﴾ في الآية رقم [١٠٣] (النساء). ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ:﴾ معنى هذه الجملة: (انتهوا). فقد خرج الاستفهام من معناه الأصلي. إلى الأمر. تنبيه: هذه الآية الكريمة من الآيات التي وافقت رأي عمر، ﵁. وانظر الآية رقم [٢/ ٩٨] و [٢/ ١٢٥] و [٢/ ٢١٨] ففيها الكفاية، وأيضا انظر الآية رقم [٤/ ٦٠] ورقم [٨٥] من سورة (التوبة). الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ الشَّيْطانُ:﴾ فعل وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُوقِعَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، الكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي الْخَمْرِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُوقِعَ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾. ﴿وَيَصُدَّكُمْ:﴾ معطوف على ﴿يُوقِعَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والكاف مفعول به. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وذكر مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَنِ الصَّلاةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُنْتَهُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر. التقدير، وإذا كان ما ذكر حاصلا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ، والتقدير: فانتهوا كما رأيت في الشرح، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا شرط مقدر، والمعنى يؤيده، بل ويقويه. ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ:﴾ طاعته سبحانه تكون باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وكذلك تكون طاعة رسوله ﷺ ، وأفادت الآية الكريمة: أن طاعة الرسول مقرونة بطاعته سبحانه، كيف لا؟ والله يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. انظر الآية رقم [٨٠] (النساء) وما ذكرته تبعا لها، والآية رقم [٩/ ١٢]. ﴿وَاحْذَرُوا:﴾ كونوا حذرين خاشعين؛ لأنهم إذا حذروا؛ دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة، وعمل كل حسنة. هذا؛ والحذر في الأصل: التحرز من الوقوع في الشر. وهو أيضا الخوف. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ أعرضتم عن طاعة الله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا..﴾. إلخ أي: فأيقنوا أنكم لم تضروا بإعراضكم هذا إلا أنفسكم؛ لأن ﴿الرَّسُولَ﴾ لم يكلف إلا تبليغكم ما أنزل إليه من

стр. 1613

ربه، وإعراضكم لا يضره شيئا. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الرَّسُولَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٤]. ﴿الْمُبِينُ:﴾ الواضح، وانظر إعلاله في الآية رقم [١٧]. وانظر (نا) في الآية رقم [١٤]. الإعراب: (أطيعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على معنى الجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة عليها، وكذلك جملة: (احذروا). ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وإعراب: (اعلموا) مثل إعراب: (أطيعوا) ﴿عَلى رَسُولِنَا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: (اعلموا)، وجملة (اعلموا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله، ورسوله، وبوجود الملائكة، واليوم الآخر، وما فيه، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. وانظر زيادة الإيمان ونقصه في الآية رقم [٢] (الأنفال) تجد ما يسرك. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف أنواعها، ومراتبها، ودرجاتها، ﴿جُناحٌ:﴾ إثم ومؤاخذة. ﴿طَعِمُوا﴾ أي: شربوا الخمر، وأكلوا من القمار، قبل تحريمهما. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] وأيضا رقم [١٤]. تنبيه: لما نزل تحريم الخمر، والميسر؛ قالت الصحابة: يا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا؛ وهم يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر؟! فنزلت الآية الكريمة، وهي تنفي الإثم عمن شرب، وأكل قبل التحريم. هذا؛ وتكرار: ﴿اِتَّقَوْا﴾ لا عيب فيه؛ لأن كل لفظ مع ما بعده يفيد معنى غير المعنى الأول، فمعنى الأول: اتقوا المحرم، واثبتوا على الأعمال ﴿الصّالِحاتِ﴾. ومعنى الثاني: اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر، والميسر، وآمنوا بتحريمه. ومعنى الثالث: استمروا، واثبتوا على اتقاء المعاصي، ﴿وَأَحْسَنُوا،﴾ وتحروا الأعمال الجميلة، واشتغلوا بها.

стр. 1614

تنبيه: أطلق سبحانه لفظ: ﴿طَعِمُوا﴾ على شرب الخمر، وأكل القمار، وهو يؤول بتناولوا من الخمر شربا، وتناولوا من الميسر أخذ المال. كما لنا كلام في تأويل قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾. هذا؛ وقد قال ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خبزا، ولا ماء، ولا نوما، قال الشاعر: [الطويل] فإن شئت حرمت النساء سواكمو... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا النقاخ: الماء، والبرد: النوم. ﴿وَاللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والعائد: واو الجماعة، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] و ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفه له، و ﴿مَا﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، وجملة: ﴿طَعِمُوا﴾ صلة: ﴿مَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: طعموه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية، مبني على السكون في محل نصب متعلق بما يفهم من الجملة السابقة؛ إذ المعنى: لا يأثمون، ولا يؤاخذون وقت اتقائهم، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿إِذا﴾ متضمنة معنى الشرط، فيكون الفعل بعدها شرطها، وجوابها محذوفا لتقدم ما يدل عليه. ﴿مَا:﴾ صلة. وجملة: ﴿اِتَّقَوْا﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وانظر الإعراب في الآية رقم [٦٨] وجملة: ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها فهي في محل جر مثلها، وكذلك الجمل ﴿اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ مع المفعول المحذوف أو المتعلق المحذوف كلها معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٤] والجملة الاسمية مستأنفة مؤكدة لمضمون الكلام السابق، واعتبارها حالا من واو الجماعة لا يأباه المعنى، ويكون الرابط الواو فقط. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ:﴾ ليختبرنكم بما نزل بكم. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ:﴾ تأخذونه ب ﴿أَيْدِيكُمْ،﴾ وتطعنونه ب ﴿وَرِماحُكُمْ،﴾ فالذي يؤخذ باليد الفرخ، وبيض الطيور، والذي يطعن بالرماح كبار الصيد، مثل بقر الوحش، ونحوه. وانظر الآية رقم [١٢] لشرح اليد. ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ:﴾ ليتميز الخائف من عقابه؛ وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه، وقوة إيمانه.

стр. 1615

فذكر العلم، وأراد وقوع المعلوم، وظهوره. وانظر مثله في الآية رقم [٣/ ١٦٧] ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ:﴾ تجاوز حدود الله تعالى بأن صاد بعد ذلك الابتلاء، والاختبار. ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هذا؛ وعيد؛ لأن من لا يملك نفسه في مثل ذلك، ولا يراعي حكم الله فيه، وهو شيء هين فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه، وأحرص عليه؟! وانظر الآية رقم [٣٩] لشرح ﴿عَذابٌ﴾. تنبيه: نزلت الآية الكريمة عام الحديبية، وكان المسلمون محرمين بالعمرة التي منعوا من أدائها في عامها، فابتلاهم الله بالصيد، فكانت الوحوش، والطيور تغشى رحالهم من كثرتها، فهموا بأخذها، وصيدها، فأنزل الله الآية، وإنما قال: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ ليعلم: أنه ليس بفتنة من الفتن العظام، التي تزل عندها أقدام الثابتين، ويكون التكليف فيها صعبا، وشاقّا، كالابتلاء ببذل الأموال، والأرواح، وإنما هو ابتلاء سهل، كما ابتلى أصحاب السبت بصيد السمك فيه، لكن الله جلت قدرته بفضله، وكرمه، وجوده، وإحسانه عصم أمة محمد ﷺ ، فلم يصطادوا شيئا في حالة الابتداء، ولم يعصم أصحاب السبت، فمسخوا قردة، وخنازير. انتهى خازن بتصرف وانظر الآية رقم [٦٥] (البقرة). الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يبلونكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، الكاف: مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم، والجواب كلام لا محل له؛ لأنه وقع بعد النداء. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الصَّيْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (شيء). ﴿تَنالُهُ:﴾ مضارع، ومفعوله. ﴿أَيْدِيكُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والكاف في محل جر بالإضافة. (رماحكم): معطوف على ما قبله... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿تَنالُهُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: (شيء)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من: ﴿الصَّيْدِ﴾. ﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام: لام التعليل، و (يعلم): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ:﴾ مفعوله، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿يَخافُهُ﴾ صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يبلونكم) ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من الضمير المتصل الواقع مفعولا به. الفاء: حرف استئناف. ﴿مِنَ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِعْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية

стр. 1616

في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٤٧] هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مِنَ﴾ اسما موصولا، فتكون الجملة الفعلية ﴿اِعْتَدى..﴾. إلخ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ خبره. ودخلت الفاء في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم، والجملة على الوجهين اسمية مستأنفة لا محل لها، وهي متضمنة للوعيد، كما رأيت في الشرح. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٩٥)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ:﴾ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ محرمون بحج أو عمرة. أو: ﴿وَأَنْتُمْ﴾ في أرض الحرم. وحرم جمع حرام، مثل: ردح في جمع رداح. وذكر القتل يشمل الذبح، وغيره، وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه من الوحش، والطير، وغير ذلك، دون الذي لا يؤكل لحمه. وهذا عند الشافعي، وأما أبو حنيفة فمأكول اللحم، وغيره عنده سواء، ويؤيده قول النبي ﷺ : «خمس يقتلن في الحل، والحرم: الحدأة، والغراب، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». وفي رواية: الحية بدل العقرب. متفق عليه، ورواه ابن عمر، وما يشبهه عن عائشة، ﵃ أجمعين. ﴿مُتَعَمِّداً﴾ أي: ذاكرا لإحرامه، عالما بأنه حرام، والمعتمد أن فيه الجزاء سواء قتله متعمدا، أو غير متعمد، لكن لا إثم على غير المتعمد، بل عليه الضمان فقط. ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي: شبه ما قتله، واختلفوا في هذه المماثلة، والمشابهة، فعند الشافعي، ومالك المراد: مثله في الهيئة، والخلقة. ووافقهما محمد من الحنفية، وعند أبي حنيفة المراد: المماثلة، في القيمة، يقوّم المصيد حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي؛ خيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاما، فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما، وإن لم تبلغ قيمته ما ذكر؛ تخير بين الإطعام، والصوم، وعند الأولين هو مخير بين ذبح المثل وبين التصديق بقيمته طعاما، لكل مسكين مد، وبين الصيام يصوم عن كل مد يوما. وقد وضح الله هذا بما يأتي. هذا؛ والنعم يطلق على الحيوان المأكول الأهلي من بقر، وغنم، وما عز، وإبل، ﴿يَحْكُمُ بِهِ:﴾ بالمثل، أو بالقيمة على ما رأيت من الخلاف. ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: صاحبا عدالة منكم، لهما فطنة، يميزان بها لشبه الأشياء به. وقد حكم ابن عباس، وعمر، وعلي-﵃-في النعامة ببدنه، وابن عباس، وأبو عبيدة في بقر الوحش، وحماره ببقرة، وابن عمر، وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن

стр. 1617

عباس، وعمر، وغيرهما في الحمام؛ لأنه يشبهها في اللعب، هذا؛ و ﴿ذَوا﴾ مفرده: ذو، وجمعه: ذوون، وقد رأيت في الآية رقم [١٧٨] البقرة: أنه يجمع على: ﴿أُولِي﴾ وهو من غير لفظه. ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: إن ما يذبح بدلا من الصيد، هو بمنزلة الهدية للحرم، ومعنى بلوغه الكعبة: ذبحه في الحرم، والتصدق به فيه، وقال أبو حنيفة يذبح في الحرم، ويتصدق به حيث شاء. هذا؛ وسميت ﴿الْكَعْبَةِ﴾ كعبة لارتفاعها، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة، وقيل سميت لتربيعها، والأولى أن تقول: سميت لارتفاع قدرها، وسمو مكانتها. ﴿عَدْلُ ذلِكَ:﴾ يقرأ بفتح العين، وكسرها. قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم، والإطعام، والعدل مثله من جنسه، ومنه: عدلا الحمل، يقال: عندي غلام عدل غلامك بالكسر إذا كان من جنسه، فإن أريد أن قيمته كقيمته، ولم يكن من جنسه، قيل: هو عدل غلامك بالفتح، وانظر الآية رقم [١٣٥] (النساء). ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ:﴾ ليتحمل ثقل جزاء فعله الذي فعله، وهو هتكه لحرمة الإحرام، والوبال المكروه، والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي: ثقيلا شديدا، والطعام الوبيل هو الذي يثقل على المعدة، فلا يستمرأ. ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ:﴾ من قتل الصيد قبل التحريم. وانظر: ﴿عَفَا﴾ في الآية رقم [٥٢] البقرة تجد ما يسرك. ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ إلى قتل الصيد بعد التحريم. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ أي: في الآخرة. وهذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في المرة الثانية، والثالثة. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿عَزِيزٌ:﴾ قوي لا يغلبه شيء. ﴿ذُو انْتِقامٍ:﴾ صاحب انتقام: والانتقام المبالغة في العقوبة، والأخذ الشديد بالثأر. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَقْتُلُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون، الواو: فاعله. ﴿الصَّيْدَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ:﴾ انظر: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ في الآية السابقة. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: كائنا منكم. ﴿مُتَعَمِّداً:﴾ حال أخرى من الفاعل المستتر. ﴿فَجَزاءٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (جزاء): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه جزاء، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب جزاء. ﴿مِثْلُ:﴾ صفة: (جزاء) أو بدل منه، ويقرأ بالنصب على أنه مفعول ل: (جزاء)، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: يخرج، أو يؤدي مثل. ويقرأ بإضافة (جزاء) إلى: ﴿مِثْلُ،﴾ وهي في الحقيقة إلى: ﴿ما﴾ فتكون ﴿مِثْلُ﴾ مقحمة بين المتضايفين، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. وجملة: ﴿قَتَلَ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: (قتله). ﴿مِنَ النَّعَمِ:﴾ متعلقان ب (جزاء) على الاعتبار الأخير في إعرابه، أو هو صفة له على اعتبار ﴿مِثْلُ﴾ صفة له، أو بدل منه؛ لأنه مصدر، وما يتعلق به من صلته، والفصل بين الصلة والموصول بالصفة، أو البدل غير جائز؛ لأن الموصول لم يتم، فلا يوصف، ولا يبدل منه. وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿قَتَلَ﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان

стр. 1618

بالفعل قبلهما. ﴿ذَوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿ذَوا:﴾ مضاف، و ﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَوا،﴾ والإضافة لم تفده تعريفا، وجملة: ﴿يَحْكُمُ..﴾. إلخ في موضع رفع صفة: (جزاء) على تنوينه، وفي موضع نصب حال منه على إضافته لما بعده. ﴿هَدْياً:﴾ حال من الضمير المجرور في: ﴿بِهِ﴾ وقيل: هو مفعول لفعل محذوف، أي يهديه ﴿هَدْياً،﴾ وقيل: تمييز، وقيل: هو بدل من ﴿مِثْلُ﴾ على محله، أو لفظه فيمن نصبه. والأول أولى، وأحق ﴿بالِغَ:﴾ صفة: ﴿هَدْياً،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْكَعْبَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، فهي في نية الانفصال لا تفيد تعريفا، فلذا جازت الصفة، وفي: ﴿بالِغَ﴾ ضمير مستتر تقديره: هو. ﴿كَفّارَةٌ:﴾ معطوف على: (جزاء). ﴿طَعامُ:﴾ بدل منه، أو خبر لمبتدإ محذوف، أي هي ﴿طَعامُ﴾ وقرئ بإضافة ﴿كَفّارَةٌ﴾ ل ﴿طَعامُ﴾. و ﴿طَعامُ:﴾ مضاف، و ﴿مَساكِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿عَدْلٍ:﴾ معطوف على: (جزاء)، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿لِيَذُوقَ﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (من)، وأن المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، التقدير: فعليه الجزاء، أو الطعام، أو الصوم لإذاقته، ﴿وَبالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أَمْرِهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فَجَزاءٌ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وانظر ﴿فَمَنِ اعْتَدى..﴾. إلخ في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الفعلية: ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ عادَ﴾ هو مثل: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ في الآية السابقة. الفاء: واقعة في جواب الشرط، وجملة: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: (فهو ينتقم الله منه) والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، وانظر الآية السابقة. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿اِنْتِقامٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ الشرح: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أي: ما صيد منه مما لا يعيش إلا في الماء على أية صورة كانت، وهو حلال لقول النبي ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وقال أبو حنيفة

стр. 1619

رحمه الله: لا يحل منه إلا السمك، وقيل: يحل السمك، وما يؤكل نظيره في البر. ﴿وَطَعامُهُ﴾ أي: ما قذفه ﴿الْبَحْرِ،﴾ أو جف عنه ماؤه، وقيل: الضمير للصيد، و (طعامه): أكله، والأول قول الشافعي، وهو أن ما قذفه ﴿الْبَحْرِ﴾ يؤكل ما لم يوجد منتنا، والمراد بالبحر جميع المياه العذبة، والمالحة، بحرا كان، أو نهرا، أو غديرا. ﴿مَتاعاً:﴾ تتمتعون به، وتتلذذون. ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ أي: المسافرين يتزودون منه. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾ أي: حرام عليكم أن تصيدوا شيئا من الطيور، والوحوش المأكولة ما دمتم محرمين بحج، أو عمرة. وأيضا يحرم على غير المحرم أن يصيد في أرض الحرم. وانظر: ﴿حُرُماً﴾ في الآية السابقة، والحرام في الآية رقم [٥]. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون، وتبعثون، فيجازيكم بأعمالكم. تنبيه: ذكر الله تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة: أحدها في أولها، وهو قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. الثاني: في الآية السابقة. والثالث: في هذه الآية، وكل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿أُحِلَّ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿صَيْدُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْبَحْرِ:﴾ مضاف إليه. (طعامه): معطوف على: ﴿صَيْدُ،﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُحِلَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول لأجله، وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: أي: متعكم بما ذكر تمتيعا. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَتاعاً﴾. ﴿وَلِلسَّيّارَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية. ﴿دُمْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿حُرُماً:﴾ خبره، و ﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل: (حرّم). (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿اللهَ﴾ أو بدل منه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي عطف إنشاء على خبر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ الشرح: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ:﴾ صيرها، وانظر شرح: ﴿الْكَعْبَةَ﴾ في الآية رقم [٩٨]. ﴿الْبَيْتَ الْحَرامَ:﴾ سمي بذلك؛ لأن الله حرمه، وعظمه، وشرفه، وحرم أن يصطاد صيده، وأن

стр. 1620

يعضد شجره، وأن يختلى خلاه. وأراد ب ﴿الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ جميع الحرم، لما صح حديث ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال: «إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمن عرفها، ولا يختلى خلاه». ﴿قِياماً لِلنّاسِ﴾ أي: سببا لانتعاش الناس في أمر معاشهم، ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج، والعمار. و ﴿قِياماً﴾ أصله: قواما، فقد قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وانظر الآية رقم [١٨٢] (البقرة) وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] (النساء). (الناس): انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٣]. ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى المذكور. ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: فإن الله شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها، وجلب المنافع المترتبة عليها دليل قاطع على حكمة الشارع جل علاه، وكمال علمه. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو صيغة مبالغة، وهو تعميم بعد تخصيص، وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١] (الأنعام) فإنه جيد، هذا؛ وفي ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل. الإعراب: ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْكَعْبَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْبَيْتَ:﴾ بدل، أو عطف بيان مما قبله. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفة ﴿الْبَيْتَ﴾. ﴿قِياماً:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿قِياماً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالشَّهْرَ:﴾ معطوف على: ﴿الْكَعْبَةَ﴾. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفته. ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ:﴾ معطوفان على ﴿الْكَعْبَةَ﴾ أيضا، فالمفعول الثاني، أو الحال على اعتبار: ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق، محذوف لفهم المعنى. ﴿ذلِكَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: ذلك الحكم هو الحق لا غيره. والثالث: أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق، أي: شرع الله ذلك. وهذا أقواها لتعلق لام العلة به. انتهى جمل نقلا من السمين. هذا؛ وقد قيل: إن ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لِتَعْلَمُوا،﴾ أي: ذلك كائن ﴿لِتَعْلَمُوا﴾. واللام: لام التعليل. (تعلموا): منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: فاعله، والألف: للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ﴾ مضارع فاعله يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، و ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى: يعرف، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (تعلموا) و «أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل المضارع في تأويل

стр. 1621

مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو بالفعل المحذوف الواقع خبرا له، أو بمضمون الجملة الاسمية على الوجهين الآخرين فيه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ معطوف على المصدر المؤول السابق فهو في محل نصب مثله، وأخيرا فالجملة الفعلية: ﴿جَعَلَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ الشرح: في هذه الآية وعيد لمن انتهك محارم الله، وتعدى حدوده، ووعد لمن حافظ على أوامر الله ووقف على حدوده، فأحل ما أحل الله، وحرم ما حرم الله. وذكر الله في هذه الآية الوعيد، والوعد؛ ليكون المؤمن خائفا، وراجيا. الإعراب: ﴿اِعْلَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، الواو: فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: ﴿اِعْلَمُوا،﴾ والمصدر المؤول الثاني معطوف عليه، فهو في محل نصب مثله، و ﴿شَدِيدُ:﴾ مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل شديد عقابه. ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ الشرح: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ..﴾. إلخ: أي ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. ففي الآية تشديد عظيم في إيجاب القيام بما أمر الله به، وأن الرسول ﷺ قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت الحجة عليكم بذلك، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط. انتهى خازن. وانظر الآية رقم [٩٥] وانظر شرح الرسول في الآية رقم [٨٤]. ﴿تُبْدُونَ:﴾ تظهرون. ﴿تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون. والمعنى: لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالكم، وأحوالكم ظاهرا، وباطنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ حجازية؛ فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿الْبَلاغُ﴾ اسمها مؤخر. وهذا ضعيف؛ لأن من شروط عمل «ما» عمل ليس أن لا ينتقض النفي ب: ﴿إِلاَّ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو

стр. 1622

صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تبدونه. وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، فيكون في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم إبداءكم، وكتمانكم. وهو ضعيف معنى كما ترى. وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها ﴿وَما تَكْتُمُونَ﴾ مثل ما قبله في إعرابه. ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: هذا أمر للنبي ﷺ بأن يقول للناس، ويبين لهم. وانظر القول في الآية رقم [٢٦] (البقرة). وقال البيضاوي: هذا حكم عام في نفي المساواة عند الله بين الرديء من الأشخاص، والأعمال، والأموال، وجيدها، رغب به في صالح العمل، وحلال المال. انتهى. وقال النسفي: لما أخبر: أنه لا يستوي خبيثهم، وطيبهم، بل يميز بينهما، فيعاقب الخبيث؛ أي: الكافر، ويثيب الطيب؛ أي: المسلم. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ:﴾ فإن العبرة بالرداءة، والجودة دون القلة، والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب لكل معتبر، ولذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ هذا؛ والعجب بفتح العين والجيم: انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه، ويشاهده. وقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يا أُولِي:﴾ أصحاب. ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده (ذي) المضاف إن كان مجرورا، و (ذا) المضاف إن كان منصوبا و (ذو) المضاف إن كان مرفوعا. ﴿الْأَلْبابِ:﴾ العقول جمع: لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين، إما لبنائه، من: لبّ بالمكان أقام به، وإما من اللباب، وهو الخالص من كل شيء. هذا؛ واللبيب: العاقل الفاهم، والجمع ألباب، والأنثى لبيبة، وجمعها لبيبات، ولبائب، واللب: خالص من كل شيء. ﴿تُفْلِحُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. تنبيه: روي: أن الآية الكريمة نزلت في حجاج اليمامة لما همّ المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عنه؛ وإن كانوا مشركين. انتهى بيضاوي. ولم يقل به أحد غيره، هذا؛ وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧] فإنه جيد. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿الْخَبِيثُ:﴾ فاعله.

стр. 1623

﴿وَالطَّيِّبُ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا يستويان، ﴿وَلَوْ:﴾ ومدخولها في محل نصب حال من: ﴿الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ،﴾ وما نقله الجمل عن أبي السعود من أن (لو) ومدخولها معطوف على مثلها محذوفة مقدرة، أي: لو لم يعجبك ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ،﴾ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ،﴾ وكلتاهما في موضع الحال من فاعل: ﴿لا يَسْتَوِي..﴾. إلخ، ثم قال: وجواب (لو) محذوف في الجملتين... إلخ لا أراه قويّا، وأظهر من ذلك كله أن تعتبر (لو) وصلية بمعنى (أن) ولا جواب لها، الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْخَبِيثُ،﴾ والرابط الواو، وإعادة ﴿الْخَبِيثُ﴾ بلفظه. الفاء: هي الفصيحة. (اتقوا الله): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وصحيحا ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أولي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون بالإضافة، و (أولي): مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الندائية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وهي بمنزلة جواب الأمر. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة، ومحلها في الآية رقم [٣٨]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿أَشْياءَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. والمعنى: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء إن تظهر لكم؛ تغمكم، وإن تسألوا عنها حين نزول القرآن؛ تظهر لكم، والجملتان الشرطيتان كمقدمتين ينتجان ما يمنع السؤال، وهو أنه مما يغمهم، والعاقل لا يفعل ما يغمه. انتهى. بيضاوي. وانظر شرح: ﴿الْقُرْآنُ﴾ في الآية رقم [٤٩]. ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ أي: ﴿عَفَا﴾ عنها ولم يكلف بها، وانظر ﴿عَفَا﴾ في الآية رقم [٥٢] (البقرة) فإنه جيد. ﴿غَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة من غفر. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بعقوبة المعتدي، والحلم بكسر الحاء وسكون اللام، وهو الأناة والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل، ومقابله السفه، والطيش؛ الذي حدثتك عنه في الآية رقم [١٣٠] (البقرة). والحليم من أسماء الله تعالى، ومعناه: هو الذي لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يستثيره جحود الجاحدين. وانظر الجهل في الآية رقم [٦٧] من سورة (البقرة). تنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فأذكر بعضا مما قيل فيها، فعن ابن عباس ﵄-قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟

стр. 1624

ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ أخرجه البخاري. وقيل: نزلت في شأن الحج، فعن علي -كرم الله وجهه-قال: لما نزلت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: «لا، ولو قلت: نعم؛ لوجبت». فنزلت. أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا. فقال رجل: أفي كل عام؟ فسكت؛ حتى قالها ثلاثا، ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلت: نعم؛ لوجبت، ولما استطعتم، وإنما أهلك من قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». متفق عليه. وقيل غير ذلك. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَسْئَلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف: للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها. ﴿عَنْ أَشْياءَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدَ:﴾ مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَشْياءَ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَسُؤْكُمْ:﴾ جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿أَشْياءَ﴾ أيضا، والكاف: مفعول به، والميم: في الكل علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل جر صفة ﴿أَشْياءَ،﴾ والجملة الشرطية الثانية معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، والجملة الفعلية: ﴿يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿حِينَ﴾ إليها، و ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ صفة أخرى ل: ﴿أَشْياءَ،﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، فتكون (قد) مقدرة قبلها، وقيل: هي مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿سَأَلَها:﴾ الضمير يعود إلى المسألة التي دل عليها: (تسألوا) ولذا لم يعد بعن. أو لأشياء، فيكون قد حذف الجار، أي: فيكون التقدير: قد سأل عنها. ﴿قَوْمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢]. وقال المفسرون: المراد: قوم صالح سألوا الناقة، ثم عقروها، ف ﴿أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾. وقوم

стр. 1625

موسى قالوا: أرنا الله جهرة. فكان هذا السؤال وبالا عليهم. وقوم عيسى سألوا نزول المائدة عليهم، ثم كذبوا بها. كأنه تعالى يقول: إن أولئك سألوا، فلما أعطوا سؤالهم؛ كفروا به، فلا تسألوا أنتم شيئا، فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم؛ ساءكم ذلك. وانظر الكفر في الآية رقم [٣٩]. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَأَلَها قَوْمٌ:﴾ ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وليسا صفة ل ﴿قَوْمٌ؛﴾ لأن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة، ولا حالا منها، ولا خبرا عنها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف، وانظر الآية رقم [٤٦] لشرحها. ﴿أَصْبَحُوا:﴾ ماض ناقص، والواو: اسمه. ﴿بِها:﴾ متعلقان ب ﴿كافِرِينَ﴾ بعدهما؛ الذي هو خبر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون: عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَصْبَحُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ الشرح: تضمنت الآية الكريمة ردّا، وإنكارا لما ابتدعه أهل الجاهلية، وهو أنهم كانوا إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر؛ بحروا أذنها، أي: شقوها، وخلوا سبيلها، فلا تركب، ولا تحلب، ولا تطرد عن ماء، ولا مرعى. وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت من مرضي، أو رد الله غائبي، أو نحو ذلك، فناقتي ﴿سائِبَةٍ،﴾ ويجعلها كال ﴿بَحِيرَةٍ﴾ في تحريم الانتفاع بها وغير ذلك، وإذا ولدت الشاة أنثى؛ فهي لهم، وإن ولدت ذكرا؛ فهو لالهتهم، وإن ولدتهما؛ قالوا: وصلت الأنثى أخاها، ولم يذبحوه من أجل الأنثى. وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا؛ أكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى؛ أرسلت في الغنم. والحام هو الفحل من الإبل يولد من صلبه عشرة أبطن، فيقولون قد حمى ظهره، فيتركونه كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة. وانظر إعلال ﴿لَآتٍ﴾ في الآية رقم [١٣٤] الأنعام فإعلاله مثله. وقيل في تفسير الأربعة غير ما تقدم، ومنشأ الخلاف في تفسيرها يعود إلى اختلاف مذاهب العرب، وآرائهم الفاسدة فيها. هذا؛ والاستفادة من هذه الحيوانات تكون مقصورة على خدام الأصنام، وسدنتها، وأول من ابتدع هذه الأمور في العرب عمرو بن لحي الخزاعي، ولذا قال النبي ﷺ : «رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار». رواه البخاري عن أبي هريرة. ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ:﴾ في نسبة هذا التحريم إليه تعالى. ﴿لا يَعْقِلُونَ:﴾ لا يفهمون، ولا يعرفون الحلال من الحرام، أو الأمر من النهي، ولكنهم يقلدون كبراءهم،

стр. 1626

فأضلوهم السبيلا. وانظر العقل في الآية رقم [٧٥] البقرة، وانظر ما كانوا يفعلون من تحليل، أو تحريم في سورة (الأنعام) الآية رقم [١٣٥] وما بعدها. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، فيجوز أن يكون بمعنى: سمى فيتعدى إلى مفعولين، أحدهما محذوف، التقدير: ما سمى الله حيوانا بحيرة، ويجوز أن يكون بمعنى شرع، ووضع، فيتعدى إلى مفعول واحد فقط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَحِيرَةٍ:﴾ مفعول به على نحو ما رأيت منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما جَعَلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿سائِبَةٍ،﴾ ﴿وَصِيلَةٍ:﴾ معطوفان على لفظ: ﴿بَحِيرَةٍ،﴾ وأيضا: ﴿حامٍ:﴾ معطوف عليه، فهو مجرور لفظا، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ في محل رفع خبر لكن، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها. (أكثرهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ الشرح: ﴿قِيلَ لَهُمْ:﴾ قيل لعوامهم المعبر عنهم بالأكثر في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: القرآن الذي فيه الهدى والنور. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ:﴾ إلى حكمه، وانظر شرحه في الآية رقم [٨٤]. ﴿حَسْبُنا:﴾ كافينا. وانظر شرحه في الآية رقم [٦٣] (الأنفال). ﴿ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾. هذا؛ وقد قال جل ذكره عنهم في الآية رقم [١٧٠] (البقرة): ﴿ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وقال هنا: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وهناك: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ للتفنن، أي ارتكاب فنون، وأساليب من التعبير. انتهى. جمل. وهذا مما يستحسن لا ريب في ذلك. والذي وجدوا عليه آباءهم هو عبادة الأوثان، وتحريم السوائب، وغيرها، وهم قلدوا آبائهم لاعتقادهم: أنهم كانوا خيرا منهم، وأعلم، ولذا رد الله عليهم. وبيّن لهم أن آباءهم كانوا لا يعلمون شيئا من أمر الدين ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ إلى حق وصواب. بعد هذا خذ إعلال، وشرح ما يلي. ﴿قِيلَ:﴾ أصله: قول بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف، وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار ﴿قِيلَ:﴾ وانظر القول في الآية رقم [٢٦] من سورة (البقرة).

стр. 1627

﴿تَعالَوْا:﴾ قال ابن هشام-طيب الله ثراه-في قطر الندى: وأما هات، وتعال، فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل: أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، وتقول: هاتي، وتعالي، واعلم أن آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين؛ فإنه يضم، وأن آخر (تعال) مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، (تقول): تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا هندان، أو يا زيدان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ ومن ثم لحّنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل] أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي وأقول: إن الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى (أحضروا، أو احضروا) فالأول متعد، والثاني لازم، وأما: تعالى، يتعالى؛ فهما بمعنى: تعاظم، أو بمعنى: تنزه، يتنزه، وقل في إعلال: ﴿تَعالَوْا﴾ أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على الألف المحذوفة. ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الواو؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الفاء، وثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وأخواتها تتأخر عن حرف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها، وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا،﴾ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض، أنهملكم فنضرب عنكم، أتؤمنون في حياته، فإن ﴿ماتَ أَوْ قُتِلَ..﴾. إلخ. ويضعف قولهم ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٦١] ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. (لهم): متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعله. (تعالوا): أمر مبني على حذف النون، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أنزله الله. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وانظر تقدير المضاف في الشرح، وجملة: ﴿تَعالَوْا..﴾. إلخ في

стр. 1628

محل نصب مقول القول، وبعضهم يعتبرها في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على رأي من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول، فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] ﴿حَسْبُنا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الفعلية ﴿وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بعلى، ونا: فاعل في الأول، وفي محل جر بالإضافة في الثاني، والجملة الاسمية: ﴿حَسْبُنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، ﴿وَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، أو هو كلام مستأنف لا محل له ﴿أَوَلَوْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. والواو: فيها قولان، أحدهما -وذهب إليه الزمخشري في كشافه، وتبعه البيضاوي، والنسفي-: أنها واو الحال، والثاني-وذهب إليه أبو البقاء، وابن عطية-: أنها للعطف على كلام سابق، والقولان يعتبرانها للحال، وأرى: أنها حرف استئناف؛ لأن الجملة بعدها متضمنة التوبيخ، والإنكار، وأن الوقف على: ﴿آباءَنا﴾ جيد، والمعنى تام لا يحتاج إلى تقييده بحال، وأن الاستفهام إنشاء، ولا يصح وقوعه حالا كما هو معروف، وأن تقدير معطوف عليه محذوف تكلف لا داعي له، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿آباؤُهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ في محل نصب خبرها، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: شيئا كائنا من أمر الدين، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، وانظر المتعلق في الشرح، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: (لو كان آباؤهم..) يقولون ذلك، أو نحوه، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، كما هو رأيي في الواو، وهو في محل نصب حال على رأي رأيته فيما تقدم. وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [١٧٠] (البقرة) فهي مثلها في كل شيء مع اختلاف بعض الألفاظ، وهو لا يؤثر في المعنى والإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ احفظوها، والزموا إصلاحها، وانظر الآية رقم [٢/ ٩]. ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي: لا يضركم كفر من

стр. 1629

كفر، وعصيان من عصى إذا كنتم مهتدين. ومن الاهتداء أن ينكر المسلم المنكر حسب طاقته، وإمكانه، كما قال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». أخرجه مسلم، وغيره عن أبي سعيد الخدري، ﵁. هذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هل يدل ظاهر الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قلت: لا يدل على ذلك، والذي عليه أكثر الناس: أن المطيع لربه ، لا يكون مؤاخذا بذنوب أصحاب المعاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن حازم، عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا﴾ .. ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ولا تضعونها موضعها، ولا تدرون ما هي؟ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا ظالما، فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه». أخرجه الترمذي. وعن أبي أمية الشيباني، قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، قلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله». رواه ابن ماجة، والترمذي، وأبو داود، وزاد، قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا، أو منهم، قال: «بل أجر خمسين منكم». وانظر الآية رقم [٨٢] و [٣/ ١٠٤] ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً:﴾ الرجوع إليه تعالى نوعان: خاص، وعام، فالأول يكون بموت الإنسان، وانتقاله من هذه الدنيا، والثاني يكون بالحشر، والنشر، والحساب، والجزاء. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] وفي هذه الجملة وعد، ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره. تنبيه: قال سعيد بن جبير، ومجاهد-رحمهما الله تعالى-: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب اليهود، والنصارى، والمعنى لا يضركم من ضل من أهل الكتاب، فخذوا منهم الجزية، واتركوهم. وقيل: إن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكافرين على كفرهم، فقيل لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ،﴾ واجتهدوا في صلاحها، لا يضركم ضلال الضالين، ولا جهل الجاهلين؛ إذا كنتم أنتم مهتدين. انتهى خازن. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ اسم فعل أمر منقول عن الجار والمجرور، بمعنى احفظوا، أو الزموا أنفسكم، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به لاسم الفعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها كالجملة الندائية قبلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَضُرُّكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، أو هو مجزوم بجواب الطلب، أو هو

стр. 1630

مجزوم ب: ﴿لا﴾ على اعتبارها ناهية، وضمت الراء اتباعا لضمة الضاد قبلها، وقرئ بفتح الراء المشددة على أنه مجزوم، وحرك بالفتحة للتخفيف، وهو الوجه الثاني من أوجه جزم المضعف، وقرئ: «(لا يضيركم)» من: ضاره، يضيره بالرفع، كما قرئ بسكون الراء، وكسرها مع ضم الضاد من: ضاره يضوره، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿ضَلَّ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل عليها. ﴿إِذَا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يضر، وجملة: ﴿اِهْتَدَيْتُمْ:﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، وجملة: ﴿لا يَضُرُّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي واقعة جوابا للطلب لا محل لها على الوجهين. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الكاف، والجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): مضارع مرفوع والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: (كنتم تعملونه) وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بعملكم في الدنيا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ:﴾ المراد بهذه الشهادة الإشهاد في الوصية، والإضافة إلى الظرف على الاتساع. ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:﴾ إذا شارفه. وظهرت علاماته، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٩٦] (البقرة). فإنه جيد. والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ:﴾ صاحبا عدل من أقاربكم، أو من المسلمين، وانظر:

стр. 1631

﴿ذَوا﴾ في الآية رقم [٩٨] والعدل: هو الذي لم يرتكب كبيرة، ولم يصر على صغيرة، وهناك فرق بين عدل الرواية، وعدل الشهادة، ومجال ذلك الفقه الإسلامي. ﴿آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ:﴾ من ملتكم، أي دينكم، أو من غير عشيرتكم، وقبيلتكم. ومن قال بالأول قال بنسخ الحكم لأن شهادة الكافر لا تقبل على المسلم، والحق: أنها ثابتة في وصية مسلم حضره الموت في أرض غربة، ولم يجد مسلمين يشهدان على وصيته، فليشهد كافرين، أو ذميين، أو من أي دين كانا. وهو قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لأن هذا موضع ضرورة. ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ سافرتم فيها. ﴿تَحْبِسُونَهُما:﴾ تقفونهما للحلف. ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ:﴾ صلاة العصر؛ لأنه وقت اجتماع الناس، والتقاء ملائكة الليل بملائكة النهار. وقيل: أي صلاة كانت. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ:﴾ فيحلف الشاهدان بالله إن حصل شك في شهادتهما من قبل الورثة، أو من قبل الموصى لهم. ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً:﴾ فهذا هو المحلوف عليه، ومعناه: لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا، ولا نحلف بالله كاذبين لأجل عرض نأخذه، أو حق نجحده، ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى:﴾ ولو كان المشهود له ذا قرابة منا. ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ أي: الشهادة التي أمرنا الله بها. وإنما أضاف سبحانه الشهادة إليه؛ لأنه أمر بإقامتها، ونهى عن كتمانها. هذا؛ وقد قرئ بتنوين شهادة، وقطع الهمزة بعدها على الاستفهام بالمد على حذف حرف القسم، وتعويض حرف الاستفهام منه، كما قرئ بغير المد كقولهم: الله لأفعلن، وانظر (الريب) في الآية رقم [٢/ ٢]. ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: الخاطئين إن كتمنا الشهادة، وانظر الاثم في الآية رقم [٣]. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿شَهادَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بَيْنِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شَهادَةُ﴾ لأنه مصدر، والجملة الفعلية: ﴿حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:﴾ في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿اِثْنانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذا الخبر على تقدير مضاف محذوف، التقدير: شهادة اثنين. ﴿حِينَ:﴾ بدل من ﴿إِذا،﴾ وقيل بجواز اعتباره متعلقا بالموت، أو بالفعل حضر، ولا وجه لهما. ﴿ذَوا:﴾ صفة ﴿اِثْنانِ﴾ مرفوع مثله، و ﴿ذَوا:﴾ مضاف، و ﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿اِثْنانِ،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ وقد قال الزمخشري: يجوز أن يكون: ﴿شَهادَةُ﴾ مبتدأ والخبر محذوفا، التقدير: فيما فرض عليكم شهادة، وعليه يكون ﴿اِثْنانِ﴾ فاعلا بشهادة، أي يشهد اثنان. قال الجمل: وهذا ما جرى عليه ابن هشام، وهو الأولى لأن الصريح ليس كغيره. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿آخَرانِ:﴾ معطوف على: ﴿اِثْنانِ﴾ مرفوع مثله... إلخ. ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آخَرانِ،﴾ ولم يصفهما بالعدل كما في الأولين؛ لأن غير المسلم لا يكون عدلا مهما تحلى به من أخلاق

стр. 1632

كريمة، وشيم حميدة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَنْتُمْ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، كان متصلا، فلما حذف الفعل؛ انفصل. ﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها كالجملة المحذوفة المفسرة بها، وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون فيعتبرون: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. والمعتمد قول البصريين في هذه الجملة، وشبهها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (أصابتكم): ماض وتاء التأنيث، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿مُصِيبَةُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتُ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية. ﴿فَأَصابَتْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: (إن أنتم... فاستشهدوا آخرين). أو فالشاهدان ﴿آخَرانِ﴾. ﴿تَحْبِسُونَهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم، والألف دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿آخَرانِ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ معترضة بين الصفة، والموصوف. قال البيضاوي: وفائدة الاعتراض الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم، فإن تعذر-كما في السفر-فمن غيركم. أو استئناف، أي الجملة الفعلية مستأنفة، كأنه قيل: كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين؟ فقال: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾. وهذا هو الأولى بالاعتبار؛ لأن الفصل بين الصفة، والموصوف بأجنبي لا يجوز إلا في ضرورات الشعر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿الصَّلاةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، التقدير: إن ارتبتم بخيانة منهما، أو بأخذ شيء من التركة فاحبسوهما، وحلفوهما، والشرط، وجوابه المقدر معترض بين القسم وجوابه، وهو الجملة الفعلية: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ومثل هذا كثير واقع في الكلام العربي، وهو يعتمد على قاعدة مشهورة؛ وهو أنه إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر مفهوم من المقام؛ إذ التقدير: لو كان المشهود له. ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذا:﴾ مضاف، و ﴿قُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿كانَ ذا قُرْبى﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ومثل ذلك قل في الجملة الواقعة شرطا ل: ﴿إِنْ﴾ فيما تقدم، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لو كان المشهود له ذا قربى لا نشتري به ثمنا، وجملة: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ لا محل لها مثلها، و (لو) ومدخولها كلام معترض بين المتعاطفين لا محل له. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿إِذا:﴾ حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ:﴾ اللام هي المزحلقة. (من الاثمين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للنفي، لا محل لها.

стр. 1633

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٠٧)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ عُثِرَ:﴾ فإن اطلع، يقال: عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على شيء لم يطلع عليه غيره، وأعثرته على كذا: أطلعته عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ. انتهى. جمل. ﴿اِسْتَحَقّا إِثْماً:﴾ فعلا ما أوجب إثما كتحريف، وتزييف بالشهادة بعد حلفهما. وانظر (الإثم) في الآية رقم [٣]. ﴿فَآخَرانِ:﴾ فشاهدان آخران. ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: من الذين استحق عليهم الإثم، ومعناه من الذين جني عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته، ومقام أصله: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف، ثم تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ﴿الْأَوْلَيانِ:﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما ليقوما بالشهادة، ويظهرا بها كذب الكاذبين؛ أي: الشاهدين الأولين. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: فيحلفان بالله ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين. ﴿وَمَا اعْتَدَيْنا:﴾ وما تجاوزنا الحق في يميننا. ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: الواضعين الباطل موضع الحق، أو الظالمين أنفسهم إذا تجاوزنا الحق، واعتدينا على غيرنا، وانظر الآية رقم [١٤٦] (الأنعام). قال البيضاوي: ومعنى الآيتين: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه، أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر؛ فآخرين من غيرهم. ثم إن وقع نزاع، أو ارتياب في صدقهما؛ أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة، أو مظنة؛ حلف آخران من أولياء الميت. والحكم منسوخ؛ إن كان الاثنان شاهدين، فإنه لا يحلف الشاهد، ولا يعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت؛ إن كانا وصيين، وردا اليمين إلى الورثة، إما لظهور خيانة الوصيين، فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته. أو لتغيير الدعوى. روي: أن تميما الداري، وعدي بن زيد خرجا إلى الشام للتجارة، وكانا نصرانيين حينئذ، ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما، فلما قدموا الشام مرض بديل، فدون ما معه في صحيفة، وطرحها في متاعه، ولم يخبرهما بها، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات، ففتشاه، وأخذا منه إناء من فضة، فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب، فغيباه، فوجد أهله الصحيفة، فطالبوهما بالإناء، فجحدا، فترافعوا إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ..﴾. إلخ، فحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر، وخلي سبيلهما، ثم وجد الإناء في

стр. 1634

أيديهما، فأتاهما بنو سهم في ذلك، فقالا: قد اشتريناه منه، ولكن لم يكن لنا عليه بينة، فكرهنا أن نقر به، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿فَإِنْ عُثِرَ..﴾. إلخ، فقام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي رفاعة السهميان، وحلفا. انتهى بحروفه من البيضاوي. الإعراب: ﴿فَإِنْ عُثِرَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿عُثِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنَّهُمَا:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿اِسْتَحَقّا:﴾ ماض، والألف فاعله، والجملة الفعلية خبر (أنّ). ﴿إِثْماً:﴾ مفعول به، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل: ﴿عُثِرَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَآخَرانِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (آخران): مبتدأ، وفي الخبر احتمالات: أحدهما: أنه الجار والمجرور ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ والثاني: أنه جملة: ﴿يَقُومانِ﴾ والثالث: أنه الأوليان، وأحسن من هذا كله اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير: فليشهد آخران. وقال أبو البقاء: خبر مبتدأ محذوف، أي فالشاهدان آخران. ﴿يَقُومانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والألف فاعله، ﴿مَقامَهُما:﴾ مفعول مطلق على اعتباره مصدرا ميميّا، وظرف مكان على اعتباره اسم مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (آخران)، أو في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع صفة (آخران) على اعتباره مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، أو اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، أو فاعلا لفعل محذوف كما رأيت، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿فَآخَرانِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، سواء أكانت فعلية أم اسمية. ﴿اِسْتَحَقَّ:﴾ ماض، ويقرأ بالبناء للفاعل وللمفعول، فعلى الأول فالفاعل: ﴿الْأَوْلَيانِ،﴾ والمفعول محذوف، تقديره الوصية، وعلى الثاني فنائب الفاعل يعود إلى الإثم، وقيل: إلى ﴿الْأَوْلَيانِ،﴾ وقدره الجلال: الوصية، والمعتمد الأول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَوْلَيانِ:﴾ فاعل، أو نائب فاعل على وجهين رأيتهما، أو هو صفة (آخران). أو عطف بيان عليه، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هما ﴿الْأَوْلَيانِ،﴾ أو هو مبتدأ، خبره (آخران)، وهو أضعف كل الوجوه كما قيل في اعتباره بدلا من الألف في: ﴿يَقُومانِ﴾. هذا؛ ويقرأ «(الأولين)» على اعتباره جمع أول، وفي إعرابه وجهان: أحدهما أنه بدل من ﴿الَّذِينَ،﴾ أو صفة له، والثاني أنه بدل من الضمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾ كما يقرأ «(الأولان)» بتشديد الواو، وإعرابه كإعراب: ﴿الْأَوْلَيانِ﴾. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَقُومانِ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. واللام: واقعة في جواب القسم. (شهادتنا): مبتدأ، ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ شَهادَتِهِما:﴾ متعلقان ب ﴿أَحَقُّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة،

стр. 1635

و (ما) حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية: ﴿لَشَهادَتُنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها. (ما): نافية. ﴿اِعْتَدَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، وهي تعليل للنفي لا محل لها. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الحكم المذكور في رد اليمين على الورثة إذا لم يصدقوا الشاهدين، أو الوصيين. ﴿أَدْنى:﴾ أقرب، وأحق، وانظر شرحه في الآية رقم [٢/ ٦١] تجد ما يسرك. ﴿عَلى وَجْهِها:﴾ على نحو ما تحملوها من غير تحريف، وخيانة فيها، وإنما جمع الضمير في: ﴿يَأْتُوا﴾ لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين اللذين هما صاحبا الواقعة، وغيرهما من بقية الناس إلى يوم القيامة. ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ ترد اليمين على الورثة، فيحلفون على خيانتهم، وكذبهم، فيفتضحون، ويغرمون ما خانوا فيه. وانظر الأيمان في الآية رقم [٩٣] ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿وَاسْمَعُوا:﴾ ما توصون به وتؤمرونه سماع قبول، وانظر الآية رقم [٨٣] ﴿وَاللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. أو الآية رقم [١] الأنفال. ﴿لا يَهْدِي:﴾ لا يوفق إلى طريق الخير، أو إلى طريق الجنة. ﴿الْقَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [٢١]. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ الخارجين عن طاعته، المخالفين أوامره، وانظر الآية رقم [٢٨]. تنبيه: قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: هذه الآيات الثلاث من أشكل آي القرآن، حكما، وإعرابا، وتفسيرا، ولم يزل العلماء يستشكلونها، ويكفون عنها، حتى قال مكي بن أبي طالب ﵀ في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات في قراءتها، وإعرابها، وتفسيرها، ومعانيها، وأحكامها من أصعب آي القرآن، وأشكله. قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة، أو أكثر، قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. وقال السخاوي: لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها. قلت: وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها، واشتقاق مفرداتها، وتصريف كلماتها. وقراءاتها، ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها؛ فنسأل الله العون في تهذيبه إلى آخر ما في عبارة السمين، فارجع إليه إن شئت انتهى. بحروفه. هذا؛ وأنا أقول: إنني بذلت جهدي-مستعينا بالله-في شرح، وإعراب ما رأيته في هذه الوريقات مستمدّا أكثره من المراجع الموجودة لدي، وما أراه ضعيفا ضعفته، وما رأيته قويّا رجحته، وما لم يذكر فيه شيء ذكرته، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يوفقني وإياك أيها القارئ الكريم إلى ما يحبه ربنا، ويرضاه.

стр. 1636

الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، تقديره: من أو إلى الإتيان. ﴿بِالشَّهادَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلى وَجْهِها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الشهادة، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَخافُوا:﴾ معطوف على يأتوا منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تُرَدَّ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿أَيْمانٌ:﴾ نائب فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿أَيْمانٌ﴾. و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (اتقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهو عطف إنشاء على خبر، والأولى اعتبارها مستأنفة، وجملة (اسمعوا) معطوفة عليها. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٥١] وهي اسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٤٨] (البقرة) و [١٢٨] (الأنعام) ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، أو رقم [٨/ ١] ﴿الرُّسُلَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٣] ﴿فَيَقُولُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦] البقرة واليوم الذي يجمع فيه الرسل هو يوم القيامة الذي يحشر فيه الناس أجمعون للحساب والجزاء. ﴿ماذا أُجِبْتُمْ:﴾ أي إجابة أجابكم قومكم؟ وهذا سؤال توبيخ لأقوامهم. ﴿قالُوا:﴾ عبر بالماضي لتحقق وقوعه في المستقبل. ﴿لا عِلْمَ لَنا:﴾ ينفون العلم عن أنفسهم، ويكلون ذلك إلى الله تعالى: ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ تعلم ما غاب عنا من باطن الأمور، ونحن نعلم ما نشاهد، ولا نعلم ما في البواطن. هذا؛ و ﴿الْغُيُوبِ﴾ جمع: غيب، وهو ما غاب عنا، ولا نشاهده، ولا نسمعه، وفيه التشكي من أقوامهم، ورد العلم إليه تعالى بما كابدوا منهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وقيل: هو بدل من مفعول (اتقوا) بدل اشتمال، أو هو مفعول (اسمعوا) على حذف مضاف، أي: اسمعوا خبر يوم جمعهم، والجملة: ﴿يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿ماذا:﴾ اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق قدم على فعله، وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بماذا، ولا أؤيد هذين الوجهين،

стр. 1637

وأرى ما يلي: يحوز اعتبار ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، كما يجوز اعتبار (ما) مبتدأ، و (ذا) اسما موصولا خبره، والجملة الفعلية صلتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: أجبتم به. والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، ﴿أُجِبْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وانظر إعراب ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] ﴿قالُوا... :﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿لا:﴾ نافية للجنس. ﴿عِلْمَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر لا، فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿عِلْمَ،﴾ كما يجوز تعليقهما ب: ﴿عِلْمَ﴾ لأنه مصدر، وعليهما فخبر: ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: موجود، أو حاصل، وجملة: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعلى هذين الوجهين ف: ﴿عِلْمَ﴾ خبر (إنّ)، والثالث: أن يكون مبتدأ، و ﴿عِلْمَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للنفي لا محل لها، وهي من مقول ﴿الرُّسُلَ،﴾ و ﴿عِلْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْغُيُوبِ:﴾ مضاف إليه من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٦] ورقم [٧/ ٤] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة والآية رقم [٨/ ١] ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] و [٣/ ٤٥] ﴿أَيَّدْتُكَ:﴾ قويتك. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾ هو جبريل ﵇ فكان يسير معه حيث سار، يعينه على الحوادث التي تقع، ويلهمه المعارف والعلوم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٧] (البقرة). ﴿تُكَلِّمُ:﴾ انظر: «الكلام» في

стр. 1638

الآية رقم [٢/ ٧٥] فإنه جيد. ﴿النّاسَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٦] ففيها الكفاية. ﴿الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٨] وأيضا الآية رقم [٤٩]. ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي:﴾ لا أتكلم على هذه الكلمات بأكثر مما ذكرته في الآية رقم [٣/ ٤٩] ﴿كَفَفْتُ:﴾ رددت، ومنعت عنك. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ المراد: اليهود الذين أرادوا قتله، وانظر الآية رقم [٣٣]. ﴿جِئْتَهُمْ:﴾ انظر (جاء) في الآية رقم [١٥] (البيّنات): المعجزات، والبراهين القاطعة. ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿سِحْرٌ:﴾ أي الذي جئت به سحر، وقرئ: «(ساحر)» فيكون المراد عيسى نفسه. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر، واضح، وانظر إعلاله في الآية رقم [١٥] وانظر السحر في الآية رقم [١٠٢] من سورة (البقرة). تنبيه: قال السمين: قال تعالى هنا: ﴿بِإِذْنِي﴾ أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي (آل عمران): ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ مرتين؛ لأن هناك موضع إخبار، فناسب الإيجاز، وهنا مقام تذكير بالنعمة، والامتنان، فناسب الإسهاب. انتهى. تنبيه: الآية الكريمة، والتي قبلها، وما بعدها إلى آخر السورة تنص على محاورة بين الله، ورسله يوم القيامة، وهو مستقبل لا ريب فيه، ومضمونه توبيخ الأقوام التي خالفت أوامر الله تعالى، وأوامر رسلهم الذين أرسلوا إليهم وخاصة النصارى كما هو واضح للعيان، والتعبير بالأفعال الماضية بدل الأفعال المستقبلة إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة مثل قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وأمر الله المراد به الحشر والنشر... إلخ، وهذا الاستعمال إنما هو فن من فنون البلاغة. ألا فلينتبه العالمون. تنبيه: تذكير الله عيسى بإنعامه عليه وعلى أمه في ذلك اليوم العظيم لا يقصد منه تكليف شكره، والقيام بواجبه؛ إذ ليس هناك تكليف، وإنما المراد توبيخ الكفارة المختلفين في شأنه وشأن أمه إفراطا وتفريطا. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وهو بتصرف كبير مني. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ في الآية السابقة، أو هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ، وهو مبني على السكون في محل نصب، وهي بمعنى إذا التي هي للمستقبل، وجملة: ﴿قالَ اللهُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. ﴿عِيسَى:﴾ منادى مفرد علم، و ﴿اِبْنَ﴾ صفة له، وقد نصب؛ لأنه مضاف، وهذه قاعدة كلية مفيدة، وذلك: أن المنادى المفرد المعرفة الظاهر الضمة إذا وصف بابن، أو ابنة، ووقع الابن، والابنة بين علمين، أو اسمين متفقين في اللفظ، ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أحكام، منها: أنه يجوز إتباع المنادى المضموم لحركة نون ابن، فيفتح، نحو يا زيد بن عمرو، ويا هند ابنة بكر بفتح الدال من: زيد، وهند، وضمها، فلو كانت الضمة مقدرة مثل ما نحن فيه،

стр. 1639

فإن الضمة مقدرة على ألف ﴿عِيسَى،﴾ فهل يقدر بناؤه على الفتح إتباعا، كما في الضمة الظاهرة؟ خلاف: الجمهور على عدم جوازه؛ إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للاتباع، وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة، وأجاز الفراء ذلك، إجراء للمقدر مجرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء، فإنه قال: يجوز أن تكون على الألف من ﴿عِيسَى﴾ فتحة لأنه قد وصف بابن، وهو بين علمين، وأن تكون فيها ضمة، وهو مثل قولك: يا زيد بن عمرو بفتح الدال، وضمها، وهذا الذي قاله غير بعيد. انتهى. بحروفه جمل. طيب الله ثراه. و ﴿اِبْنَ:﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿نِعْمَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقان ب: ﴿نِعْمَتِي﴾ على اعتباره مصدرا أو بمحذوف حال منه على اعتباره اسما. ﴿وَعَلى والِدَتِكَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نِعْمَتِي،﴾ أو بمحذوف حال منه، وأجاز السمين اعتباره بدلا من: ﴿نِعْمَتِي﴾ بدل اشتمال؛ لأنه في المعنى تفسير للنعمة. ﴿أَيَّدْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿بِرُوحِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (روح) مضاف، و ﴿الْقُدُسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة، إذا الأصل: الروح المقدسة، والجملة الندائية: ﴿يا عِيسَى..﴾. إلخ، والجملة الفعلية: ﴿اُذْكُرْ..﴾. إلخ، كل ذلك في محل نصب مقول القول. ﴿تُكَلِّمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾ في محل نصب حال من كاف الخطاب. ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿وَكَهْلاً:﴾ معطوف على ذلك المحذوف فهو حال أيضا، وهو بمعنى مكتهلا، وهو حال متداخلة. ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ إعرابه ظاهر إن شاء الله، وهو كلام معطوف على: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ..﴾. إلخ، ومثله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ..﴾. إلخ. ولا تنس أن الكاف اسم بمعنى مثل، فهي مبنية على الفتح في محل نصب مفعول به، ووقوع الكاف اسما وارد في الشعر العربي بكثرة، ولولا الإطالة لذكرت ذلك، ووقوعها فاعلا، وحالا، ومجرورة، وما عليك إلا أن تنظر الشاهد رقم [٣٢٦] وما يذكر تبعا له في كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب، والكاف مضاف، و (هيئة) مضاف إليه، و (هيئة) مضاف، و ﴿الطَّيْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِذْنِي:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تَخْلُقُ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الطَّيْرِ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وجملة: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ معطوفة على جملة: ﴿تَخْلُقُ..﴾. إلخ ﴿طَيْراً:﴾ خبر: (تكون...) إلخ، وقرئ «(طائرا)». ﴿بِإِذْنِي:﴾ متعلقان بالفعل (تكون)، أو بمحذوف صفة: ﴿طَيْراً،﴾ وجملة: (تكون...) إلخ معطوفة على ما قبلها، وكذلك جملة: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾

стр. 1640

﴿وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ معطوفة أيضا، ومثلها ما بعدها، والإعراب واضح بعونه تعالى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿كَفَفْتُ،﴾ وجملة: ﴿جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. الهاء: حرف تنبيه. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ الشرح: ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ:﴾ أمرتهم على ألسنة رسلي. وفي الخازن: يعني: ألهمتهم، وقذفت في قلوبهم، فهو وحي إلهام، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى النحل. والحواريون هم أصحاب عيسى، وخواصه. قال نبينا المعظم ﷺ : «لكل نبي حواريون، وحواري الزبير بن العوام». ﴿آمِنُوا بِي:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٦]. ﴿وَبِرَسُولِي:﴾ المراد به عيسى، ﵊، وانظر الآية رقم [٨٤]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] و [٧/ ٤] وقد قدم ذكر الإيمان على الإسلام؛ لأن الإيمان من أعمال القلوب، والإسلام هو الانقياد، والخضوع في الظاهر، والمعنى: أنهم آمنوا بقلوبهم، وانقادوا بظواهرهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ معطوف على: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ ﴿أَوْحَيْتُ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٢] والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، ﴿إِلَى الْحَوارِيِّينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وجوز اعتبارها مصدرية. ﴿آمِنُوا بِي:﴾ فعل أمر، الواو فاعله. ﴿بِي:﴾ متعلقان به، والجملة مفسرة ل: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ لا محل لها عند الجمهور، وعند الشلوبين بحسب ما تفسره، وأراه حقّا. هذا؛ وعلى اعتبار: ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ الأمر بالإيمان. والمعتمد الأول في هذا؛ وأشباهه. (برسولي): معطوفان على ما قبلهما. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاشْهَدْ..﴾. معطوفة على ما قبلها، فهي في نصب مقول القول مثلها، وهي من عطف الإنشاء على الخبر. ﴿بِأَنَّنا:﴾ الباء: حرف جر. (أننا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع

стр. 1641

مذكر سالم، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ الشرح: ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] و [٣/ ٤٥] ﴿يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ:﴾ بمعنى هل يفعل ربك، أو هل يعطيك ربك إن سألته، فاستطاع، وأطاع بمعنى، كاستجاب، وأجاب؛ لأن قولهم هذا لم يكن بعد عن تحقيق، واستحكام معرفة، وقرأ الكسائي: «(هل تستطيع ربك)» والمعنى هل تستطيع سؤال ربك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿رَبُّكَ:﴾ انظر سورة الفاتحة والآية [٥/ ٢] ﴿مائِدَةً:﴾ هي في الأصل الخوان الذي يوضع عليه الطعام، فإن لم يكن عليه طعام؛ فليس بمائدة، بل هو خوان. وقال الجمل: هذه المسألة لها نظائر في اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه الطعام، وإلا فهو خوان. ولا يقال: كأس إلا وفيها خمر، وإلا فهي قدح، ولا يقال: ذنوب، وسجل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دلو، ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى وإلا فهو أنبوب. مأخوذ من: ماد الماء، يميد: إذا تحرك، أو من ماده: إذا أعطاه، كأنها تميد من تقدم إليها. ونظيره قولهم: شجرة مطعمة. ﴿السَّماءِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٩] و [٦/ ٩٩] ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] و [٧/ ٤]. ﴿اِتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ بكمال قدرة الله، وصحة نبوتي؛ لأن الإيمان يوجب التقوى، وقيل: المعنى: اتقوا الله في اقتراح هذا السؤال بعد ظهور المعجزات. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وقيل: هو متعلق ب: ﴿قالُوا،﴾ وقيل: متعلق ب: ﴿مُسْلِمُونَ،﴾ وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وانظر إعراب ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ في الآية رقم [١١٠] وهي في محل نصب مقول القول. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يَسْتَطِيعُ:﴾ مضارع. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، وعلى قراءة الكسائي هو مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ في محل نصب مفعول به، وعلى قراءة الكسائي هو في محل نصب مفعول به للمضاف المحذوف الذي رأيت تقديره في الشرح. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مائِدَةً﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، فاعله يعود إلى: ﴿عِيسَى،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ في محل نصب مقول القول، وانظر إعراب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في الآية رقم [٥٧]. والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.

стр. 1642

﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ (١١٣)﴾ الشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] و [٧/ ٤] ﴿نُرِيدُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. وقولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ..﴾. إلخ: تمهيد عذر، وبيان لما دعاهم إلى السؤال، وهو أن يتمتعوا بالأكل منها. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا:﴾ بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته، وهو على حد قول إبراهيم-﵊: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ نعلم أن قد صدقتنا: في ادعاء النبوة، وأن الله يجيب دعوتنا. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ أي نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة، ويقينا، ويؤمن بسببها كفارهم، أو المعنى: نكون من المشاهدين لها دون السامعين بخبرها سماعا، ولا ريب أن المشاهدة غير السماع. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] ﴿نُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر، تقديره نحن، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَأْكُلَ مِنْها﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (تطمئن): معطوف على ﴿نَأْكُلَ﴾ منصوب مثله. ﴿قُلُوبُنا:﴾ فاعله، ونا: في محل جر بالإضافة. (نعلم): معطوف على ﴿نَأْكُلَ﴾ وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير شأن محذوف، التقدير: أنك، وهو ضعيف؛ لأن ضمير الشأن المحذوف يكون ضمير غيبة لا ضمير خطاب، وقيل: ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري وقد لا تمنع من ذلك. ﴿صَدَقْتَنا:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، أو الفعل في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وعلى الوجهين ف: ﴿أَنْ﴾ ومدخولها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (نعلم). ﴿وَنَكُونَ:﴾ معطوف أيضا على ﴿نَأْكُلَ،﴾ وهو ناقص، واسمه مستتر تقديره: نحن. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (نكون). ﴿قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١٤)﴾ الشرح: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] و [٣/ ٤٥] وأيضا [٣/ ٥٥] ﴿اللهُمَّ:﴾ أصله: يا الله فحذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم المشددة في الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه إلا في ضرورة الشعر، وهذا الحذف، والتعويض من خصائص الاسم الكريم،

стр. 1643

كدخول (يا) عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وتاء القسم. ﴿رَبَّنا:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] ﴿عِيداً﴾ أي: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه، ونصلي فيه نحن، ومن يجيء بعدنا، فنزلت يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيدا. انتهى خازن. والعيد مشتق من العود؛ لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي. وقال ابن الأنباري: النحويون يقولون يوم العيد؛ لأنه يعود بالفرح، والسرور، وعيد العرب، لأنه يعود بالفرح، والحزن، وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد. ﴿لِأَوَّلِنا:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤١] فإنه جيد، وقرئ: «(لأولانا وأخرانا)» بمعنى الأمة، أو الطائفة. ﴿وَآيَةً مِنْكَ:﴾ علامة دالة على كمال قدرتك، وصحة نبوتي. ﴿وَارْزُقْنا:﴾ فهذا الفعل ينصب مفعولين الثاني محذوف، التقدير: المائدة، والشكر عليها. ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي: خير من يرزق؛ لأنه خالق الرزق، ومعطيه بلا عوض وبلا منة، وهو مبذول للمؤمن، والكافر، والعاصي، والمطيع، وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [٥٤] من سورة (البقرة). تنبيه: طلب عيسى-﵊-من ربه نزول المائدة حين رأى: أن لهم غرضا صحيحا في ذلك، أو أنهم لا يقلعون عنه، فأراد إلزامهم الحجة بكمالها. انتهى بيضاوي. قيل: إنه اغتسل، ولبس المسح، وصلى ركعتين، وطأطأ رأسه، وبكى، ثم دعا الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿عِيسَى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿اللهُمَّ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بياء المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى مضاف محذوف منه حرف النداء، ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْزِلْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان به. ﴿مائِدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مائِدَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل قبلهما. ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هي»، وقرئ: «(تكن)» بالجزم لوقوعه في جواب الطلب. ﴿لَنا:﴾ يجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ،﴾ ويكون ﴿عِيداً﴾ حالا من الضمير في الظرف، أو حالا من الضمير المستتر في: ﴿تَكُونُ﴾ على قول من ينصب عنها الحال، ويجوز أن يكون: ﴿عِيداً﴾ الخبر، وفي: ﴿لَنا﴾ على هذا؛ وجهان: أحدهما: أن تكون حالا من الضمير في تكون، والثاني أن تكون حالا من ﴿عِيداً؛﴾ لأنه صفة له قدمت عليه: ﴿لِأَوَّلِنا﴾ فإذا جعلت: ﴿لَنا﴾ خبرا، أو حالا من فاعل ﴿تَكُونُ﴾ فهو صفة ل: ﴿عِيداً،﴾ وإن جعلت: ﴿لَنا﴾ صفة ل: ﴿عِيداً﴾ كان: ﴿لِأَوَّلِنا﴾ بدلا من الضمير المجرور بإعادة الجار، أي: هما بدل من ﴿لَنا﴾. انتهى عكبري. (آخرنا): معطوف على ما قبله، ونا: في محل جر بالإضافة. (آية): معطوف على ﴿عِيداً﴾. ﴿مِنْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف

стр. 1644

صفة: (آية). (ارزقنا): فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه، ونا: مفعوله الأول، وانظر تقدير الثاني في الشرح. وهذا؛ والجمل كلها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الرّازِقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)﴾ الشرح: ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ أي: إجابة لطلبكم. وقرئ بتشديد الزاي، وتخفيفها، وانظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿عَذاباً:﴾ انظر الآية رقم [٣٧] ﴿أَحَداً:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٩٦] فإنه جيد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي: من عالم زمانهم، أو العالمين مطلقا، فإنهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وقال عبد الله بن عمر ﵄: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. انتهى خازن. وانظر شرح: ﴿الْعالَمِينَ﴾ في سورة (الفاتحة). تنبيه: روي: أن المائدة نزلت سفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى، ﵇، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة، وعقوبة، ثم قام فتوضأ، وصلى، وبكى، ثم كشف الغطاء، وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس، ولا شوك، تسيل دسما، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون رئيس الحواريين: يا روح الله، أمن طعام الدنيا، أم من طعام الآخرة هذا، قال: ليس منهما، ولكن اخترعه الله بقدرته، كلوا ما سألتم، واشكروا يمدكم الله، ويزدكم من فضله. فقالوا: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية. وروي: أنهم قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال: معاذ الله أن آكل منها، إنما يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة، والمرض، والبرص، والجذام، والمقعدين، فقال: كلوا من رزق الله، لكم الشفاء، ولغيركم البلاء، فأكلوا منها، وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة، من فقير، ومريض، وزمن، ومبتلى، وصدروا عنها؛ وهم شباع، وإذا

стр. 1645

السمكة بحالها حين أنزلت، ثم طارت المائدة صعودا، وهم ينظرون إليها حتى توارت، ولم يأكل منها مريض، أو زمن، أو مبتلى إلا عوفي، ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها. وقيل: مكثت أربعين صباحا تنزل ضحى، وكانت تنزل غبّا: يوما تنزل، ويوما لا تنزل، فأوحى الله إلى عيسى-﵇: اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء، حتى شكوا وشككوا الناس فيها، فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثين رجلا، باتوا ليلتهم مع نسائهم على فرشهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرق، يأكلون العذرة من الكناسات، والحشوش، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى ﵇، وبكوا، ولما أبصرت الخنازير عيسى-﵇ بكت، وجعلت تطيف به، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم، فيشيرون برءوسهم، ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا. انتهى بيضاوي، وخازن بتصرف. عن عمار بن ياسر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أنزلت المائدة من السماء خبزا، ولحما، وأمروا ألا يخونوا، ولا يدخروا لغد، فخانوا، وادّخروا لغد، فمسخوا قردة، وخنازير». أخرجه الترمذي. انتهى خازن. الإعراب: ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مُنَزِّلُها:﴾ خبر (إنّ)، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان باسم الفاعل، وجملة: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع على ما سبق. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَكْفُرْ،﴾ و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُعَذِّبُهُ:﴾ مضارع، ومفعوله، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أُعَذِّبُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء في محل نصب مفعول مطلق؛ لأنها عائدة على المصدر. وقال أبو البقاء: وفيه على هذا أي: اعتبار الهاء عائدة على المصدر وجهان: أحدهما: أن يكون حذف حرف الجر، أي: لا أعذب به أحدا، والثاني أن يكون مفعولا به على السعة، وانظر الشاهد رقم [٩٢٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» فله شبه بالآية الكريمة. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَحَداً،﴾ وجملة: ﴿لا أُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿عَذاباً،﴾ وجملة: ﴿أُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، وجملة (إني...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٤٧] والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها مفرعة عما قبلها.

стр. 1646

﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٢] و [٣/ ٤٥]. ﴿قُلْتَ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٨]. ﴿لِلنّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٣] ورقم [٧/ ٢]. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ ما أحراك أن تنظر في الآية رقم [٢/ ٣٢] ففيها الكفاية و [١٠٠] الأنعام ﴿ما يَكُونُ لِي:﴾ ما ينبغي وما يحق لي. ﴿بِحَقٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ:﴾ تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أجهر به، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، وفي قوله: ﴿نَفْسِكَ﴾ مشاكلة، وانظرها في الآية رقم [٣٠] الأنفال ورقم [٩/ ٦٨] وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢/ ٩] و [٧/ ٩] ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ انظر الآية رقم [١٠٩]. تنبيه: ما في الآية الكريمة من المحاورة إنما يكون يوم القيامة، ومضمونه توبيخ النصارى على اتخاذ عيسى وأمه إلهين، وتبكيت لهم بإقراره ﵊ على رءوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله ، وتبرئته مما نسب إليه، والتعبير بالماضي لما مر من الدلالة على تحقق الوقوع، كما في الآية رقم [١١٣]. بعد هذا تأمل معي: أن الآيات رقم [١١٤] إلى [١١٩] قد تضمنت شيئا قد وقع في حياة عيسى ﵇، وقبل رفعه إلى السماء، لذا فإني أرى: أن مضمونها معترض معنى بين مضمون الآية رقم [١١٣] وبين مضمون الآية رقم [١١٩] وما بعدها، لذا فإن قول بعض المفسرين إن ما في الآية الكريمة معطوف على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ لا وجه له، وإنما هو معطوف على الآية رقم [١١٣] وما بينهما اعتراض معنى، وإعرابا. تنبيه: انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ١٧١] وما ذكرته في الآية رقم [١٨] و [٧٣] و [٧٥] لتعرف تفسير النصارى لتأليه عيسى، وأمه، عليهما الصلاة والسّلام. تنبيه: قال أبو روق: إذا سمع عيسى-﵇-هذا الخطاب، وهو قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ..﴾. إلخ ارتعدت مفاصله، وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم، وقال مجيبا: سبحانك... إلخ. انتهى خازن. والله أعلم. الإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ معطوف على مثله في الآية رقم [١١٢] وهو مثله في إعرابه. ﴿أَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ لقوم عيسى كما رأيت (أنت): ضمير منفصل

стр. 1647

مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿قُلْتَ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] والجملة الفعلية مع المقول الآتي في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّخِذُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، ﴿وَأُمِّي:﴾ معطوف على ياء المتكلم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهَيْنِ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، ولا وجه له، ولو قيل: متعلقان بالفعل نفسه لكان مقبولا، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخِذُونِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (عيسى). ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وانظر الآية رقم [٢/ ٣٢] و [١٠٠] (الأنعام) والجملة الفعلية المكونة من ذلك في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره تقدم على اسمه، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَقُولَ﴾ في محل رفع اسمه المؤخر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿لِي:﴾ متعقلان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾. ﴿بِحَقٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِي﴾ وجوز أبو البقاء اعتبار: ﴿بِحَقٍّ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ليس، و ﴿لِي﴾ متعلقين بمحذوف حال من (حق)، كان صفة له فلما قدم عليه صار حالا، وقيل غير ذلك، ولا اعتبار له، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع اسم ﴿لَيْسَ﴾ إليها، وجملة: ﴿ما يَكُونُ لِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ سُبْحانَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿قُلْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والهاء عبارة عن كلام كثير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُ قُلْتُهُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و ﴿أَنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي نَفْسِي:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها. ﴿وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، وينبغي أن تعرف: أن علم، وتعلم، وأعلم بمعنى العرفان والمعرفة، فلذا اكتفى بمفعول واحد لهن، وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٠] (الأنفال). والكلام كله

стр. 1648

من تتمة مقول عيسى، ﵇. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [١٠٩] وهو في المعنى تعليل، وفي الإعراب من مقول عيسى ﵇. ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ الشرح: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ..﴾. إلخ: هذا نفي لما فعله النصارى من تأليه عيسى ﵇، فهو يتبرأ منهم، ومما فعلوه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وإثبات لما أمرهم به من عبادة الله وحده لا شريك له. وانظر إعلال: ﴿قُلْتُ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح ﴿رَبِّي﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة). ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: رقيبا أمنعهم أن يقولوا ذلك أو يعتقدوه، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر، وإيمان، ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي:﴾ قبضتني بالرفع إلى السماء. والتوفي: أخذ الشيء وافيا، أي كاملا، والموت نوع منه، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وانظر ما ذكرته في الآية [٣/ ٥٥] فإنه جيد. ﴿الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ:﴾ المراقب لأحوالهم وشئونهم، فتمنع من أردت عصمته من الكفر بالإرشاد إلى الدلائل، والتنبيه عليها بإرسال الرسل، وإنزال الآيات. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿شَهِيدٌ:﴾ مطلع وعالم بقولي لهم، وقولهم بعدي، وما فعلوا من تغيير وتحريف وتزييف. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُلْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به وهي كناية عن كلام كثير. ﴿أَمَرْتَنِي:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿أَنِ:﴾ مفسرة. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبِّي:﴾ صفة الله أو بدل منه منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَبَّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا..﴾. إلخ مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، هذا؛ وقد قال أبو البقاء: يجوز أن تكون: ﴿أَنِ﴾ مصدرية، والأمر صلة لها. وفي الموضع ثلاثة أوجه: الجر على البدل من الهاء في: ﴿بِهِ﴾ والرفع على إضمار هو، والنصب على إضمار أعني، أو بدلا من موضع به، ولا يجوز أن تكون بمعنى أي المفسرة؛ لأن القول قد صرح به و «أن» لا تكون مع التصريح بالقول. وقال البيضاوي قريبا من هذا الكلام، والجواب أن التفسير ليس ل ﴿قُلْتُ﴾ وإنما هو ل ﴿أَمَرْتَنِي﴾ وهو فيه معنى القول دون حروفه. ﴿وَكُنْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه.

стр. 1649

﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيداً﴾ الذي هو خبر، وجملة: ﴿وَكُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ما قُلْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿ما:﴾ مصدرية والزمان معها محذوف، كما ستعرفه. ﴿دُمْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر دام، وما ودام في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ظرف إليه محذوف، وهذا الظرف متعلق ب: ﴿شَهِيداً،﴾ وتقدير الكلام: (كنت شهيدا عليهم مدة دوامي فيهم). ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما) حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند الفارسي، وابن السراح وابن جني، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَوَفَّيْتَنِي:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية، والجملة لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (كان)، ﴿الرَّقِيبَ:﴾ خبر كان، ويقرأ بالرفع، فيكون: ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، والرقيب خبره، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب خبر (كان). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالرقيب، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٩] والجملة الاسمية مستأنفة، وهي في المعنى معطوفة على خبر (كان)، وعند التأمل يظهر لك: أن الكلام كله من مقول عيسى ﵇، الذي يقوله يوم القيامة لله، ، وهو يعلن براءته مما ألصق فيه النصارى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ الشرح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ:﴾ أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ..﴾. إلخ: فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وثواب، فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت؛ فعدل، وإن غفرت؛ ففضل. انتهى بيضاوي. وأحسن منه بل وأولى بالاعتبار ما نقله النسفي عن الزجاج-رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ولا ينسانا من رحمته-قال الزجاج: علم عيسى-﵇-أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم: إن تعذبهم، أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك، مكذبين لأنبيائك، وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم، أي لمن أقلع منهم عن الكفر وآمن، فذلك تفضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، عزيز قوي، قادر على الثواب،

стр. 1650

حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. انتهى بحروفه. وهذا الكلام في غاية الجودة؛ لأن الله لا يغفر الكفر قطعا، والنصوص كثيرة في ذلك. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُعَذِّبْهُمْ:﴾ فعل الشرط مجزوم، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: (فلا اعتراض عليك)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ،﴾ تعليل لهذا النفي الذي رأيته، وإن ومدخولها من مقول عيسى، ﵇. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، وينبغي أن تعلم: أن المفعول محذوف، التقدير: ذنوبهم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذلك تفضل منك، وتكرم عليهم، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ..﴾. إلخ تعليل لهذا المحذوف. وانظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١١٦]. واعتبار الجواب محذوفا والجملتين الاسميتين تعليلا للمحذوف، هو الذي يؤيده المعنى وإن أوهم الظاهر خلاف ذلك. ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] ورقم [٧/ ٤] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤٨] ورقم [٦/ ١٢٨] فإنه جيد. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه في الدنيا، والذين صدقوا في أقوالهم وأعمالهم. وهذا الكلام إنما يكون يوم القيامة كما قدمت سابقا، والتعبير ب: ﴿قالَ﴾ ذكرته في الآية رقم [١١٣]. ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥]. ﴿أَبَداً:﴾ هو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر، وهو هنا مفيد للتأبيد المفهوم من الخلود. ﴿﵃:﴾ بالسعي المشكور. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ:﴾ بالجزاء الموفور. ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾ وصفه ﷻ بالعظم؛ لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فإنه غير باق، بل هو فان. تنبيه: تكرر رضا الله عن عباده ورضا عباده، عنه في القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول: إن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، فحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه، من صحة أو مرض، أو غنى، أو فقر؛ فيكون راضيا عن الله تعالى، فالله يثيبه رضاه، أي رحمته، وعفوه، وجوده، وإحسانه، فعليه من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى، فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه، وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو
следующие страницы →