Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وهي ما تكمل به نفوسهم من المعارف، والأحكام، والأخلاق. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. ﴿وَالنُّبُوَّةَ:﴾ الرسالة. ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ أي: فإن يكفر بالثلاثة المذكورة أهل مكة. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ أي: فقد أعددنا ووفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها قوما يؤمنون بها. قيل: هم الأنصار، والمهاجرون، أو كل من آمن برسالة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. هذا؛ وانظر: ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٦] وانظر: ﴿قَوْماً﴾ في الآية رقم [٢٢] (المائدة).
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الفعلية: ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكْفُرْ:﴾ مضارع فعل الشرط. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة:
﴿يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَكَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣]. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْماً:﴾
مفعول به. ﴿لَيْسُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿بِكافِرِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (كافرين): خبر ليس مجرور لفظا منصوب محلاّ، وجملة: ﴿لَيْسُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَوْماً﴾ وجملة: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ:﴾ الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في الآيات السابقة.
﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ:﴾ هذا الأمر موجه لسيد الرسل وخاتمهم محمد ﷺ بأن يسير على طريقة الرسل السابقين، وينهج نهجهم، ويتخلق بأخلاقهم والمراد ب: (هداهم) ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا، فليس فيه دليل على أنه ﵊ متعبد بشرع من قبله.
والهاء في: ﴿اِقْتَدِهْ﴾ للسكت، وفيها قراءات كثيرة. ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي: قل: يا محمد لكفار قريش: لا أطلب منكم أجرا على ما جئتكم به من هدى، ورشاد، وفلاح، كما لم
стр. 1752
يطلب غيري من الرسل أجرا من أقوامهم على ما بلغوهم إياه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ:﴾ ما هو، أي: القرآن أو التبليغ، والإرشاد إلا عظة لجميع المخلوقات من الإنس، والجن.
تنبيه: احتج بالآية الكريمة بعض العلماء على أن محمدا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء وذلك لأن جميع خصال الكمال التي كانت متفرقة فيهم، أمر بالاقتداء بهم فيها، أي بالتخلق بها ليحوز الجميع، فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه، وإبراهيم صاحب كرم، وإسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء، والمحن، وداود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب صاحب صبر على البلاء، ويوسف جامعا بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق، ويونس صاحب تضرع، فأمر محمد أن يقتدي بهم، وجمع له جميع ما تفرق فيهم. انتهى جمل نقلا من الخازن بالمعنى.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ:﴾ مبتدأ، وخبر، انظر التفصيل في الآية السابقة. وجملة: ﴿هَدَى اللهُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير (هداهم الله) والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبِهُداهُمُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. (بهداهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿اِقْتَدِهْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء للسكت، وهي حرف يجتلب للاستراحة عند الوقف، وجوز أبو البقاء اعتبارها هاء الضمير، ولا أراه قويّا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاقتد بهداهم. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل لها. ﴿ذِكْرى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿ذِكْرى﴾ لأنه مصدر، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾
الشرح: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق تعظيمه، أو: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة، والإنعام على العباد. ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ:﴾ حين أنكروا الوحي، وبعثة
стр. 1753
الرسل، وذلك من عظائم رحمته، وجلائل نعمته. ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى:﴾ وهو التوراة. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ أي: تجعلون التوراة أجزاء أجزاء، تكتبونها في دفاتر مقطعة، تظهرونها للناس، فيها ما تحبون إظهاره، وتخفون كثيرا مما فيها كنعت محمد ﷺ .
هذا؛ وتقرأ الأفعال الثلاثة بالياء، والتاء. ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ أي: علمتم أشياء لم تكونوا تعلمونها، أنتم ولا أسلافكم، علمتموها من القرآن الكريم، ولم تنص التوراة عليها، فقد بين القرآن ما التبس عليكم، وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم. ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿قُلِ اللهُ﴾ أي: أنزله الله. ﴿ذَرْهُمْ:﴾
دعهم، واتركهم. وهذا الفعل قد أميت ماضيه، انظر الآية رقم [٧/ ٧٠]. ﴿فِي خَوْضِهِمْ:﴾ في باطلهم، وطغيانهم، وانظر الآية رقم [٦٨]. ﴿يَلْعَبُونَ:﴾ يهزءون ويسخرون. وانظر الآية رقم [٣٢].
﴿اللهَ:﴾ انظر «الاستعاذة». ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿أَنْزَلَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. ﴿بَشَرٍ:﴾ يطلق هذا اللفظ على الإنسان ذكرا كان أو أنثى، مفردا وجمعا، مثل كلمة «الفلك» تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو الصوف، أو الريش. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به هنا التوراة، وانظر الآية رقم [٧/ ٢] لشرحه. ﴿جاءَ:﴾
انظر الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ هو في الأصل موشى بالشين، مركب من اسمين: الماء، والشجر فالماء يقال له في العبرانية (مو) والشجر يقال له (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما رمته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص). ﴿وَهُدىً:﴾ أصله هديا، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (هدى)، وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا (هدا) فلا يوجد ما يدل عليها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٢]. ﴿قَراطِيسَ:﴾
جمع: قرطاس، وهو الورق الذي يكتب فيه.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في اليهود، أي: علمائهم، فقد ورد: أن مالك بن الصيف جاء يخاصم النبي ﷺ ، فقال له النبي: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها:
أن الله تعالى يبغض الحبر السمين، أي: العالم الجسيم، وكان مالك المذكور كذلك، فقال:
نعم، وكان يحب إخفاء ذلك، لكن أقر لإقسام النبي عليه، فقال له النبي ﷺ ؛ أنت حبر سمين، أي أنت مبغوض، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال أصحابه الذين كانوا معه: ويحك، ولا على موسى، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فلما سمعت اليهود تلك المقالة؛ عتبوا عليه، وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت هذا؟! قال:
стр. 1754
أغضبني محمد فقلته، فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق، فعزلوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. انتهى جمل نقلا من الخازن.
أقول: ذكرت لك في أول هذه السورة: أنها مكية، وأن هذه الآية وما بعدها مدنيات، وهذا يوافق ما ذكرته لك عن اليهود في المدينة، وهو يدحض قول من يقول: إن القائلين: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ هم كفار قريش، تأمل، وتدبر، والله أعلم.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم.
﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و ﴿حَقَّ:﴾ مضاف، و ﴿قَدْرِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى: وقت مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. وقيل: ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلى بَشَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على القول الأول فيها، ولا محل لها على اعتبار: ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل. ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ تقديره هو. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة الكتاب، وجملة: ﴿جاءَ بِهِ مُوسى﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور بالباء. ﴿نُوراً:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل فيه: ﴿جاءَ،﴾ أو من ﴿الْكِتابَ،﴾ والعامل فيه: ﴿أَنْزَلَ،﴾ وجملة: ﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿مِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هدى): معطوف على: ﴿نُوراً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب (هدى)، أو بمحذوف صفة له. ﴿تَجْعَلُونَهُ:﴾
فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿قَراطِيسَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال مثل: ﴿نُوراً﴾ فتكون الحال قد تعددت إفرادا، وجملة. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿قَراطِيسَ﴾ منصوبا بنزع الخافض. وقيل: هو على حذف مضاف، أي ذا قراطيس، وجملة: ﴿تُبْدُونَها﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَراطِيسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والرابط محذوف؛ إذ التقدير (تخفون منها كثيرا)، وقول مكي: «مبتدأ لا موضع له من الإعراب» لا وجه له، إلا إذا كان يقصد إضمار مبتدأ، التقدير: «وأنتم تخفون كثيرا» فتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة. ﴿وَعُلِّمْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني
стр. 1755
على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لم تعلموه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع تأكيد لواو الجماعة ليصح العطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ معطوف على واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:
(علمتم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في الأفعال الثلاثة، وهذا على قراءتها بالتاء، فيجب تقدير «قد» قبلها، وأما على قراءة الأفعال بالياء، ففي الجملة الفعلية وجهان:
الأول: اعتبارها مستأنفة، والثاني: اعتبارها في محل نصب حال أيضا، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. ﴿اللهَ:﴾ فيه وجهان: الأول اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير: أنزله الله، والثاني: مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله أنزله، والجملة على الوجهين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ اللهُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿ذَرْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فِي خَوْضِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير الواقع مفعولا به، أو هما متعلقان بالفعل بعدهما، أو بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وجملة: ﴿ذَرْهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿وَهذا كِتابٌ:﴾ المراد به: القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب سيد العالمين نورا ورحمة للناس أجمعين. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. وليس المراد هنا: أنه أنزل جملة واحدة، بل المراد بيان إنزاله فحسب. وانظر شرح ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿مُبارَكٌ:﴾ كثير النفع والفائدة. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافق للكتب التي قبله في التوحيد، وتنزيه الله تعالى، والدلالة على البشارة، والنذارة. وانظر تفسير الآية رقم [٢/ ٦٦] ففيها فائدة. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى:﴾
هي مكة المعظمة سميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى جميعا، ومحجهم، ومجتمعهم، وأعظم القرى شأنا. وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. وانظر الآية رقم [١٢٣] هذا؛ وقد قرئ الفعل بالتاء، والياء، والإنذار: التخويف من عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي: من القرى، والمراد بعد ذلك جميع الناس شرقا وغربا.
وانظر شرح (حول) في الآية رقم [١٧] من سورة (البقرة). ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ..﴾. إلخ:
стр. 1756
فإن من صدق بالآخرة؛ خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر، والتدبر، حتى يؤمن بالنبي، والكتاب، والضمير في: ﴿بِهِ﴾ يحتملهما، ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلاة بالذكر؛ لأنها عماد الدين، وعلم الإيمان، والمراد بالإيمان بالآخرة: الإيمان المعتد به بخلاف إيمان اليهود، والنصارى، وغيره بالآخرة فإنه إيمان لا يعتد به لفقد شرطه الأساسي، وهو الإيمان بمحمد ﷺ ، وانظر شرح (الصلاة) في الآية رقم [٤/ ١٠٣] والآية رقم [١١] (التوبة) فإنه جيد.
تنبيه: وصف الله الكتاب الذي أنزله على محمد ﷺ هنا بالإنزال قبل وصفه بالبركة، بخلاف قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ قالوا: لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال؛ إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله على بشر من شيء، بخلافه هناك، ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية؛ لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا، والثانية اسما صريحا؛ لأن الاسم يدل على الثبوت، والاستقرار، وهو مقصود هنا، أي: بركته ثابتة مستقرة. انتهى جمل نقلا عن السمين.
الإعراب: ﴿وَهذا كِتابٌ:﴾ مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ في محل رفع صفة أولى ل: (الكتاب). ﴿مُبارَكٌ:﴾ صفة ثانية. ﴿مُصَدِّقُ:﴾ صفة ثالثة. هذا؛ ويجوز في غير القرآن نصب الصفتين على الحال من: ﴿كِتابٌ﴾ لوصفه بالجملة الفعلية كما رأيت. هذا؛ و ﴿مُصَدِّقُ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، والهاء في محل جر بالإضافة. (لتنذر): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وهو يقرأ بالتاء والياء، فعلى الأول تقدير فاعله: أنت، وعلى الثاني تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿أُمَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. (من): اسم موصول أو نكرة موصوفة بمعنى ناسا مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ما قبلها.
﴿حَوْلَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (من) أو بمحذوف صفتها على اعتبارها نكرة، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، التقدير: «أنزلناه للإيمان، وللإنذار». وقيل: معطوفان على ما دل عليه ﴿مُبارَكٌ﴾ أي: أنزلناه للبركات، وللإنذار، وقيل غير ذلك. (الذين): فيه وجهان:
أحدهما أنه مبني على الفتح في محل نصب معطوف على: ﴿أُمَّ الْقُرى،﴾ والثاني أنه في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة على الوجه الأول في الموصول، وفي محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه. (هم):
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: «يحافظون على صلاتهم» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
стр. 1757
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم، وأفجر، وأفسد من إنسان يختلق الكذب على الله، فزعم أنه نبي بعثه الله، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي اللذين ادعيا النبوة في آخر حياة الرسول ﷺ . ﴿أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أي: قال نزل علي قرآن، ولم ينزل عليه شيء، كعبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فلما نزلت الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ..﴾. إلخ، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال عبد الله: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ تعجبا من تفصيل خلق الإنسان، فقال النبي ﷺ : اكتبها، فكذلك نزلت، فشك عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقا؛ لقد أوحي إلي، ولئن كان كاذبا؛ لقد قلت كما قال. فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام، فأسلم قبل فتح مكة، والنبي ﷺ نازل بمر الظهران وكان في إسلامه دخن، ودغل ظهر ما ظهر منه في خلافة الإمام علي، ﵁. أي: بعد ثلاثين عاما. ﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ قيل: المراد: كفار قريش، أو النضر بن الحارث. فقالوا، أو قال كما حكى القرآن عنهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ والصحيح: أنه من مقول عبد الله بن أبي سرح، فكان من جملة كتبة الوحي، فكان إذا أملى عليه النبي ﷺ : ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ كتب مكانه: ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ وإذا أملى عليه: ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ كتب: ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ وهكذا. ﴿تَرى:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٥٢]. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٤] الآتية.
﴿فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ:﴾ شدائده، من غمره الماء: إذا غشيه وغطاه. وانظر شرح ﴿الْمَوْتِ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٠٦]. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٣٠]. ﴿باسِطُوا أَيْدِيهِمْ:﴾ يقبض أرواح الكفار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١]. وقبض أرواحهم يكون في شدة، وغلظة. ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: تقول لهم الملائكة: أخرجوا أنفسكم أي: خلصوها من العذاب. وقيل:
المعنى: أخرجوا أرواحكم من أجسادكم. وهذا تعنيف، وتغليظ عليهم. وانظر ما يفعل بهم عند الموت في الآية رقم [٨/ ٥٠]. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ:﴾ أراد وقت الإماتة، وما يعذبون به من شدة النزع، أو المراد الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له. والهون: الهوان، وإضافة العذاب إليه، كقولك: رجل سوء، والمراد: التمكن في الهوان. ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ..﴾. إلخ:
أي: العذاب الشديد واقع بسبب افترائكم على الله أمورا لا أصل لها؛ من أن له شريكا،
стр. 1758
وصاحبة، وولدا، ودعوى النبوة، والوحي وغير ذلك. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي:
فلا تؤمنون بها. وهذا يدل على أن كل شخص وعظ، ونصح، فلم يقبل الموعظة والنصيحة فيكون من المستكبرين عن آيات الله، وينزل به ما نزل بالمشركين؛ الذين أعرضوا عن آيات الله.
المفردات: ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿شَيْءٌ:﴾
انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿مِثْلَ:﴾ هو بكسر الميم، وسكون الثاء، ومثله: مثيل، نحو: شبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون، وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ،﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء، والثالث:
زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم.
هذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً..﴾. إلخ، وشبهه، فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة، من بعض الوجوه، والممثل بمضربه، أي هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله مثل: (الصيف ضيعت اللبن)، فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته. هذا؛ ويجمع مثل بكل معانيه على أمثال، كما في الآية رقم [٧/ ١٩٤]. ﴿أَنْفُسَكُمُ:﴾
انظر الآية رقم [٧/ ٩]. ﴿الْيَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥/ ٨]. ﴿الْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿آياتِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤] وانظر (الوحي) في الآية رقم [٤/ ١٦٣] وانظر شرح ﴿غَيْرَ﴾ في سورة (الفاتحة).
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ صلة: (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أُوحِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾
متعلقان بمحذوف نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُوحَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْءٌ:﴾ نائب فاعل، وجملة: ﴿وَلَمْ يُوحَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿قالَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. (من):
стр. 1759
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (من) المجرورة.
التقدير: وممن قال... إلخ. ﴿سَأُنْزِلُ:﴾ السين: حرف استقبال. (أنزل): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به. وقيل: هي صفة لمصدر محذوف، التقدير: سأنزل إنزالا مثل ما أنزل... إلخ. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير، أنزل الله. وعلى الوجه الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل: إنزال الله. وهذا على اعتبار: ﴿مِثْلَ﴾ صفة لمصدر محذوف، كما رأيت، وجملة:
﴿سَأُنْزِلُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها على نحو ما رأيت. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف، التقدير: ولو ترى الكفار. ﴿إِذِ:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله.
﴿الظّالِمُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع... إلخ. ﴿فِي غَمَراتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها، و ﴿غَمَراتِ:﴾ مضاف، و ﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، وجواب (لو) محذوف، التقدير: ولو ترى يا محمد الكفار حين الظالمين في غمرات الموت؛ لرأيت أمرا عظيما. (الملائكة): مبتدأ. ﴿باسِطُوا:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿باسِطُوا:﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾
مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: (الملائكة...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿فِي غَمَراتِ﴾ والرابط الواو فقط. ﴿أَخْرِجُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قائلين، أو:
يقولون لهم، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط.
﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿أَخْرِجُوا،﴾ فيكون الوقف عليه، أو هو متعلق بالفعل بعده، فيكون الوقف على ﴿أَنْفُسَكُمُ﴾. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع.. إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْهُونِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة، وجملة: ﴿تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ على الوجهين في الظرف داخلة في مقول القول الواقع حالا كما رأيت، وهو أولى من الاستئناف. ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٣٠] فإنه مثله بلا فارق. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به على تفسير ﴿تَقُولُونَ﴾ بتفترون، أو تذكرون، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: تقولون قولا غير الحقّ، وهو مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة واضح
стр. 1760
إن شاء الله تعالى، وفي محلها وجهان: أولها: العطف على ما قبلها، والثاني: الاستئناف، فتكون لا محل لها، وقد سيقت للإخبار بذلك تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
تنبيه: ذكر أبو البقاء في إعراب: ﴿كَذِباً﴾ ما يلي: فقال: يجوز أن يكون: ﴿كَذِباً﴾ مفعول ﴿اِفْتَرى،﴾ وأن يكون مصدرا على المعنى، أي: افتراء، وأن يكون مفعولا من أجله، وأن يكون مصدرا في موضع الحال. أقول: والأول أقواها.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى:﴾ فهذا يقال للمشركين يوم القيامة، والقائل هم الملائكة.
وقيل: هو قول الله تعالى. والأول أقوى؛ لأن هذا الكلام متصل بما قبله، والأول من مقول الملائكة كما رأيت، ولكن إذا عرفت أن الآيات الثلاث السابقة مدنية، وأن هذه الآية، وما بعدها مكية، فيبعد العطف، وإنما الكلام مستأنف، فيصالح للاعتبارين. هذا؛ وقد عبر سبحانه عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه. انظر مبحث هذا في الآية رقم [٥/ ١١٦] فإنه جيد، وانظر (جاء) في الآية رقم [٥]. وقد اختلف في ﴿فُرادى:﴾ هل هو مفرد، أو جمع، أو هو اسم جمع؟ وفي البيضاوي: و ﴿فُرادى﴾ جمع فرد، والألف للتأنيث ككسالى، وقرئ: «(فرادا)» بالتنوين، كغراب، و «(فراد)» كثلاث، و «(فردى)» كسكرى. انتهى. فهذه أربع قراءات الأولى هي المتواترة، والثلاثة بعدها شواذ، كما في السمين. انتهى جمل. والمعنى: منفردين عن الأموال، والأولاد، وسائر ما جمعتموه في الدنيا. أو عن الأعوان، والأصنام؛ التي زعمتم أنها تشفع لكم. ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها، أي: حفاة، عراة، غرلا، بهما. وانظر شرح: ﴿أَوَّلَ﴾ في الآية رقم [٢/ ٤١] أو [٧/ ١٤٣] فإنه جيد. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: تركتم الشيء الذي تفضلنا به عليكم في الدنيا، فلم تحملوا منه شيئا إلى الآخرة، قليلا، أو كثيرا. هذا؛ والوراء يأتي بمعنى ما خلف الظهر، وقد يأتي بمعنى أمام، وقدام، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ و ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧]. ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ أي:
شركاء الله في ربوبيتكم، واستحقاق عبادتكم لهم. وانظر إعلال: ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٥/ ٥٢] وانظر (زعم) في الآية رقم [٤/ ٦٠] فإنه جيد. والمراد ب ﴿شُفَعاءَكُمُ:﴾ الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: تقطع وصلكم، وتشتت جمعكم. هذا؛ والبين:
стр. 1761
الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁: [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطرف مكحول
هذا؛ وقد قرئ «(بينكم)» بالرفع، والنصب، فالرفع على الفاعل، أي: تقطع وصلكم، والنصب على الحذف يريد: ما بينكم. انتهى مختار الصحاح. ولا تنس: أن (بين) ظرف مكان بمعنى وسط، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، وانظر الإعراب.
﴿وَضَلَّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ تدعون كذبا، وافتراء: أنهم شفعاؤكم، وأن لا بعث، ولا جزاء.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع. و (نا): مفعول به.
﴿فُرادى:﴾ حال من الفاعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وهو أولى من العطف كما بينته في الشرح. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، و ﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، وتقدير الكلام: جئتمونا مجيئا كائنا مثل خلقكم أول مرة، أو هما متعلقان بمحذوف حال واقعة بدلا من: ﴿فُرادى،﴾ أو بمحذوف حال ثانية، إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير المستتر في: ﴿فُرادى،﴾ وانظر مثله في الآية رقم [٢٠]. (تركتم): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
خولناكموه، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣] وجملة: (تركتم...) إلخ، في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، و (قد) قبلها مقدرة، و (ترك) متعد لمفعول واحد، وإن كان بمعنى: «صير» فينصب مفعولين ثانيهما محذوف، ويكون الظرف: ﴿وَراءَ﴾ متعلقا به، التقدير: كائنا وراء، و ﴿وَراءَ:﴾ مضاف، و ﴿ظُهُورِكُمْ:﴾ مضاف إليه والكاف في محل جر بالإضافة، وجوز الاستئناف بجملة ﴿وَتَرَكْتُمْ..﴾.
إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَرى:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَكُمْ:﴾
ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو بصري، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وهو: ﴿شُفَعاءَكُمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما
стр. 1762
قبله، أو هو بدل منه. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِيكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شُرَكاءُ﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبر (أنّ) و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿زَعَمْتُمْ﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول، والعائد اسم (أنّ)، وجملة: ﴿وَما نَرى..﴾. إلخ معطوفة على جملة:
(تركتم...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، هذا؛ وقدر الجلال: ويقال لهم توبيخا: ﴿وَما نَرى..﴾. إلخ، وهذا يعني: أن الجملة الفعلية في محل نصب مقول لقول القول محذوف. ولم أره لغيره. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق... إلخ. ﴿تَقَطَّعَ:﴾
ماض، وفاعله مستتر يعود على الاتصال المدلول عليه بما تقدم. هذا؛ وجه فيكون: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والثاني: أن الفاعل هو: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ على تفسيره بالوصال، وهو مبني على الفتح في محل رفع. وقيل: بل هو منصوب، وهو مرفوع المحل، وقالوا: إنما بقي على نصبه اعتبارا بأغلب أحواله. وقول الزمخشري: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ لقد وقع التقطع بينكم، فهذا حل معنى، لا حل إعراب. هذا؛ وعلى قراءة رفعه فهو فاعل بلا خلاف فيه، ويكون خاليا من معنى الظرفية. هذا؛ وقد قرئ «(لقد تقطع ما بينكم)» فما على هذه القراءة هي الفاعل، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، ويكون ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، ولذا فقد اعتبر أبو البقاء على قراءة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ الفاعل محذوفا، وقدره بشيء، واعتبر الظرف متعلقا بمحذوف صفة لهذا المحذوف. وجملة: ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (ضل): ماض. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل ل (ضل)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
«كنتم تزعمونه». وعلى الاعتبار الثالث، ف ﴿ما﴾ وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل، التقدير: «ضل عنكم زعمكم». والجملة الفعلية هذه معطوفة على جواب القسم، لا محل لها.
﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَزْعُمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) الناقصة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى:﴾ شاق الحب عن النبات. فيشق الحبة اليابسة، فيخرج منها ورق أخضر، ويشق النواة اليابسة، فيخرج منها شجرة صاعدة في الهواء. و ﴿الْحَبِّ﴾ هو الذي ليس له نوى، كالحنطة، والشعير، و (النّوى) ضد الحب، كالرطب، والخوخ، والمشمش. انتهى جمل نقلا من الخازن بتصرف. ﴿الْحَيَّ:﴾ قال البيضاوي: يريد ما
стр. 1763
ينمو من الحيوان، والنبات ليطابق ما قبله. ﴿الْمَيِّتِ:﴾ مما لا ينمو كالنطفة، والبيضة، والحبة.
ومعروف إخراج أحدهما من الآخر. هذا؛ وقد قيل: إن المراد بالحي: المؤمن، وبالميت:
الكافر، فالمؤمن حي القلب بالإيمان، والكافر ميت القلب بالكفر، خذ قول ربك: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾. هذا؛ والميت والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وجمعه: موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]
أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل
فمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل
هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان كما في قول عدي بن الرعلاء الغساني: [الخفيف]
ليس من مات فاستراح بميت... إنما الميت ميّت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء
أقول: ومن هذا ما في هذه الآية الكريمة، وأيضا الآية رقم [٣/ ٢٧] حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة والروح كما هو واضح، وانظر مثل هذا التعاوض في الآية رقم [٧/ ١٦٨] ولا تنس: أن أصل ميت: ميوت؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيد، وهين، وصيب ونحو ذلك. هذا؛ وذكر: (مخرج) هنا بلفظ الاسم حملا على:
﴿فالِقُ الْحَبِّ،﴾ فإن الجملة الفعلية: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ واقعة موقع البيان له، كما ستعرفه في الإعراب. ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ أي: ذلكم الله المدبر الخالق الصانع لهذه الأشياء المحيي المميت لها.
﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ؟﴾ أي: فأنى تصرفون عن الحق، فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء كلها؟! قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ فهو من باب: ضرب، ومصدره: أفكا، كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره: إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم كما في الآية رقم [٧/ ١١٧] وقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾. وما في الآية تعجيب للناس من الله تعالى في ذهابهم للفرق بين الرب والمربوب. وفي الآية الكريمة دليل على صحة البعث يوم القيامة بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب والجزاء.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿فالِقُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْحَبِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «هو» وجملة:
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ في محل رفع خبر ثان. وقيل: مستأنفة، ولا أرتضيه. ﴿وَمُخْرِجُ:﴾ معطوف
стр. 1764
على: ﴿فالِقُ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْمَيِّتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنَ الْحَيِّ:﴾ متعلقان باسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: أراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وصحيحا؛ فأين تذهبون، وتصرفون عن الحق؟! (أنى): اسم استفهام بمعنى: «كيف» مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرت (أنى) للمكان كما هو أصل معناها، فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها، ﴿تُؤْفَكُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، وواو الجماعة نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية:
﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ لا محل لها لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والشرط المقدر، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.
﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾
الشرح: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ:﴾ شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الإصباح، وهو الغبش الذي يليه، و ﴿الْإِصْباحِ﴾ في الأصل مصدر: أصبح: إذا دخل في الصباح، سمي به الصبح. انتهى بيضاوي. هذا؛ والصباح، والصبح: الفجر، وهما خلاف المساء، وأصبحنا: دخلنا في الصباح، وأمسينا دخلنا في المساء. هذا؛ والإمساء ضد الإصباح، قال الشاعر: [الرجز]
أفنى رياحا وبني رياح... تناسخ الإمساء والإصباح
والممسى، والمصبح مثلهما، قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط]
الحمد لله ممسانا ومصبحنا... بالخير صبّحنا ربّي ومسّانا
هذا؛ وقد قرئ بفتح الهمزة. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً:﴾ يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، من: سكن إليه: إذا اطمأن إليه استئناسا به، أو: يسكن فيه الخلق من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ هذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته الليلة، مثل: تمر وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: هو من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع، كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته؛ قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر. والنهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في
стр. 1765
الآية رقم [١٢٨]. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً:﴾ تحسب بهما الأوقات، والأيام، والشهور، والأعوام، وذلك بسبب تعاقبهما، وتداولهما. هذا؛ والحسبان مصدر بضم الحاء، وكسرها، فالأول ماضيه من باب: قتل، وهو بمعنى العد. والثاني من باب: تعب، وهو بمعنى الظن. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى فلق الصبح، وتسيير الليل والنهار والشمس والقمر. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الذي قهر الشمس والقمر وسيرهما على الوجه المخصوص لمعرفة ما ذكرته، كيف لا، والله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾.
الإعراب: ﴿فالِقُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو فالق، وهو مضاف، و ﴿الْإِصْباحِ:﴾
مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه: هذا؛ وقد قرئ «(فلق الإصباح)» وهي قراءة شاذة. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر يعود إلى الله. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به أول.
﴿سَكَناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ:﴾ معطوفان على: ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿حُسْباناً:﴾ معطوف على: ﴿سَكَناً﴾. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: بحسبان، ويشهد له آية الرحمن:
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾. هذا؛ وقد قرئ «(فالق)» بالنصب على المدح بفعل محذوف، كما قرئ «(جاعل)» معطوفا على: ﴿فالِقُ﴾ على رفعه، ونصبه، وبجر: ﴿اللَّيْلَ،﴾ كما في: ﴿الْإِصْباحِ،﴾ فيكون عطف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ على محل: ﴿اللَّيْلَ﴾. وقد قرئا بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: والشمس، والقمر مجعولان. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَقْدِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل من: ﴿الْعَزِيزِ،﴾ ويقال: صفة له، والجمل في الآية الكريمة كلها مستأنفة لا محل لها.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ..﴾. إلخ: أي الله هو الذي خلق النجوم ليهتدي بها بنو آدم في ظلمات الليل؛ التي تكون وتحصل في الأرض الفلاة، وكذلك في لجج البحار. وانظر الآية رقم [١]. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أي: الدلالات على قدرة الله تعالى قد بيناها، وفصلناها فصلا فصلا. وهو ما ذكره في الآية السابقة، وغيرها. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ انظر:
стр. 1766
﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ علم تفهم وعمل، فينتفعون بذلك. هذا؛ وفي الكلام التفات، انظر الآية رقم [٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] وانظر شرح: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الآية رقم [٥٩] وشرح (الآيات) في الآية رقم [٤].
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الفعلية: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِتَهْتَدُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:
﴿جَعَلَ،﴾ التقدير: للاهتداء. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ظُلُماتِ:﴾ مضاف، و ﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف عليه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَصَّلْنَا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، وقد حذف المفعول، وهو يؤذن بالعموم، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أما الجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ؛ فإنها معطوفة على ما قبلها.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ خلقكم، أو: بدأ خلقكم. ﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ المراد به آدم أبو البشر، وتوضح ذلك آية النساء رقم [١]. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض، أو استيداع في الأرحام، أو تحت الأرض، أو موضع استقرار، واستيداع. ويقرأ:
«(مستقر)» بفتح القاف، وكسرها. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿يَفْقَهُونَ:﴾
يفهمون ما يقال لهم. هذا؛ وذكر سبحانه مع ذكر النجوم ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لأن أمرها ظاهر، ومع ذكر تخليق بني آدم ﴿يَفْقَهُونَ؛﴾ لأن إنشاءهم من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة، ودقيق نظر.
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (مستقر): مبتدأ، خبره محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ..﴾. إلخ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية السابقة.
стр. 1767
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾
الشرح: ﴿السَّماءِ:﴾ يذكر، ويؤنث، والسماء كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:
سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك. قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء: المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى النبات. هذا؛ والمراد بالسماء في هذه الآية: السحاب الذي ينزل منه المطر، وإعادة الضمير عليه بمعنى النبات يسمى في فن البديع بالاستخدام. هذا؛ وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان:
الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ﴿ماءً:﴾ أصله: موه، بفتح الميم، والواو، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (ماه) فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي؛ قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره على مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار وديار، وقيمة وقيم، ومثله قولهم: سوط وسياط، وحوض وحياض، وثور وثيرة.
﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ:﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] أو [٥/ ١٤]. ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: نبت كل صنف من النبات.
والمعنى: إظهار القدرة، وبيانها في إنبات الأنواع المختلفة بماء واحد، كما في قوله تعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ﴾ أي: من النبات، أو من الماء. ﴿خَضِراً﴾ أي: شيئا خضرا، أي: غضّا طريّا. ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: من الخضر المذكور، والتعبير بالمضارع مع أن المقام للماضي لاستحضاره الصورة الغريبة. انتهى جمل نقلا من أبي السعود. ﴿حَبًّا مُتَراكِباً:﴾ يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة، ونحوها. ﴿قِنْوانٌ:﴾
جمع: قنو، وهو من النخل كالعنقود من العنب. هذا؛ ويقرأ بتثليث القاف، وجمع أيضا على:
أقناء، وقنيان بضم القاف، وكسرها. هذا؛ وصنوان مثل: قنوان جمعا، ولغة كما ستعرفه إن شاء الله في سورة (الرعد) والمعنى: وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان. والطلع: أول ما يخرج من العرجون، ثم يصير قنوا. ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان. وانظر ما ذكرته في
стр. 1768
الآية رقم [٧٦]. ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ:﴾ بعض ذلك الثمر متشابه، وبعضه غير متشابه في الهيئة، والقدر، والطعم، واللون. ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ﴾ أي: ثمر كل واحد مما ذكر. ﴿إِذا أَثْمَرَ:﴾ إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلا، لا يكاد ينتفع به. هذا؛ وثمر جمع: ثمرة، مثل: بقرة، وبقر، وجمع الجمع: ثمار. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: وإلى حال نضجه، كيف يعود ضخما ذا نفع، ولذة، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت. وقيل: جمع: يانع، كتاجر، وتجر. وقرئ بالضم، وهو لغة فيه، وقرئ «(يانعة)». ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ:﴾ الإشارة، إلى جميع ما ذكر من قوله: ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى..﴾. إلى هنا. ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ لدلالات على وجود القادر الحكيم، وتوحيده، فإن حدوث الأجناس المختلفة، والأنواع المتفننة من أصل واحد، ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها، ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه، وضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به، والرد عليه، وهو ما في الآية التالية. هذا؛ وخص المؤمنون بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بهذه الآيات دون غيرهم.
الإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ صلة الموصول، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿ماءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مستأنفة لا محل لها، ولا يصح عطفها على جملة الصلة لاختلاف الفاعلين في الغيبة، والتكلم.
وجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً﴾ في محل نصب صفة: ﴿خَضِراً﴾. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ طَلْعِها:﴾ بدل مما قبلهما بدل بعض من كل. ﴿قِنْوانٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿دانِيَةٌ:﴾ صفة:
﴿قِنْوانٌ،﴾ وذكر أبو البقاء وجوها لا طائل تحتها. ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ معطوف على: ﴿حَبًّا﴾. وقيل:
على: ﴿نَباتَ،﴾ كما قيل على: ﴿خَضِراً،﴾ فتكون الجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين، و (جنات) منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنْ أَعْنابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: «(جنات)». هذا؛ وقد قرئ برفع: «(جنات)» على اعتباره مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ولكم، أو: ثم جنات، أو: من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على:
﴿قِنْوانٌ؛﴾ إذ العنب لا يخرج من النخل. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ:﴾ معطوفان على: ﴿نَباتَ،﴾ أو على: (جنات...) إلخ، وقال البيضاوي: أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم. انتهى.. ﴿مُشْتَبِهاً:﴾ حال من: (الرمان)، أو من الجميع. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (غير) مضاف، و ﴿مُتَشابِهٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿اُنْظُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون.
والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى ثَمَرِهِ:﴾
стр. 1769
متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿أَثْمَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:
﴿ثَمَرِهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذا﴾ شرطية؛ فيكون جوابها محذوفا، والأول أولى. ﴿وَيَنْعِهِ:﴾ معطوف على: ﴿ثَمَرِهِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب... إلخ.
﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.
﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾
الشرح: ﴿لِلّهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ أي: الملائكة بأن عبدوهم، وقالوا:
الملائكة بنات الله، سماهم الله جنّا لاجتنانهم، تحقيرا لشأنهم، أو المراد: الشياطين؛ لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى. وانظر: ﴿الْجِنَّ﴾ في الآية رقم [٧٦]. ﴿وَخَلَقَهُمْ:﴾ المعنى: وقد علموا: أن الله خلقهم لا الجن. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: اختلقوا، وافتروا، وقرئ بتشديد الراء، وتخفيفها، كما قرئ: «(وحرفوا)» أي: زوروا، وواو الجماعة تشمل اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، فاليهود قالوا: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: عيسى ابن الله، والعرب قالوا: الملائكة بنات الله من غير علم بذلك، ولا حجة، ولا برهان عليه.
﴿سُبْحانَهُ:﴾ اسم مصدر. وقيل: مصدر مثل غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل: «سبح» بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح. ولا يكاد يستعمل إلا مضافا، منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]
قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر؟
وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا وعليه الصلاة والسّلام-: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال ذو النون-﵇: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته بنفسه تنزيها لائقا به. ﴿وَتَعالى:﴾ تعاظم، ومضارعه: يتعالى، مثل: يتعاظم، ولا أمر له.
﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: يصفون الله، بأن له ولدا. هذا؛ وانظر شرح: ﴿شُرَكاءَ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) وشرح: (غير) في سورة (الفاتحة)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 1770
الإعراب: (جعلوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم. ﴿شُرَكاءَ:﴾ مفعول به أول تأخر. ﴿الْجِنَّ:﴾ بدل منه. هذا؛ وجه للإعراب. هذا؛ ويقرأ برفع «(الجن)» على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الجن، وهذا؛ وجه ثان. والوجه الثالث: ﴿شُرَكاءَ،﴾ مفعول ثان تقدم.
﴿الْجِنَّ:﴾ مفعول أول تأخر، والجار والمجرور: ﴿لِلّهِ﴾ متعلقان ب ﴿شُرَكاءَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة. وجملة: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، وهي على تقدير: «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير. وقيل:
الجملة مستأنفة، والأول أقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بَنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. (بنات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: (خرقوا). وقيل:
متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: خرقوا له خرقا كائنا بغير علم، والأول أقوى.
﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها. وهذا عند الخليل، وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى. ﴿وَتَعالى:﴾ فعل ماض معطوف على فعل اسم المصدر المحذوف مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، والجملة الفعلية لا محل لها مثل الجملة المقدرة. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى الله عن وصفهم. تأمل، وتدبر.
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿بَدِيعُ:﴾ مبدع بمعنى: موجد السموات والأرض على غير مثال سبق، وانظر الآية رقم [١]. ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ:﴾ من أين، أو كيف يكون له ولد. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أي:
زوجة يكون له منها الولد. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: من شأنه أن يخلق في هذه الدنيا. وانظر
стр. 1771
شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عليه خافية. وفي الآية الكريمة استدلال على نفي الولد من وجوه.
الأول: أن من مبدعاته السموات، والأرضين، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها، وطول مدتها، فهو أولى بأن يتعالى عنها.
الثاني: أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين، والله تعالى منزه عن المجانسة.
الثالث: أن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له تعالى لوجهين:
الأول: أن كل ما عداه مخلوقه، فلا يكافئه. الثاني: أنه لذاته عالم بكل المعلومات، ولا كذلك غيره بالإجماع. انتهى بيضاوي.
الإعراب: ﴿بَدِيعُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو بديع. وقيل: هو مبتدأ خبره ما بعده.
وقيل: هو فاعل للفعل (تعالى). وأقواها الأول، وأضعفها الثالث. و ﴿بَدِيعُ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وقيل: من إضافة الصفة المشبهة.
والأول أقوى. انظر الشرح، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده، وهو مفيد للإنكار، وهذا على اعتباره بمعنى: «كيف» وأما على اعتباره ظرفا بمعنى: «من أين» فهو مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بما بعده. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر، وإن اعتبرت يكون تامّا؛ ف: ﴿وَلَدٌ﴾ فاعله، و ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿وَلَدٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا أحسن. تأمل. والجملة الفعلية: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، كما رأيت. والأول أقوى. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿صاحِبَةٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب ﴿لَهُ﴾ والرابط:
الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال ثانية، و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال ثالثة، فتكون الحال قد تكررت؛ وهي جملة.
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿ذلِكُمُ:﴾ الإشارة إلى الموصوف بما ذكر من الصفات. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: في
стр. 1772
هذا الكون، وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿فَاعْبُدُوهُ،﴾ فوحدوه، وأخلصوا له العبادة، وهي غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السجود لغيره تعالى. هذا؛ وقد قيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿وَكِيلٌ:﴾ حفيظ، ومتولي جميع أمور خلقه الذين أنتم من جملتهم، ففوضوا أموركم إليه، واقصروا عبادتكم عليه. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾
خبر ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول كونه بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من: ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. تأمل. والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثالث. ﴿خالِقُ:﴾ خبر رابع، وهو مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿كُلِّ:﴾
مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. خذ هذا، وقد جوز اعتبار لفظ الجلالة خبرا واحدا، وما بعده بدل منه، كما جوز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من اسم الإشارة، والخبر ما بعده. ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾
الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان ذلك حاصلا فاعبدوه.
(اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر كما رأيت، وانظر الآية رقم [٣٥]. والجملة الاسمية:
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.
﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ أي: لا تراه الأبصار. وقيل: معناه لا تحيط به الأبصار. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ:﴾ يرى الأبصار، ولا تراه. ﴿اللَّطِيفُ﴾ أي:
بأوليائه، وأحبابه. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بهم، وبأعمالهم.
تنبيه: قال الخازن: قال جمهور المفسرين: معنى الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء، وحقيقته.
والأبصار ترى الباري ﷻ ، ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه، ولا تحيط به، وقال سعيد بن المسيب في تفسير قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ لا تحيط به الأبصار.
وقال ابن عباس-﵄-كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة. وقد تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع، وهم الخوارج، والمعتزلة، وبعض المرجئة، وقالوا: إن الله تبارك
стр. 1773
وتعالى لا يراه أحد من خلقه، وإن رؤيته مستحيلة عقلا؛ لأن الله أخبر: أن الأبصار لا تدركه، وإدراك البصر عبارة عن الرؤية؛ إذ لا فرق بين قوله: أدركته ببصري، ورأيته ببصري، فثبت بذلك أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ بمعنى: لا تراه الأبصار، وهذا يفيد العموم.
ومذهب أهل السنّة: أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة، وفي الجنة، وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا، واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتّاب، والسنّة والإجماع من الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله ﵎ للمؤمنين في الآخرة، قال الله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة إلى غير ذلك من الآيات، والأحاديث. انتهى جمل منقولا عن الخازن بحروفه. وبقي فيه كلام كثير.
أقول: يبقى تأويل الآية الكريمة على استحالة رؤية الله في الدنيا.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُدْرِكُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿يُدْرِكُ:﴾
مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْأَبْصارُ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير الواقع مبتدأ، وهو أولى من العطف على ما قبلها. والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿جاءَكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بَصائِرُ:﴾ جمع بصيرة، وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها الدلالة؛ لأنها تجلى لها الحق، وتبصرها به.
وقال النسفي: البصيرة نور القلب الذي يستبصر به القلب، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ:﴾ الحق، وآمن به.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: أبصر، وإياها نفع. ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ أي: عن الحق، وضل سواء السبيل.
﴿فَعَلَيْها﴾ أي: فعلى نفسه وبال إضلاله. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ، والرقيب عليكم، يحفظ أعمالكم، ويجازيكم عليها. وهذا كلام ورد على لسان رسول الله ﷺ ، وحكاه الله عنه.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿بَصائِرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾
стр. 1774
متعلقان ب ﴿بَصائِرُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَبْصَرَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لنفسه):
متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالإبصار لنفسه، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٩]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة بعده صلته، والجملة الاسمية المقدرة في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره لشبه الموصول بالشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مفرعة عما قبلها لا محل لها، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها كإعرابها، والتقدير: ومن عمي فالعمى عليها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس».
﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما.
﴿بِحَفِيظٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (حفيظ): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء قد زيدت في خبره، ولكن الأول أعرف، وأشهر. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي: ومثل ذلك التصريف، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة. من: الصرف، وهو: نقل الشيء من حال إلى حال. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أي: قرأت كتب الماضين، وجئت بهذا منها. ويقرأ: «(دارست)» أي: أهل الكتاب، وذاكرتهم. والدرس: القراءة، والتعلم، ويقرأ أيضا بقراءات كثيرة وصلت إلى ثلاث عشرة قراءة، ثلاث منها سبعيات، وسائرهن شاذات. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ:﴾ الضمير ل ﴿الْآياتِ﴾ باعتبار المعنى، أي بتأويلها بالكتاب، أو للقرآن، وإن لم يذكر؛ لكونه معلوما، أو للمصدر، أي: للتبيين، والتصريف. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ:﴾ خصهم سبحانه بالذكر لعلهم يعملون بما يعلمون، وانظر الفرق بين ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [٩٨] وانظر: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠] و (نا) في الآية رقم [٦] (الأعراف).
الإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نصرف الآيات تصريفا كائنا مثل ذلك التصريف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥]. ﴿نُصَرِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه
стр. 1775
جمع مؤنث سالم. (ليقولوا): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، التقدير: ليعتبروا، وليقولوا. هذا؛ ويسمي الكوفيون اللام: لام العاقبة، ولام الصيرورة. ﴿دَرَسْتَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (لنبينه):
إعراب هذا الفعل مثل سابقه، والمؤول معطوف، وتقدير هذه المعطوفات: نصرف الآيات للاعتبار، ولقولهم، وللتبيين. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف للتعميم في محل جر صفة: (قوم)، تأمل، وتدبر وربك أعلم وأجل، وأكرم.
﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ:﴾ هذا أمر للنبي ﷺ بالثبات على الإيمان، والتمسك بما يوحى إليه من آيات القرآن، وأمر له بالإعراض عن المشركين، وبعدم الاعتداد بهم، وبأباطيلهم.
وهذا قبل الأمر بقتالهم، فالآية محكمة. وقيل: بل هي منسوخة بآية القتال، وإذا علمت: أن الآية مكية، فالأول هو المعتمد. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣] وانظر (الوحي) في الآية رقم [٤/ ١٦٣] فإنه جيد.
الإعراب: ﴿اِتَّبِعْ:﴾ أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة:
﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: اتبع إيحاءنا إليك. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٢]. وهي معترضة بين المتعاطفين، أو هي في محل نصب حال من: ﴿رَبِّكَ﴾ بمعنى منفردا، والأول أقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء والثانية بالإتباع، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ:﴾ توحيدهم، وعدم إشراكهم. ﴿ما أَشْرَكُوا:﴾ ما عبدوا الحجارة، والأوثان. وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى، خلافا للمعتزلة في قولهم: لم يرد الله من أحد الشرك، وينبغي أن تعلم: أن الإرادة غير الرضا، وانظر: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨] وانظر (الإرادة) في الآية رقم [٥/ ٤١]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿حَفِيظاً:﴾ رقيبا،
стр. 1776
وانظر الآية رقم [١٠٤]. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ تقوم بأمورهم، وتتولى شئونهم. هذا؛ وعند التأمل يظهر لك: أن معنى الجملتين واحد، فمعنى الثانية مؤكد لمعنى الأولى. وهذا قبل الأمر بقتال المشركين، كما في الآية السابقة.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. والمفعول محذوف كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَشْرَكُوا:﴾
فعل، وفاعل. والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، والأولى لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جَعَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حَفِيظاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها، أو هي مستأنفة لا محل لها ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ في الآية رقم [١٠٤] بلا فارق. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، ولا تنس: أن مفعول ﴿حَفِيظاً﴾ محذوف؛ لأنه ينصب المفعول كفعله: (حفظ، يحفظ) وتقديره: (أعمالهم) ونحوه. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأعظم.
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: ولا تذكروا آلهة المشركين التي يعبدونها بما فيها من القبائح. ﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: اعتداء، وتجاوزا عن الحق إلى الباطل. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: على جهالة بالله، وبما يجب أن يذكر به من تقديس، وثناء، وشكر.
﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: من الخير، والشر بإحداث ما يمكنهم منه، ويحملهم عليه توفيقا، وتخذيلا، والمعنى: زينا لهؤلاء الكفارة عملهم، كما زينا لكل أمة عملهم، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] و ﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ٦٦] والآية [٣٨]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣]. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٢]. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٥] وانظر: ﴿دُونِ﴾ في الآية [٧/ ٣] و (غير) في سورة (الفاتحة).
تنبيه: روي: أن النبي ﷺ كان يطعن في آلهة المشركين، فقالوا له: لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون إلهك، فنزلت الآية الكريمة. وقيل: كان المسلمون يسبونها، فنهوا عن ذلك؛ لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى. وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة؛ وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشر شر. انتهى بيضاوي.
стр. 1777
وقيل: لما نزلت هذه الآية؛ قال النبي ﷺ : «لا تسبوا آلهتهم؛ فيسبوا ربكم». فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم. فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقتها النهي عن سب الله تعالى؛ لأنه سبب لذلك. انتهى خازن.
أقول: ومن هذا القبيل ما يفعله كثير من الناس من سب آباء غيرهم، فيردون لهم الكيل كيلين، والصاع صاعين، أي: فيسبون آباءهم، وأمهاتهم، وأجدادهم. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه».
قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه، فيسبّ أمّه». رواه البخاري، ومسلم.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَسُبُّوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة بعده صلته، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، أو من الموصول نفسه، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَيَسُبُّوا:﴾ مضارع مجزوم، أو منصوب، فالأول بالعطف على السابق، والثاني، بإضمار: «أن» على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون
إلخ، وعلى الاعتبار الثاني تؤول «أن» المضمرة مع الفعل المضارع بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم سبّ للذين يدعون.. فيسبوا الله ظلما... إلخ. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَدْواً:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مفعول لأجله، والثاني: هو مفعول مطلق من غير لفظ الفعل؛ لأن السب عدوان في المعنى. والثالث:
مصدر في موضع الحال، أي: معتدين. هذا؛ ويقرأ بضم العين، والدال، وتشديد الواو، فيكون مصدرا على «فعول» كالقعود، والجلوس، ويقرأ: «(عدوا)» بفتح العين، وتشديد الواو على أنه حال. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال، أي: جهلا منهم بالله، و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ:﴾
مضاف إليه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: زينا لهؤلاء أعمالهم تزيينا كائنا مثل تزييننا لكل أمة عملهم، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥] واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿زَيَّنّا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَمَلَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَرْجِعُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها لا محل لها مثلها. (ينبئهم): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء
стр. 1778
مفعول به. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٥/ ١٤]: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فإنه مثله بلا فارق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وأعني: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة كما تراه في إعلال: (يصيب) في الآية رقم [١٢٤] الآتية. هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي فإنه بمعنى: جزأ، وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر وصل. ﴿بِاللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ غاية اجتهادهم فيها، وذلك: أنهم كانوا يقسمون بآلهتهم، وآبائهم، فإذا كان الأمر عظيما؛ أقسموا بالله. و (الجهد) بفتح الجيم: المشقة، وبضمها: الطاقة وانظر الآية رقم [٥/ ٥٣] وانظر: ﴿الْأَيْمانَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٨٩]. ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ:﴾
انظر الآية رقم [٤] ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها:﴾ ليصدقن بها. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ينزلها كما يشاء، وإذا كانت بمعنى المعجزات، فيظهرها الله على يد الرسول ﷺ في الوقت الذي يريده. ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ:﴾ وما يدريكم، ويعلمكم. وانظر رقم [٢٦].
﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ..﴾. إلخ: يقرأ بفتح الهمزة وكسرها، وقد ذكر ابن هشام الآية في مغنيه، ونقل فيها أقوال العلماء الأعلام، مثل الخليل، والفارسي، والزجاج، والنحاس، سألخصه في الإعراب إن شاء الله تعالى. هذا؛ والمراد بالعندية في هذه الآية: أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره، فهي في حكمه، وقضائه، لا تتعلق بها قدرة أحد بوجه من الوجوه.
الإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ (أقسموا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا)، وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و ﴿جَهْدَ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾
مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث والهاء مفعول به. ﴿آيَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يؤمنن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون للتوكيد حرف لا محل له. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية:
стр. 1779
﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما ما لم يتقدم عليهما ما يحتاج إلى خبر، فيصح أن يكون الجواب للشرط المتأخر، وأن يكون جوابا للقسم، والمرجح أن يكون للشرط مطلقا». قال ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
وإن تواليا وقبل ذو خبر... فالشّرط رجّح مطلقا بلا حذر
وربّما رجّح بعد قسم... شرط بلا ذي خبر مقدّم
هذا؛ والقسم المحذوف، وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف كل ذلك جواب لقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ وهذا القسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْآياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾
الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿يُشْعِرُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما)، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: بإيمانهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿الْآياتُ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها جواب: ﴿إِذا،﴾ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء على الخطاب، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: (أنّ)، والجملة الاسمية (إنها... إلخ) مفيدة للتعليل، وهذا على قراءة «(إنها)» بكسر الهمزة. هذا؛ وأما على قراءتها بفتح الهمزة، ففيها اعتبارات كثيرة.
أظهرها: أنها بمعنى «لعلّ» حكى الخليل: (ائت السوق أنّك تشتري لنا منه شيئا) أي:
لعلك، فهذا من كلام العرب، كما حكاه الخليل شاهدا على كون (أنّ) بمعنى (لعل) ويدل على ذلك أنها في مصحف أبي، وقراءته: (وما أدراكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون) ونقل عنه: (وما يشعركم لعلها إذا جاءت) ورجحوا ذلك بأن «لعل» قد كثر ورودها في مثل هذا التركيب، كقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ و ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾.
الثاني أن تكون (لا) مزيدة، وهذا رأي الفراء، وشيخه، قال: ومثله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم: أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا.
стр. 1780
الثالث: أن (ما) حرف نفي، يعني: أنه نفى شعورهم بذلك، وعلى هذا فليطلب ل: ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ فاعل، فقيل: هو ضمير الله تعالى، أضمر للدلالة عليه. انتهى. وهذا كلام مستأنف من جهته تعالى لبيان الحكمة الداعية إلى ما أشعر به الجواب السابق، من عدم مجيء الآيات، خوطب به المسلمون فقط، أو مع النبي انتهى جمل نقلا عن السمين، وعن أبي السعود.
أقول: وعلى قراءة فتح الهمزة تؤول مع مدخولها بمصدر، وهذا المصدر في محل جر بحرف جر محذوف. قال ابن هشام: وقال قوم: (أنّ) مؤكدة، والكلام فيمن حكم بكفرهم، ويئس من إيمانهم، والآية عذر للمؤمنين؛ أي: أنكم معذورون؛ لأنكم لا تعلمون ما سبق به القضاء من أنهم لا يؤمنون حينئذ.
وقيل: التقدير: لأنهم، واللام متعلقة بمحذوف، أي: لأنهم لا يؤمنون امتنعنا من الإتيان بها، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. واختاره الفارسي. واعلم أن مفعول: ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ الثاني على هذا القول، وعلى القول بأنها بمعنى: «لعل» محذوف، أي: إيمانهم. وعلى بقية الأقوال (أنّ) وصلتها. انتهى مغنى بتصرف. وقد أطلت عليك الكلام حبّا في الإفادة. تأمل، وربك أعلم.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني: ونحول بينهم وبين الإيمان. إذ التقليب تحويل الشيء، وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر؛ لأن الله تعالى إذا صرف القلوب، والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر. وانظر الآية رقم [٢/ ١٤٤]. هذا؛ والأفئدة هي القلوب. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ:﴾ والمعنى: يصرفون عن التوحيد، والإيمان، كما صرفوا عن التصديق بالآيات التي رأوها أولا مثل انشقاق القمر ونحوه. إذا المراد بالآيات:
المعجزات التي اقترحوها على الرسول ﷺ . ﴿وَنَذَرُهُمْ:﴾ نتركهم. وانظر الآية رقم [٧/ ٧٠].
﴿طُغْيانِهِمْ:﴾ الطغيان: تجاوز الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.
﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، والعمه: التحير، والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وانظر (نا) في الآية رقم [٥/ ٣٢] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: (نقلب): مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، ويقرأ بياء المضارعة فيكون تقدير الفاعل هو يعود إلى (الله)، ويقرأ بتاء المضارع المضمومة على أنه مبني للمجهول، ورفع
стр. 1781
﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾ على أنه نائب فاعله، وعلى الأولين هو مفعول به. ﴿وَأَبْصارَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوَّلَ:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: نقلب أفئدتهم، وأبصارهم تقليبا كائنا مثل صرفهم عن الإيمان بما تقدم من المعجزات. والجملة الفعلية: ﴿وَنُقَلِّبُ..﴾. إلخ معطوفة على قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، والأول أقوى. (نذرهم): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، وبالياء تقديره هو يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن (نذر) بمعنى نترك، وهو من أفعال التحويل، والتصيير. هذا؛ ويجوز أن يكون: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف مفعول به ثان، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به.
وأرى: أنها في محل نصب من تعدد المفعول الثاني. وانظر مثل هذا في الآية رقم [٢/ ١٥] والجملة الفعلية: ﴿وَنَذَرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ:﴾ الضمير المجرور يعود إلى كفار قريش، ومن على شاكلتهم من كفار العرب، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] و ﴿نَزَّلْنا﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٩].
﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٣٠]. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ أي: بأن يقول لهم الأموات، بعد إحيائهم: آمنوا بالقرآن وبمحمد ﷺ لما آمنوا، وانظر الكلام في الآية رقم [٢/ ٧٣] أو [٧/ ١٤٣]. فإنه جيد. والموتى جمع ميت. وانظر الآية رقم [٩٥]. ﴿وَحَشَرْنا:﴾ جمعنا، وبعثنا لهم. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿قُبُلاً:﴾ بضم القاف، والباء جمع: قبيل، وهو الفوج والجماعة من الناس.
هذا؛ ويقرأ بكسر القاف، وفتح الباء، فهو بمعنى المعاينة، والمشاهدة. هذا؛ والآية تشير إلى الأمور التي طلبها المشركون من النبي المعظم ﷺ ، وذكرها الله في قوله حكاية عنهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ،﴾ و ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ و ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ فيبين الله في هذه الآية: أنهم لو أعطوا ما سألوا؛ لا يؤمنون إلا بمشيئته، وإرادته. هذا؛ وانظر الإيمان في الآية رقم [٥/ ٩٣] وانظر:
﴿يَشاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنهم لم أعطوا كل ما طلبوه من الآيات؛
стр. 1782
لم يؤمنوا؛ لأن الإيمان ليس بمشيئتهم، وإرادتهم، وإنما هو بمشيئة الله، وأيضا الكفر بمشيئته، فمن شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر. هذا؛ وانظر الجهل، والجاهل في الآية رقم [٣٥].
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿أَنَّنا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو ثبت إنزالنا الملائكة. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف، التقدير: ولو إنزالنا ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح. وانظر بقية الكلام في الآية رقم [٥٨]. والجملة الفعلية: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿قُبُلاً:﴾
حال من: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾. وقيل: هو ظرف. والأول أقوى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿لِيُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانُوا﴾ التقدير: ما كانوا مريدين للإيمان، والجملة الفعلية: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهل الاستثناء متصل، أو منقطع؟ خلاف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَجْهَلُونَ﴾ في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية هذه معطوفة على جملة:
﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ..﴾. إلخ: المعنى: كما جعلنا لك أعداء من قومك، أو من غيرهم؛ جعلنا لكل نبي بعث قبلك إلى قومه أعداء من شياطين الإنس، والجن. ﴿نَبِيٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٨١]. ﴿عَدُوًّا:﴾ العدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: «هذه عدوة الله». قال تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقال حكاية عن قول إبراهيم-﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط،
стр. 1783
والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. ﴿شَياطِينَ:﴾ جمع: شيطان، انظر الاستعاذة. ﴿الْإِنْسِ:﴾
البشر، الواحد إنسي بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي أناس، وأناسي، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ ويقال أيضا: أناسية، مثل: صيارفة، وصياقلة. هذا؛ وسمي بنو آدم إنسا لظهورهم، ولأنهم يؤنسون، أي يبصرون، كما سمي الجنّ جنّا لاجتنانهم، كما رأيت في الآية رقم [٧٦]. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، كما رأيت في الآية رقم [٩١]. هذا؛ وتطلق كلمة (الإنسان) على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثلها كلمة: (شخص) قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. ومعلوم: أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في:
«الإنسان» إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في السورة الكريمة. هذا؛ وإنسان العين هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ:﴾ يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، أو بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ أي: الأباطيل المموهة، من: زخرفه: إذا زينه للناظرين، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿رَبُّكَ:﴾
انظر الفاتحة رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وانظر الآية رقم [٧/ ١٨٦]. ﴿يَفْتَرُونَ:﴾
يختلقون من الكفر، وغيره مما زين لهم. وهذا قبل الأمر بالقتال.
تنبيه: الآية الكريمة صريحة في أنه يوجد شياطين من بني آدم في ثياب البشر، وقد ذكرت لك في الاستعاذة: أن كلمة الشيطان تطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم، من الإنس، والجن، والحيوان، وهذا هو قول ابن عباس-﵄-في رواية عطاء عنه، وهو قول مجاهد، وقتادة، قالوا: وشياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن؛ لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح، وأعياه أمره؛ استعان على إغوائه بشيطان الإنس؛ ليفتنه. ويدل على صحة هذا القول ما رواه أبو ذر-﵁-قال: قال لي رسول الله ﷺ : «هل تعوّذت بالله من شيطان الجنّ، والإنس؟». قلت: يا رسول الله! وهل للإنس شيطان؟ قال: «نعم شرّ من شياطين الجنّ». ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري.
وقال مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجرني إلى المعاصي. انتهى خازن بتصرف بسيط.
أقول: وكما يوجد شياطين من الإنس في ثياب البشر يوجد كلاب، وحيات، وعقارب، وحشرات على اختلاف أنواعها من الإنس في ثياب البشر، والذي يعامل الناس في هذه الأيام، ويخالطهم؛ فإنه يفضل الكلاب، وما ذكرته على كثير منهم. ولولا الإطالة عليك؛ لذكرت لك
стр. 1784
الكثير من الأشعار والأقوال المأثورة في هذا الصدد. ولا تنس أخيرا: أن الآية صريحة في أن ما يفعله الكافر، والعاصي، والفاسد، والمفسد إنما هو بمشيئة الله، فهنيئا لمن لم يشأ الله له الضلالة، والمعاصي، والفساد، وويل، ثم ويل، ثم ويل، لمن شاء الله له شيئا من ذلك.
اللهم تولني بعنايتك، واحفظني من شر شياطين الإنس، والجن، ولا تشأ لي ما يبعدني عن رحاب جودك، وكرمك، وإحسانك، واجعل توسلي هذا شاملا لعقبي، ولإخواني، ولجميع المسلمين، واغفر لي ما قدمت من سيئات في حياتي، واغفر لوالدي، ولجميع المؤمنين والمؤمنات؛ فإنك خير مسئول، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله ما بعده، التقدير: جعلنا لكل نبي... إلخ. جعلا كائنا مثل الجعل الذي جعلناه لك من عداوة قومك لك، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥]. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. وانظر إعراب:
﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول، وهو ﴿عَدُوًّا﴾. ﴿شَياطِينَ:﴾ بدل من: ﴿عَدُوًّا،﴾ وبعضهم أعرب ﴿عَدُوًّا﴾ مفعولا ثانيا مقدما، و ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالا منه قدم عليه على القاعدة: «نعت النكرة، إذا تقدم عليها يعرب حالا».
و ﴿شَياطِينَ:﴾ مفعولا أول مؤخرا، وأعرب الزمخشري، وأبو البقاء، والحوفي: ﴿شَياطِينَ﴾ مفعولا أول، والثاني ﴿عَدُوًّا،﴾ و ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالا من: ﴿عَدُوًّا﴾ لأنه صفته في الأصل انتهى جمل. و ﴿شَياطِينَ:﴾ مضاف، و ﴿الْإِنْسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْجِنِّ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿يُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿زُخْرُفَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْقَوْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿غُرُوراً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال، بمعنى: غارين، والجملة الفعلية: ﴿يُوحِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (الشياطين)، وجوز اعتبارها صفة: ﴿عَدُوًّا﴾. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧]. و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ذرهم): أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا تفترونه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، التقدير:
فذرهم، وافتراءهم. هذا؛ وجوز اعتبار الواو للمعية، فتكون: ﴿ما﴾ على الاعتبارين الأولين في محل نصب مفعول معه، وعلى الاعتبار الثالث يكون المصدر المسبوك منها، ومن الفعل في
стр. 1785
محل نصب مفعول معه، والجملة الفعلية: ﴿فَذَرْهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فذرهم... إلخ.
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلِتَصْغى:﴾ تميل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ وأصغى إليه: مال بسمعه نحوه، وأصغى الإناء: أماله، وبابه، نصر، ورمى، وصدي، والضمير يعود إلى ما عاد إليه الضمير في: ﴿فَعَلُوهُ﴾ وهو زخرفة القول، وما نتج عنه من الاغترار، والخداع. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٣]. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا:﴾ وليكتسبوا من الآثام، والسيئات. ﴿مُقْتَرِفُونَ:﴾
مكتسبون من الأعمال الخبيثة.
الإعراب: (لتصغى): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَفْئِدَةُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، والجملة الفعلية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على قوله: ﴿غُرُوراً﴾ لأن اللام مفيدة لمعناه، ويكون ما بينهما كلاما معترضا، ولكن لما كان المفعول الأول مستكملا لشروط النصب؛ نصب، وهذا فات فيه شرط النصب، وهو صريح المصدرية، واتحاد الفاعل، فإن فاعل الوحي ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وفاعل الإصغاء (الأفئدة) فلذا وصل الفعل بحرف العلة. انتهى جمل نقلا عن الكرخي. وقال ابن الأنباري: اللام متعلقة بفعل مضمر معناه: وفعلنا بهم ذلك؛ لكي تصغى إلى الباطل أفئدة... إلخ. وقال غيره: اللام متعلقة ب ﴿يُوحِي﴾. وقيل: اللام لام القسم، وكسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون، وهذا القول عزاه ابن هشام في مغنيه لأبي الحسن الأخفش، وقال: وافقه أبو علي الفارسي على ذلك، وانظر الكلام على الشاهد (٣٧٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ففيه الكفاية. والمعتمد الأول من هذه الأقوال، وقول ابن الأنباري لا بأس به. وانظر الآية [٩/ ٦٢]. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل لهما، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما، وتقدير الكلام:
للإصغاء، وللإرضاء، وللاقتراف. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿مُقْتَرِفُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون
стр. 1786
عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيئا هم مقترفونه، أو: له.
﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾
الشرح: ﴿أَبْتَغِي:﴾ أطلب. ﴿حَكَماً:﴾ حاكما يحكم بيني، وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل. هذا؛ وحكم أبلغ من حاكم، فلذا لا يوصف به غير العادل؛ لأن الحاكم من شأنه أن يحكم، والحكم أهل أن يتحاكم إليه. ﴿أَنْزَلَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿مُفَصَّلاً:﴾ مبينا فيه الحق والباطل، بحيث ينفي التخليط، والالتباس، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه، وتقريره مغن عن سائر الكتب.
﴿آتَيْناهُمُ:﴾ أعطيناهم. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵊. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) ورقم [٧/ ٣].
﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧] والمراد بالذين يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بالحق:
عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقيل: بل المراد جميع اليهود، وإنما وصف جميعهم بالعلم؛ لأن أكثرهم يعلمون، ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمل. انتهى بيضاوي بتصرف. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ الشاكين في أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون: أنه منزل من ربك بالحق. هذا؛ وقد قيل: إن هذا الخطاب غير ملائم بحسب الظاهر؛ لأن النهي المذكور محال في حقه ﷺ .
وحاصل الجواب: أن متعلق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقية القرآن. وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنه من باب التهييج، والتحريض على الأمر. والثالث: أن الخطاب له ﷺ ، لكن المقصود الغير. انتهى جمل بتصرف.
أقول: أو أنه على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنه من المحال أن يشك النبي ﷺ في شيء، أو يبني شيئا من أموره على الشك. وانظر الآية رقم [٢/ ١٤٧]. هذا؛ وقد كان المشركون يقولون للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما. فأمره الله أن يجيبهم بما في الآية الكريمة من جواب.
الإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف.
(غير): مفعول به مقدم، و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْتَغِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿حَكَماً:﴾ حال، أو تمييز ل (غير). ذكره الحوفي، وأبو البقاء، وابن عطية. هذا؛ وجوز اعتبار (غير) حالا من:
﴿حَكَماً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وانظر الآية رقم [١٦٤] الآتية. فيكون:
﴿حَكَماً﴾ مفعولا به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي﴾ معطوفة على مقدر يقتضيه الكلام،
стр. 1787
والكلام كله مقول لقول محذوف، التقدير: قل لهم يا محمد: أأميل إلى زخارف الشياطين، فأبتغي حكما؟! انتهى. أبو السعود بتصرف، والناقل الجمل. ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، والعائد: رجوع الفاعل إلى الموصول، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مُفَصَّلاً:﴾ حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُنَزَّلٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُنَزَّلٌ﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مُنَزَّلٌ﴾ وأن، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها غير داخلة في مقول المقدر. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فلا تكونن... إلخ، وانظر الآية رقم [٣٥]. والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف فيما يظهر، لا محل له.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ..﴾. إلخ: يقرأ بالإفراد، والجمع، فمن قرأ بالإفراد؛ قال: الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة. إذا كانت مضبوطة بضابط واحد، ومعنى تمامها: بلوغها الغاية في الأخبار، والأحكام، والمواعيد. ﴿صِدْقاً:﴾ في الأخبار، والمواعيد. ﴿وَعَدْلاً:﴾ في الأقضية، والأحكام، والشهادة. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ:﴾ لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق، وأعدل، أو لا أحد يقدر أن يحرفها، كما فعل بالتوراة، وغيرها، والمراد بكلمات الله: قرآنه الذي أنزله، وتولى حفظه ورعايته، كما قال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. ﴿السَّمِيعُ:﴾ لما يقولون. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بما يضمرون من الكيد، والخداع، فلا يهملهم. هذا؛ وانظر: ﴿لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أيضا في الآية رقم [٣٤].
تنبيه: (كلمت) فيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، والثانية:
стр. 1788
كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو:
فخذ، وشهد. وهي في الأصل قول مفرد، مثل محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: [الطويل]
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل»
المراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها: كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث. وانظر شرح الكلام في الآية [٧/ ١٤٣].
الإعراب: (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، و ﴿كَلِمَةُ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿صِدْقاً:﴾ يحتمل المفعول لأجله، والحال، والتمييز. ﴿وَعَدْلاً:﴾ معطوف على سابقه. ﴿لا:﴾
نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب.
﴿لِكَلِماتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر: ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا﴾ فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُبَدِّلَ﴾ لأنه اسم فاعل، أو بمحذوف صفة له. والثاني أقوى، وعليهما فخبر: ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: موجود، أو حاصل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، وجوز اعتبارها في محل نصب حال من: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ،﴾ وقد أغنى الظاهر عن الضمير، أي: الذي يربط الحال بصاحبها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ مستأنفة مقوية لمعنى الكلام السابق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أكثر الناس، يريد الكفار، والجهال، وأتباع الأهواء الفاسدة. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾ يبعدوك. وانظر: ﴿وَضَلَّ﴾ في الآية رقم [٢٤]. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه، ومنهاجه القويم، وصراطه المستقيم، وانظر: ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦].
﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ،﴾ وهو ظنهم: أن آباءهم كانوا على الحق، وأن أصنامهم ستشفع لهم، وتنفعهم، أو هم يتبعون جهالتهم، وآراءهم الفاسدة. فإن الظن يطلق على ما يقابل العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ:﴾ يكذبون على الله فيما ينسبون إليه، كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر، وغير ذلك. أو يقدرون: أنهم
стр. 1789
على شيء. وحقيقة الخرص ما يقال من ظن، وتخمين، ومنه: خرص التمر، والعنب على شجرهما، وهو معروف في مبحث الزكاة في الفقه الإسلامي.
روي: أن المشركين، قالوا للنبي: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟: فقال: «الله قتلها». قالوا: أنت تزعم: أن ما قتلت أنت، وأصحابك حلال، وما قتلها الكلب، والصقر حلال، وما قتله الله حرام! فنزلت الآية الكريمة.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِعْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَكْثَرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿تُطِعْ أَكْثَرَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾
مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي.
﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (إن): حرف نفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاَّ﴾ حرف حصر لا محل له، وجملة: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : يا محمد إن ربك هو أعلم منك، ومن جميع خلقه أيّ الناس يكفر، ويخرج عن جادة الحق والصواب.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ كذلك هو أعلم بمن كان على هدى، واستقامة، وسداد، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه. فأخبر سبحانه: أنه أعلم بالفريقين: الضال، والمهتدي، وأنه يجازي كلاّ بما يستحق. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٢]. ﴿يَضِلُّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٤].
﴿سَبِيلِهِ:﴾ المراد به دينه، وانظر الآية رقم [٥/ ١٦] هذا؛ وقد قرئ: «يضل» أيضا بضم الياء من الرباعي، وفتحها من الثلاثي.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية
стр. 1790
على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، دل عليه: ﴿أَعْلَمُ﴾ لابه؛ لأن أفعل لا ينصب الظاهر، ولا يرفعه إلا في مسألة الكحل، ونحوها. والجملة الفعلية: ﴿يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿مَنْ﴾ استفهامية مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معلق الفعل المقدر عنها، أي: إنها في محل نصب مفعول به. وقيل: ﴿مَنْ﴾ موصولة، وهي في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بمن، بدليل ظهور الباء بعده في: ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وعليه فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾
الشرح: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ هذا مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال، وهو ما ذكرته لك في شرح الآية رقم [١١٦]. والأمر للإباحة، لا للوجوب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ:﴾ والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه، لا مما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم، أو مات حتف أنفه، فإن الإيمان بآيات الله يقتضي استباحة ما أحله الله، واجتناب ما حرمه. ﴿اِسْمُ:﴾ انظر شرحه في البسملة. ﴿اللهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥/ ٦]. ﴿بِآياتِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤].
﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٥/ ٩٤].
الإعراب: ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: فيها وجهان: أحدهما: أنها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر: التقدير: إن كنتم صحيحي الإيمان؛ فكلوا. والثاني: أنها عاطفة على محذوف، كأنه قيل: كونوا على الهدى، فكلوا، والظاهر: أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة انتهى. جمل بتصرف كبير. وأرجح الاستئناف على جميع الأقوال المذكورة، وذلك بالإعراض عن الكلام السابق. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصوفة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: (كلوا...) إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المذكورة في الفاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٠] والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بعدهما، والدلالة على جواب الشرط المحذوف في هذه الآية أوضح منها في تلك.
следующие страницы →