← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيئا هم مقترفونه، أو: له. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ الشرح: ﴿أَبْتَغِي:﴾ أطلب. ﴿حَكَماً:﴾ حاكما يحكم بيني، وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل. هذا؛ وحكم أبلغ من حاكم، فلذا لا يوصف به غير العادل؛ لأن الحاكم من شأنه أن يحكم، والحكم أهل أن يتحاكم إليه. ﴿أَنْزَلَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿مُفَصَّلاً:﴾ مبينا فيه الحق والباطل، بحيث ينفي التخليط، والالتباس، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه، وتقريره مغن عن سائر الكتب. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ أعطيناهم. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵊. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) ورقم [٧/ ٣]. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧] والمراد بالذين يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بالحق: عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقيل: بل المراد جميع اليهود، وإنما وصف جميعهم بالعلم؛ لأن أكثرهم يعلمون، ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمل. انتهى بيضاوي بتصرف. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ الشاكين في أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون: أنه منزل من ربك بالحق. هذا؛ وقد قيل: إن هذا الخطاب غير ملائم بحسب الظاهر؛ لأن النهي المذكور محال في حقه ﷺ . وحاصل الجواب: أن متعلق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقية القرآن. وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنه من باب التهييج، والتحريض على الأمر. والثالث: أن الخطاب له ﷺ ، لكن المقصود الغير. انتهى جمل بتصرف. أقول: أو أنه على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنه من المحال أن يشك النبي ﷺ في شيء، أو يبني شيئا من أموره على الشك. وانظر الآية رقم [٢/ ١٤٧]. هذا؛ وقد كان المشركون يقولون للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما. فأمره الله أن يجيبهم بما في الآية الكريمة من جواب. الإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (غير): مفعول به مقدم، و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْتَغِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿حَكَماً:﴾ حال، أو تمييز ل (غير). ذكره الحوفي، وأبو البقاء، وابن عطية. هذا؛ وجوز اعتبار (غير) حالا من: ﴿حَكَماً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وانظر الآية رقم [١٦٤] الآتية. فيكون: ﴿حَكَماً﴾ مفعولا به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي﴾ معطوفة على مقدر يقتضيه الكلام،

стр. 1787

والكلام كله مقول لقول محذوف، التقدير: قل لهم يا محمد: أأميل إلى زخارف الشياطين، فأبتغي حكما؟! انتهى. أبو السعود بتصرف، والناقل الجمل. ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، والعائد: رجوع الفاعل إلى الموصول، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مُفَصَّلاً:﴾ حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُنَزَّلٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُنَزَّلٌ﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مُنَزَّلٌ﴾ وأن، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها غير داخلة في مقول المقدر. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فلا تكونن... إلخ، وانظر الآية رقم [٣٥]. والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف فيما يظهر، لا محل له. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ الشرح: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ..﴾. إلخ: يقرأ بالإفراد، والجمع، فمن قرأ بالإفراد؛ قال: الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة. إذا كانت مضبوطة بضابط واحد، ومعنى تمامها: بلوغها الغاية في الأخبار، والأحكام، والمواعيد. ﴿صِدْقاً:﴾ في الأخبار، والمواعيد. ﴿وَعَدْلاً:﴾ في الأقضية، والأحكام، والشهادة. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ:﴾ لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق، وأعدل، أو لا أحد يقدر أن يحرفها، كما فعل بالتوراة، وغيرها، والمراد بكلمات الله: قرآنه الذي أنزله، وتولى حفظه ورعايته، كما قال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. ﴿السَّمِيعُ:﴾ لما يقولون. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بما يضمرون من الكيد، والخداع، فلا يهملهم. هذا؛ وانظر: ﴿لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أيضا في الآية رقم [٣٤]. تنبيه: (كلمت) فيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، والثانية:

стр. 1788

كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو: فخذ، وشهد. وهي في الأصل قول مفرد، مثل محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: [الطويل] ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل» المراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها: كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث. وانظر شرح الكلام في الآية [٧/ ١٤٣]. الإعراب: (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، و ﴿كَلِمَةُ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿صِدْقاً:﴾ يحتمل المفعول لأجله، والحال، والتمييز. ﴿وَعَدْلاً:﴾ معطوف على سابقه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِكَلِماتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر: ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا﴾ فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُبَدِّلَ﴾ لأنه اسم فاعل، أو بمحذوف صفة له. والثاني أقوى، وعليهما فخبر: ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: موجود، أو حاصل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، وجوز اعتبارها في محل نصب حال من: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ،﴾ وقد أغنى الظاهر عن الضمير، أي: الذي يربط الحال بصاحبها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ مستأنفة مقوية لمعنى الكلام السابق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أكثر الناس، يريد الكفار، والجهال، وأتباع الأهواء الفاسدة. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾ يبعدوك. وانظر: ﴿وَضَلَّ﴾ في الآية رقم [٢٤]. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه، ومنهاجه القويم، وصراطه المستقيم، وانظر: ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ،﴾ وهو ظنهم: أن آباءهم كانوا على الحق، وأن أصنامهم ستشفع لهم، وتنفعهم، أو هم يتبعون جهالتهم، وآراءهم الفاسدة. فإن الظن يطلق على ما يقابل العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ:﴾ يكذبون على الله فيما ينسبون إليه، كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر، وغير ذلك. أو يقدرون: أنهم

стр. 1789

على شيء. وحقيقة الخرص ما يقال من ظن، وتخمين، ومنه: خرص التمر، والعنب على شجرهما، وهو معروف في مبحث الزكاة في الفقه الإسلامي. روي: أن المشركين، قالوا للنبي: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟: فقال: «الله قتلها». قالوا: أنت تزعم: أن ما قتلت أنت، وأصحابك حلال، وما قتلها الكلب، والصقر حلال، وما قتله الله حرام! فنزلت الآية الكريمة. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِعْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَكْثَرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿تُطِعْ أَكْثَرَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (إن): حرف نفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاَّ﴾ حرف حصر لا محل له، وجملة: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : يا محمد إن ربك هو أعلم منك، ومن جميع خلقه أيّ الناس يكفر، ويخرج عن جادة الحق والصواب. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ كذلك هو أعلم بمن كان على هدى، واستقامة، وسداد، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه. فأخبر سبحانه: أنه أعلم بالفريقين: الضال، والمهتدي، وأنه يجازي كلاّ بما يستحق. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٢]. ﴿يَضِلُّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. ﴿سَبِيلِهِ:﴾ المراد به دينه، وانظر الآية رقم [٥/ ١٦] هذا؛ وقد قرئ: «يضل» أيضا بضم الياء من الرباعي، وفتحها من الثلاثي. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية

стр. 1790

على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، دل عليه: ﴿أَعْلَمُ﴾ لابه؛ لأن أفعل لا ينصب الظاهر، ولا يرفعه إلا في مسألة الكحل، ونحوها. والجملة الفعلية: ﴿يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿مَنْ﴾ استفهامية مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معلق الفعل المقدر عنها، أي: إنها في محل نصب مفعول به. وقيل: ﴿مَنْ﴾ موصولة، وهي في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بمن، بدليل ظهور الباء بعده في: ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وعليه فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ الشرح: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ هذا مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال، وهو ما ذكرته لك في شرح الآية رقم [١١٦]. والأمر للإباحة، لا للوجوب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ:﴾ والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه، لا مما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم، أو مات حتف أنفه، فإن الإيمان بآيات الله يقتضي استباحة ما أحله الله، واجتناب ما حرمه. ﴿اِسْمُ:﴾ انظر شرحه في البسملة. ﴿اللهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥/ ٦]. ﴿بِآياتِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٥/ ٩٤]. الإعراب: ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: فيها وجهان: أحدهما: أنها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر: التقدير: إن كنتم صحيحي الإيمان؛ فكلوا. والثاني: أنها عاطفة على محذوف، كأنه قيل: كونوا على الهدى، فكلوا، والظاهر: أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة انتهى. جمل بتصرف كبير. وأرجح الاستئناف على جميع الأقوال المذكورة، وذلك بالإعراض عن الكلام السابق. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصوفة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: (كلوا...) إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المذكورة في الفاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٠] والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بعدهما، والدلالة على جواب الشرط المحذوف في هذه الآية أوضح منها في تلك.

стр. 1791

﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ الشرح: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أي: أيّ شيء يمنعكم من أكل الذي ذكر اسم الله عليه؟! فأرى: أن في الكلام توبيخا. ﴿اِسْمُ اللهِ:﴾ انظر الإحالة في الآية السابقة. ﴿فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ:﴾ بين لكم المحرم عليكم، والمحلل لكم، وذلك فيما ذكره في الآية رقم [٥/ ٣]. ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ:﴾ ألجأتكم الضرورة إلى أكله، وقد ذكر في الآية المذكورة، والمحال عليها أيضا برقم [٢/ ١٧٣]. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ:﴾ يخرجون عن جادة الحق والصواب بتحليل الحرام، وتحريم الحلال. هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح ياء المضارعة، وضمها، كما يقرأ «فصل» و «حرم» بالبناء للمفعول، وللفاعل. ﴿بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ،﴾ بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها، وتحريم البحيرة، وغيرها، وذلك من غير علم علموه. هذا؛ و (أهوائهم) جمع: هوى. وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٤/ ١٣٥] فإنه جيد جدا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي: بالمتجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، وبالعكس فيهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة)، وانظر شرح: ﴿بِغَيْرِ﴾ فيها أيضا، وانظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٥/ ٢]. تنبيه: في إحالة التفصيل فيما حرم الله على آية (المائدة) إشكال أورده فخر الدين الرازي -رحمه الله تعالى-وحاصله: أن سورة (الأنعام) مكية، وسورة (المائدة) مدنية من آخر القرآن نزولا بالمدينة، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ..﴾. إلخ يقتضي: أن ذلك التفصيل قد تقدم على هذا المحل، والمدني متأخر عن المكي، فيمتنع كونها متقدمة، ثم قال: بل الأولى أن يقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ..﴾. إلخ، أي في قوله بعد هذه الآية في هذه السورة: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً..﴾. إلخ الآية الآتية رقم [١٤٥] وهذه وإن كانت مذكورة بعدها بقليل، إلا أن هذا القدر من التأخر، لا يمنع أن يكون هو المراد. قال كاتبه: وقد ذكر المفسرون وجها آخر، وهو: أن الله علم: أن سورة (المائدة) متقدمة على سورة (الأنعام) في الترتيب، لا في النزول، فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة على ما في (المائدة) بقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ..﴾. إلخ باعتبار تقدمه في الترتيب، وإن كان متأخرا في النزول، والله أعلم بمراده. انتهى جمل نقلا من الخازن بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف

стр. 1792

ناصب. (لا): نافية. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به، التقدير: شيئا كائنا مما... إلخ، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿ذُكِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿اِسْمُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِرَ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (على)، و (أن) المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم الأكل، والجار والمجرور متعلقان ب (ما) الاستفهامية لتضمنها معنى الفعل. وقيل: هو في محل نصب بنزع الخافض، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَصَّلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حرمه عليكم، وفاعل: ﴿حَرَّمَ﴾ يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ أيضا. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به، وهذا على قراءة الفعلين بالبناء للفاعل، وأما على قراءتهما بالبناء للمفعول، فنائب فاعل: (فصّل) هو ﴿ما﴾ ونائب فاعل: (حرّم) يعود على ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. والجملة الفعلية: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، ورجوع الفاعل عليه في قراءة البناء للفاعل، والواو فقط على قراءة البناء للمفعول. ﴿أَلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهل هو متصل، أو منقطع؟ خلاف، والأرجح الأول؛ لأنه استثناء من: ﴿ما،﴾ أو من ضميرها العائد عليها من الجملة بعدها، فهو استثناء، من الجنس. ﴿اُضْطُرِرْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (إلى). ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسمها. ﴿لَيُضِلُّونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة، والجملة الفعلية: (يضلون بأهوائهم) في محل رفع خبر: (إنّ)، فعلى قراءة الفعل بضم الياء يكون المفعول محذوفا، وعلى قراءته بفتح الياء يكون لازما لا يحتاج إلى مفعول. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال، أي: ملتبسين بغير، و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا يوجد رابط لاعتبارها حالا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١١٧] وهي مستأنفة لا محل لها، وفيه تهديد، ووعيد للمتجاوزين حدود الله.

стр. 1793

﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَذَرُوا:﴾ اتركوا، وانظر الآية رقم [٧/ ٧٠]. ﴿ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ:﴾ المراد به جميع الذنوب سرها، وعلانيتها. وقيل: المراد بظاهر الإثم: أفعال الجوارح، وباطنه: أفعال القلوب، فيدخل في ذلك الأمراض القلبية كلها من حسد، وكبر، وعجب، وإرادة الشر للعباد. وقيل: المراد بظاهر الإثم: الزنى في الحوانيت، وباطنه: الزنى في السر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ٣] فإنه جيد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤/ ١١١] فإنه جيد. ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ:﴾ سيعاقبون عقابا شديدا بسبب اكتسابهم الذنوب، والمعاصي، والسيئات. هذا؛ و (يجزون) من الجزاء، والمجازاة، وهي المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر. هذا؛ والفعل: «جزى» وما يتصرف منه ينصب مفعولين. الإعراب: (ذروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿ظاهِرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْإِثْمِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَباطِنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، وجملة: ﴿يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سَيُجْزَوْنَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يجزون): مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بمحذوف مفعوله الثاني، أي: يجزون سوءا كائنا بسبب عملهم، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٢٤] الآتية فإنه مثله بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿سَيُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ ظاهر في تحريم متروك التسمية عمدا، أو نسيانا. وإليه ذهب داود الظاهري، وابن سيرين، والشعبي. ونقل عن عطاء: أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام، أو شراب، فهو حرام، واحتجوا على ذلك بظاهر هذه الآية، وهو

стр. 1794

مؤول بما ستعرفه. وقال الثوري، وأبو حنيفة: إن ترك التسمية عامدا؛ لا تحل، وإن تركها ناسيا؛ حلت. وقال الشافعي: تحل الذبيحة، سواء ترك التسمية عامدا، أو ناسيا. ونقله البغوي عن ابن عباس، ومالك، ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين، فيما إذا ترك التسمية عامدا، وإن تركها ناسيا؛ حلت، فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر عليها اسم الله تعالى، قال: المراد من الآية الميتات بدون تذكية، وما ذبح على اسم الأصنام، بدليل: أن الله تعالى قال في سياق الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق. وفي الحديث حين سئل رسول الله ﷺ عن متروك التسمية، قال: «كلوا فإنّ الله في قلب كلّ مؤمن» وفي الحديث أيضا: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يذكر اسم الله عليها». ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الضمير يعود إلى (ما)، ويجوز أن يعود إلى الأكل، وهو مصدر الفعل المتقدم. ﴿لَفِسْقٌ:﴾ خروج عما يحل، وانظر ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٥]. (شياطين): انظر الآية رقم [١١٢] وانظر الاستعاذة. ﴿لَيُوحُونَ:﴾ يوسوسون، ويزخرفون. ﴿أَوْلِيائِهِمْ:﴾ أتباعهم، وأنصارهم، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ:﴾ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: «الله قتلها»، قالوا: تزعم: أن ما قتلت أنت، وأصحابك حلال، وما قتله الصقر، والكلب حلال، وما قتله الله حرام! ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أي: في استحلال ما حرم الله. ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ:﴾ فإن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره، واتبعه في دينه؛ فقد أشرك، ولأن من أحل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أحل الله؛ فهو مشرك؛ لأنه أثبت حاكما غير الله، ومن كان كذلك؛ فهو مشرك. انتهى بيضاوي وجمل بتصرف. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به محذوف، التقدير: شيئا كائنا مما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، وجملة: ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَأْكُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ذروا...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَفِسْقٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (فسق): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وقد جوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها، كما جوز اعتبارها معطوفة على ما قبلها مع تخالفهما في الفعلية، والاسمية. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّياطِينَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿لَيُوحُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يوحون): فعل، وفاعل. ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة

стр. 1795

بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يوحون)، والجملة الفعلية: ﴿لَيُوحُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَطَعْتُمُوهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. اللام: هي المزحلقة. (مشركون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ في محل جزم جواب الشرط، ومن حقها أن تقترن بالفاء، وإنما حسن حذفها فيه لأن الشرط بلفظ الماضي. هذا؛ وقد قيل إن اللام الموطئة للقسم مقدرة، فالأصل لئن أطعتموهم... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ جواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده على القاعدة التي رأيت شرحها في الآية رقم [١٠٩] والقسم، وجوابه، أو: والشرط وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ الشرح: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ:﴾ في الكلام استعارة تمثيلية واضحة، مثل الله به من هداه للإيمان، وأنقذه من الضلال، وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بها بين الحق والباطل، والهدى والضلالة. ﴿مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ أي: كالذي بقي في ظلمات الكفر يتخبط فيها، ولا يستطيع الخروج منها. ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: أي كما زين للمؤمنين إيمانهم زين للكافرين كفرهم، وسوء أعمالهم. بعد هذا انظر ﴿أَوَلَوْ﴾ في الآية رقم [١٠٤] المائدة ف: ﴿أَوَمَنْ﴾ مثله. ﴿مَيْتاً:﴾ انظر الآية رقم [٩٥] ويقرأ به هنا مخففا، ومشددا. ﴿النّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٢]. ﴿مَثَلُهُ:﴾ انظر الآية رقم [٩٣]. ﴿الظُّلُماتِ﴾ أي: ظلمة الكفر، وظلمة الجهالة، وظلمة عمى البصيرة، وانظر الآية رقم [١]. انظر الكفر في الآية رقم [٥/ ٣٩]. هذا؛ والمزين هو الله تعالى، ويدل عليه قوله: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ وانظر (نا) في الآية رقم [٣٤] أو رقم [٦] من سورة (الأعراف).

стр. 1796

تنبيه: نزلت الآية الكريمة في حمزة، ﵁ وأبي جهل. وقيل: نزلت في عمر، أو عمار بن ياسر-﵄، وأبي جهل، وخصوص السبب لا يمنع العموم، فكل من أنعم الله عليه بالإيمان فقد أحياه به، وكل من خيمت ظلمات الكفر عليه، فهو ميت بلا ريب، أي: ميت القلب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَوَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الواو: حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿مَيْتاً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. (أحييناه): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (جعلنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نُوراً:﴾ مفعول به. ﴿يَمْشِي:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿فِي النّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يَمْشِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿نُوراً﴾. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالكاف. ﴿مَثَلُهُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه صلة: (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿بِخارِجٍ:﴾ الباء: حرف جر زائد. (خارج): خبر ﴿لَيْسَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واسم ﴿لَيْسَ﴾ ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى (من). ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب (خارج)، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (من) أي: مثل الذي أو: شخص استقر في الظلمات حالة كونه مقيما فيها. وقال أبو البقاء: صاحب الحال الضمير المستتر في الجار والمجرور، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في: ﴿مَثَلُهُ﴾ للفصل بينه وبين الحال في الخبر، وليس بشيء؛ لأن الحال قد تأتي وبينها وبين صاحبها كلام كثير، كما يشهد به الواقع، والكلام: ﴿أَوَمَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له فيما أرى. ﴿كَذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: زين للكافرين أعمالهم تزيينا كائنا مثل تزيين إيمان المؤمن له أعماله. ﴿زُيِّنَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع نائب فاعل، انظر التقدير آنفا. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: (كانوا يعملونه).

стр. 1797

﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾. إلخ: أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها؛ ليمكروا فيها، جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها؛ ليمكروا فيها. هذا؛ وقرئ: «(أكبر مجرميها)» وانظر الآية رقم [٤١] (المائدة) وتخصيص الأكابر بالذكر؛ لأنهم أقوى على استتباع الناس، والمكر بهم، بما لهم من سلطة، ومال، وجاه، وتلك سنة الله: أنه جعل أتباع الرسل ضعفاء أقوامهم، وجعل فساقهم أكابرهم، وإذا عرفنا: أن العلماء ورثة الأنبياء؛ تجلت لنا هذه الحقيقة في كل زمان، ومكان؛ حيث نجد أصدقاء العلماء، ومجالسيهم، وملازميهم هم الفقراء، والضعفاء، بينما نجد الأغنياء، وأصحاب الجاه الدنيوي بعيدين عنهم، إلا من رحم ربك. ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: إن وبال مكرهم يعود إليهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. ﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ أن وبال ذلك المكر يعود عليهم، ويضرهم. هذا؛ و (القرية) في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على الضيعة الصغيرة، وعلى المدينة الكبيرة، كيف لا، وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، كما رأيت في الآية رقم [٩٢]. هذا؛ وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قروي، وقريي. والمكر: الكيد، والخداع، وتدبير الضر، والشر للناس في الخفاء كالذي حصل من زعماء مكة مع الرسول ﷺ . ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٩]. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ الشعور: هو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته، والمعنى: وما يشعرون: أن وبال مكرهم راجع على أنفسهم، وأنهم سيحاسبون عليه يوم القيامة حسابا عسيرا. الإعراب: (كذلك): متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، أي: جعلنا في مكة فساقا، ومجرمين جعلا مثل جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥]. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٢] (المائدة) ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَكابِرَ:﴾ مفعول به ثان مقدم. ﴿مُجْرِمِيها:﴾ مفعول به أول مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿فِي كُلِّ﴾ مفعولا أولا، و ﴿أَكابِرَ﴾ مفعولا ثانيا، و ﴿مُجْرِمِيها﴾ بدلا من: ﴿أَكابِرَ،﴾ كما جوز أن يكون: ﴿أَكابِرَ:﴾ مضافا، و ﴿مُجْرِمِيها:﴾ مضافا إليه، إن فسر الجعل بالتمكين، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد، والمطابقة، ولذلك قرئ: «(أكبر مجرميها)». انتهى. بيضاوي. هذا؛ وقد

стр. 1798

اعتبر الجمل ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ هو المفعول الثاني وجب تقديمه؛ ليصح عود الضمير عليه، و ﴿أَكابِرَ﴾ هو المفعول الأول، وما بعده مضاف إليه، ثم قال: وهذا أحسن الأعاريب، ثم نقل عن السمين كلاما كثيرا لا طائل تحته. ﴿لِيَمْكُرُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: هي لام العاقبة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جعلنا. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَمْكُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَمْكُرُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى، وأقوى من الاستئناف، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ معطوفة عليها. ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ الشرح: ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي: جاء كفار قريش علامة، وبينة تدل على صدق الرسول ﷺ . وانظر الآية رقم [٤] و [٥]. ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ أي: قالوا: لن نصدق محمدا حتى ينزل علينا مثل ما نزل عليه من الوحي، والآيات القرآنية. ﴿نُؤْتى:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٤]. ﴿مِثْلَ:﴾ انظر الآية رقم [٩٣]. ﴿رُسُلُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٨٣] وأيضا رقم [٥/ ١٩]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أي: الله أعلم بالشخص الذي يستحق النبوة، والرسالة، فيخص بها من علم أنه يصالح لها، وذلك بما تحلى به ذلك الشخص من فضائل نفسانية، وأخلاق حميدة؛ إذ الرسالة ليست بالمال، ولا بقوة الرجال، ولا بشرف الأنساب. هذا؛ ويقرأ: «(رسالاته)». ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا:﴾ كفروا، وعاندوا. ﴿صَغارٌ:﴾ ذلة، وحقارة. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: يوم القيامة، وقد أصابتهم في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بغزوة بدر، وفتح، مكة وغيرهما، ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ،﴾ أي في الآخرة، وانظر: ﴿وَعَذابٌ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٩]. ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ:﴾ بسبب مكرهم، وخداعهم، وخروجهم عن جادة الحق والصواب، وانظر (المكر) في الآية السابقة. هذا؛ والعندية هنا مجاز عن حشرهم يوم القيامة، أو عن حكمه، وقضائه بذلك. تنبيه: (يصيب)، ماضيه: أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه. وأصاب الرجل، يصيب في قوله: أتى بالصواب. وأصاب فلانا البلاء، يصيبه:

стр. 1799

وقع عليه. وأصل يصيب: يؤصيب، أو يؤصوب، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل: أؤصيب، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يصيب أو يصوب) ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء، أو الواو-وهي الكسرة-إلى الصاد بعد سلب سكونها، فصار: (يصيب، أو يصوب) ثم قلبت الواو في الثاني ياء لانكسار ما قبلها. وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، وأخرج، يخرج، كما حذفت الهمزة الثانية من: يؤمنون؛ لأن ماضيه: آمن، وأصله: أأمن، والمضارع يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز] فإنه أهل لأن يؤكرما ولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك. تنبه لهذا؛ واحفظه، فإني لا أعيده مرة ثالثة في هذا الكتاب، والله يتولاني وإياك، ويأخذ بيدي ويدك إلى أقوم طريق. تنبيه: يروى: أن الوليد بن المغيرة قال للنبي ﷺ : لو كانت النبوة حقّا؛ لكنت أنا أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنّا، وأكثر مالا، وأعز نفرا. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك: أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا، منا نبي يوحى إليه. والله لا نؤمن به، ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. فأنزل الله هذه الآية. وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة حسدا منهم للنبي ﷺ . انتهى بتصرف. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَنْ:﴾ حرف تفي ونصب واستقبال. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ مضارع منصوب ب (لن)، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿نُؤْتى:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب «أن» المضمرة، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل تقديره: «نحن»، وهو المفعول الأول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها،

стр. 1800

والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أوتيه رسل الله. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿مِثْلَ﴾ إليه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿اللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَيْثُ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، تقديره: يعلم. ﴿يَجْعَلُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿رِسالَتَهُ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وعلى القراءة الثانية: «(رسالاته)» علامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: «يعلم حيث...» إلخ المقدرة هي بمنزلة البدل من: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿سَيُصِيبُ:﴾ السين: حرف استقبال. (يصيب): مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَجْرَمُوا﴾ صلته لا محل لها. ﴿صَغارٌ:﴾ فاعل. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿صَغارٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَذابٌ:﴾ معطوف على ﴿صَغارٌ﴾. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفته. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (يصيب) و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: «بما كانوا يمكرونه» وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في مجل جر بالباء، التقدير: «بسبب مكرهم». ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَمْكُرُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا﴾. ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ الشرح: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ:﴾ يعرفه طريق الحق، ويوفقه للإيمان. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ:﴾ يقال شرح الله صدره فانشرح، أي: وسعه لقبول الإيمان، والخير، فوسع، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال: أن نفعه زائد، وخيره راجح، وربحه ظاهر، مال بطبعه إليه، وقويت رغبته فيه، فتسمى هذه الحال: سعة النفس، وانشراح الصدر، فيتسع حينئذ صدره للخبر، ويفسح فيه مجاله. وهذا كله كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، معرضة عما يمنعه، وينافيه. وإليه أشار النبي ﷺ حين سئل عنه، فقال: «نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له، وينفسح». فقالوا: هل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «نعم: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله». أسنده الطبري عن ابن مسعود.

стр. 1801

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً:﴾ حتى لا يدخله الإيمان. وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس-﵄: إذا سمع ذكر الله؛ اشمأز قلبه، وإذا سمع ذكر الأصنام؛ ارتاح إلى ذلك. أقول: ولعله أخذه من قوله تعالى ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. هذا؛ وقرئ: ﴿ضَيِّقاً﴾ بالتخفيف، والتشديد. وقرئ: «حرجا» بفتح الراء، وكسرها. ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ:﴾ شبه الله الكافر مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة، ونبه به على أن الإيمان يمتنع منه، كما يمتنع منه الصعود. وقيل: معناه: كأنه يتصاعد إلى السماء نبوّا عن الحق، وتباعدا في الهرب منه. وأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾ يتصعد، وقد قرئ به، كما قرئ بالتخفيف، وقرئ: «(يصّاعد)» بمعنى متصاعد، وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية [٩٩]. ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كما يضيق صدر الكافر، ويبعد قلبه عن قبول الحق يجعل العذاب أو الخذلان على الكافرين الذين لا يؤمنون بآيات الله. بعد هذا انظر (يريد) في الآية رقم [٥/ ١٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وانظر: ﴿أَضَلَّ اللهُ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (النساء) فإنه جيد. الإعراب: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣٩] والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾ إعرابه واضح إن شاء الله تعالى، وهو مثل سابقه. ﴿حَرَجاً:﴾ قيل: هو صفة لما قبله، ولا أراه قويّا، وإنما أرى: أنه من تعدد المفعول الثاني؛ لأن أصل ما قبله خبر ل: ﴿صَدْرَهُ﴾ والخبر يتعدد بلا ريب، فقولك (صدره ضيق حرج) كلام لا غضاضة فيه، فلما دخل الفعل الذي هو من أفعال التصيير والتحويل، فتعدد الخبر صار من تعدد المفعول الثاني. احفظه فإنه جيد. ﴿كَأَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَصَّعَّدُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿كَأَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: رجوع الفاعل إليه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يجعل الله الرجس... جعلا كائنا مثل جعل صدر الكافر ضيقا... إلخ. ﴿يَجْعَلْ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الرِّجْسَ:﴾ مفعول أول. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والكلام: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مع المقدر المحذوف كله مستأنف لا محل له. ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَهذا:﴾ هذه الإشارة إلى البيان الذي جاء به القرآن في هذه السورة، وهو ما رأيته. ﴿صِراطُ رَبِّكَ:﴾ طريق ربك الذي ارتضاه الله، وهو الإسلام، والدين الذي جاء به

стр. 1802

محمد ﷺ ، وتعاليمه السمحة. وقد رأيت في سورة (الفاتحة) أنه يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول أكثر. هذا؛ ولو جعلت الإشارة إلى ما بعدها، كما في قوله تعالى ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ و ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ فلست مفندا. ﴿مُسْتَقِيماً﴾ أي: لا عوج فيه، وانظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٩٧]. وفي الكلام التفات، انظر الآية رقم [٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٦] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْتَقِيماً:﴾ حال من: ﴿صِراطُ رَبِّكَ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية: ﴿وَهذا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٩٧]. ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ الشرح: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ﴾ أي: السلامة، وهي الجنة، وسميت الجنة بذلك؛ لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة، كما قال تعالى في وصفها: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقيل: المراد بالسلام التحية، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ انتهى. خازن باختصار. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ في المراد بهذه العندية وجوه: أحدها: أنها معدة عنده، كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة، كقوله ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. وثانيها: أن العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر الموصوف بالقرب من الله بالشرف، والرتبة، لا بالمكان، والجهة لتنزهه تعالى عنهما. ثالثها: هي كقوله تعالى في صفة الملائكة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ وقوله في الحديث القدسي: «أنا عند المنكسرة قلوبهم». وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي». وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ انتهى جمل نقلا من كرخي. ﴿وَلِيُّهُمْ:﴾ متولي أمورهم، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ بسبب أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا. هذا؛ وانظر: ﴿دارُ﴾ في الآية رقم [٧٨] (الأعراف). ﴿رَبِّهِمْ،﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دارُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّلامِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلق بمحذوف حال من: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ وكثير من النحاة لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ، والأولى أن يكون

стр. 1803

متعلقا بمحذوف حال من الضمير المستقر في الخبر المحذوف، وهو متعلق: ﴿لَهُمْ﴾. و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ دارُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبار الجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (قوم)، كما جوز اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿رَبِّهِمْ﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب ﴿وَلِيُّهُمْ﴾ لأنه اسم فاعل، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٢٤] فإنه مثله بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ:﴾ المراد به يوم القيامة، وما فيه من الحساب، والعذاب، والأهوال. هذا؛ واليوم في الدنيا هو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما رأيت في الآية رقم [٩٦] وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي لهذا الوقت، والجمع أيام، أصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه. ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ يبعثهم جميعا للحساب، والجزاء، والضمير مراد به جميع الخلق من الجن، والإنس، ولم يتقدم له ذكر، ولكنه فسر بما بعده، كما ترى، وقرئ بالنون. ﴿يا مَعْشَرَ:﴾ جماعة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ونفر، وجمعه: معاشر، مثل: أراهط. ﴿الْجِنِّ:﴾ انظر الآية رقم [٧٦] ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: قد استكثرتم من إغوائهم، وإضلالهم، أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم، فحشروا معكم، كقولهم: استكثر الأمير من الجنود. انتهى بيضاوي. وانظر ﴿الْإِنْسِ﴾ في الآية رقم [١١٢] (قال): انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ:﴾ الذين أطاعوا الجن فيما يأمرونهم به. ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أي: انتفع الإنس بالجن، بأن دلوهم على الشهوات، وما يتوصل به إليها، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم، وحصلوا مرادهم منهم. وقيل: استمتاع الإنس بهم: أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز، والمخاوف، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ واستمتاع الجن بالإنس اعترافهم: أنهم يقدرون على إجارتهم، واستغاثتهم. ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي﴾

стр. 1804

﴿أَجَّلْتَ لَنا:﴾ وهو يوم القيامة إذا بعثوا فيه للحساب، والجزاء، وهو اعتراف منهم بطاعة الشيطان، واتباع الهوى، وتكذيب البعث، وتحسر على حالهم. ﴿قالَ:﴾ القائل الملائكة بأمر الله تعالى. ﴿النّارُ مَثْواكُمْ:﴾ منزلكم. هذا؛ والفرق بين مأوى، ومثوى: أن الثاني مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى الذي يأوي إليه الإنسان ولو موقتا. وانظر الآية رقم [٣/ ١٥١]. هذا؛ و ﴿النّارُ﴾ أصلها: النور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي: إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير. وقيل: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ قبل الدخول، كأنه قيل: «النار مثواكم أبدا إلا ما أمهلكم». ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في أفعاله. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأحوال الثقلين، وأعمالهم. هذا؛ وانظر: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، والآية رقم [٨/ ١] وانظر: ﴿رَبَّنَا﴾ في الآية رقم [٢٣] (الأعراف) تجد ما يسرك. الإعراب: (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره هو يعود إلى (الله) وعلى قراءته بالنون فالفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، وهي حال مؤكدة. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (معشر): منادى منصوب، وهو مضاف، و ﴿الْجِنِّ:﴾ مضاف إليه، والجملة الندائية اعتبرها البيضاوي، وأبو البقاء في محل نصب ب: «اذكر» المقدر، والصواب: أنها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: «ويقال لهم: يا معشر الجن». والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي داخلة في منصوب «اذكر». ﴿قَدِ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِسْتَكْثَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْإِنْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿قَدِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من المنادى، والعامل فيه: «يا» لما فيها من معنى الفعل على حد قول الشاعر: [البسيط] يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿أَوْلِياؤُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْإِنْسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياؤُهُمْ﴾. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا:﴾ فعل، وفاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي داخلة في منصوب: «اذكر» المقدر، وساغ ذلك؛ لأن ﴿قالَ﴾ حكاية حال ماضية، والصواب أنها مراد بها المستقبل، فهي بمعنى المضارع. وانظر هذا المبحث -أعني به: التعبير بالماضي عن المستقبل-في الآية رقم [٥/ ١١٦] فإنه جيد، وهو أولى من

стр. 1805

الاستئناف. (بلغنا): فعل، وفاعل. ﴿أَجَلَنَا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لما قبله، وجملة: ﴿أَجَّلْتَ لَنا﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أجلته لنا، وجملة: ﴿وَبَلَغْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿النّارُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَثْواكُمْ:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو أولى من اعتباره ظرفا، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من كاف الخطاب منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿النّارُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع؛ لأن الأوقات ليست من جنس ما تقدم. وقد تكلف أبو البقاء تأويلين لاعتبار الاستثناء متصلا، ولا داعي لذلك. وقال مكي: وإن جعلت ﴿ما﴾ لمن يعقل لم يكن منقطعا، فكأنه يريد: أن المستثنى من الخلود أشخاص. ولم يقل به أحد. والجملة الفعلية بعد ﴿ما﴾ صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: «إلا الأوقات شاءها الله». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَكِيمٌ:﴾ خبر أول. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الوجهين. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً:﴾ نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضهم يتولى بعضا، فيغويهم. أو: أولياء بعض، وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا. انتهى. بيضاوي. هذا؛ وخذ قول ابن عباس-﵄: إذا أراد الله بقوم خيرا؛ ولى عليهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرّا؛ ولّى عليهم شرارهم، فعلى هذا القول: إن الرعية متى كانوا ظالمين؛ سلط الله عليهم ظالما مثلهم، فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظالم؛ فليترك الظلم. وحديث «كيفما تكونوا يولّ عليكم». مشهور. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: يسلط الله عليهم من يظلمهم بسبب أعمالهم الخبيثة التي اكتسبوها. هذا؛ وما قبله من الخازن. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٥/ ٣٢] و [٧/ ٦] وانظر الظلم في الآية رقم [١٤٤] الآتية. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: «نولي بعض الظالمين بعضا تولية كائنة مثل إنزال العقاب

стр. 1806

بالإنس، والجن الذين استمتع بعضهم ببعض». وقد قدم، وأخر بعضهم في التقدير. وهذا أحسن كما رأيت الكثير منه فيما مضى. ﴿نُوَلِّي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿بَعْضاً:﴾ مفعول به ثان، فالأول هو المولّى، والثاني هو المولّى عليه. وقدر الجلال: «على بعض» فكأنه يعني: أنه منصوب بنزع الخافض، ولا مبرر له؛ لأن الفعل ينصب مفعولين صريحين، تقول: ولّيت محمودا عملا. وهو واضح إن شاء الله تعالى. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿نُوَلِّي﴾ وانظر إعراب: ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٢٤]. ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)﴾ الشرح: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ:﴾ الرسل من الإنس خاصة، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ والمرجان يخرج من الملح دون العذب، وتعلق بظاهره قوم منهم الضحاك، ومقاتل، وقالوا: بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم. وقيل: الرسل من الجن رسل المرسل إليهم، وهو ما حصل حينما سمع بعض الجن القرآن من النبي ﷺ ، فآمنوا، ثم ذهبوا إلى قومهم منذرين. اقرأ آيات سورة (الأحقاف): ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ..﴾. وسورة (الجن) بكاملها تفهم ذلك؛ إن كنت من أهل القرآن، والإيمان. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:﴾ يتلونها عليكم مع التوضيح، والتبيين، والقاص من يحكي القصة، ومن أحسن من الله قصصا، ولكن أكثر الناس لا يعقلون. وانظر الآية رقم [٤]. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: ويخوفونكم من يوم القيامة العظيم شأنه، الشديد هوله، الطويل زمانه، الذي تعرضون فيه على ربكم. ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ أي: نقر، ونعترف: أنه وصل إلينا ما ذكر من إرسال الرسل، وإنذارهم إيانا. ﴿وَغَرَّتْهُمُ:﴾ خدعتهم، وفتنتهم. ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي: اعترفوا بكفرهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. وهذه الشهادة منهم غير المتقدمة كما ترى، فلا تكرار في الكلام. بعد هذا انظر شرح: ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٨٣] (المائدة) وشرح (يوم) في الآية رقم [١٢٨] وشرح: ﴿أَنْفُسِنا﴾ في الآية رقم [٧/ ٨] وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٦] من سورة (المائدة).

стр. 1807

تنبيه: قال الخازن: فإن قلت: كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية، وجحدوا الشرك، والكفر في قوله تعالى ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ؟﴾ قلت: يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة، فإذا رأوا ما حصل للمؤمنين من الخير، والفضل، والكرامة؛ أنكروا الشرك، لعل ذلك الإنكار ينفعهم، وقالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فحينئذ يختم على أفواههم، وتشهد عليه جوارحهم بالشرك، والكفر، فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ انتهى بحروفه. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٢] من سورة (النساء). الإعراب: ﴿يا مَعْشَرَ:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب «أدعو». (معشر): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْجِنِّ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام مفيد للتوبيخ. (لم): حرف نفي وقلب وجزم، وبدخول الاستفهام أفاد التقرير أيضا. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿يَقُصُّونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَقُصُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رُسُلٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. وقيل: في محل نصب حال محذوفة من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، والأول أقوى يؤيده قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ وجملة: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿يَوْمِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة يومكم أي المشار إليه، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وبعضهم يعتبر اسم الإشارة بدلا، أو عطف بيان، وما ذكرته أولى. والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف كالجملة الندائية قبلها. ﴿شَهِدْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿عَلى أَنْفُسِنا﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿شَهِدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ؟ فقيل: ﴿قالُوا شَهِدْنا..﴾. إلخ. و ﴿قالُوا:﴾ ماض لفظا، ومعناه مستقبل، أي: يقولون، وانظر هذا البحث في الآية رقم [٥/ ١١٠] تجد ما يسرك. (غرتهم): ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة سديد، والمعنى يؤيده، ولكنها تحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها، والرابط: الواو،

стр. 1808

والضمير. (شهدوا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونهم كافرين، أو هو منصوب بنزع الخافض، وبعضهم يعتبره مفعولا صريحا، ولا تنس: أن جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، والجملة الفعلية: ﴿وَشَهِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما تقدم ذكره من إرسال الرسل للإنس، والجن. ﴿رَبُّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] والآية رقم [٧/ ٢]. ﴿الْقُرى:﴾ انظر الآية رقم [١٢٣]. ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وخروجهم عن أوامر ربهم. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٤]. ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ أي: لم ينبهوا برسل، ولم ينذروا بعقاب الله، وسخطه؛ إن هم أعرضوا. هذا؛ و (أهل) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع أيضا، وجمعه: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر ذلك، واعتبره الجمل مبتدأ، خبره ما بعده، ويعتبره الفراء مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: فعل الله ذلك، والأول أرجح، وأولى. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، وجوز اعتبارها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. التقدير: أنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مُهْلِكَ:﴾ خبر ﴿يَكُنْ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة: ﴿لَمْ يَكُنْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ على اعتبارها مخففة من الثقيلة، و ﴿أَنْ﴾ على الوجهين فيها تؤول بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالمبتدإ المقدر؛ لأنه مصدر على الوجه الأول في الإعراب، ومتعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ على قول الجمل، ومتعلقان بالفعل المحذوف على رأي الفراء. ﴿بِظُلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُهْلِكَ﴾. وقيل: متعلقان به نفسه، والجملة الاسمية: ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿الْقُرى،﴾ والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 1809

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا:﴾ المعنى: ولكل عامل بطاعة الله، أو بمعصيته درجات. يعني: منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا؛ فخير، وإن كان شرّا؛ فشر. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع، والانحطاط، كتفاضل الدرج. وهذا إنما يكون في الثواب، والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أعظم ثوابا، ومنهم من هو أشد عقابا، وقيل غير ذلك انتهى خازن. وهذا الذي أرتضيه. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ:﴾ قيل: هذا مختص بأهل الكفر، والمعاصي، ففيه وعيد، وتهديد لهم، والذي ذكرته بالجملة الأولى أصح؛ لأن علمه تعالى شامل لكل المعلومات، فيدخل فيه المؤمن، والكافر، والطائع، والعاصي، وإنه تعالى عالم بأعمالهم على التفصيل التام، فيجزي كل عامل على قدر عمله، وما يليق به من ثواب، أو عقاب. انتهى. خازن بتصرف. ويقرأ «يعملون» بالياء، والتاء. الإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ (لكل) متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿دَرَجاتٌ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء عملوه. وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: من عملهم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان ب ﴿بِغافِلٍ﴾. و (ما) تحتمل ما تحتمله سابقتها، وباقي الإعراب واضح إن شاء الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، والعطف على ما قبلها، ولا محل لها على هذين الوجهين، كما تحتمل أن تكون في محل نصب حال من واو الجماعة، في: ﴿عَمِلُوا﴾ وعليه فالرابط: الواو، والضمير المحذوف، وهو مفعول: ﴿يَعْمَلُونَ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، فلكل عامل عمله، وجميع الخلق فقراء إليه. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ:﴾ صاحب الرحمة الواسعة لجميع خلقه، فمن رحمته تأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون، ويرجعون. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي:

стр. 1810

يهلككم، والخطاب لأهل مكة، ففيه وعيد، وتهديد لهم؛ لأن الآية مكية، كما قد عرفت، وقد بين الله مثله للمؤمنين في الآية رقم [٥/ ٥٤] وهي مدنية كما قد عرفت هناك. ويتجلى التهديد، والوعيد في الآية الأخيرة من سورة (محمد) ﵊: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ أي: ينشئ، ويخلق من بعد إهلاككم خلقا غيركم أمثل، وأطوع منكم. ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: كما أوجدكم من نسل قوم لم يكونوا على مثل صفتكم، بل كانوا طائعين، وهم أهل سفينة نوح، وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم. هذا؛ وانظر شرح: (ربك) في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) والآية رقم [٧/ ٢]. ﴿الرَّحْمَةِ:﴾ انظر الآية [٧/ ١٥٥]. ﴿يَشَأْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ هي نسل بني آدم، وهي تقع على الواحد، والجمع، قيل: هي مشتقة من الذرا، وهو بفتح الذال كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، ودفئه، وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ من آية أخرى. أبدلت همزة الذرء ياء، ثم شدّدت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. ﴿قَوْمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٠] من سورة (المائدة). الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ (ربك): مبتدأ. ﴿الْغَنِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الرَّحْمَةِ:﴾ مضاف إليه، وقيل: ﴿الْغَنِيُّ ذُو﴾ صفتان للمبتدإ، والخبر الجملة الشرطية الآتية، والأول أقوى. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (ربك)، والمفعول محذوف كما قد عرفته، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو في محل رفع خبر المبتدأ، كما رأيت، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (يستخلف): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (ربك) أيضا. هذا؛ ويجوز في العربية رفع (يستخلف) ونصبه، وانظر ما ذكرته من قراءات في الآية رقم [٢٨٣] (البقرة) وما تبعها من أوجه الإعراب. أما في هذه الآية لم أعثر على قراءة بغير الجزم. ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: «بدلا من ذرية...» إلخ، و ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر

стр. 1811

سالم... إلخ. هذا؛ و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، أي: يستخلف إلخ استخلافا كائنا مثل إنشائكم... إلخ. ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ:﴾ به من مجيء القيامة، والبعث بعد الموت، والحشر للحساب، والجزاء، وانظر الوعد في الآية رقم [٧/ ٤٤] ﴿لَآتٍ﴾ أي: لكائن لا محالة، فهو متحقق الوقوع، هذا ﴿لَآتٍ﴾ أصله: لاتي بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت التاء مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: «آت» بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للتاء. وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من: «ال» والإضافة، سواء أكان ثلاثيّا، أم رباعيّا. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: فائتين عذاب الله، والعجز معروف. هذا؛ وانظر: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (التوبة)، ورقم [٥٣] من سورة (يونس) ويكثر تكراره في القرآن الكريم، للدلالة على أن الكافرين، والفاسقين لا يعجزون الله تعالى، ولا يهربون من عذابه، وانتقامه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير أن الذي، أو شيئا توعدونه. ﴿لَآتٍ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (آت): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما). مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (١٣٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. والمخاطب بذلك النبي ﷺ . ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٠] أو رقم [٧/ ٥٨]. ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ على غاية

стр. 1812

تمكنكم، واستطاعتكم. أو على ناحيتكم، وجهتكم، وحالتكم التي أنتم عليها. فالكل محتمل هنا. وقرئ بالجمع: «(مكاناتكم)». ﴿إِنِّي عامِلٌ:﴾ على ما كنت عليه من المصابرة، والثبات على الإسلام، والمعنى: اثبتوا على كفركم، وعداوتكم لي، فإنّي ثابت على الإسلام، وعلى مصابرتكم، فهو أمر تهديد، ووعيد، دليله ما بعده. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ من تكون له العاقبة المحمودة، لنا، أو لكم. وقيل: معناه: فسوف تعلمون عند نزول العذاب بكم، أيّنا كان على الحق في عمله، نحن، أم أنتم؟ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أي: المحمودة، والمراد بها: الجنة، وما فيها من النعيم المقيم. وانظر شرح الدار في الآية رقم [٧٨] (الأعراف) وقد قرئ الفعل: «تكون» بالتاء، والياء. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ:﴾ لا يسعدون بالخلود في الجنة؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب. هذا؛ وقد وضع الله (الظالمين) موضع (الكافرين)؛ لأنه أعم وأكثر فائدة؛ إذ يعم الظالمين من المسلمين في كل زمان، ومكان، كما أنه يشمل جميع أنواع الظلم. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٤] الآتية. هذا؛ وفي الآية الكريمة قولان: أحدهما: أنها محكمة. وهذا على رأي من يعتبر مضمونها التهديد، والوعيد. والثاني: أنها منسوخة بآية السيف. وهذا على قول من يرى: أن المراد بها ترك القتال. وانظر: ﴿لا يُفْلِحُ﴾ في الآية رقم [٢١]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥/ ٢٠] أو [٧/ ٥٨]. ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ تعليل للأمر، وهي من مقول القول. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (سوف): حرف استقبال. ويقال: حرف تسويف. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فيكون الفعل من العرفان، وانظر «العلم، والمعرفة» في الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال). ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم تكون مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الدّارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿تَكُونُ..﴾. إلخ صلة من لا محل لها من الإعراب. هذا؛ ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار في محل نصب سدت مسد مفعول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ على اعتباره متعديا لمفعول واحد، أو في محل نصب سدت مسد مفعوليه على اعتباره من أفعال اليقين، وعلى الاعتبارين فهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية تعليلية، مؤكدة لمضمون الجملة قبلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء

стр. 1813

اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿لا يُفْلِحُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. هذا؛ وقد قيل: إن الجملة الاسمية مستأنفة، وكأنها جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وما عاقبتهم؟ وعليه، فليست داخلة في المقول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: مشركو العرب. ﴿لِلّهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿ذَرَأَ:﴾ خلق. ﴿مِنَ الْحَرْثِ:﴾ المراد به: جميع المزروعات التي كانوا يزرعونها، وهي قليلة كما هو معروف. ﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ يطلق هذا اللفظ على الحيوانات المأكول لحمها، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز. ﴿نَصِيباً:﴾ قسما. ﴿فَقالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ انظر (زعم) في الآية رقم [٦٠] (النساء) فإنه جيد. ﴿لِشُرَكائِنا:﴾ المراد به: الأصنام التي كانوا يقدسونها، ويعظمونها. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) تجد ما يسرك.. ﴿يَصِلُ:﴾ أصله يوصل؛ لأن ماضيه وصل، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ:﴾ بئس الحكم حكمهم. هذا؛ ويقرأ: «بزعمهم» بفتح الزاي، وضمها، وهما قراءتان سبعيتان، وفيه لغة ثالثة لبعض قيس. تنبيه: لما بين الله تعالى قبح طريقة الكفار، وما كانوا عليه من إنكار البعث بعد الموت، وغير ذلك؛ عقبه بذكر أنواع من جهالاتهم، وأحكامهم الفاسدة، تنبيها على ضعف عقولهم، وفساد ما كانوا عليه في الجاهلية. تنبيه: روي: أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث، ونتاج لله، ويصرفونه للضيفان، والمساكين، وشيئا منها لالهتهم، وينفقونه على سدنتها، ويذبحون عندها، ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوه بما لالهتهم، وإن رأوا ما لالهتهم أزكى؛ تركوه لها حبّا لها، وفي قوله: ﴿مِمّا ذَرَأَ﴾ تنبيه على فرط جهالتهم، فإنهم أشركوا للخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له. انتهى بيضاوي. وفي الخازن: وكانوا يجبرون ما جعلوه لها مما جعلوه لله، ولا يجبرون ما جعلوه لله مما جعلوه لها، وكانوا إذا أصابهم قحط؛ استعانوا بما جعلوه لله يأكلون منه، ووفروا ما جعلوه لها،

стр. 1814

ولم يأكلوا منه، فإذا هلك ما جعلوه؛ لها أخذوا بدله مما جعلوه لله، ولا يفعلون كذلك فيما جعلوه لها. انتهى بحروفه. هذا؛ وقد روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب؛ فاقرأ ما فوق الثلاثين والمئة من سورة (الأنعام) انتهى خازن. وفي محفوظي: فاقرأ ما فوق الخمس والثلاثين... إلخ، وهو الموافق للواقع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ (جعلوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَصِيباً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء ذرأه. ﴿مِنَ الْحَرْثِ:﴾ الجار، والمجرور بدل مما قبلهما. ﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿نَصِيباً:﴾ هو المفعول الأول. وجملة: ﴿وَجَعَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (جعلوا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بالفعل: ﴿فَقالُوا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ معطوفة على سابقتها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ما). ﴿لِشُرَكائِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الاسم إليها كما رأيت. ﴿فَلا:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، وساغ ذلك؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. (لا): نافية. ﴿يَصِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿ما﴾ والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مفرعة عما قبلها ومستأنفة. وإعراب: ﴿وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ﴾ واضح إن شاء الله تعالى، والجملة اسمية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها. ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز، وهو: ﴿ما﴾ فإنها بمعنى شيء مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَحْكُمُونَ﴾ في محل نصب صفة ﴿ما،﴾ والمخصوص بالذم محذوف، وتقدير الكلام: «ساء الشيء شيئا محكوما به من قبلهم، وهو

стр. 1815

المذموم». هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل ﴿ساءَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقديره الكلام. ﴿ساءَ﴾ الذي، أو: شيء يحكمون به، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساء حكمهم، وانظر الآية رقم [٣٢] والإعراب الأول هو المعروف، والمشهور، ويؤيده ذكر التمييز منصوبا صريحا في الآية رقم [٩٧] (النساء) وأيضا رقم [١١٥] منها و [٣٨] منها وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ وجملة: ﴿ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ انظر التقدير في الإعراب، فإنه سيتضح لك الأمر. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ..﴾. إلخ: وفي هذه الجملة قراءات كثيرة، والمتواتر منها ثنتان: الأولى قراءة العامة مبنيّا للفاعل... إلخ وهذه القراءة واضحة المعنى والتركيب وقرأ ابن عامر «(زيّن)» مبنيّا للمفعول، ورفع «(قتل)» على أنه نائب فاعل، ونصب «أولدهم» على أنه مفعول به للمصدر، وشركائهم بالجر على أن المصدر مضاف إليه. قال البيضاوي: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقول الشاعر: [مجزوء الكامل] فزججتها بمزجّة... زجّ القلوص أبي مزاده وقد دافع عن هذه القراءة سليمان الجمل دفاعا شديدا. ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ أي: من الجن، أو من السدنة. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس). ﴿لِيُرْدُوهُمْ:﴾ ليهلكوهم بالإغواء، والتزيين. ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ:﴾ وليخلطوا عليهم دينهم، وهو دين إسماعيل الصحيح الذي ورثه من أبيه إبراهيم، عليهما الصلاة والسّلام، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به. وقراءة الجمهور بكسر الباء من: لبست عليه الأمر، ألبسه بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع؛ إذا أدخلت عليه الشبهة، وخلطته فيه. وقرأ النخعي: «(وليلبسوا)»: بفتح الباء، والصحيح: أن لبس بالكسر بمعنى لبس الثياب، وبالفتح بمعنى الخلط، والصحيح أنه استعار اللبس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط حتى كأنهم لبسوها كالثياب، وصارت محيطة بهم انتهى جمل نقلا عن السمين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩]. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ..﴾. إلخ: أي ما فعل المشركون ما زين لهم، أو ما فعل شركاء التزيين، أو ما فعل الفريقان شيئا من ذلك. وانظر الآية رقم [١١٢] ففيها الكفاية. هذا؛ وانظر قتل الأولاد في الآية رقم [١٤٠] الآتية.

стр. 1816

الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: زين لكثير من المشركين... تزيينا كائنا مثل ذلك التزيين لهم في الشرك، وقسمة الأموال، وغير ذلك. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وانظر التفصيل في الآية رقم [٥٥]. ﴿زَيَّنَ:﴾ ماض. ﴿لِكَثِيرٍ:﴾ متعلقان به. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ متعلقان بمحذوف صفة (كثير). ﴿قَتْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أَوْلادِهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿شُرَكاؤُهُمْ:﴾ فاعل: ﴿زَيَّنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة البناء للمجهول، ف (قتل) بالرفع نائب فاعله، و (أولادهم) بالنصب مفعول به للمصدر، و (شركائهم) بالجر بإضافة (قتل) إليه، وأقحم المنصوب بين المتضايفين، كما رأيت تفصيله في الشرح، وجملة: ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبلها. ﴿لِيُرْدُوهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿زَيَّنَ،﴾ التقدير: لإردائهم و ﴿وَلِيَلْبِسُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٧] و [١١٢] مفردات وجملا، فإن الإعراب واحد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: مشركو العرب. وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥] هذه: الإشارة إلى ما جعل لالهتهم. ﴿أَنْعامٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٦]. ﴿وَحَرْثٌ:﴾ انظر الآية نفسها. ﴿حِجْرٌ:﴾ حرام، فعل بمعنى: مفعول، كالذّبح بمعنى: المذبوح، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ و «فعل» يستوي فيه الواحد، والكثير، والمذكر، والمؤنث. ﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ:﴾ لا يأكل منها إلا من نشاء: يريدون خدم الأوثان، والرجال دون النساء. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ انظر الآية قبل السابقة. ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يعني: البحائر، والسوائب، والحوامي. انظر الآية

стр. 1817

رقم [٥/ ١٠٣] لشرح ذلك، وتفصيله. ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ أي: وقت الذبح، وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها. وقيل: لا يحجون عليها، ولا يركبونها لفعل الخير؛ لأنه لما جرت العادة بذكر الله على فعل كل خير؛ ذم هؤلاء على ترك فعل الخير. وانظر شرح: ﴿اِسْمَ﴾ في البسملة. ﴿اِفْتِراءً:﴾ اختلاقا من غير دليل. (يجزيهم): انظر الآية رقم [١٢٠] بعد هذا انظر شرح: ﴿حِجْرٌ﴾ في الآية رقم [٢٣] (النساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَنْعامٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَحَرْثٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿حِجْرٌ:﴾ صفة ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾ وقد رأيت في الشرح: أنه يستوي فيه المفرد، وغيره. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَطْعَمُها:﴾ مضارع، وها: مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نشاؤه. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿لا يَطْعَمُها..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾ أو هي في محل نصب حال منهما بعد وصفهما بما تقدم. ﴿أَنْعامٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف التقدير: وهذه ﴿أَنْعامٌ﴾. وهذه الجملة معطوفة على ما قبلهما، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. هذا؛ ويجوز عطف أنعام على السابق، فيكون العطف عطف مفرد على مفرد. ﴿حُرِّمَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول. والتاء للتأنيث. ﴿ظُهُورُها:﴾ نائب فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿أَنْعامٌ﴾. ﴿أَنْعامٌ:﴾ هو مثل سابقه على الوجهين المعتبرين فيه، والجملة الفعلية: ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ في محل رفع صفة: ﴿أَنْعامٌ﴾. ﴿اِفْتِراءً:﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها-وهو مذهب سيبويه-: أنه مفعول من أجله. الثاني: أنه مصدر، عامله من غير لفظه؛ لأن قوله المحكي عنهم افتراء، فهو نظير: «قعد القرفصاء» وهو قول الزجاج. الثالث: أنه مصدر، عامله من لفظه مقدر، أي: افترى ذلك افتراء. الرابع: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قالوا ذلك حال افترائهم، وهي تشبه الحال المؤكدة؛ لأن هذا القول المخصوص لا يكون قائله إلا مفتريا، وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ يجوز تعلقه ب: ﴿اِفْتِراءً﴾ على القول الأول والرابع، وعلى الثاني والثالث بقالوا، لا ب: ﴿اِفْتِراءً﴾ لأن المصدر المؤكد لا يعمل، ويجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل: ﴿اِفْتِراءً،﴾ وهذا جاز على كل قول من الأقوال السابقة. انتهى جمل بحروفه نقلا عن السمين. ﴿سَيَجْزِيهِمْ:﴾ السين، حرف استقبال، ويقال: حرف تنفيس. (يجزيهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول.

стр. 1818

﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر إعراب: ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٢٤] فهو مثله بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿سَيَجْزِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: مشركو العرب. ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ:﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والشعبي-﵃: أرادوا أجنّة البحائر، والسوائب، فما ولد منها حيّا؛ فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد منها ميتا؛ أكله الرجاء، والنساء. وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ﴾. هذا؛ وقد أنّث ﴿خالِصَةٌ﴾ وهي خبر عن ﴿ما﴾ باعتبار معناها، وذكّر ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ وهو خبر عنها باعتبار لفظها، فعلى هذا تكون التاء في ﴿خالِصَةٌ﴾ للتأنيث. هذا؛ وقد قيل: إن التاء للنقل إلى الاسمية، أو للمبالغة، كما في: علامة، ونسابة، وراوية، والخاصة، والعامة. أو على المصدر على وزن فاعلة، كالعافية، والعاقبة. وذكر (محرّم) للحمل على اللفظ، وهذا نادر لا نظير له، وإنما عهد مراعاة المعنى، ثم اللفظ في (من) و (ما) انتهى جمل بحروفه. بعد هذا انظر: ﴿الْمَيِّتِ﴾ في الآية رقم [٩٥] و (يجزيهم) في الآية رقم [١٢٠] والمعنى هنا: سيحاسبهم على قولهم الكذب في التحليل، والتحريم بدون دليل، قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في صنعه، وأحكامه، وتشريعاته. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بخلقه، وبمصالحهم. الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي بُطُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها، و ﴿بُطُونِ:﴾ مضاف، و ﴿هذِهِ:﴾ مضاف إليه، فهو اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْأَنْعامِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: هو صفة لاسم الإشارة. ﴿خالِصَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما فِي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿لِذُكُورِنا:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِصَةٌ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَمُحَرَّمٌ:﴾ معطوف على: ﴿خالِصَةٌ﴾. ﴿عَلى أَزْواجِنا:﴾ متعلقان ب (محرم)، و (نا): في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بنصب: «خالصة» على أنه حال، وصاحب الحال الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور: ﴿فِي بُطُونِ﴾ فيكون خبر المبتدأ متعلق: ﴿لِذُكُورِنا﴾ والقياس يقتضي نصب (محرم) لأنه معطوف على: ﴿خالِصَةٌ،﴾ ولم أجد من قرأه بالنصب، كما قرئ: «(خالصة)»

стр. 1819

بالإضافة إلى الضمير، وفي إعرابه وجهان: أحدهما: مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، فيتكون جملة اسمية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿ما﴾ والثاني على أنه بدل من ﴿ما،﴾ فيبقى: ﴿لِذُكُورِنا﴾ خبرها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب (لم)، واسمه يعود إلى ما يوجد في بطون الأنعام. ﴿مَيْتَةً:﴾ خبره، وقرئ «(ميتة)» بالرفع، وهو على اعتبارين: أولهما: اعتباره اسما ل: ﴿يَكُنْ﴾ والخبر محذوف، التقدير: وإن يكن هناك ميتة، وثانيهما اعتبار الفعل تامّا، وميتة فاعله، كما قرئ «(تكن)» بالتاء، ورفع ميتة، ونصبها، والإعراب يكون على الوجهين مثل قراءته بالياء بلا فارق. والجملة الفعلية على جميع وجوه الإعراب لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم): مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شُرَكاءُ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. والجملة الشرطية معطوفة على جملة: (قالوا...) إلخ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ الشرح: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ:﴾ المراد بهم العرب الذين قتلوا بناتهم مخافة الفقر، والعار؛ الذي يتسبب عن السبي، ونحوه. وخسارتهم كانت في الدنيا باعتبار السعي في نقص عددهم، وإزالة ما أنعم الله به عليهم. وفي الآخرة باستحقاق العذاب الأليم. هذا؛ وقد قرئ: «قتلوا» بالتشديد، والتخفيف. هذا؛ وهل كان قتل الأولاد يقتصر على البنات، أم يتعدى إلى الذكور؟ المعروف: أن عامتهم كانوا يكرهون البنات، وإن الكثير منهم يئدون البنات؛ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل، ولذا اضطر الواحد منهم إلى الزواج من قبيلة أخرى. وأما قتل الذكور؛ فكان قليلا جدّا، وكان لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر، والضيق؛ لأنهم كانوا يتكثرون بالذكور، ويعتزون بهم، كما هو معروف، ومشهور. ﴿سَفَهاً:﴾ جهلا، والسفاهة هي الخفة، والجهالة المذمومة، وسبب هذه السفاهة هو قلة العلم، بل عدمه؛ لأن الجهل كان هو الغالب عليهم قبل بعثة رسول الله ﷺ ، ولذا سموا: جاهلية. هذا؛ وسفه نفسه: استمهنها، وأذلها، واستخف بها،

стр. 1820

قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء في قول النبي ﷺ : «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص الناس». أي: تحقرهم. وانظر الآية رقم [٧/ ٦٥] فإنه جيد. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ بغير حجة، وبرهان. ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ:﴾ وهو ما ذكر من الزروع، والأنعام، كالبحيرة... إلخ. ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ:﴾ اختلافا عليه . ﴿قَدْ ضَلُّوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ:﴾ إلى الحق، والصواب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ صفة الموصول، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿سَفَهاً:﴾ مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ: قال الجمل: جواب قسم محذوف. ولم أجده لغيره، ويظهر: أنها مستأنفة إن لم نوافقه بذلك. (حرموا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيئا رزقهم الله إياه، وعلى الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: حرموا رزق الله على أنفسهم، وجملة: ﴿وَحَرَّمُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١٣٨]. وجملة: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بمنزلة التأكيد لجملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها، والألف للتفريق. ﴿مُهْتَدِينَ:﴾ خبرها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَما كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ أي: والله الذي خلق، وابتدع. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بساتين. وانظر: ﴿جَنَّ﴾ في الآية رقم [٧٦]. ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ مرفوعات على ما يحملها. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ:﴾ ملقيات على وجه الأرض. وقيل: المعروشات: ما غرسه الناس، وغير المعروشات: ما نبت في البراري، والجبال. وانظر شرح: ﴿وَغَيْرَ﴾ في سورة (الفاتحة). ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ:﴾ إنما أفردا بالذكر مع أنهما داخلان في الجنات؛ لما فيهما من المنافع، والفضيلة على سائر ما ينبت في

стр. 1821

الجنات، والمراد بالزرع: جميع الحبوب؛ التي يقتات بها. ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي: ثمره، وحبه في الهيئة، والطعم، كالحلو، والحامض، والجيد، والرديء، والصغير، والكبير، وغير ذلك. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ:﴾ يتشابه ورقهما، وبعض أفرادهما في اللون، والطعم، ولا يتشابه بعضها. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ ثمر كل واحد من ذلك، والأمر للإباحة لا للوجوب. ﴿إِذا أَثْمَرَ:﴾ وإن لم ينضج، ولم يبع. وفيه رخصة للمالك في الأكل قبل حصاده، وتمام نضجه، أما بعد النضج فيحرم الأكل منه لتعلق حق الفقراء به، كما هو مبين في الفقه الإسلامي. ﴿وَآتُوا:﴾ أعطوا. ﴿حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ:﴾ يوم جذاذه، وقطعه، واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقيل: المراد به: الزكاة المفروضة، والآية مدنية، وعلى هذا فالآية محكمة، أي غير منسوخة. وقيل: بل المراد به أنه حق سوى الزكاة، فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع، والثمر. وهذا؛ وقرئ: «حصاده» بفتح الحاء، وكسرها. ﴿وَلا تُسْرِفُوا:﴾ الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان، وإن كان في الإنفاق أشهر. وقيل: السرف تجاوز ما حد لك، وسرف المال: إنفاقه في غير منفعة. ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله؛ فهو سرف؛ وإن كان قليلا. وقال سعيد بن المسيب: معناه: لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا القول: لا تجاوزوا الحد في البخل، والإمساك، حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف: مجاوزة الحد، إلا أن الأول في البذل، والإعطاء، والثاني في الإمساك، والبخل. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: يبغضهم، وعليه فعدم محبة الله لهم كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْشَأَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الموصول، وهو العائد. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ صفة ﴿جَنّاتٍ﴾ منصوب مثله. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف على: ﴿مَعْرُوشاتٍ،﴾ وغير مضاف، و ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَنْشَأَ..﴾. إلخ لا محل لها صلة الموصولة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ:﴾ معطوفان على جنات، فهو من عطف الخاص على العام. ﴿مُخْتَلِفاً:﴾ حال مما قبله، وهذه الحال مقدرة؛ لأن النخل، والزرع وقت خروجه لا أكل منه، حتى يكون مختلفا، أو متفقا، وهو مثل قولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أوضح. أي: مقدرا لكم الخلود فيها. ﴿أُكُلُهُ:﴾ فاعل ﴿مُخْتَلِفاً﴾ لأنه اسم فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والضمير عائد للزرع، والباقي مقيس عليه، أو النخل، والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفا عليه، أو للجميع على تقدير: «أكل ذلك» أو «كلّ واحد منهما». ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ:﴾

стр. 1822

معطوفان على جنات. ﴿مُتَشابِهاً:﴾ حال من: (الزيتون والرمان) وفاعله محذوف، تقديره: ورقهما. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف عليه فهو حال مثله، و (غير) مضاف، و ﴿مُتَشابِهٍ:﴾ مضاف إليه، وفاعله أيضا محذوف، التقدير: طعمهما، أو نحو ذلك. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَثْمَرَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ثَمَرِهِ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية ضعيف فيما يظهر، والجملة الفعلية: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آتوا حقه الفقراء والمساكين... إلخ. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُسْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ الشرح: ﴿الْأَنْعامِ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٦]. ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً:﴾ المراد ما يحمل الأثقال، مثل الجمال، وما يفرش للذبح، مثل الغنم، والماعز، أو ما يفرش المنسوج من شعره، وصوفه ووبره. وقيل: الكبار الصالحة للحمل، والصغار الدانية من الأرض، مثل الفرش المفروش عليها، سميت بذلك؛ لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها. ﴿كُلُوا:﴾ هذا الأمر للإباحة. ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ مما أحل لكم أكله. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ طرائقه، وتعاليمه في التحليل، والتحريم من عند أنفسكم. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ:﴾ ظاهر العداوة، بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّيْطانِ﴾ في الاستعاذة، وشرح: ﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [١١٢]. ﴿مُبِينٌ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ١٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. هذا؛ و ﴿خُطُواتِ﴾ جمع خطوة، بضم الخاء، وسكون الطاء. وهي في الأصل ما بين القدمين، فاستعيرت هنا لوسوسة الشيطان، وزخرفته، وتجمع في القلة: خطوات بضم الخاء، وتثليث الطاء، أي: الضم باتباع ثانيه لأوله، والفتح، وإبقاء السكون على حاله كما في المفرد، وتجمع في الكثرة على: خطى، بضم الخاء. هذا؛ والخطوة بفتح الخاء: المرة الواحدة، وجمعها: خطوات بفتح الخاء، والطاء لا غير.

стр. 1823

بعد هذا أنقل لك ما قاله المرحوم مصطفى الغلاييني في جامع الدروس العربية: وإن جمعت اسما ثلاثيّا، مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل: خطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة، جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانيه لأوله، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات وفقرات. الثاني: فتح ثانيه، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السكون، كخطوات وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. أما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرك الثاني كشجرة، والاسم الثلاثي الذي ثانيه حرف علة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام، كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمعا مؤنثا سالما. انتهى. الإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، معطوف على ما قبله، التقدير: وأنشأ، أو: وخلق من الأنعام. ﴿حَمُولَةً:﴾ مفعول به للفعل المحذوف. ﴿وَفَرْشاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير، الذي، أو شيئا رزقكم الله إياه، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزق الله لكم. وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿خُطُواتِ:﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل للنهي لا محل لها. هذا؛ والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿عَدُوٌّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣)﴾ الشرح: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ:﴾ ثمانية أصناف. هذا؛ والزوج: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ويحصل منهما النّسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه، لا ينفك عنه، ويحصل منهما النسل، وكذا يطلق على الاثنين، فهو مشترك، والمراد هنا الإطلاق الأول. انتهى جمل. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر، والأنثى. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، الواحد:

стр. 1824

ضائن، والأنثى: ضائنة، والجمع: ضوائن. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر، والأنثى، والمعز: ذوات الشعر من الغنم. والمعز يقرأ بسكون العين، وفتحها، وهو جمع ما عز. وقيل: الضأن، والمعز اسما جمع، والأول أصح. ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ أي: من الغنم، والماعز. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مثنى أنثى، والمراد بهما أيضا من الغنم، والماعز. ﴿آلذَّكَرَيْنِ:﴾ الهمزة حرف استفهام، وقد مدت مدّا لازما بقدر ست حركات، ولولا مدها لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد بمد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام، والخبر؛ لأنه لولا المد؛ لتوهم: أنه خبر لا استفهام. وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس) ففيها الشفاء الكافي لقلبك. هذا؛ وقد قرئ «(اثنان)» على الابتداء. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ أو ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان، أو أنثى. والمعنى: إنكار أن يحرم الله من جنس الغنم شيئا. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ:﴾ أخبروني بأمر معلوم من عند الله يدل على تحريم ما حرمتم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في دعوى التحريم، وانظر إعلال: ﴿قُلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٧] (المائدة) فإعلال: ﴿كُنْتُمْ﴾ مثله، وانظر (النبأ) في الآية رقم [١٤] (المائدة) أو رقم [١٠١] (الأعراف). الإعراب: ﴿ثَمانِيَةَ:﴾ ذكر فيه أبو البقاء خمسة أوجه: أحدها: هو معطوف على ﴿جَنّاتٍ﴾ أي: وأنشأ ثمانية أزواج. وحذف الفعل، وحرف العطف. وهو ضعيف. الثاني: أن تقديره: كلوا ثمانية أزواج. والثالث: هو منصوب ب: «كلوا» محذوف، تقديره: كلوا مما رزقكم ثمانية أزواج، ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ معترض بينهما. والرابع: هو بدل من: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ والخامس: هو حال، تقديره: مختلفة، أو متعددة، وصاحب الحال هو (ما) وتقديره الثاني: كلوا لحم ثمانية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، و ﴿ثَمانِيَةَ:﴾ مضاف، و ﴿أَزْواجٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الضَّأْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿اِثْنَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ بدل من ﴿ثَمانِيَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى. هذا؛ وعلى قراءة: «(اثنان)» فهو مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف إلخ، والجار والمجرور: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله على الوجهين. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آلذَّكَرَيْنِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (الذكرين): مفعول به مقدم منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ معطوف على (الذكرين) منصوب مثله.. إلخ. (أم): حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على (الذكرين)، وتحتمل (ما) الموصوفة، أي: شيء. هذا؛ وترسم مع (أم) هكذا (أما) وذلك بسبب

стр. 1825

إدغام الميم الساكنة في الميم المتحركة. ﴿اِشْتَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَرْحامُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور إلخ، والجملة الفعلية: ﴿اِشْتَمَلَتْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: (على) وانظر الآية التالية لما أهمل هنا. ﴿نَبِّئُونِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿بِعِلْمٍ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين في دعوى التحريم؛ فنبئوني بأمر معلوم من عند الله. والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها تمام الارتباط، فهي مستأنفة مثلها. ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤)﴾ الشرح: ﴿الْإِبِلِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده: جمل، أو ناقة، والبعير يشملهما كالإنسان للرجل، والمرأة، وقوله تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ دليل واضح على ذلك. هذا؛ ويجمع على: آبال، والإبل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل. ﴿الْبَقَرِ:﴾ اسم جنس، واحدة: بقرة، وهي تقع على الذكر، والأنثى، نحو: حمامة، والصفة تميز الذكر من الأنثى. تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر: الثور، نحو: ناقة، وجمل، وأتان، وحمار. وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث، ومنه: بقر بطنه. هذا؛ وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصدقة لأهل اليمن: «في ثلاثين باقورة بقرة». هذا؛ والباقر: جماعة البقر مع رعائها، والتبقر: التوسع في العلم، ومنه محمد (الباقر) لتبقره في العلم، أي: لتبحره فيه. ﴿أَرْحامُ:﴾ جمع رحم، والمراد به هنا: مستودع الجنين في أحشاء الحبلى من الإنسان،
следующие страницы →