Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
مثل هذا أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿يَنْزِعُ:﴾ مضارع، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿عَنْهُما:﴾ متعلقان به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لِباسَهُما:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُرِيَهُما:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والهاء: مفعول به. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ مفعول به منصوب كما في الآية السابقة، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَنْزِعُ﴾ والجملة الفعلية:
﴿يَنْزِعُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل أخرج المستتر، أو من أبويكم، والرابط على الاعتبارين هو الضمير فقط. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَراكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ والكاف مفعول به، والفعل بصري فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: (إنّ...) إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر في الفعل. ﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ معطوف على الضمير المستتر في الفعل، وسوغ ذلك توكيده بالضمير المنفصل، والهاء في محل جر بالإضافة.
هذا؛ وقرئ بالنصب، وخرج على وجهين: أحدهما عطفه على اسم (إنّ)، وثانيهما على أنه مفعول معه. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. والجملة الفعلية: ﴿لا تَرَوْنَهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر الآية رقم [٩].
﴿الشَّياطِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:
﴿أَوْلِياءَ﴾ وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة:
﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، فهي مؤكدة لسابقتها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الوجهين.
﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أي: فعل العرب فعلة متناهية في القبح، والشناعة، كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف. ويدخل فيها جميع المعاصي، والكبائر. ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها:﴾ اعتذروا عن كفرهم، وسوء أعمالهم، واحتجوا بأمرين: تقليد الآباء،
стр. 1892
والكذب على الله تعالى، فأعرض الله عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ وبين سبحانه في الآية رقم [١٧٠] (البقرة) أن آباءهم كانوا لا يعقلون، ولا يهتدون إلى طريق السداد، والرشاد. والمعنى: إن هذه الأفعال التي كانوا يفعلونها هي نفسها قبيحة، تأباها العقول السليمة، فكيف يأمر الله بها ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ، أي: أتفترون على الله الكذب، وتنسبون إليه أمورا، لا مستند لكم في ذلك؟! أي: من غير علم تقولون ذلك على الله. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (يونس).
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَعَلُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فاحِشَةً:﴾ مفعول به.
﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر الآية رقم [٥]. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و (نا): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها يحتمل العطف على جملة الصلة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل الاستئناف، فلا محل له على الوجهين. (الله): مبتدأ. ﴿أَمَرَنا:﴾
ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، و (نا): مفعول به. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قُلْ:﴾ أمر، والفاعل تقديره:
«أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والمفعول محذوف، تقديره: «أحدا» ونحوه. ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وهما المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَتَقُولُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (تقولون): فعل، وفاعل. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مقول القول، وصح ذلك؛ لأنها كناية عن كلام كثير. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾
فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف: إذ التقدير: ما لا تعلمونه، والجملة الفعلية: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر موجه للنبي ﷺ كسابقه، ولاحقه. ﴿أَمَرَ:﴾ هذا الفعل يتعدى
стр. 1893
لمفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر، وهو كثير.
﴿بِالْقِسْطِ:﴾ العدل، وهو الوسط في كل أمر، المتجافي عن طرفي: الإفراط، والتفريط.
وقال الخازن: فالأمر بالقسط في هذه الآية يشتمل على معرفة الله بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأنه واحد لا شريك له. ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ توجهوا إلى عبادة الله مستقيمين غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود، أو مكانه، وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: اعبدوا الله مخلصين له الطاعة والعبادة والدعاء، لا تشركوا معه أحدا من خلقه. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥].
﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الدِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٦١] (الأنعام). هذا؛ وقد خص الله الوجوه بالذكر؛ لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيها أكثر الحواس النافعة، ولأنها مظهر آثار الخشوع، والخضوع، ولأنها مواضع السجود، ولا تنس: أن الوجه ما تتم به المواجهة، وسمي وجها لذلك.
هذا؛ و ﴿مَسْجِدٍ﴾ اسم مكان، وهو بكسر الجيم، والقياس فتحها؛ لأن اسم المكان، والزمان يكونان على وزن: مفعل بفتح العين؛ إن كانا مأخوذين من ماض ثلاثي يجيء مضارعه بفتح العين، أو ضمها، كمذهب ومنظر، وبكسرها إن كانت عين المضارع مكسورة كمجلس ومنزل، وكما خرج مسجد عن القياس، خرج كثير مثل: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمسقط، والمرفق والمنخر والمجزر، والمظنة. مع أن مضارعها مضموم العين. وانظر الآية رقم [١١٥] من سورة (البقرة).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَمَرَ:﴾ ماض. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: «عباده».
﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، وجملة: ﴿أَمَرَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١].
﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿مَسْجِدٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وفي عطف الجملة: ﴿وَأَقِيمُوا..﴾. إلخ على ما قبلها أقوال، وتأويلات، وتوجيهات كثيرة، منها: أن التقدير: وقال: أقيموا... إلخ، فحذف «قال» لدلالة الكلام عليه. ومنها: أن العطف على معنى بالقسط؛ إذ المعنى: أقسطوا، وأقيموا... إلخ.
ومنها: أن العطف على محذوف، التقدير: فاقبلوا، وأقيموا... إلخ، وعلى هذا فالفاء هي الفصيحة، وهذا كله للتخلص من عطف الإنشاء على الخبر، (ادعوه): فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أقيموا) على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون
стр. 1894
عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾
مفعوله، ولذا فيه ضمير مستتر هو فاعله.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي: كما أنشأكم ابتداء من العدم يعيدكم يوم القيامة بعد الفناء، فيجازيكم على أعمالكم. فأخلصوا له العبادة. وإنما شبه الإعادة بالابتداء تقريرا لإمكانها، والقدرة عليها. وقيل: كما بدأكم من التراب تعودون إليه. وقيل: كما بدأكم حفاة، عراة، غرلا تعودون. وقيل: كما بدأكم مؤمنا، وكافرا يعيدكم. انتهى. بيضاوي بتصرف.
قال ابن عباس-﵄: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنا، وكافرا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة، كما بدأ خلقهم مؤمنا، وكافرا. وحجة هذا القول قوله في سياق الآية: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فإنه كالتفسير له، ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه». أخرجه مسلم، زاد البغوي في روايته:
«المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره». انتهى خازن.
﴿فَرِيقاً هَدى:﴾ هداهم الله للإيمان به، ومعرفته، ووفقهم لطاعته، وعبادته. ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ يعني: وخذل فريقا؛ حتى وجبت عليهم الضلالة للسابقة التي سبقت لهم في الأزل بأنهم أشقياء.
وفيه دليل على أن الهدى، والضلالة من الله . ولما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه، ضلّ». أخرجه الترمذي.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] (النساء) فإنه جيد. هذا؛ و (الفريق) الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع، لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم. ﴿الشَّياطِينَ:﴾
انظر الاستعاذة، والآية رقم [١١٢] (الأنعام). ﴿أَوْلِياءَ:﴾ يتولون أمورهم، ويتلاعبون بهم. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَيَحْسَبُونَ:﴾ ماضيه حسب، فهو من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان (بكسر الحاء) وحسبت المال حسبا من باب: قتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ المعنى: أنهم مع ضلالتهم يظنون، ويحسبون: أنهم على هداية، وحق. وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن: أنه في دينه على الحق، والجاحد، والمعاند في الكفر سواء.
стр. 1895
الإعراب: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿بَدَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله ما بعده، التقدير: «تعودون عودا مثل بدئكم». وقيل: تقديره: «تخرجون خروجا مثل بدئكم». انتهى. مكي. والأول أليق بلفظ الآية الكريمة. انتهى. جمل. ﴿تَعُودُونَ:﴾ فعل، وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي تعليل لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا..﴾. إلخ، فتكون على حد قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ الآية رقم [١٩٨] (البقرة). ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به مقدم. ﴿هَدى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير:
وأضل، أو خذل فريقا، والجملة الفعلية السابقة في محل نصب حال من فاعل ﴿بَدَأَكُمْ،﴾ التقدير:
«هاديا فريقا». والثانية معطوفة عليها، والتقدير: «وخاذلا فريقا». هذا؛ وجوز اعتبار ﴿فَرِيقاً﴾ حالا من واو الجماعة، التقدير: «تعودون فريقين: سعداء وأشقياء». يقوي هذا قراءة أبيّ: «(تعودون فريقين فريقا هدى...)» إلخ. انتهى قرطبي. أقول: وهذا يعني: أن فريقا بدل من: «فريقين» وتكون جملة:
﴿هَدى﴾ صفة: ﴿فَرِيقاً﴾ وجملة: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ صفة: ﴿فَرِيقاً﴾ الثاني على كل حال.
﴿إِنَّهُمُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿الشَّياطِينَ:﴾ مفعوله الأول ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعوله الثاني. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿دُونِ:﴾
مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّهُمُ..﴾. إلخ تعليل لخذلان من حقّ عليهم الضلالة. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وعليه ف: (إنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم... إلخ، والجار والمجرور بعد السبك متعلقان بالفعل: ﴿حَقَّ﴾. (يحسبون): فعل، وفاعل. ﴿إِنَّهُمُ:﴾ أن واسمها. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (يحسبون)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ البسوا ثيابكم، وتجملوا فيها إذا أردتم الصلاة في أي مسجد كان. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ الأمر للإباحة إلا ما سد الرمق، وأقام البدن؛ فإنه واجب. ﴿وَلا تُسْرِفُوا:﴾ بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام، والشره فيه. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ:﴾ لا يرتضي فعلهم.
стр. 1896
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في أمرين: الأول كانت المرأة في الجاهلية تطوف بالكعبة عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا؟ أي: شيئا تجعله على فرجها، وهي تقول: [الرجز]
اليوم يبدو بعضه أو كلّه... وما بدا منه فلا أحلّه
فأمر الله بني آدم عامة بلبس الثياب، والتجمل بها في كل مسجد دخلوه. وتقدم: أن ستر العورة واجب في غير الصلاة أيضا. والأمر الثاني: كان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فهمّ المسلمون بذلك، فأمرهم الله بالأكل الذي يقيم أودهم، ويحفظ صحتهم.
تنبيه: الإسراف: مجاوزة الحد، وهو مذموم في كل شيء، والمراد هنا: النهي عنه في الأكل، والشرب. والإسراف فيهما يكون بأحد أمرين.
الأول: المغالاة في ثمنهما. والثاني: المغالاة في تعاطيهما. فالأول أن يكلف العبد نفسه ما لا طاقة له به ماليّا؛ حيث لا يأكل إلا الطعام الفاخر؛ ووضعه المالي لا يتحمل هذا. ويدخل في ذلك المغالاة في اللباس الفاخر.
والأمر الثاني: يراد به التضلع في الطعام، والشراب. وهذا فوق: أنه إسراف في المال مضر بالصحة، والبدن، وقد أرشدنا الرسول المعظم ﷺ ، إلى الاعتدال في الأكل، والشراب، وفي ذلك ما يغني عن كلام الأطباء، بل ولا يحوج إلى الوقوف عليهم، فقال ﵊: «ما ملأ آدميّ وعاء شرّا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة؛ فثلاث لطعامه، وثلاث لشرابه، وثلاث لنفسه». أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب.
قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة؛ لعجب من هذه الحكمة. ويذكر: أنه كان للرشيد طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان! فقال له علي: قد جمع الطب كله في نصف آية من كتابنا، فقال له: ما هي؟ قال قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني:
ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب، فقال علي: جمع رسول الله ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة، قال: ما هي؟ قال: «المعدة بيت الأدواء، والحمية رأس كلّ دواء، وأعط كلّ جسد ما عوّدته».
فقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا نبيكم لجالينوس طبّا! وقال عبد الله بن عباس-﵄: كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومخيلة.
﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يعني: إن الله لا يحب من أسرف في المأكول، والمشروب، والملبوس. وفي هذه الآية وعيد شديد لمن أسرف في هذه الأشياء؛ لأن محبة الله تعالى عبارة
стр. 1897
عن رضاه عن العبد، وإيصال الثواب إليه، وإذا لم يحبه؛ علم أنه تعالى ليس راضيا عنه. انتهى خازن. وانظر الآية رقم [١٤١] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿يا بَنِي آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦]. ﴿خُذُوا:﴾ فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿زِينَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿مَسْجِدٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿خُذُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها، والجملتان ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):
ناهية جازمة. ﴿تُسْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للرسول ﷺ كسابقه، ولا حقه. والمعنى: قل لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة، والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم.
انتهى. خازن. ﴿زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ أي: من النبات، كالقطن، والكتان. ومن الحيوان، كالحرير، والصوف، ومن المعادن كالدروع انتهى. بيضاوي وغيره. ﴿وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ:﴾
المستلذات من المآكل، والمشارب. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس، وأنواع التجملات الإباحة؛ لأن الاستفهام في ﴿مَنْ﴾ للإنكار. ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ ويشركهم فيها المشركون، والملحدون، والفاسقون فهي لهم أصالة، ولغيرهم تبعا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ﴾. ﴿خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: الطيبات من الرزق من اختصاص المؤمنين في الآخرة، ولا حظّ لغيرهم فيها، بل على العكس يعذبون في نار جهنم العذاب الأليم، ويعاقبون العقاب الشديد. ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ..﴾. إلخ: أي: نبين الحلال، ونوضحه، ونبين الحرام، ونوضحه بيانا شافيا كافيا لقوم علموا: أني أنا الله وحدي، لا شريك لي، فأحلوا حلالي، وحرموا
стр. 1898
حرامي. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهِ:﴾
انظر الاستعاذة. ﴿لِعِبادِهِ:﴾ جمع: عبد، وهو يطلق على الإنسان حرّا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد أيضا، وعلى غيره. (الإيمان): انظر الآية رقم [١]. ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] (الأنعام) ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢] منها. ﴿الْآياتِ﴾ انظر الآية رقم [٩].
﴿لِقَوْمٍ:﴾ اسم جمع، لا واحد له من لفظه: مثل: نفر، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]
وما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟
وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ: (يا قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا.
تنبيه: الآية صريحة في إباحة الطيبات من الطعام، والشراب، والفاخر من الثياب، وقد أكل السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم الطيبات، وتمتعوا بالفاخر من الثياب، وإذا كان بعض الناس يقتّرون على أنفسهم وأولادهم في المأكول والمشروب مع القدرة، ويلبسون الخشن والرث من المتاع باسم الزهد والورع والتقوى، فإنه ليس من الإسلام في قليل ولا كثير، بل إنه إنكار وجحود لنعم الله تعالى، والله يحب أن يرى أثر نعمه على عباده، كما أنه جميل يحب من عباده أن يتجملوا، ولا سيما في بعض الحالات، وكثير من المناسبات كالجمع والأعياد، وزيارة الإخوان والأصدقاء. والتظاهر بالزهد عن طريق الخشونة في العيش، ولبس الثياب الخشنة مع سوء العمل لا يجدي فتيلا، كما أن تناول المستلذات من الطعام والشراب، ولبس الثياب الناعمة مع حسن العمل، وامتثال أوامر الله لا يضر قليلا ولا كثيرا، ورحم الله الشافعي إذ يقول: [الكامل]
حسّن ثيابك ما استطعت فإنّها... زين الرّجال بها تعزّ وتكرم
ودع التّخشّن في الثّياب تواضعا... فالله يعلم ما تسرّ وتكتم
فجديد ثوبك لا يضرّك بعد ما... تخشى الإله وتتّقي ما يحرم
ورثيث ثوبك لا يزيدك رفعة... عند الإله وأنت عبد مجرم
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿مَنْ﴾.
﴿زِينَةَ:﴾ مفعول به، و (هو) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿زِينَةَ اللهِ﴾. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾.
стр. 1899
﴿لِعِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي أخرجها الله لعباده. ﴿وَالطَّيِّباتِ:﴾
معطوف على: ﴿زِينَةَ اللهِ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ الرِّزْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (الطيبات) أو بمحذوف حال منه على اعتبار «ال» فيه للتعريف، أو بمحذوف صفة له، على اعتبار «ال» فيه للجنس، وجملة:
﴿حَرَّمَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ حَرَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هِيَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿خالِصَةً:﴾ بالنصب حال من الضمير المستتر في متعلق:
﴿لِلَّذِينَ﴾ إذ التقدير: هي مستقرة وثابتة للذين آمنوا... خالصة لهم يوم القيامة. هذا؛ وقد قرأ بالرفع نافع وحده، ويخرج على وجهين: أولهما على أنه خبر ثان للمبتدإ، وثانيهما على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي خالصة لهم. والظرف: ﴿يَوْمَ﴾ متعلق ب: ﴿خالِصَةً﴾ على الوجهين، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. خذ هذا الإعراب، وتوكل على الكريم الوهاب، ثم بعد ذلك أنقل لك ما قاله أبو البقاء بحروفه؛ لتكون على بصيرة من أمرك.
قال رحمه الله تعالى: ﴿هِيَ﴾ مبتدأ وفي الخبر ستة أوجه: أحدها: (خالصة) على قراءة من رفع، فعلى هذا تكون اللام متعلقة ب (خالصة) أي: هي خالصة لمن آمن في الدنيا، و ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ظرف ل ﴿خالِصَةً،﴾ ولم يمتنع تعلق الظرفين بها؛ لأن اللام للتبيين، والثاني ظرف محض، و ﴿فِي﴾ متعلقة ب ﴿آمَنُوا﴾. والثاني: أن يكون الخبر ﴿لِلَّذِينَ﴾ و (خالصة) خبر ثان، و ﴿فِي﴾ متعلقة ب ﴿آمَنُوا﴾. والثالث: أن يكون الخبر ﴿لِلَّذِينَ﴾. و ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ معمول الظرف الذي هو اللام، أي يستقر للذين آمنوا في الحياة الدنيا. و (خالصة): خبر ثان. والرابع:
أن يكون الخبر ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ و ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق ب ﴿خالِصَةً،﴾ والخامس أن تكون اللام حالا من الظرف الذي بعدها على قول الأخفش، والسادس أن تكون ﴿خالِصَةً﴾ نصبا على الحال على قراءة من نصب، والعامل فيها: ﴿لِلَّذِينَ،﴾ أو ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ إذا جعلته خبرا، وحالا، والتقدير: «هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، في حال خلوصها لهم يوم القيامة». أي: إن الزينة يشاركون فيها في الدنيا، وتخلص لهم في الآخرة. انتهى.
وقال مكي: وقد قال الأخفش: إن قوله: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ متعلق بقوله: ﴿أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ ف: ﴿أَخْرَجَ﴾ هو العامل في الظرف. وقيل: قوله: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ متعلق ب ﴿حَرَّمَ﴾ فهو العامل
стр. 1900
فيه. والمعنى على قول الأخفش: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده في الحياة الدنيا. وعلى قول غيره. قل: من حرم في الحياة الدنيا زينة الله؛ التي أخرج لعباده. انتهى. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، وتقدير الكلام: «نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل». ﴿نُفَصِّلُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم) والمفعول محذوف، التقدير: لقوم يعلمون ذلك، وهو من المعرفة لا العلم. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال). والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿حَرَّمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٥] (الأنعام) ﴿رَبِّيَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْفَواحِشَ:﴾ كبائر الذنوب، أو الزنى خاصة. ﴿ما ظَهَرَ مِنْها:﴾ ما يطلع عليه الناس منها. ﴿وَما بَطَنَ:﴾ الذي لم يطلع عليه أحد إلا الله تعالى. ﴿وَالْإِثْمَ:﴾ المعاصي، والمنكرات على جميع أنواعها، واختلاف درجاتها، فيكون من عطف العام على الخاص.
وقيل: الإثم صغائر الذنوب، فيكون من عطف الخاص على العام. هذا؛ وقد قيل: الإثم: اسم من أسماء الخمرة، وهو قول الحسن، وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمى الخمر إثما، واستدل عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر]
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول
وقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي: أن تسمية الخمر بالإثم صحيح؛ لأن شربها إثم.
وأنكر أبو بكر بن الأنباري تسمية الخمر بالإثم، قال: لأن العرب ما سمته إثما قط في جاهلية، ولا في إسلام، ولكن قد يكون الخمر داخلا تحت الإثم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. انتهى خازن. ﴿وَالْبَغْيَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] الأنعام ﴿الْحَقِّ:﴾ خلاف الباطل.
قال الراغب: أصل (الحق) المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على الاستقامة، و (الحق) يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى:
هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو الموت، والرزق، والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في
стр. 1901
نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق، وللفعل والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى بغدادي.
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ:﴾ الشرك: أن تجعل لله ندّا في العبادة، أو تصف إنسانا بصفة من صفات الله تعالى، أو تجعل لإنسان تأثيرا في فعل من أفعال الله تعالى. وهذا هو الشرك الظاهر، وهناك أنواع كثيرة من الشرك، منها: الرياء، وهو خفي لا يدركه إلا من منحه الله علما من عنده، وتوفيقا من هدايته. فعن محمود بن لبيد-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله! قال:
«الرّياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». رواه أحمد، والبيهقي. وعن شداد بن أوس-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقي. ﴿سُلْطاناً:﴾ حجة، وبرهانا. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأن تفتروا على الله الكذب، وتنسبوا إليه أمورا من غير علم عندكم بمعرفتها، بل هي تقوّل، وافتراء. وانظر شرح (سلطان) في الآية [٩٦] من سورة (هود).
تنبيه: قال الخازن: المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من الثياب، ويطوفون بالبيت عراة، ويحرمون أكل الطيبات مما أحل الله لهم: إن الله لم يحرم ما تحرمونه أنتم، بل أحله الله لعباده، وطيبه لهم، وإنما حرم الفواحش، من الأفعال، والأقوال، ظاهرها، وباطنها. عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، ولا أحد أحبّ إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه». متفق عليه. انتهى.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿حَرَّمَ:﴾
ماض. ﴿رَبِّيَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿الْفَواحِشَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب بدلا من: ﴿الْفَواحِشَ،﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. وعلى الاعتبار الثالث تؤول ﴿ما﴾ مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب بدلا من:
﴿الْفَواحِشَ،﴾ التقدير: «حرم ربي الفواحش ظاهرها، وباطنها». والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما حَرَّمَ..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْإِثْمَ﴾
стр. 1902
﴿وَالْبَغْيَ:﴾ معطوفان على ﴿الْفَواحِشَ﴾. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان ب: (البغي) لأنه مصدر. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تُشْرِكُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على: ﴿الْفَواحِشَ﴾ أي: وحرم الإشراك، أو الشرك. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُنَزِّلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُنَزِّلْ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور بالباء في: ﴿بِهِ﴾. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا:﴾ هو مثل: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾ وهو معطوف عليه بعد سبكه بمصدر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما لا تَعْلَمُونَ:﴾
انظر إعراب هذا في الآية رقم [٢٨] وقد حذف المفعول، كما في الآية السابقة.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿أُمَّةٍ:﴾ جماعة، وتكون واحدا؛ إذا كان يقتدى به. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾. وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ أي: على طريق، وملة، ودين، وكل جنس من الحيوان أمة. انظر الآية رقم [٦/ ٣٨]. والأمّة: الحين، والوقت، قال تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. وقال جل ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: إلى مدة.
﴿أَجَلٌ:﴾ الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة، والمراد به هنا: أجل الموت. وقيل:
أجل العذاب، والانتقام. وانظر الآية رقم [٦/ ٢] فإنك تجد ما يسرك. ﴿جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: إذا حل وقت عذابهم، وهلاكهم. وانظر: ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يعني: فلا يؤخرون، ولا يمهلون قدر ساعة، ولا أقل من ساعة. فالسين بالفعلين زائدة، كما تبين لك من الشرح. وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف.
وهذا حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى: أن لهم وقتا، فإذا جاء ذلك الوقت، وهو وقت إهلاكهم؛ فلا يؤخرون عنه، ولا يقدمون. هذا؛ ويمكن أن يراد به أجل الموت لكل إنسان. هذا؛ وكثيرا ما يطلق اسم الساعة على القيامة، وإطلاقها على القيامة؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] الآتية.
стр. 1903
الإعراب: (لكل): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (كل) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾
مضاف إليه. ﴿أَجَلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إذا): انظر الآية رقم [٢٨].
﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها.
﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ:﴾ إعرابه مثل سابقه، ومتعلقه محذوف لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، و (إذا) ومدخولها كلام مفرع عن الجملة الاسمية لا محل له مثلها؛ لأنها مستأنفة.
﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ «أتى» يستعمل لازما؛ إن كان بمعنى:
حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. ﴿رُسُلٌ:﴾ جمع: رسول، وهو ذكر، حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر بالتبليغ فهو نبي. وانظر عدد الأنبياء، والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٤] (النساء) و [٨٦] (الأنعام). هذا؛ و ﴿رُسُلٌ﴾ بضم الراء، والسين، ويجوز تسكين سينه، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: عسر، ويسر، وأسد، ورحم، وحلم... إلخ. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:﴾ يقرءون عليكم كتابي، وأدلة أحكامي، وشرائعي التي شرعت لعبادي. وانظر الآية رقم [٩]. ﴿اِتَّقى﴾ أي: الله، فامتثل أوامره، واجتنب نواهيه. وانظر الآية رقم [٢٥]. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: عمله. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الآخرة عند الفزع الأكبر، والهول الأعظم. ﴿يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما فاتهم في الدنيا، أو بما يسوءهم في الآخرة.
تنبيه: قال الخازن: وإنما قال: ﴿رُسُلٌ﴾ بلفظ الجمع، وإن كان المراد به واحدا، وهو النبي ﷺ ؛ لأنه خاتم الأنبياء، وهو مرسل إلى كافة الخلق، فذكره بلفظ الجميع على سبيل التعظيم، فعلى هذا يكون الخطاب في قوله: ﴿يا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ لأهل مكة، ومن يلحق بهم.
وقيل: أراد جميع الرسل، وعلى هذا فالخطاب عام في كل بني آدم، وإنما قال: ﴿مِنْكُمْ،﴾ يعني من جنسكم، ومثلكم من بني آدم؛ لأن الرسول إذا كان من جنسهم؛ كان أقطع لعذرهم، وأثبت للحجة عليهم؛ لأنهم يعرفونه، ويعرفون أحواله، فإذا أتاهم بما لا يليق بقدرته، أو بقدرة أمثاله؛
стр. 1904
علم: أن ذلك الذي أتى به معجزة له، وحجة على من خالفه. هذا؛ وفي قوله: ﴿اِتَّقى﴾ مراعاة لفظ (من)، وفي قوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ مراعاة معناها.
الإعراب: ﴿يا بَنِي آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٧]. ﴿إِمّا:﴾ هذه (إن) الشرطية ضمت إليها (ما) زائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى إن في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾. ﴿يَقُصُّونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَقُصُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رُسُلٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿فَمَنِ﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّقى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). (أصالح): ماض معطوف على ما قبله، وهو في محل جزم مثله، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال: «ليس»؛ لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾
مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فخبر المبتدأ محذوف، تقديره: حاصل أو موجود، والجملة الاسمية: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في محل جزم جواب الشرط. وانظر خبر المبتدأ الذي هو (من) في الآية رقم [٨] هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في محل رفع خبر، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى كلّ فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (إن) عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها كلام مبتدأ كالجملة الندائية قبلها. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: جحدوا الآيات، وأنكروها، وكذبوا رسلنا.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أي: استكبروا عن الإيمان بها. ﴿أَصْحابُ:﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى:
стр. 1905
المالك كما هنا، ويكون بمعنى: الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.
﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. هذا؛ وقد جعل المكذبون، والمستكبرون أصحاب النار، بمعنى مالكيها، لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في: أصحاب الجنة. ﴿خالِدُونَ:﴾
مقيمون لا يخرجون، ماكثون أبدا، لا يموتون، ولا يفنون. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وشرح (الآيات) في الآية رقم [٩].
الإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا﴾ و (استكبروا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الأولى صلة الموصول لا محل لها، والثانية معطوفة عليها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ (الذين) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها؛ لأنها قسيمة لها، أي مقابلة لها في المعنى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٢] الآتية.. ودخلت الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد، وهذا يؤكد اعتبار (من) اسما موصولا.
﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ أو من ﴿النّارِ﴾ نفسها، والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط على الاعتبارين الضمير، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ﴾. والأول أقوى.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم... إلخ، وذلك لجمعهم بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل: افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت، وتكذيبهم ما هو ثابت بالحجة.
أو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما؟! والأمر الأول:
هو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى. والأمر الثاني: هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات؛ التي أيد الله بها رسوله ﷺ . وانظر شرح (آية) في رقم [٩]. وقد راعى لفظ
стр. 1906
(من) في الجملتين الفعليتين، وراعى معناها في الجمل الآتية كلها. ﴿يَنالُهُمْ:﴾ يصيبهم. ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ:﴾ في هذا النصيب قولان: أحدهما: أن المراد به هو العذاب المعين لهم في الكتاب، والثاني أن المراد به ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة... إلخ، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ:﴾ المراد بالرسل: الملائكة؛ الذين يقبضون أرواح هؤلاء المفترين، والمكذبين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦/ ٦١] تجد ما يسرك. وانظر (جاء) في الآية رقم [٤] وانظر شرح: ﴿رُسُلُنا﴾ في الآية رقم [٣٥]. ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملائكة لهؤلاء المكذبين. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ هذا سؤال توبيخ، وتقريع، وتبكيت، لا سؤال استعلام.
والمعنى: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم. وانظر الإعلال مثل ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر: ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿ضَلُّوا عَنّا:﴾ غابوا عنا عند حاجتنا إليهم. وانظر الآية رقم [٦٠]. ﴿وَشَهِدُوا:﴾
اعترفوا وأقروا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [/١٣٠ ٦]. ﴿أَنْفُسِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. وانظر شرح (الكفر) في الآية رقم [٥/ ٣٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمَّنِ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿يَنالُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. ﴿نَصِيبُهُمْ:﴾
فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَصِيبُهُمْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَنالُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ:﴾
مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: (جاء) أو من مفعوله؛ لأن فيها ضميرين، الواو تعود إلى الفاعل، والهاء تعود إلى المفعول، واعتبارها من الفاعل أقوى، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٤]. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام معناه التوبيخ، مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف في محل رفع
стр. 1907
خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبره. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: «كنتم تدعونه... إلخ». والجملة الاسمية: ﴿أَيْنَ ما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب إذا لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿حَتّى﴾ لا محل له، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن أبا الحسن الأخفش يعتبر ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي لا يوافقه عليه أحد من النحويين. هذا؛ وجملة: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة سؤال جواب مقدر. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ) و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: «شهدوا على أنفسهم بكونهم كافرين». وينبغي أن تعلم: أن حذف الجار يطرد مع أن وأنّ، وجملة: ﴿وَشَهِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.
﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ ادْخُلُوا..﴾. إلخ: أي يقول الله يوم القيامة، أو أحد من الملائكة للكافرين:
﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ. هذا؛ وانظر «القول» في الآية [٥] والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوع هذا الكلام يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦] تجد ما يسرك. ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، والمراد بهم الجماعات، والأحزاب، وأهل الملل. وانظر شرح: ﴿أُمَّةٌ﴾ في الآية رقم [٣٣] وانظر شرح: ﴿أُمَمٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ٣٨]. ﴿خَلَتْ:﴾ مضت. وانظر إعلال: ﴿بَدَتْ﴾ في الآية رقم [٢١] فهو مثله. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ انظر شرح: ﴿الْجِنِّ﴾ في الآية رقم [٦/ ٧٦] وشرح: ﴿الْإِنْسِ﴾ في الآية رقم [٦/ ١١٢]. ﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أي:
النار، أو في النار. ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ أي: في الدين، والتي قبلها في الدخول، أو في التلبس بذلك
стр. 1908
الدين، فيلعن المشركون المتأخرون السابقين منهم، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس.
﴿اِدّارَكُوا فِيها﴾ أي: تداركوا، وتلاحقوا في النار. هذا؛ وأصل: ﴿اِدّارَكُوا:﴾ تداركوا، فأدغمت التاء في الدال، بعد قبلها دالا، وتسكينها، ثم اجتلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن. ولهذه الكلمة نظائر، مثل: ادكر، واطلع... إلخ، ﴿أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ:﴾ قال ابن عباس ﵄: يعني قال آخر كل أمة لأولها. وقال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وقال مقاتل: يعني: قال آخرهم دخولا النار، وهم الأتباع لأولاهم دخولا، وهم القادة؛ لأن القادة يداخلون النار أولا. انتهى. خازن.
و ﴿أُخْراهُمْ﴾ و (أولاهم) يحتمل أن يكون: «فعلى» أنثى «أفعل» الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشري: أخراهم منزلة، وهم الأتباع، والسفلة، لأولاهم منزلة، وهم القادة، والسادة، والرؤساء، ويحتمل أن تكون: (أخرى) بمعنى: آخرة، تأنيث: «آخر» مقابل «أول» لا تأنيث «آخر» الذي للمفاضلة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والفرق بين أخرى بمعنى آخرة، وبين أخرى تأنيث آخر بزنة أفعل للتفضيل: أن التي للتفضيل لا تدل على الانتهاء، كما لا يدل عليه مذكرها، ولذلك يعطف أمثالها عليها في نوع واحد، تقول: مررت بامرأة وأخرى وأخرى، كما تقول: برجل وآخر وآخر، وهذه تدل على الانتهاء، كما يدل عليه مذكرها، ولذلك لا يعطف أمثالها عليها، ولأن الأولى تفيد إفادة غير، وهذه لا تفيد إفادة غير، والظاهر في هذه الآية الكريمة أنهما ليستا للتفضيل، بل لما ذكرت لك. انتهى جمل نقلا عن السمين.
﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٢] لشرحه، والآية رقم [٢٢] لحذف (يا) منه. ﴿أَضَلُّونا:﴾ سنوا لنا الضلال، فاقتدينا بهم. وانظر الآية رقم [٦٠]. ﴿فَآتِهِمْ عَذاباً﴾ أي: أعطهم عذابا. هذا؛ وعذاب اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما.
وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿ضِعْفاً مِنَ النّارِ﴾ أي: ضاعف لهم عذاب النار؛ لأنهم ضلوا، وأضلوا. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأحزاب) وما بعدها. ﴿قالَ﴾ أي: الله: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي: لكل من القادة، والأتباع مضاعف العذاب، أما القادة؛ فبكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع، فبكفرهم، وتقليدهم.
هذا؛ و ﴿ضِعْفٌ﴾ بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه:
أمثاله، هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال:
هذا ضعف هذا، أي مثله؛ أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ لم يرد به مثلا، ولا مثلين، وأولى
стр. 1909
الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فأقل الضعف محصور، وهو المثل، وأكثره غير محصور. هذا؛ ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من: ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم قوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ:﴾
يقرأ بالتاء على الخطاب، ويقرأ بالياء على الغيبة، فيكون في الكلام التفات، والمعنى: لا يعلم كل فريق ما أعد الله تعالى من العذاب للفريق الآخر. وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿أُمَمٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَتْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿أُمَمٍ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثالثة ل ﴿أُمَمٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُمَمٍ﴾ بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اُدْخُلُوا﴾. ﴿كُلَّما:﴾ كل:
ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و (ما): مصدرية توقيتية. ﴿دَخَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أُمَّةٌ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: دخلت أمة النار، و (ما) والفعل: ﴿دَخَلَتْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت دخولها النار. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). وانظر مبحث: «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما): نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿لَعَنَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿أُخْتَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ متعلقة بجوابها، وهي ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هي في محل نصب حال من: ﴿النّارِ،﴾ والرابط المحذوف الذي قدرته. تأمل.
﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذَا:﴾ انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿اِدّارَكُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿اِدّارَكُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذَا﴾ إليها على القول
стр. 1910
المشهور المرجوح. ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أُخْراهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأُولاهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء فيه وفي سابقه ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وانظر الآية رقم [٢٣]. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَضَلُّونا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع المبتدأ، والجملة الاسمية والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذَا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذَا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له بعد ﴿حَتّى﴾ الابتدائية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] عن الأخفش.
﴿فَآتِهِمْ﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها، وأمثالها الفصيحة. (آتهم): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به أول. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿ضِعْفاً:﴾ صفته. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عَذاباً،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة:
﴿فَآتِهِمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فآتهم، وهذا الكلام داخل في مقول ﴿قالَتْ﴾. تأمل. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ تقديره هو. ﴿لِكُلٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ضِعْفٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾
فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول؛ لأنها معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:﴾ انظر الآية السابقة لشرح المفردات. وهو مشافهة ومخاطبة للأخرى. ﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ والمعنى: قد ثبت: أنه لا فضل لكم علينا، وإنا وإياكم متساوون في الضلال، واستحقاق العقاب. وهذه المحاورة بين القادة، والأتباع، والرؤساء، والسفلة مما يقع يوم القيامة، أو بعد دخولهم النار، ذكرها الله في سور كثيرة. انظر الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم)، والآية رقم [٤٧ و ٤٨] من سورة (غافر)، والآية [٢٣] من سورة (ق) وما بعدها. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ..﴾. إلخ.: هذا الكلام يحتمل أن يكون من قول القادة للأتباع،
стр. 1911
والأمة الأولى للأخرى التي بعدها. ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى، يعني: يقول الله للجميع: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. انتهى خازن وانظر شرح ﴿الْعَذابَ﴾ في الآية السابقة. وانظر إعلال مثل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر الاستعارة في الآية [١٤] من سورة (الأنفال).
الإعراب: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة. ﴿فَما:﴾ الفاء:
زائدة لتحسين اللفظ. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور:
﴿لَكُمْ﴾. وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿فَضْلٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، ولا أؤيده، ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة. ﴿فَضْلٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَتْ..﴾. إلخ معطوفة، ومرتبة على جواب الله ﴿لِأُخْراهُمْ،﴾ فلا محل لها إذا مثله. ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة كما في الآية السابقة. (ذوقوا):
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. ما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية (فعلى الأولين) مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا). ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَكْسِبُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كنتم تكسبونه. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كسبكم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا)، والجملة: ﴿فَذُوقُوا..﴾.
إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فذوقوا... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء زائدة؛ فلا شرط مقدر. وعلى الاعتبارين فالكلام في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الاحتمالين المذكورين في الشرح. والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ أي: لأدعيتهم، وأعمالهم؛ لأن الله يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أو لأرواحهم إذا ماتوا، كما تفتح لأدعية المؤمنين، وأعمالهم، ولأرواحهم. هذا؛ والفعل:
стр. 1912
﴿تُفَتَّحُ﴾ يقرأ بالتخفيف، والتشديد، وبالتاء، والياء، وبالبناء للمجهول، والبناء للمعلوم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ هي في الأصل: البستان من النخل، والشجر الكثير المتكاثف، الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه. وسميت دار الثواب جنة كما هنا؛ لما فيها من النعيم الذي لا ينفد. وجمع الجنة على جنات يدل على جنان كثيرة. مرتبة بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان.
﴿يَلِجَ:﴾ يدخل. وانظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٦] فهو مثله. ﴿الْجَمَلُ:﴾ قال البيضاوي: وقرئ: «(الجمّل)» كالقمّل، و «(الجمل)» كالنّفر، و «(الجمل)» كالقفل، و ﴿الْجَمَلُ﴾ كالنّصب، و «(الجمل)» كالحبل. وهي الحبل الغليظ من القنب. وقيل: حبل السفينة، ولا يقال للبعير: جمل إلا إذا بزل. وقيل: لا يقال له ذلك إلا إذا بلغ أربع سنين، وهو السن الذي يقال له فيه: «حق»، وقبله يقال له: «حوار» ثم «فصيل» ثم «ابن مخاض» ثم «ابن لبون» وفي الخامسة:
«جذع» وفي السادسة: «ثني» وفي السابعة: «رباع» وفي الثامنة: «سديس» وفي التاسعة: «بازل» وفي العاشرة: «مخلف» وليس بعد البزول، والإخلاف سن، بل يقال: بازل عام، أو عامين، ومخلف عام، أو عامين حتى يهرم، فيقال له: «عود». انتهى جمل. هذا؛ والجمل حيوان معروف يكون بسنام، أو بسنامين، وجمعه: جمال وأجمال، وجمل، وجمالة (بتثليث الجيم) وجمع الجمع: جمالات بتثليث الجيم، وجمائل. ولم يذكر لفظه في غير هذه السورة.
﴿سَمِّ الْخِياطِ:﴾ السم مثلث السين لغة، لكن السبعة على الفتح، وقرئ شاذّا بالكسر والضم. انتهى جمل. وفي المصباح: السم: ما قتل بالفتح في الأكثر، وجمعه: سموم، مثل:
فلس وفلوس، وسمام أيضا، مثل: سهم، وسهام، والضم لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، والسم: ثقب الإبرة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه: سمام. انتهى. ﴿الْخِياطِ،﴾ ومثله:
المخيط: الآلة التي يخاط بها على وزن: فعال ومفعل، كإزار، ومئزر، ولحاف، وملحف، وقناع، ومقنع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والمراد ب: ﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾ ثقب الإبرة.
قال الخازن: وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات؛ لأنه أكبر من سائرها عند العرب، فجسم الجمل من أعظم الأجسام، وثقب الإبرة من أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا، فكذلك دخول الكفار الجنة محال، وهذا كقولك:
لا آتيك حتى يشيب الغراب، ويبيضّ القارّ، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
إذا شاب الغراب أتيت أهلي... وصار القار كاللّبن الحليب
انتهى خازن بتصرف. وإن كنت من أهل المعاني؛ فهاك قول الشاعر: [الطويل]
ولو أنّ ما بي من جوى وصبابة... على جمل لم يدخل النار كافر
стр. 1913
﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ الكافرين؛ لأنه تقدم من صفتهم: أنهم كذبوا بآيات الله، واستكبروا عنها.
وهذه صفة الكفار، ولا تنس: أن كثيرا من المسلمين مجرمون، ولكن الجرائم تختلف من شخص إلى شخص. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٣٦]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُفَتَّحُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.
﴿أَبْوابُ:﴾ نائب فاعله، ويقرأ بالنصب على أنه مفعول به، فيكون الفاعل مستترا، تقديره: «هي» يعود إلى الملائكة، وقيل: إلى الآيات، وعلى قراءة الياء يعود إلى (الله) و ﴿أَبْوابُ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماءِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة:
﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها، وهي اسمية. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر الآية رقم [١٩]. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَلِجَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾. ﴿الْجَمَلُ:﴾ فاعله. ﴿فِي سَمِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من: ﴿الْجَمَلُ،﴾ أي داخلا في سم، و ﴿سَمِّ:﴾ مضاف، و ﴿الْخِياطِ:﴾ مضاف إليه، و «أن» المضمرة والفعل: ﴿يَلِجَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تُفَتَّحُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي المجرمين جزاء كائنا مثل جزاء المكذبين المستكبرين. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.
هذا؛ والاستئناف ممكن؛ إذ الجملة بمنزلة التذييل لما قبلها، المقصود منها الوعيد كما رأيت.
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٤١)﴾
الشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للمكذبين، والمستكبرين. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ هي النار التي يعذب فيها من ذكر.
وانظر دركات النار في الآية رقم [٤/ ١٤٥]. ﴿غَواشٍ:﴾ أغطية من النار جمع: غاشية، وهو الغطاء كاللحاف، ونحوه، والمهاد: الفراش. ومعنى الآية: أن النار محيطة بهم من تحتهم، ومن فوقهم. هذا؛ ولا تنس: أنه قد يراد بالغاشية: القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾. هذا؛ وإعلال: ﴿غَواشٍ﴾ مثل إعلال: ﴿لَآتٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ١٣٤] والفارق بينهما: أن تنوين ﴿غَواشٍ﴾ تنوين عوض عن الياء المحذوفة. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ يعني:
стр. 1914
وكذلك نكافئ، ونجازي المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦/ ١٤٦]. وانظر (جزى) في الآية رقم [١٢٠] منها أيضا.
تنبيه: قال البيضاوي: عبر عنهم (أي عن المشركين) بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى، إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة، وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على أنه أعظم الإجرام (أي: الجرائم).
الإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستقر في الخبر المحذوف. ﴿مِهادٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَواشٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ:﴾ فإعراب هذه الجملة ومحلها مثل ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ في الآية السابقة بلا فارق.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٢]. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ أي: طاقتها، وقدرتها في ذلك، وذكره عقيب الإيمان والعمل الصالح؛ ليبين: أن المطلوب من الأعمال ما سهل فعله، وما فيه عسر، ومشقة فلسنا مكلفين بفعله، وغير مؤاخذين بتركه. ويدخل في هذا الباب جميع الرخص في الإسلام، كقصر الصلاة للمسافر، والفطر في رمضان للمريض والمسافر، وغير ذلك مما هو مشهور، ومعروف في الفقه الإسلامي. هذا؛ وقرئ: «(لا تكلف نفس إلا وسعها)». وانظر شرح: ﴿نَفْساً﴾ في الآية رقم [٩]. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٣٦] ما عدا ﴿الْجَنَّةِ،﴾ انظر شرحها في الآية رقم [٤٠] هذا؛ والتكليف: ما فيه كلفة، وقد يكون فيه جهد، ومشقة. وانظر الآية رقم [٢/ ٢٨٦] و [٦/ ١٥٢]. وانظر (نا) في الآية رقم [٦].
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ هو معطوف على ما في الآيتين السابقتين، ومقابل له؛ إذ اقتضت حكمة الله تعالى، ورحمته أن لا يذكر التكذيب من الكافرين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين؛ ولا يذكر الكفر؛ إلا ويذكر الإيمان، ولا يذكر النار؛ إلا ويذكر
стр. 1915
الجنة، ولا يذكر الغضب، والسخط إلا ويذكر الرضا، والرحمة؛ ليكون المؤمن خائفا راجيا، وراهبا راغبا... إلخ.
الإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] فهو مثله، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُكَلِّفُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:
«نحن»، ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، و (ها):
ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف: (تكلّف) مضارع مبني للمجهول، و (نفس) نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وعلى القراءتين فالجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر، لا محل لها. وجوز أبو البقاء اعتبارها خبرا أول، وهو ضعيف. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ..﴾. إلخ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣٦] والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في الآية [٤٠].
﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: وأخرجنا ما في صدور المؤمنين من حسد، وحقد، وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم دون بعض. ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، ودفعها من أن ترد على القلب، حتى يكون القلب خاليا من كل غش. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
روي عن علي-كرم الله وجهه-: أنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾. وروي عنه أيضا: أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير منهم. هذا؛ و (الغل) بالمعنى المذكور بكسر الغين، وهو بضمها القيد من الحديد، وحرارة العطش أيضا. هذا؛ و «الغلول» من المغنم خاصة، لا من الخيانة، ولا من الحقد. انظر الآية رقم [٣/ ١٦١]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ أي: من تحت قصورهم، ومساكنهم؛ التي يسكنونها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنة،
стр. 1916
وأنهار الدنيا! هذا؛ ويجمع النهر على: أنهر ونهر ونهور، وهاء «النهر» تسكن وتفتح. فبعد أن بين الله: أنه نزع ما في قلوبهم من حقد؛ أخبر بما أنعم به عليهم من اللذات، والمسرات.
﴿وَقالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ انظر الآية الأولى من سورة (الفاتحة).
والمعنى: إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة؛ حمدوا الله الذي وفقهم للإيمان، وأرشدهم للعمل؛ الذي هذا ثوابه، وما كان لهم هذا لولا توفيق الله، وهدايته. وفي الآية دليل على أن المهتدي من هداه الله، ومن لم يهده الله؛ فليس بمهتد: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾. ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ أي: ثبت لنا أن ما وعد به الرسل من الثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين أنه حق واقع. ﴿جاءَتْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿رُسُلُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥].
﴿رَبِّنا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿وَنُودُوا﴾ أي: نادى مناد، واختلف في هذا المنادي، فقيل: هو الله. وقيل: الملائكة. ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها..﴾. إلخ:
أي: هذه الجنة التي استحققتم الدخول فيها بسبب عملكم الصالح في الدنيا.
فعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ نادى مناد: إنّ لكم أن تحيوا، فلا تموتوا أبدا، وإنّ لكم أن تصحّوا، فلا تسقموا أبدا، وإنّ لكم أن تشبّوا، فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبأسوا أبدا». فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ..﴾. إلخ.
وروى أبو هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأمّا الكافر؛ فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنّة». فذلك قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقيل: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ عن الأعمال الصالحة؛ التي عملتموها؛ لأن الجنة جعلت لهم جزاء، وثوابا على الأعمال. ولا يعارض هذا القول ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله، وإنّما يدخلها برحمة الله».
فإنّ دخول الجنة برحمة الله، وانقسام المنازل، والدرجات بالأعمال.
الإعراب: (نزعنا): فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [١٠]. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ غِلٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والجملة الفعلية:
﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية:
﴿وَنَزَعْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾
стр. 1917
اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة، أو بدل من: ﴿اللهُ﴾. ﴿هَدانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. و (نا): مفعول به.
﴿لِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا):
ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿لِنَهْتَدِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، التقدير: وما كنا مريدين للاهتداء، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من (نا) الدالة على الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ في محل رفع مبتدأ، التقدير: لولا هداية الله، وخبر هذا المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة، والجملة الاسمية هذه قائمة مقام شرط ﴿لَوْلا،﴾ وجوابها محذوف، دل عليه ما قبله. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿جاءَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُ رَبِّنا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، (نودوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿تِلْكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿أُورِثْتُمُوها:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والميم علامة جمع الذكور. وحركت بالضم للإشباع، فتولدت واو الإشباع. و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وقيل: ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجنة، والعامل في الحال اسم الإشارة. والأول أقوى.
وعلى اعتبار الحال يجب تقدير: «قد» قبل الجملة الفعلية، والجملة الاسمية: ﴿أَنْ تِلْكُمُ..﴾. إلخ مفسرة لقوله: (نودوا) لا محل لها. وانظر الآية التالية. والجملة الفعلية: ﴿وَنُودُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ المعطوفة بدورها على جملة (نزعنا...) إلخ لا محل لها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، والجملة الاسمية: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وأيضا القسم المقدر، وجوابه كله في محل نصب مقول القول. ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ انظر إعراب: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الآية رقم [٣٩] فالإعراب واحد بلا فارق بينهما.
стр. 1918
﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ..﴾. إلخ: أي: نادى أهل الجنة أهل النار. وهذا النداء، إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا..﴾. إلخ: يعني: ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به، وبرسله، وطاعته. ﴿حَقًّا﴾ أي: ثابتا موجودا. ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ أي: ما وعدكم به ربكم من العقاب على ألسنة الرسل، وذلك بسبب الكفر. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿نَعَمْ:﴾ حرف جواب كأجل، وجير، وإي، وبلى. ونقيضها: لا. و «نعم» تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ:﴾ قيل: المؤذن إسرافيل. وقيل: غيره من الملائكة. هذا؛ والأذان:
الإعلام، والمعنى: نادى مناد أسمع الفريقين: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ نازلة ﴿عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر. بعد هذا انظر شرح: ﴿أَصْحابُ﴾ في الآية رقم [٣٦] و ﴿الْجَنَّةِ:﴾ في الآية رقم [٤٠].
﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿رَبُّنا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿حَقًّا:﴾ انظر الآية رقم [٣٣].
﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] من سور (المائدة).
﴿وَعَدَنا:﴾ فلا بد من شرح الوعد، والتوسع به هنا، فأقول-وبالله التوفيق-: إذا قلت:
وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعد به؛ كان ذلك شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد: [الطويل]
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل «وعد» في الخير، وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. ومن الثاني قوله جل شأنه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وأنشدوا: [الطويل]
إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما
كما يستعمل (أوعد) فيهما أيضا، كقولك: «أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا». هذا؛ والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم. هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما، وعند الماتريدية لا يجوز. وأما الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا. دليل الأشاعرة قول
стр. 1919
النبي ﷺ : «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا؛ فهو بالخيار، إن شاء؛ عذّبه، وإن شاء؛ عفا عنه».
﴿لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ:﴾ المراد بالظالمين الكفار؛ الذين استحقوا العذاب المقيم في جهنم.
هذا؛ وقد كرر الله لعن الكفار في الآية الكريمة رقم [٢/ ١٦١] انظرها. وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين. وأما الأحياء من الكفار؛ فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في الآية [٢/ ١٦١] إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار، أي جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ :
«لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، فباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله، وأما العصاة من المسلمين، فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق، فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات... إلخ، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السارق، يسرق البيضة والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك، وكل هذا في الصحيح. هذا؛ ومعنى اللعن: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى.
والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَنادى:﴾ الواو: استئنافية. (نادى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المقصورة للتعذر. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَصْحابُ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ﴾ مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وَعَدَنا:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف التقدير: الذي أو شيئا وعدنا ربنا إياه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: وجدنا وعد ربنا. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ وَجَدْنا..﴾. إلخ مفسرة للفعل نادى لا محل لها، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، وهي تؤول مع اسمها المحذوف وخبرها بمصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو هو مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: نادى أصحاب... إلخ بوجداننا ما وعدنا... إلخ، واعتبار ﴿أَنْ﴾ مخففة يقال بقوله تعالى ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ..﴾. إلخ في الآية السابقة، والجملة الفعلية: ﴿وَنادى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف
стр. 1920
استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ فإعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها، وهي مستأنفة لا محل لها مثلها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿نَعَمْ:﴾ حرف جواب مبني على السكون في محل نصب مقول القول، وذلك على سبيل الحكاية، وجملة: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَذَّنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أذن):
ماض. ﴿مُؤَذِّنٌ:﴾ فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل، أو ب: ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿لَعْنَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مفسرة لا محل لها، وعلى اعتبار: ﴿أَنْ﴾ مخففة فاسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبرها، و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر... إلخ، انظر ما قبله، وجملة: ﴿فَأَذَّنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقرئ: «(إنّ)» بكسر الهمزة، وتشديد النون، ونصب: (لعنة) وعليه: فالجملة الاسمية مقولة لقول محذوف.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿يَصُدُّونَ:﴾ يمنعون، ويصرفون. وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضوان، ويميلون، كما في قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ويأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. ومصدر الأولين: صدّ، وصدود، ومصدر الأخير صديد. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه، وشريعته. هذا؛ و (السبيل) الطريق يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾. ومن التأنيث قوله تعالى ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث سبول، وعلى التذكير: سبل، كما في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً:﴾ يطلبون لها اعوجاجا، وميلا عن القصد، والاستقامة، وذلك بمنعهم الناس عن الدخول في الإسلام. وأنث الضمير على اعتبار (السبيل) مؤنثة.
هذا؛ و (العوج) بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج (بالكسر) وفي الجدار عوج (بالفتح). ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بها: الحياة التي يحياها الإنسان مرة ثانية بعد الموت، وبعد البعث، والحساب، والجزاء، وتكون في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، أو عمل سيئا. ﴿كافِرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦] الآتية. هذا؛ فالآية الكريمة تبين مدى كفر القرشيين، وتماديهم في الضلال، فإنهم لا يكتفون بكفرهم، وضلالهم، بل يحاولون منع الناس عن الدخول في دين الله. وانظر ذم علماء اليهود؛ لسلوكهم هذا الطريق في الآية رقم [٩٩] من سورة (آل عمران).
стр. 1921
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ أو بدل منه، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، تقديره: خاسرون، أو خائبون، ونحوهما. أو في محل نصب بفعل محذوف.
و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
(يبغونها): فعل، وفاعل ومفعول به أول، وقد كان الضمير مجرورا بحرف الجر، فلما حذف الجار اتصل بالفعل وانتصب به، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. ﴿عِوَجاً:﴾ مفعول به ثان على التوسع. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير مفعول به صراحة، و ﴿عِوَجاً﴾ حال من الضمير، بمعنى معوجة، ولا بأس به. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. (هم):
ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بما بعدهما.
﴿كافِرُونَ:﴾ خبر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من الاستئناف. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ:﴾ بين الجنة، والنار. وقيل: بين أهليهما حجاب، أي: ساتر، أو حاجز يحجز بينهما، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾. والأعراف أعالي السور المذكور، وهو جمع: عرف، وهو كل مرتفع، ومنه قيل: عرف الديك، لارتفاعه على ما سواه من الجسد، وهو بضم العين، والعرف: المعروف، قال تعالى لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾. هذا؛ والعرف (بفتح العين): الريح طيبة كانت، أو منتنة. ﴿رِجالٌ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشهامة، وغيرهما. وقد اختلف في هؤلاء الرجال اختلافا كبيرا، وأرجّح: أنهم رجال استوت حسناتهم، وسيئاتهم، وهم من أهل التوحيد، فيوقفون على هذا السور، يتفضل الله عليهم بدخول الجنة.
ومساق الآيات الآتية يؤكد هذا. ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ:﴾ أولئك الرجال يعرفون كلاّ من أهل الجنة، وأهل النار بالعلامات التي تكون على وجوههم، فعلامات أهل الجنة بياض الوجوه، وبهجة النعيم عليهم. وعلامات أهل النار سواد الوجوه، وزرقة العيون. ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: ينادي أولئك الرجال أهل الجنة، ويقولون لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حصل لكم السلامة من الآفات، وحصل لكم الأمن من غضب الله، وسخطه، وحصل لكم الأمن من دخول النار. ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أي: أولئك الرجال لم يدخلوا الجنة، وهم لا يزالون على الأعراف، ولكنهم طامعون في دخولها، لم يقطعوا أملهم من كرم الله، وجوده. هذا؛ وإعلال: (نادوا) شبيه بإعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٤]:
стр. 1922
﴿أَصْحابَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿الْجَنَّةِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٠]. هذا؛ والطمع: نزوع النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله. وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم، والتعبير بالماضي بقوله:
﴿وَنادَوْا﴾ عن المستقبل؛ لتحقق وقوعه. وانظر الآية رقم [١١٠] (المائدة) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿وَبَيْنَهُما:﴾ الواو: حرف استئناف. (بينهما): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿حِجابٌ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِجالٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿يَعْرِفُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْرِفُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة:
﴿رِجالٌ﴾. (نادوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَصْحابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ:﴾
مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَنادَوْا..﴾. إلخ:
معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع صفة مثلها، وساغ ذلك؛ لأن الفعل بمعنى المستقبل كما رأيت. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، وساغ الابتداء به، وهو نكرة؛ لأنه بمعنى الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مفسرة ل (نادوا) لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر أن المخففة... إلخ، على نحو ما رأيت في الآية [٤٤].
﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَدْخُلُوها:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، و (ها): مفعوله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة. وقيل: من ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ،﴾ والأول أقوى. (هم): ضمير منفصل مبتدأ، وجملة: ﴿يَطْمَعُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ:﴾ صرفت أبصار الرجال المحبوسين على الأعراف. ﴿تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ﴾ أي: جهتهم، وحيالهم، فنظروا إليهم، وإلى سواد وجوههم، وما هم فيه من العذاب. ﴿قالُوا رَبَّنا..﴾. إلخ أي: قالوا مستغيثين ومستجيرين ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالشرك. هذا؛ و ﴿تِلْقاءَ﴾ يستعمل ظرف مكان كما هنا، ويستعمل مصدرا كالتبيان، ولم يجيء من المصادر على التفعال بالكسر غير: التلقاء والتبيان والزلزال والوسواس، وإذا فتحت الأول صارت أسماء. هذا؛ و ﴿تِلْقاءَ﴾ يقرأ بالمد، والقصر قراءتان سبعيتان. هذا؛ ولم أعثر على فعل ل ﴿تِلْقاءَ﴾
стр. 1923
على الاعتبارين: المصدرية والاسمية. هذا؛ وهمزته بالمد منقلبة عن ياء (تلقاي) لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين. ﴿أَصْحابِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٦].
﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿الْقَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).
تنبيه: قال الخازن في تفسير الآية رقم [٤٤]: فإن قلت: إذا كانت الجنة في السماء، والنار في الأرض؛ فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء؟ أو كيف يصح أن يقع؟ قلت: إن الله تعالى قادر على أن يقوي الأصوات، والأسماع، فيصير البعيد كالقريب. انتهى.
قال سليمان الجمل: ويحتمل: أنه تعالى يقرب إحدى الدارين من الأخرى، إما بإنزال العليا، وإما برفع السفلى، فإن قلت: كيف يرى أهل الجنة أهل النار، وبالعكس مع أن بينهما حجابا؛ وهو سور الجنة؟ أجيب باحتمال: أن سور الجنة لا يمنع الرؤية لما وراءه لكونه شفافا كالزجاج، وباحتمال: أن فيه طاقات تحصل الرؤية منها. انتهى.
أقول: إن ما قاله الخازن بعيد كل البعد، وما قاله الجمل أقرب إلى الصواب، فإن نص الآية السابقة: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ..﴾. إلخ يفيد: أنهما متجاورتان، والآيات رقم [٥٠] إلى [٦٠] من سورة الصافات تؤكد هذا كل التأكيد، فإن قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: نظر المؤمن إلى صديقه الكافر الذي كان ينفي البعث بعد الموت، والحساب... إلخ فرآه في وسط جهنم، فوبخه، وأنبه على ما كان يقوله له في الدنيا، ويبقى وجودهما في الآخرة في أي مكان متجاورتين من مكنونات علم الله تعالى، على أننا نعتقد بوجودهما في الدنيا في مكان لا نعرفه، والدليل على ذلك قوله تعالى في حق فرعون، وأشياعه. ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ وقال الرسول المعظم: «إذا جاء رمضان؛ فتّحت أبواب الجنة، وغلّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين». رواه الشيخان عن أبي هريرة، ﵁. خذ هذا التحقيق، فإنه دقيق، وادع الله لي بالتوفيق.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿صُرِفَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تِلْقاءَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿صُرِفَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
وانظر الآية رقم [٥]. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة.
وانظر الآية رقم [٢٣]. ﴿لا:﴾ دعائية جازمة. ﴿تَجْعَلْنا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَعَ:﴾
стр. 1924
مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملتان: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً:﴾ من أصحاب النار، كانوا عظماء في الدنيا، فينادونهم على السور بأسمائهم، ويقولون لهم وهم في النار: يا وليد بن المغيرة، يا أبا جهل بن هشام، يا فلان، يا فلان. انتهى خازن. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ وهي سواد الوجوه، وزرقة العيون. ﴿قالُوا ما أَغْنى..﴾.
إلخ. يقولون لهم لم ينفعكم جمع المال، أو كثرتكم شيئا يذكر. ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لم ينفعكم استكباركم عن الإيمان، وعن الحق الذي جاء به محمد ﷺ . هذا؛ وقد قرئ:
«(تستكثرون)» بالثاء بدل الباء من الكثرة. هذا؛ والتعبير بالماضيين بدل المضارعين لتحقق وقوع ذلك يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦]. ﴿أَصْحابُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿الْأَعْرافِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦]. ﴿رِجالاً:﴾ انظر الآية [٤٦]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿كُنْتُمْ:﴾
انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله.
الإعراب: (نادى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْأَعْرافِ:﴾ مضاف إليه. ﴿رِجالاً:﴾ مفعول به. ﴿يَعْرِفُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رِجالاً﴾. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
وانظر الآية رقم [٥]. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَغْنى:﴾ ماض مبني على فتح... إلخ. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمْعُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما أَغْنى..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول. هذا؛ وجوز اعتبارا ﴿ما﴾ استفهامية، فهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿أَغْنى..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ تفسير (نادى...) إلخ لا محل للتفسير، ولا للمفسر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:
﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، و ﴿ما﴾ المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على: ﴿جَمْعُكُمْ﴾. وانظر الشرح. هذا؛ واعتبار: ﴿ما﴾ هنا موصولة، أو موصوفة ضعيف بجانب اعتبارها مصدرية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 1925
﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ضعفاء المسلمين، وذلك؛ لأن أهل النار يرون أهل الجنة، وأصحاب الأعراف ينظرون إلى الفريقين، فيشير أصحاب الأعراف لضعفاء المؤمنين الذين كانوا يعذبون في الدنيا من قبل المشركين، كصهيب، وبلال، وسلمان، وخباب، وأشباههم، ويقولون للمشركين: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ. ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ:﴾ هذا من مقول أصحاب الأعراف لأهل الجنة المستضعفين في الدنيا، فيكون التفاتا من خطاب قوم إلى خطاب آخرين.
وقيل: الأمر لأصحاب الأعراف أنفسهم، والقائل هو الله، أو الملائكة، وذلك بعد أن حبسوا، وأبصروا الفريقين، وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا. وقيل: لما عيروا أصحاب النار، وأنّبوهم؛ أقسم أصحاب النار: أن أصحاب الأعراف لا يداخلون الجنة، فقال الله، أو بعض الملائكة:
﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ..﴾. إلخ. وهو ضعيف، تأمل. وقرئ في الشاذ: «(دخلوا الجنة») بصيغة الماضي.
﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ. انظر الآية رقم [٣٥].
الإعراب: ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (هؤلاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَقْسَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنالُهُمُ:﴾
مضارع مرفوع، والهاء مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِرَحْمَةٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية جواب ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ لا محل لها، والقسم والجواب صلة الموصول، والعائد الضمير المنصوب، والجملة الاسمية: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ل: ﴿قالُوا﴾ في الآية السابقة، وهذا على اعتباره من مقول أصحاب الأعراف، أو لقول محذوف على أن القائل هو الله، أو الملائكة لأصحاب الأعراف. وقد رأيت ضعفه. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩]. وعلى القراءة الشاذة فهو ماض مثل: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٣٥] والجملتان في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير فيهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول للمذكور في الآية السابقة، أو لقول محذوف، كما رأيت.
هذا؛ وعلى اعتبار الجملة ماضوية؛ فهي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ.
стр. 1926
﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار في الفرج، فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم، ونكلمهم، فيأذن لهم، فينظرون إلى قراباتهم في الجنة، وما هم فيه من النعيم، فيعرفونهم، وينظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار، فلم يعرفوهم لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، فينادي الرجل أباه، وأخاه، فيقول:
قد احترقت، أفض علي من الماء! فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾. وهذا الجواب يفيد الحرمان.
قال بعضهم: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل، والشرب؛ عذبهم الله في الآخرة بشدة الجوع، والعطش، فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا، فأجيبوا بالتحريم، والمنع، والحرمان. ﴿أَصْحابُ﴾: انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿النّارِ﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿الْجَنَّةِ﴾ انظر الآية رقم [٤٠]. ﴿أَفِيضُوا﴾: صبوا، والإفاضة: الصب، وهو هنا من الرباعي. وانظره من الثلاثي في الآية رقم [٨٣] من سورة (المائدة). ﴿الْماءِ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿اللهُ﴾:
انظر الاستعاذة. ﴿قالُوا﴾: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿حَرَّمَهُما﴾: انظر: ﴿مُحَرَّماً﴾ في الآية رقم [٦/ ١٤٥]. ﴿الْكافِرِينَ﴾: انظر الكفر في الآية رقم [٦٦] الآتية.
الإعراب: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٣].
﴿أَنْ﴾: مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿أَفِيضُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة:
﴿أَفِيضُوا..﴾. إلخ مفسرة للفعل: (نادى...) إلخ، أو هي في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف. وينبغي أن تعلم أنه قد مر معك مثل هذه في خمسة مواضع، وهي: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ،﴾ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا،﴾ ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ..﴾. إلخ، ﴿أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وفي هذه المواضع كلها يجوز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة، ومخففة من الثقيلة، ولكنني أقول: إن صح في الآيات السابقة الاعتباران، فإنه يبدو لي اعتبار المخففة في هذه الآية ضعيفا؛ لأن الجملة الواقعة خبرا لها طلبية إنشائية، وهذا لا يجيزه كثير من المحققين. والجملة الفعلية: (نادى...) إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤٧] لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿مِنَ الْماءِ﴾. وهذا
стр. 1927
لا يصح إلا بتضمين: ﴿أَفِيضُوا﴾ معنى: ألقوا إذا كان المراد من ذلك الطعام؛ لأن الطعام لا يفاض، وإنما الإفاضة للماء. هذا؛ وقد قيل: إن المراد: مما رزقكم الله من سائر الأشربة المباحة غير الماء، فيبقى الفعل: ﴿أَفِيضُوا﴾ على بابه من غير تضمين حينئذ. هذا؛ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزق الله إياكم ما تشتهون. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها.
﴿حَرَّمَهُما﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية مع المتعلق في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.
﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً﴾: كتحريم البحيرة، والسائبة... إلخ، والتصفيق حول الكعبة، والصفير أيضا، وغير ذلك مما لا أصل له. هذا؛ وانظر شرح (الدين) في الآية رقم [/١٦١ ٦] واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع. واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي: شغلتهم بالطمع في طول العمر، وحسن العيش، والحياة، ونيل الشهوات. وانظر الآية رقم [٦/ ٢٩] لشرح الحياة الدنيا. ﴿نَسُوا﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿فَالْيَوْمَ﴾:
انظر الآية رقم [٦/ ١٢٨]. هذا؛ ومعنى ﴿نَنْساهُمْ﴾ أي: من رحمتنا، أو هو بمعنى: نعاقبهم على سوء أعمالهم، ونجازيهم على فساد عقيدتهم. وذكره بما ترى للمشابهة بما كانوا يفعلون؛ لأن الله منزه عن النسيان، وهذا يسمى في فن البلاغة مشاكلة، وهو كثير في القرآن الكريم، كقوله جل ذكره: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾. ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ أي: نسوا يوم القيامة، والعمل له، والاستعداد للقائه بالإيمان والعمل الصالح والتوبة والإنابة. ﴿بِآياتِنا﴾: انظر شرحها في الآية رقم [٩]. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام كفر به. وهو من باب: فتح. هذا؛ والمراد ب: (اليوم) و ﴿يَوْمِهِمْ هذا﴾ يوم القيامة؛ الذي يبعثون فيه للحساب والجزاء.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه ما جاز بنظيره في الآية رقم [٤٥]. ﴿اِتَّخَذُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿دِينَهُمْ﴾: مفعول به أول،
стр. 1928
و (الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿لَهْواً﴾: مفعول به ثان. ﴿وَلَعِباً﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿وَغَرَّتْهُمُ﴾: الواو: حرف عطف. (غرتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْحَياةُ﴾: فاعل. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿فَالْيَوْمَ﴾:
الفاء: زائدة، أو حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿نَنْساهُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿نَسُوا﴾: فعل، وفاعل، ﴿لِقاءَ﴾: مفعول به، و ﴿لِقاءَ﴾: مضاف، و ﴿يَوْمِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِهِمْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ننساهم اليوم نسيانا كائنا مثل نسيانهم لقاء يومهم هذا، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى جمل نقلا عن السمين. والجملة الفعلية: ﴿نَنْساهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ في وجه من أوجه إعرابه، فتكون الفاء زائدة في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر عطفا على المصدر المؤول السابق؛ إذ التقدير: كنسيانهم، وكونهم جاحدين. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧] تأمل، وتدبر وربك أعلم.
﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ أي: الكفار من أهل مكة، وغيرهم. ﴿بِكِتابٍ﴾: المراد به: القرآن الكريم. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: بينا معانيه من العقائد، والأحكام، والمواعظ، والحلال، والحرام، والقصص، والوعد، والوعيد، والمحكم، والمتشابه، كما قال بعضهم.
ذاكرا ما اشتمل عليه القرآن الكريم: [الطويل]
حلال حرام محكم متشابه... بشير نذير قصّة عظة مثل
стр. 1929
هذا؛ وقرئ «(فضلناه)» بالضاد من الفضل. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: عالمين بوجه تفصيله؛ حتى جاء حكيما، وفيه دليل على أن الله عالم بعلم، أو مشتملا على علم. انتهى بيضاوي. ﴿هُدىً﴾:
انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩١]. ﴿وَرَحْمَةً﴾: ذا رحمة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: انظر الآية رقم [٣٢].
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر لطيفة في الآية [٢٠٣] الآتية، فإنها جيدة.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿جِئْناهُمْ﴾: فعل، وفاعل ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿بِكِتابٍ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (كتاب). ﴿عَلى عِلْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (نا). ﴿هُدىً﴾: حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وهو بمعنى: هاديا، أو: ذا هدى، وجوز اعتباره مفعولا لأجله.
(رحمة): معطوف على ما قبله. هذا؛ وقد قرئ بالرفع على أنه، وسابقه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو هدى، وهو رحمة، وتكون الجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وأجاز الكسائي، والفراء فيهما الخفض، يجعلانهما بدلا من: ﴿عِلْمٍ،﴾ وهذا لم يثبت قراءة، وإن جاز عربية، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني، لدلالة الأول عليها، أو بالعكس، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم).
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: هل ينتظر كفار قريش، ومن على شاكلتهم الذين كذبوا بآيات الله.
﴿إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾: الضمير يعود إلى (كتاب) المذكور في الآية السابقة، وتأويله: تحقيق وقوع ما وعدوا به من العذاب، والخزي في الدنيا، والانتقام في نار جهنم في الآخرة، وهو ما وعدوا به في القرآن، وعلى لسان الرسول ﷺ . وتأويل الشيء: ما يؤول إليه، وهو بمعنى: تفسيره، وتوضيحه. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: يوم يتحقق الذي وعدوا به، ويرونه بأعينهم، ويلمسونه بأيديهم.
وهذا يكون في يوم القيامة. بالإضافة، لما لحقهم من الذل، والهوان في الدنيا. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾
стр. 1930
نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ أي: تركوا العمل بما في القرآن، وجعلوه نسيا منسيّا. ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ أي: ثبت لنا أن ما جاءت به الرسل، وما وعدوا به من الثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين:
أنه حق واقع. فهذا إقرار منهم، واعتراف بكفرهم، ولكن لا ينفعهم، ذلك الإقرار، والاعتراف، وإنما أقروا بهذه الأشياء؛ لأنهم شاهدوا نتائجها معاينة.
﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾: بعد معاينة العذاب، ووقوعه فيهم، فهم يتمنون أحد الأمرين: الأول: وجود شفيع يشفع لهم عند ربهم؛ لينقذهم مما ألم بهم. والأمر الثاني: الرجوع، إلى الدنيا؛ ليؤمنوا، ويتوبوا من كفرهم، ويعملوا الأعمال الصالحات؛ التي ترضي الله تعالى. وكلا الأمرين محال. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: أهلكوا أنفسهم بسبب كفرهم في الدنيا، وما طلبوه من أحد الأمرين لا يحصل لهم، بل لو فرض وقدر رجوعهم إلى الدنيا؛ لعادوا لما كانوا عليه من الكفر، والعصيان لسابق علم الله تعالى فيهم: أنهم أصحاب النار. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم، وذهب ما كانوا يزعمونه في الدنيا من أن الأصنام التي يعبدونها تشفع لهم.
بعد هذا انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] و «القول» في الآية رقم [٥] وإعلال: ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿جاءَتْ﴾: انظر الآية رقم [٤]. ﴿رُسُلُ﴾: انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّنا﴾: انظر الآية رقم [٢]. ﴿بِالْحَقِّ﴾: انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿شُفَعاءَ﴾: جمع شفيع. هذا؛ والشفاعة التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس. والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك:
ولك مثل ذلك». فذلك النصيب الذي ذكره الله في الآية رقم [٤/ ٨٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩]. ﴿وَضَلَّ﴾: انظر الآية رقم [٦/ ٢٤] وانظر (غير) في سورة (الفاتحة).
الإعراب: ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل، وفاعل. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿تَأْوِيلَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَقُولُ،﴾ وجملة: ﴿يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل، وفاعل. ﴿نَسُوهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿نَسُوهُ،﴾ وقد بني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا﴾: مضاف
следующие страницы →