← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وكثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من غيب الله تعالى. وأضيف: أنه ذكر في تفسير: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ أمور، فقال الضحاك، ومقاتل: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ،﴾ خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: انقضاء الآجال، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وخواتيم أعمالهم. وقال ابن عباس-﵄: أنها خزائن غيب السموات والأرض، من الأقدار والأرزاق، وغير ذلك. انتهى خازن بتصرف. بعد هذا أقول: اختلف في ﴿مَفاتِحُ:﴾ فقيل: هو جمع: مفتح بفتح الميم وكسر التاء، كمخزن وزنا ومعنى، وهذا على تفسيره بخزائن. وقيل: هو جمع: مفتح بكسر الميم، وفتح التاء، وهذا على تفسيره بطرق الغيب، فيكون مرادا به: الآلة المعلومة، ويؤيده قراءة مفاتيح، جمع: مفتاح، ويكون حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما نقل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع محراب محارب. انتهى جمل بتصرف كبير. ﴿الْبَرِّ:﴾ بفتح الباء، وهو الأرض القفر التي لا ماء فيها ولا نبات. و ﴿وَالْبَحْرِ﴾ القرى والأمصار، ولا يحدث فيها شيء إلا والله يعلمه، قاله مجاهد، وقال جمهور المفسرين، هو (البر والبحر) المعروفان؛ لأن جميع الأرض، إما بر وإما بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته، وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته، وسعة علمه. وهذا هو المعتمد. هذا؛ والبر بكسر الباء: كلمة جامعة لجميع خصال الخير الدنيوية والأخروية. انظر الآية رقم [١٧٦] من سورة (البقرة) والبر بضم الباء: القمح الحنطة التي نأكلها خبزا... ﴿تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ:﴾ يعلم عدد ما يسقط من أوراق الشجر. وعدد ما يبقى منه. ﴿حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ﴾ أي: حبة موجودة في بطن الأرض، قبل أن تنبت وما يطرأ عليها من تغيرات حتى تخرج من الأرض، وانظر: ﴿ظُلُماتِ﴾ في الآية رقم [١]. ﴿رَطْبٍ وَلا يابِسٍ:﴾ هو عبارة عن كل شيء في الوجود؛ لأن جميع الأشياء، أما رطبة، وإما يابسة. ﴿كِتابٍ:﴾ المراد به اللوح المحفوظ؛ لأن الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد يكون قبل أن يخلق السموات والأرض. وفائدة إحصاء الأشياء كلها في هذا الكتاب؛ لتقف الملائكة على إنفاذ ما سجله الله فيه. انتهى خازن. ﴿مُبِينٍ﴾ انظر الآية رقم [١٦]. الإعراب: (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَفاتِحُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُها:﴾ مضارع ومفعوله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع وقع فاعلا للفعل قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف لوقوعه خبرا، وقال أبو البقاء: أو نفس الظرف، إن رفعت به ﴿مَفاتِحُ﴾ أي: إن رفعته به فاعلا، وذلك على رأي الأخفش. انتهى. جمل. أقول: وهذا يشكل بوقوع الحال من المبتدأ، والحال هيئة فاعل، أو مفعول، كما هو

стр. 1717

معروف، لذا فإني أرى أن تكون الحال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، والمتعلق هو العامل في الحال، وبهذا يزول الإشكال، وينكشف الغموض. (يعلم): مضارع، وفاعله يعود إلى الله، وهو كسابقه لم ينصب إلا مفعولا واحدا؛ لأنه بمعنى: يعرف، وليس من أفعال القلوب انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال) ففيها البيان الشافي بإذن الله تعالى. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَعْلَمُها:﴾ فعل مضارع، ومفعوله، وفاعله يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿وَرَقَةٍ،﴾ وسوغ مجيء الحال منها وهي نكرة تقدم النفي، فإنه من المسوغات للابتداء بالنكرة. ﴿لا:﴾ زائدة لتأكيد النفي. ﴿حَبَّةٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ ولو قرئ بالرفع، لكان على الموضع. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة حبة، وظلمات مضاف، و ﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ:﴾ بالجر معطوفان على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ و (لا) مقحمة مفيدة للتوكيد. قال الجمل: لكن لا يناسب تسلط السقوط على الثلاثة، كما لا يخفى؛ إذ لا يناسب وما يسقط رطب ولا يابس، فالمعنى: وما من حبة و ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾. قال البيضاوي: وقرئت-أي: الثلاثة-بالرفع، وفيهن حينئذ وجهان: الأول: عطفها على محل ﴿وَرَقَةٍ﴾ والثاني: على الابتداء، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف بدل من قوله ﴿إِلاّ هُوَ﴾ بدل كل من كل على أن المراد بالكتاب المبين على علم الله تعالى، أو بدل اشتمال إن أريد به اللوح المحفوظ، وهذا على اعتبار ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ﴾ معطوفات على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ أو على محلها، وأما على الوجه الثاني فيهن، وهو الرفع على الابتداء، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر عن هذه المرفوعات، التقدير: مسجلات في: ﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وينتج عن ذلك جملة اسمية مستأنفة لا محل لها، ويكون الوقف على ﴿يَعْلَمُها﴾ جيدا، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (يونس) فإنه جيد. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ:﴾ ينيمكم فيه، ويراقبكم. استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس، والتمييز، فإن أصله قبض الشيء بتمامه. انتهى بيضاوي. وقال الجلال في تفسيره: يقبض أرواحكم عند النوم، قال الجمل في تعليقه عليه: هذا مبني على أن في الجسد روحين: روح الحياة، وهي لا تخرج إلا بالموت، وروح التمييز، وهي تخرج بالنوم، فتفارق الجسد، فتطوف بالعالم، وترى المنامات، ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه.

стр. 1718

وفي زاده على البيضاوي هناك ما نصه: وعلى ما ذكره المصنف ليس في ابن آدم إلا روح واحدة، تكون لابن آدم بحسبها ثلاثة أحوال: حال يقظة، وحالة نوم، وحالة موت، فباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان وباطنه تعلقا كاملا تثبت له حالة اليقظة، وباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان فقط تثبت له حالة النوم، وباعتبار انقطاع تعلقها عن الظاهر والباطن تثبت له حالة الموت. انتهى جمل. ﴿جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ:﴾ كسبتم فيه، وجرح من باب: نفع، واجترح: عمل بيده واكتسب، ومنه قيل لكواسب الطير والسباع جوارح جمع جارحة؛ لأنها تكسب بيدها. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ لأنها استعملت بالفعل. ثم انظر الآية رقم [٩٦] لشرح الليل والنهار. ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ:﴾ يوقظكم من نومكم في النهار، فقد استعار لفظ الوفاة للنوم، واستعار لفظ البعث للإيقاظ من النوم. ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: ليبلغ المتيقظ في النهار، والنائم في الليل آخر عمره المسمى له في الدنيا، ثم المرجع والمآب بعد ذلك إلى الله تعالى بالموت، وبعد ذلك يكون الإحياء للحساب والجزاء فينبئ كل إنسان بما قدمت يداه في ليله، ونهاره، وغدوه، ورواحه. هذا؛ وانظر: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٢/ ١١٧] و ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٣] و ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٤] و (يعلم) في الآية السابقة. الإعراب: (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: جرحتموه بالنهار، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم جرحكم بالنهار، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، واكتفى الفعل (يعلم) بمفعول واحد، كما في الآية السابقة، وجملة: ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لِيُقْضى﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وهو مبني للمجهول. ﴿أَجَلٌ:﴾ نائب فاعله. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم ونصب (أجلا) على أنه مفعول به، فيكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى (الله). ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة لما قبله على الوجهين، فهو مرفوع، أو منصوب، والضمة أو الفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، و «أن» المضمرة والفعل: (يقضى) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما

стр. 1719

قبلهما من مجموع الفعلين، أي: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ ثم ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾ لأجل ذلك. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يُنَبِّئُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وانظر الإعراب في الآية رقم [٣٠] فإنه مثل: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿يُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها أيضا، و ﴿ثُمَّ﴾ في الآية للتراخي والمهلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٨] ففيها الكفاية. ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: ملائكة تحفظ أعمالكم وتسجلها، وهم الملائكة الكاتبون الكرام. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ﴾ يكتبون ما يقوله وما يفعله العبد من خير وشر، وطاعة ومعصية. قيل: إن مع كل إنسان ملكين، ملك عن يمينه، وملك عن شماله، والأول آمر على الثاني، فإذا عمل العبد حسنة أسرع صاحب اليمين إلى كتابتها، وإذا عمل سيئة، قال لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال سيئة واحدة. وفائدة جعل الملائكة موكلين بالإنسان: أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأعماله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رءوس الأشهاد؛ كان ذلك أزجر له عن فعل القبيح وترك المعاصي: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقيل: المراد بالحفظة هم الملائكة الذين يحفظون ابن آدم من شر المخلوقات يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ وكلا القولين صحيح وواقع. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: انتهى أجله المحدود له في الدنيا. ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ قبض روحه عزرائيل الموكل بقبض الأرواح وأعوانه من الملائكة الذين جعلهم الله تحت إمرته. ﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ:﴾ لا يقصرون فيما وكل إليهم من تقديم أو تأخير. بعد هذا انظر: ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَحَدَكُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٩٦]. ﴿الْمَوْتُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٩]. ﴿تَوَفَّتْهُ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿قَسَتْ﴾ في الآية رقم [٤٣]. ﴿رُسُلُنا:﴾ انظر (سبل) في الآية رقم [٥/ ١٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف). تنبيه: قال الله تعالى في آية: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقال هنا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ والجمع بين هذه الآيات: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه،

стр. 1720

ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم؛ تولى قبضها ملك الموت بنفسه. انتهى خازن بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْقاهِرُ؛﴾ لأنه اسم فاعل، و ﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و ﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ معطوفة على: ﴿الْقاهِرُ﴾ لأنه بمعنى الذي يقهر عباده، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية، وهذا على رأي من يجيز عطف الفعلية على الاسمية، وهو المعتمد. وقيل: هي معطوفة على جملة: ﴿يَتَوَفّاكُمْ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فتكون من جملة صلة الموصول. وقيل: هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يرسل... إلخ، وعليه فالجملة اسمية وهي في محل نصب حال من فاعل: ﴿الْقاهِرُ﴾ المستتر. وقيل: مستأنفة، وهو أضعف هذه الأقوال، وأقواها أولها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَيُرْسِلُ،﴾ وجوز تعليقهما ب: ﴿حَفَظَةً﴾. وقيل: في محل نصب حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ وهذا أضعف الثلاثة، وأقواها القول الأول. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢٥] مع العلم: أنه قد قرئ «(توفاه)» وهو ماض. وقيل: هو مضارع حذفت منه تاء المضارعة، أصله: (تتوفاه) والكلام: ﴿حَتّى إِذا جاءَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾ في محل رفع خبره، وقد قرئ بتشديد الراء وتخفيفها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿رُسُلُنا﴾ والرابط الواو والضمير. وقيل: مستأنفة، والأول أولى. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي: يردون، بمعنى: يرجعون، وعبر بالماضي عن المضارع لتحقق وقوعه، وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦] لبحث ذلك فإنه جيد. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿مَوْلاهُمُ:﴾ متولي أمورهم ومالكهم. هذا؛ وكما يطلق المولى على الإله المعبود بحق، كما في هذه الآية، يطلق على السيد، والعبد، والحليف، وابن العم والنصير، والصاحب. ﴿الْحَقِّ:﴾ العدل الذي لا يحكم يوم القيامة إلا بالحق، وانظر الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الحكم بين العباد يوم القيامة إنما هو لله وحده، بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن حاكم في الحقيقة غير الله فيها، لكن فيها بحسب الظاهر حكام متعددة. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. ﴿أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:﴾ يحاسب الخلائق يوم القيامة في مقدار حلب الشاة، لا يشغله حساب أحد عن حساب أحد؛ لأنه لا يحتاج إلى فكر وعد. وانظر: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤]

стр. 1721

ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من الإفراد إلى الجمع، والسر في الإفراد في الآية السابقة، والجمع هنا؛ وقوع الموت، والتوفي على الانفراد، وأما البعث والرجوع إلى الله يوم القيامة فإنه على الجمع، أي يا قوم جميع الخلائق من قبورهم دفعة واحدة. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف للتراخي، وانظر الآية رقم [٥/ ٤٦]. ﴿رُدُّوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ في الآية السابقة، لا محل لها مثله. ﴿مَوْلاهُمُ:﴾ صفة ﴿اللهِ﴾ أو بدل منه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقِّ:﴾ صفة ثانية. وقيل: هو صفة ل: ﴿مَوْلاهُمُ﴾ ويقرأ بالنصب على إضمار فعل، أي أمدح أو أعني، وذلك على القطع، ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح، يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحُكْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وانظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿يُنَجِّيكُمْ:﴾ بتشديد الجيم من نجّى، ويقرأ بتخفيفها من: أنجى. ﴿ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ أهوالهما وشدائدهما في أسفاركم، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتها في الهول، وإبطال الإبصار، فيقال لليوم الشديد: يوم متكلم، ويوم ذو كواكب، أي إنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وفي ظهور الكواكب فيه؛ لأن الكواكب لا تظهر إلا في الظلمة. وقيل: الحمل على الحقيقة أولى، فظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الرياح، فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب، وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الرياح العاصفة، والأمواج الهائلة، فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك، وانظر: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الآية رقم [٥٩]. تدعونه تضرعا وخفية: تسألون الله النجاة من الشدائد والهول في السر والجهر. ﴿لَئِنْ أَنْجانا..﴾. إلخ: أي يقولون حين وقوعهم في الشدائد: لئن أنجانا الله من هذه المتاعب، والمشاق؛ لنشكرنه تعالى عليها، ولا يكون الإنسان شاكرا إلا بالإيمان، وما يتعلق به من أعمال، والشكر يتطلب المزيد من النعم. انظر الآية رقم [٥٣]. ويقرأ: «(لئن أنجيتنا)» على الخطاب.

стр. 1722

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنَجِّيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما؛ و ﴿ظُلُماتِ:﴾ مضاف، و ﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه. و (البحر): معطوف على ما قبله. ﴿تَدْعُونَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، التقدير: داعين إياه، أو من فاعله المستتر، التقدير: مدعوّا من جهتكم، والرابط على الوجهين الضمير فقط. ﴿تَضَرُّعاً:﴾ حال بمعنى متضرعين، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، وجوز اعتباره مفعولا مطلقا من معنى العامل، لا من لفظه، على حد: (قعدت جلوسا) ﴿وَخُفْيَةً:﴾ معطوف على ما قبله على الاعتبارين فيه، وهو يقرأ بضم الخاء وكسرها، كما قرئ: «(خيفة)» من الخوف. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَنْجانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ و (نا): مفعول به، وعلى قراءة: «(أنجيتنا)» فهو فعل وفاعل ومفعول به، والجملة فعلية لا محل لها على الوجهين؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ هذِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نكونن): فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن»، ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية: ﴿لَنَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» والكلام: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، واقع حالا، أي: قائلين، أو تقولون: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ. ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يُنَجِّيكُمْ:﴾ يقرأ بتشديد الجيم وتخفيفها كما في الآية السابقة. ﴿مِنْها:﴾ من ظلمات البر والبحر. ﴿كُلِّ كَرْبٍ:﴾ غير ظلمات البر والبحر، والكرب هو: الغم الشديد الذي يأخذ بالنفس. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ أي: تعودون إلى شرككم بعد نجاتكم من الشدائد والأهوال، وهذا كان دأبهم؛ إذا مسهم الضر؛ لجئوا إلى الله وحده، وإذا كشفه عنهم؛ يعودون إلى عبادة الحجارة والأوثان، ألا ساء ما يعملون، وانظر: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٣]. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يُنَجِّيكُمْ مِنْها﴾ في محل رفع خبره، وانظر الآية السابقة لإعرابها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:

стр. 1723

﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ كُلِّ:﴾ معطوفان على ﴿مِنْها،﴾ فهما متعلقان حكما بالفعل السابق، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿كَرْبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تُشْرِكُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي: كما فعل بقوم نوح، وقوم لوط، وأصحاب الفيل، وعاد، وثمود. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي: كما أغرق فرعون، وخسف بقارون. وقيل: من ﴿فَوْقِكُمْ:﴾ أكابركم، وحكامكم. ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ:﴾ سفلتكم، وعبيدكم. ولا وجه له. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً:﴾ يخلطكم فرقا متحزبين على أهواء شتى، فيتسبب القتال بينكم. وفي الخازن: ﴿شِيَعاً﴾ جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر. فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتوقى بهم الإنسان. انتهى. وفي القاموس: وشيعة الرجل-بالكسر-: أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليّا وأهل بيته، حتى صار اسما لهم خاصة. والجمع: أشياع، وشيع، كعنب. انتهى. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ:﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضا، هذا هو ما عليه المسلمون في هذه الأيام من الاختلافات، وسفك بعضهم دماء بعض. قال الخازن: ثم اختلف المفسرون فيمن عنى الله بهذه الآية، فقال قوم: عنى بها المسلمين من أمة محمد ﷺ ، وفيهم نزلت هذه الآية. قال أبو العالية: هن أربع صفات ذكرت في الآية الكريمة، وكلهن عذاب، فجاءت اثنتان بعد رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، وهما لا بد واقعتان، يعني: الخسف، والمسخ. عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ : «أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: هذا أهون، أو هذا أيسر». رواه البخاري. وعن سعد بن أبي وقاص-﵁: أنه أقبل مع النبي ﷺ ذات يوم من العالية حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية، دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا به طويلا، ثم انصرف

стр. 1724

إلينا، فقال: «سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسّنة (الجدب) فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها». متفق عليه. وعن خباب بن الأرت-﵁-قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة، فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها! قال: «أجل إنّها صلاة رغبة، ورهبة، إنّي سألت الله فيها ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمّتي بسنة (جدب وقحط) فأعطانيها، وسألته أن لا يسلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها». أخرجه الترمذي. انتهى خازن. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ نبين دلائلنا، وحجتنا لهؤلاء المكذبين، وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ:﴾ يفهمون، ويعتبرون، فينزجروا عما هم عليه من الكفر، والتكذيب. وانظر «الترجي» في الآية رقم [٥١] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هُوَ الْقادِرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً﴾ في محل جر ب: (على) والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿الْقادِرُ﴾ أي: القادر على بعث عذاب عليكم. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَذاباً،﴾ أو هما متعلقان به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ تَحْتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و ﴿تَحْتِ:﴾ مضاف، و ﴿أَرْجُلِكُمْ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَلْبِسَكُمْ:﴾ مضارع معطوف على: ﴿يَبْعَثَ﴾ فهو منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، وأصل الكلام: يلبس أموركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والفعل يقرأ بفتح الياء وضمها. ﴿شِيَعاً:﴾ حال. ﴿وَيُذِيقَ:﴾ مضارع معطوف أيضا على: ﴿يَبْعَثَ،﴾ وفاعله يعود إلى الله. ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَأْسَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٤٦]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة، ومحلها في الآية رقم [٥١]. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بالعذاب؛ الذي وعدوا به. ﴿قَوْمُكَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٢]. ﴿الْحَقُّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧] ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿لَسْتُ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين؛ إذ أصله: «ليس» بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتُ﴾. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ بحفيظ، وكل إلي أمركم، فأمنعكم

стр. 1725

من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله الحفيظ، وإذا عرفت: أن السورة مكية؛ فيكون هذا الحكم منسوخا بآية القتال المدنية. الإعراب: (كذب): ماض. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْمُكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والرابط: الواو والضمير. ﴿لَسْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: (وكيل) بعدهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال منه: كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لَسْتُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ:﴾ لكل خبر أخبر به القرآن من العذاب، والإيعاد بالانتقام من المشركين، والمعاندين وقت يقع فيه المذكور، لا يقدم، ولا يؤخر، سواء أكان ذلك في الدنيا، أو في الآخرة. وكذلك ما أخبر به القرآن من النصر، وعلو الشأن للمؤمنين فله وقت وقوع محدد لا يقدم ولا يؤخر، وانظر: ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٤]. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ترون تحقيق ما ذكر من الوعد والوعيد، وفيه تهديد لا يخفى للكفارة والمعاندين. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (كل) مضاف، و ﴿نَبَإٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية مستأنفة، وعلى مذهب الأخفش فهو فاعل بالجار والمجرور. (سوف): حرف استقبال). ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ أي: يكذبون، ويستهزءون بها، ويطعنون فيها. وانظر: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فلا تجالسهم، وقم عنهم. ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في حديث غير حديث الاستهزاء بآيات الله. هذا؛ والخوض: الدخول في الشيء كالماء ونحوه، وهنا استعير للحديث بالباطل، والبهتان، والافتراء. وينبغي أن تعلم: أن هذه الآية مكية،

стр. 1726

فهي تنهى المسلمين عن مجالسة المشركين، وأما آية (النساء) رقم [١٤٠] فهي مدنية تنهى المسلمين عن مجالسة اليهود، والمنافقين، انظرها هناك. ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ:﴾ بوسوسته النهي عمّا أمرت به من ترك مجالسة الخائضين بعد تذكرك له، فلا تقعد بعد ذلك معهم. هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد النون، وتخفيفها، وبتشديد السين، وتخفيفها. وانظر «النسيان» في الآية رقم [٥/ ١٤]. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: معهم، فوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب، والاستهزاء موضع التصديق، والاستعظام، وانظر شرح ﴿الْقَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٢] والظالمين في الآية رقم [١٤٤] وانظر شرح: (غير) في سورة (الفاتحة). الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يَخُوضُونَ فِي آياتِنا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: (أعرض عنهم): جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿يَخُوضُوا﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي حَدِيثٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرِهِ:﴾ صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. (إما) هذه: (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. ﴿يُنْسِيَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة على القراءتين في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا) ناهية. ﴿تَقْعُدْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿الذِّكْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله... إلخ. والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: ليس حساب المشركين الذين يخوضون في آيات الله على المتقين، ولا يسألون عن شيء من أعمالهم القبيحة، وإن جالسوهم، وحادثوهم.

стр. 1727

﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ أي: ولكن عليهم أن يعظوهم، ويذكروهم بآيات الله لعلهم ينتهون عن شركهم، وعن استهزائهم بالمؤمنين، وعن تكذيبهم بآيات الله. هذا؛ وانظر (التقوى) في الآية رقم [٥/ ٣٥] وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٥١]. تنبيه: لما نزلت الآية السابقة قال المسلمون: لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ونطوف به، فنزلت هذه الآية. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنْ حِسابِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم ما على اعتبارها عاملة عمل «ليس» فهو مرفوع على الاعتبارين، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿ذِكْرى:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: ولكن ذكروهم ذكرى، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ولكن عليهم، أو عليكم ذكرى، أي: تذكيرهم، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو ذكرى، فالأوجه ثلاثة، وجوز رابع، وهو العطف على موضع: ﴿شَيْءٍ﴾ المجرور، فهو عطف مفرد على مفرد، وأما على الأوجه السابقة، فهو من عطف الجمل. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥١]. ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَذَرِ:﴾ اترك، وهذا الفعل لم يأت منه ماض، وانظر الآية رقم [٧/ ٧٠] تجد ما يسرك. ﴿لَعِباً:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] والمعنى: أعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين الذين جعلوا ديانتهم وعبادتهم مبنية على التشهي، يحلون، ويحرمون حسب أهوائهم. ﴿وَغَرَّتْهُمُ:﴾ خدعتهم، وشغلتهم عن الإيمان بالله وحده. ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الكريم. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ:﴾ أن تهلك، وترهن بسوء عملها، وأصل الإبسال والبسل المنع، ومنه: أسد باسل؛ لأن فريسته لا تفلت منه، والباسل: الشجاع؛ لامتناعه من

стр. 1728

قرنه. وهذا بسل، أو بسيل عليك، أي: حرام ممنوع. وانظر شرح: ﴿نَفْسٌ﴾ في الآية رقم [/٩ ٢] أو [٧/ ٩]. ﴿بِما كَسَبَتْ:﴾ بما عملت من سيئات، وأوزار. ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ،﴾ انظر الآية رقم [٥١] فهو مثله. ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ أي: وإن تفد كل نفس نفسها من عذاب الله بما تملك من حطام الدنيا؛ لا يؤخذ منها، أي: لا يقبل منها، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٥/ ٤١] و [٣/ ٩١] فإنك تجد ما يسرك. ﴿أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا:﴾ أسلموا إلى العذاب بسبب كفرهم، وعنادهم، وأعمالهم القبيحة. ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ:﴾ تأكيد لعذابهم، وتحصيل لأنواعه، والمعنى: هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم، ونار تشتعل في أبدانهم بسبب كفرهم، وعنادهم. هذا؛ وانظر: ﴿تَعْدِلْ﴾ في الآية رقم [١] وما أحيل عليها برقم [٤/ ١٣٥] وانظر: ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٦]. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤١] أو [٦٦] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿وَذَرِ:﴾ (ذر): فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ صلة الموصول لا محل لها، والفعل قد نصب مفعولين، أو مفعولا واحدا، فيكون: ﴿لَعِباً﴾ حالا، أو مفعولا لأجله، وجملة: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و «لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا تبسل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهة إبسالهم، فهو مفعول لأجله وانظر الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعل: ﴿تُبْسَلَ﴾. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بما بعدهما على التنازع، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلِيٌّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، انظر الآية السابقة، وحذف مثله لشفيع، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة نفس وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿تَعْدِلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى نفس. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و ﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و ﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْخَذْ:﴾ مضارع مبني للمجهول، وهو جواب الشرط مجزوم، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿عَدْلٍ﴾ ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، وجملة: ﴿تَعْدِلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجملة: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في

стр. 1729

محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أُبْسِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. هذا؛ وإعراب: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ مثل: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ تقديرا، وتأويلا، وتعليقا، وغير ذلك بلا فارق ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَرابٌ﴾. (عذاب): معطوف على: ﴿شَرابٌ﴾ عطف مفرد على مفرد. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته. والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ شَرابٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿أُولئِكَ،﴾ ويجوز أن تكون في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿أُبْسِلُوا﴾ والرابط الواو فقط، وجوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها، وهذا وجوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من: ﴿أُولئِكَ﴾ أو نعتا له، فيتعين حينئذ أن تكون الجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ شَرابٌ﴾ خبرا ل: ﴿أُولئِكَ﴾. ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ:﴾ إعراب هذه مثل إعراب: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ في الآية [٣٠] والجار والمجرور: ﴿بِما..﴾. إلخ على جميع الاعتبارات متعلقان ب: ﴿شَرابٌ﴾ أو ب (عذاب) على التنازع أيضا. ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والمتعلق محذوف، أي: قل لهؤلاء المشركين عبدة الأصنام، وعلق مثله في كل ما تقدم، وما يأتي أيضا، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿أَنَدْعُوا:﴾ أنعبد. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: أنعبد الأصنام التي لا تنفع، ولا تضر. وانظر (دون) في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ..﴾. إلخ: نرجع إلى الشرك، وعبادة الأصنام بعد أن منّ الله علينا بالإيمان، والتعبير عن ذلك بالرد على الأعقاب لزيادة التقبيح؛ إذ الأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر القدم. ففيه استعارة لا تخفى. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ..﴾. إلخ: أي حالنا إن رجعنا إلى الشرك كحال من ذهبت به مردة الجن، فألقته في أرض فلاة، مترامية الأطراف، فهو حيران لا يدري أن يذهب، وماذا يفعل؟ ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا:﴾ لذلك الحيران الذي استهوته الشياطين رفقة يدعونه إلى الطريق المستقيم، ويقولون له: ﴿اِئْتِنا﴾. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ أي: إن الدين الإسلامي هو الهدى والنور، وما عداه من الأديان ضلال، وانظر الآية رقم [٣/ ٧٣]. (أمرنا...) إلخ: أمرنا الله أن نسلم وجوهنا وننقاد لأوامره.

стр. 1730

(رب العالمين): انظر سورة (الفاتحة)، وانظر شرح: ﴿أَصْحابٌ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٩] وانظر (أتى) في الآية رقم [٤] وانظر شرح: (الشيطان) في الاستعاذة. تنبيه: قال سليمان الجمل: قيل: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق-﵁ حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأصنام. فتوجه الأمر حينئذ للإيذان بما بينه وبين الصديق من الاتصال، والاتحاد تنويها بشأن الصديق. وفي البيضاوي إشارة إلى ذلك. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَدْعُوا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (ندعو): مضارع مرفوع، متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُنا:﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّنا:﴾ معطوفة عليها، والعائد أو الرابط هو رجوع الفاعل في الجملتين إلى ما، و (نا): مفعول به، وجملة: ﴿أَنَدْعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾ معطوفة على جملة: ﴿أَنَدْعُوا..﴾. إلخ فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وهي داخلة في حكم الإنكار والنفي، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نرد، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وجوز اعتبار الجملة في محل نصب حال، على تقدير: «ونحن نرد على أعقابنا» وفيه تكلف. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبعد مضاف، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿هَدانَا اللهُ:﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: نرد ردّا كائنا مثل رد الذي استهوته. وهو مذهب أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب، ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: ونرد على مثل هذه الحالة. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما فالمحل على الوجهين، وتكون مضافة والذي مبنيّا على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْتَهْوَتْهُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَيْرانَ:﴾ حال من الضمير المنصوب. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال أولى من الضمير المنصوب. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿حَيْرانَ،﴾ أو من الضمير المستتر فيه، ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَصْحابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿يَدْعُونَهُ﴾ في محل رفع صفة أصحاب، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير في: ﴿حَيْرانَ﴾. وقيل: هي بدل من الحال التي قبلها، ولا وجه له. ﴿إِلَى الْهُدَى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِئْتِنا:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، انظر

стр. 1731

الشرح، والجملة الفعلية المقدرة في محل نصب حال من واو الجماعة، أي: يدعونه إلى الهدى قائلين له: ﴿اِئْتِنا﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هُدَى:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿هُدَى:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْهُدَى:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هُدَى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أمرنا): ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و (نا): في محل رفع نائب فاعله. ﴿لِنُسْلِمَ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وجوز اعتبار اللازم زائدة قائمة مقام «أن» المصدرية، فعلى الأول تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويكون المفعول به محذوفا، التقدير: وأمرنا بالإخلاص لإسلام وجوهنا لرب إلخ. وعلى الثاني تؤول أن التي حلت اللام محلها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرنا بالإسلام. ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (رب): مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: (أمرنا... إلخ) معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر شرح: ﴿الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [٤/ ١٠٣] ومعنى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٥]. ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يجمع الخلائق بعد خروجهم من قبورهم إلى الله؛ ليحاسبهم على أعمالهم. هذا؛ وفي الكلام هنا التفات من التكلم في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، وانظر الالتفات في الآية رقم [٦]. الإعراب: ﴿وَأَنْ:﴾ (أن): حرف مصدري. ﴿أَقِيمُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، و (أن) المصدرية، والفعل ﴿أَقِيمُوا﴾ في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ في الآية السابقة، فهو في محل جر مثله. التقدير: وأمرنا بإقامة الصلاة. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل

стр. 1732

بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٠]. ﴿وَيَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿يَقُولُ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [/٤ ٧]. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: أحدث، فيحدث، وليس المراد حقيقته: أمر، وامتثال، بل هو تمثيل ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور، والمطيع بلا توقف. انتهى بيضاوي. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٧] من سورة (البقرة) فهو جيد. الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر كما في الآية السابقة، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: خلق السموات والأرض خلقا ملتبسا بالحق. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، التقدير: محقّا، والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر يوم يقول... إلخ، وعليه فالجملة فعلية، وهي مستأنفة لا محل لها، وقال أبو البقاء: فيه جملة أوجه: أحدها: هو معطوف على الهاء في (اتقوه) أي: واتقوا عذاب يوم يقول. والثاني: هو معطوف على السموات، أي خلق يوم يقول. والثالث: هو خبر ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي: وقوله الحق يوم يقول، والواو داخلة على الجملة المقدم فيها الخبر، والحق صفة قوله. والرابع: هو ظرف لمعنى الجملة التي هي: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي: يحق قوله في يوم، يقول: كن. والخامس: هو منصوب على تقدير: اذكر. وأرى أن هذا هو الجدير بالاعتبار، والأوجه الأربعة المتقدمة ظاهر فيها التكلف، والتعسف. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): مضارع تام، وفي فاعله أوجه: أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله تعالى يوم القيامة. الثاني: أنه ضمير الصور المنفوخ فيها، ودل عليه قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. والثالث: أنه ضمير اليوم، أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. والرابع: أن الفاعل هو: ﴿قَوْلُهُ﴾ و ﴿الْحَقُّ﴾ صفته، أي: فيوجد قوله الحق، ويكون الكلام على هذا قد تم على الحق. انتهى جمل نقلا عن السمين. ومثله في العكبري، والجملة الفعلية على جميع هذه الاعتبارات معطوفة على جملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: «فهو يكون» يصح على بعض الاعتبارات في الفاعل،

стр. 1733

ولا يصح على بعضها. تأمل جيدا، وتفهم حقّا؛ يتوضح لك ذلك. هذا؛ وقرأ ابن عامر في الآية رقم [٢/ ١١٧] بالنصب، كما رأيته هناك، وضعفه أبو البقاء، وبينات سبب ضعفه هناك، فارجع إليه إن شئت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الشرح: هذا الكلام متصل بالآية السابقة. ومعنى ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي معنى قوله تعالى الحق الواضح الذي لا خفاء فيه، ولا اعوجاج. وله الملك يوم ينفخ في الصور. إنما أخبر عن ملكه في ذلك اليوم العظيم، وإن كان الملك له تعالى خالصا في الدنيا، والآخرة؛ لأنه لا منازع له يومئذ يدعي الملك، وأنه المنفرد بالملك يومئذ، وأن من كان يدعي الملك بالباطل من الجبابرة، والفراعنة، وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم، واعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار، وأنه لا منازع له فيه، وعلموا: أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور. هذا؛ والصور: قرن كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود، والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر، فينفخ». فكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله، وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكّلنا». وربّما قال: «توكّلنا على الله». أخرجه الترمذي. انتهى خازن بتصرف. وينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور إنما هو إسرافيل-﵇-أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع المخلوقات، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾. بعد هذا اذكر: أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق، ونفد، ونفث، ونفخ، ونفش... إلخ. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن أبصار عباده، وما يشاهدونه، فلا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم. ﴿الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع أفعاله، وتدبير خلقه. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بكل ما يفعلونه من خير، أو شر. الإعراب: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ:﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ نعته، وخبره قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، كما رأيت في الآية السابقة. والثاني: أنه

стр. 1734

فاعل بقوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ و ﴿الْحَقُّ:﴾ نعته أيضا، وقد تقدم هذان الوجهان، والثالث: أن ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، أخبر سبحانه عن قوله بأنه لا يكون إلا حقّا. الرابع: أن (قول) مبتدأ أيضا، و ﴿الْحَقُّ:﴾ نعته، والظرف: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ متعلق بمحذوف خبره، وعليه: فقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة اسمية معترضة بين المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب. انتهى جمل نقلا عن السمين، وذلك بتصرف. ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة اسمية معترضة على وجه رأيته، أو هي معطوفة على جملة: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يَوْمَ:﴾ فيه أوجه أيضا: أحدها: أنه خبر لقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ وقد تقدم هذا بتحقيقه. الثاني: أنه بدل من: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ فيكون حكمه حكم ذاك. الثالث: أنه ظرف ل: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أي: وهو الذي إليه تحشرون في يوم ينفخ في ذلك الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس ﴿الْمُلْكُ﴾ أي: متعلق به لأنه مصدر، أي: وله الملك في ذلك اليوم. الخامس: أنه منصوب بالفعل ﴿يَقُولُ﴾. السادس: أنه منصوب ب: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ بعده، أي: متعلق به لأنه اسم فاعل، السابع: أنه منصوب بقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ انتهى جمل نقلا من السمين بتصرف مني. ﴿يُنْفَخُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿عالِمُ:﴾ بالرفع فيه أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو عالم الغيب، الثاني: أنه فاعل ﴿يَقُولُ﴾ أي: يوم يقول عالم الغيب. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، يدل عليه الفعل المبني للمجهول، كأنه لما قال: ينفخ في الصور؛ سأل سائل، فقال: من الذي ينفخ؟ فقيل: عالم الغيب، أي ينفخ فيه عالم الغيب، أي: يأمر بالنفخ فيه. انتهى جمل نقلا عن السمين. وأجاز أبو البقاء أيضا اعتباره صفة ل: ﴿الَّذِي﴾ والمعتمد الأول من كل هذه الأقوال. هذا؛ ويقرأ بالجر، قال أبو البقاء: بدل من (رب العالمين) أو من الهاء في: ﴿وَلَهُ﴾ وهذه القراءة ليست سبعية، فلذا يظهر الضعف في الإعراب على الوجهين، و ﴿عالِمُ:﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره هو يعود إلى (الله). ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. وعلى الوجه الأول من أوجه الرفع وهو أقواها، فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وهي مستأنفة على جميع الوجوه المعتبرة في: ﴿عالِمُ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ ذكر فيه سبع لغات، انظرها في التفاسير، ومعناه في السريانية: أب رحيم. ﴿آزَرَ:﴾ لقد اختلف في هذا الاسم،

стр. 1735

فقيل: هو اسم أبي إبراهيم، وله اسم آخر: «تارح» بالحاء أو بالخاء، فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: ﴿آزَرَ﴾ وتارخ، مثل يعقوب، وإسرائيل اسمان لرجل واحد، فيحتمل أن يكون اسمه الأصلي ﴿آزَرَ،﴾ وتارح لقب له. وقال سليمان التيمي: ﴿آزَرَ﴾ سب، وعيب، ومعناه في كلامهم: المعوج. وقيل: الشيخ الهرم. وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد: ﴿آزَرَ﴾ اسم صنم، كان والد إبراهيم يعبده، فلقب به للزوم عبادته له. وقيل: معناه: يا عابد آزر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والصحيح هو الأول. وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم ﵇ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة، وغبرة». فثبت بهذا: أن اسمه الأصلي: ﴿آزَرَ،﴾ لا تارخ، والله أعلم. انتهى خازن بتصرف كبير. هذا؛ وقد قرئ برفعه على النداء، وهو مما يؤيده. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً:﴾ هذا استفهام توبيخي إنكاري، أي: أتعبد أصناما؟ وهي لا تستحق الإلهية. هذا؛ والأصنام جمع: صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أو حديد، أو ذهب، أو فضة على صورة الإنسان، أو غيره، وهو الوثن. ﴿وَقَوْمَكَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢١]. ﴿ضَلالٍ:﴾ كفر، وخروج عن جادة الحق والصواب، ﴿مُبِينٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٦]. هذا؛ وانظر (النّصب) في الآية رقم [٥/ ٣] و (الأنصاب) في الآية رقم [٩٣] المائدة. تنبيه: قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قد جرى المفسرون على أن آزر اسم أبيه، وهو مشكل بما تقرر في السير، من أن جميع نسبه ﷺ مطهر من عبادة الأصنام، بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾. ويجاب بأن محل ذلك ما دام النور المحمدي في أصلابهم، أما بعد انتقاله منهم، فتجوز عليهم عبادة الأصنام، وغيرها، من سائر أنواع الكفر. تأمل. تنبيه: هناك من يقول: إن آزر عم إبراهيم، وليس أباه، وكثيرا ما يطلق على العم لفظ الأب تجوزا، وكثيرا ما ينادي الرجل ابن أخيه، بقوله: يا بني. أقول: ينفي هذا الزعم تكرر لفظ الأبوة في القرآن الكريم، كما ترى في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ وأيضا في سورة التوبة: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ،﴾ وأيضا في سورة (الشعراء): ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ وغير ذلك كثير، ولا سيما في سورة (مريم). الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. أو هو مفعول به لهذا المقدر، وجملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آزَرَ:﴾

стр. 1736

بدل مطابق من: (أبيه) أو عطف بيان عليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، ويجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، التقدير: أعني ﴿آزَرَ،﴾ وذلك على القطع باعتباره وصفا، وليس علما. هذا؛ ويقرأ بالرفع، وفيه اعتباران: الأول أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هو ﴿آزَرَ،﴾ وذلك باعتباره وصفا، والثاني: أنه منادى بأداة نداء محذوفة، أي: يا ﴿آزَرَ،﴾ وذلك باعتباره علما. ﴿أَتَتَّخِذُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وإنكار. (تتخذ): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَصْناماً:﴾ مفعول به أول. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَراكَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَقَوْمَكَ:﴾ معطوف على الكاف، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني على اعتباره علميّا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف الواقعة مفعولا به، وما عطف عليها على اعتبار الفعل بصريّا. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ضلال. ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿نُرِي إِبْراهِيمَ:﴾ اختلف في هذه الرؤية. فقيل: كانت بالبصر. وقيل: كانت بالبصيرة، فمن قال بالأول قال: إن الله تعالى شق لإبراهيم-﵊-السموات حتى رأى العرش، وشق له الأرض حتى رأى ما في بطنها. ومن قال بالثاني قال: إن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة؛ لأن ملكوت السموات والأرض عبارة عن الملك، وذلك لا يعرف إلا بالفعل، فبان بهذا: أن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة. انتهى خازن بتصرف. هذا؛ والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالرهبوت، والرغبوت، والرحموت، من الرهبة، والرغبة، والرحمة. قال ابن عباس-﵄-يعني: خلق السموات والأرض، وقال مجاهد، وسعيد بن حبير -رحمهما الله تعالى-: يعني: آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخرة، وكشف له عن السموات حتى رأى العرش، والكرسي، وما في السموات من العجائب، وكشف له عن الأرض، حتى نظر إلى أسفل الأرضين، ورأى ما فيها من العجائب. وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [١]. ﴿الْمُوقِنِينَ:﴾ جمع: موقن، وأصله: مؤيقن؛ لأنه من: أيقن، فحذفت الهمزة من مضارعه، كما تعرفه في الآية رقم [١٢٤] وحذفت من اسم فاعله، فصار (ميقن) ثم أبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها. هذا؛ والإيقان: إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال. وفي الخازن: واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأن

стр. 1737

الإنسان في أول الحال، لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل، وتوافقت صارت سببا لحصول اليقين، والطمأنينة في القلب، وزالت الشبهة عند ذلك. انتهى. وينبغي أن تعلم أن اليقين من: يقن الثلاثي، وأما الإيقان فإنه من أيقن الرباعي. تأمل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله الفعل الذي بعده، التقدير: نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض رؤية كائنة مثل رؤيته ضلال أبيه. أو عامله محذوف قبله، التقدير: كما رأى أباه وقومه في ضلال مبين أريناه ذلك. وجوز أبو البقاء تعليق الجار والمجرور بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: والأمر كائن مثل ذلك، والأول أقوى، وأعرف عند النحاة، وانظر الآية رقم [٥٣] لتفصيل إعراب كذلك. ﴿نُرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَلَكُوتَ:﴾ مفعول به ثان، و (هو) مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. (الأرض): معطوف على سابقه. (ليكون): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (يكون) و «أن» المضمرة، والفعل يكون في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على جار ومجرور محذوفين، وهما متعلقان بالفعل: ﴿نُرِي،﴾ وتقدير الكلام: أريناه ملكوت... إلخ ليستدل على قدرة الله تعالى، وليكون من الموقنين، أي لاستدلاله، ولكينونته ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ،﴾ وجملة (كذلك... إلخ) مستأنفة على جميع الاعتبارات فيها. ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ:﴾ أقبل الليل على إبراهيم، وستره بظلامه، وغطاه. هذا؛ والجن ضد الإنس، والواحد جني، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس، والجنين: الولد في بطن أمه، سمي بذلك لاستتاره أيضا عن الأعين، والجنة: البستان الكثير الأشجار، سمي بذلك لأنه يستر ما فيه لكثرة أشجاره، وهي بفتح الجيم. هذا؛ والجنّة بكسر الجيم: الجنون، وسمي بذلك لأنه يغطي العقل ويذهب به، انظر الآية رقم [١٨٤] من سورة (الأعراف)، وجنّ فلان: ذهب عقله. وهو ملازم للبناء للمجهول، ويقال: أجنه الليل إجنانا، وجن عليه، يجن ويجن جنونا، وإذا قالوا: أجن؛ لم يأتوا بعلى، وإذا قالوا: جن؛ أدخلوا على، كما في الآية الكريمة، وأضيف: أن (أجن) بتخفيف النون، وضم الجيم، وكسرها بمعنى: تغير، يقال: أسن الماء، وأجن: إذا تغير طعمه، وريحه، ويقال: في صدره أجن، أي: حقد، قال الشاعر: [الطويل] إذا كان في صدر ابن عمّك أجنة... فلا تستزدها سوف يبدو دفينها هذا؛ وانظر شرح ﴿اللَّيْلُ﴾ في الآية رقم [٩٦]. ﴿رَأى كَوْكَباً﴾ أي: لامعا، وهو الزهرة، أو المشتري. ﴿هذا رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة). ﴿أَفَلَ:﴾ غاب. ﴿قالَ:﴾ انظر

стр. 1738

«القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: الذين يغيبون، والمعنى: لا أرغب في عبادة الأرباب الذين يتغيرون من حال إلى حال؛ لأن ذلك من صفات الأجسام الحادثة التي يطرأ عليها الزوال، والفناء. تنبيه: اختلف المفسرون في بيان الوقت الذي جرى لإبراهيم-﵇-ما ذكر في هذه الآية، وما بعدها، فقيل: كان ذلك في سن مراهقته. وقيل: كان بعد بلوغه سن الرشد. وقيل: كان بعد الأربعين من عمره، وهو السن الذي يمنح فيه الرسول الرسالة على الأغلب. كما اختلف في المعنى المراد من ذلك على الرأي الأخير الذي رجحه المحققون على وجوه: الوجه الأول: أن إبراهيم-﵇-أراد أن يستدرج قومه بهذا القول، ويعرفهم جهلهم، وخطأهم في تعظيم النجوم، وعبادتها؛ لأنها تتغير من حال إلى حال، وما كان بهذه المثابة لا يستحق العبادة. الوجه الثاني: أن إبراهيم-﵇-قال هذا القول على سبيل الاستفهام، والمعنى أيكون هذا ربّا؛ ودلائل النقص فيه ظاهرة؟ الوجه الثالث: أن إبراهيم-﵇-قال ذلك على وجه الاحتجاج على قومه، يقول: هذا ربي بزعمكم، فلما غاب قال: لو كان إلها كما تزعمون؛ لما غاب. الوجه الرابع: أن في هذه الآية إضمار يقولون، أي قال: يقولون هذا ربي. الوجه الخامس: أن الله تعالى قال في حقه: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. ثم قال بعده: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ والفاء تقتضي التعقيب، فدل هذا على أن هذه الواقعة بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض بعد الإيقان، ومن كان بهذه المنزلة الشريفة العالية لا يليق بحاله أن يعبد الكواكب، أو يتخذها ربّا. انتهى خازن باختصار، وبتصرف كبير. أقول: الوجه الخامس هو بمنزلة البرهان والدليل على صحة الوجوه الأربعة، ولا سيما الوجهين الأولين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: ذكر المفسرون: أن شأن إبراهيم في ولادته شبيه بشأن موسى-﵇-في ولادته، وأنه ربّي خفية عن النمرود الذي هو شبيه بفرعون بادعاء الألوهية، والربوبية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٢٥٨] ففيه الكفاية. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٤٤]. وجملة: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها. ﴿رَأى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿كَوْكَباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى وتركيبا؛ لأن الجملة الماضوية إذا وقعت حالا؛

стр. 1739

تكون «قد» قبلها ظاهرة أو مقدرة، وتقدير «قد» قبلها هنا غير جيد معنى. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل لها. ﴿رَبِّي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هذا رَبِّي﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على اعتبار جملة: ﴿رَأى كَوْكَباً﴾ جواب (لما)، وهي جواب (لما) على اعتبار تلك في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: «على»، وقد رأيت ضعفه، و (لما) ومدخولها. قيل بعطفه على جملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ..﴾. إلخ فتكون الآية السابقة معترضة بين المتعاطفين. وقيل: معطوفة على الآية السابقة لا محل لها، ورجح الجمل الأول، وأرجح الثاني. وانظر الوجه الخامس من الشرح يظهر لك ذلك. ﴿فَلَمّا أَفَلَ:﴾ إعرابه مثل سابقه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أُحِبُّ﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْآفِلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لا أُحِبُّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿بازِغاً:﴾ طالعا؛ إذ البزوغ: الطلوع، وبزغ، يبزغ من باب: نصر، يستعمل لازما، ومتعديا، يقال: بزغ البيطار الدابة، أي: أسال دمها، فبزغ هو، أي: سال، هذا هو الأصل، ثم قيل لكل بزوغ: طلع، ومنه: بزغ ناب الصبي، والبعير تشبيها بذلك انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿قالَ هذا رَبِّي:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَفَلَ:﴾ غاب. ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أي: إن لم يثبتني ربي على الهدى. وليس المراد: أنه لم يكن مهتديا؛ لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة. ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ أي: الكافرين. فيه تعريض لقومه بأنهم على ضلال. قال البيضاوي: استعجز إبراهيم نفسه، واستعان بربه في درك الحق، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه، إرشادا لقومه، وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصالح للألوهية، وأن من اتخذه إلها فهو ضال. انتهى. الإعراب: ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي:﴾ إعراب هذا الكلام مثله في الآية السابقة. و ﴿بازِغاً:﴾ حال من ﴿الْقَمَرَ﴾ ولا يصح اعتباره مفعولا ثانيا؛ لأن ﴿رَأَى﴾ بصرية، وليست علمية، والكلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له. ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ..﴾. إلخ:

стр. 1740

انظر مثله في الآية السابقة. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْدِنِي:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، انظر الآية السابقة، وانظر بقية الإعراب وتفصيله في الآية رقم [٦٣] فإنه مثله بلا فارق. والكلام: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآيتين السابقتين. ﴿هذا أَكْبَرُ﴾ أي: جرما، وضوءا، ونفعا من جميع الكواكب، والقمر. ﴿أَفَلَتْ:﴾ غابت. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢١]. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: بالله من الأصنام، والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث. هذا؛ وقد ذكّر المبتدأ في الجملة: ﴿هذا رَبِّي﴾ و ﴿هذا أَكْبَرُ﴾ وهو اسم الإشارة مع كونه عائدا إلى الشمس، وهي مؤنث لتذكير خبره، وهو: (ربي): وصيانة للرب عن شبهة التأنيث، ولهذا قالوا في صفات الله تعالى: علام، ولم يقولوا: علامة، وإن كان الثاني أبلغ، تفاديا من علامة التأنيث، وانظر: ﴿بَراءَةٌ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (التوبة). الإعراب: ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآيتين السابقتين. ﴿هذا أَكْبَرُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ:﴾ انظر الآيتين السابقتين، وكل ما في هذه الآية معطوف على ما قبله، والاستئناف ممكن. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥/ ٢١] ففيه الكفاية، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَرِيءٌ،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء تشركونه مع الله في عبادته، وانظر ما بينات به (من) في الشرح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: إني بريء من إشراككم. ولعلك تدرك معي: أن هذا أوضح من التقديرين السابقين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 1741

﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ الشرح: بعد أن أثبت إبراهيم-﵊-بالدليل القطعي العقلي بطلان عبادة الكواكب، والشمس، والقمر، وأعلن براءته من عبادتها توجه إلى الله بهذا الكلام؛ الذي فيه قصر العبادة على خالق السموات والأرض. والمراد ب: (الوجه) في هذه الآية: جميع البدن، وانظر: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [١] و [١٤]. ﴿حَنِيفاً﴾ أي: مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق، قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ تعريض بقومه بأنهم كافرون مشركون لعبادتهم الكواكب، وهي لا تضر، ولا تنفع. الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿وَجَّهْتُ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿وَجْهِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ صلة الموصول، والعائد الفاعل المستتر. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من تاء الفاعل. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية مهملة، أو هي عاملة عمل: «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو بمحذوف خبر (ما)، والجملة الاسمية على الوجهين في محل نصب حال من تاء الفاعل أيضا، والرابط: الواو والضمير، وجملة: ﴿وَجَّهْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ:﴾ جادلوه، وخاصموه في دينه، وتوحيده، وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء؛ إن تركها، وانظر شرح: ﴿قَوْمُهُ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢١]. ﴿قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ أي: أتجادلونني في توحيد الله، وإيماني به. هذا؛ وقد قرئ بتشديد النون، وتخفيفها، فعلى الأول تكون نون الوقاية قد أدغمت في نون الرفع بعد تسكينها، وعلى الثاني تكون قد حذفت

стр. 1742

إحدى النونين على اختلاف في المحذوف منهما، انظر الكلام على الشاهد [١٠٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ ويجري في: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ من سورة (الزمر) ما جرى في: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ قراءة، وحذفا، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَقَدْ هَدانِ:﴾ إلى التوحيد والعبادة، وهو يقرأ بحذف ياء المتكلم، وإثباتها. ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي: لا أخاف معبوداتكم؛ التي تهددونني بها؛ لأنها لا تضر، ولا تنفع؛ لأنهم قالوا له: إنا نخاف أن تمسّك الأصنام بخبل، أو جنون لعيبك إياها. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً:﴾ إلا أن يقدّر عليّ ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها. ﴿يَشاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿رَبِّي:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١]. ﴿شَيْئاً:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي: إن الله بكل شيء عليم، فلا يصيب عبدا شيء من ضر، أو نفع إلا بعلمه، وتقديره، ومشيئته. ﴿أَفَلا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٧] فإنه جيد. ﴿تَتَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون، فتميزوا، وتفرقوا بين الصحيح، والفاسد، والقادر، والعاجز. تنبيه: قال البغوي: لما رجع إبراهيم إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة تسقط عنه طمع الذابحين، أي: (وهذا بناء على ما ذكرته لك من أنه ولد خفية، وربّي خفية) وضمه آزر إلى نفسه، جعل آزر يصنع الأصنام، ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب وينادي من يشتري ما يضره، ولا ينفعه؟ فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه؛ ذهب بها إلى نهر، فصوب فيه رءوسها، وقال: «اشربي» استهزاء بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه، وأهل بلدته (حاجّه قومه) يعني: خاصمه قومه، وجادلوه في أمر دينه. انتهى خازن. وما أحراك أن تنظر المناظرة بينه، وبين النمرود في الآية رقم [٢٥٨] (البقرة) وانظر النتيجة الحاسمة بينه، وبين قومه في سورة (الأنبياء)، إن كنت من أهل القرآن. الإعراب: (حاجه): ماض، ومفعوله. ﴿قَوْمُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿أَتُحاجُّونِّي:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (تحاجوني): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والنون للوقاية، وانظر القراءتين في الشرح، والواو فاعله، وياء المتكلم مفعوله. ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَدانِ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المقدرة، أو الثابتة على حسب القراءتين في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو والضمير. وقيل: في محل نصب حال من ياء المتكلم، وتقدير الحال في الأول: هاديا لي. وفي

стр. 1743

الثاني: مهديّا من عنده، أي: حال كوني مهديّا من عنده. (لا): نافية. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، وفاعله أنا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ولا أخاف إشراككم بالله، والجملة الفعلية هذه يجوز أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون في محل نصب حال باعتبارين: أحدهما: أن تكون حالا ثانية معطوفة على الأولى، فيكون الحالان من الياء في: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ والثاني: أنها حال من ياء المتكلم في: ﴿هَدانِ،﴾ فتكون جملة حالية من بعد جملة حالية، فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع لما تقدم من أن الفعل المضارع المنفي ب: «لا» حكمه حكم المثبت، من حيث أنه لا تباشره الواو. انتهى.. جمل نقلا عن السمين ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً،﴾ في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف، وتقدير الكلام: لكن مشيئة الله إياي بضر أخافها. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهذا الاستثناء يسمى منقطعا. هذا؛ وجوز اعتباره متصلا؛ لأنه من جنس الأول، والمستثنى منه الزمان، كما أشار إلى ذلك الزمخشري في الكشاف بقوله: «لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة أو مضرة إلا وقت مشيئة ربي شيئا». وقواه الجمل بقوله: وهو أظهر القولين. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به. وقيل: نائب مفعول مطلق. ﴿وَسِعَ:﴾ ماض. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع... إلخ. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِلْماً:﴾ تمييز، وجوز اعتباره مفعولا مطلقا عامله: ﴿وَسِعَ؛﴾ لأن معناه: علم، والأول أولى، وأقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ كالتعليل للاستثناء؛ إذ المعنى فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه بسبب من الأسباب؛ لأنه أحاط بكل شيء علما. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَتَذَكَّرُونَ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وانظر ما قيل في قوله تعالى ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] (المائدة) فإنه مثل هذه الآية بلا فارق. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿أَخافُ:﴾ الخوف: الفزع، وانظر الخوف في الآية رقم [١٥٥] (البقرة) تجد ما يسرك. ﴿سُلْطاناً:﴾ حجة، وبرهانا، والمعنى: كيف أخاف الأصنام التي تعبدونها، وهي جمادات لا تضر، ولا تنفع، ولا تبصر، ولا تسمع، وأنتم لا تخافون الله، وقد أشركتم به ما

стр. 1744

ليس فيه حجة وبرهان، وهو أعظم الذنوب. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أي: من الأولى بالأمن من العذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وتفهمون، الموحدون، أم المشركون. هذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، وهو أكثر من الفرقة، قال تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وقال جل شأنه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ،﴾ والفريق: اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط، وقوم. الإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام، وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف مع المتعلق، التقدير: ما أشركتموه بالله، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: أخاف إشراككم بالله غيره. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَشْرَكْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ..﴾. إلخ يجوز فيها أن تكون معطوفة على ما قبلها، فتكون داخلة في حيز التعجب، والإنكار، وأن تكون في محل نصب حال، التقدير: وكيف أخاف الذي تشركون به حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم؟! ولا بد من تقدير المبتدأ قبل المضارع المنفي ب: (لا)، كما رأيت في الآية السابقة، والحال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأَيُّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أي): اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْفَرِيقَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بِالْأَمْنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَحَقُّ﴾ لأنه اسم تفضيل، والجملة الاسمية: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ انظر ما يشبهها في الآية رقم [٤٠]. بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها، والآية التي قبلها كل ذلك من مقول إبراهيم، ﵊. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا:﴾ لم يخلطوا، وانظر الآية رقم [٩]. ﴿إِيمانَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [/٩٦ ٥]. ﴿بِظُلْمٍ:﴾ المراد به هنا الشرك؛ لما روي: أنه لما نزلت الآية شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال-﵊-ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان

стр. 1745

لابنه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. رواه البخاري، ومسلم عن ابن مسعود، ﵁. وليس الإيمان بالله أن تصدق بوجود الصانع الحكيم، وتخلط بهذا التصديق الإشراك به. وقيل: المعصية. ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ:﴾ من عذاب الله، ومن سخطه في الدنيا، والآخرة. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ موفقون إلى طريق الخير، والسداد، والهدى والرشاد. هذا؛ وقد اختلف: هل الآية الكريمة من تتمة كلام إبراهيم، أو من كلام الله تعالى؟ ويختلف الإعراب على القولين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. وهذا على اعتباره من تتمة كلام إبراهيم، ﵊، وأما على الاعتبار الثاني، فهو مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، والجملة الفعلية: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجوز اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، فيكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿بِظُلْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِيمانَهُمْ﴾. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَمْنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾ والجملة الاسمية والتي قبلها في محل نصب مقول القول، أي: قال: «هم الذين...» إلخ، وهذا على اعتباره من كلام إبراهيم، وأما على اعتباره من كلام الله تعالى-أي: غير محكي-ففي خبره أوجه: أحدها: أن الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. الثاني: أن يكون: ﴿أُولئِكَ﴾ بدلا، أو عطف بيان، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. الثالث: أن ﴿لَهُمُ﴾ خبر: ﴿الَّذِينَ،﴾ و ﴿الْأَمْنُ﴾ فاعل بالجار والمجرور، والمعتمد الأول من الثلاثة، والجملة: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على اعتبارها من كلام الله تعالى، وإن اعتبرتها في محل نصب مقول القول، أي: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ فلست مفندا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ باللام، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا:﴾ الإشارة إلى ما احتج به إبراهيم-﵊-على قومه: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿آتَيْناها إِبْراهِيمَ:﴾ أعطيناه إياها. أو أرشدناه. أو: علمناه إياها. وانظر شرح: ﴿قَوْمِهِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ:﴾ يقرأ بالتنوين وبالإضافة. ورفع الدرجات يكون بالعلم، والحكمة، والتقوى، والصلاح، لا بالمال ولا بمراتب الدنيا الفانية. وانظر شرح: ﴿نَشاءُ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر

стр. 1746

سورة (الفاتحة) رقم [١]. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في رفعه، وخفضه، وعزه، وذله لمن يشاء. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأحوال عباده من يستحق الرفع منهم، ومن يستحق الخفض. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧]. هذا؛ وقد قرئ «(يرفع)» و «(يشاء)» بالياء أيضا، ويكون في الكلام التفات، وانظره في الآية رقم [٦]. الإعراب: (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُجَّتُنا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناها إِبْراهِيمَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿حُجَّتُنا﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة. هذا؛ وقيل: الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، كما قيل: إن ﴿حُجَّتُنا﴾ بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. واعتمد الأول؛ لأن له نظائر في كتاب الله، مثل: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً،﴾ ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً،﴾ ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الأول، التقدير: «حجة على قومه»، والجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿نَرْفَعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿دَرَجاتٍ﴾ مضاف، و ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نشاؤه. هذا؛ وعلى قراءة التنوين ف: ﴿مَنْ﴾ هو المفعول به، و ﴿دَرَجاتٍ﴾ يكون منصوبا بنزع الخافض، التقدير: نرفع في درجات من نشاء رفعه، وجملة: ﴿نَرْفَعُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، ومقوية لمعنى الكلام السابق، لا محل لها. ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ أي: لإبراهيم. ﴿إِسْحاقَ:﴾ ابنه، وكان بعد أن دبت في عروقه الشيخوخة، والعجز. وهذا معروف، ومكرر ذكره في القرآن الكريم. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ ابن إسحاق حفيد إبراهيم وقد ولد قبل وفاة جده. ﴿كُلاًّ هَدَيْنا﴾ أي: كلاّ من إسحاق، ويعقوب هداهما الله للإيمان، وأنعم عليهما بنعمة النبوة، والرسالة. ﴿وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم، وقد عد الله هداية نوح نعمة على إبراهيم، من حيث إنه جده، وشرف الأجداد يتعدى إلى الأحفاد، كما هو معروف في جميع العصور. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ:﴾ الضمير لإبراهيم إذ الكلام فيه، وقيل لنوح؛ لأنه أقرب، ولأن يونس، ولوطا ليسا من ذرية إبراهيم، وإنما الجميع من ذرية نوح. ﴿وَأَيُّوبَ:﴾ صاحب البلاء، وهو من ولد العيص بن إسحاق. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 1747

أي: كما جزيناهم، وفضلناهم بالنبوة، والرسالة نجزي المحسنين خيرا في كل زمان، ومكان. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية [٣/ ٣٣] من حياة نوح، وعمره، وعمر إبراهيم وعمران، على نبينا وعليهم ألف صلاة وسلام، وانظر إعلال: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ واشتقاقها في الآية رقم [٣/ ٣٤] فإنه جيد. تنبيه: ذكر الله في هذه الآية: أنه وهب لإبراهيم الذرية الصالحة، ولم يقل: رزقنا، أو آتينا، أو أعطينا، مما يدل على أن الولد الصالح هبة من الله للعبد، بخلاف الولد الفاسد المفسد، فإنه نقمة، وغضب من الله على العبد، ورحم الله من قال: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد الإعراب: (وهبنا): فعل وفاعل، وانظر: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٢] (المائدة). ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. (يعقوب): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: (وهبنا...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به مقدم. ﴿هَدَيْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَنُوحاً هَدَيْنا:﴾ هو مثل سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿داوُدَ،﴾ وما عطف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿داوُدَ:﴾ وما بعده معطوف على (نوحا) أي: فالنصب بفعل محذوف دل عليه ﴿هَدَيْنا﴾ السابق. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، وتقدير الكلام: «نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء الذي جازينا به إبراهيم، وذريته». ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي معترضة في المعنى لعطف الآية التالية على ما قبلها. ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥)﴾ الشرح: (زكريا ويحيى) انظر الآية رقم [٣٨ و ٣/ ٣٩]. (عيسى): هو ابن مريم، وانظر الآية رقم [٥/ ٤٩] وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت. (إلياس) هو ابن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران. وهو المعتمد. الإعراب: ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على الأسماء السابقة، فهي منصوبة بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، ما عدا (إلياس) فإنه منصوب بفتحة ظاهرة. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، وجاز الابتداء به؛ وهو نكرة لإضافته في المعنى؛ إذ التقدير: كلهم. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة بين الأسماء المتعاطفة.

стр. 1748

﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِسْماعِيلَ:﴾ هو ابن إبراهيم من صلبه، وإنما أخر ذكره إلى هنا؛ لأنه ذكر إسحاق، وذكر أولاده من بعده على نسق واحد، فلهذا السبب أخر ذكره إلى هنا. ﴿وَالْيَسَعَ:﴾ هو ابن أخطوب بن العجوز، وهو علم أعجمي دخلت عليه اللام، كما دخلت في العباس، والفضل، والوليد، واليزيد، ونحو ذلك، ويقرأ بقراءات كثيرة. ﴿وَيُونُسَ:﴾ هو ابن (متى) وهو صاحب الحوت الذي سأتكلم عنه-إن شاء الله تعالى-في سورة (الصافات) بالتفصيل. هذا؛ وفي نونه وسين يوسف ثلاث لغات. ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم، وقد هاجر معه من العراق إلى فلسطين، كما ذكر الله في سورة الأنبياء، وبعد هجرته منح الرسالة، والنبوة. ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي: كلاّ من المذكورين في الآيات الثلاث فضلهم الله، ورفع منزلتهم، وأعلى مكانتهم بالنبوة، والهدى على العالمين، عالمي زمانهم ليبقى سيدنا، وشفيعنا محمد ﷺ سيدهم، وسيد الأولين، والآخرين إلى يوم الدين. هذا؛ ويستدل بهذه الآية من يقول: إن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن العالم بفتح اللام اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملك، فيقتضي: أن الأنبياء أفضل من الملائكة. تنبيه: ذكرت لك في الآية رقم [٤/ ١٦٣] أن أبا ذر-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء قال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا، قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، أول الرسل آدم، وآخرهم نبيكم محمد ﵊». هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم. وإسماعيل مستعرب. والمذكور في القرآن منهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كل مسلم ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول على مسلم؛ فيجب أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد ذكر الله في هذه الآيات ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، وبقي سبعة، وهم آدم، وإدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب المتقدم ذكره، ومحمد، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط] حتم على كلّ ذي التكليف معرفة... بأنبياء على التفصيل قد علموا في تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا تنبيه: ولما أظهر إبراهيم-﵊-دينه، وغلب خصمه بالحجج القاطعة، والبراهين القوية، والدلائل الصحيحة؛ التي فهمه الله تعالى إياها، وهداه إليها؛ عدد نعمه عليه،

стр. 1749

فإنه رفع ذريته في عليين، وأبقى النبوة في عقبه إلى يوم الدين، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ..﴾. إلخ، والمقصود من تلاوة هذه النعم على محمد ﷺ تشريفه؛ لأن شرف الوالد يسري إلى الولد. الإعراب: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ما قبلها، فهي منصوبة مثلها. (كلاّ): مفعول به مقدم. ﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُلاًّ هَدَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ:﴾ هذا الكلام معطوف على: ﴿وَنُوحاً هَدَيْنا﴾ أي: وهدينا من آبائهم... إلخ، أو هو معطوف على قوله تعالى: ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا﴾ أي: وفضّلنا من آبائهم... إلخ. ﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٣٤]. ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ:﴾ اصطفيناهم، واخترناهم. ﴿وَهَدَيْناهُمْ:﴾ تكرير مؤكد لما ذكر، وسبق. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨] لشرح الأول، وإعلال الثاني. تنبيه: (من) الجارة معناها التبعيض، وهو يفيد أن بعض آبائهم لم يكن نبيّا، بل ولم يكن مهديّا، ويمثل له بآزر على ما سبق، وكذلك بعض الذرية، ويمثل له بابن نوح. عليه الصلاة، والسّلام. الإعراب: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ:﴾ جار ومجرور معطوفان على: (نوحا)، أو على: (كلاّ) كما رأيت في الشرح، و ﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ:﴾ معطوفان عليه أيضا، والهاء في الكل في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] (المائدة) والجملتان معطوفتان على جملة: ﴿كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا..﴾. إلخ، فهما مؤكدتان لما سبق. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط. ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى المصدر المفهوم من الفعلين السابقين، أي: الاجتباء، والهداية. ﴿هُدَى اللهِ:﴾ هو توفيق الله، انظر الاستعاذة لشرح الجلالة. ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ:﴾ يوفق إلى الهداية من يشاء الله هدايته، وتوفيقه إلى الخير، وفيه دليل واضح على أن الله هو المتفضل، والمنعم على من وفق لطاعته، وعبادته. ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ أي: لو أشرك هؤلاء الأنبياء، أو أحد منهم مع فضلهم، وعلو شأنهم. وهذا على سبيل الفرض، والتقدير. ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما﴾

стр. 1750

﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لذهب ثواب أعمالهم هباء منثورا، ولكانوا كغيرهم من المشركين في استحقاق العقاب الشديد، والخلود في نار السعير؛ لأن الله لا يقبل مع الشرك أي عمل صالح. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُدَى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والفاعل يعود إلى الله تقديره: «هو». ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصوفة، والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، ومن بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من: (هدى الله) والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿هُدَى اللهِ﴾ بدلا من اسم الإشارة، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والمعتمد القول الثاني، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٣]. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف لا محل لها لأنها؛ ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَحَبِطَ:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (حبط): ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (حبط)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيء، كانوا يعملونه، وعلى الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: لحبط عنهم عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وجملة: ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها معطوف على الجملة الاسمية لا محل له مثلها، فهي مستأنفة، والمعطوف له حكم المعطوف عليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في الآيات السابقة، أو إلى من نهج نهجهم من الآباء، والذرية، وغيرهم، وليس كل واحد قد أنزل عليه كتاب، إذا فالمراد من أنزل عليهم، وهو موسى، وعيسى، وداود، ومن لم ينزل عليه كتاب، ولكن أمر بالعمل في الكتاب الذي أنزل على من قبله، وهذا يشمل جميع رسل بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين بالعمل بما في التوراة. وانظر شرح ﴿الْكِتابَ﴾ في الآية [٢] الأعراف. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أي: الحكمة،

стр. 1751

وهي ما تكمل به نفوسهم من المعارف، والأحكام، والأخلاق. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. ﴿وَالنُّبُوَّةَ:﴾ الرسالة. ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ أي: فإن يكفر بالثلاثة المذكورة أهل مكة. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ أي: فقد أعددنا ووفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها قوما يؤمنون بها. قيل: هم الأنصار، والمهاجرون، أو كل من آمن برسالة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. هذا؛ وانظر: ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٦] وانظر: ﴿قَوْماً﴾ في الآية رقم [٢٢] (المائدة). الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الفعلية: ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكْفُرْ:﴾ مضارع فعل الشرط. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَكَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣]. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿لَيْسُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِكافِرِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (كافرين): خبر ليس مجرور لفظا منصوب محلاّ، وجملة: ﴿لَيْسُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَوْماً﴾ وجملة: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ:﴾ الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في الآيات السابقة. ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ:﴾ هذا الأمر موجه لسيد الرسل وخاتمهم محمد ﷺ بأن يسير على طريقة الرسل السابقين، وينهج نهجهم، ويتخلق بأخلاقهم والمراد ب: (هداهم) ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا، فليس فيه دليل على أنه ﵊ متعبد بشرع من قبله. والهاء في: ﴿اِقْتَدِهْ﴾ للسكت، وفيها قراءات كثيرة. ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي: قل: يا محمد لكفار قريش: لا أطلب منكم أجرا على ما جئتكم به من هدى، ورشاد، وفلاح، كما لم

стр. 1752

يطلب غيري من الرسل أجرا من أقوامهم على ما بلغوهم إياه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ:﴾ ما هو، أي: القرآن أو التبليغ، والإرشاد إلا عظة لجميع المخلوقات من الإنس، والجن. تنبيه: احتج بالآية الكريمة بعض العلماء على أن محمدا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء وذلك لأن جميع خصال الكمال التي كانت متفرقة فيهم، أمر بالاقتداء بهم فيها، أي بالتخلق بها ليحوز الجميع، فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه، وإبراهيم صاحب كرم، وإسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء، والمحن، وداود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب صاحب صبر على البلاء، ويوسف جامعا بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق، ويونس صاحب تضرع، فأمر محمد أن يقتدي بهم، وجمع له جميع ما تفرق فيهم. انتهى جمل نقلا من الخازن بالمعنى. الإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ:﴾ مبتدأ، وخبر، انظر التفصيل في الآية السابقة. وجملة: ﴿هَدَى اللهُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير (هداهم الله) والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبِهُداهُمُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. (بهداهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِقْتَدِهْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء للسكت، وهي حرف يجتلب للاستراحة عند الوقف، وجوز أبو البقاء اعتبارها هاء الضمير، ولا أراه قويّا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاقتد بهداهم. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل لها. ﴿ذِكْرى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿ذِكْرى﴾ لأنه مصدر، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق تعظيمه، أو: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة، والإنعام على العباد. ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ:﴾ حين أنكروا الوحي، وبعثة

стр. 1753

الرسل، وذلك من عظائم رحمته، وجلائل نعمته. ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى:﴾ وهو التوراة. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ أي: تجعلون التوراة أجزاء أجزاء، تكتبونها في دفاتر مقطعة، تظهرونها للناس، فيها ما تحبون إظهاره، وتخفون كثيرا مما فيها كنعت محمد ﷺ . هذا؛ وتقرأ الأفعال الثلاثة بالياء، والتاء. ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ أي: علمتم أشياء لم تكونوا تعلمونها، أنتم ولا أسلافكم، علمتموها من القرآن الكريم، ولم تنص التوراة عليها، فقد بين القرآن ما التبس عليكم، وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم. ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿قُلِ اللهُ﴾ أي: أنزله الله. ﴿ذَرْهُمْ:﴾ دعهم، واتركهم. وهذا الفعل قد أميت ماضيه، انظر الآية رقم [٧/ ٧٠]. ﴿فِي خَوْضِهِمْ:﴾ في باطلهم، وطغيانهم، وانظر الآية رقم [٦٨]. ﴿يَلْعَبُونَ:﴾ يهزءون ويسخرون. وانظر الآية رقم [٣٢]. ﴿اللهَ:﴾ انظر «الاستعاذة». ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿أَنْزَلَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. ﴿بَشَرٍ:﴾ يطلق هذا اللفظ على الإنسان ذكرا كان أو أنثى، مفردا وجمعا، مثل كلمة «الفلك» تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو الصوف، أو الريش. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به هنا التوراة، وانظر الآية رقم [٧/ ٢] لشرحه. ﴿جاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ هو في الأصل موشى بالشين، مركب من اسمين: الماء، والشجر فالماء يقال له في العبرانية (مو) والشجر يقال له (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما رمته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص). ﴿وَهُدىً:﴾ أصله هديا، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (هدى)، وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا (هدا) فلا يوجد ما يدل عليها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٢]. ﴿قَراطِيسَ:﴾ جمع: قرطاس، وهو الورق الذي يكتب فيه. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في اليهود، أي: علمائهم، فقد ورد: أن مالك بن الصيف جاء يخاصم النبي ﷺ ، فقال له النبي: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها: أن الله تعالى يبغض الحبر السمين، أي: العالم الجسيم، وكان مالك المذكور كذلك، فقال: نعم، وكان يحب إخفاء ذلك، لكن أقر لإقسام النبي عليه، فقال له النبي ﷺ ؛ أنت حبر سمين، أي أنت مبغوض، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال أصحابه الذين كانوا معه: ويحك، ولا على موسى، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فلما سمعت اليهود تلك المقالة؛ عتبوا عليه، وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت هذا؟! قال:

стр. 1754

أغضبني محمد فقلته، فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق، فعزلوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. انتهى جمل نقلا من الخازن. أقول: ذكرت لك في أول هذه السورة: أنها مكية، وأن هذه الآية وما بعدها مدنيات، وهذا يوافق ما ذكرته لك عن اليهود في المدينة، وهو يدحض قول من يقول: إن القائلين: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ هم كفار قريش، تأمل، وتدبر، والله أعلم. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و ﴿حَقَّ:﴾ مضاف، و ﴿قَدْرِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى: وقت مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. وقيل: ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلى بَشَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على القول الأول فيها، ولا محل لها على اعتبار: ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل. ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ تقديره هو. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة الكتاب، وجملة: ﴿جاءَ بِهِ مُوسى﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور بالباء. ﴿نُوراً:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل فيه: ﴿جاءَ،﴾ أو من ﴿الْكِتابَ،﴾ والعامل فيه: ﴿أَنْزَلَ،﴾ وجملة: ﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿مِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هدى): معطوف على: ﴿نُوراً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب (هدى)، أو بمحذوف صفة له. ﴿تَجْعَلُونَهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿قَراطِيسَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال مثل: ﴿نُوراً﴾ فتكون الحال قد تعددت إفرادا، وجملة. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿قَراطِيسَ﴾ منصوبا بنزع الخافض. وقيل: هو على حذف مضاف، أي ذا قراطيس، وجملة: ﴿تُبْدُونَها﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَراطِيسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والرابط محذوف؛ إذ التقدير (تخفون منها كثيرا)، وقول مكي: «مبتدأ لا موضع له من الإعراب» لا وجه له، إلا إذا كان يقصد إضمار مبتدأ، التقدير: «وأنتم تخفون كثيرا» فتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة. ﴿وَعُلِّمْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني

стр. 1755

على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لم تعلموه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع تأكيد لواو الجماعة ليصح العطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ معطوف على واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: (علمتم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في الأفعال الثلاثة، وهذا على قراءتها بالتاء، فيجب تقدير «قد» قبلها، وأما على قراءة الأفعال بالياء، ففي الجملة الفعلية وجهان: الأول: اعتبارها مستأنفة، والثاني: اعتبارها في محل نصب حال أيضا، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. ﴿اللهَ:﴾ فيه وجهان: الأول اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير: أنزله الله، والثاني: مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله أنزله، والجملة على الوجهين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ اللهُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿ذَرْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فِي خَوْضِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير الواقع مفعولا به، أو هما متعلقان بالفعل بعدهما، أو بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وجملة: ﴿ذَرْهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿وَهذا كِتابٌ:﴾ المراد به: القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب سيد العالمين نورا ورحمة للناس أجمعين. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. وليس المراد هنا: أنه أنزل جملة واحدة، بل المراد بيان إنزاله فحسب. وانظر شرح ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿مُبارَكٌ:﴾ كثير النفع والفائدة. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافق للكتب التي قبله في التوحيد، وتنزيه الله تعالى، والدلالة على البشارة، والنذارة. وانظر تفسير الآية رقم [٢/ ٦٦] ففيها فائدة. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى:﴾ هي مكة المعظمة سميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى جميعا، ومحجهم، ومجتمعهم، وأعظم القرى شأنا. وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. وانظر الآية رقم [١٢٣] هذا؛ وقد قرئ الفعل بالتاء، والياء، والإنذار: التخويف من عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي: من القرى، والمراد بعد ذلك جميع الناس شرقا وغربا. وانظر شرح (حول) في الآية رقم [١٧] من سورة (البقرة). ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ..﴾. إلخ:
следующие страницы →