Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار في الفرج، فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم، ونكلمهم، فيأذن لهم، فينظرون إلى قراباتهم في الجنة، وما هم فيه من النعيم، فيعرفونهم، وينظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار، فلم يعرفوهم لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، فينادي الرجل أباه، وأخاه، فيقول:
قد احترقت، أفض علي من الماء! فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾. وهذا الجواب يفيد الحرمان.
قال بعضهم: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل، والشرب؛ عذبهم الله في الآخرة بشدة الجوع، والعطش، فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا، فأجيبوا بالتحريم، والمنع، والحرمان. ﴿أَصْحابُ﴾: انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿النّارِ﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿الْجَنَّةِ﴾ انظر الآية رقم [٤٠]. ﴿أَفِيضُوا﴾: صبوا، والإفاضة: الصب، وهو هنا من الرباعي. وانظره من الثلاثي في الآية رقم [٨٣] من سورة (المائدة). ﴿الْماءِ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿اللهُ﴾:
انظر الاستعاذة. ﴿قالُوا﴾: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿حَرَّمَهُما﴾: انظر: ﴿مُحَرَّماً﴾ في الآية رقم [٦/ ١٤٥]. ﴿الْكافِرِينَ﴾: انظر الكفر في الآية رقم [٦٦] الآتية.
الإعراب: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٣].
﴿أَنْ﴾: مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿أَفِيضُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة:
﴿أَفِيضُوا..﴾. إلخ مفسرة للفعل: (نادى...) إلخ، أو هي في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف. وينبغي أن تعلم أنه قد مر معك مثل هذه في خمسة مواضع، وهي: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ،﴾ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا،﴾ ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ..﴾. إلخ، ﴿أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وفي هذه المواضع كلها يجوز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة، ومخففة من الثقيلة، ولكنني أقول: إن صح في الآيات السابقة الاعتباران، فإنه يبدو لي اعتبار المخففة في هذه الآية ضعيفا؛ لأن الجملة الواقعة خبرا لها طلبية إنشائية، وهذا لا يجيزه كثير من المحققين. والجملة الفعلية: (نادى...) إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤٧] لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿مِنَ الْماءِ﴾. وهذا
стр. 1927
لا يصح إلا بتضمين: ﴿أَفِيضُوا﴾ معنى: ألقوا إذا كان المراد من ذلك الطعام؛ لأن الطعام لا يفاض، وإنما الإفاضة للماء. هذا؛ وقد قيل: إن المراد: مما رزقكم الله من سائر الأشربة المباحة غير الماء، فيبقى الفعل: ﴿أَفِيضُوا﴾ على بابه من غير تضمين حينئذ. هذا؛ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزق الله إياكم ما تشتهون. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها.
﴿حَرَّمَهُما﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية مع المتعلق في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.
﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً﴾: كتحريم البحيرة، والسائبة... إلخ، والتصفيق حول الكعبة، والصفير أيضا، وغير ذلك مما لا أصل له. هذا؛ وانظر شرح (الدين) في الآية رقم [/١٦١ ٦] واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع. واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي: شغلتهم بالطمع في طول العمر، وحسن العيش، والحياة، ونيل الشهوات. وانظر الآية رقم [٦/ ٢٩] لشرح الحياة الدنيا. ﴿نَسُوا﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿فَالْيَوْمَ﴾:
انظر الآية رقم [٦/ ١٢٨]. هذا؛ ومعنى ﴿نَنْساهُمْ﴾ أي: من رحمتنا، أو هو بمعنى: نعاقبهم على سوء أعمالهم، ونجازيهم على فساد عقيدتهم. وذكره بما ترى للمشابهة بما كانوا يفعلون؛ لأن الله منزه عن النسيان، وهذا يسمى في فن البلاغة مشاكلة، وهو كثير في القرآن الكريم، كقوله جل ذكره: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾. ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ أي: نسوا يوم القيامة، والعمل له، والاستعداد للقائه بالإيمان والعمل الصالح والتوبة والإنابة. ﴿بِآياتِنا﴾: انظر شرحها في الآية رقم [٩]. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام كفر به. وهو من باب: فتح. هذا؛ والمراد ب: (اليوم) و ﴿يَوْمِهِمْ هذا﴾ يوم القيامة؛ الذي يبعثون فيه للحساب والجزاء.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه ما جاز بنظيره في الآية رقم [٤٥]. ﴿اِتَّخَذُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿دِينَهُمْ﴾: مفعول به أول،
стр. 1928
و (الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿لَهْواً﴾: مفعول به ثان. ﴿وَلَعِباً﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿وَغَرَّتْهُمُ﴾: الواو: حرف عطف. (غرتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْحَياةُ﴾: فاعل. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿فَالْيَوْمَ﴾:
الفاء: زائدة، أو حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿نَنْساهُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿نَسُوا﴾: فعل، وفاعل، ﴿لِقاءَ﴾: مفعول به، و ﴿لِقاءَ﴾: مضاف، و ﴿يَوْمِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِهِمْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ننساهم اليوم نسيانا كائنا مثل نسيانهم لقاء يومهم هذا، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى جمل نقلا عن السمين. والجملة الفعلية: ﴿نَنْساهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ في وجه من أوجه إعرابه، فتكون الفاء زائدة في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر عطفا على المصدر المؤول السابق؛ إذ التقدير: كنسيانهم، وكونهم جاحدين. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧] تأمل، وتدبر وربك أعلم.
﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ أي: الكفار من أهل مكة، وغيرهم. ﴿بِكِتابٍ﴾: المراد به: القرآن الكريم. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: بينا معانيه من العقائد، والأحكام، والمواعظ، والحلال، والحرام، والقصص، والوعد، والوعيد، والمحكم، والمتشابه، كما قال بعضهم.
ذاكرا ما اشتمل عليه القرآن الكريم: [الطويل]
حلال حرام محكم متشابه... بشير نذير قصّة عظة مثل
стр. 1929
هذا؛ وقرئ «(فضلناه)» بالضاد من الفضل. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: عالمين بوجه تفصيله؛ حتى جاء حكيما، وفيه دليل على أن الله عالم بعلم، أو مشتملا على علم. انتهى بيضاوي. ﴿هُدىً﴾:
انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩١]. ﴿وَرَحْمَةً﴾: ذا رحمة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: انظر الآية رقم [٣٢].
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر لطيفة في الآية [٢٠٣] الآتية، فإنها جيدة.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿جِئْناهُمْ﴾: فعل، وفاعل ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿بِكِتابٍ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (كتاب). ﴿عَلى عِلْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (نا). ﴿هُدىً﴾: حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وهو بمعنى: هاديا، أو: ذا هدى، وجوز اعتباره مفعولا لأجله.
(رحمة): معطوف على ما قبله. هذا؛ وقد قرئ بالرفع على أنه، وسابقه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو هدى، وهو رحمة، وتكون الجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وأجاز الكسائي، والفراء فيهما الخفض، يجعلانهما بدلا من: ﴿عِلْمٍ،﴾ وهذا لم يثبت قراءة، وإن جاز عربية، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني، لدلالة الأول عليها، أو بالعكس، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم).
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: هل ينتظر كفار قريش، ومن على شاكلتهم الذين كذبوا بآيات الله.
﴿إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾: الضمير يعود إلى (كتاب) المذكور في الآية السابقة، وتأويله: تحقيق وقوع ما وعدوا به من العذاب، والخزي في الدنيا، والانتقام في نار جهنم في الآخرة، وهو ما وعدوا به في القرآن، وعلى لسان الرسول ﷺ . وتأويل الشيء: ما يؤول إليه، وهو بمعنى: تفسيره، وتوضيحه. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: يوم يتحقق الذي وعدوا به، ويرونه بأعينهم، ويلمسونه بأيديهم.
وهذا يكون في يوم القيامة. بالإضافة، لما لحقهم من الذل، والهوان في الدنيا. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾
стр. 1930
نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ أي: تركوا العمل بما في القرآن، وجعلوه نسيا منسيّا. ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ أي: ثبت لنا أن ما جاءت به الرسل، وما وعدوا به من الثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين:
أنه حق واقع. فهذا إقرار منهم، واعتراف بكفرهم، ولكن لا ينفعهم، ذلك الإقرار، والاعتراف، وإنما أقروا بهذه الأشياء؛ لأنهم شاهدوا نتائجها معاينة.
﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾: بعد معاينة العذاب، ووقوعه فيهم، فهم يتمنون أحد الأمرين: الأول: وجود شفيع يشفع لهم عند ربهم؛ لينقذهم مما ألم بهم. والأمر الثاني: الرجوع، إلى الدنيا؛ ليؤمنوا، ويتوبوا من كفرهم، ويعملوا الأعمال الصالحات؛ التي ترضي الله تعالى. وكلا الأمرين محال. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: أهلكوا أنفسهم بسبب كفرهم في الدنيا، وما طلبوه من أحد الأمرين لا يحصل لهم، بل لو فرض وقدر رجوعهم إلى الدنيا؛ لعادوا لما كانوا عليه من الكفر، والعصيان لسابق علم الله تعالى فيهم: أنهم أصحاب النار. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم، وذهب ما كانوا يزعمونه في الدنيا من أن الأصنام التي يعبدونها تشفع لهم.
بعد هذا انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] و «القول» في الآية رقم [٥] وإعلال: ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿جاءَتْ﴾: انظر الآية رقم [٤]. ﴿رُسُلُ﴾: انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّنا﴾: انظر الآية رقم [٢]. ﴿بِالْحَقِّ﴾: انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿شُفَعاءَ﴾: جمع شفيع. هذا؛ والشفاعة التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس. والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك:
ولك مثل ذلك». فذلك النصيب الذي ذكره الله في الآية رقم [٤/ ٨٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩]. ﴿وَضَلَّ﴾: انظر الآية رقم [٦/ ٢٤] وانظر (غير) في سورة (الفاتحة).
الإعراب: ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل، وفاعل. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿تَأْوِيلَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَقُولُ،﴾ وجملة: ﴿يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل، وفاعل. ﴿نَسُوهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿نَسُوهُ،﴾ وقد بني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا﴾: مضاف
стр. 1931
إليه، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُ رَبِّنا﴾ وجملة:
﴿قَدْ جاءَتْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَهَلْ﴾: الفاء: حرف استئناف. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه التمني هنا. ﴿لَنا،﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شُفَعاءَ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجر اللفظي لم يظهر؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿فَيَشْفَعُوا﴾: مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على اسم صريح، وهو ﴿شُفَعاءَ،﴾ والمعنى:
نتمنى شفعاء، فشفاعة منهم لنا. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نُرَدُّ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: فهل لنا من شفعاء، أو هل نرد، ورافعه وقوعه موقعا يصالح للاسم، أو الجملة معطوفة على تقدير: هل يشفع لنا شافع أو هل نرد. انتهى. نسفي. هذا؛ وقرئ الفعل:
«(نردّ)» بالنصب عطفا على المنصوب قبله. ﴿فَنَعْمَلَ﴾: مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية في جواب الاستفهام، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على ما تقدم تقديره. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع على تقدير: فنحن نعمل، وعليه فالجملة الفعلية خبر لهذا المقدر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿نُرَدُّ﴾ بحالة رفعه، وهي مستأنفة لا محل لها بحالة نصب: (نردّ). ﴿غَيْرَ﴾: مفعول به، و ﴿غَيْرَ﴾:
مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص، مبني على السكون، و (نا): اسمها، وجملة: ﴿نَعْمَلُ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي كنا نعمله. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرُوا﴾: فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا..﴾. إلخ وهذه الجملة المقدرة مستأنفة لا محل لها. (ضل): ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (ضل). ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر كان، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
الذي أو شيء كانوا يفترونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم.
стр. 1932
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿رَبَّكُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١]. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي: في ستة أوقات، أو في مقدار ستة أيام، فإن اليوم المتعارف عليه: من زمان طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن حينئذ. وفي خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على خلقها دفعة دليل للاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور وانظر شرح اليوم في الآية رقم [٦/ ١٢٨]. هذا؛ وقد ذكر في كثير من الآيات: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾. هذا؛ وما ذكر من أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، وخلق يوم الأحد كذا، وخلق يوم الإثنين كذا، كل ذلك لم يثبت. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ:﴾ استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا لا يليق به تعالى.
﴿الْعَرْشِ:﴾ قال الراغب في كتابه: (مفردات القرآن): وعرش الله مما لا يعلمه البشر، إلا بالاسم على الحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له. تعالى الله عن ذلك. انتهى خازن.
هذا؛ وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا: فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام، المحيط بكلها. وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢/ ٢٥٥]. والمنقول عن جعفر الصادق والحسن، وأبي حنيفة، ومالك-﵃: إن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة. انتهى نسفي. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ:﴾ يغطي به. ولم يذكر عكسه للعلم به. أو لأن اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ بنصب «الليل» ورفع «(النّهار)»، وقال النسفي: يلحق الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقرئ بتشديد الشين.
وانظر شرح (الليل) و (النهار) في الآية رقم [٦/ ٩٦]. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً:﴾ يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ:﴾ مذللات بقضائه، وتصريفه. وتقرأ هذه الأسماء بالنصب، والرفع. ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي: هو الذي خلق الأشياء، وله الأمر، فإنه الموجد، والمتصرف، وفي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله، ، وفيه ردّ على من يقول: إن للشمس، والقمر، والكواكب تأثيرات في هذا العالم. ﴿تَبارَكَ:﴾ تنزه الله عن كل ما لا يليق به.
وقال الخازن: تمجد، وتعظم، وارتفع. وهذا الفعل لم يأت منه مضارع، ولا أمر. ﴿الْعالَمِينَ:﴾
стр. 1933
جمع: عالم (بفتح اللام) وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا وعليه أفضل صلاة وسلام-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قال: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ خبرها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة، أو بدل من: ﴿اللهُ﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد.
﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم بالإلحاق. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقَ،﴾ و ﴿سِتَّةِ:﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُغْشِي:﴾
مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به أول. ﴿النَّهارَ:﴾
مفعول به ثان، والأول في المعنى فاعلا، والثاني مفعولا. والعكس صحيح، كما في قولك (أعطيت زيدا عمرا) والجملة الفعلية: ﴿يُغْشِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿خَلَقَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وعلى قراءة «(يغشى)» بفتح الياء، ورفع (الليل) على أنه فاعله، ونصب ﴿النَّهارَ﴾ على أنه مفعوله، فالجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَطْلُبُهُ:﴾
مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللَّيْلَ،﴾ والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. ﴿حَثِيثاً:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يطلبه طلبا حثيثا. أو هو حال بمعنى: حاثّا، وجملة:
﴿يَطْلُبُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿اللَّيْلَ،﴾ وعند التأمل يظهر لك: أن الأحوال الكثيرة متداخل بعضها في بعض. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿السَّماواتِ؛﴾ إذ التقدير: «خلق الشمس...» إلخ. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾ حال من: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مُسَخَّراتٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الأسماء: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ..﴾.
إلخ بالرفع، ف (الشمس) مبتدأ و (القمر والنجوم) معطوفان عليه، والخبر: ﴿مُسَخَّراتٍ،﴾ وتكون الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْخَلْقُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿وَالْأَمْرُ:﴾ معطوف عليه عطف مفرد على مفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
стр. 1934
﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿رَبُّ:﴾ صفة، أو بدل منه، و ﴿رَبُّ:﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ولا تنس: أن الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ إذ هي بمنزلة التذييل للكلام السابق المراد منها تمجيد الله، وتقديسه. ﷻ ، وتعالى شأنه.
﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ:﴾ قيل: معناه: اعبدوه. والأصح: أنه بمعنى السؤال، والدعاء، والطلب، وهو نوع من العبادة، بل هو مخ العبادة، كما ورد عن الرسول المعظم ﷺ ، وذلك لأن الداعي لا يقدم على الدعاء. إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وهو عاجز عن تحصيله، وعرف: أن ربه تبارك، وتعالى يسمع الدعاء، ويعلم حاجته، وهو قادر على إيصالها إلى الداعي، فعند ذلك يعرف نفسه بالعجز، والنقص، ويعرف ربه بالقدرة، والكمال.
﴿رَبَّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿تَضَرُّعاً:﴾ تذللا، واستكانة، خشوعا، وخضوعا. ﴿وَخُفْيَةً﴾ أي: سرّا في أنفسكم، وهو أفضل من الجهر في الدعاء؛ لأنه دليل الإخلاص، اسمع قوله تعالى في مدح زكريا-﵇: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾.
فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ : «أيّها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّا، ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». قال أبو موسى-﵁: وأنا خلفه أقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم» في نفسي.
فقال: «يا عبد الله بن قيس، ألا أدلّك على كنز من كنوز الجنّة، قلت: بلى يا رسول الله! قال:
لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم». متفق عليه. هذا؛ وقد قرئ: «(خفية)» بضم الخاء، وكسرها. والمعنى يتغير كما هو واضح؛ إذ معنى الأول: السر، والخفاء، ومعنى الثاني: الخوف، والوجل. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ:﴾ المجاوزين ما أمروا به في الدعاء، وغيره. نبه به على أن الداعي لا ينبغي له أن يطلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء. وقيل: هو الصياح في الدعاء، والإسهاب فيه. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٨٦] من سورة (البقرة).
فعن النبي ﷺ : «سيكون قوم يعتدون في الدّعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهمّ إنّي أسألك الجنّة، وما قرّب إليها من قول، وعمل، وأعوذ بك من النّار، وما قرّب إليها من قول وعمل».
انتهى بيضاوي. وانظر الآية رقم [١٨٠]. هذا؛ وعدم محبة الله للمعتدين كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. وانظر الآية رقم [٢٩]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 1935
الإعراب: ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿تَضَرُّعاً:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: متضرعين. وقيل: هو مفعول لأجله. ﴿وَخُفْيَةً:﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وجملة: ﴿اُدْعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ إعراب هذه الجملة، ومحلها مثل: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الآية رقم [٣١].
﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر، والمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله تعالى، وإضرار الناس، كما فعل الأخنس. انظر الآية رقم [٢/ ٢٠٥]. ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أي:
ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، وتبيين الحلال، والحرام. ﴿وَادْعُوهُ:﴾ اسألوه، واطلبوا حوائجكم، قلّت، أو كثرت، عظمت، أم صغرت من الله وحده، فهو يجيب دعوة الداعين.
﴿خَوْفاً:﴾ أصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل.
وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى: التنقص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. يروى: أن الفاروق-﵁-قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى:
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص.
قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟، قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السفن
فقال عمر-﵁: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى:
العلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً..﴾. إلخ. الآية رقم [٢/ ١٨٢]. وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ الآية رقم [٢/ ٢٢٩]. ﴿وَطَمَعاً:﴾ الطمع: توقع محبوب يحصل في المستقبل. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ:﴾ أصل الرحمة: رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتستعمل تارة في الرقة المجردة عن الإحسان، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة، وإذا وصف بها الباري- -فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة، فرحمة الله-جل علاه-عبارة عن الإفضال، والإنعام على عباده، وإيصال الخير إليهم. وقيل: هي إرادة إيصال الخير والنعمة إلى عباده، فعلى القول الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال، وعلى القول الثاني تكون من صفات الذات. انتهى خازن.
стр. 1936
وكون الرحمة قريبة من المحسنين؛ لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا، وإقبال على الآخرة، وإذا كان كذلك؛ كان الموت أقرب إليه من الحياة، وليس بينه وبين رحمة الله-التي هي الثواب في الآخرة-إلا الموت، وهو قريب من الإنسان. انتهى خازن.
وانظر الآية رقم [١٥٦]. والمحسنون: هم الذين أحسنوا المعاملة مع الله، ومع عباده.
هذا؛ و ﴿قَرِيبٌ﴾ مذكر، و ﴿رَحْمَتَ﴾ مؤنث، وهو خبر عنها، وقد ذكر المفسرون أقوالا كثيرة في هذا التذكير، لا طائل تحتها، كما ذكر أبو البقاء، ومكي تأويلات، لا تكاد تكون مقبولة. واذكر أن الخبر ذكّر؛ لأن ﴿رَحْمَتَ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه. وقد أشار الجلال إلى ذلك. واكتساب التذكير من المضاف إليه، واكتساب التأنيث من المضاف إليه أيضا باب من أبواب النحو. انظر الشاهد [٩٠١] وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُفْسِدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿إِصْلاحِها:﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (ادعوه): فعل أمر وفاعله، ومفعوله. وانظر مثله في الآية السابقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿خَوْفاً:﴾ حال من واو الجماعة، بمعنى: خائفين. وقيل: مفعول لأجله. ﴿وَطَمَعاً:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَحْمَتَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بقريب، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ:﴾ يبعثها. ويقرأ: «(الريح)» بالإفراد. هذا؛ وذكر سبحانه في الآية رقم [٢/ ١٦٤]: أن من الآيات الدالة على قدرته تصريف الرياح، وتصريفها تقليبها شمالا وجنوبا، وقبولا ودبورا، فالشمال: هي التي تهب من جانب القطب الشمالي، والجنوب تقابلها، والقبول (بفتح القاف) وهي ريح الصّبا (بفتح الصاد) وهي التي تهب من مطلع الشمس، والدبور (بفتح الدال) تقابلها، وهي التي تأتي من جهة مغرب الشمس.
стр. 1937
قال الرسول ﷺ : «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». هذا؛ والريح: الهواء المسخر بين السماء، والأرض، وأصله: الروح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل الريح، والأكثر في الريح التأنيث، وقد تذكر على معنى الهواء قال تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ،﴾ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة والقوة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح وهبوبها. ويقال: هبت رياح بني فلان: إذا دالت الدولة لهم، ونفذ أمرهم.
﴿بُشْراً:﴾ جمع: بشير، وهو بضم الباء، وسكون الشين، ويقرأ بضمتين. انظر ما ذكرته في ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ ويقرأ: «(نشرا)» بضم النون، وضم الشين، وسكونها على أنه جمع: نشور بمعنى: ناشر، كطهور بمعنى: طاهر، ويجوز أن يكون جمع: نشور بمعنى:
منشور، ويقرأ: «(نشرا)» بفتح النون وسكون الشين، على أنه مصدر نشر بعد الطي، والقراءات كلها سبعية، كما يقرأ: «(بشرى)» على وزن: حبلى، أي: ذات بشارة، وكما يقرأ: «(بشرا)» بفتح الباء، وسكون الشين، وهو مصدر: بشرته إذا بشرته.
وعن عبد الله بن عمر-﵄: (إن الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي:
القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات والذاريات). ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ:﴾ يعني أمام المطر الذي هو رحمته، وإنما سماه رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض. هذا؛ و ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ بمعنى: أمام، وقدام، مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وخذ ما يأتي فعن أبي: هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«الريح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه.
﴿أَقَلَّتْ:﴾ حملت، ورفعت. ﴿سَحاباً ثِقالاً﴾ أي: بالماء لثقله، والسحاب: الغيم، جمع: سحابة مشتق من السحب؛ لأنه يجر بعضه بعضا. ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ:﴾ جلت قدرة الله، فالريح تسوق الغيوم بأمره إلى حيث شاء. انظر آية (النور) رقم [٤٣] ففيها تفصيل لذلك.
هذا؛ وقد حصل في الكلام التفات من الغيبة إلى جمع المتكلم، انظر الآية رقم [٦/ ٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] ومعنى ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ:﴾ لسقيه وإحيائه بالمطر. وقد ذكر سبحانه في كثير من الآيات: أن المطر يحيي الأرض الميتة؛ أي التي لا نبات فيها بالنبات. هذا؛ وقال الليث: البلد كل موضع من الأرض، عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة منها بلدة، والجمع:
بلاد، زاد غيره: والمفازة تسمى بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن. قال الأعشى: [البسيط]
وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ بالليل في حافاتها زجل
وقال جران العود: [الرجز]
وبلدة ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلاّ العيس
стр. 1938
وانظر شرح: ﴿مَيِّتٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ٩٥] وهو يقرأ هنا بالتشديد، والتخفيف. ﴿بِهِ:﴾
الأول يحتمل فيه عود الضمير على: ﴿لِبَلَدٍ،﴾ أو على: ﴿سَحاباً﴾. ويحتمل في ﴿بِهِ﴾ الثاني ما ذكر، ويزيد عليه عود الضمير على: ﴿الْماءَ﴾. قال السمين: ولا ينبغي أن يعدل عنه. وانظر شرح: ﴿الْماءَ﴾ في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى:﴾ والمعنى: أن إخراجنا التمر الرطب من الخشب اليابس هو مثل إخراجنا الناس من قبورهم يوم القيامة للحساب، والجزاء.
قال الخازن: واختلفوا في وجه التشبيه، فقيل: إن الله تعالى، كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر، كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضا. قال أبو هريرة، وابن عباس ﵄: «إنّ النّاس إذا ماتوا في النفخة الأولى؛ أمطر الله تعالى عليهم ماء من تحت العرش، يدعى ماء الحيوان أربعين يوما، فينبتون، كما ينبت الزّرع من الماء... إلخ». انتهى بتصرف. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون، وتنتصحون، وقد حذف منه إحدى التاءين؛ لأن أصله:
تتذكرون، وهذا الحذف كثير شائع في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي. وانظر الترجي في الآية رقم [٢٥]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿يُرْسِلُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿بُشْراً:﴾ حال من ﴿الرِّياحَ﴾.
وقيل: مفعول مطلق، وهذا على قراءته بالنون؛ لأن أرسل، وأنشر متقاربان في المعنى. ﴿بَيْنَ:﴾
ظرف مكان متعلق ب ﴿بُشْراً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و ﴿يَدَيْ:﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَتِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرْسِلُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة.
﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿أَقَلَّتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر يعود إلى: ﴿الرِّياحَ﴾. ﴿سَحاباً:﴾ مفعول به. ﴿ثِقالاً:﴾ صفة: ﴿سَحاباً،﴾ وجملة:
﴿أَقَلَّتْ..﴾. إلخ في محل جر بالإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿سُقْناهُ:﴾
فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] والجملة الفعلية جواب:
﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وانظر رأي الأخفش في الآية رقم [٣٧]. ﴿لِبَلَدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَيِّتٍ:﴾ صفة (بلد)، وجملة: ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ﴾ معطوف على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله، وكذلك جملة: ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ والجار والمجرور: ﴿بِهِ﴾ في الجملتين متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿كُلِّ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال
стр. 1939
المحل بحركة حرف الجر الزائد، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿الثَّمَراتِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقد قال الجمل: ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، أو ابتدائية. ولا معنى لهما هنا، كما هو ظاهر. وقال الخازن يعني:
وأخرجنا بذلك البلد بعد موته، وجد به من أصناف الثمار، والزروع. وهذا لا يفيد في الإعراب، والمرجح ما أعربته لك. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، وتقدير الكلام: نخرج الموتى من قبورهم إخراجا كائنا مثل إخراج الثمرات من الخشب اليابس. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نُخْرِجُ:﴾
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة، ومحلها هو مثل: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٥].
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ:﴾ الأرض الكريمة التربة السهلة السمحة. ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ:﴾ بأمره، وتيسيره حسنا جيدا مثمرا؛ لأنه مقابل لما بعده. هذا؛ وانظر: ﴿وَالْبَلَدُ﴾ في الآية السابقة، وإعلال: ﴿الطَّيِّبُ﴾ مثل إعلال: ﴿الْمَيِّتِ﴾ في الآية رقم [٩٥] (الأنعام). هذا؛ ويقرأ:
«يخرج» بالبناء للمعلوم، والبناء للمجهول، فالأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي، ورفع:
﴿نَباتُهُ﴾ على القراءتين، كما يقرأ بالبناء للمعلوم من الرباعي، ونصب: ﴿نَباتُهُ﴾ وانظر شرح:
﴿رَبِّهِ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي: خبث ترابه، وأرضه، فهي سبخة لا تنبت. ﴿إِلاّ نَكِداً﴾ أي: عسيرا، وبمشقة، وكلفة. والمراد: إلا نباتا قليلا نادرا غير نافع، كشوك، ونحوه مما لا نفع فيه وهو يقرأ بكسر الكاف، وفتحها، وسكونها. ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ نكررها، ونرددها تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب، والترهيب، وتارة بالتنبيه، والتذكير بأحوال المتقدمين. ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ أي: الله تعالى على إنعامه عليهم بالهداية، والتوفيق، وحيث جنبهم طريق الكفر، والضلال. وإنما خص الشاكرين بالذكر؛ لأنهم هم الذين انتفعوا بسماع القرآن، فعملوا بتعاليمه. وانظر شرح: ﴿الْآياتِ﴾ في الآية رقم [٩] وانظر شرح:
﴿لِقَوْمٍ﴾ في الآية رقم [٣٢] وانظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
تنبيه: قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن، والكافر، فشبه المؤمن بالأرض الحرة الطيبة، وشبه نزول القرآن على قلب المؤمن. بنزول المطر على الأرض الطيبة، فإذا نزل المطر عليها؛ أخرجت أنواع الأزهار، والثمار، كذلك المؤمن إذا سمع القرآن؛ آمن به، وانتفع به، وظهرت منه الطاعات، والعبادات، وأنواع الأخلاق الحميدة. وشبه الكافر بالأرض الرديئة
стр. 1940
الغليظة السبخة، التي لا ينتفع بها؛ وإن أصابها المطر، فكذلك الكافر إذا سمع القرآن؛ لا ينتفع به، ولا يصدقه، ولا يزيده إلا عتوّا، وكفرا، وإن عمل الكافر الحسنة في الدنيا؛ كانت بمشقة، وكلفة، ولا ينتفع بها في الآخرة.
قال ابن عباس-﵄: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن، يقول: هو طيب، وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمره طيب، ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة؛ التي خرجت منها البركة، فالكافر خبيث، وعمله خبيث.
ويدل على هذا التأويل ما روي عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ مثل ما بعثني الله به من الهدى، والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيّبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها النّاس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى، إنّما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ، ونفعه ما بعثني الله تعالى به، فعلم، وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله تعالى؛ الّذي أرسلت». أخرجاه في الصحيح. انتهى. خازن.
ولا يخفى: أن في الآية الكريمة استعارة تصريحية. هذا؛ وأقول: يمكن أن يراد بالنبات:
الصلحاء، والعلماء، والمجاهدون الذين ينشئون في البلد الطيب، ومكة والمدينة أطيب البلاد، فقد خرج منهما الأبطال، والعلماء، والصلحاء، وهذا يلاحظ في بعض القرى، فهناك قرية طيبة يخرج منها ما ذكرت، وهناك قرية، أو بلدة لا يتخرج منها إلا الأشقياء، ويبقى الجهل ضاربا أطنابه فيها كل حياته، فلا ينشأ جيل إلا وهو أخبث مما قبله منهمك في لذات الدنيا، وجمع حطامها الفاني من حلال، أو من حرام لا يبالي. ولا تنس بلاد الكفر، وقراهم.
الإعراب: ﴿وَالْبَلَدُ:﴾ (البلد): مبتدأ. ﴿الطَّيِّبُ:﴾ صفته. ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ:﴾ فعل، وفاعله، أو فعل، ونائبه، أو فعل، ومفعوله، والفاعل مستتر تقديره: «هو» وذلك على حسب القراءات التي رأيتها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَباتُهُ﴾ و (إذن) مضاف، و ﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (الذي): مبتدأ، وجملة: ﴿خَبُثَ﴾ صلته، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى نباته. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿نَكِداً:﴾ حال من الفاعل المستتر، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير:
إلا خروجا نكدا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وتقدير الكلام:
стр. 1941
نصرف الآيات تصريفا كائنا مثل تبييننا الأحكام فيما تقدم. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي فذلكة الآية. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل:
﴿نُصَرِّفُ﴾ وجملة: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر صفة (قوم).
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿أَرْسَلْنا:﴾ بعثنا. ﴿نُوحاً:﴾ اسمه: السكن. وقيل: عبد الغفار. وسمي ﴿نُوحاً﴾ لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا.
واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان.
وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح، فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة. وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الأخيرة من سورة (نوح). ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ:﴾ وحدوه. هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السجود لغير الله تعالى. وانظر سجود الملائكة لآدم في الآية رقم [١]. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: إن لم تقبلوا ما أمركم به من عبادة الله، واتباع أمره، وطاعته. واليوم الذي خافه عليهم، هو إما يوم الطوفان، وإهلاكهم فيه، أو هو يوم القيامة. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر (الخوف) في الآية رقم [٥٦] وانظر شرح (غير) في سورة (الفاتحة) وفي الآية رقم [٢] من سورة (التوبة).
تنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اعلم أن الله-﵎-لما ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته، وغرائب خلقه، وصنعته الدالة على توحيده، وربوبيته، وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت؛ أتبع ذلك بقصص الأنبياء، عليهم الصلاة والسّلام، وما جرى لهم مع أممهم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ لأنه لم يكن إعراض قومه فقط عن قبول الحق، بل قد أعرض عنه سائر الأمم الخالية، والقرون الماضية، ومن كذب محمدا ﷺ من قومه كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبله من الأمم المكذبة. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] من سورة (هود).
стр. 1942
الإعراب: ﴿لَقَدْ﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب:
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. وقد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نُوحاً:﴾ مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نُوحاً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى (نوح) ﴿يا قَوْمِ﴾ منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، ومنهم من يقول: يا قوم بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول: ﴿ما:﴾ نافية ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ:﴾ يقرأ بالرفع صفة ﴿إِلهٍ﴾ على المحل، أو بدل منه، وبالجر صفته على اللفظ، وبالنصب على الاستثناء، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وقيل: مستأنفة، ولا وجه له، وجملة:
﴿فَقالَ يا قَوْمِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة:
﴿يَوْمٍ،﴾ وصفه بالعظم، والمراد عظم ما فيه، وإن اعتبرته صفة: ﴿عَذابَ﴾ فيكون الجر على الجوار. انظر الآية رقم [٥/ ٦] والجملة الفعلية: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ ويقدر المفسرون: إن لم تؤمنوا، أو إن عبدتم غيره، ونحو ذلك، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية تقع جوابا لهذا الشرط المقدر، وهو تكلف، وعلى كلّ فالكلام كله في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة. وهو اسم
стр. 1943
جمع لا واحد له من لفظه مثل: رهط، ونحوه. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾
في خروج عن جادة الحق والصواب. وهو مصدر: ضل، يضل، وأكثر استعماله بمعنى: كفر، يكفر، وضل: غاب كما في الآية رقم [٣٧] وأضل غيره: أخرجه عن الهدى، والاستقامة، كما في الآية رقم [٣٧] وضل الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ،﴾ وضل: تحير، وتردد، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. ﴿مُبِينٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢].
الإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:
﴿الْمَلَأُ،﴾ والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لِنُرِيَكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نراك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنّا لَنَراكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ:﴾ شرح المفردات مثله في الآية السابقة، وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-بالغ في النفي، كما بالغوا في الإثبات. ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ..﴾.
إلخ: قال البيضاوي: استدراك باعتبار ما يلزمه، وهو كونه على هدى، كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية؛ لأني رسول من الله. انتهى. ﴿رَسُولٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (نوح). ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥٨].
﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿ضَلالَةٌ:﴾ اسمها المؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنِّي:﴾
الواو حرف عطف. (لكني): حرف مشبه بالفعل، وحذفت نون الوقاية، وياء المتكلم اسمها.
﴿رَسُولٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولٌ،﴾ أو بمحذوف صفته، و ﴿رَبِّ:﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 1944
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ:﴾ يقرأ بتشديد اللام، وتخفيفها. ﴿رِسالاتِ:﴾ جمعها لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كالعقائد، والمواعظ، والأحكام. أو لأن المراد بها ما أوحي إليه، وإلى الأنبياء قبله، كصحف شيث، وإدريس، وغير ذلك. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ:﴾ انظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ قال البيضاوي: فيه تقرير لما أوعدهم به، فإن معناه أعلم من قدرته، وشدة بطشه. أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها. هذا؛ والعلم المراد به هنا: المعرفة لا اليقين. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال).
قال الخازن: والنصح: إرادة الخير لغيره، كما يريده لنفسه. وقيل: النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير. وقيل: حقيقة النصح: تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه وانظر النصيحة في الآية رقم [٧٩]. والمعنى: أنه قال: أبلغكم جميع تكاليف الله، وشرائعه، وأرشدكم إلى الوجه الأصلح، والأصوب لكم، وأدعوكم إلى ما دعاني إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي.
قال بعضهم: والفرق بين إبلاغ الرسالة، وبين النصيحة هو: أن تبليغ الرسالة أن يعرفهم جميع أوامر الله تعالى، ونواهيه، وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله عليهم، وأما النصيحة فهو أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر، والنواهي والعبادات، ويحذرهم عقابه؛ إن عصوه. انتهى.
الإعراب: ﴿أُبَلِّغُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور. ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿رِسالاتِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُبَلِّغُكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل ﴿رَسُولٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق، وجملة: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ معطوفة عليها على جميع الاعتبارات فيها. (أعلم):
مضارع، والفاعل تقديره أنا. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (أعلم). ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه، وقد حذف متعلق الفعل لدلالة متعلق الأول عليه، وجملة: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا.
стр. 1945
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ:﴾ العجب بفتح العين، والجيم: انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه، ويشاهده.
وقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا:
ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. انتهى جمل نقلا عن السمين في غير هذا الموضع. هذا؛ والعجب بضم العين، وسكون الجيم: الكبر، وحقيقته: أن يرى نفسه فوق غيره علما، أو أدبا، أو عبادة، وزهدا، وغير ذلك، وقد عده الرسول ﷺ من الثلاث المهلكات: «شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه». ﴿جاءَكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿ذِكْرٌ:﴾ رسالة، أو موعظة، أو المراد به: الصحف التي أنزلت على نوح، فإنه كثيرا ما يطلق على القرآن الكريم. ﴿رَبِّكُمْ:﴾
انظر الآية رقم [٣]. ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ:﴾ على لسان رجل كائن منكم، تعرفونه، وتعرفون نسبه، فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر، ويقولون: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. وانظر شرح: ﴿رَجُلٍ﴾ في الآية رقم [٤٦]. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ:﴾ ليخوفكم عذاب الله، ونقمته إن لم تؤمنوا، والإنذار التخويف من وقوع العقاب. ﴿وَلِتَتَّقُوا:﴾ انظر ﴿التَّقْوى﴾ في الآية رقم [٢٦]. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: بسبب التقوى.
قال البيضاوي: وفائدة الترجي: التنبيه على أن التقوى غير موجب، والترحم من الله تفضل، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله تعالى. انتهى. وقال سليمان الجمل: وهذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأن المقصود من الإرسال الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز بالرحمة. انتهى. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢٦].
الإعراب: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف. (عجبتم):
فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] والجملة الفعلية هذه مع المتعلق معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أكذبتم، وعجبتم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.
﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿ذِكْرٌ:﴾ فاعل.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:
عجبتم من مجيء ذكر لكم من ربكم. ﴿عَلى رَجُلٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ،﴾ وجوز أن يكونا
стр. 1946
متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور قبلهما. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٍ﴾. وانظر الشرح. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿ذِكْرٌ،﴾ والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ﴾. ﴿وَلِتَتَّقُوا:﴾
إعرابه مثل إعراب سابقه، والمصدر المؤول والمجرور باللام معطوفان على ما قبلهما؛ إذ التقدير: للإنذار، وللتقوى. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مفيدة للتعليل أيضا.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ كذبوا نوحا، ورفضوا دعوته؛ التي استمرت ألفا إلا خمسين عاما.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: أنجيناه ومن معه من كيد أعدائهم، ومكرهم. وقيل: أي: من الغرق، والطوفان. والمراد بمن معه: المؤمنون، وكانوا أربعين رجلا، وأربعين امرأة. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿الْفُلْكِ:﴾ السفينة التي استقلها نوح-﵊-بمن معه. هذا؛ والفلك: واحد، وجمع، تذكّر، وتؤنث. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد، وذكّر. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع. وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب؛ فتذكر، وإلى السفينة فتؤنث. انتهى. جمل.
روي: أن نوحا صنع السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في أسفلها الدواب والوحش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير، وركبها في عاشر رجب ونزل منها في عاشر المحرم. انتهى. فصام ذلك اليوم، وصار سنة لمن بعده إلى يومنا هذا. ﴿عَمِينَ﴾ أي: عمي القلوب عن طريق الإيمان والحق، و ﴿عَمِينَ﴾ صفة مشبهة لكن تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع، فأصله: عميين، حذفت الأولى تخفيفا. وفي السمين. يقال: عم: إذا كان أعمى البصيرة، غير عارف بأموره. وأعمى، أي: في البصر، وهذا قول الليث. وقيل: عم، وأعمى بمعنى، كخضر، وأخضر. انتهى جمل.
الإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ (كذبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر
стр. 1947
إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بما تعلق به الظرف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، كما يحتمل تعليقهما بالفعل: (أنجينا) والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْجَيْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ﴾ معطوفة، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْماً:﴾ خبر (كان). ﴿عَمِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للغرق، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين.
﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ﴾ أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم. هذا؛ و ﴿عادٍ﴾ اسم للحي، ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، و ﴿عادٍ﴾ في الأصل اسم الأب الكبير، وهو عاد بن عوص بن إرم، بن سام، بن نوح، ﵊، فسميت به القبيلة، أو الحي، وكذلك ما أشبهه من نحو «ثمود»، إن جعلته اسما لمذكر صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث منعته.
وأما (هود) فقد اشتهر في ألسنة النحاة: أنه عربي، وفيه نظر؛ لأن الظاهر من كلام سيبويه لما عده مع نوح، ولوط: أنه أعجمي. وهود بن عبد الله، بن رباح، بن الخلود، بن عاد، بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح. وقال ابن إسحاق: هو هود بن شالخ، بن أرفخشل، بن سام بن نوح. وأخوته لعاد-أي: القبيلة-أخوة نسب، لا أخوة دين. هذا؛ وقد صرح سبحانه هنا، وفيما سيأتي في: صالح، وشعيب بتعيين المرسل إليهم دون ما سبق في نوح، وما سيأتي في لوط، وذلك؛ لأن المرسل إليهم إذا كان لهم اسم، قد اشتهروا به؛ ذكروا به، وإلا فلا. وقد امتازت عاد وثمود ومدين بأسماء مشهورة. هذا؛ وكان بين هود، وبين نوح ثمانمائة سنة، وعاش أربعمائة وأربعا وستين سنة. انتهى جمل نقلا من هنا، وهناك.
﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٥٨].
﴿أَفَلا﴾ الهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو وثم، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾. و ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة أولهم الزمخشري،
стр. 1948
فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ و ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ و ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب لكم المثل؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ؟ ويضعف قولهم، ما فيه من التكلف، أنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى مغني اللبيب بتصرف. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢٦].
الإعراب: ﴿وَإِلى عادٍ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، أي: وأرسلنا... إلخ. ﴿أَخاهُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هُوداً:﴾ بدل من: ﴿أَخاهُمْ،﴾ أو عطف بيان عليه، والجملة الفعلية:
المقدرة: «وأرسلنا...» إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٥٩] لا محل لها مثلها. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٩] وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ هنا مستأنفة، لا محل لها، بخلافها هناك، فإنها معطوفة بالفاء كما رأيت، وعلل ذلك الخازن بقوله: إن نوحا كان مواظبا على دعوة قومه غير متوان، وأما هود؛ فلم يكن كذلك، بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء، فجاء قوله بغير فاء. انتهى بتصرف. ﴿أَفَلا﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. (فلا): الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ:﴾
مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في «الفاء»، تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿كَفَرُوا:﴾ الكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار. وكفر فلان النعمة يكفرها كفرا وكفورا وكفرانا: إذا جحدها وأنكرها. وكفر الشيء:
غطاه وكفره. وسمّي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا:
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِي سَفاهَةٍ:﴾ في خفة، وسخافة عقل، وفي حمق، وجهالة، وضلالة عن الحق والصواب. هذا؛ وسفه نفسه سفها، وسفاهة استمهنها، وأذلها،
стр. 1949
واستخف بها. قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ : «الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الناس». والأول من باب طرب، والثاني من باب ظرف. هذا؛ وجاء في المختار: (وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلما حول الفعل إلى الرجل، انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنه صار في معنى سفّه نفسه بالتشديد، هذا قول البصريين والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز: غلامه ضرب زيد).
وقال الفراء: لما حول الفعل من النفس إلى صاحبها خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفه فيه، وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسا؛ لأن المفسر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب كنصب النكرة تشبيها بها. ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسر لا يتقدم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا. والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى.
بحروفه. ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: في ادعائك النبوة.
قال الخازن: والفرق بين إجابة قوم نوح: ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وبين إجابة قوم هود:
﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ:﴾ أن نوحا كما خوف قومه في الطوفان، وأخذ في صنع السفينة، قال به قومه: ﴿إِنّا لَنَراكَ..﴾. إلخ حيث تتعب في صنع سفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء، وأما هود ﵇ فإنه لما زيف عبادة الأصنام، ونسب من عبدها إلى السفه وقلة العقل؛ قابلوه بمثله. انتهى بتصرف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل صفة ﴿الْمَلَأُ﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَلَأُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة:
﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾ انظر إعراب مثلها ومحلها في الآية رقم [٦٠] وإعراب: ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ﴾ مثلها معطوفة عليها فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧)﴾
الشرح: شرح هذه الآية، وإعرابها مثل الآية رقم [٦١] واذكر ما كتبه الجمل عليها نقلا من أبي السعود، حيث قال: استدراك على ما قبله باعتبار ما يلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد، فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبة لذلك، فكأنه قيل: ليس بي شيء مما تنسبونه إلي، ولكني في غاية الرشد، والصدق، ولم يصرح بنفي الكذب اكتفاء بما في حيز الاستدراك.
و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.
стр. 1950
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٦٢] ففيها الكفاية. ﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ:﴾ قال الجمل نقلا من الخازن بتصرف: أتى هود بالجملة الاسمية، ونوح بالجملة الفعلية، حيث قال:
﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وذلك؛ لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة، وكان نوح ﵊ يكرر دعوته لهم ليلا، ونهارا، من غير تراخ، فناسب التعبير بالفعل، وأما هود ﵊، فلم يكن كذلك، بل كان يدعوهم وقتا دون وقت، فلهذا عبر بالاسمية. انتهى.
﴿أَمِينٌ﴾ أي: على أداء الرسالة، وتبليغ النصح. والأمين: الثقة على ما ائتمن عليه. والمدح للنفس بأعظم الصفات غير لائق بالعقلاء، وإنما فعل هود ذلك، وقال هذا القول؛ لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك، ومقصوده الرد عليهم في قولهم: ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فوصف نفسه بالأمانة، وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله. ففيه تقرير للرسالة، والنبوة، وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها. انتهى. خازن بحروفه.
هذا؛ وانظر (النصح) في الآية رقم [٦٢] وانظر (النصيحة) في الآية رقم [٧٩] الآتية.
أقول: قد مدح يوسف نفسه بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ومدح نوح، وصالح، ولوط، وشعيب أنفسهم بذلك في سورة (الشعراء) والغرض من ذلك ما ذكرته آنفا. على نبينا، وعليهم ألف ألف ألف صلاة وتسليم.
الإعراب: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي:﴾ انظر الإعراب، ومحل الجملة في الآية رقم [٦٢].
(أنا): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ناصِحٌ﴾ بعدهما. ﴿ناصِحٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿أَمِينٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهذا أولى من العطف على الجملة الفعلية، بخلافه في الآية رقم [٦٢] فالعطف أولى لاتفاق الجملتين في الفعلية.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٦٣]. ﴿خُلَفاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١٦٥]. ﴿مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ:﴾ حيث ملككم ديارهم، ومساكنهم، وجعلكم خلفاءهم؛ لأنهم كانوا من نسل الذين بقوا مع نوح، وإن شداد بن
стр. 1951
عاد الذي كان معاصرا لهود ﵇ قد ملك المعمورة من رمل عالج إلى بحر عمان، وكان مركزهم بالأحقاف من بلاد حضر موت. هذا؛ وانظر شرح: ﴿قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٣٢] و ﴿نُوحٍ﴾ في الآية رقم [٥٩].
﴿وَزادَكُمْ:﴾ هذا الفعل ضد: «نقص»، يكون لازما، كقولك: زاد المال، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: «زاد الله خالدا خيرا» بمعنى: جزاه الله خيرا. وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، ومن المتعدي لمفعولين قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾. ﴿بَصْطَةً﴾ أي: طولا، وقوة.
قال الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستين ذراعا. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة، وكانت عينه بعد موته تفرخ فيها الضباع. هذا؛ و ﴿بَصْطَةً﴾ يقرأ بالسين، والصاد، ﴿آلاءَ اللهِ:﴾ نعمه، و ﴿آلاءَ﴾ جمع مفرده: إلي بكسر الهمزة، وسكون اللام، أو: ألي، بضم الهمزة، وسكون اللام، أو: إلى بكسر الهمزة وفتح اللام، أو: ألى بفتحهما. وانظر مفرد: ﴿آناءَ﴾ في الآية رقم [٣/ ١١٣] فهو قريب منه.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٧] وانظر الترجي في الآية رقم [٢٦] فإنه جيد. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. وانظر شرح: ﴿خَلائِفَ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ انظر إعراب هذا الكلام ومحله من الإعراب في الآية رقم [٦٣]. (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى «وقت» مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به أول.
﴿خُلَفاءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿خُلَفاءَ،﴾ و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿قَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. والجملة الفعلية: ﴿فَاذْكُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: لا تعجبوا وتدبروا واذكروا. وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له. الواو:
واو الحال. (زادكم): ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿فِي الْخَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿فَاذْكُرُوا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَصْطَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: (زادكم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجملة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها.
﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (اذكروا): فعل، وفاعل. ﴿آلاءَ:﴾
مفعول به، و ﴿آلاءَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها
стр. 1952
جواب شرط غير جازم مقدر ب «إذا»، وفي الكلام حذف؛ إذ التقدير: فاذكروا آلاء الله، واعملوا عملا يليق بذلك، وهو أن تؤمنوا به، وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام؛ لكي تفوزوا بالفلاح في الآخرة. وانظر إعراب مثل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في الآية رقم [٦٢].
﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿قالُوا:﴾ قال قوم هود له. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ:﴾ المراد بالمجيء هاهنا أحد أمرين: إما المجيء من مكان اعتزل فيه عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل نبينا ﷺ بغار حراء قبل المبعث. وإما من السماء على التهكّم والاستهزاء، أو القصد على المجاز، كقولهم: «ذهب يسبني» وانظر (جاء) في الآية رقم [٤] والعبادة في الآية رقم [٥٩]. ﴿وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا:﴾ فهذا استبعاد منهم اختصاص الله بالعبادة، وكيف يتركون ما ألفوا عليه آباءهم من الشرك انهماكا منهم في التقليد لما ألفوه. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا:﴾
من العذاب المدلول عليه بقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿تَعِدُنا:﴾ انظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧]. وانظر الوعد في الآية رقم [٤٣]. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾
فيما تتوعدنا وتتهددنا. وانظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].
بعد هذا أقول: إن (نذر) مضارع يأتي منه أمر، ولم يأت منه ماض، فهو ناقص التصرف، ومثله: يدع، دع، ويعم، عم. وإلى الآن لم أتكلم على هذه الأفعال الثلاثة، والأولان بمعنى الترك، والثالث بمعنى التحية، والسّلام، وهنا أتكلم عن ذلك بعونه تعالى، فأقول: قد قيل: قد سمع سماعا نادرا الماضي من الأولين. فقالوا: ودع، ووذر، بوزن: وضع إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى: أنهم لم يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرا طويلا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء، ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا.
قال قطة العدوي: قال بعض المتقدمين: زعم النحاة: أن العرب أماتت ماضي (يدع) ومصدره، واسم مفعوله، واسم فاعله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام قوله تعالى ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بتخفيف الدال بمعنى: ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة، وقال الرسول ﷺ «شرّ النّاس من ودعه الناس اتقاء شرّه». وقال أيضا ﵊: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». وقال الشاعر: [المنسرح]
وكأنّ ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الّذي ودعوا
стр. 1953
وقال آخر: [الطويل]
وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراف المثقفة السّمر
وقال غيره: [الرمل]
ليت شعري عن خليلي ما الذي... غاله في الحبّ حتى ودعه
فها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة وحديثا، وكذا في شعر العرب، وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ : «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات. -وفي رواية الجماعات- أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم وغيره. وورد اسم الفاعل، واسم المفعول من: «ودع» في قول خفاف بن ندبة: [الطويل]
إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودع ووادع مصدّق
فكيف يقال: إن العرب أماتته، فالصواب القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة. انتهى. بتصرف كبير وقال السيوطي في همع الهوامع: الغالب الاستغناء عن مادة (ودع) بمادة (ترك) ولذا قال: فعلى هذا يعدّ (ودع) في الجوامد، وما قيل في ودع ومضارعه يدع، وأمره دع، يقال في وذر. ومضارع يذر وأمره ذر، كما يقال في وعم ومضارعه يعم، وأمره عم. تأمل، وتدبر وربك أعلم وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿لِنَعْبُدَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَحْدَهُ:﴾
حال من: ﴿اللهَ،﴾ وصح ذلك؛ لأنه بمعنى: منفردا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: أجئتنا لعبادة الله وحده؟! وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَنَذَرَ:﴾ مضارع معطوف على: (نعبد) منصوب مثله، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾
موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص.
﴿يَعْبُدُ:﴾ مضارع. ﴿آباؤُنا:﴾ يتنازعه الفعلان السابقان، فكان يطلبه اسما له، ويعبد يطلبه فاعلا له، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لتقدمه، فلا بد من الإضمار في أحد الفعلين على القولين، وجملة: ﴿يَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة:
﴿كانَ..﴾. إلخ صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: «كان يعبده آباؤنا» هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير:
ونذر عبادة آبائنا. ﴿فَأْتِنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (ائتنا): فعل أمر مبني على
стр. 1954
حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، و (نا): مفعول به، ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي أو بشيء تعدنا إياه، أو به، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنا بوعدك لنا بالهلاك، والجملة الفعلية: ﴿فَأْتِنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما تتوعدنا به صحيحا فأتنا به. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنت من الصادقين فأتنا بما تعدنا، والجملة الشرطية مع التي قبلها كل أولئك في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: هود-﵇-لقومه. ﴿قَدْ وَقَعَ:﴾ نزل، أو حق، ووجب.
﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿رِجْسٌ:﴾ عذاب. من: الارتجاس، وهو الاضطراب.
﴿وَغَضَبٌ:﴾ سخط وانتقام، أو إرادة الانتقام. ﴿أَتُجادِلُونَنِي:﴾ أتخاصمونني؟! فهو إنكار لما حصل منهم. ﴿فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها..﴾. إلخ: أي: في أشياء سميتموها آلهة، وليس فيها معنى الإلهية؛ لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للمخلوقات. و ﴿أَسْماءٍ﴾ جمع: اسم، انظر البسملة لترى أصله، واشتقاقه. ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: عبدتم الأصنام، ووضعتم لها أسماء بدون سند، ولا برهان تعتمدون عليه، وما كان بهذه المثابة فهو باطل. ذكر: أنهم كان لهم ثلاثة أصنام: سموا أحدها: صمودا، والثاني صمدا، والثالث: هبل. وقيل: صمودا، وصداء، والهباء. ﴿فَانْتَظِرُوا:﴾ غضب الله، وعقابه. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: إنّي أنتظر هلاككم، ونزول العذاب بكم، فهو تهديد، ووعيد لقومه؛ الذين حق عليهم غضب الله تعالى.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (هود). ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَقَعَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من ﴿رِجْسٌ﴾ كان صفة له، انظر مثله في الآية رقم [٦٩]. وجوز تعليقهما
стр. 1955
بالفعل قبلهما، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿رِجْسٌ:﴾ فاعل ﴿وَقَعَ﴾. ﴿وَغَضَبٌ:﴾
معطوف عليه، وجملة: ﴿قَدْ وَقَعَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَتُجادِلُونَنِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تجادلونني): مضارع، وفاعله ومفعوله، ونون الوقاية مقحمة بينهما. ﴿فِي أَسْماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَمَّيْتُمُوها:﴾
ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لتاء الفاعل. ﴿وَآباؤُكُمْ:﴾ معطوف على تاء الفاعل، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿سَمَّيْتُمُوها..﴾. إلخ في محل جر صفة:
﴿أَسْماءٍ،﴾ وجملة: ﴿أَتُجادِلُونَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَزَّلَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.
﴿سُلْطانٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما نَزَّلَ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية ل ﴿أَسْماءٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط.
﴿فَانْتَظِرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (انتظروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.
وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب: «إذا»، أو هي في محل جزم شرط مقدر ب: «إن»، والتقدير على الأول، وإذا كان ما ذكر حاصلا منكم؛ فانتظروا. وعلى الثاني: إن كنتم مصرين على شرككم فانتظروا. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾.
إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والجملة الشرطية المقدرة مع التعليل في محل نصب مقول القول.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي: فأنجينا هودا من العذاب الذي أصاب قومه. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي:
من المؤمنين به. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا:﴾ انظر ﴿رَحْمَتَ اللهِ﴾ في الآية رقم [٥٦]. ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ..﴾. إلخ:
استأصلناهم، فلم نبق منهم كافرا؛ لأن الدابر هو الآخر، وإذا قطع الآخر، فقد قطع ما قبله، فحصل الاستئصال، والمراد ب: (آياتنا) المعجزات التي أعطيها هود، ﵊. وانظر الآية رقم [٨] وانظرنا في الآية رقم [٩]. ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ:﴾ نفى الله الإيمان عمن أهلكهم من قوم هود، ففيه تنبيه على أن الفرق بين من نجا وبين من هلك إنما هو الإيمان. وانظر الآية رقم [٢].
стр. 1956
تنبيه: روي: أن قوم هود كانوا يعبدون الأصنام، ومنازلهم بالأحقاف بين عمان وحضر موت من أرض اليمن، فبعث الله إليهم هودا، فكذبوه، وازدادوا عتوّا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين؛ حتى لحقهم الجهد، وكان الناس حينئذ مسلمهم، ومشركهم إذا نزل بهم بلاء؛ توجهوا إلى البيت الحرام، وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه قيل بن عنز، ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة، أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه؛ وهو بظاهر مكة؛ أنزلهم، وأكرمهم، وكانوا أخواله، وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا، يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان (قينتان له) فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له؛ أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فقال شعرا، وأمر الجرادتين أن تغنيا به، ومطلعه ما يلي: [الوافر]
ألا يا قيل ويحك قم فهينم... لعلّ الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادا... قد امسوا لا يبينون الكلاما
فأزعجهم ذلك، فقال مرثد، والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله؛ سقيتم! فقالوا لمعاوية: احبسه عنا لا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك، ولقومك. فقال: اخترت السوداء، فإنها، أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم، واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه، ومن معه من الريح، إلا ما تلين عليه الجلود، وتلذ به الأنفس، انظر ما ذكره الله في سورة (الذاريات) وسورة (الحاقة)، وغيرهما. انتهى. بيضاوي بتصرف.
الإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقال سليمان الجمل: الفاء الفصيحة، وقدر قبلها: «فوقع، ما وقع فأنجيناه». ولا أرى له وجها صحيحا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، التقدير: آمنوا معه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرَحْمَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان ب (رحمة)، أو بمحذوف صفة له. (قطعنا): فعل، وفاعل. ﴿دابِرَ:﴾
مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة المنفية: ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَقَطَعْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 1957
﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً..﴾. إلى ﴿غَيْرُهُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام، في الآية رقم [٦٥] وهو معطوف عليه، فيقدر المحذوف مثله. هذا؛ و ﴿ثَمُودَ﴾ قبيلة أخرى من العرب، كعاد سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن غابر بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. والأول هو المعتمد. وانظر صرفه، وعدمه في الآية رقم [٦٥] وقرئ بصرفه شاذّا. ﴿صالِحاً:﴾ هو ابن عبيد، بن آسف، بن ماسح، بن عبيد، بن حاذر، بن ثمود، وليس من أنبياء بني إسرائيل كهود، وكان بينهما مائة سنة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة كما في التحبير. انتهى جمل. وأخوته لقومه أخوة نسب لا أخوة دين كهود. ﴿جاءَتْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ معجزة واضحة ظاهرة الدلالة على نبوتي، وبرهان جلي على صدقي بأني رسول الله إليكم. ثم فسر هذه المعجزة بقوله سبحانه: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ وكون هذه الناقة معجزة لأنها خرجت من صخرة، وهم ينظرون إليها، وليست من ذكر وأنثى معهودين، وخلقت في ساعة واحدة، وكانت تشرب ماء العين التي هي ماؤهم ورواؤهم في يوم، وهم يشربونه في يوم، وفي يوم شربها كانوا يحلبونها، فيغنيهم لبنها عن الماء ذلك اليوم. وإضافة الناقة إلى ﴿اللهَ﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وعبد الله. ﴿فَذَرُوها:﴾ اتركوها. وانظر الآية رقم [٧٠].
﴿أَرْضِ اللهِ:﴾ ملكه. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ:﴾ نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في النهي، كما في قوله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ هذا؛ والسوء الشر والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتحها المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السوء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ وتأنيثه السوأى: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. وانظر الآية رقم [٩/ ٩٨].
﴿عَذابٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. ﴿أَلِيمٌ:﴾ مؤلم بكسر اللام، اسم فاعل بمعنى موجع.
وقال سليمان الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد (جدّ جدّه). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾. انظر الآية رقم [٦٥] و [٥٩] ففيهما الكفاية. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
стр. 1958
﴿جاءَتْكُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَيِّنَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. هذا؛ والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبلها.
﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.
﴿ناقَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿آيَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة... إلخ». ﴿آيَةً:﴾ حال من: ﴿ناقَةُ اللهِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، فهي حال متداخلة. هذا؛ وقيل، بدل من: ﴿هذِهِ﴾ وهذا يعني أنه قرئ بالرفع. هذا؛ وجوز اعتبار:
﴿لَكُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿هذِهِ ناقَةُ﴾ مفسرة لقوله ﴿بَيِّنَةٌ﴾ أو هي بدل منها، إبدال جملة من مفرد. وقيل: هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَذَرُوها:﴾
الفاء هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (ذروها): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وثابتا؛ فذروها، و «إذا» المقدرة، ومدخولها كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله. ﴿تَأْكُلْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف مقدر ب: «إن»، والفاعل مستتر تقديره: «هي»، ﴿فِي أَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَرْضِ:﴾
مضاف، و ﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿تَأْكُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب الطلب، أو جواب شرط جازم، ولم تقترن بالفاء، أو ب: «إذا» الفجائية، التقدير: إن تذروها؛ تأكل... إلخ. (لا): ناهية جازمة ﴿تَمَسُّوها:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعوله. ﴿بِسُوءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ:﴾ الفاء:
للسببية. (يأخذكم): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والكاف مفعول به. ﴿عَذابٌ:﴾
فاعله. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مس للناقة بسوء، فأخذ لكم.
﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٦٩] وهذا يدل على امتداد ملك قوم عاد كما رأيت هناك. ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾
стр. 1959
أسكنكم، ومكنكم فيها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٧] من سورة (يونس). ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً:﴾ تبنون في سهولها، أو من سهولها بما تعملون منها، كاللبن، والاجر المتخذ من الطين السهل اللين. هذا؛ وسميت القصور قصورا لقصور الفقراء عن تحصيلها، وحبسهم عن نيلها. انتهى. جمل. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً﴾ أي: وتشقون بيوتا في الجبال، والمراد:
الكهوف، والغيران التي كانوا ينحتونها في الجبال، قيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف، والجبال في الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين. هذا؛ وقرئ: «وتنحتون» بفتح التاء الثانية وكسرها، كما قرئ: «(تنحاتون)». ﴿آلاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٩]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَلا تَعْثَوْا:﴾ ولا تفسدوا، والعثوّ: أشد الفساد. وانظر الآية رقم [٥٦].
روي: أن عادا لما أهلكت؛ عمرت ثمود بلادها، أي: قسما منها؛ لأن قبيلة ثمود لم تصل إلى الأحقاف التي كانت مركزا لعاد، وخلفوها في عمارة الأرض التي ذكرتها في الآية السابقة، وعمروا أعمارا طوالا، فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات، وكانوا في سعة من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحا، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فأنذرهم، فسألوه أن يخرج من صخرة يعينها ناقة عشراء، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت تمخض النتوج بولدها، فخرجت منها ناقة كما شاءوا، فآمن به جندع، ورهط من قومه. انتهى. نسفي بتصرف، وزيادة.
الإعراب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٨] وجملة: ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. (بوأكم): ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿تَتَّخِذُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ سُهُولِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قُصُوراً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:
«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿قُصُوراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَتَّخِذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الكاف المفعول به، والرابط الضمير فقط. (تنحتون): فعل، وفاعل.
﴿الْجِبالَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أي من الجبال، و ﴿بُيُوتاً:﴾ مفعول به. وقيل: إن الفعل يتضمن معنى ما قبله، وعليه فالجبال مفعوله الأول، وبيوتا مفعوله الثاني. وقيل: ﴿الْجِبالَ﴾ مفعول به، و ﴿بُيُوتاً﴾ حال مقدرة، فإنه بمعنى المشتق، أي: مسكونة، والجملة الفعلية:
﴿وَتَنْحِتُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء:
هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله،
стр. 1960
والألف للتفريق. ﴿آلاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:
(اذكروا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا»، التقدير: «وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا؛ فاذكروا...» إلخ، وإذا ومدخولها على هذا التقدير معطوف على ما قبله، فهو داخل في الحالية. (لا): ناهية. ﴿تَعْثَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُفْسِدِينَ﴾ بعدهما.
﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال مؤكدة لمعنى الفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلا تَعْثَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].
﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تكبروا عن الإيمان به. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿اُسْتُضْعِفُوا﴾ أي: استضعفهم الأقوياء، واستذلوهم. ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ:﴾ للمؤمنين بصالح، ومصدقيه بما جاء به من عند ربه. وانظر (الإيمان) في الآية رقم [٢]. ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً..﴾. إلخ: أي:
أتعتقدون برسالة صالح. ﴿قالُوا:﴾ ذلك استهزاء. وانظر شرح: ﴿رَبِّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣].
﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ..﴾. إلخ: أي: نحن مصدقون، ومعترفون برسالته، وبما جاء من عند ربه.
والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات ومحلها في الآية رقم [٦٦]. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿قالَ﴾. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ بدل كل من كل، إن كان كل المستضعفين مؤمنين، وبدل بعض من كل إن كان بعضهم مؤمنين، وبعضهم كافرين. ﴿آمَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، ومن بيان لما أبهم في (من) والجملة الفعلية: ﴿آمَنَ مِنْهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿أَتَعْلَمُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تعلمون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿صالِحاً:﴾ اسمها. ﴿مُرْسَلٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّهِ،﴾ متعلقان ب ﴿مُرْسَلٌ﴾ لأنه اسم مفعول، والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل قبله، والجملة الفعلية: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ..﴾. إلخ في محل نصب
стр. 1961
مقول القول. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿أُرْسِلَ بِهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، التقدير: بالذي، أو بشيء أرسل به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإرساله، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن أمر الله، والإيمان به، وبرسوله (صالح).
﴿إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: جاحدون منكرون. فوضعوا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ موضع ﴿أُرْسِلَ بِهِ﴾ ردّا لما جعله المؤمنون معلوما مسلما. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] والكفر في الآية رقم [٦٦] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ الَّذِينَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان ب ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ:﴾ نحروها، وقتلوها. أسند سبحانه العقر إلى جميعهم، وإن كان العاقر «قدار بن سالف»؛ لأنه كان برضاهم، وكان «قدار» أحمر، أزرق العينين، قصيرا. كما كان فرعون كذلك.
стр. 1962
قال النبي ﷺ : «يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». هذا؛ والعقر في الأصل: قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرا؛ لأن ناحر البعير يعقره، ثم ينحره، وباب (عقر) ضرب، ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ:﴾ تكبروا عن أمر ربهم، وهو ما أمروا به على لسان صالح من قوله: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾. هذا؛ والعتو: الغلو في الباطل، والتكبر عن الحق. هذا؛ وانظر إعلال مثل: (عتوا) في الآية رقم [٢٥]. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].
﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿اِئْتِنا:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٤]. ﴿تَعِدُنا:﴾ انظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] فهو مثله. ﴿كُنْتَ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] فهو مثله. وقولهم: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا..﴾. إلخ تهكم؛ لأنهم كانوا مكذبين في كل ما هددهم وتوعدهم به من العذاب. وانظر مثل إعلال: ﴿اِئْتِنا﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿فَعَقَرُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عقروا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
﴿النّاقَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (عتوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعل. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَعَتَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (صالح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا) ﴿اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٩] وكله مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ قال الفراء، والزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة العظيمة.
وقال مجاهد والسدي: هي الصيحة. فيحتمل: أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم، والصيحة من فوقهم؛ حتى هلكوا. انتهى خازن. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: أصبحوا في أرضهم، وبلدهم ميتين على وجوههم خامدين. هذا؛ والجثوم للناس، والطير بمنزلة البروك للبعير.
هذا؛ و «الدار» مؤنثة، وقد تذكر، وهي منزل الإنسان، ومسكنه، أصلها: دور بفتحتين قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وجمعها: ديار، ودور، وادؤر، وأدور، وأدورة وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران. وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن «فعال» لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة. ودار القرار: الآخرة، والداران: الدنيا والآخرة. ودار الحرب: بلاد العدو.
هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إنّ الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم،
стр. 1963
وخيامهم ميتين، وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى.
قال صاحب خزانة الأدب: وهذه غفلة عن قول الشاعر-وهو مجنون ليلى-: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]
أمرّ على الديار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا
وهذان البيتان هما الشاهد رقم (٩٠٣) من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
تنبيه: بالإضافة لما ذكرته عن النسفي في الآية رقم [٧٣] أذكر أيضا: أن الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبّا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشقّ ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفرجت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح-﵊: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات؛ طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله، إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع، تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء، فتقطعت قلوبهم فهلكوا. انتهى بيضاوي بحروفه.
وفي الخازن-عن ابن عمر-﵄-قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر، قال:
«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنّع رأسه، وأسرع السير حتّى جاوز الوادي». متفق عليه.
وعنه أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، ويعلفوا الإبل بالعجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. رواه الشيخان.
وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف، خرج بهم صالح-﵊ بعد هلاك قومه من فلسطين، إلى حضر موت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسمي: حضر موت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم توفي صالح بمكة، وهو ابن عثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى خازن بتصرف.
стр. 1964
الإعراب: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (أصبحوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. وانظر إعراب:
﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿فِي دارِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿جاثِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وقيل: (أصبحوا) تامّا، و ﴿جاثِمِينَ﴾ حالا. والأول أقوى، وجملة: (أصبحوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ:﴾ فأعرض عنهم صالح، ﵊. هذا؛ والإعراض، والتولي، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. هذا؛ وقال البيضاوي: ظاهره: أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر، وقال: «إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا». أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم.
﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٣٢]. ﴿رَبِّي:﴾
انظر الآية رقم [٢]. والمراد ب: ﴿رِسالَةَ رَبِّي:﴾ تعاليمه وتكاليفه، وأوامره ونواهيه التي جاء بها كل رسول من عند ربه. هذا؛ وقد قال نوح وهود ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وقال صالح ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ والأول أبلغ من الثاني، ولعل مرجع ذلك ومرده إلى طول مدة نوح وهود عليهما الصلاة والسّلام، وإلى قصر حياة صالح ومدته كما رأيت حياة الجميع فيما تقدم. ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ:﴾ انظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ:﴾ الامرين بالهدى لاستحلاء الهوى، والنصيحة: منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة. انتهى. نسفي. وانظر (النصح) في الآية رقم [٦١].
الإعراب: ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف عطف. (تولى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (صالح). ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٩].
﴿لَقَدْ:﴾ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. ﴿أَبْلَغْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به أول. ﴿رِسالَةَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، المقدر، والقسم
стр. 1965
وجوابه، والجملة الندائية كل ذلك في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والجملة الفعلية: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ معطوفة على جواب القسم، ومحلها في محل نصب مقول القول. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية ﴿تُحِبُّونَ:﴾
فعل، وفاعل. ﴿النّاصِحِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم ﵇ آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق، قال تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ فأقام إبراهيم-﵇-في فلسطين، وأقام لوط-﵇-في الأردن، فأرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح. هذا؛ وقال الجمل: سذوم بالذال المعجمة، وهي بلد بحمص. نقلا من أبي السعود، وأين حمص من الأردن؟! قال: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ:﴾ سؤال توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح والشناعة، ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها:﴾ لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].
﴿أَحَدٍ:﴾ أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة مثل قولهم: وجوه وأجوه، ووسادة وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد.
والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل (أحد) إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم:
«ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد، والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.
الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير، واذكر لوطا، ونحوه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من: (لوطا). ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: (لوطا). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (تأتون): فعل، وفاعل. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾
مفعول به. وجملة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿بِها:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة
следующие страницы →