← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

رفع فاعل، وجملة: ﴿كانُوا يُخْفُونَ:﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صلتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يخفونه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المحذوف الذي رأيت تقديره، و ﴿قَبْلُ﴾ بني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. والجملة الفعلية: ﴿بَلْ بَدا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿رُدُّوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف كما رأيت في الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها كما رأيت في الآية السابقة، وجملة ﴿لَعادُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿نُهُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿نُهُوا عَنْهُ:﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: (عن)، و (لو) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة. والاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو والضمير معا. ﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿إِنْ هِيَ:﴾ ما هي... إلخ، وقد وصف سبحانه الحياة التي يحياها ابن آدم ب: ﴿الدُّنْيا﴾ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل] يا خاطب الدنيا الدّنية إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار هذا؛ و ﴿هِيَ﴾ ضمير مبهم يفسره خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة. ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ:﴾ فهم ينفون البعث للحساب والجزاء يوم القيامة، وهو ركن من أركان الإيمان، كما رأيت فيما مضى. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿حَياتُنَا﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر،

стр. 1682

والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هِيَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها. ﴿بِمَبْعُوثِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مبعوثين): خبر (ما)، فهو مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَعادُوا..﴾. إلخ أو على: ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ أو على جملة: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فتكون مستقبلة، وقد عبر بالماضي لتحقق وقوع ذلك، انظر الآية رقم [٥/ ١١٦] أو هي مستأنفة لا محل لها، فتكون مما قالوه في الدنيا، وليست داخلة في حيز (لو)، وعلى الاعتبارات الثلاثة الأول تكون داخلة في حيز: (لو). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٢٧]. ومعنى الوقوف على ربهم: حبسهم يوم القيامة للسؤال والتوبيخ. وقيل: معناه: وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، وعرفوه حق المعرفة. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١]. ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿هذا﴾ أي: البعث للحساب والجزاء من عقاب وثواب. والمراد بالاستفهام: التوبيخ والتقريع على تكذيبهم وكفرهم. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿بَلى:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٨١]. ﴿وَرَبِّنا:﴾ أكدوا اعترافهم بهذا اليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقية ما رأوا من البعث؛ حيث انكشف لهم تماما. قال ابن عباس-﵄: للقيامة مواقف، ففي موقف ينكرون، ويقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وفي موقف يعترفون بما كانوا ينكرونه في الدنيا، وانظر الآية رقم [٢٤]. ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ:﴾ القائل هو الله تعالى، أو تقول لهم الخزنة ذلك بأمر الله تعالى، وإنما خص لفظ الذوق؛ لأنهم في كل حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس، وانظر الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال). ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ انظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٣٦] (المائدة). الإعراب: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٧] فهو مثله بلا فارق. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس) والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الباء: حرف جر زائد. (الحق): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها في محل نصب مقول القول،

стр. 1683

﴿وَرَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم، ونا: في محل جر بالإضافة، والجملة القسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي زائدة. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منكم ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وعلى الوجه الثاني في الفاء فجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول بمفردها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (ذوقوا)، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون. والتاء اسمه. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كنتم تكفرون به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كفركم، ويظهر: أن هذا الوجه أقوى من الوجهين الأولين، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا..﴾. إلخ: ما أجدرك أن تنظر هذه الخسارة في الآية رقم [١٢]. ﴿بِلِقاءِ اللهِ:﴾ المراد به: البعث بعد الموت للحساب والجزاء... إلخ. أو المراد بلقائه تعالى: رؤيته يوم القيامة؛ لأن منكر البعث منكر للرؤية. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿السّاعَةُ:﴾ القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، وانظر تفسير قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢/ ٢٠٢]، ولا تنس أن ساعة كل إنسان وقيامته وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته». ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿يا حَسْرَتَنا:﴾ هي شدة التألم، ونداؤه مجاز، فليس القصد حضور الحسرة، بل الاعتراف بما وقع لهم من شدة الندم والتحسر عليه. ﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ أي: قصرنا وأهملنا في الحياة الدنيا، وانظر الآية رقم [٣٨]، وذلك في العمل الصالح، وعاد الضمير على الدنيا ولم يجر لها ذكر؛ لأنها معلومة، أو في الساعة، أي في شأنها والإيمان بها. ﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ ذنوبهم التي عملوها في الدنيا. هذا؛ والوزر: الثقل، وقد عبر الله عن الذنوب بالأثقال في سورة (العنكبوت) وذلك في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ وحمل الذنوب بالمعنيين على الظهور قيل به: إن

стр. 1684

الكافر إذا أخرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني، فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه، ويتخطى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى. ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ:﴾ بئس ما يحملونه. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب آمنوا في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿بِلِقاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (لقاء): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ومفعول ﴿خَسِرَ﴾ محذوف، تقديره: أنفسهم على حد ما رأيت في الآية رقم [١٢] و [٢٠]. ﴿حَتّى إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ففيها الكفاية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿جاءَتْهُمُ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها... إلخ. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من: ﴿السّاعَةُ﴾. بمعنى: باغتة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، فتكون هذه الجملة في محل نصب حال من ﴿السّاعَةُ﴾. وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا ل: (جاء) من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المقول جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (حسرتنا): منادى، ونا: في محل جر بالإضافة، ونداء الحسرة مجاز؛ لأنها لا يتأتى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر. وكأنهم نادوا الحسرة، فقالوا: إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك، ومثله: يا ويلتا ونحوه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلقان بالحسرة لأنها مصدر، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فرطناه فيها، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بعلى، التقدير: يا حسرتنا على تفريطنا في دنيانا، وهذا أقوى من الوجهين السابقين في ﴿ما،﴾ ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. ﴿عَلى ظُهُورِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ لا بأس به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَزِرُونَ﴾ في محل نصب صفة ما، والتقدير: ساء الشيء شيئا مزرى به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يزرونه، والمخصوص بالذم أيضا محذوف، التقدير: هو حملهم. هذا؛

стр. 1685

وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل: ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد او الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ألا ساءهم الذي، أو شيء يزرونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حملهم، والجملة الفعلية: ﴿أَلا ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: وما أعمال الدنيا إلا لعب ولهو تلهي الناس، وتشغلهم عن طاعة الله تعالى، وما يعقبها من منفعة دائمة، ولذة حقيقية. هذا؛ واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ:﴾ المراد بها الجنة وما فيها من نعيم مقيم، والمراد العمل بها. ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل، وانظر ما ذكر في الآية رقم [٢/ ٥٤] أو [٧/ ١٢]. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يبتعدون عن الشرك والمعاصي. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: ألا تفهمون أن الآخرة خير من الدنيا، فتعملون لها. وانظر الآية رقم [/٤٤ ٢] أو [٥/ ١٠٧] ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ انظر العقل في الآية رقم [٢/ ٧٥]. وقد قرئ الفعل بالتاء والياء، وعلى الأول فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظره في الآية رقم [٦]. الإعراب: ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. (لهو): معطوف على ما قبله. ﴿وَلَلدّارُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الدار): مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفة (الدار). هذا؛ وقد قرئ «(ولدار الآخرة)» بالإضافة كما في سورة (يوسف). ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. لا: نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وانظر الآية رقم [١٠٧] (المائدة). ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿نَعْلَمُ:﴾ المضارع هنا بمعنى الماضي، أي: علمنا، و ﴿قَدْ﴾ مفيدة لتكثير العلم، وقد علق الفعل عن العمل بسبب لام الابتداء التي زحلقت إلى خبر (إنّ) ولذلك كسرت همزتها،

стр. 1686

ولولا وجود هذه اللام لفتحت الهمزة كما هو معروف. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦]. ﴿لَيَحْزُنُكَ:﴾ ليسوءك، وهو يقرأ بفتح الياء من الثلاثي، كما يقرأ بضمها من الرباعي. ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أي: قالوه من قولهم: ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ونحوه. ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: في الحقيقة؛ لأنهم يعلمون صدقك وأمانتك وجميع صفاتك الحميدة. هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد الذال، وتخفيفها من: أكذبه إذا وجده كاذبا، أو نسبه إلى الكذب. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا الرسول ﷺ بالجحود والإنكار. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٤]. ﴿بِآياتِ اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يَجْحَدُونَ:﴾ جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام: كفره به، وهو من باب: فتح. تنبيه: قال السدي: التقى الأخنس بن شريق، وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟. فإنه ليس هنا أحد يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة؛ فماذا يكون لسائر قريش. وقال أبو جهل مشافهة للنبي ﷺ : ما نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، وعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-أن أبا جهل -لعنه الله تعالى-قال للنبي: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ..﴾. إلخ. أخرجه الترمذي. وفي الآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ ، وتعزية له عما يواجهه به قومه من تكذيب وغيره. هذا؛ وجحودهم بآيات الله يفيده قول أبي جهل الخبيث، وغيره. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف مفيد للتكثير كما رأيت. ﴿نَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره: «نحن». ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء ضمير الشأن في محل نصب اسمها. ﴿لَيَحْزُنُكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة، (يحزنك): مضارع ومفعوله. ﴿الَّذِي:﴾ فاعله. والجملة الفعلية بعده صلته. والعائد محذوف. إذ التقدير: الذي يقولونه. وجملة: ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل قبلها، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ نَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل ذكره الجمل، (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُكَذِّبُونَكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب كما أفاده الجمل، وأرى: أنها معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في المعلوم عند الله تعالى. الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (لكنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، وفيه إقامة الظاهر محل المضمر لشدة التشنيع عليهم. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان ب ﴿الظّالِمِينَ،﴾ أو

стр. 1687

متعلقان بالفعل بعدهما، وهو الأقوى، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَجْحَدُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ). والجملة الاسمية: (لكنّ...) إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿رُسُلٌ:﴾ جمع: رسول، انظر الآية رقم [٥/ ٨٣] والآية رقم [٤/ ١٥٠] و [٤/ ١٦٤] ﴿فَصَبَرُوا:﴾ انظر الصبر في الآية رقم [٢/ ٤٥] فإنه جيد. ﴿وَأُوذُوا:﴾ آذاهم أقوامهم، وتلك هي سنة الأولين والآخرين في إيذاء المجرمين للمؤمنين وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦]. ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ:﴾ المراد بذلك ما ينبئ عنه بقوله جلت قدرته: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وقوله جل ذكره: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. وغير ذلك من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسّلام، الدال على نصرة محمد ﷺ . وانظر الآية رقم [١١٥]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة، ﴿جاءَكَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿نَبَإِ:﴾ خبر وقصص المرسلين السابقين قبلك. وانظر (ينبئهم) في الآية رقم [١٤] المائدة. تنبيه: في الآية الكريمة تسلية للنبي ﷺ ، وتعزية له عما يلقاه من تكذيب قومه له، واعتدائهم عليه، وذلك لأن عموم البلوى مما يهون أمرها بعض تهوين، خذ قول الخنساء في هذا المقام فإنه جيد: [الوافر] ولولا كثرة الباكين حولي... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن... أسلّي النفس عنه بالتّأسّي الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها جواب القسم المقدر، والجملة القسمية: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (صبروا): فعل وفاعل والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، و ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: صبروا على تكذيبهم. ﴿وَأُوذُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم،

стр. 1688

والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي تسبك بمصدر، تقديرا، أي: وعلى إيذائهم. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر تقدر بعدها «أن» مضمرة. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والهاء: في محل نصب مفعول به. ﴿نَصْرُنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: نصرنا إياهم، وأن المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل أتى في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿كُذِّبَتْ،﴾ وهو أولى من تعليقهما ب (صبروا)، أو ب (أوذوا). ﴿وَلا:﴾ الواو، واو الحال. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِكَلِماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا). وانظر إعراب فلا كاشف له في الآية رقم [١٧] و (كلمات) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية ولا مبدل... إلخ. في محل نصب حال من: ﴿نَصْرُنا،﴾ والرابط الواو فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وهو الأقوى فيما يظهر. ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ:﴾ هو مثل سابقة في إعرابه وفي محله، وفاعل (جاء) مضمر فيه، فقيل: تقديره: المجيء، وقيل: تقديره: النبأ، فيكون الجار والمجرور: ﴿مِنْ نَبَإِ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وأجاز الأخفش اعتبار «من» زائدة، والفاعل ﴿نَبَإِ،﴾ وسيبويه لا يجيز زيادة ﴿مِنْ﴾ في الواجب، هذا؛ وقد قال الجمل: الجار والمجرور في محل رفع على أنه فاعل، أما باعتبار مضمونه، أي: بعض نبأ المرسلين، أو بتقدير الموصوف، أي: بعض من نبأ المرسلين، و ﴿نَبَإِ:﴾ مضاف، و ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ:﴾ عظم وشق عليك. ﴿إِعْراضُهُمْ﴾ أي: عنك وعن الإيمان بما جئت به. ﴿اِسْتَطَعْتَ:﴾ قدرت. ﴿تَبْتَغِيَ:﴾ تطلب. ﴿نَفَقاً:﴾ هو سرب في الأرض يخلص منه إلى مكان آخر، وأصله في حجرة اليربوع، ومنه: النافقاء والقاصعاء، وفي هذه الأيام يشق نفق تحت الجبال يكون طريقا عامّا. ﴿سُلَّماً:﴾ السلم: الدرج يصعد عليه إلى الأعلى، وهو مشتق من السلامة، قالوا: لأنه يسلم به إلى المكان الذي يريد الارتقاء إليه. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٤]. ﴿بِآيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الْجاهِلِينَ:﴾ جمع: جاهل، وهو الذي يجهل ما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم كيفيته وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]

стр. 1689

فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل وإن لم يكن كذلك يصدق عليه أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل] فضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها إنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهال ما يؤذيها ومعنى الآية الكريمة: وإن كان شق عليك يا محمد وعظم إعراض قومك عن الإيمان بك وعما جئت به، فإن قدرت أن تذهب في طريق مخفي تحت الأرض، أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية تدلهم على صدقك. والمقصود من هذا أن يقطع الرسول ﷺ طمعه من إيمانهم، ولا يتأذى بسبب إعراضهم عنه، وعن الإيمان به. ويبين الله سبحانه أن الهداية هدايته، فلو شاء لهداهم إلى الإيمان، فالأمر ليس إليك يا محمد، فلا تكونن من الذين يجهلون الحكمة الإلهية. وحاشاه ﷺ أن يجهلها! تنبيه: ذكر ابن الجوزي في سبب نزول هذه الآية: أن الحارث بن عامر أتى رسول الله ﷺ في نفر من قريش، فقال: ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ﵄، انتهى خازن. الإعراب: (إن): حرف شرط جازم، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير الشأن محذوف، وقيل: ﴿إِعْراضُهُمْ﴾ اسمها تأخر عن الخبر. ﴿كَبُرَ:﴾ ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى: ﴿إِعْراضُهُمْ،﴾ أو هو فاعله، كما رأيت، وأرى: أن الفعلين قد تنازعاه، فإذا أعملت فيه أحدهما وجب الإضمار في الثاني، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط (إن استطعت) إعرابه مثل إعراب سابقه، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً﴾ في محل نصب مفعول به، ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَفَقاً،﴾ وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿تَبْتَغِيَ،﴾ كما قيل بتعليقهما بمحذوف حال من فاعله المستتر، والأول أقوى. ﴿سُلَّماً:﴾ معطوف على: ﴿نَفَقاً،﴾ ﴿فِي السَّماءِ:﴾ يجوز فيهما ما جاز بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وجواب الشرط محذوف، التقدير: فافعل، و (إن) ومدخولها في محل جزم جواب (إن) السابقة، والكلام: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تأتيهم): معطوف على: ﴿تَبْتَغِيَ﴾ منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره «أنت» والهاء مفعول به. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول

стр. 1690

محذوف، تقديره: هدايتهم، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَمَعَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جمعهم): فعل ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿عَلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا فلا تكونن... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿يَسْتَجِيبُ:﴾ يجيب دعاءك. ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع قبول بقلوبهم وعقولهم. ﴿وَالْمَوْتى:﴾ المراد به الكفار؛ لأنهم لا يسمعون الموعظة سماع قبول، وقد حكى القرآن عنهم ذلك: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾. وأكبر دليل على ذلك آية (البقرة) رقم [١٧١] وآية (الأعراف) رقم [١٧٩] اعتبرتهم كالأنعام، بل هم أضل. ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ أي: في يوم القيامة للحساب والجزاء، فحينئذ يسمعون، وتتفتح آذانهم، وتزال الأكنة عن قلوبهم. هذا؛ وانظر (سمعوا) في الآية رقم [٥/ ٨٣]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣] ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ رجع، يستعمل لازما ومتعديا، و ﴿يُرْجَعُونَ﴾ يقرأ بالبناء للمعلوم والمجهول، فعلى الأول يكون من اللازم، وعلى الثاني يكون من المتعدي. الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (الموتى): فيه ثلاثة أوجه: أولها هو مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ في محل رفع خبره، والثاني هو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، ورجح هذا الوجه على الرفع بالابتداء لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾. بعد قول: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. والثالث هو مرفوع نسقا على الموصول قبله، وعليه فجملة: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب حال. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل وفاعل. أو هو فعل ونائب فاعله على نحو ما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

стр. 1691

﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: قال كفار قريش، وانظر الآية رقم [٢٦] (البقرة) أو [٧/ ٤] (الأعراف) لشرح «القول». ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الرسول ﷺ ، وانظر: (أنزلنا) في الآية رقم [٥١] (المائدة). ﴿آيَةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿رَبِّهِ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] و [٧/ ٢]. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة، والمراد بالآية التي طلبوها مثل الناقة والعصا والمائدة ونحو ذلك، فلم يكتفوا بما شاهدوا من المعجزات مثل انشقاق القمر ونحوه. ﴿إِنَّ اللهَ قادِرٌ﴾ أي: على إجراء المعجزات المذكورة، ولكن إذا نزلت ولم يؤمنوا؛ يحل بهم البلاء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن نزول الآيات التي طلبوها بلاء عليهم وهلاك لهم؛ إن لم يؤمنوا، ويوحدوا بعد نزولها. الإعراب: (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لَوْلا نُزِّلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ اللهَ قادِرٌ:﴾ إن واسمها وخبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ في محل جر ب: (على) والجار والمجرور متعلقان بقادر لأنه اسم فاعل، فلذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، التقدير: قادر على إنزال آية. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل. ومفعولاه محذوفان كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿دَابَّةٍ:﴾ تدب، أي: تمشي على وجه الأرض من الإنسان والحيوان والوحش والهوام وغير ذلك، فلذا يطلق لفظ دابة على الذكر والأنثى مما ذكر. ﴿طائِرٍ:﴾ اسم جنس يطلق على جميع الطيور التي تطير في الهواء. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٢٦٠]. وإنما ذكر سبحانه الجناحين مع ذكر ﴿يَطِيرُ﴾ للتوكيد، كقولك: كتبت بيدي، ونظرت بعيني. ﴿أُمَمٌ:﴾ جمع: أمة،

стр. 1692

وهي الجماعة، والطائفة، والمراد طوائف مختلفة، والجمع باعتبار المعنى. وقال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. يريد: أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم. ويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روي عن عبد الله بن مغفل-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم؛ لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم». أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. ﴿أَمْثالُكُمْ﴾ أي: في تدبير رزقها وخلقها وأحوالها، وفي أنها تعرف ربها، وتوحده، وتسبحه، وتصلى له، كما أنكم تعرفونه، وتوحدونه، وتسبحونه، وتصلون له، وفي أنها يفهم بعضها عن بعض، ويألف بعضها بعضا، كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضا، ويفهم بعضهم عن بعض، وفي أن الذكر منها يعرف الأنثى، وفي أنها تبعث بعد الموت للحساب. انتهى خازن بتصرف. هذا؛ وقد قال العلماء: جميع ما خلق الله لا يخرج عن هاتين الحالتين، إما أن يدب على الأرض، أو يطير في الهواء، حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير؛ لأن الحيتان تسبح في الماء، كما أن الطير تسبح في الهواء، وإنما خص سبحانه ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء، وإن كان ما في السماء مخلوقا له؛ لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأدلى مما لا يشاهد. انتهى خازن، وجمل بتصرف. ﴿ما فَرَّطْنا:﴾ يقال: فرط الشيء، أي: ضيعه وتركه، وفرط في الشيء، أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه، وانظر الآية رقم [٣١] ﴿الْكِتابِ:﴾ المراد به اللوح المحفوظ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل الله فيه أمر حيوان ولا جماد، أو المراد به القرآن الكريم، فإنه سبحانه قد دون فيه ما يحتاج إليه الناس من أمر الدين والدنيا، في العبادة، أو الإشارة، أو في الدلالة، أو في الاقتضاء، وانظر الآية رقم [٧] أو [٧/ ٢] تجد ما يسرك. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣]، ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] أو [٧/ ٢]، ﴿يُحْشَرُونَ:﴾ يجمعون ويبعثون للحساب والجزاء، والمراد جميع المخلوقات ليدبر شئونهم في الآخرة، كما دبرها في الدنيا. قال أبو هريرة-﵁: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير، وكل شيء، فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. انتهى خازن بتصرف. وقول أبي هريرة مأخوذ من قول سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿طائِرٍ:﴾ بالجر معطوف على لفظ: ﴿دَابَّةٍ﴾. وقرئ بالرفع على

стр. 1693

محله. ﴿بِجَناحَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسر لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ في محل جر صفة: ﴿طائِرٍ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أُمَمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿أَمْثالُكُمْ:﴾ صفة: ﴿أُمَمٌ﴾. والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿فَرَّطْنا:﴾ فعل وفاعل. وانظر بإعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ واقع موقع المصدر فهو مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره.. إلخ، وجملة: ﴿ما فَرَّطْنا..﴾. إلخ معترضة كذا قيل، وهذا على عطف ما بعدها على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدها، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، ﴿يُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ المراد بهم كفار قريش كذبوا بالقرآن وبالمعجزات. وانظر شرح ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿صُمٌّ:﴾ جمع: أصم، والمراد: أنهم لا يسمعون آيات القرآن الدالة على ربوبية الله تعالى وعظيم قدرته سماعا تتأثر به نفوسهم فينتفعون منه. ﴿وَبُكْمٌ:﴾ جمع: أبكم، وهو الذي لا ينطق لمرض في لسانه، والمراد: لا ينطقون الحق مع كونهم ينطقون. وانظر الآية رقم [٣٦] والآية رقم [٢/ ١٨]. ﴿الظُّلُماتِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨] والآية رقم [١]، ﴿يَشَأِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٦]. تنبيه: في الآية الكريمة دليل واضح على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، فمن أحب هدايته وفقه بفضله وإحسانه للإيمان، ومن أحب ضلالته تركه على كفره، وهذا عدل منه؛ لأنه تعالى هو الفاعل المختار، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. وجواب من يعترض على خلق الضلال في العبد ذكرته في الآية رقم [٤/ ٨٨]. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿صُمٌّ:﴾ خبر المبتدأ، وجوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف. التقدير: بعضهم صم، وعليه فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ. (بكم): معطوف على ما قبله. وقيل: هو خبر ثان، ولا يتأتى هذا إلا باعتبار الواو زائدة. ﴿فِي الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو ثالث، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير

стр. 1694

المستتر في ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ وذكر أبو البقاء أوجها أخر يظهر فيها التكلف، والتعسف. والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ﴿يَشَأِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم. وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ومفعوله محذوف، التقدير: ضلاله. ﴿يُضْلِلْهُ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يَشَأِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإعراب ما بعدها مثلها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ أي: أخبروني. قال الجمل: استعمال أرأيت في الإخبار مجاز، أي: أخبروني عن حالتكم العجيبة. ووجه المجاز: أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب. انتهى. ﴿أَتاكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿عَذابُ:﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذب، يعذب، بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، نحو: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿السّاعَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. والمراد: أتاكم هول الساعة وفزعها. ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ:﴾ استفهام إنكاري توبيخي. المعنى لهذه الآية: قل يا محمد لهؤلاء الكفارة: أخبروني ماذا تفعلون إن نزل بكم عذاب الله في الدنيا. مثل ما نزل بالأمم السابقة من غرق وخسف ومسخ وصواعق ونحو ذلك، من أنواع العذاب، أو أتتكم الساعة وأهوالها فجأة، هل تسألون غير الله ليكشف عنكم ما ينزل بكم، إن كنتم صادقين في دعواكم؛ فاسألوا أصنامكم كشف الضر عنكم. هذا؛ ولقد كان الكفار إذا نزل بهم شدة وبلاء رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء، وتركوا الأصنام، فقيل لهم: أترجعون إلى الله في حال الشدة والبلاء، ولا تعبدونه، ولا تطيعونه في حال اليسر والرخاء. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتَكُمْ:﴾ الهمزة حرف استفهام. (رأيتكم): فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. هذا الإعراب هو المعتمد في مثل هذا التركيب، وهناك أقوال وآراء كثيرة ضعيفة أعرضت عنها روما للاختصار. وقد اختلف أيضا في مفعولي هذا الفعل، فقال

стр. 1695

قوم: هو محذوف، دل عليه الكلام، تقديره: أرأيتكم عبادتكم الأصنام. هل تنفعكم عند مجيء الساعة. ودل عليه قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾. وقال آخرون: لا يحتاج إلى مفعول؛ لأن بالشرط وجوابه قد حصل معنى المفعول. وملخص كلام السمين: أن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع، تنازع ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ وفعل الشرط في ﴿عَذابُ اللهِ﴾ فالأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني، وحذف مفعول الأول، وأما المفعول الثاني، فهو الجملة الاستفهامية. انتهى جمل بتصرف كبير. وأرى أن الفعل معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وأن الجملة الفعلية: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ سدت مسد المفعولين وما بينهما كلام معترض لا محل له أعطى الكلام تقوية وتسديدا، وحذف جواب الشرط لدلالة الكلام عليه، ولا حاجة إلى هذا التكلف، والتعسف. والله الموفق والمعين وبه أستعين، وانظر الآية [٥٠] من سورة (يونس). ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَتاكُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿عَذابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَتَتْكُمُ:﴾ ماض معطوف على ما قبله، وهو في محل جزم مثله، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فمن تدعون؟ وقيل: تقديره: إن أتاكم دعوتم الله، وقيل: تقديره: فأخبروني أتدعون غير الله لكشفه. وهذا مأخوذ من معنى الكلام السابق كما رأيت في الشرح، وقيل غير ذلك، ولعلك تدرك معي: أن الأول هو المعتمد. ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (غير): مفعول به مقدم، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ أو هي مفعوله الثاني على نحو ما رأيت فيما تقدم. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها على نحو ما رأيت، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فادعوا أصنامكم ونحو ذلك، كما رأيت في الشرح. ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ﴾ أي: بل تتوجهون إلى الله بالدعاء في ساعات البلاء، وتخصونه بالتضرع؛ ليكشف عنكم ما نزل بكم. ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ..﴾. إلخ: أي: فيرفع عنكم البلاء، إن شاء. أن يرفعه تفضلا منه وجودا، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فلا يشاء ولا يستجيب دعاء الكافرين مهما تضرعوا، ودعوا، كما أفاده قوله تعالى: ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي:

стр. 1696

في ضياع، وانظر: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ أي: تتركون أصنامكم في حين نزول البلاء لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، وهو يفيد: أن تركهم الأصنام في ساعات البلاء بمنزلة من قد نسيها. وانظر «النسيان» في الآية رقم [١٤] المائدة. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب وانتقال. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ فهي مثلها في محل نصب، وهذا أقوى وأولى من الاستئناف. (يكشف): مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: تدعونه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: ﴿إِلَيْهِ﴾ والجملة الفعلية: (يكشف...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والمفعول به محذوف والجملة الفعلية: لا محل لها كما رأيت في الآية السابقة، وجواب الشرط محذوف، والجملة الفعلية: «فهو يكشف»: معطوفة على ما قبلها. (تنسون): فعل وفاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، وهي مفعول به، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما تشركونه مع الله في العبادة، وجملة: ﴿وَتَنْسَوْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الشرطية معترضة بين المتعاطفين. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: يبين الله في هذه الآية الكريمة أنه أرسل قبل نبينا ﷺ رسلا إلى الأمم السابقة، فكذبوهم، ولم يؤمنوا بما جاءوهم به، فانتقم الله منهم بأن أصابهم بأنواع البلاء ليرجعوا، فلم يرجعوا إلى رشدهم. وتلك هي سنة الله في الأولين، وتلك سنته في الآخرين. وفيه تسلية للنبي ﷺ . هذا؛ و ﴿بِالْبَأْساءِ:﴾ الفقر الشديد، وقيل: هو الجوع، وهي مؤنث البؤس الذي هو الشدة والمكروه. والضراء: الأمراض والآفات على اختلاف أنواعها. هذا؛ وقد قال البيضاوي: وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما، ولكن، إذا عرفت أن البؤسى تأنيث البؤس، وأن الباء فتحت، ومدت الألف بالبأساء، عرفت أن لها مذكرا. ولا تنس أن البؤسى ضد النعمى، وأن البأساء ضد النعماء. ﴿يَتَضَرَّعُونَ:﴾ يخضعون ويتوبون؛ إذ التضرع: التخشع والتذلل والانقياد، وترك التمرد. والترجي في الآية إنما هو بحسب عقول البشر، وإلا فالله لا يحصل منه ترج ورجاء لشيء من عباده. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] فإنه جيد. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٣٤] ولا تنس أن المفعول محذوف، التقدير: أرسلنا رسلا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَبْلِكَ:﴾ ظرف زمان

стр. 1697

مجرور لفظا، منصوب محلاّ، متعلق بالفعل قبله. (أخذناهم): فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿بِالْبَأْساءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، معطوفة بدورها على ما قبلها لا محل لها مثلها، انظر الشرح. ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿جاءَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بَأْسُنا:﴾ عذابنا، وانظر الآية السابقة، ﴿تَضَرَّعُوا:﴾ دعوا وتذللوا، وانظر الآية السابقة. ﴿قَسَتْ:﴾ فأصله: قسى، فلما اتصلت به تاء التأنيث التقى ساكنان: الألف، وتاء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وإذا قسى القلب فلا تؤثر فيه المواعظ، ولا ينتفع بها. وانظر الآية رقم [٥/ ١٣] أو [٢/ ٧٤]. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ انظر الاستعاذة. وتزيين الشيطان: هو زخرفته ووسوسته وإغواؤه في المعاصي والكفر، وما كانوا يفعلونه من تحريم وتحليل، وغير ذلك. وفحوى الآية الكريمة أن الله تعالى يرغب في التوبة والرجوع إليه، ولا سيما في أوقات الشدائد والبلاء، ولكن الكفار لم يرجعوا عن غيهم، بل بقوا سادرين في طغيانهم حتى أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] فإنه جيد. الإعراب: ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿تَضَرَّعُوا﴾. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض ومفعوله. ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿تَضَرَّعُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة، وما تعلق بها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿قَسَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ معطوفة عليها، وقيل: مستأنفة، والأول أقوى وأولى. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعملونه. وعلى الوجه الثالث في ﴿ما﴾ تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: زين لهم الشيطان عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم،

стр. 1698

والواو اسمه، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم. ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿نَسُوا:﴾ انظر «النسيان» في الآية رقم [٥/ ١٤] وأصله: نسيوا، فقل في إعلاله: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم قلبت كسرة السين ضمة لمناسبة الواو. والمراد بنسيانهم هنا: تكبرهم وإعراضهم عن الموعظة والنصيحة كبرا وعنادا. ﴿ما ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ وعظوا به وخوفوا به، والمراد بذلك: البأساء، والضراء. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ من الصحة والعافية وسعة العيش، حيث أبدلهم الله مكان البأساء الرخاء، والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والعافية في الأبدان، وذلك على سبيل الاستدراج لهم، والامتحان لهم بالشدة والرخاء، إلزاما للحجة، وإزاحة للعلة، ومكرا بهم، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧]. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿فَرِحُوا بِما أُوتُوا:﴾ بما أعطوا من الخير والنعمة. وانظر «الفرح» في الآية رقم [٥٨] سورة (يونس) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً:﴾ أهلكناهم فجأة. ﴿مُبْلِسُونَ:﴾ آيسون من كل خير ورحمة. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وأقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ : «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحب، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ..﴾. إلخ». ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري. انتهى خازن. وانظر الآية رقم [٧/ ١٨٢] والتي بعدها. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند الفارسي، وابن السراج، وابن جني ظرف بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول. والمشهور الثاني. ﴿نَسُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿ما:﴾ موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ذُكِّرُوا بِهِ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا،

стр. 1699

وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَبْوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ جواب لما لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب: ﴿حَتّى إِذا﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿فَرِحُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف إذ التقدير: أوتوه. ﴿أَخَذْناهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الضمير بمعنى مبغوتين، أو هو مفعول مطلق للفعل قبله، على حد: (أتيته ركضا) و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): هي الفجائية، وفيها ثلاثة أوجه: وهي حرف عند الأخفش وابن مالك، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور. انتهى. من المغني بتصرف. ﴿هُمْ مُبْلِسُونَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ..﴾. إلخ، فأهلك الكافرون عن آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد. و ﴿دابِرُ﴾ من: دابره دبرا: ودبورا: إذا تبعه حتى قضى عليه، وانظر شرح: ﴿الْقَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٢]. ﴿ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر والمعاصي ومخالفة أوامر الواحد القهار. وانظر الآية رقم [١٤٤]. ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ انظر شرح مفردات هذه الجملة في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) وقد حمد الله نفسه على هلاك الكافرين، من حيث إن هلاكهم تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها. وفيه تعليم للرسل ولمن آمن بهم أن يحمدوا الله على كفايته إياهم شر الذين ظلموا، ويحمد محمد ﷺ وأصحابه ربهم إذ أهلك المشركين المكذبين. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَقُطِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قطع): ماض مبني للمجهول. ﴿دابِرُ:﴾ نائب فاعله، وقرئ «(قطع)» بالبناء للفاعل ونصب (دابر)، فيكون الفاعل عائدا، إلى الله تعالى، و ﴿دابِرُ:﴾ مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿فَقُطِعَ..﴾.

стр. 1700

إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْناهُمْ﴾ لا محل لها مثلها. (الحمد): مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿رَبِّ:﴾ صفة (الله)، و ﴿رَبِّ:﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وفيه عطف جملة اسمية على فعلية. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤] والخطاب للنبي ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، وانظر الآية رقم [٤٠]. ﴿إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ..﴾. إلخ: أصمكم وأعماكم، وغطى على قلوبكم ما يزول به عقلكم، وفهمكم، وإنما خص سبحانه هذه الأعضاء بالذكر؛ لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت هذه الأعضاء؛ اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا. هذا؛ ووحد السمع وجمع ما بعده لأنه مصدر حذف ما أضيف إليه لدلالة المعنى؛ إذ التقدير: مواضع سمعهم، أو يقال: وحد السمع لوحدة المسموع وهو الصوت دونهما، أو للمصدرية، والمصادر لا تجمع. وقرئ شاذّا: «(وعلى أسماعهم)». والمراد بالختم هنا: عدم وصول الحق إلى قلوبهم، وعدم نفوذه واستقراره فيها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٧] بهذا الصدد. ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: بما سلبتم من سمع وبصر وقلب، والمعنى: أي فرد من آلهتكم يأتيكم بما ذكر. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ نكررها: تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ:﴾ يعرضوان عن الإيمان، يقال: صدف عن الشيء صدفا، وصدوفا، أي: أعرض، و ﴿ثُمَّ﴾ معناها هنا: استبعاد واستنكار الإعراض عن الآيات بعد تكريرها وتقريرها. بعد هذا انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿الْآياتِ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٤٣] (المائدة). هذا؛ ولم يؤت هنا بالكاف في قوله ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وأتي به في الآية رقم [٤٠] لأن التهديد هناك أعظم. فناسب التأكيد بكاف الخطاب، ولما لم يؤت بالكاف هنا وجب ثبوت علامة الجمع بالتاء لئلا يلتبس. انتهى. جمل بتصرف، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب به النبي ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (رأيتم): فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وقد اختلف في مفعولي هذا الفعل، (فقال قوم): هو محذوف دل عليه الكلام، تقديره: أرأيتم سمعكم... إلخ، هل تستطيعون ردها إن سلبت منكم، ودل عليه قوله: ﴿مَنْ إِلهٌ﴾. وقال

стр. 1701

آخرون: لا يحتاج إلى مفعول؛ لأن الشرط وجوابه قد حصل معنى المفعول. وملخص كلام السمين: أن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع، تنازع: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وفعل الشرط في: ﴿سَمْعَكُمْ..﴾. إلخ، وكلاهما يطلبه مفعولا له، فحذف المفعول الأول، وأعمل: ﴿أَخَذَ﴾ في ﴿سَمْعَكُمْ﴾. وأما المفعول الثاني ل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهو الجملة الاستفهامية. خذ هذا؛ وأرى أن الفعل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وأن الجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ..﴾. إلخ سدت مسد مفعوليه، وما بينهما كلام معترض لا محل له، ولا حاجة إلى هذا التكلف، والتعسف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية رقم [٤٠]. وجملة: ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلهما لا محل له مثلها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿إِلهٌ،﴾ و ﴿غَيْرُ:﴾ مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى إله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿إِلهٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال معنى الاستفهام، وهو أرجح الأقوال الثلاثة. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والضمير يعود إلى ما أخذ، وختم عليه، أو إلى أحد هذه المذكورات، وحذف ما يعود إلى الآخرين اكتفاء به. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أو هي مفعوله الثاني على نحو ما رأيت فيما تقدم، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ أَخَذَ..﴾. إلخ معترضة بينهما، وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿نُصَرِّفُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول انظر المعلق عن العمل، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ..﴾. إلخ فهي داخلة مثلها في المفعولية. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ:﴾ انظر الشرح الوافي لهذا الكلام في الآية

стр. 1702

رقم [٤٠]. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة من غير مقدمة، أو إنذار. ﴿جَهْرَةً:﴾ عيانا بأن ظهرت أمارات العذاب ليلا أو نهارا. ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ:﴾ الاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يهلك إلا القوم الكافرون، والمراد: أن الإهلاك إهلاك سخط وغضب، فلا يرد أن غيرهم يهلكون بلا ريب، لكن ليس سخطا وتعذيبا، بل إثابة، ورفع درجة. انتهى جمل نقلا عن كرخي. وانظر (القوم) في الآية رقم [٢٢] (المائدة). الإعراب: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٤٠] ففيه الكفاية. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الضمير المنصوب بمعنى: مباغتين، ويصح أن يكون حالا من: ﴿عَذابُ اللهِ﴾ بمعنى مباغتا، أو هو مفعول مطلق عامله الفعل (أتى) من غير لفظه. ﴿جَهْرَةً:﴾ معطوف على ﴿بَغْتَةً﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، ويقرأ بالواو وبأو. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿يُهْلَكُ:﴾ يقرأ بالبناء للفاعل من الثلاثي، وبالبناء للمفعول من الرباعي. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْقَوْمُ:﴾ فاعل أو نائب فاعل على نحو ما رأيت. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ صفة القوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يُهْلَكُ..﴾. إلخ تصالح لما صالح له: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ انظر في الآية رقم [٤٠]. ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ بفتح السين جمع: رسول، ويجمع على: رسل، كما في قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وانظر شرح الرسول والنبي في الآية رقم [٥/ ٨٣] ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ المطيعين بالجنة والرضا والرضوان. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: مخوفين الكافرين والعاصين من النار وغضب الواحد القهار. ﴿آمَنَ﴾ أي: بالله ورسله، وانظر الآية رقم [٩٣] (المائدة) ﴿وَأَصْلَحَ:﴾ عمله بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ من عذاب الله وغضبه. ﴿عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ في الآخرة بسبب شيء يهمهم أو يزعجهم، وهذا؛ وعد من العلي القدير، فهنيئا لمن وفق للعمل الصالح في الدنيا ليفوز في الآخرة برضا ربه، ونعيمه الدائم الذي لا ينقطع، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُرْسِلُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ. (منذرين): معطوف عليه، فهو حال أيضا، والجملة الفعلية: ﴿وَما نُرْسِلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم

стр. 1703

شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». (أصالح): فعل ماض معطوف على ما قبله فهو في محل جزم مثله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن علقتهما ب: ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، فيكون الخبر محذوفا، تقديره: موجود، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي مثلها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٣٩] هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فتكون جملة: ﴿آمَنَ﴾ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَلا خَوْفٌ..﴾. إلخ خبره، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويقويه عطف الموصول في الآية التالية عليه، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقد قرئ: «(لا خوف)» بدون تنوين على إعمال (لا) إعمال (إنّ)، وهي قراءة شاذة؛ لأن (لا) متى تكررت أهملت، وآيات كثيرة تشهد بذلك، بعد هذا يجب أن تعلم أنه قد روعي لفظ (من) في إعادة فاعل ﴿آمَنَ﴾ إليها فلذا أفرد، وروعي معناها في: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ،﴾ فلذا جمع الضمير. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩]. وهو مقابل لمن آمن في الآية السابقة؛ إذ اقتضت حكمة الله ورحمته ألا يذكر التصديق من المؤمنين، إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة إلا ويذكر الغضب والسخط، ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا... إلخ. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ:﴾ يصيبهم وينزل بهم العذاب. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ انظر الفاسقين في الآية رقم [٥/ ٢٥] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] الأعراف. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [/١ ٥] ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ:﴾ مضارع ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥] وغيرها، و (ما) المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور

стр. 1704

متعلقان بالفعل قبلهما، والتقدير: بسبب فسقهم، واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة هنا بعيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿خَزائِنُ اللهِ:﴾ خزائن رزقه، و ﴿خَزائِنُ﴾ جمع: خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه بحيث لا تناله الأيدي. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لا أعلم ما لم يوح إلي فيه شيء، ولم ينصب عليه دليل. ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ:﴾ وهذا رد لقولهم: قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء إلى غير ذلك. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: ما أخبركم إلا بما أنزل الله عليّ. وانظر: ﴿أَوْحَيْنا﴾ في الآية رقم [٤/ ١٦٣]. ﴿الْأَعْمى﴾ أي: الكافر والضال والجاهل، ومعنى عماهم أنهم لا يبصرون طريق الحق والصواب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٦] و [٣٩] ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ هو المؤمن المهتدي العالم، ومعنى بصره: أنه يبصر طريق الحق والصواب. ﴿أَفَلا:﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ١٠٤]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في خلق السموات والأرض فتهتدون فلا تكونون ضالين أشباه العميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر ونحو ذلك. ومجمل معنى الآية الكريمة: أن النبي ﷺ أعلمهم بأمر الله له: أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، وأنه لا يعلم الغيب فيخبر بما كان وبما سيكون، وأنه ليس بملك حتى يطلع على ما لا يطلع عليه البشر، إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه ، فما أخبر عنه من غيب، فإنما هو بوحي الله إليه. انتهى جمل، وخازن. وتتمة المعنى: لا يكون الكافر والمؤمن على درجة واحدة عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكذلك المطيع والعاصي، ألا يتفكر العقلاء ذوو البصيرة في ذلك لعلهم يرجعون إلى رشدهم. تنبيه: نزلت الآية الكريمة حين طلبوا من النبي ﷺ أشياء ليست بمقدوره، واستنكروا منه أشياء لا تكون بزعمهم ممن يدعي النبوة، فبين الله لهم: أن الرسول بشر لا يقدر على أشياء ليست من صنع البشر، وأنه يتلقى ما يعلمه الله إياه بواسطة الملك. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَقُولُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُ:﴾ مبتدأ

стр. 1705

مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا أَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مَلَكٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على مثيلتها، فهي داخلة في مقول: ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿أَتَّبِعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد أو الرابط. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿يَسْتَوِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعله مرفوع. ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. (فلا): الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة إن كانت من مقول الله تعالى، أو هي في محل نصب مقول القول، إن كانت من مقول الرسول ﷺ . ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ:﴾ خوف بالقرآن الذي أوحي إليك من ربك. ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ:﴾ المراد بهم المسلمون المفرطون في طاعة الله تعالى. المرتكبون للمعاصي والمنكرات، المعترفون بالبعث والحشر، الذي هو الجمع يوم القيامة للحساب والجزاء. وانظر شرح ﴿رَبِّهِمْ﴾ في الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من غير الله تعالى وانظر رقم [٧/ ٣]. ﴿وَلِيٌّ:﴾ نصير ومعين، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿شَفِيعٌ:﴾ يشفع لهم من عذاب الله تعالى، وانظر الشفاعة في الآية رقم [٤/ ٨٥] فإنه جيد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ المعاصي فيبتعدون عنها، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي الحفظ والتحفظ من الشر، والمتقي ربه يجعل نفسه في وقاية من النار. والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج ورجاء لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. الإعراب: ﴿وَأَنْذِرْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنذر): فعل أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَخافُونَ..﴾. إلخ صلة

стр. 1706

الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (أنذر...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ليس تقدم على اسمها. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، وتعليقهما بشفيع بعدهما، لا يأباه المعنى، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ثان، فيكون من تعدد الخبر، وهو شبه جملة، ﴿وَلِيٌّ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿شَفِيعٌ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَيْسَ لَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مفيدة للتعليل على نحو ما رأيت في الآية رقم [١٨٥] (البقرة). ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَطْرُدِ:﴾ الطرد: الإبعاد، وطرده: أبعده، وهو من الباب الأول. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ:﴾ يعبدونه، وقيل: يصلون له؛ لأن الصلاة تشتمل على الذكر والدعاء، والمراد بذكر الغداة والعشي: صلاتا الفجر والعصر، وقيل: المراد الدوام في جميع الأوقات بل وجميع الحالات. هذا؛ وقد قرئ: «(بالغدوة)» بضم الغين وسكون الدال. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] بالإضافة لما ذكرت من تفسير (الغداة والعشي) أقول: العشي ومثله العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري، وقال: قلت قال الأزهري: العشي من بين زوال الشمس وغروبها، ويقابل العشية الغدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وقيل إلى الضحوة الكبرى، أما الغداة فهي في الأصل الضحوة، وجمع العشية: عشيّات، وجمع الغداة: غدوات، وجمع الغدوة: غدو، ويقابل بالأصيل، وجمعه: آصال، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ..﴾. إلخ الآية من سورة (النور) كما يقابل الغدو بالعشي، قال تعالى في حق فرعون وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا..﴾. إلخ الآية من سورة (غافر)، وانظر الآية رقم [٣/ ٤١] والآية رقم [٧/ ٢٠٥]. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ:﴾ يطلبون ذاته، فالوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته. وانظر الآية رقم [٢/ ١١٢]. ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ: أي لا تكلف أمرهم ولا يكلفون أمرك. وقيل: ما عليك حساب رزقهم، فتملهم، وتطردهم عنك، ولا رزقك عليهم، إنما الرازق لجميع الخلق هو الله تعالى. انتهى خازن.

стр. 1707

وقال البيضاوي: أي ليس عليك حساب إيمانهم، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم انتهى بتصرف. ولو قلنا: معناه: لا تسأل عن أعمالهم، ولا يسألون عن عملك؛ لكان جيدا، ويكون مثل الآية الكريمة رقم [٢/ ١٤١] وهي: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ..﴾. إلخ وانظر ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت ذلك، وحاشاه ﷺ من الظلم، وانظر الآية رقم [١٤٧] الآتية. تنبيه: روي: أن زعماء قريش قالوا للنبي ﷺ : لو طردت هؤلاء الأعبد عن مجلسك-يعنون بذلك فقراء المسلمين وضعفاءهم كعمار وصهيب وبلال وخباب-جلسنا إليك، وحادثناك، فقال: ما أنا بطارد المؤمنين، قالوا: فأقمهم عنا إذا جئناك. قال: نعم. وروي: أن عمر-﵁ قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون، فدعا بعلي بن أبي طالب ﵁ ليكتب، فنزلت الآية الكريمة وما بعدها، وكذلك نزلت آية (الكهف): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٨] فكان ﵊ إذا أقبل عليه أحد من هؤلاء الفقراء؛ يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ويرحب بهم، ويجلسهم إلى جانبه. هذا؛ وقد قيل: إن الذين طلبوا من النبي ﷺ ما تقدم هم أجلاف العرب، وكان ذلك في المدينة المنورة، ويرده: أن سورة (الأنعام) مكية، وأن الحادثة وقعت في مكة. وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (نوح). الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَطْرُدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْغَداةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (العشي): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: ﴿وَلا تَطْرُدِ﴾ .. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿ما:﴾ نافية مهملة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر تقدم على المبتدأ. ﴿مِنْ حِسابِهِمْ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو متعلقان بمحذوف خبر ثان، فيكون من تعدد الخبر، وهو شبه جملة. هذا؛ وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له... إلخ، وكثير من النحاة لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. هذا؛ واعتبار: ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستقر في الخبر المقدم المحذوف لا غبار عليه. هذا؛ وقد جوز اعتبار: ﴿ما﴾ نافية حجازية تقدم خبرها على اسمها والإعراب على حقيقته، كما جوز اعتبار: ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ كما في

стр. 1708

تركيب الجملة: ﴿وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ،﴾ وإعرابها كإعراب سابقتها، والجملة الاسمية: ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الجمل فيها: هي بمنزلة التعليل، أي للنهي المتقدم. أقول: أو هي مستأنفة، فلا محل لها على الوجهين. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية في جواب النفي، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فَتَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النهي، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (تكون). وكلا الفعلين يؤولان مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف بفاء السببية على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ التقدير: لا يكن منك طرد للفقراء المؤمنين فتكون من الظالمين، وما حسابهم عليك فتطردهم من اختصاصك. وقيل: (تكون) معطوف على ما قبله على وجه التسبب؛ لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم. ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿فَتَنّا:﴾ ابتلينا واختبرنا، والضمير في ﴿بَعْضَهُمْ﴾ المراد به بعض الناس، والمعنى: ابتلينا الغني بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، والوضيع بالشريف... إلخ، فكل واحد مبتلى بضده، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء في عهد النبي ﷺ حسدهم لفقراء الصحابة الذين سبقوهم إلى الإسلام، وتقدموا عليهم، فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك، فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم، وأما فتنة الفقراء بالأغنياء، فلما يرون من سعة رزقهم، وخصب عيشهم، فكان ذلك فتنة لهم. انتهى. خازن. ﴿لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ﴾ .. إلخ: أي أهؤلاء أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا، ونحن الأكابر والعظماء، وهم الفقراء والضعفاء؟! وهو إنكار واستغراب لأن يخص هؤلاء بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم في آية أخرى: ﴿لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أي: فيعلم الله الشاكر لنعمه، فيزيده منها، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ويعلم الجاحد لنعمه، فينتقم منه، كما أفاده قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف تقدم على عامله، التقدير: فتنا بعضهم فتونا كائنا مثل ذلك الفتون. ﴿فَتَنّا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِيَقُولُوا﴾ اللام: لام التعليل، وقيل: هي لام الصيرورة والعاقبة. (يقولوا): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في

стр. 1709

تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز تعليق: ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (على)، وفسر بمفردين. هذا؛ وقد اعتبر: (هؤلاء) منصوبا على الاشتغال بفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر العامل في ضميره بواسطة (على)، ولا أراه قويّا. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (ليس): ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِأَعْلَمَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (أعلم): خبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعلامة الجر اللفظي الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة، ووزن أفعل. ﴿بِالشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان ب: (أعلم)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا:﴾ هم الذين نهي الرسول ﷺ عن طردهم في الآية السابقة. وصفهم الله بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج بعد ما وصفهم بالمواظبة على العبادة تنبيها على إحرازهم لفضيلة العلم وفضيلة العمل، وأمر الله نبيه بأن يبدأهم بالسلام، أو يبلغهم سلام ربهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله وفضله. ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ:﴾ انظر شرح هذه الجملة في الآية رقم [١٢]. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: الحال والشأن. ﴿سُوءاً:﴾ ذنبا ومعصية. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ ما أحراك أن تنظر الآية رقم [٤/ ١٧] وانظر الجاهل في الآية رقم [٣٥]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٥٠]. ﴿تابَ:﴾ رجع واستغفر من ذنبه، وانظر شروط التوبة في الآية رقم [/١٧ ٤]. ﴿وَأَصْلَحَ:﴾ عمله بالتدارك والعزم على أن لا يعود. ﴿غَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة من الغفران. ﴿رَحِيمٌ:﴾ انظر البسملة. بعد هذا انظر (جاءك) في الآية رقم [٥] والإيمان في الآية رقم [٥/ ٩٦] و (آياتنا) في الآية رقم [٤] والقول في الآية رقم [٧/ ٤]. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة «أنه» في الموضعين وبكسرها فيهما، وفتح الأولى، وكسر الثانية، فالقراءات ثلاثة، وكلها سبعية. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿جاءَكَ الَّذِينَ:﴾ ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في

стр. 1710

جواب (إذا). ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به-وهو نكرة-الدعاء؛ لأنه من مسوغات الابتداء بالنكرة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، وجملة: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن في محل نصب اسمها. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في: ﴿مَنْ﴾ ﴿سُوءاً:﴾ مفعول به. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر أيضا، ولا بأس بتعليقهما بمحذوف صفة ﴿سُوءاً﴾ أي: كائنا، أو مفعولا ﴿بِجَهالَةٍ﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تابَ:﴾ ماض معطوف على فعل الشرط، والفاعل يعود إلى من. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَصْلَحَ:﴾ معطوف على فعل الشرط أيضا، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٢٩]. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وتعتبر زائدة، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر (أنّ). بعد هذا نعود إلى إعراب محل (أنّه) في الموضعين، فتح الهمزة في الأول يجعلها تؤول بمصدر، وفي محله وجوه: أحدها: أنه بدل من ﴿الرَّحْمَةَ﴾ فهو في محل نصب، فإن نفس هذا المصدر المتضمن للإخبار بذلك رحمة. والثاني: أنه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنه من عمل، فلما حذفت اللام جرى في محله الخلاف المشهور. والثالث: كونه في محل رفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف، أي: عليه أنه من عمل... إلخ. والرابع: كونه في محل نصب على أنه مفعول: ﴿كَتَبَ،﴾ و ﴿الرَّحْمَةَ﴾ مفعول من أجله. انتهى جمل. وأقواها الوجه الأول، والثالث، والرابع ضعيفان ظاهر فيهما التكلف، والتعسف. وأما كسر الهمزة فينتج عنه جملة اسمية، وفي محلها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة، وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ والثاني: أن كتب أجري مجرى قال. فكسرت الهمزة بعده كما تكسر بعد القول الصريح، وأما فتح الهمزة في الموضع الثاني يجعلها تؤول أيضا بمصدر. وفي محله ثلاثة وجوه: أحدها: كونه في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، أي فغفرانه ورحمته حاصلان لمن عمل سوءا بجهالة، ثم تاب من بعده، أو فعليه غفرانه ورحمته. الثاني: كون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فأمره أو شأنه أنه

стр. 1711

غفور رحيم. الثالث: كونه تكرير للأول، كررت (أن) لما طال الكلام، وعطفت الثانية على الأولى بالفاء، وهذا منقول عن أبي جعفر النحاس. انتهى جمل. أقول: عند التأمل يظهر لك ضعفه؛ لأن الثانية واقعة في جواب ﴿مَنْ﴾ أو في خبره كما رأيت في الإعراب، فهي ضمنا واقعة في محل رفع خبر الأولى، وأما كسر الهمزة فينتج عنه جملة اسمية، وفي محلها وجهان: أحدهما أنها في محل جزم جواب الشرط، أو في محل رفع خبر ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وهو ما رأيته فيما تقدم من الإعراب، والثاني: أنها عطف على الأولى وتكرير لها انتهى. جمل. أقول: هذا ضعيف، وسبب ضعفه، ما ذكرته في الوجه الثالث من أوجه فتحها. وأما القراءة الثالثة؛ فيؤخذ فتح الأولى، وكسر الثانية مما تقدم في كسرهما، وفتحهما بما يليق من ذلك، وهو ظاهر. انتهى جمل. ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾ المعنى: مثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونوضحها، ونلخصها في صفة المطيعين الأوابين، والمجرمين المصرين على الكفر والعناد والمعاصي واقتراف السيئات. وانظر شرح: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤] وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] ﴿وَلِتَسْتَبِينَ:﴾ لتظهر، يقال: استبان الأمر، وتبين، واستبنته، وتبينته. والمعنى واحد. ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ:﴾ طريق المجرمين، وانظر شرح: ﴿سَبِيلُ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦] فإنه جيد. وقرئ الفعل «(تستبين)» بالتاء على اعتباره مؤنثا، وقرئ بالياء على اعتباره مذكرا. هذا؛ و ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ جمع مجرم، والمراد به هنا: الكفار، ويشمل ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ من المسلمين الذين يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، والذين يعتدون على الحرمات. وينتهكون المحرمات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾ الواو: حرف عطف. الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، وتقدير الكلام: ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل... إلخ. ﴿نُفَصِّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما في الآية رقم [٥٣] أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: حرف تعليل وجر. (تستبين): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. ﴿سَبِيلُ:﴾ فاعله.

стр. 1712

هذا؛ وقد قرئ بنصبه، فيكون الفاعل مستترا تقديره: «أنت»، و ﴿سَبِيلُ﴾ مضاف، و ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، و «أن» المضمرة والفعل: (تستبين) على القراءتين في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على جار ومجرور محذوفين، وهما متعلقان بالفعل ﴿نُفَصِّلُ﴾ وتقدير الكلام: نفصل الآيات ليظهر الحق ولتستبين... إلخ. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا وما بعده خطاب للنبي ﷺ ، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: نهاني ربي عن عبادة الأصنام التي تعبدونها وتقدسونها من دون الله، وقيل: معناه: تدعونها وتلجئون إليها عند الشدائد؛ لأن الجمادات أحقر من أن تعبد، أو يلجأ إليها عند المهمات. ﴿قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ:﴾ هذا تأكيد لقطع أطماع المشركين في أن يميل النبي الكريم إلى عبادة الأصنام، وإشارة إلى أن ما يفعلونه من عبادة الأصنام إنما هو جهل واتباع هوى لا يستند إلى شيء يعتمد عليه. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً﴾ أي: إن اتبعت أهواءكم؛ فقد اتبعت طريق غير الحق والصواب. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: وما أنا في شيء من الهدى إن اتبعت أهواءكم. وفيه تعريض بأنهم على غير هدى وحق. بعد هذا انظر معنى: ﴿أَعْبُدَ﴾ في سورة (الفاتحة)، و ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿أَهْواءَكُمْ:﴾ جمع هوى، وانظر الآية رقم [٤/ ١٣٥]. ﴿ضَلَلْتُ:﴾ انظر: ﴿وَضَلَّ﴾ في الآية رقم [٢٤]. هذا؛ وقد فك التضعيف لاتصاله بضمير رفع متحرك، وهو واجب، وهو هنا بفتح اللام الأولى، ويقرأ في آية أخرى: «(قل إن ضللت)» بكسرها. قال الرازي في مختاره: فهذه، أي الأولى لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: (ضللت) أضل بالكسر فيهما انتهى.. أقول: لغة نجد من باب ضرب والثانية من باب ورث. الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿نُهِيتُ:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن عبادة الذين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: تدعونه، والجار والمجرور متعلقان به، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من المفعول المحذوف لا بأس به، والجملة الفعلية: ﴿نُهِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ

стр. 1713

مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَتَّبِعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا» ﴿أَهْواءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا أَتَّبِعُ﴾ .. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ﴾ .. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَلْتُ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية مهملة، أو حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ما)، والجملة اسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿بَيِّنَةٍ:﴾ هي الدلالة الواضحة، والحجة الدامغة. ﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [/٣ ٧]. ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ:﴾ الضمير يعود ل: ﴿رَبِّي﴾ أي: كذبتم به حيث أشركتم به غيره، أو للبينة باعتبار المعنى. وقيل: يعود إلى القرآن؛ لأنه مفهوم من المقام، وهو كالمذكور. ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ:﴾ المراد بالضمير المجرور بالباء: العذاب الذي طلبوه مرارا، وحكاه القرآن عنهم: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي: نصيبنا من العذاب، إلى غير ذلك. و ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي: ما الحكم في تأخير العذاب، وتعجيله إلا لله. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ:﴾ يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به، ويقدره. من: قص أثره، أو قص خبره: إذا تتبعه. وقيل: هو بمعنى يقول الحق. ويقرأ «(يقض)» بالضاد، من القضاء، يعني: يقضي القضاء الحق، وانظر شرح ﴿الْحَقَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ:﴾ الله خير القاضين والحاكمين بالحق. وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [٧/ ١٢]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَكَذَّبْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (كذبتم): فعل وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ في محل نصب

стр. 1714

حال من: ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، وهذا باعتبار رجوع الضمير إلى بينة، كما رأيت، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية مهملة. ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم منصوب. وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. (ما): تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم: ﴿ما﴾ مؤخر على اعتبارها عاملة عمل ليس، والجملة الفعلية: ﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: من العذاب، وهذا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء و «من» بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. والجملة الاسمية: ﴿ما عِنْدِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِ:﴾ نافية بمعنى: ﴿ما﴾. ﴿الْحُكْمُ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا، والجملة الفعلية: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط رجوع الفاعل إليه فقط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْفاصِلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، فهي حال متعددة، أو من فاعل: ﴿يَقُصُّ﴾ المستتر، فهي حال متداخلة، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي..﴾. إلخ، أي لو كان في قدرتي ومكنتي ما تطلبونه من العذاب. وانظر الآية السابقة. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ..﴾. إلخ، أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، وانتهى الأمر بيني وبينكم إلى المقاطعة التامة والاستراحة من كيدكم وشركم. وانظر: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٢/ ١١٧] فإنه جيد. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أي: وبأحوالهم، وما يستحقون من العذاب، والوقت الذي يستحقونه فيه. وقال البيضاوي: فيه معنى الاستدراك، كأنه قال: ولكن الأمر إلى الله، وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ، وبمن ينبغي أن يمهل منهم. هذا؛ والمراد ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ هنا: الكفار والمشركون، ويشمل الظالمين من المسلمين الذين يعتدون على حقوق الناس، وينتهكون حرماتهم. وانظر الظلم في الآية رقم [١٤٥] الآتية. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم

стр. 1715

على اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر، وانظر الآية السابقة ففيها الكفاية لتتمة الإعراب، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها المقدم في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط ﴿لَوْ﴾ عند المبرد، التقدير: لو ثبت استعجالهم العذاب. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو استعجالهم العذاب ثابت أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (قضي الأمر): ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقُضِيَ..﴾. إلخ جواب لولا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِالظّالِمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿وَعِنْدَهُ:﴾ عند الله. ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ:﴾ خزائن الغيب، أي ما غاب عن المخلوقات من معلومات لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد ذكرها ربنا في آخر آية من آيات سورة (لقمان). وقال سبحانه في سورة (الرعد) ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾. وعن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر. وفي رواية أخرى: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى الساعة إلا الله». أخرجه البخاري. أقول: وما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور في هذا العصر، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين،

стр. 1716

وكثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من غيب الله تعالى. وأضيف: أنه ذكر في تفسير: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ أمور، فقال الضحاك، ومقاتل: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ،﴾ خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: انقضاء الآجال، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وخواتيم أعمالهم. وقال ابن عباس-﵄: أنها خزائن غيب السموات والأرض، من الأقدار والأرزاق، وغير ذلك. انتهى خازن بتصرف. بعد هذا أقول: اختلف في ﴿مَفاتِحُ:﴾ فقيل: هو جمع: مفتح بفتح الميم وكسر التاء، كمخزن وزنا ومعنى، وهذا على تفسيره بخزائن. وقيل: هو جمع: مفتح بكسر الميم، وفتح التاء، وهذا على تفسيره بطرق الغيب، فيكون مرادا به: الآلة المعلومة، ويؤيده قراءة مفاتيح، جمع: مفتاح، ويكون حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما نقل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع محراب محارب. انتهى جمل بتصرف كبير. ﴿الْبَرِّ:﴾ بفتح الباء، وهو الأرض القفر التي لا ماء فيها ولا نبات. و ﴿وَالْبَحْرِ﴾ القرى والأمصار، ولا يحدث فيها شيء إلا والله يعلمه، قاله مجاهد، وقال جمهور المفسرين، هو (البر والبحر) المعروفان؛ لأن جميع الأرض، إما بر وإما بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته، وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته، وسعة علمه. وهذا هو المعتمد. هذا؛ والبر بكسر الباء: كلمة جامعة لجميع خصال الخير الدنيوية والأخروية. انظر الآية رقم [١٧٦] من سورة (البقرة) والبر بضم الباء: القمح الحنطة التي نأكلها خبزا... ﴿تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ:﴾ يعلم عدد ما يسقط من أوراق الشجر. وعدد ما يبقى منه. ﴿حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ﴾ أي: حبة موجودة في بطن الأرض، قبل أن تنبت وما يطرأ عليها من تغيرات حتى تخرج من الأرض، وانظر: ﴿ظُلُماتِ﴾ في الآية رقم [١]. ﴿رَطْبٍ وَلا يابِسٍ:﴾ هو عبارة عن كل شيء في الوجود؛ لأن جميع الأشياء، أما رطبة، وإما يابسة. ﴿كِتابٍ:﴾ المراد به اللوح المحفوظ؛ لأن الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد يكون قبل أن يخلق السموات والأرض. وفائدة إحصاء الأشياء كلها في هذا الكتاب؛ لتقف الملائكة على إنفاذ ما سجله الله فيه. انتهى خازن. ﴿مُبِينٍ﴾ انظر الآية رقم [١٦]. الإعراب: (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَفاتِحُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُها:﴾ مضارع ومفعوله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع وقع فاعلا للفعل قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف لوقوعه خبرا، وقال أبو البقاء: أو نفس الظرف، إن رفعت به ﴿مَفاتِحُ﴾ أي: إن رفعته به فاعلا، وذلك على رأي الأخفش. انتهى. جمل. أقول: وهذا يشكل بوقوع الحال من المبتدأ، والحال هيئة فاعل، أو مفعول، كما هو

стр. 1717

معروف، لذا فإني أرى أن تكون الحال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، والمتعلق هو العامل في الحال، وبهذا يزول الإشكال، وينكشف الغموض. (يعلم): مضارع، وفاعله يعود إلى الله، وهو كسابقه لم ينصب إلا مفعولا واحدا؛ لأنه بمعنى: يعرف، وليس من أفعال القلوب انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال) ففيها البيان الشافي بإذن الله تعالى. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَعْلَمُها:﴾ فعل مضارع، ومفعوله، وفاعله يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿وَرَقَةٍ،﴾ وسوغ مجيء الحال منها وهي نكرة تقدم النفي، فإنه من المسوغات للابتداء بالنكرة. ﴿لا:﴾ زائدة لتأكيد النفي. ﴿حَبَّةٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ ولو قرئ بالرفع، لكان على الموضع. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة حبة، وظلمات مضاف، و ﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ:﴾ بالجر معطوفان على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ و (لا) مقحمة مفيدة للتوكيد. قال الجمل: لكن لا يناسب تسلط السقوط على الثلاثة، كما لا يخفى؛ إذ لا يناسب وما يسقط رطب ولا يابس، فالمعنى: وما من حبة و ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾. قال البيضاوي: وقرئت-أي: الثلاثة-بالرفع، وفيهن حينئذ وجهان: الأول: عطفها على محل ﴿وَرَقَةٍ﴾ والثاني: على الابتداء، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف بدل من قوله ﴿إِلاّ هُوَ﴾ بدل كل من كل على أن المراد بالكتاب المبين على علم الله تعالى، أو بدل اشتمال إن أريد به اللوح المحفوظ، وهذا على اعتبار ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ﴾ معطوفات على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ أو على محلها، وأما على الوجه الثاني فيهن، وهو الرفع على الابتداء، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر عن هذه المرفوعات، التقدير: مسجلات في: ﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وينتج عن ذلك جملة اسمية مستأنفة لا محل لها، ويكون الوقف على ﴿يَعْلَمُها﴾ جيدا، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (يونس) فإنه جيد. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ:﴾ ينيمكم فيه، ويراقبكم. استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس، والتمييز، فإن أصله قبض الشيء بتمامه. انتهى بيضاوي. وقال الجلال في تفسيره: يقبض أرواحكم عند النوم، قال الجمل في تعليقه عليه: هذا مبني على أن في الجسد روحين: روح الحياة، وهي لا تخرج إلا بالموت، وروح التمييز، وهي تخرج بالنوم، فتفارق الجسد، فتطوف بالعالم، وترى المنامات، ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه.

стр. 1718

وفي زاده على البيضاوي هناك ما نصه: وعلى ما ذكره المصنف ليس في ابن آدم إلا روح واحدة، تكون لابن آدم بحسبها ثلاثة أحوال: حال يقظة، وحالة نوم، وحالة موت، فباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان وباطنه تعلقا كاملا تثبت له حالة اليقظة، وباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان فقط تثبت له حالة النوم، وباعتبار انقطاع تعلقها عن الظاهر والباطن تثبت له حالة الموت. انتهى جمل. ﴿جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ:﴾ كسبتم فيه، وجرح من باب: نفع، واجترح: عمل بيده واكتسب، ومنه قيل لكواسب الطير والسباع جوارح جمع جارحة؛ لأنها تكسب بيدها. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ لأنها استعملت بالفعل. ثم انظر الآية رقم [٩٦] لشرح الليل والنهار. ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ:﴾ يوقظكم من نومكم في النهار، فقد استعار لفظ الوفاة للنوم، واستعار لفظ البعث للإيقاظ من النوم. ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: ليبلغ المتيقظ في النهار، والنائم في الليل آخر عمره المسمى له في الدنيا، ثم المرجع والمآب بعد ذلك إلى الله تعالى بالموت، وبعد ذلك يكون الإحياء للحساب والجزاء فينبئ كل إنسان بما قدمت يداه في ليله، ونهاره، وغدوه، ورواحه. هذا؛ وانظر: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٢/ ١١٧] و ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٣] و ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٤] و (يعلم) في الآية السابقة. الإعراب: (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: جرحتموه بالنهار، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم جرحكم بالنهار، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، واكتفى الفعل (يعلم) بمفعول واحد، كما في الآية السابقة، وجملة: ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لِيُقْضى﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وهو مبني للمجهول. ﴿أَجَلٌ:﴾ نائب فاعله. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم ونصب (أجلا) على أنه مفعول به، فيكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى (الله). ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة لما قبله على الوجهين، فهو مرفوع، أو منصوب، والضمة أو الفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، و «أن» المضمرة والفعل: (يقضى) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما

стр. 1719

قبلهما من مجموع الفعلين، أي: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ ثم ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾ لأجل ذلك. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يُنَبِّئُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وانظر الإعراب في الآية رقم [٣٠] فإنه مثل: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿يُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها أيضا، و ﴿ثُمَّ﴾ في الآية للتراخي والمهلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٨] ففيها الكفاية. ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: ملائكة تحفظ أعمالكم وتسجلها، وهم الملائكة الكاتبون الكرام. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ﴾ يكتبون ما يقوله وما يفعله العبد من خير وشر، وطاعة ومعصية. قيل: إن مع كل إنسان ملكين، ملك عن يمينه، وملك عن شماله، والأول آمر على الثاني، فإذا عمل العبد حسنة أسرع صاحب اليمين إلى كتابتها، وإذا عمل سيئة، قال لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال سيئة واحدة. وفائدة جعل الملائكة موكلين بالإنسان: أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأعماله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رءوس الأشهاد؛ كان ذلك أزجر له عن فعل القبيح وترك المعاصي: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقيل: المراد بالحفظة هم الملائكة الذين يحفظون ابن آدم من شر المخلوقات يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ وكلا القولين صحيح وواقع. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: انتهى أجله المحدود له في الدنيا. ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ قبض روحه عزرائيل الموكل بقبض الأرواح وأعوانه من الملائكة الذين جعلهم الله تحت إمرته. ﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ:﴾ لا يقصرون فيما وكل إليهم من تقديم أو تأخير. بعد هذا انظر: ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَحَدَكُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٩٦]. ﴿الْمَوْتُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٩]. ﴿تَوَفَّتْهُ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿قَسَتْ﴾ في الآية رقم [٤٣]. ﴿رُسُلُنا:﴾ انظر (سبل) في الآية رقم [٥/ ١٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف). تنبيه: قال الله تعالى في آية: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقال هنا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ والجمع بين هذه الآيات: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه،

стр. 1720

ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم؛ تولى قبضها ملك الموت بنفسه. انتهى خازن بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْقاهِرُ؛﴾ لأنه اسم فاعل، و ﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و ﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ معطوفة على: ﴿الْقاهِرُ﴾ لأنه بمعنى الذي يقهر عباده، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية، وهذا على رأي من يجيز عطف الفعلية على الاسمية، وهو المعتمد. وقيل: هي معطوفة على جملة: ﴿يَتَوَفّاكُمْ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فتكون من جملة صلة الموصول. وقيل: هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يرسل... إلخ، وعليه فالجملة اسمية وهي في محل نصب حال من فاعل: ﴿الْقاهِرُ﴾ المستتر. وقيل: مستأنفة، وهو أضعف هذه الأقوال، وأقواها أولها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَيُرْسِلُ،﴾ وجوز تعليقهما ب: ﴿حَفَظَةً﴾. وقيل: في محل نصب حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ وهذا أضعف الثلاثة، وأقواها القول الأول. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢٥] مع العلم: أنه قد قرئ «(توفاه)» وهو ماض. وقيل: هو مضارع حذفت منه تاء المضارعة، أصله: (تتوفاه) والكلام: ﴿حَتّى إِذا جاءَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾ في محل رفع خبره، وقد قرئ بتشديد الراء وتخفيفها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿رُسُلُنا﴾ والرابط الواو والضمير. وقيل: مستأنفة، والأول أولى. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي: يردون، بمعنى: يرجعون، وعبر بالماضي عن المضارع لتحقق وقوعه، وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦] لبحث ذلك فإنه جيد. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿مَوْلاهُمُ:﴾ متولي أمورهم ومالكهم. هذا؛ وكما يطلق المولى على الإله المعبود بحق، كما في هذه الآية، يطلق على السيد، والعبد، والحليف، وابن العم والنصير، والصاحب. ﴿الْحَقِّ:﴾ العدل الذي لا يحكم يوم القيامة إلا بالحق، وانظر الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الحكم بين العباد يوم القيامة إنما هو لله وحده، بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن حاكم في الحقيقة غير الله فيها، لكن فيها بحسب الظاهر حكام متعددة. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. ﴿أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:﴾ يحاسب الخلائق يوم القيامة في مقدار حلب الشاة، لا يشغله حساب أحد عن حساب أحد؛ لأنه لا يحتاج إلى فكر وعد. وانظر: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤]
следующие страницы →