Полный текст (7 463 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الزّنى، والغيبة، والنّميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، وسبب في شهادة الزّور، وارتكاب الفجور، وشرب الخمر، ولعب القمار، ومخالفة الجبّار، بل إنّي أقول: إن قسوة القلب سبب في كلّ معصية، وبلاء، وقد رأيت كيف ذمّ الله اليهود، وذوي القلوب الغافلة القاسية.
ولقائل أن يقول: ما هي أسباب قسوة القلب حتى نجتنبها؟ فأذكر بعضا منها على سبيل الاختصار:
فأقول وبالله التوفيق: منها: أكل الحرام، فإنّ الشخص الذي لا يبالي من أين أكل: من الحلال، أم من الحرام؛ تخبث نفسه، ويقسو قلبه، وتفحش أعماله، وتسوء أخلاقه. ومنها:
اتباع الهوى، والانقياد للشّيطان الرّجيم، فإنّ الشخص الذي يسلسل لنفسه قيادها، تجرّه إلى المهالك، والذي ينقاد إلى شيطانه يأمره بكل شرّ، وينهاه عن كلّ خير، ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]
وخالف النّفس والشّيطان واعصهما... وإن هما محّضاك النّصح فاتّهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكما... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
ومنها: كثرة الشّغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل، وقد قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل». ثمّ قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذيّ، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. والمراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن. ومنها:
الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السرّ، والعلن، والإعراض عن واجبات الله كالصّلاة، وغيرها، فإنّ الشّخص الذي يعرض عن الله يعرض الله عنه، ويكله إلى شيطانه مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ رقم [٣٦] من سورة (الزخرف).
ومنها: كثرة الكلام فيما لا يعني، والخوض في الباطل، فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي». أخرجه الترمذي.
ومنها: الانغماس في الشّهوات، والملذّات، والإغراق في التّرف، والنّعم، وكثرة الأكل، والشرب، قال بعض العلماء: من كثر أكله؛ كثر شربه، ومن كثر شربه؛ كثر نومه، ومن كثر نومه؛ كثر تخمه، ومن كثر تخمه؛ قسا قلبه، ومن قسا قلبه؛ غرق في الآثام، ومن غرق في الآثام؛ فالنار أولى به! ورحم الله تعالى من يقول: [الطويل]
يميت الطعام القلب إن زاد كثرة... كزرع إذا بالماء قد زاد سقيه
وإنّ لبيبا يرتضي نقص عقله... بأكل لقيمات لقد ضلّ سعيه
стр. 212
قال سعدي الشيرازي رحمه الله تعالى: [البسيط]
إنّ الحديد متى أودى به صدأ... فليس بالصّقل تبدو منه آثار
لا يدخل الوعظ قلبا مظلما أبدا... ولا يغوص بقلب الصّخر مسمار
أما دواء قسوة القلب؛ فهو الإخلاص في العبادة، والعبادة في النّهار، والتهجّد في الليل، وقراءة القرآن، وتدبّر معانيه، ومجالسة أهل الخير، والتّقوى، والصلاح، والإقلال من الطّعام، والشراب، وتجنّب الأمور الّتي تسبب قسوة القلب، المذكورة آنفا، ورحم الله من يقول: [البسيط]
دواء قلبك خمس عند قسوته... فدم عليها تفز بالخير والظّفر
خلاء بطن وقرآن تدبّره... كذا تضرّع باك ساعة السّحر
كذا قيامك جنح اللّيل أوسطه... وأن تجالس أهل الخير والخبر
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قَسَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل لها. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة:
﴿قَسَتْ:﴾ معطوفة على جملة: (قلنا) فهي في محل جر أيضا بسبب العطف.
(هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَالْحِجارَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وعليه فهي مضاف، والحجارة مضاف إليه، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي معطوفة بالفاء على الجملة الفعلية السّابقة، فهي في محل جرّ أيضا. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أشد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرت ﴿أَشَدُّ﴾ معطوفا على الخبر المحذوف، أو على الكاف؛ فيكون العطف من عطف المفردات. ﴿قَسْوَةً:﴾ تمييز، والمتعلّق محذوف؛ إذ التقدير: أو أشدّ قسوة منها.
﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنَ الْحِجارَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف رفع خبر (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها، ﴿لَما:﴾ اللام: لام الابتداء، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ) مؤخر. ﴿يَتَفَجَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿يَتَفَجَّرُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: (﴿إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ﴾) في محل نصب حال من ﴿الْحِجارَةِ،﴾ والرّابط الواو،
стр. 213
وأعيدت الحجارة بلفظها للبيان، والإيضاح، ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وجملة: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَشَّقَّقُ﴾ لا محل لها مثلها؛ لأنها صلة الموصول، وجملة: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ:﴾ معطوفة على سابقتها فهي في محل نصب حال أيضا، وهي مثلها في إعرابها.
﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».
﴿اللهِ﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (﴿مَا﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وبعضهم يعتبر (ما) تميمية، فيعتبر لفظ الجلالة مبتدأ، والباء مزيدة في خبره و (غافل) اسم الفاعل، ففاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب حال من الكاف في ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفنّدا، والمعنى لا يأباه، ﴿عَمّا:﴾
جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما الله بغافل عن الذي، أو عن شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: وما الله بغافل عن عملكم.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ:﴾ هذا الخطاب للنبيّ ﷺ ولأصحابه، والاستفهام إنكاريّ، أو استبعادي، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود، أي: إن كفروا فلهم سابقة في ذلك، وذلك: أنّ الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف، والجوار الذي كان بينهم. هذا؛ والطّمع: نزوع النّفس إلى الشيء، وتعلّقها به، والحرص على حصوله، وهو مذموم إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة، وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم، ويقال:
طمع فيه طمعا، وطماعية، فهو طمع على وزن فعل، ويقال في التعجب: طمع الرّجل بضم الميم، أي: صار كثير الطمع، وامرأة مطماع: تطمع، ولا تمكّن.
﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ الفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر، وجمعه في أدنى العدد: فرق، وفي الكثير: فرقاء.
وقال الأعلم-رحمه الله تعالى-: الفريق يقع للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، مثل: صديق، وعدو، وقعيد.
стр. 214
﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال الربيع، وابن إسحاق: المراد: السّبعون الذين اختارهم موسى للاعتذار عن عبادة بني إسرائيل العجل، فسمعوا كلام الله، فلم يمتثلوا أمره، وحرّفوا القول في إخبارهم لقومهم. وهذا ضعيف جدّا، والمعتمد الأوّل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
قال مجاهد، والسّدّي: هم علماء اليهود؛ الّذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالا، والحلال حراما اتّباعا لأهوائهم. وأيضا حرّفوا ما فيها من صفة النبي ﷺ ، وحرّفوا آية الرّجم، ويفسّرون التوراة بما يشتهون، ففي صفات النبي ﷺ كتبوا بدل «أكحل العين، ربعة، أجعد الشعر، حسن الوجه»: أزرق العين، سبط الشّعر، طويلا... إلخ.
هذا؛ والفعل (يسمع) من الأفعال الصّوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محلّ نصب حال؛ إن كان المتقدّم معرفة؛ مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
هذا؛ والكلام بالنسبة إلى البشر يدلّ على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا. تريد: تكلّمك إيّاه. وقال الشاعر: [البسيط]
قالوا: كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا
وثانيها: ما يدور في النّفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه اللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمّى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [الكامل]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
ثالثها: كلّ ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللّسانين)، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله)، ثم انظر إلى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (التوبة) رقم [٦]: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في سورة (آل عمران) رقم [٤١]: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي الّذي نفى الكلام اللّفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]
стр. 215
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
والدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١] حكاية عن قول السماء والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنهما تكلمتا حقيقة، وقال آخرون: إنهما لما انقادتا لأمر الله ؛ نزل ذلك منزلة القول، والكلام، وانظر شرح القول في الآية رقم [٢٦].
﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ:﴾ من بعد ما فهموه، وضبطوه بعقولهم، وانظر العقل في الآية [٤٤].
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أي: أنهم مبطلون مفترون. والمعنى: أنّ أحبار اليهود كانوا على هذه الحالة من التحريف، والتغيير، والتبديل لكلام الله، فكيف تتوقعون إيمان سفلتهم، وجهالهم، وأنهم إن كفروا؛ فلهم سابقة في ذلك.
الإعراب: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري استبعادي. واختلف في مثل هذا التركيب؛ أي: دخول الهمزة على الفاء، وعلى الواو، وعلى ثمّ، فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدّمة من تأخير، لأن لها الصّدر، ولا حذف في الكلام، والتقدير: فأ تطمعون، وأ لا يعلمون... إلخ. وذهب الزمخشري إلى أنّها داخلة على محذوف، وعليه سياق الكلام، والتقدير هنا: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون. الفاء: حرف عطف.
(تطمعون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهذا على تأويل الفعل ب «ينقادوا»، وأما على تأويله ب «صدقوكم»، فاللام زائدة، والكاف مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (تطمعون).
﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿فَرِيقٌ:﴾ اسم (﴿كانَ﴾). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿كَلامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وأجاز قوم أن تكون الجملة صفة ل ﴿فَرِيقٌ،﴾ و ﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر. وهو ضعيف، والجملة الفعلية: (﴿قَدْ كانَ﴾): في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.
стр. 216
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحَرِّفُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَقَلُوهُ﴾ صلته، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، ويكون المصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من بعد عقلهم له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة بقوله: عقلوه فتكون حالا مؤكدة؛ لأنّ معناها قد فهم من قوله: ﴿عَقَلُوهُ﴾. والأولى اعتبارها حالا من واو الجماعة بقوله:
﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يحرفونه حال علمهم بذلك. تأمل، وتدبر.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾
الشرح: قال الخازن رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، قال ابن عباس-﵄: إنّ منافقي اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، وإن صاحبكم لصادق، وإن قوله الحق، وإنّا نجد نعته، وصفته في كتابنا.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا:﴾ انظر الآية رقم [١٤] ففيها البحث كاف واف مع ملاحظة الفرق بأنّ ما هنا نزل بمنافقي اليهود، وما هناك نزل بمنافقي العرب: عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأصحابه. ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهما من رؤساء اليهود لاموا المنافقين منهم على ذلك. ﴿قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قصّ، وبيّن، وفصّل في كتابكم التوراة من صفة محمد ﷺ ، ومنه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٨٩]: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ وما يشبهها في سورة (الشعراء) رقم [١١٨]، وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٩]: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ:﴾ ليحتجّوا عليكم بما أنزل الله في كتابه، أو ليحتجوا عليكم بقولكم، يقولون لكم: كفرتم به بعد أن عرفتم صدقه. والمراد بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ رقم [٣١] من سورة (الزّمر). هذا؛ والحجة: الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجّة الطريق الواضحة، وحاججت فلانا، فحججته؛ أي: غلبته بالحجّة، ومنه الحديث الذي ذكرته في الآية رقم [٣٦]:
«فحجّ آدم موسى»؛ أي: فغلبه. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ هذا من قول الأحبار اللائمين للمنافقين منهم.
стр. 217
وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين؛ أي: أفلا تعقلون: أنّ اليهود لا يؤمنون بالله، ونبيكم، وهم بهذه الأحوال المعوجّة المنحرفة عن الصّراط المستقيم.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لَقُوا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾ فهو في محل نصب حال. وفي السمين: وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود، والمنافقين، والثاني: أن تكون في محل نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها، وهي: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ،﴾ والتقدير: كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت، وكيت؟! انتهى. جمل.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): مثل سابقتها. ﴿خَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿خَلا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري وتوبيخي. (﴿تُحَدِّثُونَهُمْ﴾): فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.
و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿فَتَحَ:﴾ فعل ماض. الله: فاعله.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو بشيء فتحه الله عليكم. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بفتح الله عليكم، وجملة: ﴿قالُوا﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها: كلام معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الصّيرورة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (﴿تُحَدِّثُونَهُمْ﴾).
стр. 218
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل (يحاج) أيضا، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتأنيب. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المفعول المحذوف معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: أطبع على قلوبكم فلا تعقلون؟! هذا على اعتبارها من تمام مقولهم، وإن كانت من خطاب الله تعالى للمؤمنين؛ فهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ في الآية السابقة.
﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ:﴾ أي: اللائمون، والمنافقون من اليهود. هذا؛ والسرّ: الخفاء.
والعلن، والإعلان، والعلانية: الجهر. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ الآية رقم [٣١]، وقال الشاعر: [البسيط]
لا تظلموا مسورا فإنّه لكم... من الّذين وفوا بالسّر والعلن
والّذي أسرّه اليهود الكفر، والذي أعلنوه إظهارهم الإيمان، وقولهم لأصحاب النبيّ ﷺ :
آمنا بالذي آمنتم به، وإنّ صاحبكم لصادق، وإنّ قوله لحقّ، وإنا نجد نعته، وصفته في كتابنا التوراة. ولا تنس الطباق بين ﴿يُسِرُّونَ﴾ و ﴿يُعْلِنُونَ﴾ وهو من المحسّنات البديعية.
الإعراب: ﴿أَوَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. انظر ما ذكرته في الآية السابقة. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعول به مفرد؛ إن جعلنا الفعل من المعرفة، أو في محل سد مسد مفعولين؛ إن جعلناه من العلم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.
﴿يُسِرُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا يسرّونه، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سرّهم. ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾
معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق بينهما، وجملة: (﴿لا يَعْلَمُونَ﴾): مستأنفة لا محل لها
стр. 219
من الإعراب، أو هي معطوفة على الجمل السابقة الواقعة حالا. ويبعده: أن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يقع حالا.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٧٨)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى علماء السوء من اليهود الّذين حرفوا، وبدّلوا؛ ذكر العوام الذين قلّدوهم، وبيّن: أنّهم في الضلال، والمآل سواء، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام لا يعرفون القراءة، والكتابة؛ ليطلعوا على ما فيها بأنفسهم، ويتحقّقوا بما فيها. ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع: أمّي، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في حق نبينا ﷺ ، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأولين والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف)، والحمد لله! وأمّيّ منسوب إلى الأم التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأنّ الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال رسول الله ﷺ : «إنّا أمّة أميّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا...» الحديث. أو منسوب إلى الأمة؛ لأنها ساذجة قبل أن تعرف المعارف، والمراد بالكتاب: التوراة.
﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ أي: أكاذيب، جمع: أمنيّة بتشديد الياء وتخفيفها فيها، قال أبو حاتم رحمه الله تعالى: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدّد؛ فلك فيه التشديد، والتخفيف مثل: أثافي، وأغاني، أماني، ونحوه، وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى تمنيا، أي:
كذب، ومنه قول عثمان بن عفان-﵁: ما تمنيت منذ أسلمت! أي: ما كذبت!.
أو هي جمع أمنية من التمنّي، وهو: طلب محبوب لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، أو بعيد الوقوع، وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى: ترجيا، وعليه فالأماني التي يتمنّاها سفلة اليهود، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة من أنّ الجنّة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأنّ النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّهم أبناء الله، وأحباؤه، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة.
هذا؛ والأماني جمع: أمنية بمعنى التلاوة، والقراءة، وأصلها: أمنوية، على وزن: أفعولة، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمّة النون كسرة لمناسبة الياء، فصارت أمنية.
والمعنى: أن سفلة اليهود لا يقرءون التّوراة إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى. هذا؛ و «تمنى» بمعنى: قرأ، وقيل به في قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية رقم [٥٢] من سورة (الحج)، أي: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، انظر شرحها هناك، فإنّه جيد، والحمد لله! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان-﵁: [الطويل]
стр. 220
تمنّى كتاب الله آخر ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل
وقال كعب بن مالك-﵁-فيه أيضا: [الطويل]
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة... وآخره لاقى حمام المقادر
وقال ابن الأنباري-رحمه الله تعالى-: الأماني تنقسم على ثلاثة أقسام: تكون من التمنّي، وتكون من التلاوة، وتكون من الكذب. كشاف بتصرف.
هذا؛ وقيل: الأماني: المقدّرات، يقال: منى له، أي قدّر له، قاله الجوهري، وحكاه ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [البسيط]
لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني
وقال أبو قلابة الهذلي: [البسيط]
ولا تقولن لشيء سوف أفعله... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني
أي: ما يقدر لك القادر. وبه قيل في آخر سورة القيامة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي: يكذبون، ويحدّثون؛ لأنه لا علم لهم بصحة ما يتلون، إنّما هم مقلّدون لأحبارهم فيما يقرءون به.
قال أبو بكر الأنباري-رحمه الله تعالى-: وقد حدّثنا أحمد بن يحيى النّحويّ: أنّ العرب تجعل الظنّ علما، وشكّا، وكذبا، وقال: إذا قامت براهين العلم، فكانت أكثر من براهين الشك؛ فالظنّ يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين، وبراهين الشك؛ فالظنّ شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين؛ فالظن كذب، قال الله : ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أراد:
إلا يكذبون، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٦] فإنه جيد، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مِنْهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدّم. ﴿أُمِّيُّونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا ما يقوله المفسرون، والمعربون في هذه الجملة، وأمثالها، وأرى: أنّ مضمون: (﴿مِنْهُمْ﴾) مبتدأ و ﴿أُمِّيُّونَ﴾ خبرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَمانِيَّ:﴾ استثناء منقطع، قدر البيضاوي فعلا ناصبا له، كما قدّر ﴿إِلاّ﴾ ب «لكن» فقال: والمعنى: ولكن يعتقدون أماني، أو يدركون أماني.
والجملة الفعلية: ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ في محل رفع صفة: ﴿أُمِّيُّونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ﴾
стр. 221
﴿أُمِّيُّونَ:﴾ معطوفة على الجمل السابقة، فهي في محل نصب حال مثلها، قاله سليمان الجمل، وأرى جواز اعتبارها مستأنفة لا محل لها.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعولاه محذوفان اختصارا ورعاية لرءوس الآي، التقدير: يظنون أنهم على حق، أو ناجون، أو نحو ذلك، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، واعتبرها أبو البقاء صفة لموصوف محذوف، هو المبتدأ، التقدير:
إلا قوم يظنون، وعلى كلّ فالجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السّابقة على الوجهين المعتبرين فيها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، والاستئناف ممكن أيضا.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾
الشرح: (﴿وَيْلٌ﴾): كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك، وقال ابن عباس-﵄: الويل: شدّة العذاب. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذيّ. وقال الأصمعيّ: الويل: تفجع، والويح: ترحم. وقيل: أصله الهلكة، وكلّ من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾. هذا؛ والويل مصدر، لم يستعمل منه فعل؛ لأنّ فاءه وعينه معتلتان، ومثله: (ويح، وويه، ويس، وويك، وويب) وهو لا يثنّى، ولا يجمع، وقيل:
يجمع على: ويلات، بدليل قول امرئ القيس في معلّقته رقم [١٨]: [الطويل]
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
وإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النّصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمّنها معنى خاصّا.
﴿يَكْتُبُونَ الْكِتابَ:﴾ الكتابة معروفة، وأول من كتب بالقلم، وخطّ به إدريس، عليه الصلاة، والسّلام، وجاء ذلك في حديث أبي ذرّ خرّجه الآجري، وغيره. وقد قيل: إن آدم ﵇ أعطي الخط، فصار وراثة في ولده، وهو صحيح، وجيّد. وقد كان عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يحسن الخطّ، ويجيده.
стр. 222
﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ تأكيد، فإنه قد علم: أن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٨]: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية رقم [١٦٧] من سورة (آل عمران).
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: يقولون لأتباعهم الأميين: هذا الذي تجدونه هو نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇، مع أنّهم كتبوها بأيديهم، ونسبوها إلى الله كذبا، وزورا، فإذا نظر الأميّون إلى النبيّ ﷺ ، وإلى تلك الصفة المكتوبة في التوراة؛ وجدوه مخالفا لها، فيكذّبون، ويقولون: إنه ليس به. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ لينالوا بما كتبوا عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني. هذا؛ ووصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلّة إما لفنائه، وعدم ثباته، وإما لكونه حراما؛ لأن الحرام لا بركة فيه، ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق، والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم: «حسن الوجه، حسن الشّعر، أجعده، أكحل العينين، أبيض، ربعة» فغيّروها، وكتبوا مكانها: طويلا، أزرق، سبط الشّعر، والذي حملهم على ذلك: أنّهم خافوا زوال رياستهم، وانقطاع ما يأخذونه من سفلتهم. وقال الزّهري: عن ابن عباس-﵄: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتاب الله الذي أنزله الله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرءونه غضا لم يشب، وقد حدّثكم الله تعالى: أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب الله، وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدا قطّ سألكم عن الذي أنزل عليكم؟!.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا..﴾. إلخ؛ أي: فويل لهم ممّا كتبوا بأيديهم من الكذب، والبهتان، والافتراء، وويل لهم ممّا أكلوا من سفلتهم من السّحت الحرام. هذا؛ وكرر لفظ: (ويل) تغليظا لفعلهم، وتشنيعا لعملهم، وتقبيحا لسوء صنيعهم. والتكرير واقع في آيات القرآن، منه ما يكون لمزيد المدح، ورفعة الشأن، كما في سورة (الواقعة): ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. ومنه ما يكون لمزيد التهويل، والتخويف، والزجر والرّدع، مثل قوله تعالى في سورة (الواقعة):
﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾.
هذا؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات كما في الآية رقم [١٩٤] الآتية، وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. خذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [الطويل]
وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان
كما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.
стр. 223
فائدة: تحريف كلام الله تعالى يكون بتأويله تأويلا فاسدا، ويكون بتغيير، وتبديل الكلام، وقد وقع من أحبار اليهود التّحريف بالتّأويل، وبالتغيير، كما فعلوا بصفة النبيّ ﷺ ، وقد وقع التّحريف بقسميه في الكتب السّماوية: التوراة، والإنجيل، والزبور، كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الآية رقم [٤٦] من سورة (النساء)، أما التحريف بمعنى التأويل الباطل فقد وقع في القرآن الكريم من المنافقين، والملاحدة، ومن علماء السوء في كلّ زمان، ومكان، وأمّا التحريف بمعنى إسقاط الآية، ووضع كلام بدلها فقد حفظ الله كتابه العزيز منه، قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩]: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ انتهى. صفوة التفاسير بتصرف.
الإعراب: (﴿وَيْلٌ﴾): مبتدأ سوغ الابتداء به؛ وهو نكرة؛ لأنه دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات سواء أكان دعاء له، نحو: سلام عليك، أو عليه كهذه الآية. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَكْتُبُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله.
﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿هذا:﴾ الهاء حرف تنبيه لا محل له. (ذا):
اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿لِيَشْتَرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَقُولُونَ﴾.
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة ﴿ثَمَناً،﴾ والجملة الاسمية: (ويل): مستأنفة لا محل لها. (ويل): مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (ويل). ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب «من» والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو:
من شيء كتبته أيديهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: فويل لهم من كتابة أيديهم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومؤكّدة لها، وأيضا جملة ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ معطوفة عليها، ومؤكّدة لها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق بينهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 224
﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾
الشرح: روى البخاريّ، وغيره عن أبي هريرة-﵁: أنه قال: «لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سمّ، فقال رسول الله ﷺ : «اجمعوا لي من كان من اليهود هنا»، فقال لهم رسول الله ﷺ : «من أبوكم؟» قالوا: فلان، قال: «كذبتم بل أبوكم فلان». فقالوا:
صدقت وبررت! ثم قال لهم: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم! وإن كذبناك؛ عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا! فقال لهم: «من أهل النار؟» فقالوا:
نكون فيها يسيرا، ثمّ تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : «اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا!» ثم قال لهم: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟». قالوا: نعم يا أبا القاسم! قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمّا؟». فقالوا: نعم! قال ﷺ : «ما حملكم على ذلك؟» فقالوا:
أردنا إن كنت كاذبا؛ أن نستريح منك، وإن كنت نبيّا؛ لم يضرك».
وقال مجاهد: عن ابن عباس-﵄: إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنّما نعذب بكل ألف سنة يوما في النّار، وإنّما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً،﴾ وقال العوفي عن ابن عباس-﵄: قالوا: ولن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، وهي مدّة عبادتهم العجل.
هذا؛ وقد جاء وصف ﴿أَيّاماً﴾ في آية الصيام الآتية بلفظ: ﴿مَعْدُوداتٍ،﴾ وهذا يدل على أنه يجوز في العربية استعمال اللفظين في وصف أياما كما ترى. ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤] فالبحث فيها واف كاف. ﴿عِنْدَ اللهِ عَهْداً:﴾ أي: قل يا محمد لهم على سبيل الإنكار، والتوبيخ، والتقريع: هل أعطاكم الله عهدا بذلك، فالله لا يخلف وعده، ولا ينقض عهده؛ لأنه تعالى لا يخلف الميعاد، ولكن هذا ما جرى، ولا كان من الله تعالى، بل أنتم تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب، والافتراء. وافتراؤهم هذا كان حينما توعّدهم الرسول ﷺ بالنّار؛ إن لم يسلموا. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: يجوز في ﴿أَمْ﴾ في هذه الآية أن تكون معادلة، أي: متصلة؛ بمعنى: أي الأمرين كائن على سبيل التقرير لحصول العلم بكون أحدهما. ويجوز أن تكون منقطعة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] لشرح المتصلة، والمنقطعة.
الإعراب: (﴿قالُوا﴾): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة، وهو أولى من العطف على الآية قبلها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال.
стр. 225
﴿تَمَسَّنَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ و (نا) مفعول به. ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَيّاماً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿مَعْدُودَةً:﴾ صفة: ﴿أَيّاماً﴾.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿أَتَّخَذْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾): فعل وفاعل، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، ويجوز تعليقه ب ﴿عَهْداً؛﴾ لأنه مصدر، كما يجوز اعتباره متعلقا بمحذوف حال من ﴿عَهْداً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وجملة:
﴿أَتَّخَذْتُمْ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كما رأيت فيها، وفي أمثالها.
﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: اعتبرها الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: أنها واقعة في جواب شرط محذوف، تقديره: إن اتخذتم عند الله عهدا؛ فلن... إلخ. (لن): حرف ناصب.
﴿يُخْلِفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن)، ﴿اللهِ:﴾ فاعله، ﴿عَهْدَهُ:﴾ مفعول به، والهاء: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط المقدر، كما رأيت على قول الزمخشري، ومن تبعه، والشرط المقدر، ومدخوله في محل نصب مقول القول، وقال ابن عطية: هي معترضة بين المتعاطفين لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي تحتمل أن تكون متصلة، وهي التي يطلب بها وبالهمزة التّعيين، ويحتمل أن تكون منقطعة، وهي التي بمعنى «بل». ﴿تَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله.
﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ فهي في محل نصب مفعول به ل ﴿تَقُولُونَ،﴾ وساغ ذلك لأنها مبهمة، وهي كناية عن كلام كثير، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه.
فائدة: قال القرطبي: رحمه الله تعالى-: في هذه الآية ردّ على أبي حنيفة وأصحابه، حيث استدلوا بقوله ﷺ : «دعي الصّلاة أيّام أقرائك» في أنّ مدّة الحيض ما يسمّى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة، قالوا: لأنّ ما دون الثلاثة يسمّى يوما ويومين، وما زاد على العشرة يقال فيه:
أحد عشر يوما، ولا يقال فيه: أيام، وإنّما يقال: أيام: من الثلاثة إلى العشرة، قال الله تعالى:
﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ،﴾ ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ،﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ﴾.
فيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصّوم: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ يعني: جميع الشهر، وقال تعالى: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ يعني: أربعين يوما، وأيضا: إذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال: أيام مشيك، وسفرك، وإقامتك، وإن كان ثلاثين، وعشرين، وما شئت من العدد، ولعلّه أراد ما كان معتادا لها، والعادة ستّ، أو سبع، فخرّج الكلام عليه، والله أعلم. انتهى. قرطبي.
стр. 226
﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١)﴾
الشرح: ﴿بَلى:﴾ ردّ لما ادّعاه اليهود في الآية السابقة؛ أي: ليس الأمر كما زعمتم، وذكرتم، بل تمسكم النار زمانا مديدا، ودهرا طويلا، و ﴿بَلى:﴾ حرف جواب كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ ﴿بَلى﴾ جواب لنفي، متقدّم؛ أي: وإبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؛ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قد قام، وقوله: أليس زيد قائما، فتقول: بلى، أي: هو قائم، قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم؛ كفروا.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً:﴾ عمل سيئة، والكسب: استجلاب النفع، وتعليقه بالسّيئة تهكما على طريقة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. هذا؛ والسيئة المراد بها هنا: الشّرك، وهي أيضا المعصية، ومخالفة أوامر الله تعالى، وهي كبائر، وصغائر، وأصلها: «سيوئة» فقل في إعلالها اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ:﴾ استولت عليه، وأحدقت به من كلّ جانب بأن مات مشركا، وكذلك من يفعل الكبائر من الذنوب، ولم يتب قبل موته.
وخذ ما يلي: فعن عبد الله بن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهنّ يجتمعن على الرّجل حتى يهلكنه»، وإنّ رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرّجل ينطلق، فيجيء بالعود والرّجل يجيء بالعود، حتّى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، فأنضجوا ما قذفوا فيها، رواه الإمام أحمد.
هذا؛ وقرأ نافع: («خطيئاته») بالجمع، انظر إعلالها في الآية رقم [٥٨] أولئك ﴿أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٩] ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب لا محل له من الإعراب. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَسَبَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿سَيِّئَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَأَحاطَتْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿أَحاطَتْ﴾): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿خَطِيئَتُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿أَصْحابُ:﴾
مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (أولئك) في محل جزم جواب الشرط.
стр. 227
وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل الجملتان. وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة ﴿كَسَبَ﴾ صلته، والجملة الاسمية: (أولئك) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿بَلى مَنْ:﴾ مبتدأة أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. هذا؛ ويرجح اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا عطف الآية التالية على هذه الآية.
﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ﴾ أو من: ﴿النّارِ﴾ والرابط الضمير على الاعتبارين، والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، وإن اعتبرت الجملة الاسمية مستأنفة؛ فلست مفندا، والوقف على ﴿النّارِ﴾ تامّ، وجيّد.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)﴾
الشرح: من رحمة الله بعباده، ومن كرمه، وجوده، وإحسانه: أنّه لم يذكر عباده المؤمنين في الكتاب؛ إلا ويذكر الكافرين، والفاسدين، ولم يذكر الحسنات، والأعمال الصّالحات؛ إلا ويذكر السيئات، والخطيئات، ولم يذكر الجنّة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة، وفيه ما فيه من التذكير، والتنبيه، والاتعاظ، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وجعل أصحاب الجنة بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار، انظر الآية رقم [٣٩] وانظر الإعراب فيها أيضا، فإنه مثله بلا فارق، فلا أعيده هنا رغبة في الاختصار، والاقتصار، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ اختلف في الميثاق هنا، فقال مكي: هو الميثاق؛ الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذرّ، ويعني به ما ذكر في قوله الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾. إلخ. وقيل: هو ميثاق
стр. 228
أخذه عليهم، وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾. وعبادة الله: إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. وانظر ما ذكرته في سورة الفاتحة:
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً:﴾ يراد في هذا اللفظ: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم، وأيضا في لفظ «الأبوين»، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذّكر على الأنثى. والإحسان إلى الأبوين يكون بالقول، والفعل، والإنفاق عليهما عند عجزهما، واحتياجهما. وانظر ما ذكرته في سورة (الإسراء) رقم [٢٣] في هذا الصدد، وانظر سورة (النساء) رقم [٣٦]. ﴿وَذِي الْقُرْبى﴾ أي:
القرابات من جهة الأب، ومن جهة الأم، وهم الأرحام. وانظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٢٣] في حقّهم. ﴿وَالْيَتامى:﴾ جمع: يتيم، وهو من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، وقد يغلب أن يكون المراد من فقد معيله، وهو الأب من بني آدم، والأم من الحيوانات، والطيور، وهناك يتيم العقل، والأدب، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الخمسين، والسّتين، ويملك من المال الملايين، ولله درّ القائل: [البسيط]
ليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب
وخذ قول الآخر: [الكامل]
ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا
إنّ اليتيم هو الّذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا
وقد ذكرت الإحسان إلى اليتيم والعطف عليه، وثواب رعايته، وجزاء كفالته في مناسبات كثيرة، وآيات عديدة. ﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧٦] الآتية.
﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً﴾ أي: قولوا لهم قولا ذا حسن، وقرئ: («حسنا») بفتحتين، و («حسنا») بضمتين، فالأولى قراءة حمزة، والكسائي، والثانية قراءة عيسى بن عمرو، وهي غير سبعية، والمعنى: قولوا لهم الطّيّب من القول، وجازوهم بأحسن ما يحبّون أن يجازوا به، وهذا كلّه حضّ على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله لينا، ووجهه منبسطا طلقا مع البرّ، والفاجر، والسّنّيّ، والمبتدع من غير مداهنة؛ لأن الله تعالى قال لموسى، وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (طه). والمأمور بذلك اليهود، والنصارى، والمسلم أولى بذلك. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ انظر الآية رقم [٤٣]، ﴿وَآتُوا:﴾
أصله: «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فصار: «آتوا» بعد حذف الياء، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو فصار: (آتوا). ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٤]، والخطاب لليهود معاصري محمد ﷺ وأسند إليهم تولّي أسلافهم؛ إذ هم كلّهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحقّ مثلهم، كما قيل: «شنشنة أعرفها من أخزم». ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ﴾ أي: من آبائكم
стр. 229
في عهد موسى، وهارون، على نبيّنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وفي عهد محمد ﷺ أسلم عبد الله بن سلام، وأصحابه. ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: عن الإيمان وعن الوفاء بالعهد، كما أعرض آباؤكم.
هذا؛ والملاحظ: أنّ الله تعالى أمر بني إسرائيل بهذه التّكاليف الثمانية؛ لتكون لهم المنزلة الرّفيعة عنده بما التزموا به، فأخبر الله عنهم: أنّهم ما وفوا بذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾
تنبيه: أمر الله تعالى في هذه الآية بني إسرائيل، وكلّ إنسان بالإحسان إلى الوالدين، والبر بهما، والرّحمة لهما، فيما لا يخالف أوامر الله تعالى، ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه من المساعدة، والإنفاق عليهما بقدر الحاجة، ولا يؤذيهما البتة، وإن كانا كافرين، بل يجب عليه الإحسان إليهما، ومن الإحسان إليهما: أن يدعوهما إلى الإيمان بالرّفق، واللين، وكذا إن كانا فاسقين؛ بأمرهما بالمعروف بالرّفق، واللّين من غير عنف، وإنّما عطف برّ الوالدين على الأمر بعبادته؛ لأن شكر المنعم واجب، ولله على عبده أعظم النّعم؛ لأنه هو الذي خلقه، وأوجده بعد العدم، فيجب تقديم شكره على شكر غيره ثم إنّ للوالدين على الولد نعمة عظيمة؛ لأنّهما السبب في كون الولد، ووجوده، ثمّ إن لهما عليه حقّ التربية أيضا، فيجب شكرهما ثانيا. خازن. ولا تنس قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾.
الإعراب: (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السّكون في محل نصب، متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر، فيكون خطابا للنبي ﷺ أو تقديره: اذكروا: فيكون خطابا لليهود المعاصرين له ﵊. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. ﴿بَنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النّون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾) إليها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر، لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم: لا تعبدون. وهذا النفي بمعنى النّهي، وهو أبلغ من النهي الصّريح، ويعضده: أنه قرئ بحذف النون على النّهي الصريح، والقول ومقوله معطوف على جملة: ﴿أَخَذْنا﴾ فهو في محل جرّ مثلها، وجوز أن يكون في محل نصب حال من (نا) وهو على تقدير «قد» أيضا، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرئ: («لا يعبدون») بالياء، وعليه فلا التفات. هذا وقد ذكر أبو البقاء: أنّ في الجملة أربعة أوجه: أحدها: أنها جواب قسم دل عليه المعنى، وهو قوله: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَ﴾ لأنّ معناه: استحلفناهم: والله لا تعبدون. والثاني: أنّ «أن» الناصبة مرادة، والتقدير: أخذنا ميثاق بني إسرائيل على ألا تعبدوا إلا الله، فحذف حرف الجرّ،
стр. 230
ثمّ حذف «أن» فارتفع الفعل، والثالث: أنّ الجملة الفعلية في محل نصب حال، التقدير: أخذنا ميثاقهم موحّدين، وهي حال مصاحبة، ومقدرة؛ لأنهم كانوا وقت أخذ العهد موحّدين، والتزموا الدوام على التّوحيد، والوجه الرابع: أن يكون لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، التقدير: قلنا لهم: لا تعبدوا. هذا؛ وذكر الجمل: أنّه يحتمل أن تكون الجملة مفسرة لأخذ الميثاق، ثمّ قال:
ولا محل لها حينئذ من الإعراب. انتهى بتصرّف، وهو منقول من السمين.
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أحسنوا بالوالدين، والجملة هذه معطوفة على جملة: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ولا سيما على الوجه الأول، والاستئناف ضعيف. ﴿إِحْساناً:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل المقدّر. وقيل: هو مفعول به على تقدير المحذوف: استوصوا. وقيل: هو مفعول لأجله، والأول أقوى، وآكد. ﴿وَذِي:﴾ معطوف على الوالدين مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (﴿ذِي﴾) مضاف، و ﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.
(﴿قُولُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلنّاسِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿حُسْناً:﴾ صفة مصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا؛ إذ التقدير: قولوا قولا ذا حسن، فحذف المضاف، وحلّ المضاف إليه محلّه، أو التقدير: قولوا قولا حسنا، وجملة ﴿وَقُولُوا:﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً،﴾ وأيضا جملتا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ معطوفتان عليها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فقبلتم، ثم توليتم، والجملتان المقدّرة والمذكورة معطوفتان على جملة: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَ... ؛﴾ فهما في محل جرّ مثلها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء.
﴿قَلِيلاً﴾ مستثنى من تاء الفاعل، وقال أبو البقاء: قرئ بالرفع شاذّا، ووجهه أن يكون فاعلا بفعل محذوف، التقدير: امتنع قليل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إلا قليل منكم لم يتولّ، وعليه فالجملة على الاعتبارين في محل نصب حال من تاء الفاعل، ويجوز أن يكون توكيدا للضمير المرفوع المستثنى منه. انتهى بتصرف كبير. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَلِيلاً﴾ أو بمحذوف صفة له. (﴿أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال مؤكّدة لمعنى التولّي.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ تريقونها بقتل بعضكم بعضا؛ لأن من أراق دم غيره؛ فكأنما أراق دم نفسه، فهو من باب المجاز بأدنى
стр. 231
ملابسة. وقيل: لما كانت ملّتهم واحدة، وأمرهم واحد، وكانوا في الأمم كالشّخص الواحد؛ جعل قتل بعضهم بعضا، وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم، ونفيا لهم، وقد قال نبيّنا المعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم». وهو يريد دماء وأموال المؤمنين؛ لأن المؤمنين إخوة، وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى». وفي رواية: «إن اشتكى عينه؛ اشتكى كلّه، وإن اشتكى رأسه؛ اشتكى كلّه». هذا؛ والسّفك: الصّبّ، والإراقة، ولا يستعمل إلا في الدّم، قال في المصباح: وسفك الدّم: أراقه، وبابه ضرب، وانظر شرح الدم في الآية رقم [٣٠]. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق، واعترفتم بلزومه. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ على أنفسكم بذلك.
هذا؛ والخطاب للأبناء بما فعل آباؤهم، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ والتقريع إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة أوامر الله، ومخالفة رسله، ومعناه: أنتم تشهدون على أسلافكم بما قبلوا، وأقرّوا به.
هذا؛ و ﴿دِيارِكُمْ﴾ جمع: دار، وهي مؤنثة وقد تذكر، وهي منزل الإنسان ومسكنه، أصلها:
«دور» بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، دور، وأدؤر، وأدور،، أدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل: ديار: دوار، وأدور، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلّت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة، ودار القرار: الآخرة، والداران: الدنيا، والآخرة، ودار الحرب:
بلاد العدو. هذا؛ وقال أبو حاتم: إنّ الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدّار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين، وقال جلّ شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أنّ الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشّاعر، وهو مجنون ليلى: «أقبّل ذا الجدار» وهو حائط البيت، وذلك في قوله، وهو الشاهد رقم [٩٠٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
أمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا
وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا
الإعراب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية السابقة، وهو مثله في إعرابه. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ إعرابها ومحلها مثل: ﴿لا تَعْبُدُونَ..﴾. في الآية السابقة. ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، ومحلّها. ﴿أَقْرَرْتُمْ:﴾
فعل وفاعل، والجملة الفعلية قيل: معطوفة على جملة محذوفة: التقدير: قبلتم، ثمّ أقررتم.
وقيل: هي معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا﴾ فتكون في محل جرّ مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو
стр. 232
الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو والضمير، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ ومؤكّدة لها.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ هذا خطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ .
وقتل أنفسهم مثل سفك دمائهم في الآية السابقة بلا فارق. ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ أي: يخرج بعضكم بعضا من ديارهم. ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ:﴾ أي: تتعاونون عليهم بالمعصية، والظلم، والعدوان. وقرئ: («تظّاهرون») بتشديد الظاء، وتخفيفها، وأصلها:
تتظاهرون، فمن قرأ بتشديد الظاء؛ فقد أدغم التاء الثانية في الظّاء، ومن قرأ بتخفيف الظاء، فهو على حذف إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم، وفي اللّغة العربية. هذا؛ والعدوان: تجاوز لحدود الله، والطّغيان. والإثم: الذنب الذي يستحقّ عليه صاحبه الذّمّ. هذا؛ والإثم: اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر: [الوافر]
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ أي: تنقذوهم، وتفكّوهم من الأسر بالمال وغيره. ويقرأ ﴿أُسارى﴾ و «أسرى» مثل: سكارى، وسكرى، ومثل هذه الآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال) وسمّي الأسير أسيرا لشدّه بالإسار، وهو القدّ، أي: الحبل الذي يشدّ به وثاقه، فسمّي كلّ أخيذ أسيرا، وإن لم يشدّ به. هذا؛ والأسر: الخلق، قال تعالى في سورة الدّهر: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ﴾ وأسرة الرجل: رهطه؛ لأنه يتقوّى بهم.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ:﴾ الحرام في الأصل: كلّ ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك، وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه. وحرمة الرّجل. محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحجّ هو المنع من أمور معروفة.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ﴾ أي: بعض التّوراة، وهو أخذ الفداء. ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: ببعض التوراة، وفيها تحريم القتل، والمظاهرة، والإخراج من الديار بالظّلم. ﴿فَما﴾
стр. 233
﴿جَزاءُ..﴾. إلخ: فما عقوبة؟. ﴿خِزْيٌ:﴾ ذلّ، وهوان، وقد خزوا في الدنيا بقتل بني قريظة، ونفي بني النّضير إلى الشام، وضرب الجزية عليهم. والإخزاء: هو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهليّ: [البسيط]
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهذا هو الشاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومنه قول حسان بن ثابت ﵁-يخاطب به من شجّ وجه النبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق
وهو على هذا من الرّباعي من: أخزى، يخزى، وهو من الثلاثي: خزى، يخزي بمعنى استحيا، وخجل، قال نهشل بن حري الدّارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفّين مع الإمام عليّ كرّم الله وجهه: [الطويل]
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقال ذو الرّمة: [البسيط]
خزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء. ﴿يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ﴾ أي: في جهنّم يصلونها، وبئس المصير.
تنبيه: قال السّدي-رحمه الله تعالى-: إنّ الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيّما عبد، أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل، فاشتروه، وأعتقوه، وكانت قريظة حلفاء الأوس، وبنو النّضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشّنآن، فكان كلّ فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا؛ خرّبوا ديارهم، وأخرجوهم منها، ثم إذا أسر رجل من الفريقين؛ جمعوا له مالا، فيفدونه، فعيّرتهم العرب، وقالت لهم: كيف تقاتلونهم، ثم تفدونهم؟! فيقولون أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، ولكنّا نستحيي أن تذل حلفاؤنا، فذمّهم الله على هذه المناقضة، انتهى. جمل بحروفه.
قال القرطبي: قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قلت: ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض، ليت بالمسلمين، بل بالكافرين، حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! انتهى.
стр. 234
أقول: يظهر: أنه يقصد ما حصل في الأندلس من فتن، ومحاربة بعض المسلمين بعضا، واستعانة البعض على البعض الآخرين بالإسبان الإفرنج، وهذا يحصل من المسلمين في كلّ زمان، ومكان، فقد ذكر: أن قيصر عرض على معاوية مساعدته على عليّ-﵁، وقال: والله لو قطّعت إربا إربا لا أستعين بكافر على مسلم.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. أو هو مبني على الضم المقدّر على آخره في محل نصب بيا النداء المحذوفة، وعليه فجملة: ﴿تَقْتُلُونَ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة سواء أكانت فعلية، أم ندائية معترضة بين المبتدأ والخبر، لا محل لها من الإعراب، إلا أنّ هذا لا يجيزه سيبويه؛ لأن (أولاء) مبهم، ولا يحذف حرف النداء مع المبهم. هذا؛ ويعتبر الكوفيون ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم موصول هو الخبر، وجملة: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ صلته، ولم يجزه البصريون؛ لأن ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى «الذين». وهناك وجه ثالث، وهو أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ خبر المبتدأ على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ثمّ أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة:
﴿تَقْتُلُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه. انتهى عكبري بتصرف، هذا؛ وأرى صحة وجه آخر، وهو أن يكون ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، وجملة:
﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنْتُمْ﴾. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول ذي الرّمّة، وهو الشاهد [٤٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك-هذا-لوعة وغرام
حيث قال الكوفيون: إن التقدير: يا هذا، ومثله الشاهد رقم [١٠٩٥]. وجملة: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً:﴾ معطوفة على سابقتها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقاً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ﴾ متعلقان بالفعل (﴿تُخْرِجُونَ﴾)، وجملة: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿فَرِيقاً﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور. ﴿بِالْإِثْمِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة.
﴿وَالْعُدْوانِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم.
﴿يَأْتُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿أُسارى:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿تُفادُوهُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية معترضة بين جملة: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ وجملة: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ الواقعتين في محل نصب حال.
стр. 235
(﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُحَرَّمٌ:﴾ خبره. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾
متعلقان ب ﴿مُحَرَّمٌ؛﴾ لأنه اسم مفعول. ﴿إِخْراجُهُمْ:﴾ نائب فاعل ب ﴿مُحَرَّمٌ﴾ سدّ مسدّ خبره، ويكون قد قام مقام الجملة، وهو في محل رفع خبر المبتدأ: (﴿هُوَ﴾).
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. (تؤمنون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (بعض) مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير:
أتفعلون ذلك، فتؤمنون؟! وهذا الكلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ:﴾
معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية.
﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿مِنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَفْعَلُ ذلِكَ:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَفْعَلُ﴾ المستتر.
﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿خِزْيٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان ب ﴿خِزْيٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة. ﴿الْحَياةِ:﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
هذا؛ وقد قال أبو البقاء: يجوز اعتبار: (ما) استفهاما مبتدأ، و ﴿جَزاءُ﴾ خبره، و ﴿إِلاّ خِزْيٌ﴾ بدلا من: ﴿جَزاءُ﴾ ولا أراه قويّا. والجملة الاسمية ﴿فَما جَزاءُ:﴾ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَوْمَ﴾): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (﴿يَوْمَ﴾) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُرَدُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو نائب فاعله. ﴿إِلى أَشَدِّ:﴾
متعلقان بما قبلهما. و ﴿أَشَدِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [٧٤]. هذا؛ ويقرأ: ﴿يُرَدُّونَ﴾ و ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء، والتاء، فعلى القراءة بالياء يكون التفاتا من الخطاب إلى الغيبة.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ أي: اليهود الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، وكانوا يفعلون المتناقضات، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ استبدلوا، انظر مثله في الآية رقم [١٦].
﴿الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ:﴾ هما على حذف مضاف؛ أي: نعيم الحياة الدنيا بنعيم الآخرة وخيراتها، والمراد هنا: اختاروا الدنيا، وفضلوها على الآخرة.
﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: لا يفتّر عنهم ساعة واحدة. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم. هذا؛ ووصف الله الحياة بالدنيا لحقارتها، ودناءتها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ورحم الله من يقول: [الكامل]
стр. 236
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
وما أحسن قول الشّافعي-﵁: [الطويل]
وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.
﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الحياة الدّنيا. التقدير: مستبدلة بالآخرة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا):
نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها. وقال الجمل في مثلها: معطوفة على جملة الصّلة. هذا؛ وقد قال النسفي: وقيل:
﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ وعليه فالفاء صلة.
وقيل: الجملة الفعلية: ﴿فَلا يُخَفَّفُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وتكون الفاء زائدة أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وهو أقوى من اعتبار الحالية فيها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ:﴾ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ:﴾ أتبعناهم رسولا في إثر رسول: إلياس، وداود، وسليمان، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، على نبيّنا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وأصل: (﴿قَفَّيْنا﴾): قفونا، فقلبت الواو
стр. 237
ياء. لوقوعها رابعة، واشتقاقه من: قفوته، إذا اتّبعت قفاه، ثم اتّسع فيه، فأطلق على كل تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع. والقفا: مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا، ومنه قول النبي ﷺ : «يعقد الشّيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد». رواه الشّيخان، وغيرهما.
ومنه قافية الشّعر، وهي آخر حرف من البيت، سمّيت بذلك؛ لأنها تتلو، وتتبع ما قبلها من أبيات. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة الحديد رقم [٢٧]: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ:﴾ الحجج، والمعجزات، وهي إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الميّت، وغير ذلك، ممّا ذكر في: (آل عمران) و (المائدة)، ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾
وقويناه بجبريل ﵊، رواه أبو مالك، وأبو صالح عن ابن عباس-﵄-ومعمر بن قتادة، وقال حسّان-﵁: [الوافر]
وجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنّما سمّي جبريل روح القدس؛ لأن القدس هو الله، وروحه: بجبريل، فالإضافة للتّشريف، وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: وما يدل على أن روح الله القدس بجبريل قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.
وقال النّحاس: سمّي جبريل روحا، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا، هذا؛ والقدس: الطهر، هذا؛ وعيسى مأخوذ من العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء.
﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ:﴾ لا يوافق هواكم، ويلائمه. استكبرتم: عن إجابته، واتباعه، والأخذ بتعاليمه. انظر الآية رقم [٩١] الآتية: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ:﴾ فكان ممّن كذبوه عيسى، ومحمّد عليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ:﴾ وممن قتلوه يحيى، وزكريا، وغيرهما، هذا؛ والتّعبير بالمضارع بقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ لم يقل: قتلتم كما قال: ﴿كَذَّبْتُمْ؛﴾ لأنّ المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما، وكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السّامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم، ومنه قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فعبّر بالماضي، ثم قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فعدل عنه إلى المضارع لتصوير اخضرارها في النفس، وعليه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁، يصور شجاعته، وجرأته: [الوافر]
فإنّي قد لقيت القرن يسعى... بسهب كالصّحيفة صهصهان
فآخذه فأضربه فيهوي... صريعا لليدين وللجران
стр. 238
هذا؛ و ﴿تَهْوى﴾ فعل مضارع، بمعنى تحبّ، وترغب فيه، والاسم منه: «هوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبّة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخافه، ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق
وإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]
جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران
فقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني
وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر، ويروى عن ابن عباس أيضا: أنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحبّ الخير، وهذا في الغالب، والآية الكريمة من ذلك، وقد يستعمل في الخير، والحق، ومنه قول عمر-﵁-في أسارى بدر: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث: «والله ما أرى ربّك إلاّ يسارع في هواك». أخرجهما مسلم. هذا؛ وجمع الممدود: أهوية، وجمع المقصور: أهواء.
وقال الشّعبي: إنّما سمّي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال عبد الله بن عمر ﵄. عن النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به». وقال أبو أمامة-﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما عبد تحت السّماء إله أبغض إلى الله من الهوى». والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: سمعت رجلا يقول: [الكامل]
إنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وسئل ابن المقفّع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر، فنظمه، فقال: [الكامل]
نون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وللعلماء، وللشعراء في هذا الباب في ذمّ الهوى، ومخالفته كتب، ومصنفات، وأبواب كثيرة، أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، والله وليّ التوفيق.
تنبيه-بل فائدة-: ﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية بمعنى الخادم، ثمّ سمّي به كثير من الناس، و (مريم) في لسان العرب: هي التي تكره مخالطة الرّجال. ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم بنت عمران، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا.
стр. 239
هذا وفي القاموس المحيط: المريم: هي التي تحبّ حديث الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قاله الشّاعر: [الطويل]
وزائرة ليلا كما لاح بارق... تضرّع منها للكساء عبير
فقلت لها أهلا وسهلا أمريم... فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير
وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (آل عمران) ففيها كبير الفائدة.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. واللام: واقعة في جواب القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٥]. جملة: ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِالرُّسُلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وجملة: (﴿آتَيْنا﴾): معطوفة أيضا لا محل لها. ﴿عِيسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿اِبْنَ:﴾ صفة عيسى، وابن مضاف، و ﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة (﴿أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾) معطوفة على جملة القسم لا محل لها.
﴿أَفَكُلَّما:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع، وانظر: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٤٤].
(كلّما): انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض. والكاف: في محل نصب مفعول به.
﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، و (ما) والفعل: (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل مجيء إليهم، وهذه الإضافة، وهذا التقدير هما اللذان سببا الظرفية ل (كل). أو التقدير: كل وقت مجيء. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَهْوى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿أَنْفُسُكُمُ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء لا تهواه أنفسكم. ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب: (كلما) لا محل لها، وجملة: ﴿أَفَكُلَّما﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَفَرِيقاً:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (فريقا): مفعول به مقدم. ﴿كَذَّبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (فريقا): مفعول به مقدم. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع
стр. 240
وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وقدم المفعول في الجملتين للاهتمام، وتشويق السّامع إلى ما يلقى إليه.
﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ أي: اليهود. ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ:﴾ جمع: أغلف، أي: مغطاة بأغطية، فلا تعي ما تقول، ويريدون: أنها خلقت مغشاة بأغطية خلقيّة، فهي لا تعي ما جئت به، وهو مستعار من «الأغلف» الذي لم يختن، وقرئ بسكون اللام، وضمّها مثل «رسل»، قال ابن عباس-﵄: أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمّد ﷺ ، ولا غيره. والقول الأول مثل قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٥٥]: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً،﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٥]: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ:﴾ طردهم، وأبعدهم من رحمته. وأصل اللّعن في كلام العرب: الطّرد، والإبعاد، ويقال للذّئب: لعين، وللرّجل الطّريد: لعين، وقال الشّماخ: [الوافر]
ذعرت به القطا ونفيت عنه... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين
ووجه الكلام: مقام الذئب اللّعين كالرّجل. فالمعنى: أبعدهم الله من رحمته.
وقيل: أبعدهم الله من توفيقه، وهدايته. وقيل: من كلّ خير، وهذا عام، انظر الآية [١٦١] الآتية. ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ:﴾ مثل قوله تعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً،﴾ فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم، وقيل: المعنى: فقليل إيمانهم؛ بمعنى: أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد، والثواب، والعقاب، ولكنّه إيمان لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ .
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قالُوا﴾): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
﴿قُلُوبُنا:﴾ مبتدأ و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿غُلْفٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (﴿قالُوا﴾) معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة فلا محل لها على الوجهين، والاستئناف أقوى. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب، تبتدأ بعده الجمل.
﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والباء للسببية، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجوز اعتبارها مستأنفة.
﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ:﴾ الفاء: حرف تعليل لطردهم من رحمة الله وها أنا ذا أنقل لك باختصار ما ذكره ابن هشام في مغني اللبيب في إعراب هذه الجملة، وأمثالها، فقال رحمه الله تعالى: ﴿ما﴾ تحتمل لثلاثة أوجه:
стр. 241
أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق. و (قليلا) في معنى النفي، وأمّا التقليل مثلها في: (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.
الوجه الثاني: النفي، و (قليلا) نعت لمصدر محذوف، أو الظرف محذوف، أي: إيمانا قليلا، أو زمانا قليلا.
الوجه الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب (قليل)، و (قليلا) حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: لعنهم الله، فأخروا «قليلا إيمانهم» أجازه ابن الحاجب، ورجّح معناه على غيره. انتهى بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب (قليلا) على الوجه الأول. وذكر الجمل الوجه الأوّل، واعتبر (قليلا) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: لا يؤمنون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: (قليلا ﴿ما يُؤْمِنُونَ﴾) تعليلية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: اليهود. ﴿كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ هو القرآن؛ الذي أنزل على محمّد ﷺ . ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ:﴾ يعني: التوراة. ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ مجيء الكتاب، ومن قبل مبعث النبي ﷺ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ:﴾ يستنصرون. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: المشركين العرب، وهم الأوس، والخزرج. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا﴾ أي: من الحقّ، وهو بعثة النبي ﷺ ونزول القرآن عليه ﴿كَفَرُوا بِهِ:﴾ أي: بمحمد ﷺ حسدا، وبغيا، وخوفا على الرئاسة وحبّ الدنيا.
﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ المراد: على اليهود، وقد أظهر في موضع الإضمار؛ لينبّه على السبب المقتضي لذلك، وهو الكفر، وأتى ب ﴿عَلَى﴾ تنبيها على أن اللّعنة قد استعلت عليهم، وشملتهم. وفي الآية إطلاق كلمة الكفر على المشركين العرب، وعلى اليهود.
تنبيه: كان اليهود في المدينة المنورة قبل مبعث النبي ﷺ إذا حزبهم أمر، أو دهمهم عدو؛ يقولون: اللهم فرّج كربنا! اللهم انصرنا بالنبيّ المبعوث في آخر الزّمان، الذي نجد صفته في التوراة! فكانوا ينصرون، ويفرّج كربهم، ويزول ما بهم من الغمّ، والبؤس، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد، وإرم.
هذا؛ والاستفتاح: الاستنصار، وفي الحديث كان النبي ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي:
يستنصر بدعائهم، وصلاتهم، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٥٢] من سورة (المائدة): ﴿فَعَسَى اللهُ﴾
стр. 242
﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. والنصر: فتح شيء مغلق. هذا؛ وروى النّسائيّ عن أبي سعيد الخدري-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم». وروى النسائيّ أيضا عن أبي الدّرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابغوني الضّعيف؛ فإنكم إنّما ترزقون، وتنصرون بضعفائكم».
هذا؛ والسبب في سكنى اليهود المدينة المنورة هو انتظارهم مبعث النبي ﷺ وظهوره، فقد قدم آباؤهم، وأجدادهم من فلسطين قبل مبعث النّبيّ ﷺ بمائتين أو بثلاثمائة سنة إلى المدينة ينتظرون خروجه، وظهوره؛ لأنه منصوص عليه في التوراة: أنه يولد في مكّة، ويهاجر إلى المدينة، فلمّا ظهر؛ كفروا به بغيا، وعدوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فقال لهم معاذ بن جبل-﵁: يا معشر يهود! اتّقوا الله، وأسلموا؛ فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا: أنه مبعوث، وتصفونه بصفته. فقال:
سلام بن مشكم، أخو بني النضير-لعنه الله-: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي نذكر لكم، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَمّا﴾): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿كِتابٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتابٌ﴾ و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿لَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها إن كانت نكرة موصوفة، وانظر تعليق اللام في الآية رقم [٤١] فإنه جيد، وجواب (لمّا) محذوف دل عليه جواب الثانية، تقديره: أنكروه، أو نحو ذلك، وقيل: إنّ جوابها ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ وجواب الثانية ومدخولها جواب الأولى، وهذا ضعيف؛ لأن الفاء مع (لما) الثانية، و (لمّا) لا تجاب بالفاء، إلا أن يعتقد زيادة الفاء على ما يجيزه الأخفش. انتهى عكبري. وأقوى الأقوال الأوّل، و (لمّا) ومدخولها معطوف على جملة: (﴿قالُوا﴾) في الآية السابقة، لا محل لها مثلها.
﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال، (﴿كانُوا﴾): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل كانوا، وهذا على القول بجواز التعليق بالفعل الناقص. ويؤيّده: المعنى هنا، ومن لا يجيزه يعلقهما بالفعل بعدهما. وجملة: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل نصب خبر (كان) وجملة: (﴿كانُوا﴾) في محل نصب حال من الضمير، وهو
стр. 243
الهاء، والرابط الواو، والضمير، والجملة على تقدير «قد» قبلها، وهذا أقوى من العطف على جواب (لمّا) المحذوف، وجملة: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ:﴾ معطوفة على (لمّا) السابقة، ومدخولها. و (ما) هي الفاعل، وتحتمل الموصولة، والموصوفة، التقدير: الذي، أو شيء عرفوه، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِهِ:﴾ جواب (لمّا) الأولى، أو الثانية.
﴿فَلَعْنَةُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (لعنة): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على الكلام السّابق لا محل له مثله.
﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿بِئْسَمَا:﴾ بئس: فعل ناقص لإنشاء الذم، ونعم: فعل ماض لإنشاء المدح، ف «بئس» منقول من: بئس فلان، بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، ونعم منقول من:
نعم بفتح النون وكسر العين: إذا أصاب النّعمة، فنقلا إلى المدح، والذمّ، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر، وسكون، وهي أفصحهن، ثمّ: نعم وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في «نعم» أن يتصل بها (ما) كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمّا هِيَ،﴾ ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و «بئس» اتصلت بها (ما) على اللغة الفصحى، كما في هذه الآية والآية رقم [٩٣] الآتية، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٥٠]: ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي﴾. واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح، وسكون، والرابعة: نعم، وبئس-بفتح، وكسر-وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
فعلان غير متصرّفين... نعم وبئس رافعان اسمين
مقارني ال أو مضافين لما... قارنها كنعم عقبى الكرما
ويرفعان مضمرا يفسّره... مميّز كنعم قوما معشره
والقول بفعليتهما إنّما هو قول البصريين والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول النّبيّ ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان؛ بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأنّ امرأته ولدت بنتا له، فقال: والله ما هي بنعم الولد! نصرها بكاء، وبرّها صدقة. وقول غيره:
стр. 244
نعم السّير على بئس العير. وأوله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد! ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير، والمعتمد في ذلك قول البصريين.
هذا ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، أو مضافا لمقترن به، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما»؛ فالأول كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ،﴾ والثاني في نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ والثالث في مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً،﴾ والرابع كما في الآية الكريمة التي بين أيدينا.
﴿اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ:﴾ باعوا، واستبدلوا. ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً:﴾ انظر الإعراب يتضح لك المعنى، أما البغي؛ فهو الظلم، والاعتداء على حقّ غيرك، وعواقبه ذميمة، ومآل الباغي وخيم، وعقابه أليم؛ ولو أنّ جنوده بعدد الحصى، والرّمل، والتراب، ورحم الله من يقول-وهو الشاهد رقم [٢٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]
لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
وعن النبي ﷺ : أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر-﵁: ثلاث من كنّ فيه كن عليه، وتلا الآيات الثلاث. وعن النبي ﷺ : أنه قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشر عقابا البغي، واليمين الفاجرة»، وعن ابن عباس-﵄: أنه قال: «لو بغى جبل على جبل؛ لاندكّ الباغي». فأخذه بعض الشعراء، فقال: [البسيط]
يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله
وكان المأمون يتمثّل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشّاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]
والبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم
هذا؛ والظلم أنواع كثيرة. انظر رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن) بتأليفنا، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، وانظر الآية رقم [١٧٣]. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ من نعيم الدنيا من صحة، ومال، ومنصب، وجاه، والمراد به ما منّ الله به على الرسول ﷺ من النبوة، والرّسالة، والنّصر على الأعداء، وجمع شمل العرب، وتوحيد صفوفهم وكلمتهم؛ إذ المراد بما بعد هذه الجملة بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:﴾ الرسول ﷺ .
стр. 245
﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أظهر في مكان الإضمار، فكان مقتضى القياس: ولهم، فأقام الظاهر مقام المضمر تشنيعا بكفرهم. هذا و ﴿مُهِينٌ﴾ أصله: مهين، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء قبلها، فصار: ﴿مُهِينٌ﴾ وقل مثله في إعلال ﴿مُبِينٌ﴾.
الإعراب: ﴿بِئْسَمَا:﴾ (بئس) فعل ماض جامد دل على إنشاء الذمّ. (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز. ﴿اِشْتَرَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، الّتي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (ما)، وتقدير الكلام: بئس الشّيء شيئا مشترى به أنفسهم.
﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله. و (﴿أَنْ﴾) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ محذوف، وهو المخصوص بالذم؛ إذ التقدير: المذموم كفرهم، ويجوز في العربية اعتبار المصدر المؤوّل مبتدأ مؤخرا، وجملة: (بئس): خبرا مقدما، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية: مستأنفة لا محل لها.
هذا؛ وقد ذكر أبو البقاء في إعراب هذه الجملة وجوها: أحدها: اعتبار (ما) نكرة غير موصوفة منصوبة على التمييز، قاله الأخفش. و ﴿اِشْتَرَوْا﴾ على هذا صفة لمحذوف، تقديره:
شيء، أو كفر مشترى، وهذا المحذوف هو المخصوص، وفاعل (بئس) مضمر فيها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو أن يكفروا. وقيل:
المصدر في موضع جر بدلا من الهاء في ﴿بِهِ،﴾ وقيل: هو المبتدأ، و (بئس) خبر عنه، والوجه الثاني: أن تكون (ما) نكرة موصوفة، و ﴿اِشْتَرَوْا﴾ صفتها، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ على الوجوه المذكورة، ويزيد هنا أن يكون هو المخصوص بالذم. والوجه الثالث: أن تكون (ما) بمنزلة «الذي» وهو اسم (بئس)، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ المخصوص بالذّم.
وقيل: اسم (بئس) مضمر فيها، و «الذي» وصلته المخصوص بالذّم. والوجه الرابع: أن تكون (ما) مصدرية، التقدير: بئس شراؤهم، وفاعل (بئس) على هذا مضمر؛ لأن المصدر هنا مخصّص، ليس بجنس. وهذه الأوجه التي ذكرها ظاهر فيها التعسّف، والتكلّف، والمقبول المرضي هو ما ذكرته سابقا. وقد ذكرت هذه الأوجه للبيان، ودفع الاعتراض عليّ بشيء منها.
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
стр. 246
بالذي، أو بشيء أنزله الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإنزال الله كتابا، أو نحو ذلك. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، عامله الفعل:
﴿يَكْفُرُوا،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾ في محل جر محذوف، التقدير: على إنزال، أو لتنزيل، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَغْياً﴾ لأنه مصدر، وذكرت لك: أنّ المفعول محذوف. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة هذا المحذوف. ﴿عَلى مَنْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يُنَزِّلَ﴾. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ومفعوله محذوف، وهو العائد. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجملة: ﴿يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿فَباؤُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (باءوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿بِغَضَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي:
متلبسين بغضب. ﴿عَلى غَضَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿غَضَبٍ﴾)، وجملة: (به او): معطوفة على جملة: (بئس) لا محلّ لها مثلها. (﴿لِلْكافِرِينَ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾
مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، وهو أولى من العطف.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: آمنوا بما أنزل الله من القرآن على محمد ﷺ ، وصدّقوا به، واتبعوه. والكلام عن اليهود، وأمثالهم من أهل الكتاب.
﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التّوراة، والإنجيل، ولا نقرّ إلا بذلك. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ أي: بما سواه، وبما بعده من الكتب، ويريدون عدم الاعتراف بالقرآن الّذي أنزل على محمد ﷺ . ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ:﴾ وهم يعلمون: أنّ القرآن نزل مصدقا لما معهم من التوراة، والإنجيل، فالحجّة قائمة بذلك، كما قال تعالى في الآية رقم [١٤٦]: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾.
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل عليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة الّتي بأيديكم، والحكم بها، وعدم نسخها؛ وأنتم تعلمون صدقهم؟! وقتلتموهم بغيا، وعنادا، واستكبارا على الله،
стр. 247
ورسله، فلستم تتّبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء، والتشهّي، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٧]: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. وهذا من مخاطبة الأبناء بما فعل الآباء، ففيه زيادة توبيخ، وتقريع، وتأنيب.
(لم): كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف اللام الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر والاستخبار، ومن شواهدها الشعريّة قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
وأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من الكتاب المذكور: [الطويل]
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت
هذا؛ وقد ثبت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر، ومنه قول حسّان بن ثابت ﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر]
على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان
هذا؛ و (وراء) جاء هنا بمعنى: ما بعده، وبما سواه، ويأتي بمعنى: أمام، وقدّام، وخلف، ومن الأول قوله تعالى في سورة الكهف رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي:
من بعد إسحاق يعقوب، وقال النابغة الذبياني: [الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للعبد مطلب
أي: وليس بعد الله ﷻ ، وكذلك قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده، ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد-﵁: [الطويل]
أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
وأيضا قول سوار بن المضرب السّعدي-وكان قد هرب من الحجّاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج-: [الطويل]
стр. 248
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا
ثبت بما تقدّم: أنه من الأضداد، وهو منصوب على الظّرفية المكانية، قال الأخفش، يقال:
لقيته من وراء. فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف، تجعله اسما، وهو غير متمكّن، كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ،﴾ وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن... لقاؤك إلا من وراء وراء
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف للتفريق، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل:
(﴿قِيلَ﴾)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه) وهذا لا غبار عليه، وقال ابن هشام في مغني اللبيب: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة؛ لما بيّنا؛ أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها يحكم لها بحكم المفرد، فيجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، أو فاعلا، أو نائب فاعل، ومثّل لذلك في شذور الذهب بقول النبيّ ﷺ : «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله». هذا؛ وقيل:
نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور. ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، والجملة: (﴿قِيلَ﴾) في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء أنزله.
﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَكْفُرُونَ:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿يَكْفُرُونَ﴾): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَراءَهُ:﴾
ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفتها، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وهو ضعيف، والأولى اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ويجب تقدير ضمير قبلها؛ لأن الجملة المضارعة الواقعة حالا لا تقترن بالواو، وإن اقترنت بالواو؛ فيجب تقدير الضمير، قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]
стр. 249
وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا
﴿وَهُوَ الْحَقُّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ الْحَقُّ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (ما) والعامل الفعل: (﴿يَكْفُرُونَ﴾)، والرابط الواو، والضمير. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها، ومثلها قول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً،﴾ وانظر الآية رقم [٤١] ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:
قل: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم؛ فلم... (لم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الألف المحذوفة للفرق بين الخبر والاستخبار. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْبِياءَ:﴾ مفعول به وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَقْتُلُونَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿أَنْبِياءَ اللهِ﴾ وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الفعلية: (لم ﴿تَقْتُلُونَ﴾) في محل جزم جواب للشرط المقدر ب «إن» والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله؛ إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فلم تقتلون، ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرّتين، فحذف الشرط من الجملة الأولى، وبقي جوابه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ:﴾ وحذف الجواب من الثاني، وبقي شرطه، فقد حذف من كلّ واحدة ما أثبت في الأخرى. انتهى. جمل. ثم قال: والوجه الثاني أنّ (إن) نافية بمعنى «ما» أي: ما كنتم مؤمنين، لمنافاة ما صدر منكم للإيمان. انتهى. نقلا عن السمين. وهذا غير مسلم، والمعنى لا يؤيده.
﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ:﴾ الخطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ ، والمراد آباؤهم. و (البينات) هي قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠١]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ﴾
стр. 250
(بينات:) وهي: العصا، واليد، والسنون، والدم، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات: التوراة لما فيها من الدّلالات. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: عبدتموه إلها، انظر الآية رقم [٥١]. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: لأنفسكم بهذا الاتخاذ، ولم تضروا أحدا من الناس؛ لأنه شرك وكفر.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعوله. ﴿مُوسى﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من موسى، التقدير: ملتبسا بالبينات، والجملة الفعلية:
(﴿لَقَدْ..﴾.) جواب القسم لا محل لها، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٥]. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿اِتَّخَذْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿الْعِجْلَ:﴾
مفعول به أول. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِجْلَ﴾ أي: اتخذتم العجل إلها من بعده، وإن اعتبرته مفعولا ثانيا، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٣] ففيها الكفاية.
﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ:﴾ انظر الآية نفسها. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: اسمعوا سماع قبول، وطاعة، والتزام، وليس المراد سماع اللّفظ مجردا عمّا ذكر، ومنه قولهم في الصّلاة: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل، وأجاب، قال الشاعر: [الوافر]
دعوت الله حتّى خفت ألاّ... يكون الله يسمع ما أقول
أي: يقبل، وقال الراجز: [الرجز]
والسّمع والطّاعة والتّسليم... خير وأعفى لبني تميم
следующие страницы →