Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هو): مبتدأ.
﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. (لا): نافية.
﴿تَكْسِبُ:﴾ مضارع. ﴿كُلِّ:﴾ فاعله، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر لا محل له. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُخْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المقصورة، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَزِرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ مستأنفة؛ فتكون هي وما عطف عليها لا محل لها من الإعراب. (ينبئكم): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، و (ما) في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة:
﴿كُنْتُمْ فِيهِ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: ﴿فِيهِ﴾.
هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بكونكم مختلفين فيه، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ:﴾ يخلف بعضكم بعضا، أو خلفاء الله في أرضه، تتصرفون فيها، أو خلفاء الله في الأرض في تنفيذ أحكامه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. هذا؛ و ﴿خَلائِفَ﴾ جمع: خليفة، مثل: كرائم جمع: كريمة، وصحائف جمع: صحيفة. هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. وفي المصباح: والخليفة أصله:
خليف بغير هاء؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة، كعلامة، ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة، ويقال: خليفة آخر بالتذكير. ومنهم من يقول: خليفة أخرى بالتأنيث. ويجمع باعتبار أصله على: خلفاء، مثل: شريف وشرفاء. وباعتبار اللفظ على خلائف. انتهى. جمل.
стр. 1857
وانظر رقم [١٤] (يونس). ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ:﴾ في الخلق، والرزق، والشرف، والعقل، والقوة، والفضل، فجعل منهم الحسن، والقبيح، والغني، والفقير، والشريف، والوضيع، والعالم، والجاهل، والقوي، والضعيف. وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات.
ليس لأجل العجز، أو الجهل، أو البخل، فإن الله سبحانه منزه عن صفات النقص، وإنما هو لأجل الاختبار، والامتحان، والابتلاء، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ ليظهر للناس الصابر، والشاكر، والمطيع، والعاصي... إلخ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ أي: لمن عصاه؛ لأن كل ما هو آت قريب، والمعنى سريع العقاب إذا جاء وقته، فلا يرد: كيف قال: ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ،﴾ مع أنه حليم، والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه؟ ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ:﴾
لذنوب أوليائه، وأهل طاعته. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: بجميع خلقه.
الإعراب: (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ وهو العائد. ﴿خَلائِفَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. (رفع): ماض، وفاعله يعود إلى:
﴿اللهِ﴾. ﴿بَعْضَكُمْ﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و ﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿دَرَجاتٍ:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلى درجات، والناصب له عند البصريين النزع، وعند الكوفيين الفعل، والجملة الفعلية ﴿وَرَفَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِي ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿فِي﴾. ﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني. التقدير:
آتاكم إياه، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (رفع). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 1858
سورة الأعراف
نزلت بمكة. روي ذلك عن ابن عباس، ﵄، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد وقتادة. وروي عن ابن عباس أيضا: أنها مكية، إلا خمس آيات، أولها:
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ﴾ وبه قال قتادة، وقال مقاتل: ثماني آيات في سورة (الأعراف) مدنية، أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ.﴾. إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾. وهي مائتان وست آيات، وثلاثة آلاف، وثلاثمائة، وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر ألف حرف، وعشرة أحرف.
انتهى خازن وانظر شرح الاستعاذة، والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾
الشرح: ﴿المص:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه: أنا الله أفصل. وعنه: أنا الله أعلم، وأفصل، وعنه أيضا: أن ﴿المص﴾ قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله تعالى.
وقال قتادة: ﴿المص﴾ اسم من أسماء القرآن. وقال الحسن: هو اسم للسورة. وقال السدي: هو بعض اسمه تعالى: المصور. وقال أبو العالية: الألف: مفتاح اسم الله، واللام: مفتاح اسمه اللطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد، والصاد: مفتاح اسمه صادق، وصبور. وقيل: هي حروف مقطعة استأثر الله تعالى بعلمها، وهي سره في كتابه العزيز. وقيل: هي حروف اسمه الأعظم.
وقيل: هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على مراده. وقد تقدم بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول سورة (البقرة) انتهى خازن بحروفه.
﴿كِتابٌ:﴾ هو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه. وفي الاصطلاح اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، والمراد به هنا القرآن الكريم؛ الذي أنزل على قلب محمد ﷺ . ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ . ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ:﴾ شك فيه، وسمي الشك حرجا؛ لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. أو المراد: ضيق الصدر من تبليغه مخافة أن تكذّب فيه، أو
стр. 1859
تقصّر في القيام بحقه. وتوجيه النهي إليه للمبالغة. وانظر الآية رقم [٦/ ١٢٥]. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾.
لتخوف به المشركين. والإنذار: التخويف من وقوع العقاب. ﴿وَذِكْرى:﴾ عظة، وتذكير للمؤمنين بك، فهو مصدر بمعنى التذكير، أو التذكر. هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عنه، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى». وانظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿المص:﴾ لقد تكلمت في أول سورة (البقرة) بالتفصيل عن إعراب هذه الحروف المقطعة، وأقول هنا: يجوز اعتبار هذا اللفظ مبتدأ، و ﴿كِتابٌ:﴾ خبره، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: المدعو به ﴿المص﴾ كما يجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ ﴿المص﴾. ﴿كِتابٌ:﴾ خبر: ﴿المص﴾ على اعتباره مبتدأ، وخبر لمبتدإ محذوف، أي: هو كتاب على الوجهين الآخرين في: ﴿المص﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿كِتابٌ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿كِتابٌ﴾. ﴿فَلا﴾ الفاء:
حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام في مغنيه يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، فكأنه قيل: إذا أنزل إليك؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية. ﴿فِي صَدْرِكَ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَرَجٌ:﴾
اسمها مؤخر. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة حرج، والجملة: ﴿فَلا يَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُنْزِلَ﴾ وجوز تعليقهما بالفعل الناقص. (ذكرى): يجوز اعتباره مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: ولتذكر ذكرى، ويحتمل أن يكون مجرورا بالعطف على محل ﴿لِتُنْذِرَ﴾ ويحتمل الرفع من وجهين: العطف على ﴿كِتابٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (ذكرى) لأنه مصدر.
﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، وهو يشمل القرآن الكريم، والسنّة النبوية، فإنها مما أنزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: لا تتخذوا الذين يدعونكم إلى الكفر، والشرك أولياء، فتتبعوهم. والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين الإنس، والجن،
стр. 1860
فيأمروكم بعبادة الأصنام، واتباع البدع، والأهواء الفاسدة. والضمير يعود ل: ﴿ما أُنْزِلَ،﴾ ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا تذكرون؛ حيث تتركون دين الله، وتتبعون غيره.
﴿رَبِّكُمْ:﴾ المراد به خالقكم، ورازقكم. هذا؛ والرب يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ كلتا الآيتين محكية عن قول يوسف، ﵇، كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي: مالكها، كما يراد به المربي، والمصالح، ويقال: ربّ فلان الضيعة يربها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظم لحما، يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا. ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منها تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف-﵊-لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر.
(دون): من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة. ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]
تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا، ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا يدنو: إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما: أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وقيل:
الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدل الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ جمع: ولي، وهو الذي يتولى شئون غيره. هذا؛ والولي أيضا هو الذي يتحبب إلى الله بعبادته، وطاعته. هذا؛ ويأتي الولي بمعنى المعين، والمساعد، والنصير. والفرق بين الولي وبين ما ذكر: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيّا عن المنصور، والمعان، والمساعد، فبينهما عموم وخصوص من وجه. هذا؛ ويقرأ «تذكرون» بالتاء، والياء.
стр. 1861
الإعراب: ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الألف الفارقة بين واو العلة، وواو الضمير. وانظر إعراب:
﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الآتية. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وجملة: ﴿اِتَّبِعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾
مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ لقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في هذه الجملة، وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿ما:﴾ محتملة لثلاثة أوجه:
أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، و ﴿قَلِيلاً﴾ في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.
الوجه الثاني: النفي، و ﴿قَلِيلاً﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: تذكرا قليلا، أو زمنا قليلا.
الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: ﴿قَلِيلاً،﴾ و ﴿قَلِيلاً﴾ حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى، أي: «تذكروا، فأخروا قليلا تذكرهم». أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب: ﴿قَلِيلاً﴾ على الوجه الأول. وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر: ﴿قَلِيلاً﴾ نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يتذكرون قليلا، ولا كثيرا، وجملة: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة).
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿قَرْيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٣] (الأنعام). ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿فَجاءَها:﴾ فجاء أهلها. وهذا الفعل يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ﴾
стр. 1862
﴿نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. ومن الثاني الآية الكريمة. ومثلها كثير. ﴿بَأْسُنا:﴾ عذابنا، أو هو أشد العذاب. ﴿بَياتاً﴾ أي: في الليل كقوم لوط. ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ:﴾ كقوم شعيب أتاهم العذاب وقت القيلولة، وهي استراحة وسط النهار. هذا؛ وتخصيص هاتين الحالتين بالعذاب؛ لأن نزول المكروه عند الغفلة أفظع، وحكايته للسامعين أزجر، وأروع عن الاغترار بأسباب الأمن، والراحة انتهى جمل نقلا من كرخي. وقال البيضاوي: وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم، وأمنهم من العذاب، ولذلك خص الوقتين، ولأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.
وقال الخازن: لما أمر الله رسوله ﷺ بالإنذار، والإبلاغ، وأمر أمته باتباع ما أنزله إليهم؛ حذرهم نقمته، وبأسه إن لم يتبعوا ما أمروا به، فذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة، والإعراض عن أمره من الوعيد. انتهى.
الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: «كثير» مبنية على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، يفسره ما بعده، ويقدر مؤخرا، التقدير: وكم من قرية أهلكنا أهلكناها؛ لأنها لها صدر الكلام، أو هي في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.
﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز (كم) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر الآية التالية.
والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على الوجه الأول في (كم)، وفي محل رفع خبرها على الوجه الثاني فيها. ﴿فَجاءَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (جاءها): ماض، و (ها): مفعول به.
﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا يصح معنى العطف إلا بتقدير: أردنا إهلاك أهلها فجاءها... إلخ. ﴿بَياتاً:﴾ هو مصدر في موضع الحال، والمعنى: مبيتين. وقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: هو ظرف زمان، والأول أقوى لعطف الجملة الاسمية عليه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قائِلُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر... إلخ. والجملة الاسمية معطوفة على بياتا، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٥)﴾
الشرح: ﴿دَعْواهُمْ:﴾ دعاؤهم، واستغاثتهم. أو: قولهم بمعنى: اعترافهم بجنايتهم.
﴿جاءَهُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿بَأْسُنا:﴾ عذابنا، والمراد به نزوله بهم في الدنيا. وانظر الآية رقم [١٤٣] (الأنعام). ﴿قالُوا:﴾ القول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى.
الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النخلة، أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى:
стр. 1863
﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذه مقالة الأشاعرة.
أي: ما يعتقدونه. وانظر الكلام في الآية رقم [١٤٤]. ﴿كُنّا:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١١]. ﴿ظالِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] الأنعام، وقولهم: ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ اعتراف منهم حين وقوع العذاب بكونهم ظالمين، وذلك حين لا ينفع الاعتراف، ومفاد هذا التحسر على شيء مضى، والطمع في الخلاص، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] الآتية.
الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿دَعْواهُمْ:﴾
اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿دَعْواهُمْ﴾. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾
حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل، وأن المصدرية، والفعل ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. هذا؛ ويجوز أن يكون اسمها مؤخرا، و ﴿دَعْواهُمْ﴾ خبرها مقدما. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت النون للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمه. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿فَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: نسأل الأمم الذين أرسلت إليهم الرسل: ماذا أجبتم، وعملتم فيما جاءتكم به الرسل؟ ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: ولنسألن الرسل الذين أرسلناهم إلى الأمم: هل بلغتم رسالاتنا، أم قصرتم؟ وفائدة هذا السؤال مع اعترافهم في الآية الأولى على أنفسهم بذلك التقريع، والتوبيخ للكفار، وفائدة سؤال الرسل مع كونهم قد بلغوا ما كلفوا به تكون عند إنكار الكفار تبليغ الرسالة من الرسل، فيكون ذلك مزيدا من التقريع، والتوبيخ لهم. انتهى خازن بتصرف كبير.
стр. 1864
وقال البيضاوي: والمنفي في قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال الاستعلام، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند نزول العقاب. هذا؛ وانظر (نا) في الآية التالية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (نسألن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿أُرْسِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب الفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ ب: (إلى) والجملة الفعلية: (لنسألن...) إلخ جواب القسم المحذوف المقدر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الفعلين:
(نسأل، نرسل) ينصبان مفعولين، وقد حذف المفعول الثاني لكل منهما، انظر تقديره في الشرح؛ تجده جملة فعلية. ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ:﴾ إعراب هذه كسابقتها، وهي معطوفة عليها.
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ (٧)﴾
الشرح: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ:﴾ فلنخبرن الرسل، ومن أرسلوا إليهم بعلم، ويقين بما عملوا في الدنيا. ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ يعني: عنهم، وعن أفعالهم، وعن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا. وفائدة سؤال الأمم والرسل-مع علمه بجميع المعلومات-التقريع، والتوبيخ للكفار؛ لأنهم إذا أقروا على أنفسهم؛ كان أبلغ في المقصود، فأما سؤال الاسترشاد، والاستثبات؛ فهو منفي عن الله تعالى؛ لأنه عالم بجميع الأشياء قبل كونها، وفي حال كونها، وبعد كونها، فهو العالم بالكليات، والجزئيات، وعلمه بظاهر الأشياء كعلمه بباطنها. انتهى خازن بحروفه.
تنبيه: قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح):
وقوله تعالى: (كتبنا، جعلنا، إنا، نحن نقص، نسأل) لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكن له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا ونحن، وكتبنا وفعلنا... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق بأن يقول: إنا، ونحن... إلخ مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض انتهى.
أقول: و (نا): تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ وليس معه أحد، وهذا واقع، ومستعمل.
стр. 1865
الإعراب: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ:﴾ انظر الآية السابقة، ففيها الكفاية. ﴿بِعِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. (ما): نافية. ﴿كُنّا غائِبِينَ:﴾ انظر إعراب: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ في الآية رقم [٥]. والجملة الفعلية تحتمل العطف على ما قبلها، وتحتمل الحالية من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم سؤال الرسل، والأمم، وهو يوم القيامة. ﴿الْحَقُّ:﴾ العدل.
وانظر الآية رقم [٣٣] الآتية. هذا؛ وتنوين (إذ) عوض عن جملة محذوفة، تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: «يوم إذ يسألون». فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في (صه ومه) عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في «حينئذ» ونحوه. هذا؛ والمراد ب: (الوزن) القضاء، أو وزن الأعمال، وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم انتهى بيضاوي. وانظر: «تنبيه» في الآية رقم [١٣٠] (الأنعام) فإنه جيد. والحكمة من وزن الأعمال مع علم الله بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها:
امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة، ومنها: إظهار علامة السعادة والشقاوة. انتهى خازن. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته، وموازين جمع ميزان، وأصله موازن، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد وميثاق وميراث وميقات. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون، الناجون من عذاب النار؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصله: المؤفلحون، انظر الآية رقم [١٢١] (الأنعام) ففيها الكفاية، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: (الوزن): مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿الْحَقُّ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نعت للوزن، أي الوزن الحق كائن في ذلك اليوم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه جواب سؤال مقدر، من قائل يقول: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحق لا الباطل. والثالث: أنه بدل من الضمير المستكن في الظرف. وهو غريب، ذكره مكي. هذا؛ وجوز اعتباره خبرا للمبتدإ، وفي: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على هذا؛ وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الظرف، ناصبه (الوزن) أي: يقع الوزن ذلك اليوم. والثاني أنه مفعول به على السعة. وهذا الثاني ضعيف جدّا لا حاجة إليه. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿فَمَنْ:﴾
стр. 1866
الفاء: حرف عطف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿ثَقُلَتْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.
﴿مَوازِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أولئك) هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له؛ فيكون: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر (أولئك) وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب.
وقيل: هو الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين. بعد هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وعلى كل فالجملة الاسمية مفرعة، ومعطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته. هذا؛ وقد ذكر الله في الآية السابقة السعداء الذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، وذكر في هذه الآية الأشقياء الذين غلبت سيئاتهم على حسناتهم، وبقي صنف ثالث، وهم: من تساوت حسناتهم، وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف الذين ذكرهم الله في الآية رقم [٤٦] من هذه السورة. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي:
ضيعوها، وحرموها من جزيل ثواب الله تعالى، وكرامته. ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ أي: سبب ذلك الخسران: أنهم كانوا بحجج الله، وأدلة توحيده يجحدون، ولا يقرون بها.
روي عن أبي بكر الصديق-﵁-أنه حين حضره الموت قال في وصيته لعمر بن الخطاب-﵁: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. انتهى خازن.
هذا؛ و (الآيات) جمع: آية، وهي تطلق على معان كثيرة، منها: الدلالة، ومنه قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على
стр. 1867
الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ يجحدون آيات الله، وينكرونها. وانظر الظلم بمعناه الأصلي في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).
﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ جمع: نفس، وهو جمع قلة، وجمع الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص، أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا، أم أنثى.
فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الرطب، فتكون سارية في جميع البدن. وقال الجنيد-رحمه الله تعالى-الروح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء):
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾.
وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى روحا، ومن حيث شهوتها تسمى نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار.
هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن النفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، فالنفس الأمارة هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير، إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم سميت كاملة. فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت وقدمت، وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَسِرُوا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿خَسِرُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها وتقدير الكلام: «خسروا أنفسهم بسبب ظلمهم وجحودهم لآيات الله تعالى» تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 1868
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ قال الجلال: الخطاب لبني آدم. وقال الخازن: للناس، وقال الجمل: لأهل مكة، والكل محتمل هنا، ولكن الأخير أليق بالمقام. والتمكين: التمليك.
قال البيضاوي: أي: مكناكم من سكناها، وزرعها، والتصرف فيها. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ:﴾
أسبابا تعيشون فيها، وقرئ شاذّا: «(معائش)» كصحائف، وهو ليس مثله؛ لأن المد في: «صحيفة» زائد، وفي: «معيشة» أصلي؛ لأن أصلها: معيشة، كمكرمة، أو: معيشه، كمنزلة، أو: معيشة، كمتربة، فالياء أصلية على كل حال. هذا؛ والمعيش، والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به. وفي القاموس: العيش الحياة، والعيش أيضا: الطعام، وما يعاش به. انتهى جمل بتصرف كبير. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ فهو تأكيد لقلة الشكر، الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ و «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب هذا القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَّنّاكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (جعلنا): فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الأصلي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب: جعلت، وجعلن. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب ﴿مَعايِشَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وهذا أولى من التعليق بالفعل. ﴿مَعايِشَ:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول: ﴿لَكُمْ﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] لإعراب هذه الجملة، ومحلها، ففيها الكفاية.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه.
نزّل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويره. انتهى بيضاوي. وقال أبو السعود: وإنما نسب
стр. 1869
الخلق، والتصوير إلى المخاطبين مع أن المراد خلق آدم، وتصويره، إعطاء لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظّا من خلقه، وتصويره؛ لأنهما، من الأمور السارية إلى ذريته جميعا. وقال القاري: نزل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويرهم؛ لأنه أبو البشر. انتهى جمل. وقال بعضهم: المخاطب بنو آدم، والمراد بهم أبوهم، وهذا من باب الخطاب لشخص، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ وإنما المنجي، والذي كان يسام سوء العذاب أسلافهم، وهذا مستفيض في لسانهم. انتهى جمل.
وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهملة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و (لا) العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.
هذا؛ و «ثم» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى:
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به الكاف، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. ﴿قُلْنا:﴾ أصله: قولنا، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف، واللام، فحذفت الألف، فصار (قلنا) بفتح القاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿قُلْنا﴾. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول، أصل الفعل: قول، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: (قولت) ثم نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (قولت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما ساكنين، فصار: (قلت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: «كان» و «قام» وغيرهما.
﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ الملائكة: أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ويقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار.
﴿لِآدَمَ:﴾ اسم علم أعجمي، مشتق من الأدمة، بمعنى: الأسوة، أو من أديم الأرض، أي: من وجهها، وترابها، أو من الأدمة بمعنى: الألفة، وأصله: أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في: «إيمان» فإن أصله: إئمان، وكما قلبت في «أومن» فإن أصله: أأمن.
﴿إِبْلِيسَ:﴾ اسم مأخوذ من: أبلس، يبلس إبلاسا، بمعنى: سكت غمّا، وأيس من رحمة الله وخاب، وخسر. وهو من الملائكة. كذا قال علي، وابن عباس، وابن مسعود، رضي الله عنهم
стр. 1870
أجمعين، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، وقوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: صار من الجن، كقوله تعالى: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي: صار من المغرقين. وقيل:
الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص. وهو قول الحسن، وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأنه أبى، وعصى، واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ: إن الجن، والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين؛ فهو جني.
هذا؛ والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة. والمأمور به إما المعنى الشرعي، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى: «اسجدوا له» أي: إليه، وأما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، إنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿صَوَّرْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو. ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وقل مثله في قولك: (احفظا واسجدا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك (احفظي، واسجدي) والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة. ﴿لِآدَمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَسَجَدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿إِلاّ:﴾
أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى، وهل هو متصل، أو منقطع فيه خلاف، كما رأيت في الشرح.
﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو». ﴿مِنَ السّاجِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يَكُنْ..﴾.
стр. 1871
إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها جواب سؤال مقدر. انتهى. جمل، وقال أبو البقاء: هي في محل نصب حال من: ﴿إِبْلِيسَ﴾ وعليه: فالرابط الواو، ورجوع الضمير عليه.
﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ القائل هو الله تعالى. ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ: أي: أي شيء منعك من السجود في الوقت الذي أمرتك به. ﴿قالَ﴾ أي: إبليس. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ:﴾ وهي جوهر نوراني. ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ أي: وهو جسم كثيف ظلماني، وقد أخطأ الخبيث، بل الطين أفضل لرزانته، ووقاره، ومنه الحلم، والحياء، والصبر، وذلك داع إلى التوبة، والاستغفار. وفي النار الطيش، والحدة، والترفع، وذلك داع إلى الاستكبار.
والتراب عدة الممالك، والنار عدة المهالك، والنار مظنّة الخيانة والإفناء، والتراب مئنة الأمانة، والإنماء، والطين يطفئ النار، ويتلفها، والنار لا تتلفه، وهذه فضائل غفل عنها إبليس، حتى زل بفاسد من المقاييس. انتهى نسفي.
تنبيه: قال الله تعالى هنا: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ وفي سورة (الحجر): ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وفي سورة (ص): ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ واختلاف العبارات عند الحكاية يدل على أن اللعين قد أدرج في معصية واحدة ثلاث معاص: مخالفة الأمر، ومفارقة الجماعة، والاستكبار مع تحقير آدم، وقد وبخ على كلّ منها، لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر، وقد تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة (البقرة)، و (الإسراء)، و (الكهف)، و (طه). انتهى نقلا من أبي السعود.
﴿خَيْرٌ:﴾ أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء للخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في: حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الخاء، والشين. وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى:
﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
وخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنها بمعنى أفعل، كما رأيت. ﴿نارٍ:﴾ أصله نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور،
стр. 1872
ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، والفعل: نار، ينور، ويستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَنَعَكَ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى:
﴿ما،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلاّ﴾. (أن): حرف مصدري، ونصب، و (لا) صلة لتأكيد معنى النفي، بدليل حذفها في سورة (ص). ﴿تَسْجُدَ:﴾
مضارع منصوب ب (أن)، والمتعلق محذوف، التقدير: لآدم، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من السجود، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، أو المصدر مفعول ثان صريح. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿أَمَرْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: (به) لأن الغالب فيه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، وانظر إعراب: (جعلنا) في الآية رقم [١٠] فهو مثله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿أَنَا:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان به؛ لأنه أفعل تفضيل، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿خَلَقْتَنِي:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم، أي كائنا من نار، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾ تعليل للخيرية، أو تفسير لها، وجملة: ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها كإعرابها.
﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ أي: من الجنة، أو من السماء. هذا؛ والهبوط: الإنزال، والانحدار من فوق إلى أسفل على سبيل القهر، والهوان، والاستخفاف. ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها:﴾
فلا يصح، ولا يجوز أن تسكن في السماء، أو في الجنة، وأنت متكبر، مخالف لأمر الله؛ لأنها مكان الخاشع، والمطيع. وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأن الله طرده من الجنة، وأهبطه، منها لتكبره لا لمجرد عصيانه، علما بأن الأرض يسكنها المتكبرون، والمتجبرون من كفار، وفساق، وغيرهم. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ تأكيد للأمر بالهبوط. ﴿إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ:﴾ الذليلين الحقيرين، لتكبرك. قال النبي المعظم ﷺ : «من تواضع رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله».
تنبيه: قال الله تعالى هنا: ﴿فَاهْبِطْ﴾ بالإفراد، وقال في سورة (البقرة) رقم [٣٨]: ﴿اِهْبِطُوا﴾ بالجمع، وقال في سورة (طه) رقم [١٢٣]: ﴿اِهْبِطا﴾ بالتثنية، والمراد بالأول: إبليس وحده،
стр. 1873
كما هو ظاهر، والمراد بالثاني: آدم، وحواء، وإبليس. وقيل: والحية، والصحيح: أن المراد:
آدم، وحواء، وذريتهما. والمراد بالثالث: آدم، وحواء، أو: آدم، وإبليس. وانظر شرح كل آية في محلها، وينبغي أن تعلم أن سبب طرد إبليس من الجنة، بل من رحمة الله إنما هو حسده لآدم، وتكبره عليه، نعوذ بالله منهما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فَاهْبِطْ:﴾ الفاء: زائدة، أو هي الفصيحة، (اهبط): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول على زيادة الفاء، ولا محل لها على اعتبار الفاء الفصيحة؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منك؛ فاهبط، وإذا ومدخولها في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿فَما﴾ الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَكَ:﴾
متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ في محل رفع اسمها مؤخرا. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، التقدير: منها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ومؤكدة لها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبرها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للهبوط، والخروج، لا محل لها.
﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ أَنْظِرْنِي﴾ أي: قال إبليس: أمهلني، فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي، ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ المراد به يوم القيامة، وهو اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء بعد النفخة الثانية.
﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: قال الله تعالى لإبليس لمّا سأل الإمهال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: الممهلين المؤخرين، وقد قيد الله هذا الإمهال في سورة (الحجر) بقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ وهو النفخة الأولى التي يموت بسببها من في السموات، والأرض إلا من شاء الله، فقد كره اللعين أن يذوق مرارة الموت، وطلب البقاء، والخلود إلى النفخة الثانية، وحينئذ لا موت؛ لأن الموت قد تم عند النفخة الأولى، فلم يعط سؤاله، وإنما أجيب طلبه، وهو الإمهال مع أنه إنما طلبه ليفسد أحوال العباد، لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظيم الثواب. انتهى جمل بتصرف.
أقول: وإنما أمهله ليكون سببا في وفاء وعد الله لجهنم: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إذ لولاه لكان الناس جميعا مهتدين. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الكهف): أن له ذرية، وذلك ليكون لكل إنسان من بني آدم قرين، وشيطان. انظر ما ذكرته في شرح الاستعاذة، وفي شرح الآية رقم [١١٢] (الأنعام) وانظر «القول» في الآية رقم [٥].
стр. 1874
الإعراب: ﴿أَنْظِرْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان به. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، والجملة الفعلية: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٣]، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي:﴾ قال الخازن: يعني: فبأي شيء أضللتني. وقال الزمخشري:
فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم، ثم قال: والمعنى فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في غوايتهم؛ حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم. وقال سليمان الجمل: غرضه بهذا أخذ ثأره منهم؛ لأنه لما طرد، ومقت بسببهم على ما تقدم أحب أن ينتقم منهم أخذا بالثأر. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لبني آدم ترصدا بهم، كما يقعد القطاع على الطرقات. ﴿صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ:﴾ دين الإسلام، أو الطريق الموصل إلى مرضاتك.
عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة، قعد له في طريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دين آبائك، وآباء آبائك؟! فعصاه، وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر، وتذر أرضك، وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطّول؟! فعصاه، فهاجر. وقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟! فعصاه، فجاهد. قال: فمن فعل ذلك؛ كان حقّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق؛ كان حقّا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقّا على الله أن يدخله الجنة». أخرجه النسائي. انتهى خازن.
أقول: وقس على ذلك جميع أبواب الخير، فإن الشيطان يصد الناس عنها. وانظر الآية رقم [٢٦٧] من سورة (البقرة). بعد هذا انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [١٦] من سورة (المائدة).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿فَبِما:﴾
الفاء: صلة، أو هي الفصيحة على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٣] الباء: حرف جر. (ما):
مصدرية. ﴿أَغْوَيْتَنِي:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية، وانظر إعراب: (جعلنا) في الآية رقم [١٠] و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، أو أحلف؛ لأن الباء على قسم مقدر،
стр. 1875
ومتعلقة بفعله المقدر. انتهى جمل. وقال البيضاوي، والنسفي: والباء تتعلق بفعل القسم المحذوف، تقديره: فبسبب إغوائك أقسم، أو تكون للقسم، أي: فأقسم بإغوائك. وقال أبو البقاء: الباء تتعلق ب ﴿لَأَقْعُدَنَّ،﴾ ولا وجه له؛ لأن اللام تمنعه، وعلى قول الخازن ف: (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والوقف يكون عليه، وما بعده كلام مستأنف، وعليه فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. انتهى بتصرف كبير. ﴿لَأَقْعُدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أقعدن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:
«أنا». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿صِراطَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو منصوب على نزع الخافض، التقدير: على صراطك، كقولهم (ضرب زيد الظهر والبطن) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ صفة، وجملة: ﴿لَأَقْعُدَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف المدلول عليه بالباء، وهي جواب قسم محذوف على قول الخازن، وعلى الاعتبارين فالقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ..﴾. إلخ: قال البيضاوي: أي: من جميع الجهات الأربع مثل قصده إياهم بالتسويل، والإضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع، ولذلك لم يقل:
من فوقهم، ومن تحت أرجلهم. وقيل: لم يقل: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوق، ولم يقل:
من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش الناس. وعن ابن عباس-﵄: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ:﴾
من قبل الآخرة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ من قبل الدنيا. ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ من جهة حسناتهم، وسيئاتهم، ويحتمل أن يقال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ:﴾ من حيث يعلمون، ويقدرون على التحرز عنه، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ من حيث لا يعلمون، ولا يقدرون. ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ من حيث يتيسر لهم أن يعملوا، ويتحرزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم، واحتياطهم. وإنما عدي الفعل إلى الأولين، بحرف الابتداء؛ لأنه منهما متوجه إليهم، وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة، فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم. ونظيره قولهم: جلست عن يمينه. انتهى بحروفه.
﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ:﴾ مطيعين مؤمنين وموحدين، وإنما قال اللعين هذا ظنا منه لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وذلك لما رأى منهم: أن مبدأ الشر متعدد، ومبدأ الخير واحد. وقيل: سمعه من الملائكة. وقيل: رآه في اللوح المحفوظ. انتهى بيضاوي، وغيره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٩] (النساء) تجد ما يسرك. هذا؛ و (أيمان) جمع: يمين، والمراد: اليد
стр. 1876
اليمنى، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾. هذا؛ واليمين أيضا: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، كما في الآية رقم [٨٩] (المائدة) وانظره بكسر الهمزة في الآية رقم [٢]. ﴿شَمائِلِهِمْ:﴾ جمع: شمال، وهي عكس، ومقابل اليد اليمنى. هذا؛ والشمال يقابل الجنوب، والشمال ريح الشمال الآتية من جهته، وجمعه: شمالات. ﴿تَجِدُ:﴾ أصله: توجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في المضارع الغائب (يجد) وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: وجدا، وماضيه: وجد.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَآتِيَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ في الآية السابقة، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَيْنِ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ الكل معطوف على ما قبله. (لا): نافية. ﴿تَجِدُ﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء... إلخ. ﴿شاكِرِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. هذا؛ وقيل: هو حال على اعتبار الفعل متعديا لمفعول واحد فقط. والمعتمد الأول، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَجِدُ..﴾. إلخ تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، ولا محل لها على الوجهين.
﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مِنْها:﴾ من الجنة. ﴿مَذْؤُماً:﴾ مذموما، من: ذأمه، يذأمه ذأما: إذا عابه، ومقته، وحقره، فهو مذءوم. ﴿مَدْحُوراً:﴾ مطرودا من رحمة الله. ودحره: طرده، وأبعده، والفعلان: ذأم، ودحر من باب: قطع. هذا؛ وقرئ:
«(مذموما)» من: ذامه، يذيمه ذيما، وهو بمعنى الأول. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ:﴾ تكرر هذا الوعد لجهنم بملئها، ولا تملأ إلا بسبب الشيطان، وزخرفته. ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: منك، ومنهم. أي: الذين اتبعوك. فغلب المخاطب. قال الخازن: أقسم الله أن من تبع إبليس من بني آدم، وأطاعه منهم أن يملأ جهنم منه، وممن كفر من بني آدم. انتهى. والمراد: إبليس، وذريته، وأتباعه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿اُخْرُجْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَذْؤُماً مَدْحُوراً:﴾ حالان من الفاعل المستتر. وقيل:
الثاني حال من نائب فاعل الأول، فهي حال متداخلة، وجملة: ﴿اُخْرُجْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَمَنْ﴾ اللام: لام الابتداء. (من):
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَكَ:﴾ ماض، والكاف في محل نصب
стр. 1877
مفعول به، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (من)، وهو العائد. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَأَمْلَأَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (أملأن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «أنا». ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمعنى (كم) فهو مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف، وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (من). هذا؛ وجه للإعراب. هذا وجوز اعتبار اللام موطئة لقسم محذوف، واعتبار (من) اسم شرط جازما، والفعل بعدها شرطها، وهي مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة المشهورة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٨]. وهذا الوجه ضعيف؛ لأن اللام الموطئة لا تدخل إلا على (إن) الشرطية، كما ذكره ابن هشام في وجه ضعيف. هذا؛ وقد قرئ بكسر اللام، فتكون حرف جر، و (من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: «هذا الوعيد الشديد للذي تبعك...» إلخ، ويكون إعراب: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ كما في الوجه الأول، والكلام على جميع وجوه الإعراب في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩)﴾
الشرح: (آدم): انظر الآية رقم [١١]. ﴿اُسْكُنْ:﴾ من السكنى، وهي الهدوء، والاستقرار، والثبوت. ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ الزوج يطلق على الرجل، وعلى المرأة، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة. وزوج آدم اسمها: حواء، سميت بذلك؛ لأنها خلقت من حي، كما رأيت في الآية رقم [٤/ ١]. وقيل لها: امرأة؛ لأنها من المرء أخذت، روي: أن الملائكة قالت لآدم: أتحبها؟ قال: نعم، قالوا لحواء: أتحبينه؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه لها. قالوا: فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها؛ لصدقت حواء. انتهى من القرطبي.
﴿فَكُلا:﴾ هذا الأمر للإباحة، كما هو ظاهر. ﴿شِئْتُما:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي، والمنكرات. وانظر الآية رقم [٦/ ١٤٦]. هذا؛ والمراد بالشجرة: شجرة الحنطة. وقيل: هي شجرة العنب؛ لأنها أصل كل فتنة. وقيل غير ذلك.
ولقد نهى الله عن قرب الشجرة؛ لأنه أبلغ في النهي عن الأكل منها، كما في الآية رقم [١٥٢] (الأنعام) ولأنه من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. بعد هذا فقد زاد الله في آية
стр. 1878
(البقرة) رقم [٣٥] قوله ﴿رَغَداً﴾ ورغد العيش من باب: ظرف، وطرب، فهو راغد، وهو في رغد من العيش، أي: في رزق واسع، وأرغد القوم: أخصبوا. كما ذكر سبحانه في سورة (البقرة) ﴿وَكُلا﴾ بالواو، وقال هنا ﴿فَكُلا﴾ بالفاء.
قال الإمام فخر الدين الرازي مبينا الفرق بينهما: إن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا منافاة بين النوع، والجنس، ففي سورة (البقرة) ذكر الجنس، وهنا ذكر النوع. انتهى خازن، ولا تنس: أن هذا الكلام قد خوطب به آدم بعد طرد إبليس من الجنة، وهو ما أفادته الآية السابقة.
الإعراب: ﴿وَيا آدَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (آدم):
منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية، وما بعدها من جمل في محل نصب مقول القول، التقدير: وقلنا: يا آدم... إلخ، وقد ذكر هذا القول في آية (البقرة) رقم [٣٥]. ﴿اُسْكُنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر في: ﴿اُسْكُنْ﴾. ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، وهو منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون على رأسهم الأخفش، ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، وقل مثل ذلك في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). ﴿فَكُلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كلا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، وانظر إعراب: (اسجدوا) في الآية رقم [١١]. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿شِئْتُما:﴾ فعل، وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ولا تجوز الوصفية هنا؛ لأنه اسم جامد. ﴿فَتَكُونا:﴾ الفاء: هي السببية. (تكونا): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره، و «أن» المضمرة والفعل: (تكونا) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: «لا يكن منكما قرب من الشجرة، فظلم لنفسيكما». هذا؛ وجوز أن تكون الفاء عاطفة، وأنّ الفعل: (تكونا) مجزوم بسبب العطف على النهي، ولكن الأول أقوى معنى، وأتم سبكا،
стр. 1879
ولا تنس: أن كل الجمل المتعاطفة في محل نصب مقول القول للفعل المقدر، والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أي: وسوس لآدم وحواء. والوسوسة في الأصل: الصوت الخفي. والوسوسة: حديث النفس، وهي أيضا: حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان.
والوسواس: اسم للشيطان، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾. واختلف أين كانت هذه الوسوسة، وفي أنه تمثل لهما، فقاولهما بذلك، أو ألقاه إليهما عن طريق الوسوسة، وأنه كيف توصل إليهما بعد ما قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ؟﴾
فقيل: إنه منع من الدخول على وجه التكرمة، كما كان يدخل مع الملائكة، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم، وحواء. وقيل: قام عند الباب، فناداهما. وقيل: تمثل بصورة دابة، فدخل، ولم تعرفه الخزنة. وقيل: دخل في فم الحية؛ حتى دخلت به. وقيل: أرسل بعض أتباعه، فوسوس لهما. والعلم عند الله سبحانه، وتعالى. انتهى بيضاوي.
هذا؛ ونقل الخازن عن الإمام الرازي عن الحسن: أنه قال: كان يوسوس في الأرض إلى السماء إلى الجنة بالقوة القوية التي جعلها الله تعالى له. وقال أبو مسلم الأصبهاني: بل كان آدم، وإبليس في الجنة؛ لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية، فدخلت به إلى الجنة، فقصة مشهورة ركيكة. انتهى. هذا؛ وانظر شرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة، وفي الآية رقم [١١٢] (الأنعام). ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما:﴾ ليظهر، ويكشف لهما. ﴿ما وُورِيَ:﴾ ما غطي، وستر. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ تثنية: سوأة، والمراد بها: العورة، أي: الفرج، وكانا لا يريانهما من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وإنما فعل ذلك ليسوءهما بانكشاف عورتيهما. ولذلك عبر سبحانه عنهما بالسوأة، وفيه دليل على أن انكشاف العورة في الخلوة، وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. انتهى بيضاوي بتصرف. هذا؛ وإنما بدت سوآتهما لهما، لا لغيرهما على المعتمد.
هذا؛ واختلف في اللباس الذي نزع عنهما، قال الخازن: فقال ابن عباس-﵄: كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة؛ نزع عنهما، وبقيت الأظفار، تذكرة، وزينة، ومنافع. وقال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-كان لباس آدم وحواء نورا، وقال مجاهد: كان لباسهما التقى، وفي رواية عنه: التقوى. وقيل: إن لباسهما من ثياب الجنة. وهذا القول أقرب؛ لأن إطلاق اللباس ينصرف إليه، ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس. انتهى.
стр. 1880
أقول: وفي محفوظي: أن الظفر المذكور آنفا هو اللباس، وكان من لباس الجنة، وكان من أجمل ما يكون، فلما فعل آدم وحواء الخطيئة؛ تناثر عنهما هذا اللباس، وبقيت منه بقية على رءوس أصابع اليدين، والرجلين، وقد غيرت هيئة هذا اللباس إلى الأظفار الموجودة على رءوس أصابعنا.
ويذكر أن آدم ﵊ كان إذا نظر إلى أظفاره بكى؛ تذكرا منه لما كان فيه من النعيم في الجنة، وصار ذلك طبيعة عند كل إنسان إذا غلبه الضحك فلينظر إلى أظفاره، فيذهب ضحكه فجأة.
وقال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ أي: ما منعكما من أكل هذه الشجرة المذكورة في الآية السابقة. ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾. ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ:﴾ الذين لا يموتون، أو يخالدون في الجنة، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء، عليهم الصلاة والسّلام. وجوابه: أنه كان من المعلوم: أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما، في أن يحصل لهما أيضا، ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة، والأشربة، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا. انتهى بيضاوي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٧] (النساء) فإنه جيد. هذا؛ وقد قرئ: «(ملكين)» بكسر اللام، وهي قراءة يحيى بن كثير، والضحاك.
الإعراب: ﴿فَوَسْوَسَ:﴾ (وسوس): ماض. ﴿لَهُمَا﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيُبْدِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام العاقبة، أو هي لام التعليل، وفاعله يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لَهُمَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو هي نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وُورِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:
﴿ما،﴾ والجملة صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها.
﴿عَنْهُما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والميم، والألف في الجميع حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ سَوْآتِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل (يبدي) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (وسوس)، والجملة الفعلية: ﴿فَوَسْوَسَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿ما:﴾ نافية.
﴿نَهاكُما:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكُما:﴾
فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْ هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الشَّجَرَةِ:﴾ بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونا:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين اسمه. ﴿مَلَكَيْنِ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿تَكُونا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لأجله، وأصل الكلام: مخافة، أو كراهية كونكما ملكين.
стр. 1881
وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين على حذف حرف الجر، وتقدير الكلام عندهم:
«لئلا تكونا...» إلخ وبعد السبك بمصدر، يكون التقدير: «لعدم كونكما» وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نهى). ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ:﴾ هو مثل سابقه إعرابا، وتأويلا، وتقديرا. وجملة: ﴿ما نَهاكُما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (وسوس...) إلخ، وهي مفسرة لها في المعنى، لا محل لها مثلها.
﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَقاسَمَهُما:﴾ حلف لهما بالله على ذلك. وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة.
وقيل: أقسما له بالقبول. وقيل: أقسما عليه بالله إنه لمن الناصحين، فأقسم لهما، فجعل ذلك مقاسمة. انتهى بيضاوي. وقال القرطبي: وجاء «فاعلت» من واحد. وهو يردّ على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين. وقال قتادة: حلف لهما بالله؛ حتى خدعهما-وقد يخدع المؤمن بالله-فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني؛ أرشدكما. وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له. ﴿النّاصِحِينَ:﴾ انظر (شكر) في الآية رقم [١٠] وانظر: ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ في الآية رقم [١٠٩] (الأنعام) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿وَقاسَمَهُما:﴾ الواو: حرف عطف. (قاسمهما): ماض، والفاعل يعود إلى الشيطان، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿النّاصِحِينَ﴾ بعدهما، وهذا على أن ال للتعريف، وليست موصولة بمعنى «الذي». وقيل: هي بمعنى الذي، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف يبينه ﴿النّاصِحِينَ﴾ التقدير: إني لناصح لكما، وهذا يسمى التبيين، ومثله الآية رقم [١٣٠] (البقرة) وهو كثير في القرآن والشعر العربي، والميم والألف للتثنية. اللام: هي المزحلقة. ﴿لَمِنَ النّاصِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والجملة القسمية معطوفة على جملة: ﴿وَقالَ ما نَهاكُما..﴾. إلخ فهي داخلة في التفسير، ومن جملته.
﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿فَدَلاّهُما:﴾ أوقعهما في الهلاك، قاله ابن عباس-﵄. وقيل:
جرأهما على المعصية. وقال البيضاوي: فنزلهما إلى الأكل من الشجرة. نبه به على أنه أهبطهما
стр. 1882
بذلك من درجة عالية، إلى رتبة سافلة، فإن التدلية، والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل.
﴿بِغُرُورٍ:﴾ بما غرهما به من القسم، فإنهما ظنا: أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، وقد قال الرسول ﷺ : «المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم». ﴿فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ:﴾ أكلا منها، وانظر شرح ﴿الشَّجَرَةَ﴾ في الآية رقم [١٩]. ﴿بَدَتْ:﴾ ظهرت، وانكشفت، وقل في إعلاله: أصله: «بدا»، فلما اتصل به تاء التأنيث، صار: بدات، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ﴿بَدَتْ﴾. ﴿سَوْآتُهُما:﴾ انظر الآية رقم [٢٠] لشرحه، وفيه قراءات كثيرة، ولكن لا يتغير الإعراب، فلذا لم أتعرض لها، والمعنى: فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها؛ أخذتهما العقوبة، وشؤم المعصية، فتهافت عنهما لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما. انتهى بيضاوي. يقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها، فلما أكلت؛ لم يصبها شيء؛ لأن المنهي عنه ما وجد كاملا (وهو للاثنين) وخفي هذا المعنى على آدم، فطمع ونسي هذا الحكم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. وقيل: نسي قوله: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾. ﴿وَطَفِقا:﴾ أخذا، وشرعا، فهذا الفعل من أفعال الشروع. ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يرقعان، ويلزقان ورقة فوق ورقة على القبل، والدبر.
هذا؛ وخصف النعل خصفا: خرزها ورقعها، و (الورق) قيل: ورق التين. وقيل: ورق الموز.
﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما..﴾. إلخ: قال البيضاوي: عتاب على مخالفة النهي، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو. وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم. انتهى. قال محمد بن قيس: ناداه ربه: يا آدم! لم أكلت منها؛ وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني حواء. قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت:
أمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس. قال الله: أما أنت يا حواء؛ فلأدمينك كل شهر كما أدميت الشجرة. وأما أنت يا حية؛ فأقطع رجليك، فتمشين على وجهك، وليشدخن رأسك كلّ من لقيك. وأما أنت يا إبليس؛ فملعون. بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّيْطانَ﴾ في الاستعاذة.
﴿عَدُوٌّ:﴾ هو ضد الصديق، وهو على وزن «فعول» بمعنى «فاعل» مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا. (قالوا): هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا،﴾ وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء؛ وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع.
﴿مُبِينٌ:﴾ هو اسم فاعل من: «أبان» الرباعي، أصله: «مبين»، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة.
ولا تنس: أن اسم الفاعل من: بان الثلاثي: «بائن». ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢].
стр. 1883
تنبيه: يسأل: آدم معصوم، فكيف يخالف النهي؟ وأجيب بوجوه، منها: أنه اعتقد: أن النهي للتنزيه، لا للتحريم. ومنها: أنه نسي النهي. ومنها: أنه اعتقد نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من الناصحين، فاعتقد أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا. انتهى جمل. أقول: وقد اختلف هل كان ذلك قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض.
يروى: أن روح موسى التقت مع روح آدم ﵉، فقال موسى: يا آدم أكلت من الشجرة حتى سببت لذريتك العناء والشقاء! فقال آدم: يا موسى أنت رسول الله وكليمه، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بآلاف السنين؟ فحجّ آدم موسى. أي: غلبه بالحجة.
الإعراب: ﴿فَدَلاّهُما:﴾ الفاء: حرف عطف. (دلاهما): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانَ﴾ والهاء مفعول به، والميم والألف في الجميع حرفان دالان على التثنية. ﴿بِغُرُورٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول به، أي: مغترين، والجملة الفعلية: ﴿فَدَلاّهُما..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي من تتمة التفسير للوسوسة. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿ذاقَا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿بَدَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿سَوْآتُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَدَتْ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، (طفقا): ماض ناقص، والألف اسمه. ﴿يَخْصِفانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله. ﴿عَلَيْهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ وَرَقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿وَرَقِ:﴾ مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَخْصِفانِ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (طفقا)، وجملة:
﴿وَطَفِقا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. (ناداهما): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رَبُّهُما:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿أَنْهَكُما:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿عَنْ:﴾ حرف جر. ﴿تِلْكُمَا:﴾ التاء: اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب ﴿عَنْ،﴾ والجار والمجرور
стр. 1884
متعلقان بالفعل قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما..﴾. إلخ تفسير للنداء، لا محل لها من الإعراب، أو معمول لقول محذوف، أي: وقال؛ أو قائلا: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما..﴾. إلخ. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وجملة: ﴿وَناداهُما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَقُلْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».
﴿لَكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسمها.
﴿لَكُما:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ الشَّيْطانَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿قالا﴾ أي: آدم وحواء. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿رَبَّنا﴾ أي: يا ربنا، وانظر الآية رقم [٣]. ﴿ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ أي: بارتكاب المعصية، وإخراجها من الجنة بسبب المخالفة لأمر الله تعالى، وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٦] (الأنعام). ﴿أَنْفُسَنا:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا:﴾ ذنبنا، وتعف عنا. ﴿وَتَرْحَمْنا:﴾ وتتفضل علينا برحمتك، ورضاك.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: من الهالكين. قال قتادة: قال آدم: يا رب أرأيت إن تبت إليك، واستغفرتك، قال: إذا أدخلك الجنة، وأما إبليس؛ فلم يسأله التوبة، وسأله أن ينظره، فأعطى كل واحد منهما ما سأل. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [٣٧] (البقرة) أن الكلمات التي تلقاها آدم-أي: ألهمه ربه أن يقولها-هي ما في هذه الآية.
تنبيه: قال الخازن: وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام- بهذه الآية. وأجيب عنها بأن درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام في الرفعة والعلو والمعرفة بالله ، مما حملهم على الخوف منه، والإشفاق من المؤاخذة بما لم يؤاخذ به غيرهم، وأنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت عنهم على سبيل التأويل، أو السهو، فهم بسبب ذلك خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم، وسيئات بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم، ومعاص كمعاصي غيرهم، فكان ما صدر منهم مع طهارتهم ونزاهتهم، وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي، والذكر القدسي، وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح، والخشية لله ذنوبا؛ وهي حسنات بالنسبة إلى غيرهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
انتهى. بحروفه. وانظر الآية رقم [١٠٦] (النساء) والآية رقم [٤٣] (التوبة).
الإعراب: ﴿قالا:﴾ ماض، وألف الاثنين فاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ظَلَمْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب:
стр. 1885
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿أَنْفُسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم، واللام الموطئة للقسم محذوفة. التقدير: ولئن، دل على ذلك الجملة المؤكدة بنون التوكيد الثقيلة. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم، ﴿تَغْفِرْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف، تقديره: «ذنبنا». ﴿لَنا:﴾ متعلقان ب ﴿تَغْفِرْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَتَرْحَمْنا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، مجزوم مثله، والفاعل تقديره: «أنت»، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب القسم المقدر، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (نكونن) والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها جواب للقسم المقدر، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم المقدر عليه، على القاعدة: (إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما). بعد هذا: كل الجمل الموجودة في هذه الآية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف يا النداء منه في القرآن، وعلة ذلك: أن في حذف «يا» من نداء الرب تعالى، فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك، إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت «يا» من نداء الرب؛ ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف «يا» التعظيم والإجلال والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب. لذلك المعنى. انتهى.
فائدة: وقال أيضا في التركيب: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا:﴾ دخلت (إن) على ﴿لَمْ﴾ ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن ﴿لَمْ﴾ تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و (إن) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.
﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ انزلوا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣]. ﴿مُسْتَقَرٌّ:﴾ استقرار، أو موضع استقرار، وقال السدي: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ يعني: القبور. ويضعفه ما بعده. ﴿وَمَتاعٌ:﴾ انتفاع، وتلذذ، وتمتع. واستمتع بكذا: انتفع به،
стр. 1886
والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتعه بكذا بمعنى واحد. وانظر الآية رقم [٧٠] (يونس) ﴿إِلى حِينٍ﴾ إلى يوم القيامة، أو إلى الموت. وهو أولى.
تنبيه: ذكر القرطبي، وغيره: أن آدم أهبط به سرنديب من الهند بجبل، يقال له: بوذ، وأهبطت حواء بجدة من الحجاز، وأهبط إبليس بالأبلة-بضم الهمزة، والموحدة، وتشديد اللام- جبل قرب البصرة. وقيل: بجدة، وأهبطت الحية بسجستان. وقيل: بأصبهان. هذا؛ وسجستان، أكثر بلاد الله حيات، ولولا العربدّ ما يأكلها، ويفني كثيرا منها؛ لأخليت سجستان من أجل الحيات، ذكره أبو الحسن المسعودي. هذا؛ والعربد: الذكر الكبير من الأفاعي. وهو بكسر العين وتشديد الدال، وبكسر الباء وفتحها.
تنبيه: لقد اختلف في الجنة التي أسكن الله بها آدم، وحواء، ثم أخرجهما منها، فالجمهور على أنها جنة المأوى أخذا بظواهر الآيات، والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وحديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الناس، فيا قوم المؤمنون حين تزدلف الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنّة إلاّ خطيئة أبيكم». قال ابن كثير في البداية والنهاية: وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنة المأوى. وليست تخلو من النظر.
وقال فريق من العلماء: إن الجنة التي سكنها آدم، وحواء كانت من جنات الدنيا؛ لأنه كلّف فيها ألا يأكل من الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، ووسوس إليه، ولغا آدم، وعصى ربه فيها، وهذا ينافي أنها جنة المأوى. وقد حكي هذا القول عن أبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، ﵃ أجمعين. انتهى من قصص الأنبياء للنجار بتصرف كبير.
أقول: والذي نرتضيه: أنها جنة المأوى، وهي مخلوقة من قبل أن يخلق الله آدم، خلافا لمن زعم: أن الجنة غير موجودة الآن، وأن الله يخلقها يوم القيامة. دليل وجودها قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ كما أن النار موجودة الآن بدليل قوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾.
وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٣] من (آل عمران) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، وينبغي أن تعلم: أن الكلام أتى للمتكلم (قلنا) في الآية رقم [٣٦] (البقرة) ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ومتعلق الفعل محذوف، تقديره: منها، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾
стр. 1887
متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. (لكم): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان ب: ﴿مُسْتَقَرٌّ،﴾ وقد جوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في: (لكم). ﴿مُسْتَقَرٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.
﴿وَمَتاعٌ:﴾ معطوف على مستقر عطف مفرد على مفرد. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب (متاع)، أو بمحذوف صفة له، التقدير: «متاع ممتد إلى حين».
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿تَحْيَوْنَ:﴾ تعيشون، والخطاب لآدم وذريته ولإبليس ولذريته، وأصل الفعل: «تحييون» تحركت الياء الثانية وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: (تحياون) ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ أي: وتقبرون.
﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ أي: يخرجكم ربكم من الأرض للحساب، والجزاء. وهذا الفعل يقرأ بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول. ومعنى هذه الآية قريب من معنى قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَحْيَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وما بعدها معطوف عليها، والإعراب واضح، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة؛ لا محل لها من الإعراب.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً﴾ أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية، وأسباب نازلة، ينزل المطر من السماء، فينبت بسببه القطن، ونحوه. وقيل في توجيهه: جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء، وإلى الإنزال، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾. ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ:﴾ يستر عوراتكم التي أراد الشيطان كشفها منكم، ويغنيكم عن سترها بورق الشجر، ونحوه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (المائدة). ﴿وَرِيشاً:﴾ الريش للطائر معروف. فهو لباسه، وزينته، كالثياب للإنسان، فاستعير لفظه للإنسان؛ لأنه لباسه، وزينته. هذا؛ ونقل عن ابن عباس-﵄-تفسيره بالمال، قال الخازن: وهو قول مجاهد، والضحاك والسدي؛ لأن المال ما يتزين به.
стр. 1888
ويقال: تريش الرجل: إذا تمول. هذا؛ وقد قيل: إن المراد به الأثاث الذي يفرش في البيوت، ويتزين به. ولا بأس به. وخذ قول جرير في مدح هشام بن عبد الملك: [الوافر]
فريشي منكم، وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما
أي: فلباسي الفاخر، أو مالي الكثير. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى:﴾ قال الخازن: اختلف العلماء في معناه، فمنهم من حمله على نفس الملبوس، وحقيقته، ومنهم من حمله على المجاز. أما من حمله على نفس الملبوس؛ فاختلفوا أيضا في معناه، فقال ابن الأنباري: هو اللباس الأول، وإنما أعاده إخبارا: أن ستر العورة من التقوى. وقال زيد بن علي: هو آلات الحروب كالدرع، والمغفر.
وقيل: هو الصوف، والخشن من الثياب؛ التي يلبسها أهل الزهد، والورع. وقيل: هو ستر العورة في الصلاة. وأيضا اختلف في معناه من حمله على المجاز، فقال قتادة، والسدي: هو الإيمان؛ لأن صاحبه يتقي به من النار، وقال ابن عباس-﵄: هو العمل الصالح، وقال الحسن: هو الحياء، وقال عثمان بن عفان ﵁: هو السمت الحسن. وقال عروة بن الزبير: هو خشية الله. وقال الكلبي: هو العفاف. فعلى هذه الأقوال: إن لباس التقوى خير لصاحبه، إذا أخذ به مما خلق الله من لباس التجمل، وزينة الدنيا، وأنشدوا في المعنى: [الطويل]
إذا أنت لم تلبس ثيابا من التّقى... عريت وإن وارى القميص قميص
انتهى. بتصرف كبير. بعد هذا: فالتقوى: هي حفظ النفس من العذاب الأخروي، بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من: الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ:﴾ يعني خلق اللباس الذي تسترون به عوراتكم، وتتقون به أذى الحر والبرد، وغير ذلك مما ذكر، كل ذلك دليل على قدرة الله، وداع إلى معرفته وعبادته.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ:﴾ لعلهم يذكرون نعمة الله عليهم، فيشكرونها. والترجي في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لشيء من عباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!.
الإعراب: ﴿يا بَنِي:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني) مضاف، و ﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِباساً:﴾ مفعول به. ﴿يُوارِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿لِباساً﴾. ﴿سَوْآتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن
стр. 1889
الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿وَرِيشاً:﴾ معطوف على: ﴿لِباساً،﴾ وجملة: ﴿يُوارِي..﴾. إلخ في محل نصب صفة:
﴿لِباساً،﴾ وجملة: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب حال من المنادى على حد قول القائل: [البسيط]
يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته
﴿وَلِباسُ:﴾ يقرأ بالنصب عطفا على لباسا، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ. و (لباس) مضاف، و ﴿التَّقْوى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ نعتا ل (لباس) أي: المذكور، والمشار إليه، وأن يكون بدلا، أو عطف بيان، و ﴿خَيْرٌ﴾ الخبر. وقيل: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: «وساتر عوراتكم لباس التقوى». أو على العكس، أي: «ولباس التقوى ساتر عوراتكم». انتهى عكبري. ﴿ذلِكَ:﴾
مبتدأ... إلخ. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَذَّكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفيدة للتعليل تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أي: لا يصرفنكم الشيطان عن الدين، وعن أوامر الله تعالى. ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ أي: كما تسبب في إخراج أبويكم آدم، وحواء من الجنة بسبب وسوسته لهما. قال الخازن: والمعنى: أن من قدر على إخراج أبويكم من الجنة بوسوسته، وشدة عداوته؛ فبأن يقدر على فتنتكم بطريق الأولى.
فحذر الله بني آدم، وأمرهم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان، وغروره، وتزيينه القبائح، وتحسينه الأفعال الرديئة في قلوب بني آدم.
هذا؛ وفي: ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ تغليب الأب على الأم. وانظر الآية رقم [١٥١] (الأنعام). ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما:﴾ أضاف سبحانه نزع اللباس إلى الشيطان؛ لأنه كان بسبب وسوسته، وانظر (اللباس) في الآية رقم [٢٠] و ﴿يَنْزِعُ﴾ حكاية أمر قد وقع؛ لأن نزع اللباس عنهما كان قبل
стр. 1890
الإخراج. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ جنوده، وأعوانه، وذريته. هذا؛ و (القبيل) جمع: قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضا، وقال الليث: كل جيل من إنس، وجن قبيل. ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ،﴾ فهذا نص صريح على أن الشياطين يروننا، ولا نراهم. قال العلماء: إن الله خلق في عيون الجن إدراكا، يرون بذلك الإدراك الإنس، ولم يخلق في عيون الإنس هذا الإدراك، فلم يروا الجن. انتهى.
ولهذا كانت محاربة الشيطان، والتحرز من كيده أشد من محاربة عدو الحرب والمبارزة في الميدان، فعن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم». وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى، كما قال تعالى ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾. وقال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعة: نرى، ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ يتولون أمورهم، ويتلاعبون بهم كما يشاءون، وانظر الآية رقم [٣]. هذا؛ وأما المؤمنون؛ فهم في أمان من كيدهم، وحرز من شرهم. بعد هذا انظر شرح (الشيطان) في الاستعاذة. هذا؛ وقد قال البيضاوي: والآية مقصود القصة، وفذلكة الحكاية.
فائدة: قال ذو النون-رحمه الله تعالى-: إن كان هو يراك من حيث لا تراه؛ فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه، وهو الله الكريم الستار، الرحيم الغفار. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
فائدة: «حيث» مبنية، وإنما بنيت؛ لأنها لا تدل على موضع بعينه، ولأن ما بعدها من تمامها كالصلة من الموصول، وبنيت على حركة؛ لأن قبل آخرها ساكنا، وكان الضم أولى بها بحركتها؛ لأنها غاية، فأعطيت غاية الحركات، وهي الضمة؛ لأن الضمة أقوى الحركات.
وقيل: بنيت على الضم؛ لأن أصلها: «حوث» فدلت الضمة على الواو، وبجوز فتحها. وفي حيث ست لغات: بالياء مع الضم والفتح والكسر، والواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي:
حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث.
الإعراب: ﴿يا بَنِي آدَمَ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿يَفْتِنَنَّكُمُ:﴾ مضارع على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم بلام الناهية، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. هذا؛ والنهي في اللفظ ل: ﴿الشَّيْطانُ﴾ ورأيت في الشرح المراد منه. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ولا تصالح الحالية هنا؛ لأنها إنشائية: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):
مصدرية. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿أَبَوَيْكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير:
«لا يفتننكم الشيطان فتنة كائنة، أو مثل فتنة أبويكم». وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في
стр. 1891
مثل هذا أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿يَنْزِعُ:﴾ مضارع، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿عَنْهُما:﴾ متعلقان به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لِباسَهُما:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُرِيَهُما:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والهاء: مفعول به. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ مفعول به منصوب كما في الآية السابقة، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَنْزِعُ﴾ والجملة الفعلية:
﴿يَنْزِعُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل أخرج المستتر، أو من أبويكم، والرابط على الاعتبارين هو الضمير فقط. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَراكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ والكاف مفعول به، والفعل بصري فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: (إنّ...) إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر في الفعل. ﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ معطوف على الضمير المستتر في الفعل، وسوغ ذلك توكيده بالضمير المنفصل، والهاء في محل جر بالإضافة.
هذا؛ وقرئ بالنصب، وخرج على وجهين: أحدهما عطفه على اسم (إنّ)، وثانيهما على أنه مفعول معه. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. والجملة الفعلية: ﴿لا تَرَوْنَهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر الآية رقم [٩].
﴿الشَّياطِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:
﴿أَوْلِياءَ﴾ وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة:
﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، فهي مؤكدة لسابقتها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الوجهين.
﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أي: فعل العرب فعلة متناهية في القبح، والشناعة، كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف. ويدخل فيها جميع المعاصي، والكبائر. ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها:﴾ اعتذروا عن كفرهم، وسوء أعمالهم، واحتجوا بأمرين: تقليد الآباء،
стр. 1892
والكذب على الله تعالى، فأعرض الله عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ وبين سبحانه في الآية رقم [١٧٠] (البقرة) أن آباءهم كانوا لا يعقلون، ولا يهتدون إلى طريق السداد، والرشاد. والمعنى: إن هذه الأفعال التي كانوا يفعلونها هي نفسها قبيحة، تأباها العقول السليمة، فكيف يأمر الله بها ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ، أي: أتفترون على الله الكذب، وتنسبون إليه أمورا، لا مستند لكم في ذلك؟! أي: من غير علم تقولون ذلك على الله. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (يونس).
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَعَلُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فاحِشَةً:﴾ مفعول به.
﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر الآية رقم [٥]. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و (نا): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها يحتمل العطف على جملة الصلة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل الاستئناف، فلا محل له على الوجهين. (الله): مبتدأ. ﴿أَمَرَنا:﴾
ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، و (نا): مفعول به. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قُلْ:﴾ أمر، والفاعل تقديره:
«أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والمفعول محذوف، تقديره: «أحدا» ونحوه. ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وهما المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَتَقُولُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (تقولون): فعل، وفاعل. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مقول القول، وصح ذلك؛ لأنها كناية عن كلام كثير. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾
فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف: إذ التقدير: ما لا تعلمونه، والجملة الفعلية: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر موجه للنبي ﷺ كسابقه، ولاحقه. ﴿أَمَرَ:﴾ هذا الفعل يتعدى
стр. 1893
لمفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر، وهو كثير.
﴿بِالْقِسْطِ:﴾ العدل، وهو الوسط في كل أمر، المتجافي عن طرفي: الإفراط، والتفريط.
وقال الخازن: فالأمر بالقسط في هذه الآية يشتمل على معرفة الله بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأنه واحد لا شريك له. ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ توجهوا إلى عبادة الله مستقيمين غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود، أو مكانه، وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: اعبدوا الله مخلصين له الطاعة والعبادة والدعاء، لا تشركوا معه أحدا من خلقه. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥].
﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الدِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٦١] (الأنعام). هذا؛ وقد خص الله الوجوه بالذكر؛ لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيها أكثر الحواس النافعة، ولأنها مظهر آثار الخشوع، والخضوع، ولأنها مواضع السجود، ولا تنس: أن الوجه ما تتم به المواجهة، وسمي وجها لذلك.
هذا؛ و ﴿مَسْجِدٍ﴾ اسم مكان، وهو بكسر الجيم، والقياس فتحها؛ لأن اسم المكان، والزمان يكونان على وزن: مفعل بفتح العين؛ إن كانا مأخوذين من ماض ثلاثي يجيء مضارعه بفتح العين، أو ضمها، كمذهب ومنظر، وبكسرها إن كانت عين المضارع مكسورة كمجلس ومنزل، وكما خرج مسجد عن القياس، خرج كثير مثل: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمسقط، والمرفق والمنخر والمجزر، والمظنة. مع أن مضارعها مضموم العين. وانظر الآية رقم [١١٥] من سورة (البقرة).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَمَرَ:﴾ ماض. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: «عباده».
﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، وجملة: ﴿أَمَرَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١].
﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿مَسْجِدٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وفي عطف الجملة: ﴿وَأَقِيمُوا..﴾. إلخ على ما قبلها أقوال، وتأويلات، وتوجيهات كثيرة، منها: أن التقدير: وقال: أقيموا... إلخ، فحذف «قال» لدلالة الكلام عليه. ومنها: أن العطف على معنى بالقسط؛ إذ المعنى: أقسطوا، وأقيموا... إلخ.
ومنها: أن العطف على محذوف، التقدير: فاقبلوا، وأقيموا... إلخ، وعلى هذا فالفاء هي الفصيحة، وهذا كله للتخلص من عطف الإنشاء على الخبر، (ادعوه): فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أقيموا) على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون
стр. 1894
عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾
مفعوله، ولذا فيه ضمير مستتر هو فاعله.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي: كما أنشأكم ابتداء من العدم يعيدكم يوم القيامة بعد الفناء، فيجازيكم على أعمالكم. فأخلصوا له العبادة. وإنما شبه الإعادة بالابتداء تقريرا لإمكانها، والقدرة عليها. وقيل: كما بدأكم من التراب تعودون إليه. وقيل: كما بدأكم حفاة، عراة، غرلا تعودون. وقيل: كما بدأكم مؤمنا، وكافرا يعيدكم. انتهى. بيضاوي بتصرف.
قال ابن عباس-﵄: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنا، وكافرا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة، كما بدأ خلقهم مؤمنا، وكافرا. وحجة هذا القول قوله في سياق الآية: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فإنه كالتفسير له، ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه». أخرجه مسلم، زاد البغوي في روايته:
«المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره». انتهى خازن.
﴿فَرِيقاً هَدى:﴾ هداهم الله للإيمان به، ومعرفته، ووفقهم لطاعته، وعبادته. ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ يعني: وخذل فريقا؛ حتى وجبت عليهم الضلالة للسابقة التي سبقت لهم في الأزل بأنهم أشقياء.
وفيه دليل على أن الهدى، والضلالة من الله . ولما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه، ضلّ». أخرجه الترمذي.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] (النساء) فإنه جيد. هذا؛ و (الفريق) الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع، لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم. ﴿الشَّياطِينَ:﴾
انظر الاستعاذة، والآية رقم [١١٢] (الأنعام). ﴿أَوْلِياءَ:﴾ يتولون أمورهم، ويتلاعبون بهم. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَيَحْسَبُونَ:﴾ ماضيه حسب، فهو من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان (بكسر الحاء) وحسبت المال حسبا من باب: قتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ المعنى: أنهم مع ضلالتهم يظنون، ويحسبون: أنهم على هداية، وحق. وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن: أنه في دينه على الحق، والجاحد، والمعاند في الكفر سواء.
стр. 1895
الإعراب: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿بَدَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله ما بعده، التقدير: «تعودون عودا مثل بدئكم». وقيل: تقديره: «تخرجون خروجا مثل بدئكم». انتهى. مكي. والأول أليق بلفظ الآية الكريمة. انتهى. جمل. ﴿تَعُودُونَ:﴾ فعل، وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي تعليل لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا..﴾. إلخ، فتكون على حد قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ الآية رقم [١٩٨] (البقرة). ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به مقدم. ﴿هَدى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير:
وأضل، أو خذل فريقا، والجملة الفعلية السابقة في محل نصب حال من فاعل ﴿بَدَأَكُمْ،﴾ التقدير:
«هاديا فريقا». والثانية معطوفة عليها، والتقدير: «وخاذلا فريقا». هذا؛ وجوز اعتبار ﴿فَرِيقاً﴾ حالا من واو الجماعة، التقدير: «تعودون فريقين: سعداء وأشقياء». يقوي هذا قراءة أبيّ: «(تعودون فريقين فريقا هدى...)» إلخ. انتهى قرطبي. أقول: وهذا يعني: أن فريقا بدل من: «فريقين» وتكون جملة:
﴿هَدى﴾ صفة: ﴿فَرِيقاً﴾ وجملة: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ صفة: ﴿فَرِيقاً﴾ الثاني على كل حال.
﴿إِنَّهُمُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿الشَّياطِينَ:﴾ مفعوله الأول ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعوله الثاني. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿دُونِ:﴾
مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّهُمُ..﴾. إلخ تعليل لخذلان من حقّ عليهم الضلالة. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وعليه ف: (إنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم... إلخ، والجار والمجرور بعد السبك متعلقان بالفعل: ﴿حَقَّ﴾. (يحسبون): فعل، وفاعل. ﴿إِنَّهُمُ:﴾ أن واسمها. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (يحسبون)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ البسوا ثيابكم، وتجملوا فيها إذا أردتم الصلاة في أي مسجد كان. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ الأمر للإباحة إلا ما سد الرمق، وأقام البدن؛ فإنه واجب. ﴿وَلا تُسْرِفُوا:﴾ بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام، والشره فيه. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ:﴾ لا يرتضي فعلهم.
следующие страницы →