Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٢] و [٣/ ٤٥]. ﴿قُلْتَ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٨]. ﴿لِلنّاسِ:﴾
انظر الآية رقم [٣٢] ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٣] ورقم [٧/ ٢]. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ ما أحراك أن تنظر في الآية رقم [٢/ ٣٢] ففيها الكفاية و [١٠٠] الأنعام ﴿ما يَكُونُ لِي:﴾ ما ينبغي وما يحق لي.
﴿بِحَقٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ:﴾ تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أجهر به، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، وفي قوله: ﴿نَفْسِكَ﴾ مشاكلة، وانظرها في الآية رقم [٣٠] الأنفال ورقم [٩/ ٦٨] وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢/ ٩] و [٧/ ٩] ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ انظر الآية رقم [١٠٩].
تنبيه: ما في الآية الكريمة من المحاورة إنما يكون يوم القيامة، ومضمونه توبيخ النصارى على اتخاذ عيسى وأمه إلهين، وتبكيت لهم بإقراره ﵊ على رءوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله ، وتبرئته مما نسب إليه، والتعبير بالماضي لما مر من الدلالة على تحقق الوقوع، كما في الآية رقم [١١٣].
بعد هذا تأمل معي: أن الآيات رقم [١١٤] إلى [١١٩] قد تضمنت شيئا قد وقع في حياة عيسى ﵇، وقبل رفعه إلى السماء، لذا فإني أرى: أن مضمونها معترض معنى بين مضمون الآية رقم [١١٣] وبين مضمون الآية رقم [١١٩] وما بعدها، لذا فإن قول بعض المفسرين إن ما في الآية الكريمة معطوف على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ لا وجه له، وإنما هو معطوف على الآية رقم [١١٣] وما بينهما اعتراض معنى، وإعرابا.
تنبيه: انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ١٧١] وما ذكرته في الآية رقم [١٨] و [٧٣] و [٧٥] لتعرف تفسير النصارى لتأليه عيسى، وأمه، عليهما الصلاة والسّلام.
تنبيه: قال أبو روق: إذا سمع عيسى-﵇-هذا الخطاب، وهو قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ..﴾. إلخ ارتعدت مفاصله، وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم، وقال مجيبا: سبحانك... إلخ. انتهى خازن. والله أعلم.
الإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ معطوف على مثله في الآية رقم [١١٢] وهو مثله في إعرابه. ﴿أَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ لقوم عيسى كما رأيت (أنت): ضمير منفصل
стр. 1647
مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿قُلْتَ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] والجملة الفعلية مع المقول الآتي في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّخِذُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، ﴿وَأُمِّي:﴾ معطوف على ياء المتكلم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهَيْنِ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، ولا وجه له، ولو قيل: متعلقان بالفعل نفسه لكان مقبولا، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخِذُونِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (عيسى).
﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وانظر الآية رقم [٢/ ٣٢] و [١٠٠] (الأنعام) والجملة الفعلية المكونة من ذلك في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص.
﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره تقدم على اسمه، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَقُولَ﴾ في محل رفع اسمه المؤخر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿لِي:﴾ متعقلان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾. ﴿بِحَقٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِي﴾ وجوز أبو البقاء اعتبار: ﴿بِحَقٍّ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ليس، و ﴿لِي﴾ متعلقين بمحذوف حال من (حق)، كان صفة له فلما قدم عليه صار حالا، وقيل غير ذلك، ولا اعتبار له، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع اسم ﴿لَيْسَ﴾ إليها، وجملة: ﴿ما يَكُونُ لِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ سُبْحانَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿قُلْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والهاء عبارة عن كلام كثير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُ قُلْتُهُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و ﴿أَنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت».
﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي نَفْسِي:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها. ﴿وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، وينبغي أن تعرف: أن علم، وتعلم، وأعلم بمعنى العرفان والمعرفة، فلذا اكتفى بمفعول واحد لهن، وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٠] (الأنفال). والكلام كله
стр. 1648
من تتمة مقول عيسى، ﵇. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [١٠٩] وهو في المعنى تعليل، وفي الإعراب من مقول عيسى ﵇.
﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾
الشرح: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ..﴾. إلخ: هذا نفي لما فعله النصارى من تأليه عيسى ﵇، فهو يتبرأ منهم، ومما فعلوه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وإثبات لما أمرهم به من عبادة الله وحده لا شريك له. وانظر إعلال: ﴿قُلْتُ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح ﴿رَبِّي﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة). ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: رقيبا أمنعهم أن يقولوا ذلك أو يعتقدوه، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر، وإيمان، ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي:﴾ قبضتني بالرفع إلى السماء.
والتوفي: أخذ الشيء وافيا، أي كاملا، والموت نوع منه، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وانظر ما ذكرته في الآية [٣/ ٥٥] فإنه جيد. ﴿الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ:﴾
المراقب لأحوالهم وشئونهم، فتمنع من أردت عصمته من الكفر بالإرشاد إلى الدلائل، والتنبيه عليها بإرسال الرسل، وإنزال الآيات. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿شَهِيدٌ:﴾ مطلع وعالم بقولي لهم، وقولهم بعدي، وما فعلوا من تغيير وتحريف وتزييف. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُلْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به وهي كناية عن كلام كثير. ﴿أَمَرْتَنِي:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية.
﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿أَنِ:﴾ مفسرة. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبِّي:﴾ صفة الله أو بدل منه منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَبَّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا..﴾. إلخ مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، هذا؛ وقد قال أبو البقاء: يجوز أن تكون: ﴿أَنِ﴾ مصدرية، والأمر صلة لها. وفي الموضع ثلاثة أوجه: الجر على البدل من الهاء في: ﴿بِهِ﴾ والرفع على إضمار هو، والنصب على إضمار أعني، أو بدلا من موضع به، ولا يجوز أن تكون بمعنى أي المفسرة؛ لأن القول قد صرح به و «أن» لا تكون مع التصريح بالقول. وقال البيضاوي قريبا من هذا الكلام، والجواب أن التفسير ليس ل ﴿قُلْتُ﴾ وإنما هو ل ﴿أَمَرْتَنِي﴾ وهو فيه معنى القول دون حروفه. ﴿وَكُنْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه.
стр. 1649
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيداً﴾ الذي هو خبر، وجملة: ﴿وَكُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ما قُلْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿ما:﴾ مصدرية والزمان معها محذوف، كما ستعرفه. ﴿دُمْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر دام، وما ودام في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ظرف إليه محذوف، وهذا الظرف متعلق ب: ﴿شَهِيداً،﴾ وتقدير الكلام: (كنت شهيدا عليهم مدة دوامي فيهم). ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما) حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند الفارسي، وابن السراح وابن جني، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَوَفَّيْتَنِي:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية، والجملة لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (كان)، ﴿الرَّقِيبَ:﴾ خبر كان، ويقرأ بالرفع، فيكون: ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، والرقيب خبره، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب خبر (كان). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾
متعلقان بالرقيب، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٩] والجملة الاسمية مستأنفة، وهي في المعنى معطوفة على خبر (كان)، وعند التأمل يظهر لك: أن الكلام كله من مقول عيسى ﵇، الذي يقوله يوم القيامة لله، ، وهو يعلن براءته مما ألصق فيه النصارى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ:﴾ أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ..﴾. إلخ: فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وثواب، فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت؛ فعدل، وإن غفرت؛ ففضل. انتهى بيضاوي.
وأحسن منه بل وأولى بالاعتبار ما نقله النسفي عن الزجاج-رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ولا ينسانا من رحمته-قال الزجاج: علم عيسى-﵇-أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم: إن تعذبهم، أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك، مكذبين لأنبيائك، وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم، أي لمن أقلع منهم عن الكفر وآمن، فذلك تفضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، عزيز قوي، قادر على الثواب،
стр. 1650
حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. انتهى بحروفه. وهذا الكلام في غاية الجودة؛ لأن الله لا يغفر الكفر قطعا، والنصوص كثيرة في ذلك.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُعَذِّبْهُمْ:﴾ فعل الشرط مجزوم، والفاعل تقديره:
«أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: (فلا اعتراض عليك)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ،﴾ تعليل لهذا النفي الذي رأيته، وإن ومدخولها من مقول عيسى، ﵇. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، وينبغي أن تعلم: أن المفعول محذوف، التقدير: ذنوبهم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذلك تفضل منك، وتكرم عليهم، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ..﴾. إلخ تعليل لهذا المحذوف. وانظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١١٦]. واعتبار الجواب محذوفا والجملتين الاسميتين تعليلا للمحذوف، هو الذي يؤيده المعنى وإن أوهم الظاهر خلاف ذلك.
﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] ورقم [٧/ ٤] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة.
﴿يَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤٨] ورقم [٦/ ١٢٨] فإنه جيد. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه في الدنيا، والذين صدقوا في أقوالهم وأعمالهم. وهذا الكلام إنما يكون يوم القيامة كما قدمت سابقا، والتعبير ب: ﴿قالَ﴾ ذكرته في الآية رقم [١١٣]. ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥]. ﴿أَبَداً:﴾ هو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت:
لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر، وهو هنا مفيد للتأبيد المفهوم من الخلود. ﴿﵃:﴾ بالسعي المشكور. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ:﴾ بالجزاء الموفور. ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾ وصفه ﷻ بالعظم؛ لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فإنه غير باق، بل هو فان.
تنبيه: تكرر رضا الله عن عباده ورضا عباده، عنه في القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول:
إن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، فحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه، من صحة أو مرض، أو غنى، أو فقر؛ فيكون راضيا عن الله تعالى، فالله يثيبه رضاه، أي رحمته، وعفوه، وجوده، وإحسانه، فعليه من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى، فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه، وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو
стр. 1651
فوقكم، فهو أجدر ألاّ تزدروا نعمة الله عليكم». رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة، ﵁.
وانظر ما ذكرته عن أبي زيد في الآية رقم [١١٩] (التوبة) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع. ﴿يَنْفَعُ:﴾ مضارع.
﴿الصّادِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿صِدْقُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمُ﴾ إليها، هذا؛ وقد قرئ «(يوم)» بالفتح، قال البيضاوي: على أنه ظرف ل: ﴿قالَ،﴾ وخبر ﴿هذا﴾ محذوف، أو ظرف مستقر وقع خبرا، والمعنى: هذا الذي من كلام عيسى واقع يوم ينفع. وقيل: إنه خبر، ولكن بني على الفتح لإضافته إلى الفعل. وليس بصحيح؛ لأن المضاف إليه معرب، وقال بقول البيضاوي العكبري، وزاد جواز اعتبار: ﴿هذا﴾ مفعولا ل ﴿قالَ،﴾ وما قاله البيضاوي، والعكبري، واعتمداه إنما هو قول البصريين، وما ضعفاه إنما هو قول الكوفيين، وقد رجح ابن هشام في هذه المسألة قول الكوفيين، انظر الشاهد [٩١٦] وما قبله وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب. ففيه الكفاية لكل ذي قلب لبيب، والجملة الاسمية: ﴿هذا يَوْمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية ﴿قالَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل رفع صفة ﴿جَنّاتٌ،﴾ ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بخالدين أيضا، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿﵃﴾ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾
الشرح: ﴿لِلّهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿السَّماواتِ:﴾ جمع: سماء. انظر الآية رقم [٦/ ١].
﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. فقد عظم الله نفسه في هذه الآية الكريمة، ونبه بها على كذب النصارى، وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وبأنه تعالى مالك لكل ما في السموات والأرض، ومن جملته عيسى وأمه، وقد أدخلهما في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا، وهذا مفاد من التعبير ب: ﴿ما﴾ التي هي لغير العقلاء، دون (من) التي هي للعقلاء، فغلب سبحانه غير العقلاء على العقلاء لهذه الغاية، وانظر الآية رقم [٧٩] وأيضا الآية رقم [٣] من سورة (النساء).
стр. 1652
الإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿مُلْكُ﴾. ﴿فِيهِنَّ:﴾
متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَهُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بقدير بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾
مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
انتهى تفسير وإعراب سورة المائدة بمنه تعالى وكرمه، فأسأله تعالى أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى وأن يجعلنا من الفائزين بجنانه. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فائدة: حيث وقعت (ما) قبل (ليس) أو (لم) أو (لا) أو بعد (إلا) فهي موصولة، نحو ﴿ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (ما لم تعلم) ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾. وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وحيث وقعت بعد الباء، فإنها تحتملهما، نحو ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وحيث وقعت بين فعلين، سبقهما علم، أو دراية، أو نظر احتملت الموصولة، والاستفهامية، نحو ﴿ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وحيث وقعت في القرآن قبل إلا فهي نافية إلا في ثلاثة عشر موضعا: ﴿ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلا موضعين هما في قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فهي فيهما مصدرية. ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ حيث كان قاله في الإتقان انتهى. كرخي نقله الجمل.
أقول: اعتبار هذا ضابطا يجب اتباعه غير مسلم؛ لأن بعض الآيات التي ذكرها، واعتبر فيها ﴿ما﴾ موصولة فقط تحتمل الموصولة، والموصوفة، ولأن بعضها تحتمل فيه ﴿ما﴾ الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والحق: أن مدار ذلك على المعنى، وهذا ما اتبعته فيما تقدم من الإعراب، ولا أتخلى عنه فيما يأتي. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
стр. 1653
سورة الأنعام
وهي مكية ما عدا ست آيات منها فإنها مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الثلاث آيات المتضمنة عشر وصايا، والآيات الثلاث: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ..﴾. إلخ إلى قوله ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقد نزلت جملة واحدة غير الآيات المشار إليها، نزلت ليلا، فدعا رسول الله ﷺ الكتاب، فكتبوها من ليلتهم. وآياتها مائة وخمس وستون، أو أربع وستون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾
الشرح: انظر البسملة والكلام عليها في أول سورة الفاتحة. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ لا أتكلم على هذين اللفظين بأكثر مما ذكرته في أول سورة الفاتحة. ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، و (جعل) هنا بمعنى: خلق وأنشأ.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-الفرق بين ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿جَعَلَ﴾ الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس، وجمع الظلمة لأنها متعددة، وتختلف باختلاف الشيء الذي تكون فيه، مثل ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الموضع المظلم، فإن كل واحد منها يخالف صاحبه، ووحد (النور) لأنه نوع واحد لا يختلف، وقدم ﴿الظُّلُماتِ﴾ لأنها مخلوقة قبل النور.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الله خلق خلقه في ظلمة، ثمّ ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». ذكره البغوي. هذا؛ وانظر تفسيرا آخر للظلمات والنور في الآية رقم [١٨] (المائدة). ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] (المائدة). ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩] منها. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة.
стр. 1654
﴿يَعْدِلُونَ:﴾ يعرضوان عن عبادة الله تعالى، أو يسوون الأصنام بربهم، والشرح الوافي لذلك انظره في الآية رقم [١٣٥] النساء ففيه الكفاية، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (الله)، أو هو بدل منه. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وإعراب: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ مثلها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالفعل بعدهما على حسب ما رأيت في المعنى، وجملة: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وقيل: يجوز عطفها على جملة: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ ولم يظهر لي صحة جوازه.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ:﴾ وقال سبحانه في غير هذه الآية: ﴿خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ والمعنى: ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى، وإن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه. أو المعنى: خلق أباكم، فحذف المضاف. هذا قول المفسرين.
أقول: وعليه فخلقنا من طين أو تراب هو خلق غير مباشر، وهناك خلق مباشر، يدركه كل إنسان، وذلك بالرجوع إلى مبدأ خلقه، فلا ريب أن المادة التي يبدأ خلق الإنسان منها مستمدة من دمه، ودمه مستمد من الغذاء، والشراب، ومصدر هذين إنما هو من الأرض التي ينبت فيها الغذاء على جميع أنواعه، والشراب على اختلاف أجناسه. احفظ هذا؛ وافهمه فإنه جيد، وتوسع في تحليله، والكلام عليه إن أردت. ﴿قَضى:﴾ انظر الآية رقم [١١٧] (البقرة) فالكلام على هذا اللفظ طويل هناك، ومعناه هنا: كتب، وقدر.
وقد اختلف في تفسير الأجلين المذكورين هنا على أقوال: فقيل: أجل الموت، وأجل القيامة، وقيل، الأول ما بين خلق الإنسان وموته، الثاني ما بين موته وبعثه للحساب، وقيل:
الأول: النوم، والثاني: الموت، وقيل: الأول لمن مضى، والثاني لمن بقى ولمن يأتي، أو الثاني هو الأول، وتقديره: وهو أجل مسمى؛ أي: معلوم، ومثبت معين. ﴿عِنْدَهُ:﴾ في علمه وتقديره الأزلي. والإضافة إضافة تشريف، وقل مثله في كل إضافة لله جل علاه، وتقدست أسماؤه. وانظر إعلال مثل: ﴿مُسَمًّى﴾ في الآية رقم [٩١]. ﴿تَمْتَرُونَ:﴾ تشكون، من: المرية، أو من المراء، وهو
стр. 1655
المجادلة، وأفادت ﴿ثُمَّ﴾ معنى استبعاد ذلك منهم بعد أن ثبت أنه سبحانه خالقهم، وخالق أصولهم، ومحييهم، ومميتهم، وباعثهم ليوم لا ريب فيه، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإبداع الحياة فيها وإبقائها؛ كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا، فالآية الأولى دليل التوحيد، والثانية دليل البعث للحساب والجزاء. انتهى. بيضاوي، وغيره بتصرف.
الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال، وذلك على تقدير المضاف الذي رأيته في الشرح، أي: كائنا من طين، وجملة: ﴿قَضى أَجَلاً﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿وَأَجَلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسَمًّى﴾ صفته مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وهذه الصفة هي التي جوزت الابتداء بالنكرة. هذا؛ وجوز اعتبار (أجل) خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو (أجل)، ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ على الأول، ومتعلق ب: ﴿مُسَمًّى﴾ على الاعتبار الثاني، والجملة الاسمية معطوفة على الوجهين على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تَمْتَرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿سِرَّكُمْ﴾ أي: ما تسرون وتخفون من أعمال، أو ما تضمرونه في قلوبكم. ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ أي: ما تجهرون به وتظهرونه للناس من أعمال. ﴿ما تَكْسِبُونَ:﴾ من خير أو شر، فيثيب على الخير، ويعاقب على الشر.
قال البيضاوي: ولعله أريد بالسر والجهر ما يخفى، وما يظهر من أحوال الأنفس، وبالمكتسب أعمال الجوارح، ولا تنس: أن ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى يعرف فلذا اكتفى بمفعول واحد.
وانظر العلم والمعرفة في الآية رقم [٦١] (الأنفال).
الإعراب: ﴿وَهُوَ اللهُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بلفظ الجلالة بتأويله بمشتق، أي: المعبود، أو المستحق للعبادة، وقيل: متعلقان بالفعل بعدهما، والأول أرجح عندي، والجملة الفعلية: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ:﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، ويجوز اعتبارها في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وقيل: هي مستأنفة. ولا وجه له، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ
стр. 1656
معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تكسبونه، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم كسبكم.
﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤)﴾
الشرح: ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ «أتى» يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ومن الثاني ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. ﴿آيَةٍ:﴾ تطلق على معان كثيرة، منها الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر ونحوه، وتطلق على الموعظة، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ كما تطلق على جملتين أو أكثر من كلام الله تعالى، والكل هنا محتمل. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة). ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ مهملين للنظر في تلك الآيات لا يلتفتون إليها لقلة خوفهم من الله، ولقلة فهمهم وإدراكهم. والمراد بالضمائر المتصلة أهل مكة.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء: في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٍ،﴾ و ﴿آياتِ:﴾
مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، وانظر إعراب آمنوا في الآية رقم [١] المائدة والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدها. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. وصاحب الحال هو الضمير المنصوب محلاّ، وقيل ﴿مِنْ آيَةٍ،﴾ وساغ ذلك لتخصصها بالوصف، وعلى الاعتبارين فالرابط الضمير فقط.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ:﴾ كذب كفار قريش بالحق، وهو القرآن المنزل من عند الله لما جاءهم به محمد ﷺ ، وهو أعظم آية، وقد تحداهم الله به فعجزوا عن معارضته، وإذا كانوا قد كذبوا به؛ فلم لا يكذبون غيره من آيات؟! وانظر شرح: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٧]،
стр. 1657
﴿جاءَهُمْ:﴾ جاء: يستعمل لازما، إن كان بمعنى حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ ومن الثاني الآية الكريمة، ومثلها كثير. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَنْبؤُا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٤]، ومعنى ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ أي: سيظهر لهم عاقبة استهزائهم عند نزول العذاب بهم يوم القيامة، أو حين يعلو شأن الإسلام وتنزل بهم الذلة والمهانة. وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده.
الإعراب: ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب:
﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿جاءَهُمْ:﴾ في محل جر بإضافة:
﴿لَمّا﴾ إليها. والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال السفاقسي وغيره:
معطوفة على ما قبلها، وقول الزمخشري: الجملة جواب شرط مقدر، أي: إن كانوا معرضين عن الآيات؛ فلا تعجب، فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها. ففيه تكلف لا يخفى. انتهى جمل بتصرف. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ:﴾ مضارع ومفعوله وفاعله، وانظر الآية السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، و ﴿يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي موصولة، أو موصوفة. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، ولا يصح اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية لعود الضمير عليها وهي حرف، وجوز ابن عطية اعتبارها مصدرية. وعليه فالضمير يعود على (الحق) وعند الأخفش يعود إليها الضمير؛ لأنها عنده اسم. انتهى جمل بتصرف.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)﴾
الشرح: ﴿يَرَوْا:﴾ ينظروا، وهو معلق عن العمل بما بعده، وإعلاله مثل إعلال: ﴿عَصَوْا﴾ في الآية رقم [٥/ ٧٨]، ﴿قَرْنٍ:﴾ بفتح القاف وسكون الراء، مائة سنة على الصحيح، وقيل:
ثمانون، وقيل: ثلاثون، ويقال: القرن في الناس: أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب
стр. 1658
وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل]
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل
والقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظمية التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، والقرن الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم: سيدهم، ومن السيف حده، ونصله، وجمعه في كل ما تقدم: قرون، هذا؛ وهو بكسر القاف وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة والعلم وغيرهما، والجمع على هذا: أقران. ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ جعلنا لهم فيها مكانا يستقرون فيه. أو أعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا فيه من أنواع التصرف فيها، والمراد:
قوم عاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم. ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة، والمراد: ما لم نجعل لكم ما جعلنا لهم من قوة وطول. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ:﴾ المطر، وأطلق المطر على السماء لنزوله منها. ﴿مِدْراراً:﴾ غزيرا كثيرا. ﴿الْأَنْهارَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٨٥]، والمراد بيان ما كان فيه أولئك الأقوام من خير ونعمة ورخاء. و ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ..﴾. إلخ: خلقنا وأحدثنا من بعدهم ناسا غيرهم. والمعنى: كما أهلك الله من قبلكم، وأحدث غيرهم كذلك قادر الله على إهلاككم، وخلق غيركم. ففيه تهديد ووعيد لا يخفيان، هذا؛ و «مكّن» يتعدى بنفسه وبحرف الجر كما رأيته في الآية، مثل: نصحته، ونصحت له.
تنبيه: في الآية الكريمة التفات إلى الخطاب في: ﴿لَكُمْ﴾ الذي هو خطاب لأهل مكة عن الغيبة التي يقتضيها السياق في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا:﴾ فلو قال: ما لم نمكن لهم؛ لكان جاريا على الظاهر. هذا؛ والالتفات يكون أيضا من الخطاب إلى الغيبة، وعنهما إلى التكلم، وبالعكس، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، كما سأنبه عليه في محاله إن شاء الله تعالى، وله فوائد كثيرة، منها:
تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فائدته العامة، ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. انتهى جمل نقلا من كرخي.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾
مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وقال الجلال:
خبرية بمعنى: كثيرا، وجوز أبو البقاء اعتبارها ظرفا لما بعدها، كما جوز اعتبارها مصدرا، أي:
فهي مفعول مطلق، والمعتمد الأول، ثم الثاني. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (قبلهما)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز: ﴿كَمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر
стр. 1659
الزائد. ﴿مَكَّنّاهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل: ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لمصدر محذوف، التقدير: ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ التمكين الذي لم نمكن لكم، أو في محل نصب مفعول به ثان على تضمين الفعل معنى: أعطيناكم، والعائد على الوجهين محذوف، أو هي نكرة موصوفة في محل نصب مفعول به ثان، والرابط محذوف أيضا، التقدير: ما لم نمكنه لكم، وجوز أبو البقاء اعتبارها أيضا مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلقة بما قبلها. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿نُمَكِّنْ:﴾ مضارع مجزوم بلم. والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف على نحو ما رأيت. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ:﴾ معطوفة على جملة:
﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فهي في محل جر صفة مثلها. ﴿مِدْراراً:﴾ حال من السماء. وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ﴾ معطوفة أيضا عليها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَنْهارَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَنْهارَ﴾ على اعتبار (جعلنا) متعديا لمفعول واحد، أو هي في محل نصب مفعول به ثان على اعتباره متعديا لمفعولين. ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وجملة: ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ:﴾ معطوفة على جملة: ﴿قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل جر صفة مثلها، وجملة: ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً:﴾ معطوفة أيضا. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَرْناً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وانظر ما ذكرته في التعبير ب (نا) في الآية رقم [٧/ ٥] وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥] فإن ما في الآية ينطبق عليه.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿نَزَّلْنا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]، ﴿عَلَيْكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ . ﴿كِتاباً فِي قِرْطاسٍ﴾ أي: كتابا مكتوبا في ورق، وانظر شرح الكتاب في الآية رقم [١] (الأعراف)، ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ:﴾ مسوه، وإنما قال: لمسوه، ولم يقل: عاينوه؛ لأن اللمس أبلغ من المعاينة؛ لأن المرئيات قد يدخلها التخيلات كالسحر ونحوه، بخلاف الممسوس، فلا يمكنهم أن يقولوا: إنما سكرت أبصارنا، وانظر شرح (يد) في الآية رقم [٥/ ١١] قال: انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤] ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٦] ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١١٠].
стр. 1660
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه: أنه من عند الله، وأنك رسوله، وقد ذكر الله ذلك عنهم في سورة (الإسراء) رقم [٩٠] وما بعدها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَزَّلْنا:﴾
فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كِتاباً:﴾ مفعول به. ﴿فِي قِرْطاسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتاباً﴾. والجملة الفعلية: ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمَسُوهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَقالَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). ﴿لَقالَ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المقول جواب (لو) لا محل لها.
﴿كَفَرُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥/ ١١٠] وهي في محل نصب مقول القول.
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٤] أو [٢/ ٢٦]. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ على محمد ﷺ . ﴿مَلَكٌ:﴾ من ملائكة السماء، يشهد له أنه نبي. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لحق إهلاكهم لأن سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ:﴾ لا يمهلون بعد نزول الملك طرفة عين، بل يعجل لهم العذاب، وقد ذكر الله عنهم ذلك في سورة (الإسراء) وسورة (الفرقان) وانظر ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [١١٧] (البقرة) و [٤٥] (الأنفال) فإنه جيد. وانظر ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] الأعراف ورقم [٤٣] (المائدة).
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق.
﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَلَكٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. والجملة الفعلية: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مَلَكاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية:
﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها على نحو ما رأيت. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قضي الأمر): ماض مبني للمجهول ونائب فاعل، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ. والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الوجهين.
стр. 1661
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ..﴾. إلخ: أي: ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا؛ لأنهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم. ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة. ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلاً﴾ أي: لو أرسلنا إليهم ملكا؛ لجعلناه في صورة رجل، وذلك لأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنسان، كما جاء جبريل إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي، وكما جاء الملكان إلى داود ﵇ في صورة رجلين، وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم، ولوط عليهما الصلاة والسّلام، ولما رأى النبي ﷺ جبريل في صورته التي خلق عليها؛ صعق لذلك، وغشي عليه. ﴿وَلَلَبَسْنا..﴾. إلخ: هذا جواب ل (لو) محذوفة كما ستعرفه في الإعراب.
والمعنى: لو جعلنا الملك المنزل عليهم رجلا؛ لاشتبه الأمر عليهم، واختلط أيضا حيث يقولون له: إنما أنت بشر مثلنا، ولست بملك، ولست برسول، ولو استدل على ملكيته بالقرآن المعجز؛ لكذبوه كما كذبوا محمدا، ﵊، ففيه تأكيد لاستحالة جعل الرسول ملكا. هذا؛ ويقرأ «(لبسنا)» بدون لام، كما يقرأ بالتشديد، وانظر الآية رقم [١٣٧] تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مَلَكاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما رأيت في الآية السابقة، وجملة: ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلاً:﴾ جواب لولا محل لها، ولو ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَلَلَبَسْنا:﴾ الواو: حرف عطف، وجملة:
﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ:﴾ جواب (لو) محذوفة انظر التقدير في الشرح. و (لو) المقدرة، ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له أيضا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يلبسونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: لبسهم.
﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ فيه تعزية، وتسلية للرسول ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله أسوة له في ذلك الأنبياء والمرسلين الذين كانوا قبله، وتلك سنة متبعة في الأولين، والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الإصلاح
стр. 1662
والخير، إلا وقوبل بالاستهزاء والسخرية. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ﴾ أي: فنزل بالأقوام المستهزءين بالرسل العذاب المهين والعقاب الشديد، وفي هذه الآية تحذير للمشركين من أهل مكة أن يفعلوا بنبيهم كما فعل من كان قبلهم بأنبيائهم، فينزل بهم مثل ما نزل بهم، هذا؛ و (رسل) جمع:
رسول، وانظر: (سبل) في الآية رقم [١٦] (المائدة) تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ:﴾
متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (رسل) والكاف في محل جر بالإضافة: وجملة (لقد... إلخ) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (حاق): ماض. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَخِرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ انظر إعراب هذه الكلام في الآية رقم [٥] مع ملاحظة: أنّ ﴿ما﴾ وقعت هناك في محل جر بالإضافة، وهنا وقعت في محل رفع فاعل، وهي في الأصل في محل جر بالإضافة، فإن الأصل. حاق عقاب ما كانوا... إلخ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وجميع الاعتبارات هناك معتبرة هنا.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا أمر موجه للنبي ﷺ ليرشد قومه بالسير في الأرض، والنظر بما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم حيث أهلكهم بسبب ذلك. وفيه تهديد ووعيد لا يخفيان لأهل مكة، ولكل المكذبين. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٤٣] (المائدة).
هذا؛ وقد قال تعالى في الآية رقم [٣/ ١٣٧]. ﴿اُنْظُرُوا﴾. وقال هنا: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا،﴾ والفرق بينهما: أن النظر جعل هناك مسببا عن السير، فكأنه قيل: ﴿سِيرُوا﴾ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هنا إباحة السير في الأرض للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب والمباح. انتهى نسفي بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] المائدة.
والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾
حرف عطف. ﴿اُنْظُرُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي
стр. 1663
في محل نصب مقول القول. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها مرفوع، وهو مضاف، والمكذبين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ: في محل نصب مفعول به للفعل قبلها، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ﴿ما:﴾
أطلقت على جميع الموجودات في السموات والأرض من الملك والمخلوقات العاقلة وغيرها، والأصل فيها أن تطلق على غير العاقل، وقد غلب غير العاقل على العاقل، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وقد يغلب العاقل على غيره، وذلك باستعمال: (من) مكان: ﴿ما﴾ وهو موجود أيضا ومستعمل في القرآن، وانظر ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وشرحهما في الآية رقم [١]. والمراد بالاستفهام هنا: التوبيخ والتبكيت. ﴿قُلْ لِلّهِ:﴾ هذا تقرير لهم، وتنبيه على أنه المتعين للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق به قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾. انتهى جمل نقلا من أبي السعود. ﴿لِلّهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿كَتَبَ:﴾ هو في الأصل بمعنى: أوجب، وفرض، ولكن يجب تفسيره هنا ب «وعد» لأنه لا يجب على الله شيء، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٧/ ٩] وسأتكلم عن ﴿الرَّحْمَةَ﴾ في الآية رقم [٧/ ١٥٥] إن شاء الله تعالى. ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يا قوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من: قام، يا قوم. قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. وانظر شرح (اليوم) في الآية رقم [١٢٨]. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك في وجوده وإتيانه. وانظر الآية رقم [٢/ ٢] تجد ما يسرك. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بتعريضها للعذاب الأبدي، وتضييع رأس مالهم الحقيقي، وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم، والتفكير القويم، وأي خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها الذي لا ينقطع؟! وانظر الآية رقم [٥/ ٥] تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة
стр. 1664
لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الله، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ لِلّهِ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَتَبَ:﴾
ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحْمَةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَتَبَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (يجمعنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾
انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٤/ ٨٧] وانظر إعراب شبيهتها في الآية رقم [٥/ ١٠٩] والجملة الفعلية: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وقيل: الجملة الفعلية جواب ﴿كَتَبَ﴾ لما تضمنه من معنى القسم، وعلى هذا فلا يوقف على قوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾ وهو ضعيف، وأضعف منه ما قاله الزجاج من أن الجملة في محل نصب بدلا من الرحمة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، وساغ وقوعها هنا لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ الاسمية: (هم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقد قيل: إن الذين منصوب على الذم بفعل محذوف، كما قيل: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أنتم الذين، وهذان القولان ضعيفان، وأضعف منهما قول الأخفش: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ بدل من الضمير المنصوب في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾.
﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَهُ:﴾ ولله. ﴿ما سَكَنَ:﴾ من السكنى حيث يتناول الساكن والمتحرك، أو من السكون، وهو الهدوء، والاستقرار، ومعناه: ما سكن، وتحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ انظر شرحهما في الآية رقم [٩٦] الآتية فإنه جيد. ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ:﴾
صيغتا مبالغة، فهو سبحانه يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الليل والنهار، وانظر شرح: ﴿ما﴾ في الآية السابقة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها،
стр. 1665
والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْ لِلّهِ﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ معطوفة عليها، واستئنافها ممكن.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا أمر موجه للنبي ﷺ لينكر اتخاذ غير الله معبودا، فإن المراد ب: ﴿وَلِيًّا﴾ هنا: إلها، علما بأن الولي يطلق على المعين والنصير والمساعد، ومتولي الأمور ومدبرها.
وانظر الآية رقم [٤/ ٨٩] ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ومعنى ﴿فاطِرِ:﴾ خالق ومبدع، ومبتدئ.
وعن ابن عباس-﵄: ما عرفت معنى: ﴿فاطِرِ﴾ حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. وقرئ «(فطر)» و «(فاطر)» بالجر والنصب والرفع.
﴿يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ:﴾ يرزق ولا يرزق. من: أطعم الرباعي، وقرئ الثاني بفتح الياء من الثلاثي، والمعنى: هو المانح جميع النعم للعباد، وهو غير محتاج إلى شيء من ذلك. ﴿قُلْ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤] أو [٢/ ٢٦]. ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ:﴾ فلا ريب أن النبي ﷺ أول سابق إلى الدين والإيمان من أمته. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي: ﴿وَلا تَكُونَنَّ،﴾ ولو عطف على ما قبله لفظا، لقيل، وأن لا أكون... إلخ، والمعنى: أمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿أَوَّلَ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤١] أو [٧/ ١٤٣].
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وإنكار. (غير): مفعول أول قدم على فعله، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَتَّخِذُ:﴾
مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان، قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ﴿أَتَّخِذُ﴾ متعديا إلى واحد، وهو ولي، و (غير الله) صفة له، قدمت عليه فصارت حالا. وهو تكلف لا خفاء فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فاطِرِ:﴾ بالجر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، وبالنصب على تقدير فعل محذوف، وبالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو (فاطر)، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من لفظ الجلالة، وكذلك الجملة الفعلية على تقدير فعل، والجملة الفعلية على قراءة «(فطر)» ولكنها تحتاج إلى تقدير (قد) قبلها، فكلتاهما في محل نصب حال من لفظ الجلالة. و ﴿فاطِرِ:﴾
مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره هو. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله على لفظه. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطْعِمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾ ومفعوله
стр. 1666
محذوف للتعميم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.
(لا): نافية. ﴿يُطْعِمُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُمِرْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، وتاء الفاعل نائب فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب (أن)، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَوَّلَ:﴾ خبره، و ﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و ﴿مَنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَسْلَمَ﴾ صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكوني أول فريق أسلم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأفرد ضمير ﴿أَسْلَمَ﴾ لتأويل ﴿مَنْ﴾ بما رأيت، وجملة: ﴿أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) وجملة: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. وهو في محل جزم بلا الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (تكون)، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقيل لي: ﴿وَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿أُمِرْتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وجوز البيضاوي العطف على قوله: ﴿قُلْ﴾ والأول أولى بالاعتبار. وفي ظاهر الكلام التفات من التكلم إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٦]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: هذا الكلام جواب ثالث، ومبالغة في قطع أطماع المشركين في أن يترك الرسول ﷺ دعوته، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب الأليم. وانظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤] وانظر الخوف، والتخويف في الآية رقم [٢/ ١٥٥]. ﴿عَذابَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٦]. ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ:﴾ المراد به: يوم القيامة الذي شرحته لك في الآية رقم [١٢] وانظر شرح ﴿يَوْمٍ﴾ في الآية رقم [١٢٨] الآتية. ﴿رَبِّي:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] أو الآية رقم [٢] (الأعراف).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي أَخافُ:﴾ هذا يشبه: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ،﴾ ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل
стр. 1667
الشرط، والتاء فاعله. ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَصَيْتُ رَبِّي:﴾ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الفعل ﴿أَخافُ﴾ ومفعوله، وهو: ﴿عَذابَ،﴾ و ﴿عَذابَ:﴾
مضاف، و ﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾
الشرح: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي: يصرف العذاب عنه، ويقرأ بالبناء للمعلوم: (يصرف):
فيكون الفاعل ضميرا يعود، إلى (الله) وقد قرئ بإظهاره، والمفعول به محذوف. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾
تنوين (إذ) عوض عن جملة محذوفة، تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: «يوم إذ يجيء العذاب» فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين كما كسرت: (صه) و (مه) عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: (حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما).
﴿فَقَدْ رَحِمَهُ:﴾ نجاه من العذاب وتكرم عليه. ﴿وَذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الصرف، أو إلى الرحمة، أو إلى كليهما. ﴿الْمُبِينُ:﴾ اسم فاعل من أبان الرباعي: أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي بائن، أصله: باين، وإعلاله مثل إعلال: (قائم) في الآية رقم [١٨] (آل عمران).
الإعراب: ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُصْرَفْ:﴾
مضارع مبني للمجهول، فعل الشرط مجزوم، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره «هو» يعود إلى ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الآية السابقة، وانظر الشرح، وعلى قراءة البناء للفاعل فالفاعل يعود إلى ربي في الآية السابقة، تقديره: هو، ومفعوله محذوف، تقديره: العذاب. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر ما ذكرته في الشرح. هذا؛ وقد ذكر أبو البقاء أوجها أخر في الإعراب فيها تكلف وتعسف. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَحِمَهُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، وجملة: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة جواب الشرط، وقيل: هو جملة فعل الشرط، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية:
стр. 1668
﴿مَنْ يُصْرَفْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية (ذلك...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾
الشرح: ﴿يَمْسَسْكَ:﴾ يصبك. وانظر (لمس، ومس) في الآية رقم [٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِضُرٍّ:﴾ فقر ومرض ونحوهما. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ:﴾ فلا يقدر على كشفه إلا الله تعالى. ﴿بِخَيْرٍ:﴾ صحة وغنى ونحوهما. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]، ﴿قَدِيرٌ:﴾ مقتدر لا يعجزه شيء في هذا الكون، فهو الضار، وهو النافع، وهو المذل، وهو المعز، والخطاب في الآية للنبي ﷺ ولكنه يعم كل واحد في كل زمان ومكان.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكَ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وفك التضعيف على قاعدة في المضعف معروفة، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِضُرٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿كاشِفَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾
متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا). وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر (لا)، فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة:
﴿كاشِفَ،﴾ كما يجوز تعليقهما ب: ﴿كاشِفَ﴾ لأنه اسم فاعل، وعليهما فخبر (لا) محذوف، تقديره، موجود أو حاصل، والجملة الاسمية: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع بدل من محل اسم (لا)؛ لأنه في الأصل مرفوع، أو هو بدل من (لا) واسمها لأنهما في محل رفع مبتدأ، أو هو بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وهو الأقوى والأولى، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، ولا يصعب عليك بعد هذا إعراب بقية الآية.
وهذا هو الإعراب الظاهر والمتبادر، ولكن عند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط في الجملة الثانية محذوف. التقدير: فلا راد له، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقوله: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تعليل لكل من الجوابين: المذكور في الشرطية الأولى والمحذوف في الثانية.
стр. 1669
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾
الشرح: ﴿الْقاهِرُ:﴾ القهر إما أن يراد به الغلبة أو التذليل، وما هنا من الأول، وكذا قوله تعالى حكاية عن قول فرعون: ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ وعبارة الخازن: يعني: وهو الغالب لعباده، ﴿الْقاهِرُ﴾ لهم، وهم مقهورون تحت قدرته، والقاهر، والقهار معناه: الذي يدبر خلقه بما يريد، وإن شق عليهم، فلا يستطيع أحد من خلقه رد تدبيره، والخروج من تحت قهره وتقديره. ومعنى ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ هنا: أن قهره قد استعلى على خلقه، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه. انتهى بتصرف. وهذا يعني أن لا فوقية معلومة. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في أمره وتدبير شئون عباده. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بعباده وما ببواطنهم وأسرارهم وأحوالهم.
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْقاهِرُ:﴾ خبره. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿الْقاهِرُ﴾ وجوز اعتباره متعلقا بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، كما جوز اعتباره متعلقا بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿الْقاهِرُ،﴾ التقدير: مستعليا فوق عباده، وهذا يفيده التفسير والشرح. وهو مضاف، و ﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ﴾.
مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤] لشرح: «القول». ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿اللهُ شَهِيدٌ..﴾. إلخ: المراد بشهادة الله: إظهار المعجزة على يد النبي ﷺ ، وهي فعل، ولا شك أن دلالة الفعل أقوى من دلالة القول، لعروض الاحتمالات في الألفاظ دون الأفعال. فإن دلالتها لا يعرض لها الاحتمال، وأن المعجزة نازلة من قوله تعالى: «صدق عبدي في كل ما يبلغ عني». ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ:﴾ أنزل علي. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٨]. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ:﴾ لأخوفكم بالقرآن عذاب جهنم وسخط الله إن لم تؤمنوا بالله ورسوله، وتتركوا ما أنتم عليه من العبادات الباطلة. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن سمع القرآن وبلغه إلى يوم القيامة من العرب والعجم، أو من الثقلين إنسا وجنّا ونباتا وجمادا، والمقصود بكاف
стр. 1670
المخاطب: أهل مكة الذين كانوا في عصر النبي ﷺ . ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ:﴾ هذا استفهام تقرير وتوبيخ، والمعنى: إنكم تعبدون آلهة مع الله، وتشهدون بأنها حق يجب اتباعه. ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ أي: لا أعترف ولا أشهد بحقية هذه الأصنام التي تقدسونها وتعبدونها من دون الله. ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ:﴾ هذا تقرير وتثبيت للتوحيد بعبادة إله واحد، وهو الله الذي لا شريك له. ﴿بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا أبرأ من كل شيء تعبدونه من دون الله.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة حين قال كفار قريش للنبي ﷺ : يا محمد لقد سألنا عنك اليهود، والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله. هذا؛ ويعلم من الآية الكريمة جواز إطلاق الشيء على الله تعالى، وهو كذلك، لكن بشرط التقييد بأن يقال: هو شيء لا كسائر الأشياء. انتهى جمل نقلا عن شيخه. وقال مكي: وفي الآية دلالة أن شيئا من أسماء الله. أقول: لم يثبت ذلك عمن يحتج بقوله من أئمة المسلمين، ماضيهم وحاضرهم.
الإعراب: ﴿أَيُّ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبره.
﴿شَهادَةً:﴾ تمييز. وقرئ بالجر على الإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الله أكبر شهادة. ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو شهيد، فالكلام جملتان لا جملة واحدة، وهما جواب ل: ﴿أَيُّ﴾ من حيث اللفظ والمعنى، ويجوز اعتبار الجلالة مبتدأ، و ﴿شَهِيدٌ﴾ خبره، والجملة على هذا جواب ل ﴿أَيُّ﴾ من حيث المعنى، أي: إنها دالة على الجواب، وليست بجوابه.
انتهى جمل نقلا عن السمين. والجملتان أو الجملة في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهِيدٌ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. (أوحي): ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وقيل: صفة. ولا وجه له. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأن المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأُوحِيَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. (من): فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في محل نصب عطفا على الضمير المتصل الواقع مفعولا به، وتكون (من) موصولة، والعائد عليها من صلتها محذوف، أي: ولأنذر الذي بلغه القرآن، والثاني: أن في ﴿بَلَغَ﴾ ضميرا مرفوعا يعود على (من) ويكون المفعول محذوفا، وهو منصوب المحل أيضا نسقا على مفعول: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ التقدير:
стр. 1671
ولأنذر الذي بلغ الحكم، فالعائد هنا مستقر في الفعل، والثالث: أن (من) مرفوعة المحل نسقا على الضمير المرفوع في: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ،﴾ وجاز ذلك لأن الفصل بالمفعول والجار والمجرور أغنى عن تأكيده، والتقدير: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ،﴾ ولينذركم الذي بلغه القرآن. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
الهمزة: حرف استفهام. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَتَشْهَدُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تشهدون): فعل وفاعل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومع مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾ اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر.
﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿آلِهَةً﴾ منصوب مثله... إلخ، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: (تشهدون)، وجملة: ﴿لَتَشْهَدُونَ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر (أنّ) والجملة الاسمية: ﴿أَإِنَّكُمْ..﴾. إلخ تحتمل أن تكون داخلة في المقول، وأن تكون مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هُوَ:﴾
مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة إله، هذا؛ وقد جوز أبو البقاء اعتبار (ما) غير كافة موصولة اسم (إنّ). ولا وجه له البتة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إنني): حرف مشبه بالفعل. والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿بَرِيءٌ﴾ خبره. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بمن، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تشركون به. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تسبك مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: ﴿بَرِيءٌ﴾ من شرككم، والجملة الاسمية (إنني...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ..﴾. إلخ: المراد بهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، وذلك أن كفار مكة قالوا: إنا سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا:
أنه ليس لك عندهم ذكر، وأنكروا معرفته. فبين الله في الآية السابقة: أن شهادته له كافية على صحة نبوته، وبين في هذه الآية: أن اليهود والنصارى يعرفونه، وأنهم كذبوا في قولهم أنهم لا يعرفونه، هذا؛ وإن الآية ذكرت في سورة (البقرة) رقم [١٤٦] وإذا عرفت أن سورة (البقرة) مدنية، وأن سورة (الأنعام) مكية ظهرت لك الحكمة من تكريرها بألفاظها في سورتين، فهي في سورة (البقرة) تمدح عبد الله بن سلام، وأتباعه، وهي في سورة (الأنعام) تذم الذين أنكروا
стр. 1672
صفات النبي ﷺ حينما سئلوا عنها. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ انظر تفسير هذا الكلام في الآية رقم [١٢]. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، وانظر إعراب (حللتم) في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والضمير المنصوب يعود إلى الرسول ﷺ ، أو إلى القرآن، وكلاهما مفهوم مما تقدم، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَبْناءَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يعرفونه معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم، وهو قول أبي البقاء وغيره. في مثل هذا التركيب، ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم على طريق الاتساع، فيكون التقدير:
يعرفونه على مثل هذه الحالة. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [١٢] أعني به الوجه الأول، وأضيف ما ذكر من أوجه في إعرابها، فقد جوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ل:
﴿الَّذِينَ﴾ أو بدل منه، كما جوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، أي: هم الذين خسروا أنفسهم، كما جور اعتباره منصوبا على الذم، وهذان الوجهان مفرعان على النعت مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة يكون قوله: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ من باب عطف جملة اسمية على مثلها، ويجوز أن يكون عطفا على: ﴿خَسِرُوا،﴾ وفيه نظر من حيث إنه يؤدي إلى ترتب عدم الإيمان على خسرانهم، والظاهر: أن الخسران هو المترتب على عدم الإيمان. انتهى جمل.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ، أي: لا أحد أظلم... إلخ، وذلك لجمعهم بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل، افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت، وتكذيبهم ما هو ثابت بالحجة.
أو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما. انتهى جمل نقلا عن كرخي. والأمر الأول: هو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى، والأمر الثاني: هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا ﷺ ، وانظر شرح ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ:﴾ لا يسعدون بالخلود في جنته؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب. وانظر الآية رقم [١٣٥]. وانظر الظلم في الآية رقم [١٤٤]. وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (يونس) فهذه الآية مثلها في جميع كلماتها.
стр. 1673
الإعراب: (من): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾
خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل عليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وهو ضمير الشأن. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع.
﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ..﴾. إلخ تعليل للنفي المفهوم من الاستفهام السابق، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨] لشرحه فإنه جيد. والمراد به هنا يوم القيامة.
﴿نَحْشُرُهُمْ:﴾ نجمعهم للحساب ونخرجهم من قبورهم للجزاء، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] فإنه جيد. وقرئ مع ما بعده بالياء. ﴿نَقُولُ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾
جمع من جعل لله ندّا في العبادة. ﴿أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله في العبادة والتعظيم والتقديس. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) تجد ما يسرك. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ تدعون أنهم يشفعون لكم، والمراد من الاستفهام التوبيخ والتقريع.
قال البيضاوي: ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها، ويحتمل: أنهم يشاهدونهم، ولكن لما لم ينفعوهم، فكأنهم غيب عنهم، بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ٦٠] من شرح: ﴿تَزْعُمُونَ﴾. ثم انظر الآية رقم [٩٤].
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، هذا؛ وذكر الجمل وجوها كثيرة يظهر عليها التكلف والتعسف. ﴿نَحْشُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره نحن، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية: «اذكر يوم...» إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿نَقُولُ..﴾. إلخ مع المقول الآتي معطوفة على ما قبلها في محل جر مثلها. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكاؤُكُمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم
стр. 1674
موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿شُرَكاؤُكُمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَزْعُمُونَ﴾ مع مفعوليه المحذوفين في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، والعائد محذوف، وهو أحد المفعولين المحذوفين؛ إذ التقدير: الذين كنتم تزعمونهم شركاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿فِتْنَتُهُمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه: معذرتهم، هذا؛ والفتنة:
التجربة والاختبار، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم؛ قيل له: فتنة. قال الزجاج:
في قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ معنى لطيف، وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب، ثم تصيبه فيه محنة، فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنته إلا بذلك المحبوب، فكذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام، ثم لما رأوا العذاب؛ تبرءوا منها، يقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ ومحبتهم للأصنام إلا أن تبرءوا منها. انتهى جمل. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤].
﴿وَاللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿رَبِّنا:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٣] و [٧/ ٢٢]. ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ:﴾
يكذبون ويحلفون على عدم الشرك مع علمهم بأنه لا ينفعهم من فرط الحيرة والدهشة، كما يقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها..﴾. إلخ مع علمهم بالخلود انتهى بيضاوي. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٦]. والتعبير بالماضي بدلا من المضارع انظر الكلام عليه في الآية رقم [٥/ ١١٦].
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿فِتْنَتُهُمْ:﴾ اسم تكن مرفوع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والفعل محله النصب ب: ﴿أَنْ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ﴾. هذا؛ وقد قرئ «(يكن)» بالياء، مع نصب (فتنتهم) فيكون المصدر اسم (يكن) مؤخرا، و (فتنتهم) خبرها مقدما، ﴿وَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نحلف أو نقسم. ﴿رَبِّنا:﴾ يقرأ بالجر على أنه بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، ويقرأ بالنصب على أنه منادى حذفت منه أداة النداء، وتكون الجملة الندائية معترضة بين القسم وجوابه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ناقص مبني على السكون، ونا: ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبرها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿ما كُنّا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها أيضا.
стр. 1675
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿اُنْظُرْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ المراد به اعتذارهم بالباطل، وتبرؤهم من عبادة الأصنام والشرك الذي كانوا عليه، ويستعملون الكذب في الآخرة مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا، وذلك لا ينفعهم. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٧/ ٩] فإنه جيد.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ:﴾ غاب عنهم ولم يروه. هذا معناه هنا. هذا؛ وأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى كفر وخرج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد اهتدى واستقام، وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ:﴾ يختلقون ويبتدعون من عبادة الأصنام وجميع أنواع الشرك. هذا؛ والتعبير بالماضي بدلا من المستقبل، إنما هو لتحقق وقوعه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٦] (المائدة).
تنبيه: قال مجاهد-رحمه الله تعالى-إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، ورأى المشركون سعة رحمة الله تعالى وشفاعة الرسول ﷺ للمؤمنين؛ قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد، فيحلفون الأيمان الكاذبة: أنهم ما كانوا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتشهد عليهم جوارحهم، كما بين الله ذلك في سورة (النور) وسورة (يس)، وسورة (فصلت). انتهى نسفي.
تنبيه: ذكر الله في هذه الآية: أنهم ينفون شركهم، بل ويحلفون الأيمان الكاذبة، وذكر في الآية رقم [٤/ ٤٢] أنهم لا يقدرون على إخفاء شيء من كفرهم، وذلك بقوله سبحانه ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ والجمع بينهما هو: أن في يوم القيامة مواقف مختلفة، ففي بعضها لا يكتمون، وفي بعضها يكتمون، بل ويكذبون ويحلفون، كما في قوله جل شأنه: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ مع قوله تعالت قدرته ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾. انتهى جمل نقلا عن كرخي.
وانظر الآية رقم [٣٠] الآتية.
الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة بعده.
﴿كَذَبُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (ضل):
ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى
стр. 1676
الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية بعده في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يفترونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، فيكون في محل رفع فاعل للفعل (ضل) التقدير: ضل عنهم افتراؤهم، وجملة: ﴿وَضَلَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في حيز المنظور، وجوز اعتبارها مستأنفة فلا تكون داخلة في حيزه، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ من المشركين. ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ:﴾ حين تقرأ القرآن، والمراد: أبو سفيان، وأبو جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، والحارث بن عامر حين اجتمعوا يستمعون القرآن من النبي ﷺ وهو لا يعلم باستماعهم، فقالوا للنضر-وكان يقرأ تاريخ الفرس، والرومان-يا أبا قتيبة ما يقول محمد، قال: ما أدري غير أني أراه يحرك لسانه، ويقول: أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقّا. فقال أبو جهل: كلا لا تقر بشيء من هذا، الموت أهون علي من هذا.
هذا؛ وقد قال سبحانه هنا: ﴿يَسْتَمِعُ﴾ وفي سورة (يونس) رقم [٤٢] ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بالجمع؛ لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد، وما في سورة (يونس) في جميع الكفار، فناسب الجمع، فأعيد الضمير على معنى ﴿مَنْ﴾ وفي الأول على لفظها، وإنما لم يجمع في قوله:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ وهي الآية رقم [٤٣] من سورة (يونس) لأن الناظرين إلى المعجزات أقل من المستمعين للقرآن. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
﴿أَكِنَّةً:﴾ أغطية، جمع كنان، وهو الوعاء الجامع المحيط بالشيء، وهو غير الكن بكسر الكاف فإنه يجمع على أكنان، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ:﴾
الفقه: الفهم. ﴿وَقْراً:﴾ الصمم في الأذن، وهو بفتح الواو، و (الوقر) بكسر الواو: حمل البغل، والحمار، والوقار: الحلم والرزانة والتعقل، وهو أيضا: العظمة والهيبة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح بعضها للهدى والإيمان، فتتقبله، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله، ولا تؤمن به. ﴿يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أي: لا يصدقوا بكل المعجزات
стр. 1677
الدالة على صدقك، وذلك لشدة عنادهم، واستحكام الجهل فيهم، وانظر شرح: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أي: إنهم إذا رأوا الآيات واستمعوا القرآن إنما جاءوا ليجادلوك ويخاصموك بالباطل لا ليؤمنوا. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الكفار منهم، وانظر (القول) في الآية رقم [٧/ ٤] وانظر (كفروا) في الآية رقم [٥/ ٣٦] ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ أكاذيب وأباطيل الأمم السابقة وأخبارهم وأقاصيصهم والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة بكسر الهمزة. وقيل:
واحدها: سطر بفتح الطاء. وأسطار جمع، وأساطير جمع الجمع. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل: فلس وأفلس وفلوس، هذا؛ وقد قيل في معنى أساطير الأولين: إنها الترهات، وهي عند العرب طرق غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلهم؛ أخذنا في الترهات، بمعنى: عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة التي لا أصل لها.
انتهى خازن، وجمل. وانظر الآية رقم [٣١] الأنفال.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾
اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَسْتَمِعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ صلة:
﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. هذا هو الإعراب الظاهر، ولكنني لا أعتمده، وإنما أقول: مضمون (منهم) مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ خبره، وانظر شرح ذلك وتفصيله في الآية رقم [٢/ ٨] أو [٧/ ١٦٨] تجد ما يسرك. (جعلنا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على تفسيره ب: «ألقينا» ومتعلقان بمحذوف مفعول به ثان على اعتبار الفعل متعديا لمفعولين، وقد تقدم على المفعول الأول، التقدير: جعلنا الأكنة مستقرة على قلوبهم، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَكِنَّةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَفْقَهُوهُ:﴾ مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، ولا مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا ﴿يَفْقَهُوهُ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعلنا)، وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم له، فهو مفعول لأجله، وانظر الشاهد [٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب، وجملة ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، هذا؛ وجوز اعتبارها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (من)، ويجب تقدير قد قبلها، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً:﴾
معطوف على ما قبله، وإذا قدرت: (جعلنا) قبله وضح لك ذلك. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون
стр. 1678
والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل بصري فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا يُؤْمِنُوا:﴾ جواب الشرط مجزوم... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء.
﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاؤُكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح.
﴿يُجادِلُونَكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ:﴾ مضارع وفاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، والأولين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. بعد هذا ينبغي لك أن تعرف أن أبا الحسن الأخفش يعتبر ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي لا يوافقه عليه أحد من النحويين، تأمل، وتدبر وربك أعلم.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَهُمْ:﴾ المراد بهذا الضمير كفار قريش. ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ:﴾ ينهون الناس عن اتباع النبي ﷺ ، أو ينهون الناس عن استماع آيات القرآن. ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ:﴾ يبتعدون عنه بأنفسهم، ونأى ينأى نأيا بمعنى بعد، يتعدى بنفسه وبحرف الجر، وهو الأكثر. هذا؛ وإعلال الفعلين مثل إعلال ﴿عَصَوْا﴾ في الآية رقم [٥/ ٧٨]. هذا؛ وقد قال عبد الله بن عباس-﵄:
نزلت الآية في أبي طالب عم النبي ﷺ ، كان ينهى المشركين عن أذى النبي ﷺ ، ويمنعه منهم، وينأى هو بنفسه عن الإيمان به. أقول: وذبّ أبي طالب الناس عن النبي ﷺ ، وعدم الإيمان به مشهور مسطور، ولكن سياق الآيات المتقدمة يؤيد الوجه الأول؛ لأنها جميعها في ذم طريقتهم وسلوكهم تجاه الإسلام والقرآن ومحمد ﵊. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ..﴾. إلخ، أي لا يضرون غيرهم بسلوكهم هذا، ولا ﴿يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ،﴾ ولكنهم لا يعلمون الحقيقة.
هذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. والمعنى: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم بما يفعلون، وأنهم
стр. 1679
سيحاسبون عليه حسابا عسيرا، وسيعاقبون عليه عقابا شديدا. ولا تنس أن الفعل ﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الثلاثي، وهو في الآية رقم [١٠٩] الآتية من الرباعي.
الإعراب: (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْهَوْنَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿يُهْلِكُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو والضمير. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف. إذ التقدير: وما يشعرون أنهم هالكون، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿تَرى:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ٥٢] وهو خطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتى منه الرؤية. ﴿وُقِفُوا:﴾ هذا يكون يوم القيامة، وعبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ١١٦] ﴿النّارِ:﴾ انظر دركاتها في الآية رقم [٤/ ١٤٥]، وإعلاله وشرحه في الآية رقم [٥/ ٣٧]. ﴿فَقالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿نُرَدُّ﴾ أي: إلى دار الدنيا، ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾ أي: بالآيات الناطقة بأحوال النار وأهوالها، والآمرة بالإيمان بالله وبرسوله، فهم يتمنون حين يشاهدون النار وأهوالها ثلاثة أمور: الرجوع إلى دار الدنيا، وعدم التكذيب بآيات الله. أو بالمعجزات، والكون من جملة المؤمنين الصادقين الذين فازوا برضا الله ونعيم الآخرة الذي لا ينقطع، ولا يزول. وانظر شرح: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤] وانظر شرح: ﴿رَبِّنا﴾ في سورة الفاتحة رقم [١] أو رقم [٧/ ٣] وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [٩٥] المائدة.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرى:﴾
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره:
«أنت»، والمفعول محذوف، التقدير: ترى حالهم، وقيل: هي قلبية، وتكلف تقدير ما لا داعي له.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، وقيل: هي بمعنى «إن»، ولا وجه له، انظر الشرح. ﴿وُقِفُوا:﴾
ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، فيكون (وقف) متعديا، ويكون بمعنى: (حبسوا) وقد قرئ بالبناء للمعلوم، وعلى الوجهين فالجملة فعلية هي في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿عَلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا ونحوه، و (لو)
стр. 1680
ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، فإن الكلام شروع في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في الدنيا. (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب:
﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على جواب لو الذي رأيت تقديره، لا محل لها مثله. (يا): حرف تنبيه، وجوز اعتبارها أداة نداء، والمنادى محذوف، والأول أقوى، كما يفيده مغني اللبيب، انظر بحث (يا) في كتابنا: «فتح القريب المجيب». (ليتنا):
حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿نُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «نحن»، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: نرد إلى الدنيا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، وجملة: ﴿يا لَيْتَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو المعية، (لا): نافية. ﴿نُكَذِّبَ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الواو، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن». ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و (الله) مضاف إليه. و «أن» المضمرة والفعل: ﴿نُكَذِّبَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق:
التقدير: نتمنى ردّا إلى الدنيا وعدم تكذيب. (نكون): مضارع ناقص منصوب بأن المضمرة، أو بسبب عطفه على ما قبله، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:
(نكون)، و «أن» المضمرة والفعل (نكون) في تأويل مصدر معطوف على المصدر السابق، هذا؛ وقد قرئ الفعلان بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: العطف على الفعل: ﴿نُرَدُّ،﴾ فيكونان داخلين في المتمنى، وهو ما رأيته في الشرح، والثاني: أن يكون كل منهما خبر مبتدأ محذوف، التقدير:
ونحن لا نكذب... إلخ، ونحن نكون... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب فاعل نرد، وجوز اعتبار الجملتين الاسميتين مستأنفتين، فلا تكونان داخلتين في المتمنى، هذا؛ وقد قرئ برفع الأول، ونصب الثاني، وبالعكس، والإعراب لا يتغير.
﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿بَدا لَهُمْ ما كانُوا..﴾. إلخ: أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم وكفرهم وعنادهم، وقبائح أعمالهم، فتمنوا ما تقدم ذكره ضجرا لا عزما على أنهم لو رجعوا إلى الدنيا لآمنوا. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أي: إلى الدنيا بعد ما ظهر لهم ما ظهر، وهذا على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن الرجوع محال. ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: من الكفر والمعاصي، وذلك للحكم الأزلي في حقهم: أنهم أصحاب النار. فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان حيث شملتنا عناية الله ورحمته. ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أي: فيما يقولونه، ويعدون به أنفسهم. وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية رقم [٥/ ١١٦] (المائدة).
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿بَدا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل
стр. 1681
رفع فاعل، وجملة: ﴿كانُوا يُخْفُونَ:﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صلتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يخفونه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المحذوف الذي رأيت تقديره، و ﴿قَبْلُ﴾ بني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. والجملة الفعلية: ﴿بَلْ بَدا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿رُدُّوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف كما رأيت في الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها كما رأيت في الآية السابقة، وجملة ﴿لَعادُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿نُهُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله.
﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿نُهُوا عَنْهُ:﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: (عن)، و (لو) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة.
والاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو والضمير معا.
﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿إِنْ هِيَ:﴾ ما هي... إلخ، وقد وصف سبحانه الحياة التي يحياها ابن آدم ب: ﴿الدُّنْيا﴾ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل]
يا خاطب الدنيا الدّنية إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
هذا؛ و ﴿هِيَ﴾ ضمير مبهم يفسره خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة.
﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ:﴾ فهم ينفون البعث للحساب والجزاء يوم القيامة، وهو ركن من أركان الإيمان، كما رأيت فيما مضى.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿حَياتُنَا﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر،
стр. 1682
والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هِيَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.
(ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها.
﴿بِمَبْعُوثِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مبعوثين): خبر (ما)، فهو مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَعادُوا..﴾. إلخ أو على: ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ أو على جملة:
﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فتكون مستقبلة، وقد عبر بالماضي لتحقق وقوع ذلك، انظر الآية رقم [٥/ ١١٦] أو هي مستأنفة لا محل لها، فتكون مما قالوه في الدنيا، وليست داخلة في حيز (لو)، وعلى الاعتبارات الثلاثة الأول تكون داخلة في حيز: (لو). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٢٧]. ومعنى الوقوف على ربهم: حبسهم يوم القيامة للسؤال والتوبيخ. وقيل: معناه: وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، وعرفوه حق المعرفة. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١]. ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿هذا﴾ أي: البعث للحساب والجزاء من عقاب وثواب. والمراد بالاستفهام: التوبيخ والتقريع على تكذيبهم وكفرهم. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧].
﴿بَلى:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٨١]. ﴿وَرَبِّنا:﴾ أكدوا اعترافهم بهذا اليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقية ما رأوا من البعث؛ حيث انكشف لهم تماما.
قال ابن عباس-﵄: للقيامة مواقف، ففي موقف ينكرون، ويقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وفي موقف يعترفون بما كانوا ينكرونه في الدنيا، وانظر الآية رقم [٢٤]. ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ:﴾ القائل هو الله تعالى، أو تقول لهم الخزنة ذلك بأمر الله تعالى، وإنما خص لفظ الذوق؛ لأنهم في كل حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس، وانظر الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال). ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ انظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٣٦] (المائدة).
الإعراب: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٧] فهو مثله بلا فارق. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس) والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الباء:
حرف جر زائد. (الحق): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها في محل نصب مقول القول،
стр. 1683
﴿وَرَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم، ونا: في محل جر بالإضافة، والجملة القسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي زائدة. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منكم ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وعلى الوجه الثاني في الفاء فجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول بمفردها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (ذوقوا)، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون.
والتاء اسمه. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كنتم تكفرون به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كفركم، ويظهر: أن هذا الوجه أقوى من الوجهين الأولين، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا..﴾. إلخ: ما أجدرك أن تنظر هذه الخسارة في الآية رقم [١٢].
﴿بِلِقاءِ اللهِ:﴾ المراد به: البعث بعد الموت للحساب والجزاء... إلخ. أو المراد بلقائه تعالى:
رؤيته يوم القيامة؛ لأن منكر البعث منكر للرؤية. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿السّاعَةُ:﴾ القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، وانظر تفسير قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢/ ٢٠٢]، ولا تنس أن ساعة كل إنسان وقيامته وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته». ﴿بَغْتَةً:﴾
فجأة. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿يا حَسْرَتَنا:﴾ هي شدة التألم، ونداؤه مجاز، فليس القصد حضور الحسرة، بل الاعتراف بما وقع لهم من شدة الندم والتحسر عليه. ﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ أي: قصرنا وأهملنا في الحياة الدنيا، وانظر الآية رقم [٣٨]، وذلك في العمل الصالح، وعاد الضمير على الدنيا ولم يجر لها ذكر؛ لأنها معلومة، أو في الساعة، أي في شأنها والإيمان بها. ﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ ذنوبهم التي عملوها في الدنيا.
هذا؛ والوزر: الثقل، وقد عبر الله عن الذنوب بالأثقال في سورة (العنكبوت) وذلك في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ وحمل الذنوب بالمعنيين على الظهور قيل به: إن
стр. 1684
الكافر إذا أخرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني، فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه، ويتخطى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى. ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ:﴾ بئس ما يحملونه.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل.
﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب آمنوا في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿بِلِقاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (لقاء): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ومفعول ﴿خَسِرَ﴾ محذوف، تقديره: أنفسهم على حد ما رأيت في الآية رقم [١٢] و [٢٠]. ﴿حَتّى إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ففيها الكفاية.
﴿جاءَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿جاءَتْهُمُ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها... إلخ. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من: ﴿السّاعَةُ﴾. بمعنى: باغتة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، فتكون هذه الجملة في محل نصب حال من ﴿السّاعَةُ﴾. وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا ل: (جاء) من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا.
﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المقول جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها.
و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (حسرتنا):
منادى، ونا: في محل جر بالإضافة، ونداء الحسرة مجاز؛ لأنها لا يتأتى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر. وكأنهم نادوا الحسرة، فقالوا: إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك، ومثله: يا ويلتا ونحوه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾
تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلقان بالحسرة لأنها مصدر، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فرطناه فيها، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بعلى، التقدير: يا حسرتنا على تفريطنا في دنيانا، وهذا أقوى من الوجهين السابقين في ﴿ما،﴾ ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. ﴿عَلى ظُهُورِهِمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ لا بأس به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَزِرُونَ﴾ في محل نصب صفة ما، والتقدير: ساء الشيء شيئا مزرى به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يزرونه، والمخصوص بالذم أيضا محذوف، التقدير: هو حملهم. هذا؛
стр. 1685
وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل: ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد او الرابط محذوف، وتقدير الكلام:
ألا ساءهم الذي، أو شيء يزرونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حملهم، والجملة الفعلية: ﴿أَلا ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: وما أعمال الدنيا إلا لعب ولهو تلهي الناس، وتشغلهم عن طاعة الله تعالى، وما يعقبها من منفعة دائمة، ولذة حقيقية. هذا؛ واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ:﴾ المراد بها الجنة وما فيها من نعيم مقيم، والمراد العمل بها. ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل، وانظر ما ذكر في الآية رقم [٢/ ٥٤] أو [٧/ ١٢]. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يبتعدون عن الشرك والمعاصي.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: ألا تفهمون أن الآخرة خير من الدنيا، فتعملون لها. وانظر الآية رقم [/٤٤ ٢] أو [٥/ ١٠٧] ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ انظر العقل في الآية رقم [٢/ ٧٥]. وقد قرئ الفعل بالتاء والياء، وعلى الأول فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظره في الآية رقم [٦].
الإعراب: ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾
صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. (لهو): معطوف على ما قبله. ﴿وَلَلدّارُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الدار): مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ:﴾
صفة (الدار). هذا؛ وقد قرئ «(ولدار الآخرة)» بالإضافة كما في سورة (يوسف). ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾.
وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام.
الفاء: حرف استئناف. لا: نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وانظر الآية رقم [١٠٧] (المائدة).
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿نَعْلَمُ:﴾ المضارع هنا بمعنى الماضي، أي: علمنا، و ﴿قَدْ﴾ مفيدة لتكثير العلم، وقد علق الفعل عن العمل بسبب لام الابتداء التي زحلقت إلى خبر (إنّ) ولذلك كسرت همزتها،
следующие страницы →