← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الجنات، والمراد بالزرع: جميع الحبوب؛ التي يقتات بها. ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي: ثمره، وحبه في الهيئة، والطعم، كالحلو، والحامض، والجيد، والرديء، والصغير، والكبير، وغير ذلك. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ:﴾ يتشابه ورقهما، وبعض أفرادهما في اللون، والطعم، ولا يتشابه بعضها. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ ثمر كل واحد من ذلك، والأمر للإباحة لا للوجوب. ﴿إِذا أَثْمَرَ:﴾ وإن لم ينضج، ولم يبع. وفيه رخصة للمالك في الأكل قبل حصاده، وتمام نضجه، أما بعد النضج فيحرم الأكل منه لتعلق حق الفقراء به، كما هو مبين في الفقه الإسلامي. ﴿وَآتُوا:﴾ أعطوا. ﴿حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ:﴾ يوم جذاذه، وقطعه، واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقيل: المراد به: الزكاة المفروضة، والآية مدنية، وعلى هذا فالآية محكمة، أي غير منسوخة. وقيل: بل المراد به أنه حق سوى الزكاة، فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع، والثمر. وهذا؛ وقرئ: «حصاده» بفتح الحاء، وكسرها. ﴿وَلا تُسْرِفُوا:﴾ الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان، وإن كان في الإنفاق أشهر. وقيل: السرف تجاوز ما حد لك، وسرف المال: إنفاقه في غير منفعة. ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله؛ فهو سرف؛ وإن كان قليلا. وقال سعيد بن المسيب: معناه: لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا القول: لا تجاوزوا الحد في البخل، والإمساك، حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف: مجاوزة الحد، إلا أن الأول في البذل، والإعطاء، والثاني في الإمساك، والبخل. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: يبغضهم، وعليه فعدم محبة الله لهم كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْشَأَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الموصول، وهو العائد. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ صفة ﴿جَنّاتٍ﴾ منصوب مثله. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف على: ﴿مَعْرُوشاتٍ،﴾ وغير مضاف، و ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَنْشَأَ..﴾. إلخ لا محل لها صلة الموصولة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ:﴾ معطوفان على جنات، فهو من عطف الخاص على العام. ﴿مُخْتَلِفاً:﴾ حال مما قبله، وهذه الحال مقدرة؛ لأن النخل، والزرع وقت خروجه لا أكل منه، حتى يكون مختلفا، أو متفقا، وهو مثل قولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أوضح. أي: مقدرا لكم الخلود فيها. ﴿أُكُلُهُ:﴾ فاعل ﴿مُخْتَلِفاً﴾ لأنه اسم فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والضمير عائد للزرع، والباقي مقيس عليه، أو النخل، والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفا عليه، أو للجميع على تقدير: «أكل ذلك» أو «كلّ واحد منهما». ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ:﴾

стр. 1822

معطوفان على جنات. ﴿مُتَشابِهاً:﴾ حال من: (الزيتون والرمان) وفاعله محذوف، تقديره: ورقهما. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف عليه فهو حال مثله، و (غير) مضاف، و ﴿مُتَشابِهٍ:﴾ مضاف إليه، وفاعله أيضا محذوف، التقدير: طعمهما، أو نحو ذلك. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَثْمَرَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ثَمَرِهِ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية ضعيف فيما يظهر، والجملة الفعلية: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آتوا حقه الفقراء والمساكين... إلخ. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُسْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ الشرح: ﴿الْأَنْعامِ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٦]. ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً:﴾ المراد ما يحمل الأثقال، مثل الجمال، وما يفرش للذبح، مثل الغنم، والماعز، أو ما يفرش المنسوج من شعره، وصوفه ووبره. وقيل: الكبار الصالحة للحمل، والصغار الدانية من الأرض، مثل الفرش المفروش عليها، سميت بذلك؛ لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها. ﴿كُلُوا:﴾ هذا الأمر للإباحة. ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ مما أحل لكم أكله. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ طرائقه، وتعاليمه في التحليل، والتحريم من عند أنفسكم. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ:﴾ ظاهر العداوة، بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّيْطانِ﴾ في الاستعاذة، وشرح: ﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [١١٢]. ﴿مُبِينٌ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ١٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. هذا؛ و ﴿خُطُواتِ﴾ جمع خطوة، بضم الخاء، وسكون الطاء. وهي في الأصل ما بين القدمين، فاستعيرت هنا لوسوسة الشيطان، وزخرفته، وتجمع في القلة: خطوات بضم الخاء، وتثليث الطاء، أي: الضم باتباع ثانيه لأوله، والفتح، وإبقاء السكون على حاله كما في المفرد، وتجمع في الكثرة على: خطى، بضم الخاء. هذا؛ والخطوة بفتح الخاء: المرة الواحدة، وجمعها: خطوات بفتح الخاء، والطاء لا غير.

стр. 1823

بعد هذا أنقل لك ما قاله المرحوم مصطفى الغلاييني في جامع الدروس العربية: وإن جمعت اسما ثلاثيّا، مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل: خطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة، جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانيه لأوله، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات وفقرات. الثاني: فتح ثانيه، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السكون، كخطوات وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. أما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرك الثاني كشجرة، والاسم الثلاثي الذي ثانيه حرف علة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام، كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمعا مؤنثا سالما. انتهى. الإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، معطوف على ما قبله، التقدير: وأنشأ، أو: وخلق من الأنعام. ﴿حَمُولَةً:﴾ مفعول به للفعل المحذوف. ﴿وَفَرْشاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير، الذي، أو شيئا رزقكم الله إياه، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزق الله لكم. وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿خُطُواتِ:﴾ مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل للنهي لا محل لها. هذا؛ والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿عَدُوٌّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣)﴾ الشرح: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ:﴾ ثمانية أصناف. هذا؛ والزوج: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ويحصل منهما النّسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه، لا ينفك عنه، ويحصل منهما النسل، وكذا يطلق على الاثنين، فهو مشترك، والمراد هنا الإطلاق الأول. انتهى جمل. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر، والأنثى. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، الواحد:

стр. 1824

ضائن، والأنثى: ضائنة، والجمع: ضوائن. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر، والأنثى، والمعز: ذوات الشعر من الغنم. والمعز يقرأ بسكون العين، وفتحها، وهو جمع ما عز. وقيل: الضأن، والمعز اسما جمع، والأول أصح. ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ أي: من الغنم، والماعز. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مثنى أنثى، والمراد بهما أيضا من الغنم، والماعز. ﴿آلذَّكَرَيْنِ:﴾ الهمزة حرف استفهام، وقد مدت مدّا لازما بقدر ست حركات، ولولا مدها لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد بمد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام، والخبر؛ لأنه لولا المد؛ لتوهم: أنه خبر لا استفهام. وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس) ففيها الشفاء الكافي لقلبك. هذا؛ وقد قرئ «(اثنان)» على الابتداء. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ أو ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان، أو أنثى. والمعنى: إنكار أن يحرم الله من جنس الغنم شيئا. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ:﴾ أخبروني بأمر معلوم من عند الله يدل على تحريم ما حرمتم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في دعوى التحريم، وانظر إعلال: ﴿قُلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٧] (المائدة) فإعلال: ﴿كُنْتُمْ﴾ مثله، وانظر (النبأ) في الآية رقم [١٤] (المائدة) أو رقم [١٠١] (الأعراف). الإعراب: ﴿ثَمانِيَةَ:﴾ ذكر فيه أبو البقاء خمسة أوجه: أحدها: هو معطوف على ﴿جَنّاتٍ﴾ أي: وأنشأ ثمانية أزواج. وحذف الفعل، وحرف العطف. وهو ضعيف. الثاني: أن تقديره: كلوا ثمانية أزواج. والثالث: هو منصوب ب: «كلوا» محذوف، تقديره: كلوا مما رزقكم ثمانية أزواج، ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ معترض بينهما. والرابع: هو بدل من: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ والخامس: هو حال، تقديره: مختلفة، أو متعددة، وصاحب الحال هو (ما) وتقديره الثاني: كلوا لحم ثمانية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، و ﴿ثَمانِيَةَ:﴾ مضاف، و ﴿أَزْواجٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الضَّأْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿اِثْنَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ بدل من ﴿ثَمانِيَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى. هذا؛ وعلى قراءة: «(اثنان)» فهو مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف إلخ، والجار والمجرور: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله على الوجهين. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آلذَّكَرَيْنِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (الذكرين): مفعول به مقدم منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ معطوف على (الذكرين) منصوب مثله.. إلخ. (أم): حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على (الذكرين)، وتحتمل (ما) الموصوفة، أي: شيء. هذا؛ وترسم مع (أم) هكذا (أما) وذلك بسبب

стр. 1825

إدغام الميم الساكنة في الميم المتحركة. ﴿اِشْتَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَرْحامُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور إلخ، والجملة الفعلية: ﴿اِشْتَمَلَتْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: (على) وانظر الآية التالية لما أهمل هنا. ﴿نَبِّئُونِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿بِعِلْمٍ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين في دعوى التحريم؛ فنبئوني بأمر معلوم من عند الله. والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها تمام الارتباط، فهي مستأنفة مثلها. ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤)﴾ الشرح: ﴿الْإِبِلِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده: جمل، أو ناقة، والبعير يشملهما كالإنسان للرجل، والمرأة، وقوله تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ دليل واضح على ذلك. هذا؛ ويجمع على: آبال، والإبل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل. ﴿الْبَقَرِ:﴾ اسم جنس، واحدة: بقرة، وهي تقع على الذكر، والأنثى، نحو: حمامة، والصفة تميز الذكر من الأنثى. تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر: الثور، نحو: ناقة، وجمل، وأتان، وحمار. وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث، ومنه: بقر بطنه. هذا؛ وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصدقة لأهل اليمن: «في ثلاثين باقورة بقرة». هذا؛ والباقر: جماعة البقر مع رعائها، والتبقر: التوسع في العلم، ومنه محمد (الباقر) لتبقره في العلم، أي: لتبحره فيه. ﴿أَرْحامُ:﴾ جمع رحم، والمراد به هنا: مستودع الجنين في أحشاء الحبلى من الإنسان،

стр. 1826

والحيوان. ومعنى هذا الكلام: إنكار: أن الله حرم شيئا من هذه الأجناس الأربعة، ذكرا كان، أو أنثى، وما تحمل إناثها، ردّا عليهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة أخرى، وأولادها كيف كانت تارة زاعمين: أنّ الله حرمها، فقيل لهم: من أين جاء التحريم؟ فإن كان من قبل الذكورة، فجميع الذكور حرام، وإن كان من قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام، وإن كان من قبل اشتمال الرحم فالزوجان حرام، فمن أين جاء التخصيص ببعض المذكورات؟ ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا:﴾ هذا توبيخ آخر، والمعنى: هل كنتم حضورا مع الله وقت وصاكم به؛ لأنكم لا تؤمنون بنبي، فلا طريق لكم إلا المشاهدة، والسماع، فاعتمدتم ذلك، لا بل أنتم كاذبون مفترون هذا التحريم، وهذا التحليل. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ حيث نسب إليه تحريم ما لم يحرم، وهل يوجد أشقى، وأشد ظلما، وأبعد عن الحق ممن يكذب على الله، ويضيف إليه شيئا لا أصل له، يفعل ذلك؛ ليضل الناس عن طريق الحق، والصواب. قيل: المراد بذلك عمرو بن لحي الخزاعي؛ لأنه أول من بحر البحائر، وسيب السوائب، وغير دين إبراهيم-﵊-ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته، أو ابتدع شيئا لم يأمر به الله، ولا رسوله، ونسب ذلك إلى الله تعالى؛ لأن اللفظ عام، فلا وجه للتخصيص. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: إن الله لا يرشد، ولا يوفق من كذب على الله، وأضاف إليه ما لم يشرعه لعباده. هذا؛ وانظر: ﴿الْقَوْمَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠] وانظر (الظلم) في الآية رقم [٥/ ٥١] وانظر: غير في سورة (الفاتحة). الإعراب: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية السابقة، وهو مثله قراءة، وإعرابا. ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة، وأضيف هنا: أن الجملة الفعلية: ﴿آلذَّكَرَيْنِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وأن الجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى: بل، وتسمى منقطعة، بخلاف سابقتها، فإنها متصلة؛ لأنها معادلة للهمزة، فهي عاطفة. ﴿كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ كان، واسمها، وخبرها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شُهَداءَ﴾ وهو أولى من تعليقه ب: (كان). ﴿وَصّاكُمُ اللهُ﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بينهما لا محل له. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ﴾ لأنه صيغة تفضيل، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض مبني

стр. 1827

على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به. ﴿لِيُضِلَّ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (من). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿النّاسَ﴾ و (غير): مضاف، و ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه، التقدير: غير عالمين، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: للإضلال، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ صلة (من) أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة بكاملها في الآية رقم [٥١] (المائدة) إفرادا، وجملا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، ومثله ما بعده، وما قبله. ﴿لا أَجِدُ:﴾ انظر إعلال: ﴿يَصِلُ﴾ في الآية رقم [١٣٦] فهو مثله. ﴿فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: أنزل إلي من القرآن الكريم بواسطة جبريل الأمين، ﵇. ﴿مُحَرَّماً:﴾ المحرم، والحرام هو في الأصل كل ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك مما بينك وبين غيرك. وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه. وحرمة الرجل محظورة به عن غيره. وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال والتلذذ به. والإحرام بالحج، والعمرة هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلامي. ﴿طاعِمٍ:﴾ آكل. ﴿يَطْعَمُهُ:﴾ يأكله، والمراد بطاعم الذكور والإناث. فهو رد لما افتروه. والفعل من باب: فهم، وعلم، وهو في المصحف كما رأيت، وقرئ بتشديد الطاء وكسر العين، ونسبت هذه القراءة لعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. ﴿يَكُونَ مَيْتَةً﴾ قرئ الفعل بالتاء، والياء كما قرئ برفع: «ميتة» ونصبها. والمراد بتحريم الميتة: تحريم لحمها، أو الانتفاع بشيء منها، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية، والحديث الشريف ألحق بها ما أبين من حيوان حي، وخص منها السمك والجراد بقول النبي ﷺ : «أحلت لنا ميتتان، ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال». وانظر: ﴿الْمَيِّتِ﴾ أي: إعلاله، ومعناه في الآية رقم [٩٥]. ﴿دَماً مَسْفُوحاً﴾ أي: سائلا، بخلاف غيره، كالكبد، والطحال. هذا؛ والمراد به هنا وفي آية (البقرة) دم الحيوان الذي يذبح، كان الجاهليون يجمدونه، ويقلونه بالزيت، ونحوه، ثم يأكلونه. ﴿لَحْمَ خِنزِيرٍ:﴾ والمراد به جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه معظم ما يؤكل من

стр. 1828

الحيوان. ﴿رِجْسٌ:﴾ نجس، وقد ثبت عند كثير من النصارى: أن في أكل لحمه ضررا. ﴿فِسْقاً:﴾ عصيانا، وخروجا عن طاعة الله تعالى. وانظر: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٥]. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ:﴾ رفع الصوت للصنم عند ذبحه، ويدخل في ذلك كل ما لم يقصد به وجه الله تعالى، ولذا نهى الإمام علي-﵁-عن أكل الإبل التي ذبحها جد الفرزدق غالب عند مباراته غيره في الكرم. وقس على ذلك كل ما لم يقصد به وجه الله تعالى. هذا؛ والإهلال: رفع الصوت، وكانوا يرفعونه عند الذبح لالهتهم، والأصل فيه أن يرفع الصوت بالتكبير عند رؤية الهلال في مطلع الشهر الجديد. هذا؛ ويلحق بما ذكر من الأمور الأربعة بالسنّة النبوية كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ:﴾ ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر بسبب الجوع، أو خوف، أو إكراه، ونحو ذلك. ﴿باغٍ:﴾ خارج عن المسلمين. من: البغي والظلم. ﴿عادٍ:﴾ معتد عليهم بقطع الطريق. هذا قول المفسرين من أئمة الشافعية. وأما المفسرون من أئمة الحنفية فقد فسروا الأول بقاصد للشهوة، واللذة، وفسروا الثاني بمتجاوز مقدار الحاجة من سد الرمق، ودفع الخوف، والتخلص من الإكراه. هذا؛ وانظر إعلال مثلهما في الآية رقم [١٣٤]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿غَفُورٌ:﴾ لعبده المؤمن إذا فعل الأكل في حال الضرورة المذكورة. وهو صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بعباده حيث رخص لهم الأمور المحظورة في حال الضرورة. وانظر البسملة للتوسع في شرحه، وانظر: ﴿أَوْحَيْنا﴾ في الآية [١٦٣] من سورة (النساء). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَجِدُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿فِي ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم على الأول، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿أُوحِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما). ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها. ﴿مُحَرَّماً:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلى طاعِمٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُحَرَّماً﴾ وجملة: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ مع الفاعل المستتر في محل جر صفة ﴿طاعِمٍ﴾ وجملة: ﴿لا أَجِدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُحَرَّماً﴾. ﴿مَيْتَةً:﴾ خبره. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿دَماً:﴾ معطوف على ميتة. ﴿مَسْفُوحاً:﴾ صفته. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَحْمَ:﴾ معطوف على ما قبله، و ﴿لَحْمَ:﴾ مضاف، و ﴿خِنزِيرٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقرأ ابن كثير: «(تكون)» بالتاء لتأنيث الخبر، وعلى القراءتين يقرأ «ميتة» بالنصب، والرفع، فعلى النصب يكون الفعل ناقصا، وعلى الرفع يكون الفعل تامّا بمعنى: يوجد، و «أن» المصدرية، والمضارع على نقصانه، أو تمامه في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنه): حرف مشبه

стр. 1829

بالفعل، والهاء اسمها. ﴿رِجْسٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿فِسْقاً:﴾ معطوفة على ﴿مَيْتَةً﴾ في حال نصبه، أو هو معطوف على المصدر المؤول. ﴿أُهِلَّ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لِغَيْرِ:﴾ متعلقان به، و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صفة: ﴿فِسْقاً﴾. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اُضْطُرَّ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من). ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نائب الفاعل، وغير مضاف، و ﴿باغٍ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿عادٍ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ): والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك: أنّ جواب الشرط محذوف، تقديره، فلا إثم عليه، ولا حرج، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٩]. هذا؛ ويجوز اعتبار (من) موصولة في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في خبر الموصول لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى ما تقدم؛ فالخبر محذوف، والجملة الاسمية هذه مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ (١٤٦)﴾ الشرح: ﴿هادُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿حَرَّمْنا:﴾ انظر: ﴿مُحَرَّماً﴾ في الآية السابقة. ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄-هو النعامة، والبعير، ونحو ذلك من الدواب، وكل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم، والطير، مثل: البعير، والنعامة، والأوز، والبط. هذا؛ وفي (الظفر) خمس لغات، أعلاها بضم الظاء، والفاء، وهي قراءة العامة، وثانيها بضم فسكون، وبها قرأ الحسن، وثالثها بكسر الظاء، والفاء، ونسبت لأبي السمال، ورابعها بكسر الظاء، وسكون الفاء، ونسبت أيضا للحسن، وخامسها: أظفور، ولم يقرأ بها فيما علمت. وجمع الثلاثي: أظفار، وجمع أظفور أظافير، وهو القياس، وأظافر من غير مد، وليس بقياس. انتهى جمل نقلا عن السمين، بتصرف كبير مني. وهذا التحريم المذكور في هذه الآية خاص باليهود اللؤماء. ﴿الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ:﴾ انظر شرحهما في الآية رقم [١٤٤].

стр. 1830

﴿شُحُومَهُما:﴾ جمع: شحم، وهو شحم رقيق يغشى الكرش، والأمعاء. ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أي: يستثنى من الشحوم ما علق بظهور البقر، والغنم. ﴿الْحَوايا:﴾ الأمعاء، جمع: حاوية، أو حاوياء، والمراد: تحليل الشحم الذي يشتمل على الأمعاء. ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ:﴾ المراد به: ألية الغنم، فإنه أحل لهم. والمراد بالعظم المختلط: عظم العصعص. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى التحريم المذكور. ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ عاقبناهم به، وانظر الآية [١٢٠]. ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وخروجهم عن أوامر ربهم، فكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي؛ عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم، وهم ينكرون ذلك، ويدعون: أنها محرمة على الأمم قبلهم. وانظر الآية رقم [٤/ ١٦٠]. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي: في الإخبار، والوعد، والوعيد. وفيه تعريض باليهود: أنهم كاذبون فيما يقولون. وانظر (نا) في الآية رقم [٥/ ٣٢] أو [٦] من سورة (الأعراف). بعد هذا فالبغي هو الظلم، والاعتداء على حق غيرك، وعواقبه ذميمة، ومال الباغي وخيم، وعقباه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى، والرمل، والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط] لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ و ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾. وقال أبو بكر الصديق ﵁: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه، وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ : أنه قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشرّ عقابا البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس-﵄-أنه قال: لو بغى جبل على جبل؛ لدك الباغي. ورحم الله من يقول: [البسيط] يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله وكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين، حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل] والبغي يصرع أهله... والظلم مرتعه وخيم هذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن). الإعراب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿حَرَّمْنا﴾ بعدهما، وجملة: ﴿هادُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿ذِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة،

стр. 1831

و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿ظُفُرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ:﴾ معطوفان على: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ فهما في محل نصب مثله، وجوز تعليقهما بالفعل بعدهما، والأول أقوى معنى. ﴿وَالْغَنَمِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شُحُومَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. ﴿حَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿ظُهُورُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حملته... إلخ. ﴿الْحَوايا:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وتقديره الكلام: أو حملته الحوايا. وقال أبو البقاء: ﴿الْحَوايا﴾ في موضع نصب عطفا على ﴿ما﴾. وقيل: هو معطوف على: ﴿شُحُومَهُما،﴾ فتكون محرمة أيضا، ولا وجه للقولين، تأمل. ﴿ما:﴾ معطوفة على: ﴿ما﴾ السابقة على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل المستتر إليها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: جزيناهموه. هذا؛ وقد جوز اعتبار ﴿ذلِكَ﴾ مفعولا به ثانيا مقدما. والمعنى لا يأباه. ﴿بِبَغْيِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المحذوف، التقدير: كائنا بسبب بغيهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ سواء أكانت اسمية أم فعلية؛ فهي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَصادِقُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (صادقون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في محل نصب حال من (نا) الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي: فيما جئت به من تحليل، وتحريم، وغير ذلك من أحكام التشريع. ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ أي: من سعة رحمته: أنه لم يعاجلكم بالانتقام، فلا تغتروا بذلك، فإنه إمهال، لا إهمال، وانظر الآية رقم [٧/ ١٥٥]. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: فحين ينزل العذاب على المجرمين لا يستطيع أحد أن يرده، ويدفعه مهما أوتي من قوة.

стр. 1832

هذا؛ وقد قيل: المعنى: ذو رحمة على المطيعين، وذو بأس شديد على المجرمين. ولا بأس. هذا؛ وسياق الكلام يدل على أن واو الجماعة عائدة على: ﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ في الآية السابقة، ولا بأس أن أقول: إن قوله: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ..﴾. إلخ يشمل اليهود، ومشركي أهل مكة. (قل): انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣] (الأعراف). ﴿بَأْسُهُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٢]. ﴿الْقَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٠] أو رقم [٣٢] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كَذَّبُوكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب بذلك الرسول ﷺ . ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ذُو:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿واسِعَةٍ:﴾ صفة: ﴿رَحْمَةٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. والجملة الشرطية: ﴿فَإِنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿بَأْسُهُ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَنِ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يُرَدُّ..﴾. إلخ معطوفة على خبر المبتدأ، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية برمتها، وعلى كل فهي من جملة المقول. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ الشرح: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هذا إخبار عن مستقبل، ووقع مخبره يدل على إعجازه، وقد وقع مقتضاه، كما حكى سبحانه عنهم في سورة (النحل) بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لو شاء الله خلاف ذلك مشيئة ارتضاء، كقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لما فعلنا ما فعلنا نحن، ولا آباؤنا. أرادوا أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله، لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم.

стр. 1833

﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مثل هذا التكذيب لك في أن الله تعالى منع من الشرك، ولم يحرم ما حرموه كذب الذين من قبلهم الرسل. انتهى بيضاوي. ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أي: استمروا على ما هم عليه من التكذيب حتى نزل بهم عقاب الله تعالى. وفي قوله تعالى: ﴿ذاقُوا بَأْسَنا﴾ استعارة تصريحية تبعية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ:﴾ من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا:﴾ فتظهروه لنا، وتبينوه كما بينا لكم خطأ قولكم، وفعلكم. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ:﴾ ما تتبعون في تحليلكم وتحريمكم إلا الظن من غير حجة، ولا برهان. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ أي: تكذبون. وانظر الآية رقم [١١٦]. تنبيه: ذكرت لك: أن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ..﴾. إلخ إخبار عن مستقبل، وقد حقق مقتضاه بما ذكرته لك من سورة (النحل). هذا؛ ولا مانع أن نقول: إن المعنى: أنهم يستمرون على هذا القول، وإن كانوا قد قالوه، وحكمة الاستقبال: أنهم كما قالوا ذلك في الماضي، منهم أيضا من يقوله في المستقبل، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٤٢] (البقرة) وما ذكرته في شرحها. بعد هذا انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥] و ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩] والبأساء في الآية رقم [٤٢]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ مضارع، والسين حرف استقبال. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧] و [١١٢] ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة تأكيد النفي. ﴿آباؤُنا:﴾ معطوف على (نا) وجاز ذلك لوجود الفصل ب: (لا)، وجملة: ﴿وَلا حَرَّمْنا﴾ معطوفة على جملة جواب (لولا) لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا عامله ما بعده، التقدير: «كذب الذين من قبلهم تكذيبا كائنا مثل تكذيبهم لك يا محمد». ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مقدرة. ﴿ذاقُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿كَذَّبَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿عِنْدَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة.

стр. 1834

﴿مِنْ:﴾ حرف جر زائد. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتُخْرِجُوهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد فاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿لَنا:﴾ متعلقان به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف على المصدر: ﴿عِلْمٍ﴾ التقدير: فهل يوجد عندكم علم فإخراج لنا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَخْرُصُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا الخطاب موجه للنبي ﷺ ، وانظر «القول» في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿فَلِلّهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ:﴾ البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه، وهي من الحج بمعنى القصد، كأنها تقصد إثبات الحكم، وتطلبه. انتهى بيضاوي. وقال النسفي: الحجة البالغة عليكم بأوامره، ونواهيه، ولا حجة لكم على الله بمشيئته انتهى. وقال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله، أو أشرك به على الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده. انتهى خازن. ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ:﴾ بالتوفيق لها، والحمل عليها، ولكن شاء هداية قوم، وضلال آخرين، وفيه دليل على أن الله تعالى لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ،﴾ وانظر الإرادة في الآية رقم [٥/ ٤١] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ٨٨] فإنه جيد جدّا. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت. ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحُجَّةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: إذا لم تكن لكم حجة؛ فلله الحجة، والجملة الشرطية على هذا الاعتبار في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَوْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ ماض. وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية مع المفعول المحذوف لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (هداكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به.

стр. 1835

﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمعنى الكاف مع الميم منصوب... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لَهَداكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ كسابقه، ولا حقه، وانظر «القول» في الآية رقم [/٥ ٧]. ﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل بمعنى: احضروا، و ﴿شُهَداءَكُمُ:﴾ مفعول به، فإن اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعدّ، ولزوم، واعلم: أن فيها لغتين: لغة الحجاز، ولغة بني تميم، فأما لغة الحجاز، وبها جاء التنزيل، فإنها فيها بصيغة واحدة، سواء أسندت لمفرد، أم مثنى، أم مجموع، مذكر، أم مؤنث، نحو: هلمّ يا زيد، هلمّ يا زيدان، هلمّ يا زيدون، هلمّ يا هندان، هلمّ يا هندات. وهي على هذه اللغة اسم فعل لعدم تغيرها، والتزمت العرب فيها فتح الميم على هذه اللغة، وهي حركة بناء، بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة تميم-وقد نسبها الليث إلى بني سعد-فتلحقها الضمائر، كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلمّا يا زيدان، هلمّوا يا زيدون، هلمّي يا هند، هلمّنّ يا هندات. وقال الفراء: يقال: هلمّين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف. هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة، وليس بشيء، والتزمت العرب فيها أيضا على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في: ردّ، وشدّ من الضم والكسر. انتهى جمل نقلا عن السمين، ومثله في قطر الندى، ولكنه أخصر. هذا؛ وأصله عند البصريين: هالمّ من: لمّ إذا قصد، حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل، وعند الكوفيين أصله: هل أم، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام. وهو بعيد؛ لأن هل لا تدخل على الأمر، ويكون متعديا كما في الآية، ولازما كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ انتهى بيضاوي. بعد هذا أقول: وهو جامد على الاعتبارين، لا يأتي منه مضارع، أو اسم مضارع، ولا ماض ولا اسمه. وانظر: ﴿هاتُوا﴾ في الآية رقم [٢/ ١١١] و ﴿تَعالَوْا﴾ في الآية التالية. ﴿شُهَداءَكُمُ﴾ أي: من الإنس، أو من الجن، ولا يراد به هنا الأصنام، وهو جمع: شاهد، أو شهيد. وإنما أمروا بإحضارهم؛ لتلزمهم الحجة، ويظهر ضلالهم، وأنه لا متمسك لهم سوى تقليدهم. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا:﴾ بعد حضورهم. ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ:﴾ فلا تصدقهم فيه، وبين لهم فساده، فإن تسليمه موافقة لهم في الشهادة الباطلة. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: إن وقع منهم شهادة؛ فإنما هي باتباع الهوى، فلا تتبع أنت أهواءهم. وانظر ﴿الْهَوى﴾ في الآية رقم [٤/ ١٣٥] و ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ:﴾ لا يصدقون، ولا يعتقدون بوجود

стр. 1836

الآخرة، وانظر الآية رقم [٥/ ٣٣]. ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١] والمحال عليها، فإنه جيد، وانظر: «الحرام، والمحرم» في الآية رقم [١٤٥]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلُمَّ:﴾ انظر الشرح، وفاعله مستتر تقديره: «أنتم». ﴿شُهَداءَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما قبله، أو هو بدل منه. ﴿يَشْهَدُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية: ﴿حَرَّمَ هذا﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: يشهدون بتحريم الله لهذا، والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿هَلُمَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (إنّ) حرف شرط جازم. ﴿شَهِدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَشْهَدْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَشْهَدْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط إلخ، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلا تَتَّبِعْ:﴾ مثل سابقه. ﴿أَهْواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَتَّبِعْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله، والجملة الفعلية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَعْدِلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿تَعالَوْا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٤] ففيها الكفاية. ﴿أَتْلُ:﴾ أقرأ. ﴿حَرَّمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٥]. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر سورة (الأعراف) رقم [٣]

стр. 1837

والشرك رقم [٣٣] منها أيضا. ﴿شَيْئاً:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ يراد في هذا اللفظ: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم، وأيضا في لفظ (الأبوين) تغليب، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى. والإحسان إلى الأبوين يكون بالقول، والفعل، والإنفاق عليهما عند عجزهما، واحتياجهما. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أي: من أجل فقر، ومن خشيته، كقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا؛ وانظر قتل الأولاد في الآية رقم [١٤٠]. ﴿الْفَواحِشَ:﴾ كبائر الذنوب، أو الزنى خاصة. ﴿ما ظَهَرَ مِنْها:﴾ بأن اطلع عليها الناس. ﴿وَما بَطَنَ:﴾ بأن لم يطلع عليه إلا الله تعالى. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ..﴾. إلخ: هذا شبيه بذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأنه؛ لأن الفواحش يندرج فيها قتل النفس، فجرد منها هذا استعظاما له، وتهويلا لشأنه. ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ كالقود، وحدّ الردّة، ورجم المحصن. فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». انتهى. متفق عليه. هذا؛ وانظر قتل المؤمن عمدا في الآية رقم [٤/ ٩٣]. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر في هذه الآية. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون ما أباح، وما حرم. والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا! وانظر (العقل) في الآية رقم [٢/ ٧٥] أو الآية [٢٢] من سورة (الأنفال). تنبيه: يكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير. والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة؛ فهو مكروه كراهة شديدة، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ : «العزل هو الوأد الخفيّ» وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على المرأة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، وأما إسقاطه بعد نفخ الروح، فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد الذي ذكرته في الآية رقم [٤/ ٩٣] ما لم تكن هناك ضرورة شديدة تدعو لإسقاطه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَتْلُ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها بمفردها، وهي مع

стр. 1838

سابقتها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي على الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حرمه ربكم عليكم، وعلى الاعتبار الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: أتل تحريم ربكم عليكم. و ﴿حَرَّمَ﴾ ماض، و ﴿رَبُّكُمْ﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا) نافية. ﴿تُشْرِكُوا:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله؛ والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق، و (أن) المصدرية والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بدل من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف معطوف على ما قبله، ومنصوب أيضا؛ إذ التقدير: وأن تحسنوا بالوالدين. ﴿إِحْساناً:﴾ مفعول مطلق عامله الفعل المحذوف، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَقْتُلُوا:﴾ معطوف على: ﴿تُشْرِكُوا﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿أَوْلادَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة... ﴿مِنْ إِمْلاقٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَرْزُقُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ تعليل للنفي لا محل لها. ﴿وَإِيّاهُمْ:﴾ ضمير نصب منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الكاف الواقعة مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَقْرَبُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا... إلخ. ﴿الْفَواحِشَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب بدلا من الفواحش، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، ومن بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ وعلى الاعتبار الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب بدلا من: ﴿الْفَواحِشَ،﴾ التقدير: ولا تقربوا الفواحش ظاهرها، وباطنها. وإعراب: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ مثل إعراب سابقه، بسبب العطف أيضا. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ل: ﴿النَّفْسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: حرمها الله. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، أي إلا قتلا ملتبسا بالحق. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَصّاكُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ أو: إلى ﴿رَبُّكُمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل

стр. 1839

لها من الإعراب. هذا؛ وجوز أبو البقاء اعتبار: ﴿ذلِكُمْ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أوجب عليكم، أو ألزمكم ذلكم... إلخ، وعليه فالجملة الفعلية: ﴿وَصّاكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من اسم الإشارة، ويلزم تقدير: «قد» قبلها، وهو تكلف لا داعي له، وإن الابتداء باسم الإشارة أكثر من وقوعه مفعولا به، ويعطي معنى أقوى، ولا سيما إذا اتصل به اللام المفيدة للبعد، والكاف المفيدة للخطاب. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمه، والميم علامة جمع الذكور. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للوصاية لا محل لها. تنبيه: الإعراب المتقدم هو الإعراب الظاهر، والمتبادر. وتتميما للفائدة، أنقل لك ما ذكره ابن هشام في مغنيه من أوجه، فقال طيب الله ثراه: فقيل: إن (لا) نافية. وقيل: ناهية. وقيل: زائدة، والجميع محتمل. وحاصل القول في الآية أن ﴿ما﴾ خبرية بمعنى الذي، منصوبة ب ﴿أَتْلُ،﴾ و ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ صلة، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقان ب: ﴿حَرَّمَ،﴾ هذا هو الظاهر، وأجاز الزجاج كون ﴿ما﴾ استفهامية منصوبة بحرم، والجملة محكية ب ﴿أَتْلُ؛﴾ لأنه بمعنى: أقول، ويجوز أن يعلق ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ب ﴿أَتْلُ،﴾ ومن رجح إعمال أول المتنازعين، وهم الكوفيون رجحه على تعلقه ب: ﴿حَرَّمَ،﴾ وفي (أن) وما بعدها أوجه: أحدها: أن يكون في موضع نصب بدلا من: ﴿ما﴾ وذلك على أنها موصولة، لا استفهامية؛ إذ لم يقترن البدل بهمزة الاستفهام. الثاني: أن يكون في موضع رفع خبرا ل: «هو» محذوفا، أجازهما بعض المعربين، وعليهما ف: (لا) زائدة، قاله ابن الشجري، والصواب: أنها نافية على الأول، وزائدة على الثاني. الثالث: أن يكون الأصل: أبين لكم ذلك؛ لئلا تشركوا، وذلك لأنهم إذا حرم عليهم رؤساؤهم ما أحله الله سبحانه، فأطاعوهم؛ أشركوا؛ لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته. والرابع: أن الأصل أوصيكم بأن لا تشركوا، بدليل: أن ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ معناه: وأوصيكم بالوالدين، وأن في آخر الآية ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ﴾. وعلى هذين الوجهين، حذفت الجملة، وحرف الجر. والخامس: أن التقدير: أتل عليكم أن لا تشركوا، فحذف مدلولا عليه بما تقدم، وأجاز هذه الأوجه الثلاثة الزجاج. والسادس: أن الكلام تم عند: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم ابتدئ: عليكم أن لا تشركوا، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، وأن لا تقتلوا، ولا تقربوا، ف: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على هذا اسم فعل بمعنى: الزموا. و (أن) في الأوجه الستة مصدرية و (لا) في الأوجه الأربعة الأخيرة نافية.

стр. 1840

والسابع: أنّ (أن) مفسرة بمعنى: (أي)، و (لا) ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب، وكأنه قيل: أقول لكم: لا تشركوا به شيئا، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وهذان الوجهان الأخيران أجازهما ابن الشجري. انتهى مغني بحروفه. أقول: ذكر الأوجه المتقدمة سليمان الجمل بتغيير بعض العبارات، والمؤدى واحد، وزاد: ثامنا، وتاسعا. فالوجه الثامن: أنّ (أن) وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع على الابتداء، والخبر الجارّ قبله، والتقدير: عليكم عدم الإشراك، ويكون الوقف على قوله: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ كما تقدم في وجه الإغراء، وهو مذهب أبي بكر ابن الأنباري. والوجه التاسع: أن تكون في موضع رفع بالفاعلية بالجارّ قبلها، وهو ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم، والتقدير: استقر عليكم عدم الإشراك انتهى. ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بما فيه صلاحه، وتثميره، وتحصيل الربح له، فلا تأخذوا منه شيئا. وهذا إذا كان القيم على مال اليتيم غنيّا، غير محتاج إليه، فلو كان الوصي، أو القيم فقيرا؛ فله أن يأكل بالمعروف. انظر الآية رقم [٤/ ٦]. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ:﴾ فقد اختلف في (الأشدّ) على أقوال كثيرة، والمراد ب: (الأشدّ) في هذه الآية، وأمثالها هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ الآية رقم [٦] من سورة (النساء). ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ:﴾ يعني بالعدل من غير زيادة، ولا نقصان. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها:﴾ طاقتها في ذلك، وذكره عقيب الأمر معناه: أن إيفاء الحق عسير، فكأنه قيل: عليكم بما في وسعكم، وطاقتكم، وما عداه غير مؤاخذين به. وانظر (نا) في الآية رقم [٣٢] (المائدة) وانظر الآية رقم [٧/ ٤١] و [٢/ ٢٨٥]. ﴿وَإِذا قُلْتُمْ﴾ أي: تكلمتم في حكم، أو غيره. ﴿فَاعْدِلُوا:﴾ في قولكم، وحكمكم. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي: ولو كان المحكوم عليه صاحب قرابة. وما أجدرك أن تنظر نص الآية رقم [٤/ ١٣٥] ورقم [٥/ ٨] ففيهما الدواء الناجع. ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ أي: ما عهد إلى عباده، ووصاهم به، وأوجبه عليهم. أو ما أوجبه الإنسان على نفسه، كنذر، ونحوه، فيجب الوفاء به. انتهى. خازن. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ هو مثل الآية السابقة، وقد قرئ بتشديد الكاف، وتخفيفها.

стр. 1841

تنبيه: نهى الله عن قربان مال اليتيم. فضلا عن أكله، والقاعدة: أن الأحكام إذا كانت نواهي، يقال فيها: فلا تقربوها، على حد قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ وهكذا، وإن كانت أوامر يقال فيها: لا تعتدوها، أي لا تتجاوزوها بأن لا تفعلوا، وما هنا من قبيل الأول. وتخصيص اليتيم بالذكر مع أن حال البالغ وماله كذلك؛ لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفه، ولعظم إثمه. بعد هذا انظر شرح (المال) في الآية رقم [٢/ ١٧٦] و [٨/ ٢٨] و ﴿الْيَتِيمِ:﴾ في الآية رقم [٢/ ٨٣] والميزان إعلاله مثل إعلال: ميثاق في الآية رقم [٥/ ٨] ﴿قُلْتُمْ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٨] من سورة (المائدة). الإعراب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْرَبُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْيَتِيمِ:﴾ مضاف إليه، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالَّتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الْيَتِيمِ﴾. ﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَقْرَبُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وما بينهما معترض لا محل له. (أوفوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْمِيزانَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: مقسطين، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُكَلِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا نُكَلِّفُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معترضة لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. ﴿فَاعْدِلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جوابها. (اعدلوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب. (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على جملة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا..﴾. إلخ. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال، (لو): وصلية هنا. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر مفهوم من المقام، التقدير: ولو كان المقول، أو المحكوم عليه. ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء

стр. 1842

الخمسة، و ﴿ذا:﴾ مضاف، و ﴿قُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَوْ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، واعتبار (لو) امتناعية يحوج إلى تقدير جواب لها، ولا داعي لذلك. (بعهد): متعلقان بالفعل بعدهما، و (عهد) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة. ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما ذكر في السورة الكريمة، فإنها بأسرها في إثبات التوحيد، والنبوة، وبيان الشريعة. هذا قول البيضاوي. وقال الخازن، وغيره: الإشارة إلى ما ذكر في الآيتين السابقتين من الوصايا، ويدخل فيه أيضا جميع أحكام الشريعة، وكل ما بينه رسول الله ﷺ من تعاليم دين الإسلام. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة «(أنّ)» وكسرها، كما قرئ بالفتح، وسكون النون، وانظر: ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يعني: الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع الخبيثة. وانظر: ﴿سُبُلَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦] و [٧/ ١٤٢]. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه، وطريقه الذي ارتضاه لعباده. روى البغوي بسنده عن ابن مسعود-﵁-قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطّا، ثم قال: «هذا سبيل الله». ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه، وعن شماله، وقال: «هذه سبل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه». وقرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾. وقال النسفي: روي: أن رسول الله ﷺ خط خطّا مستويا، ثم قال: «هذا سبيل الرشد، وصراط الله، فاتبعوه». ثم خط على كل جانب ستة خطوط ممالة، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، فاجتنبوها». وتلا هذه الآية. ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقا ستة طرق، فتكون اثنين وسبعين. أقول: وهذه كلها في النار، وتبقى الفرقة الثالثة والسبعون، وهذه هي الناجية التي تسير على سنة محمد، وسنة خلفائه الراشدين الهادين المهتدين من بعده. وانظر الحديث المروي عن النبي ﷺ في الآية رقم [١٥٩] الآتية تجد ما يسرك.

стр. 1843

﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ:﴾ ﴿تَتَّقُونَ:﴾ لتكونوا على رجاء إصابة التقوى، ذكر سبحانه أولا: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ ثم: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ ثم: ﴿تَتَّقُونَ﴾ لأنهم إذا عقلوا؛ تفكروا، ثم تذكروا، أي: اتعظوا فاتقوا المحارم. انتهى. نسفي بتصرف. قال سليمان الجمل: وحاصل ما ذكر في هاتين الآيتين-يعني السابقتين إلى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ من المحرمات عشرة أشياء: خمسة بصيغ النهي، وخمسة بصيغ الأمر، وتؤول الأوامر بالنهي لأجل التناسب، ثم قال: وفي أبي السعود، وهذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار. وعن ابن عباس-﵄: هذه آيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. وعن كعب الأحبار، والذي نفس كعب بيده: إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. الآيات. انتهى بحروفه. الإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل على تشديد النون، ومخففة من الثقيلة على سكونها، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: (أنّ) أو في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطِي:﴾ خبر (أنّ)، أو خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ والجملة الاسمية: ﴿هذا صِراطِي﴾ في محل رفع خبر (أنّ). وعلى تخفيفها، وعلى فتح همزتها تؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف الجر محذوف، التقدير، ولأن هذا... إلخ، والجار والمجرور هذان معطوفان على المصدر المؤول من قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ والمجرور بحرف جر محذوف، وعلى كسر همزة (إنّ)، فالجملة تكون اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها، وعطفها على الجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ..﴾. إلخ ممكن. هذا؛ وقد ذكر أبو البقاء في المصدر المؤول على فتح همزة (أن) ثلاثة أوجه: أحدها تقدير: ولأن هذا؛ واللام متعلقة بقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: ولأجل استقامته اتبعوه. والثاني: أنه معطوف على: ﴿ما حَرَّمَ..﴾. إلخ أي: وأتلو عليكم: أن هذا صراطي. والثالث: هو معطوف على الهاء في: ﴿وَصّاكُمْ بِهِ﴾. وهو فاسد. وأقول المرضي من أقواله الثلاثة الثاني، وهو مقارب لما ذكرته في الإعراب، ﴿مُسْتَقِيماً:﴾ حال من: ﴿صِراطِي،﴾ وهي حال مؤكدة، والعامل فيها اسم الإشارة. ﴿فَاتَّبِعُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتبعوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فاتبعوا هذا الصراط المستقيم، وانظر الآية رقم [٣٩]. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على

стр. 1844

ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿السُّبُلَ:﴾ مفعول به. ﴿فَتَفَرَّقَ:﴾ الفاء: هي للسببية. (تفرق): مضارع حذف منه إحدى التاءين منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل يعود إلى ﴿السُّبُلَ﴾. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم اتباع، فتفرق. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥١]. ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣]. ﴿آتَيْنا:﴾ أعطينا. ﴿مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به: التوراة التي أنزلها الله على موسى، ﵇. ﴿تَماماً﴾ أي: إتماما للنعمة التي أنعمها الله على بني إسرائيل. ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على من أحسن القيام بتعاليم هذا الكتاب. هذا؛ وقد قرئ: «(على الذين أحسنوا)»، كما قرئ: «(أحسن)» بالرفع وبدون واو. ﴿وَتَفْصِيلاً:﴾ بيانا مفصلا، وموضحا لكل ما يحتاج إليه في الدين. هذا؛ وانظر: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَهُدىً:﴾ انظر الآية رقم [٩١]. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ لعل بني إسرائيل يؤمنون، ويصدقون بلقاء ربهم للجزاء والحساب. وانظر الترجي في الآية رقم [١٥١]. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف على ﴿وَصّاكُمْ﴾ وهي لترتيب الإخبار، وليست هنا للترتيب الحقيقي، وإلا أفاد الترتيب عكس الواقع. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿تَماماً:﴾ يجوز فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه مفعول لأجله، أي: لأجل تمام نعمتنا. الثاني: أنه حال من ﴿الْكِتابَ﴾. الثالث: أنه مفعول مطلق؛ لأنه بمعنى آتيناه إيتاء تمام لا نقصان. الرابع: أنه حال من الفاعل، أي: متممين. الخامس: أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه، ويكون على حذف الزوائد، التقدير: أتممناه إتماما. ﴿عَلَى الَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿تَماماً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أَحْسَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: العمل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة: «(أحسنوا)» فهو فعل، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، وعلى قراءة: «(أحسن)» برفع النون فهو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي هو أحسن، وعليه فالجملة اسمية، وهي صلة الموصول لا محل لها. (تفصيلا): معطوف على: ﴿تَماماً﴾. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿وَتَفْصِيلاً﴾ أو بمحذوف صفة له، و (كل): مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُدىً:﴾

стр. 1845

معطوف على: ﴿تَماماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. (رحمة): معطوف على ما قبله. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿بِلِقاءِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و (لقاء) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ:﴾ انظر الآية رقم [٩٢] ففيها الكفاية. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: فاعملوا بما فيه من الأوامر، والنواهي، والأحكام. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٥]. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ:﴾ انظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٥١]. الإعراب: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٩٢]. ﴿فَاتَّبِعُوهُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٣] ومحلها مثلها أيضا. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)﴾ الشرح: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: أنزل الله القرآن؛ لئلا تقولوا يا معشر قريش... إلخ، وانظر «القول» في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي: اليهود الذين أنزلت عليهم التوراة، والنصارى الذين أنزل عليهم الإنجيل. وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب. وانظر: ﴿الْكِتابُ﴾ أي: شرحه في الآية رقم [٧/ ٢]. هذا؛ و (طائفة) الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: (فريق) المذكور في الآية رقم [٨١]. ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ:﴾ قراءة كتبهم. ﴿لَغافِلِينَ:﴾ لا علم لنا بشيء من ذلك. والخطاب لأهل مكة، والمراد إثبات الحجة عليهم، بإنزال القرآن على محمد ﷺ كي لا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة، والإنجيل قد أنزلا على اليهود، والنصارى، وهما بغير لغتنا، فلم نعرف ما فيهما. فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 1846

الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، و «لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا تقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ في الآية السابقة. وقيل: متعلقان ب: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ مقدرا لئلا يلزم الفصل بين العامل، والمعمول بأجنبي إن علقا بالمذكور. وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية قولكم: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ، فهو مفعول لأجله، وانظر الشاهد [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعله. ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابُ﴾ فيه ضعف. ﴿مِنْ قَبْلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَتَيْنِ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَغافِلِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين العاملة والمهملة. (غافلين): خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَإِنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون، فيقولون: إن (إن) نافية بمعنى «ما»، واللام بمعنى: «إلا»، والتقدير عندهم: «وما كنا عن دراستهم إلا غافلين». والأقوى عند جمهور النحاة، والمعتمد عندهم هو قول البصريين. وقال ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ الشرح: ﴿أَوْ تَقُولُوا:﴾ الخطاب لمشركي العرب كالذي قبله. ﴿لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ﴾ أي: التوراة، أو الإنجيل، أو كتاب مثلهما. ﴿لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ:﴾ أهدى من اليهود، والنصارى، وذلك لحدة أذهاننا، وثقافة أفهامنا، وغزارة حفظنا لأيام العرب، ولذلك تلقفنا فنونا من العلم، كالقصص، والأشعار، والخطب مع أننا أميون، لا نقرأ، ولا نكتب. ﴿جاءَكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ حجة واضحة تعرفونها، وبرهان ساطع ترونه بأعينكم، وتسمعونه بآذانكم. ﴿رَبِّكُمْ:﴾

стр. 1847

انظر الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: لمن تأمل فيه، وعمل به، والمراد بذلك القرآن العظيم. ﴿كَذَّبَ:﴾ يقرأ بالتخفيف، والتشديد. ﴿بِآياتِ اللهِ:﴾ آيات القرآن التي أنزلت على قلب محمد ﷺ . وانظر الآية رقم [٤]. والمعنى: لا أحد أظلم ممن سمع آيات الله، ثم كذب بها بعد أن عرف صحتها، وتمكن من معرفتها. ﴿وَصَدَفَ عَنْها:﴾ أعرض عنها. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿سَنَجْزِي:﴾ انظر الآية رقم [١٢٠]. ﴿سُوءَ الْعَذابِ:﴾ أسوأ العذاب، وأشده. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ:﴾ بسبب إعراضهم عن آيات الله بعد إذ أنزلت عليهم. وانظر إعلال: ﴿وَهُدىً﴾ في الآية رقم [٩١]. تنبيه: قال الخازن: إن جماعة من الكفار قالوا: لو أنزل علينا ما أنزله الله على اليهود، والنصارى؛ لكنا خيرا منهم وأهدى. وإنما قالوا ذلك لاعتمادهم على صحة عقولهم، وجودة فطنتهم، وذهنهم. انتهى. الإعراب: ﴿أَوْ تَقُولُوا:﴾ معطوف على مثله في الآية السابقة منصوب، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنّا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْنَا:﴾ متعلقان به. ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر. انظر محله، وما قيل فيه في الآية رقم [٥٨]. ﴿لَكُنّا﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿أَهْدى:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَهْدى،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَكُنّا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل، أو هي الفصيحة، فعلى الأول يكون التقدير: لا تعتذروا بذلك؛ لأنه قد... إلخ، وعلى الثاني يكون التقدير: إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم؛ فقد حصل ما فرضتم، وجاءكم بينة. انتهى.. جمل نقلا عن أبي السعود، وقريب منه في روح البيان. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيِّنَةٌ﴾ وجملة: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجه الأول في الفاء، وفي محل جزم جواب الشرط المقدر على الوجه الثاني فيها. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على بينة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ ومن تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة

стр. 1848

الفعلية: ﴿كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ﴾ صلة: (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ معطوفة عليها. ﴿سَنَجْزِي:﴾ السين: حرف استقبال. (نجزي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعوله الأول. وجملة: ﴿يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: (نجزي) وما تحتمل الموصوفة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صفتها، أو صلتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: بشيء، أو: بالذي كانوا يصدفون عنه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصدوفهم، أو بصدفهم عن آيات الله. وانظر الآية رقم [١٢٤]. وجملة: ﴿سَنَجْزِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ الشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرون. يعني: أهل مكة. وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر؛ شبهوا بالمنتظرين انتهى بيضاوي. وقال الخازن: وتقدير الآية: أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث، فإذا جاءتهم إحداها؛ آمنوا، وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم. انتهى. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٤]. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ انظر الآية رقم [١١] (الأعراف). والمراد: ملائكة الموت، أو ملائكة العذاب. ﴿يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أي: أمره بالعذاب. وقال الخازن: يعني للحكم، وفصل القضاء بين الخلق يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٢/ ٢١٠] لشرح هذا المجيء، والإتيان. أو ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أي: علامات الساعة. عن حذيفة بن أسد الغفاري، والبراء بن عازب-﵄-قالا: كنا نتذاكر الساعة؛ إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: إنّها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات، الدخان، ودابة الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج، ومأجوج، ونزول عيسى ﵊، ونارا تخرج من عدن». ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ:﴾ المراد به طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وذلك: أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، ﵊، ولو لم ينفع الكفار إيمانهم أيام عيسى؛ لما صار الدين واحدا، فإذا قبض عيسى، ومن معه من المسلمين، رجع أكثرهم إلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس؛ آمن من على وجه الأرض حين لا ينفع نفسا

стр. 1849

إيمانها لم تكن آمنت من قبل، وكذلك لا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان، والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن، أو عمل عند الغرغرة، وذلك لا يفيد شيئا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾. انتهى جمل نقلا عن الخازن بتصرف كبير مني. ﴿اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ:﴾ تهديد، ووعيد للمشركين، أي: انتظروا إتيان أحد الثلاثة المذكورة، فإنا منتظرون له، وحينئذ يكون لنا النصر، والغلبة، والعزة، والكرامة، ويكون لكم الذلة، والمهانة، وغضب الله تعالى، ثم دخول جهنم. وبئس المصير! ولا تنس: أن الخطاب موجه للنبي ﷺ . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله. وهو على حذف مضاف كما رأيت في الشرح، فلما حذف المضاف حل المضاف إليه محله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِيَ:﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿بَعْضُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبُّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿لا يَنْفَعُ﴾ بعده. هذا؛ وقد قرئ برفعه على اعتباره مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿بَعْضُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبُّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ مضارع. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به. ﴿إِيمانُها:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ مستأنفة على نصب: ﴿يَوْمَ﴾ وتعليقه به، وهي في محل رفع خبره على رفعه، واعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية: ﴿يَوْمَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا تنس: أن جملة: ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، على رفعه ونصبه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «هي» يعود إلى نفسا. ﴿آمَنَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْساً﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب صفة: ﴿نَفْساً،﴾ وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿كَسَبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود

стр. 1850

إلى ﴿نَفْساً﴾ أيضا. ﴿فِي إِيمانِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ فهي في محل نصب مثلها. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اِنْتَظِرُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، وقد حذفت النون للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُنْتَظِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ:﴾ بدّدوه، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، أو افترقوا فيه. قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية، إلا واحدة». انتهى بيضاوي. أقول: وفي رواية أخرى: «وهي: ما أنا عليه وأصحابي». اللهم اهدنا بهدي نبينا، وهدي خلفائه الراشدين، وصحابته أجمعين، وثبتنا بالقول الثابت في الدنيا، والآخرة يا أرحم الراحمين. هذا؛ وقرئ «(فارقوا)». ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾ أي: أحزابا متفرقة في الضلالة. وقال أبو هريرة-﵁-في هذه الآية: هم أهل الضلالة من هذه الأمة، وروي ذلك مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا لست منهم في شيء وليسوا منك هم أهل البدع، وأهل الشّبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة». أسنده الطبري، وروي عنه ﵊: أنه قال: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، ولا يبقى منه عرق، ولا مفصل، إلا دخله». أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى خازن. وانظر الآية [٦٥]. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريء منهم، وهم منك براء. وهو أحسن تفسير أرتضيه. وقيل: معناه: لست مأمورا بقتالهم. وقيل: معناه: لست في شيء كائن من تفريقهم. ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾ أي: حسابهم، وجزاؤهم إلى الله، فهو الذي يتولى ذلك. ﴿لَسْتَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يُنَبِّئُهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٤]. هذا؛ وحكم الآية منسوخ بآية السيف.

стр. 1851

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿فَرَّقُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَسْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿فِي شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ليس)، وجملة: ﴿لَسْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَمْرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنفي، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُنَبِّئُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٥٦] والآية رقم [١٢/ ٤] وغيرهما مما تقدم مفصلا، والجملة الفعلية: ﴿يُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ الشرح: ﴿جاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ فعل الخير على وجه العموم، وتقييدها وحصرها ب ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ لا وجه له. ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ أي: عشر حسنات أمثالها فضلا من الله، وكرما، وجودا منه. وقرئ: «(عشرة أمثالها)» بالتنوين، و «(أمثالها)» بالرفع على الوصف، وهذا أقل ما وعد به سبحانه من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمائة، وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة دون العدد. انتهى بيضاوي. وانظر شرح: ﴿عَشْرُ﴾ في الآية رقم [٨٩] من سورة (المائدة). أقول: ويختلف العدد الموعود به بحسب الأشخاص الفاعلين، وبحسب الأحوال، والأزمنة، والأمكنة، كما هو معروف، ومشهور. وانظر الكلام على: ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٣] ﴿بِالسَّيِّئَةِ:﴾ فعلة الشر، والسوء على وجه العموم، وتقييدها وحصرها بالشرك لا وجه له. هذا؛ وإعلال (السيئة) مثل إعلال: ﴿الْمَيِّتِ﴾ في الآية رقم [٩٥]. ﴿يُجْزى:﴾ انظر الآية رقم [١٢٠]. ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يظلم المحسن بإنقاص شيء من ثوابه، ولا يظلم المسيء بزيادة ما يستحقه من العقاب. وانظر «الظلم» و «البغي» في الآية رقم [١٤٦] وما أحراك أن تقرأ آية (النساء) رقم [٤٠].

стр. 1852

الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو». ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال، أي: ملتبسا بالحسنة. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَشْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿عَشْرُ:﴾ مضاف، و ﴿أَمْثالِها:﴾ مضاف إليه، و (ها): في محل جر بالإضافة، وعلى القراءة الثانية، ف: «(أمثالها)» بالرفع صفة: ﴿عَشْرُ﴾. والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿جاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ في محل رفع خبرها، زيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ:﴾ إعرابه مثل سابقه. (لا): نافية. ﴿يُجْزى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى (من)، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِثْلَها:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، أو في محل رفع خبر المبتدأ على نحو ما رأيت في الجملة قبلها، والجملة الاسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر العائد على (من) في الجملتين، والرابط: الواو، والضمير. ولا تنس أنّه روعي لفظ (من) في الجملتين السابقتين، وروعي معناها في هذه الجملة. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا موجه للنبي ﷺ ، كسابقه، ولاحقه. ﴿هَدانِي:﴾ أرشدني، ودلني، ويأتي بمعنى التثبيت كما في سورة (الفاتحة). ﴿رَبِّي:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ المراد به دين الإسلام. وانظر الآية رقم [٥/ ١٦] فإنه جيد. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿هَدانِي:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿رَبِّي:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.

стр. 1853

﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ،﴾ وجملة: ﴿هَدانِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ الشرح: ﴿دِيناً:﴾ الدين اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى. والدين أيضا: الملة والشريعة. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. والدين: الحساب، والجزاء، ومنه: يوم الدين، أي: يوم الجزاء، والحساب، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره. ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدين بفتح الدال القرض المؤجل، وجمع الأول أديان، وجمع الثاني ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله. ﴿قِيَماً:﴾ يقرأ بالتشديد، وبالتخفيف، أي: مستقيما لا عوج فيه، فعلى الأول أصله: قيوما، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. وعلى الثاني أصله: قوما، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ٥] والآية [٥/ ٩٧] فإنه جيد. ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ:﴾ دين، وطريقة إبراهيم، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. ﴿حَنِيفاً:﴾ انظر الآية رقم [٧٩]. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ تعريض بقومه بأنهم كافرون مشركون، لعبادتهم الحجارة، والأوثان، وهي لا تضر، ولا تنفع، كما هو تعريض باليهود والنصارى. الإعراب: ﴿دِيناً:﴾ بدل من محل ﴿إِلى صِراطٍ؛﴾ لأنه المفعول الثاني، و (هدى) يتعدى تارة بإلى كما هنا، وتارة بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ وكما في سورة (الفاتحة)، وجوز اعتباره منصوبا بفعل مضمر، أي: عرفني دينا قيما، أو: الزموا دينا، كما جوز نصبه على المصدرية على المعنى، أي: هداني هداية دين قيم. ولا وجه له. وقال أبو البقاء: إنه مفعول ثان ل ﴿هَدانِي﴾. ولا وجه له؛ لأن المفعول الثاني هو المجرور بإلى، فاكتفى به، ولا يصح اعتباره من تعدد المفعول الثاني؛ لأن ﴿هَدانِي﴾ ليس من أفعال اليقين. ﴿قِيَماً:﴾ صفة ﴿دِيناً﴾ مبالغة. ﴿مِلَّةَ﴾. بدل من ﴿دِيناً﴾ أو عطف بيان عليه، وجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، التقدير، أعني، و ﴿مِلَّةَ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من ﴿إِبْراهِيمَ﴾. وقال أبو البقاء: أو على إضمار: أعني. وليس بقوي. هذا؛ وجوز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف مثل جزئه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف أو واو الحال. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر كان، والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب

стр. 1854

حال ثانية من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوفة على ما قبلها. وقيل: معترضة. وقيل: مستأنفة وأرجح الحالية. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢)﴾ الشرح: ﴿صَلاتِي:﴾ انظر الآية رقم [٤/ ١٠٣]. ﴿وَنُسُكِي:﴾ عبادتي كلها. وقيل: المراد: قربان الذبائح في الحج، والعمرة. وقيل: المراد: مناسك الحج، والعمرة. ﴿وَمَحْيايَ وَمَماتِي:﴾ وما أنا عليه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان، والطاعة، أو طاعات الحياة، والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصية والتدبير، أو الحياة، والممات أنفسهما، بمعنى: مالك حياتي، وبيده مماتي انتهى. بيضاوي. وقال الخازن: وحاصل هذا الكلام أن الله أمر رسوله ﷺ أن يبين أن صلاته ونسكه وسائر عبادته، وحياته وموته، كلها واقعة بخلق الله وقضائه وقدره. ﴿لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿صَلاتِي:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿صَلاتِي﴾ منصوبة مثلها. هذا؛ ويقرأ بفتح ياء «(محياي)» وسكون ياء الثاني، وبالعكس قراءتان سبعيتان انتهى. جمل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ صفة ﴿لِلّهِ،﴾ أو بدل منه، وهو مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ صَلاتِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ الشرح: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ يعني: في العبادة، والخلق، والإيجاد، والإعدام، وسائر أفعاله، لا يشاركه فيها أحد من خلقه. ﴿وَبِذلِكَ أُمِرْتُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: أمرت بهذا التوحيد، وبهذا الإخلاص. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ:﴾ قال قتادة: يعني: من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. وقيل: معناه: وأنا أول المستسلمين لقضائه، وقدره. هذا؛ وانظر شرح: ﴿أَوَّلُ﴾ في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿شَرِيكَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وانظر: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ﴾

стр. 1855

في الآية رقم [١١٥]. والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. (بذلك): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أُمِرْتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الاسمية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، فعلى الحالية يكون الرابط اسم الإشارة. (أنا): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوَّلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فعلى الحالية يكون الرابط محذوفا، التقدير: أنا أول المسلمين له. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ الشرح: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين: أأطلب ربّا غير الله، وهو رب كل موجود في هذا الكون الواسع؟! وهو جواب لقولهم حين قالوا له ﷺ : ارجع إلى ديننا. هذا؛ وانظر شرح: ﴿رَبُّ﴾ في الآية رقم [٧/ ٣] و ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها:﴾ يعني إن إثم الجاني عليه لا على غيره. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس آثمة بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا، ولنحمل خطاياكم، إما بمعنى: ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا: فقوله: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ رد لقولهم المذكور بالمعنى الأول، وقوله: ﴿وَلا تَزِرُ..﴾. إلخ رد لقولهم المذكور بالمعنى الثاني. انتهى جمل. نقلا من أبي السعود. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿نَفْسٍ:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٩]. ﴿تَزِرُ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿يَصِلُ﴾ في الآية رقم [١٣٦] وماضيه: وزر، والمصدر: وزر بكسر الواو، وفتحها، وهو بمعنى الإثم. هذا؛ والوزر بفتح الواو والزاي الملجأ والمستغاث، قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ..﴾. إلخ. ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ:﴾ يوم القيامة، فيجازي كلاّ ما يستحقه من الثواب، أو العقاب. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٤]. ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الدنيا بشأن الأديان، والملل، والنحل، ويكون ذلك بتبيين الرشد من الغي، وتمييز المحق من المبطل. هذا؛ وانظر إعلال مثل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (غير): حال، وهو في الأصل صفة ل ﴿رَبًّا،﴾ فلما قدم صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْغِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رَبًّا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَغَيْرَ..﴾. إلخ

стр. 1856

في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هو): مبتدأ. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. (لا): نافية. ﴿تَكْسِبُ:﴾ مضارع. ﴿كُلِّ:﴾ فاعله، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُخْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المقصورة، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَزِرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ مستأنفة؛ فتكون هي وما عطف عليها لا محل لها من الإعراب. (ينبئكم): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، و (ما) في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُمْ فِيهِ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: ﴿فِيهِ﴾. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بكونكم مختلفين فيه، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ:﴾ يخلف بعضكم بعضا، أو خلفاء الله في أرضه، تتصرفون فيها، أو خلفاء الله في الأرض في تنفيذ أحكامه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. هذا؛ و ﴿خَلائِفَ﴾ جمع: خليفة، مثل: كرائم جمع: كريمة، وصحائف جمع: صحيفة. هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. وفي المصباح: والخليفة أصله: خليف بغير هاء؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة، كعلامة، ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة، ويقال: خليفة آخر بالتذكير. ومنهم من يقول: خليفة أخرى بالتأنيث. ويجمع باعتبار أصله على: خلفاء، مثل: شريف وشرفاء. وباعتبار اللفظ على خلائف. انتهى. جمل.

стр. 1857

وانظر رقم [١٤] (يونس). ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ:﴾ في الخلق، والرزق، والشرف، والعقل، والقوة، والفضل، فجعل منهم الحسن، والقبيح، والغني، والفقير، والشريف، والوضيع، والعالم، والجاهل، والقوي، والضعيف. وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات. ليس لأجل العجز، أو الجهل، أو البخل، فإن الله سبحانه منزه عن صفات النقص، وإنما هو لأجل الاختبار، والامتحان، والابتلاء، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ ليظهر للناس الصابر، والشاكر، والمطيع، والعاصي... إلخ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ أي: لمن عصاه؛ لأن كل ما هو آت قريب، والمعنى سريع العقاب إذا جاء وقته، فلا يرد: كيف قال: ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ،﴾ مع أنه حليم، والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه؟ ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ:﴾ لذنوب أوليائه، وأهل طاعته. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: بجميع خلقه. الإعراب: (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ وهو العائد. ﴿خَلائِفَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. (رفع): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿بَعْضَكُمْ﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و ﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿دَرَجاتٍ:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلى درجات، والناصب له عند البصريين النزع، وعند الكوفيين الفعل، والجملة الفعلية ﴿وَرَفَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِي ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿فِي﴾. ﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني. التقدير: آتاكم إياه، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (رفع). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 1858

سورة الأعراف نزلت بمكة. روي ذلك عن ابن عباس، ﵄، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد وقتادة. وروي عن ابن عباس أيضا: أنها مكية، إلا خمس آيات، أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ﴾ وبه قال قتادة، وقال مقاتل: ثماني آيات في سورة (الأعراف) مدنية، أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ.﴾. إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾. وهي مائتان وست آيات، وثلاثة آلاف، وثلاثمائة، وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر ألف حرف، وعشرة أحرف. انتهى خازن وانظر شرح الاستعاذة، والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ الشرح: ﴿المص:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه: أنا الله أفصل. وعنه: أنا الله أعلم، وأفصل، وعنه أيضا: أن ﴿المص﴾ قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: ﴿المص﴾ اسم من أسماء القرآن. وقال الحسن: هو اسم للسورة. وقال السدي: هو بعض اسمه تعالى: المصور. وقال أبو العالية: الألف: مفتاح اسم الله، واللام: مفتاح اسمه اللطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد، والصاد: مفتاح اسمه صادق، وصبور. وقيل: هي حروف مقطعة استأثر الله تعالى بعلمها، وهي سره في كتابه العزيز. وقيل: هي حروف اسمه الأعظم. وقيل: هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على مراده. وقد تقدم بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول سورة (البقرة) انتهى خازن بحروفه. ﴿كِتابٌ:﴾ هو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه. وفي الاصطلاح اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، والمراد به هنا القرآن الكريم؛ الذي أنزل على قلب محمد ﷺ . ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ . ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ:﴾ شك فيه، وسمي الشك حرجا؛ لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. أو المراد: ضيق الصدر من تبليغه مخافة أن تكذّب فيه، أو

стр. 1859

تقصّر في القيام بحقه. وتوجيه النهي إليه للمبالغة. وانظر الآية رقم [٦/ ١٢٥]. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. لتخوف به المشركين. والإنذار: التخويف من وقوع العقاب. ﴿وَذِكْرى:﴾ عظة، وتذكير للمؤمنين بك، فهو مصدر بمعنى التذكير، أو التذكر. هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عنه، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى». وانظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿المص:﴾ لقد تكلمت في أول سورة (البقرة) بالتفصيل عن إعراب هذه الحروف المقطعة، وأقول هنا: يجوز اعتبار هذا اللفظ مبتدأ، و ﴿كِتابٌ:﴾ خبره، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: المدعو به ﴿المص﴾ كما يجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ ﴿المص﴾. ﴿كِتابٌ:﴾ خبر: ﴿المص﴾ على اعتباره مبتدأ، وخبر لمبتدإ محذوف، أي: هو كتاب على الوجهين الآخرين في: ﴿المص﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿كِتابٌ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿كِتابٌ﴾. ﴿فَلا﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام في مغنيه يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، فكأنه قيل: إذا أنزل إليك؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية. ﴿فِي صَدْرِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَرَجٌ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة حرج، والجملة: ﴿فَلا يَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُنْزِلَ﴾ وجوز تعليقهما بالفعل الناقص. (ذكرى): يجوز اعتباره مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: ولتذكر ذكرى، ويحتمل أن يكون مجرورا بالعطف على محل ﴿لِتُنْذِرَ﴾ ويحتمل الرفع من وجهين: العطف على ﴿كِتابٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (ذكرى) لأنه مصدر. ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ الشرح: ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، وهو يشمل القرآن الكريم، والسنّة النبوية، فإنها مما أنزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: لا تتخذوا الذين يدعونكم إلى الكفر، والشرك أولياء، فتتبعوهم. والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين الإنس، والجن،

стр. 1860

فيأمروكم بعبادة الأصنام، واتباع البدع، والأهواء الفاسدة. والضمير يعود ل: ﴿ما أُنْزِلَ،﴾ ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا تذكرون؛ حيث تتركون دين الله، وتتبعون غيره. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ المراد به خالقكم، ورازقكم. هذا؛ والرب يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ كلتا الآيتين محكية عن قول يوسف، ﵇، كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي: مالكها، كما يراد به المربي، والمصالح، ويقال: ربّ فلان الضيعة يربها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظم لحما، يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا. ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منها تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف-﵊-لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. (دون): من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة. ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق هذا، ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا يدنو: إذا قرب، وله معنيان: أحدهما: أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدل الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ جمع: ولي، وهو الذي يتولى شئون غيره. هذا؛ والولي أيضا هو الذي يتحبب إلى الله بعبادته، وطاعته. هذا؛ ويأتي الولي بمعنى المعين، والمساعد، والنصير. والفرق بين الولي وبين ما ذكر: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيّا عن المنصور، والمعان، والمساعد، فبينهما عموم وخصوص من وجه. هذا؛ ويقرأ «تذكرون» بالتاء، والياء.
следующие страницы →