Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
مقول القول. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿أُرْسِلَ بِهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، التقدير: بالذي، أو بشيء أرسل به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإرساله، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن أمر الله، والإيمان به، وبرسوله (صالح).
﴿إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: جاحدون منكرون. فوضعوا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ موضع ﴿أُرْسِلَ بِهِ﴾ ردّا لما جعله المؤمنون معلوما مسلما. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] والكفر في الآية رقم [٦٦] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ الَّذِينَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان ب ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ:﴾ نحروها، وقتلوها. أسند سبحانه العقر إلى جميعهم، وإن كان العاقر «قدار بن سالف»؛ لأنه كان برضاهم، وكان «قدار» أحمر، أزرق العينين، قصيرا. كما كان فرعون كذلك.
стр. 1962
قال النبي ﷺ : «يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». هذا؛ والعقر في الأصل: قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرا؛ لأن ناحر البعير يعقره، ثم ينحره، وباب (عقر) ضرب، ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ:﴾ تكبروا عن أمر ربهم، وهو ما أمروا به على لسان صالح من قوله: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾. هذا؛ والعتو: الغلو في الباطل، والتكبر عن الحق. هذا؛ وانظر إعلال مثل: (عتوا) في الآية رقم [٢٥]. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].
﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿اِئْتِنا:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٤]. ﴿تَعِدُنا:﴾ انظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] فهو مثله. ﴿كُنْتَ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] فهو مثله. وقولهم: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا..﴾. إلخ تهكم؛ لأنهم كانوا مكذبين في كل ما هددهم وتوعدهم به من العذاب. وانظر مثل إعلال: ﴿اِئْتِنا﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿فَعَقَرُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عقروا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
﴿النّاقَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (عتوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعل. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَعَتَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (صالح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا) ﴿اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٩] وكله مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ قال الفراء، والزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة العظيمة.
وقال مجاهد والسدي: هي الصيحة. فيحتمل: أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم، والصيحة من فوقهم؛ حتى هلكوا. انتهى خازن. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: أصبحوا في أرضهم، وبلدهم ميتين على وجوههم خامدين. هذا؛ والجثوم للناس، والطير بمنزلة البروك للبعير.
هذا؛ و «الدار» مؤنثة، وقد تذكر، وهي منزل الإنسان، ومسكنه، أصلها: دور بفتحتين قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وجمعها: ديار، ودور، وادؤر، وأدور، وأدورة وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران. وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن «فعال» لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة. ودار القرار: الآخرة، والداران: الدنيا والآخرة. ودار الحرب: بلاد العدو.
هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إنّ الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم،
стр. 1963
وخيامهم ميتين، وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى.
قال صاحب خزانة الأدب: وهذه غفلة عن قول الشاعر-وهو مجنون ليلى-: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]
أمرّ على الديار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا
وهذان البيتان هما الشاهد رقم (٩٠٣) من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
تنبيه: بالإضافة لما ذكرته عن النسفي في الآية رقم [٧٣] أذكر أيضا: أن الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبّا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشقّ ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفرجت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح-﵊: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات؛ طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله، إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع، تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء، فتقطعت قلوبهم فهلكوا. انتهى بيضاوي بحروفه.
وفي الخازن-عن ابن عمر-﵄-قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر، قال:
«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنّع رأسه، وأسرع السير حتّى جاوز الوادي». متفق عليه.
وعنه أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، ويعلفوا الإبل بالعجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. رواه الشيخان.
وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف، خرج بهم صالح-﵊ بعد هلاك قومه من فلسطين، إلى حضر موت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسمي: حضر موت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم توفي صالح بمكة، وهو ابن عثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى خازن بتصرف.
стр. 1964
الإعراب: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (أصبحوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. وانظر إعراب:
﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿فِي دارِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿جاثِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وقيل: (أصبحوا) تامّا، و ﴿جاثِمِينَ﴾ حالا. والأول أقوى، وجملة: (أصبحوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ:﴾ فأعرض عنهم صالح، ﵊. هذا؛ والإعراض، والتولي، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. هذا؛ وقال البيضاوي: ظاهره: أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر، وقال: «إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا». أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم.
﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٣٢]. ﴿رَبِّي:﴾
انظر الآية رقم [٢]. والمراد ب: ﴿رِسالَةَ رَبِّي:﴾ تعاليمه وتكاليفه، وأوامره ونواهيه التي جاء بها كل رسول من عند ربه. هذا؛ وقد قال نوح وهود ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وقال صالح ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ والأول أبلغ من الثاني، ولعل مرجع ذلك ومرده إلى طول مدة نوح وهود عليهما الصلاة والسّلام، وإلى قصر حياة صالح ومدته كما رأيت حياة الجميع فيما تقدم. ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ:﴾ انظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ:﴾ الامرين بالهدى لاستحلاء الهوى، والنصيحة: منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة. انتهى. نسفي. وانظر (النصح) في الآية رقم [٦١].
الإعراب: ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف عطف. (تولى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (صالح). ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٩].
﴿لَقَدْ:﴾ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. ﴿أَبْلَغْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به أول. ﴿رِسالَةَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، المقدر، والقسم
стр. 1965
وجوابه، والجملة الندائية كل ذلك في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والجملة الفعلية: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ معطوفة على جواب القسم، ومحلها في محل نصب مقول القول. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية ﴿تُحِبُّونَ:﴾
فعل، وفاعل. ﴿النّاصِحِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَلُوطاً:﴾ هو ابن أخي إبراهيم ﵇ آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق، قال تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ فأقام إبراهيم-﵇-في فلسطين، وأقام لوط-﵇-في الأردن، فأرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح. هذا؛ وقال الجمل: سذوم بالذال المعجمة، وهي بلد بحمص. نقلا من أبي السعود، وأين حمص من الأردن؟! قال: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ:﴾ سؤال توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح والشناعة، ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها:﴾ لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].
﴿أَحَدٍ:﴾ أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة مثل قولهم: وجوه وأجوه، ووسادة وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد.
والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل (أحد) إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم:
«ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد، والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.
الإعراب: ﴿وَلُوطاً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير، واذكر لوطا، ونحوه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من: (لوطا). ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: (لوطا). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (تأتون): فعل، وفاعل. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾
مفعول به. وجملة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿بِها:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة
стр. 1966
مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿الْفاحِشَةَ﴾ نفسها، والرابط: الضمير على الاعتبارين.
هذا؛ وقد قيل: إنها مستأنفة، لا محل لها، وجملة: «اذكر لوطا» أو «وأرسلنا لوطا» المقدرة معطوفة على ما قبلها، ومتضمنة عطف قصة لوط على قصة نوح وهود وصالح على نبينا وعليهم جميعا ألف ألف ألف تحية وسلام وصلاة.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾
الشرح: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ..﴾. إلخ: هذا من قول لوط-﵇-لقومه مخاطبا لهم.
وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿الرِّجالَ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشجاعة، والقوة، وغير ذلك. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿شَهْوَةً:﴾ قال البيضاوي: وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمة الصرفة، وتنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد، وبقاء النوع، لا قضاء الوطر.
قال عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-ما زنى ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط.
هذا؛ وقد لعن الرسول ﷺ من عمل عمل قوم لوط، كما لعن من أتى امرأته في دبرها أيضا.
﴿النِّساءِ:﴾ أصله: النساي، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والياء المنقلبة ألفا، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ونساء: اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على: نسوة بضم النون وكسرها، ونسوان بكسر النون، ونسون ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان الذي رأيته في الآية رقم [٥/ ١٤] فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا وإما كذبا.
هذا؛ والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه. ﴿قَوْمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].
﴿مُسْرِفُونَ:﴾ مجاوزون الحلال إلى الحرام وانظر الآية رقم [٦/ ١٤١] وإنما ذمهم الله بهذا العمل الخبيث؛ لأن الله خلق الإنسان وركب فيه الشهوة لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلاّ للشهوة، وموضع النسل، فإذا تركهن الرجل وعدل عنهن إلى غيرهم من الرجال، فكأنما قد جاوز الحد واعتدى؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الذكور ليست محلاّ للولادة، التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان.
وكانت قصة قوم لوط على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار والسير: أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة ذات زروع، وثمار، لم يكن في الأرض مثلها، فقصدهم الناس، فآذوهم، وضيقوا عليهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، وقال لهم: إذا فعلتم بهم كذا وكذا
стр. 1967
نجوتم منهم. فأبوا، فلما ألح عليهم الناس؛ قصدوهم، فأصابوا غلمانا حسانا صباحا، فأخبثوا، واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء. وقيل: استحكم ذلك فيهم؛ حتى نكح بعضهم بعضا، وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس، وذلك:
أن بلادهم أخصبت، فقصدها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد، فدعا إلى نفسه، فكان أول من نكح في دبره، فأمر الله السماء أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم.
انتهى. خازن بتصرف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها.
هذا؛ وقد قرئ: «(أإنكم)» بهمزة الاستفهام ﴿لَتَأْتُونَ﴾ اللام: هي المزحلقة. تأتون: فعل، وفاعل.
﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به. ﴿شَهْوَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى مشتهين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) وعلى تقدير الهمزة يكون في الكلام توبيخ آخر، وهذا أشنع مما سبق لتأكيده ب:
(إنّ) واللام، واسمية الجملة. هذا؛ والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (الواو) أو من ﴿الرِّجالَ﴾. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي من الإنكار إلى الإخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها، وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْرِفُونَ:﴾ صفة قوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية من مقول لوط، ﵊.
﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿وَما:﴾ قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: أتى هنا بقوله: ﴿وَما﴾ وفي النمل والعنكبوت بقوله: ﴿فَما﴾ والفاء هي الأصل في هذا الباب؛ لأن المراد: أنهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته، وأما الواو فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا أنها للتعقيب لأمر خارجي، وهو القرينة في السورتين المذكورتين، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها. انتهى نقلا عن السمين.
﴿قَوْمِهِ﴾ أي: المستكبرين منهم عن الإيمان، انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: أخرجوا لوطا، ومن آمن معه. ﴿قَرْيَتِكُمْ:﴾ وهي سذوم بالذال بوزن رسول من قرى حمص الشام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] وانظر شرح القرية في الآية رقم [٨٨]. ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: من الفواحش، ومن أدبار الرجال، وهذا استهزاء منهم بلوط، وأتباعه. (الناس): اسم جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم، والرهط،
стр. 1968
واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى ﴿الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله:
الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، كما في هذه الآية، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص.
﴿جَوابَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، و ﴿جَوابَ:﴾ مضاف، و ﴿قَوْمِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.
﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥] والفعل في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ وقد قرئ برفع «جواب» على أنه اسمها، والمصدر المؤول خبرها، والأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعراف اسما. ﴿أَخْرِجُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء في محل نصب اسمها. ﴿أُناسٌ:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:
﴿أُناسٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: أنجى الله لوطا ومن آمن معه من أهله. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وأهل اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل معشر ورهط. و (الأهل): العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة وعلى الأتباع أيضا، والجمع أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، بسكون الهاء وفتحها، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ:﴾ فإنها كانت تسر الكفر، واسمها واهلة. ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي:
من الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم:
﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ هذا؛ و ﴿الْغابِرِينَ﴾ اسم فاعل من: غبر الشيء بقي، وغبر أيضا مضى، فهو من الأضداد، وبابه دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان وحاضرها.
كما يقال: في غابر الأزمان وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده: [الكامل]
فغبرت بعد همو بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع
стр. 1969
الإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به؛ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ قال الجمل: مستأنفة، وقعت جوابا عن سؤال نشأ من استثنائها، كأنه قيل: فماذا كان حالها، فقيل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾. انتهى بتصرف، وأرى جوازا اعتبارها حالا من: ﴿اِمْرَأَتَهُ،﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً﴾ أي: وأنزلنا عليهم من السماء مطرا عجيبا، وهو مبيّن في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهذه الحجارة قد عجنت بالكبريت والنار. هذا؛ ويقال: مطرت السماء، وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطرت، وفي الرحمة مطرت. وانظرنا في الآية رقم [٧]. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ..﴾. إلخ: أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالله ورسوله، وعملوا الفواحش كيف أهلكتهم؟!
قال مجاهد: نزل جبريل، ﵊، فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها، فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة. هذا؛ وإن كان الخطاب للنبي ﷺ ، لكن المراد به غيره من أمته، ليعتبروا بما جرى على أولئك، فينزجروا بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والفواحش الخبيثة. انتهى. خازن بتصرف. ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾.
هذا؛ ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن: ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه.
الإعراب: (أمطرنا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَطَراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (انظر): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص.
﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وهو مضاف، و ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة
стр. 1970
جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما وقع حاصلا؛ فانظر معتبرا بما حصل.
﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين... إلخ، و ﴿مَدْيَنَ﴾ اسم رجل، وهو مدين بن إبراهيم الخليل ﵊، فعلى هذا يكون المعنى: وأرسلنا إلى ولد مدين، ومدين اسم للقبيلة، كما يقال: بنو تميم، وبنو عدي. وقيل: مدين اسم للماء الذي كانوا عليه. وقيل: هو اسم للمدينة. وعلى هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين.
والصحيح هو الأول، لقوله: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ يعني: في النسب لا في الدين، وشعيب هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم ﵇، وأم ميكيل هي بنت لوط ﵇، وكان يقال لشعيب-﵇: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل كفر، وبخس في المكيال، والميزان. انتهى خازن بتصرف. وقد صرح سبحانه هنا بتعيين المرسل إليهم... إلخ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾. انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٥٩]. ﴿جاءَتْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ معجزة واضحة ظاهرة الدلالة على نبوتي، وبرهان جلي على صدقي بأني رسول الله إليكم.
قال الخازن: لأنه لا بد لكل نبي من معجزة تدل على صدق ما جاء به من عند الله؛ غير أن تلك المعجزة التي كانت لشعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل معجزات الأنبياء مذكورة في القرآن. وقيل: أراد بالبينة: مجيء شعيب بالرسالة إليهم. وقيل: أراد بالبينة: الموعظة فيما يلي، وهي قوله: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ﴾ انتهى. والمعنى: أتموا الكيل، والميزان، وأعطوا الناس حقوقهم، وكانوا يضيفون إلى كفرهم بخس المكيال، والميزان، فيطففون الكيل، ويرجحون الميزان إذا أخذوا، وينقصونهما إذا أعطوا، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. وانظر: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ في الآية رقم [٨]. ﴿النّاسَ:﴾ انظر الآية رقم [٨١].
стр. 1971
﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ جمع: شيء، وهو في الأصل عبارة عن كل موجود، إما حسّا، كالأجسام، وإما حكما، كالأقوال، نحو: قلت شيئا. وانظر الآية رقم [٦/ ١٩]. هذا؛ وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى- وهو رأي سيبويه، والمازني، وجمهور البصريين: إن وزنه شيئاء وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزان: لفعاء، كما قلبوا:
أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، ويقال لهذا: قلب مكاني. وجمع الأشياء: أشايا.
هذا؛ وقال البيضاوي: إنما قال: ﴿أَشْياءَهُمْ﴾ للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل، والحقير، والقليل، والكثير. وقيل: كانوا مكاسين، لا يدعون شيئا إلا مكسوه. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر والظلم. ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها:﴾ بعد ما أصالح أمرها، وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع، وأصلحوا فيها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ الإشارة إلى ما أمرهم به ونهاهم عنه من الأعمال. ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢] ومعنى الخيرية: زيادة النعم من مال وولد. وما يتبع ذلك من حسن الذكر على مدى الدهر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٢] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف معطوف على مثله في الآية رقم [٥٨] فهو عطف قصة على قصة. وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَخاهُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿شُعَيْباً:﴾ بدل من: ﴿أَخاهُمْ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٩] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] لتركه الفاء هنا. ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٧٣]. ﴿فَأَوْفُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (أوفوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿الْكَيْلَ:﴾
مفعول به. ﴿وَالْمِيزانَ:﴾ معطوف على ما قبله. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَبْخَسُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَبْخَسُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٦] وهي هنا معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل
стр. 1972
رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية، وما قبلها مجموع ذلك كله في محل نصب مقول القول.
﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ:﴾ بكل طريق من طرق الدين. قال البيضاوي: وصراط الحق وإن كان واحدا؛ لكنه يتشعب إلى معارف، وحدود، وأحكام، وكان قوم شعيب إذا رأوا واحدا يسعى في شيء منها؛ منعوه، وتوعدوه، وهددوه إن هو آمن بشعيب. وقيل: كانوا يجلسون على المراصد، فيقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب، فلا يفتننك عن دينك، ويوعدون من آمن به.
وقيل: كانوا يقطعون الطرق. انتهى. بتصرف. هذا؛ وانظر الوعد، والوعيد في الآية رقم [٤٤].
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. وقيل: يعود إلى: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ،﴾ والأول أولى.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ:﴾ قال الزجاج: يحتمل ذلك ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقوة بعد الضعف. ووجه ذلك: أنهم إذا كانوا فقراء ضعفاء؛ فهم بمنزلة القليل، والمعنى: أنه كثركم بعد القلة، وأعزكم بعد الذلة، فاشكروا نعمة الله عليكم، وآمنوا به. انتهى خازن. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم قبلكم كقوم نوح وهود وصالح ولوط. وانظروا نظر اعتبار، وتبصر، وأقرب الأمم إليكم قوم لوط زمانا ومكانا، فانظروا كيف أرسل الله عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسله، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقْعُدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَبْخَسُوا..﴾. إلخ فهي مثلها في محل نصب مقول القول.
стр. 1973
﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿صِراطٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿تُوعِدُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: ﴿وَتَصُدُّونَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنَ بِهِ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، التقدير: تصدون عن سبيل الله الذي، أو شخصا آمن به، وجملة: ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال أيضا، وتقدير الكلام: لا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله، وباغين عوجا.
وانظر الآية رقم [٤٥] لتتمة الإعراب. (اذكروا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وعليه فالمفعول محذوف، التقدير: اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت. وقيل:
إذ مفعول به غير ظرف، التقدير: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم ﴿كُنْتُمْ قَلِيلاً﴾ كان واسمها وخبرها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَقْعُدُوا..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿فَكَثَّرَكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨٤] وهي معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة مقول شعيب على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام.
﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿طائِفَةٌ:﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل فريق، ورهط ومعشر، وجمعها: طوائف وانظر الآية رقم [٦٨] (التوبة). ومعنى الجملة الشرطية: وإن اختلفتم في رسالتي، فصرتم فرقتين: فرقة آمنت برسالتي، وفرقة كذبت بها، وجحدتها.
﴿فَاصْبِرُوا:﴾ فانتظروا، وتربصوا فيه وعيد، وتهديد. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا﴾ أي: الفريقين بأن ينصر المحقين على المبطلين، ويظهرهم عليهم. وهذا؛ وعيد للكافرين بانتقام الله تعالى منهم.
أو هو حث للمؤمنين على الصبر، واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم، وينتقم لهم منهم. أو خطاب للفريقين؛ ليصبر المؤمنون على أذى المشركين، والكافرون على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم؛ حتى يحكم الله بين الفريقين، فيميز الخبيث من الطيب. انتهى نسفي بتصرف.
стр. 1974
﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة، التي أعظمها أكل الحلال. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أي: إنه حاكم عادل، منزه عن الجور والميل والحيف في حكمه، وإنما قال: ﴿خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكما على سبيل المجاز، والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة. هذا؛ وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢] وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿طائِفَةٌ:﴾ اسمها، ولم يؤنث الفعل؛ لأن التأنيث مجازي.
﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿طائِفَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أُرْسِلْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. وانظر إعراب:
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والأول هو نائب الفاعل، وجملة: ﴿أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَطائِفَةٌ:﴾ معطوف على سابقه، ومتعلقه محذوف لدلالة، ما قبله عليه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:
﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿فَاصْبِرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اصبروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): ضمير منفصل في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (اصبروا). ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو):
ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿خَيْرُ:﴾
مضاف، و ﴿الْحاكِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.
стр. 1975
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].
﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿يا شُعَيْبُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥]. ﴿قَرْيَتِنا:﴾ المراد بها مدينة مدين، وبينها وبين مصر ثمانية مراحل، وسميت باسم الذي بناها، وهو مدين بن إبراهيم، ﵊. هذا؛ والقرية في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على الضيعة الصغيرة، وعلى المدينة الكبيرة، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة، كما رأيت في الآية رقم [٦/ ٩٢] أم القرى. هذا؛ وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها: قروي وقريي. ﴿مِلَّتِنا:﴾ ديننا، وطريقتنا، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. ﴿أَوَلَوْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي: ألم نكن كارهين لملتكم وطريقتكم، فكيف نعود فيها مع كراهتنا وبغضنا لها؟! أو: كيف تعيدوننا إليها في حال كراهتنا لها؟!
المعنى للآية: قال الأشراف في الدنيا الذين تكبروا عن الإيمان لشعيب-﵊: أنت ومن معك من المؤمنين بك بين أمرين: إما الخروج من بلدتنا، والجلاء عنها، وإما الرجوع إلى طريقتنا وملتنا، فأجابهم بقوله: ألم نكن كارهين لملتكم... إلخ، وشعيب لم يكن في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر في جميع أدوار حياتهم، لكن غلبوا الجماعة على الواحد، فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجري الجواب قوله: ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾. هذا؛ وبعضهم يقول: إن المعنى: لتصيرن في ملتنا. وعليه لا تغليب، ولا إشكال، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فإن تكن الأيّام أحسنّ مدة... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
أراد: فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد: أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان.
الإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في ﴿الَّذِينَ﴾ والهاء ضمير في محل جر بالإضافة.
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن»، والكاف مفعول به، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: و (الله) ونحوه.
стр. 1976
والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. ﴿يا شُعَيْبُ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا النداء، والجملة الندائية معترضة بين الفعل ومتعلقه، وهي من مقول الملأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الكاف الواقعة مفعولا به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلته.
﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿آمَنُوا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَرْيَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ،﴾ و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة ضمير في محل رفع فاعل. وشرح هذا كما يلي: «أصل الفعل: تعودون، فلما اتصل به نون التوكيد الثقيلة صار: تعودوننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي ثلاث نونات، فصار تعودونّ، فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الدال لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف وجوابه معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فِي مِلَّتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على اعتبار الفعل بمعنى: لترجعن، وأما على اعتباره بمعنى: لتصيرن؛ فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالَ الْمَلَأُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (شعيب). ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري داخلة على فعل محذوف، التقدير: أنعود فيها؟ الواو: حرف عطف و (لو) حرف شرط بمعنى: «إن». ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿كارِهِينَ:﴾ خبره منصوب.. إلخ، وجواب (لو) محذوف، دل عليه ما قدرته قبله، و (لو) وجوابها في محل نصب مقول القول.
هذا؛ ونقل الجمل عن أبي مسعود: أن الجملة في محل نصب حال من ضمير الفعل المقدر، والتقدير: أنعود إلى ملتكم في حال كراهتنا لها، وهذا يعني: أن (لو) وصلية شرطية، بمعنى «إن» أو غيرها، والجملة الفعلية: ﴿قالَ أَوَلَوْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً:﴾ قد اختلقنا، وابتدعنا باطلا على الله. وانظر الآية رقم [٨٩]. ﴿عُدْنا:﴾ رجعنا، أو صرنا. وانظر الآية السابقة، وما ذكرته فيها. ﴿مِلَّتِكُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها:﴾ بعد أن أنقذنا، وخلصنا الله من طريقتكم المعوجة. وانظر
стр. 1977
رفع الإشكال عن شعيب في الآية السابقة. ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها﴾ أي: لا ينبغي، ولا يحق لنا أن نرجع في ملتكم، أو نصير فيها وهو كما في الآية السابقة. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ أي:
إلا بمشيئة الله وإرادته، ونرجو أن لا يعيدنا إلى ملتكم المعوجة.
هذا، وماضي: ﴿يَشاءَ:﴾ شاء، ولم يرد له، ولا ل «أراد يريد» أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شيء على وزن فعل بكسر العين، بدليل قولك شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، ومفعول: «أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخريجي: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿رَبُّنا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي: إن الله بكل شيء عليم، فلا يصيب عبدا شيء من ضر، أو نفع إلا بعلمه، وتقديره، ومشيئته، وأحاط علمه بكل شيء مما كان ومما يكون إلى يوم القيامة. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا:﴾
اعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويبعدنا عن الفسوق، والعصيان، ويكفينا شر الأشرار. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ:﴾ ربنا احكم بيننا وبينهم، والفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة.
قال ابن عباس-﵄: ما كنت أدري ما معنى قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا..﴾. إلخ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، يعني: أقاضيك. وهذا قول قتادة، والسدي، وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأن يفتح إغلاق الإشكال بين الخصوم، ويفصلها.
وقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه: ربنا أظهر أمرنا؛ حتى ينفتح بيننا وبين قومنا، وينكشف، والمراد منه: أن نزّل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب والمؤمنين معه محقين، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف، والتمييز. انتهى خازن.
وهذا الكلام إنما قاله شعيب-على نبينا وعليه أفضل صلاة، وأتم تسليم-حينما أيس من إيمان قومه. وما ذكره الله في هذه الآية من قول شعيب، إنما هو استسلام لمشيئة الله تعالى، ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل-﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ وكان سيد الرسل ﷺ كثيرا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». بعد هذا انظر شرح: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣] وشرح:
﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢] وانظر: (بين) في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام).
стр. 1978
الإعراب: ﴿قَدِ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِفْتَرَيْنا:﴾ فعل فاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول شعيب، وفيها معنى التعجب. قاله الزمخشري، كأنه قيل: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر. هذا؛ وجه، والوجه الثاني: أن الجملة جواب قسم محذوف، حذفت منه اللام، والتقدير: والله لقد افترينا... إلخ. ذكره الزمخشري أيضا، وجعله ابن عطية احتمالا. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿عُدْنا:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله. ﴿فِي مِلَّتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على تمامه، ومتعلقان بمحذوف خبره على نقصانه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿عُدْنا،﴾ و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَجّانَا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و (نا): مفعول به. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة الفعلية: ﴿عُدْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ﴿إِنْ عُدْنا..﴾. إلخ؛ فقد افترينا... الخ، وهذا على اعتبار الجملة السابقة مستأنفة، وأما على اعتبارها جوابا لقسم محذوف؛ فيكون جواب الشرط قد حذف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:
«إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر مقدم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَعُودَ﴾ في محل رفع اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على تمامه، وبمحذوف خبر على نقصانه، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والاستئناف ممكن، وهو داخل في مقول شعيب. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل نصب على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه متصل من الأوقات العامة، التقدير: وما يكون لنا أن نعود فيها في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، أو هو مستثنى من الأحوال العامة، والتقدير: ما يكون لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله تعالى. والوجه الثاني: أن الاستثناء منقطع. هذا؛ وبعضهم يعتبر المصدر منصوبا بنزع الخافض، والتقدير: إلا بمشيئة الله. ولا تنس أن مفعول ﴿يَشاءَ﴾ محذوف، التقدير: إلا أن يشاء الله إهلاكنا. ونحوه. ﴿رَبُّنا:﴾ بدل من لفظ الجلالة بدل كل من كل، أو هو عطف بيان عليه. ﴿وَسِعَ:﴾ ماض. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِلْماً:﴾ تمييز، وجوز اعتباره
стр. 1979
مفعولا مطلقا، عامله: ﴿وَسِعَ؛﴾ لأن معناه: علم، وجملة: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ كالتعليل للاستثناء؛ إذ المعنى: فلا يبعد أن يكون في علمه أن يهلكنا بسبب الأسباب لأنه قد أحاط بكل شيء علما.
﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿تَوَكَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي داخلة في المقول. ﴿رَبُّنا:﴾ منادى حذف أداة النداء منه. وانظر الآية رقم [٢٣] تجد ما يسرك، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اِفْتَحْ:﴾ فعل دعاء وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة.
(بين): معطوف على ما قبله، و (بين) مضاف، و ﴿قَوْمِنا:﴾ مضاف إليه، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِفْتَحْ﴾. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الآية في الآية رقم [٨٧] وهي في محل نصب حال من فاعل: ﴿اِفْتَحْ﴾ المستتر، والرابط:
الواو، والضمير، والآية كلها في محل نصب مقول القول.
﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥] انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿شُعَيْباً:﴾ انظر الآية رقم [٨٥] والمعنى: إن الكفارة العظماء في الدنيا يحذرون الناس من اتباع شعيب، وإنهم إن اتبعوه، واستبدلوا الكفر بالإيمان خسروا، لاستبدال الضلالة بالهدى، أو لفوات ما يحصل لهم من فوائد مالية بالبخس، أو التطفيف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٨٨] والجملة الفعلية: (قال...) إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿لَئِنِ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿شُعَيْباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. إذن حرف جواب، وجزاء. ﴿لَخاسِرُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (خاسرون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والقسم، وجوابه، والشرط، ومدخوله، كل أولئك في محل نصب مقول القول.
стр. 1980
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١)﴾
الشرح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ الزلزلة الشديدة، وفي سورة (الحجر): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ ولعلها كانت من مبادئها. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٧٨].
قال ابن عباس، وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم، فأرسل عليهم حرّا شديدا من جهنم، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل، ولا ماء، فدخلوا في الأسراب؛ ليبردوا فيها، فوجدوها أشد حرّا من الظاهر، فخرجوا هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة، فأظلتهم، وهي الظلة المذكورة في سورة (الشعراء) فوجدوا لها بردا ونسيما، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحت السحابة: رجالهم، ونساؤهم، وصبيانهم؛ ألهبها الله عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض من تحتهم، فاحترقوا كاحتراق الجراد المقلي، وصاروا رمادا. انتهى.
خازن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: انظر إعراب الآية بكاملها برقم [٧٨].
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً:﴾ أعرضوا عن الإيمان به، وجادلوه بالباطل. وانظر شرح (شعيب) في الآية رقم [٨٥]. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. كأنهم لم يقيموا في ديارهم، ولم ينزلوها في يوم من الأيام، يقال: غنيت بالمكان. أي: أقمت به، والمغاني: المنازل التي بها أهلها، واحدها: مغنى، قال الشاعر: [الكامل]
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد
وقال المتنبي في وصف شعب بوان: [الوافر]
مغاني الشّعب طيبا في المغاني... بمنزلة الربيع من الزمان
هذا؛ وانظر إعلال مثل: ﴿يَغْنَوْا﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ أي: خسروا أنفسهم بهلاكهم دنيا، وأخرى، لا الذين صدقوا شعيبا، واتبعوه، كما زعموا، فإنهم هم الرابحون في الدارين. وللتنبيه على هذا؛ والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف بالجملتين، وأتى بهما اسميتين. انتهى. بيضاوي.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية صلة
стр. 1981
الموصول لا محل لها. ﴿شُعَيْباً:﴾ مفعول به. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: «كأنهم». ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يَغْنَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَذَّبُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُمُ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة، وحرك بالضم لالتقاء الساكنين، أو هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ولو قرئ ما بعده بالرفع؛ لكان مبتدأ، وما بعده خبره؛ إذ يجوز في مثل ذلك ثلاثة أوجه، ولكني لم أعثر على قراءة بالرفع فيبقى الوجهان اللذان ذكرتهما. ﴿الْخاسِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء إلى آخره، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ بدل مما قبلها، أو هي توكيد لها، والغرض من ذلك المبالغة كما ذكرته سابقا. خذ هذا الإعراب، وتوكل على الوهاب.
هذا؛ وقال أبو البقاء ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ لك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مبتدأ، وفي الخبر وجهان: أحدهما: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ وما بعده جملة أخرى، أو بدل من الضمير في:
﴿يَغْنَوْا،﴾ أو نصب بإضمار: «أعني». والثاني: أن الخبر: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً..﴾. إلخ و ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ على هذا حال من الضمير في: ﴿كَذَّبُوا،﴾ والوجه الثاني: أن يكون صفة لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والثالث: أن يكون بدلا منه، وعلى الوجهين يكون: ﴿كَأَنْ لَمْ..﴾. إلخ حالا، وهو تكلف، وتعسف، كما ترى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ..﴾. إلخ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٧٩] بلا فارق بينهما. ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أي: فكيف أحزن... إلخ.
قال النسفي: اشتد حزنه على قومه، ثم أنكر على نفسه، فقال: كيف يشتد حزني على قوم، ليسوا بأهل للحزن عليهم، لكفرهم، واستحقاقهم ما نزل بهم؟! أو أراد: لقد أعذرت لكم في الإبلاغ، والتحذير مما نزل بكم، فلم تصدقوني، فكيف أحزن عليكم؟! انتهى. بتصرف.
﴿آسى:﴾ أحزن، والماضي: أسى، والمصدر أسا من باب: تعب، فهو أسيّ مثل: حزين،
стр. 1982
وآسى أصله مثل: آمنوا، وآدم، انظر الآية رقم [١١]. ﴿قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].
﴿كافِرِينَ:﴾ انظر (الكفر) في الآية رقم [٦٥].
الإعراب: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٧٩]. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (كيف): اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿آسى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كافِرِينَ:﴾ صفة قوم مجرور... إلخ، وجملة: ﴿فَكَيْفَ آسى..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. وانظر الآية رقم [٣٨].
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿قَرْيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [٨٨]. ﴿نَبِيٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿أَهْلَها:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. ﴿بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٤٢]. ﴿يَضَّرَّعُونَ:﴾ يخضعون، ويتوبون؛ إذ التضرع: التخشع، والتذلل، والانقياد، وترك التمرد والعصيان.
قال الجمل: لم يدغم في «الأنعام»، أي في الآية رقم [٤٣] لمناسبة الماضي المذكور هناك بقوله: ﴿تَضَرَّعُوا﴾ في أن كلاّ منهما جاء على الفك، وهنا لم يذكر الماضي، بل أتى بالمضارع مدغما على الأصل. وانظر الترجي في هذه الآية، وأمثالها في الآية رقم [٢٦].
قال الجمل: في الآية إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم إثر بيان أحوال الأمم المذكورة تفصيلا أي فيما تقدم من هذه السورة، والمقصود من ذلك: تحذير، وتخويف كفار قريش، وغيرهم من الكفار المعاندين لينزجروا عما عليه من الكفر، والتكذيب. انتهى. نقلا من أبي السعود، والخازن.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿فِي قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَهْلَها:﴾
مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَأْساءِ:﴾ متعلقان بالفعل: (أخذ). ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٦].
وجملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير «قد»
стр. 1983
قبلها، وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبيّا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا قد أخذنا... إلخ، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿السَّيِّئَةِ:﴾ البلاء، كقحط، ومرض وشدائد، وقال أهل اللغة: السيئة: كل ما يسوء الإنسان، وأصلها «سيوئة» قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿الْحَسَنَةَ:﴾ الخير والنعمة كخصب وعافية، وراحة بال، وقال أهل اللغة: هي كل ما يستحسنه الطبع والعقل.
هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿حَتّى عَفَوْا:﴾ حتى كثروا عددا، وعددا، وهو يتعدى ولا يتعدى. ويقال: عفا النبات، وعفا الشحم، والوبر: إذا كثر. وقال الحطيئة: [الطويل]
بمستأسد الغربان عاف نباته... بأسؤق عافيات الشّحم كوم
ومنه: إعفاء اللحية؛ أي: تركها حتى تطول، وتنمو. وعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الشاعر: [البسيط]
وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد
وعفو المال: ما يفضل عن الحاجة، قال تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي:
الفاضل عن حاجتهم، وعفا، يعفو بمعنى: صفح، يصفح، وهو كثير في القرآن، والعافي:
طالب المعروف والإحسان. قال عروة بن الورد: [الطويل]
وإني امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
وجمع العافي: عفاة. قال الأعشى: [المتقارب]
تطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن
قالوا: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مَسَّ:﴾ أصاب، ونزل. ﴿الضَّرّاءُ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٤٢]. ﴿وَالسَّرّاءُ:﴾ كل ما يسر من نعمة، وصحة، وغير ذلك. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ الشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. والمعنى: وما يشعرون أن وبال كفرهم راجع على أنفسهم. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] وانظر مثل إعلال: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية [٢٥].
ومعنى الآية: يقول الله تعالى: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء، والشدة السلامة من الآفات، والعاهات، والسعة في الأرزاق، والأموال اختبارا، وامتحانا بالأمرين؛ حتى كثروا
стр. 1984
عددا، وعددا، ولكنهم كفروا النعمة، وقالوا: قد أصاب آباءنا ما أصابنا من الخير، والشر.
وهذا كفران لنعمة الله، ونسيان لذكره، واعتقاد منهم بأن من عادة الدهر أن يعاقب في الناس بين السراء والضراء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦٨] الآتية.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَدَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿مَكانَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و ﴿السَّيِّئَةِ:﴾ مضاف إليه.
﴿الْحَسَنَةَ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿مَكانَ﴾ ظرفا، والتقدير: في مكان السيئة.
﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مقدرة. ﴿عَفَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة بعد:
﴿حَتّى،﴾ والفعل: ﴿عَفَوْا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿بَدَّلْنا،﴾ وجملة: ﴿بَدَّلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ داخلة في حكمها. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. و ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَسَّ:﴾ ماض. ﴿آباءَنَا:﴾ مفعول به، و (نا): ضمير في محل جر بالإضافة.
﴿الضَّرّاءُ:﴾ فاعل. ﴿وَالسَّرّاءُ:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿قَدْ مَسَّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ الفعل وحده معطوف على: ﴿عَفَوْا،﴾ فهو داخل في حكمه.
﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والفعل وحده معطوف على عفا، فهو داخل في حكمه. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من نا، أو من الهاء بمعنى مباغتين، وهو مفعول لفعل محذوف، التقدير:
تبغتهم بغتة، فتكون هذه الجملة في محل نصب حال، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا ل (أخذ) على غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا. (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾
الشرح: ﴿أَهْلَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. ﴿الْقُرى:﴾ جمع قرية، والمدلول عليها بقوله:
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾. وقيل: المراد: مكة وما حولها. وانظر الآية رقم [٨٨].
﴿آمَنُوا:﴾ انظر «الإيمان» رقم [٢]. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أي: الكفر والمعاصي ومن جملتها قولهم في الآية السابقة: ﴿مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ﴾ وانظر «التقوى» في الآية رقم [٢٦]. ﴿لَفَتَحْنا:﴾
بالتخفيف، والتشديد قراءتان سبعيتان ﴿السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١]. هذا؛ والسماء
стр. 1985
يذكر، ويؤنث. والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء:
المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام. وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ﴿كَذَّبُوا﴾ أي: الرسل. ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ وهذا الأخذ عبارة عما في قوله: ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ فهو الأخذ حال السعة، والرخاء، لا حال الشدة، والبلاء، وذلك أعظم حسرة، وأشد ندامة.
قال الخازن: بركات السماء المطر، وبركات الأرض النبات، والثمار، وجميع ما فيها من الخيرات، والأنعام، والأرزاق، والأمن، والسلامة من الآفات، وكل ذلك من فضل الله، وإحسانه على عباده. وأصل البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وسمي المطر بركة السماء؛ لثبوت البركة فيه، وكذا ثبوت البركة في نبات الأرض؛ لأنه نشأ عن بركات السماء، وهو المطر. انتهى.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿أَهْلَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، وهو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو ثبت إيمانهم، وعند سيبويه في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو إيمانهم ثابت أو حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. والجملة الفعلية في محل رفع خبر:
﴿أَنَّ﴾. (اتقوا): إعرابه مثل إعراب: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية السابقة. ﴿لَفَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل، واللام واقعة في جواب لو. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَرَكاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَرَكاتٍ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَفَتَحْنا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَذَّبُوا:﴾ مثل ﴿آمَنُوا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ انظر مثله في الآية السابقة ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الآية رقم [٣٩] مع التقدير ففيه الكفاية، وجملة:
﴿فَأَخَذْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 1986
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧)﴾
الشرح: ﴿أَهْلُ الْقُرى:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿يَأْتِيَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿بَأْسُنا:﴾
عذابنا وانظر الآية رقم [٦/ ٤٢]. ﴿بَياتاً:﴾ ليلا، وهو في الأصل مصدر «بات»، وأما مصدر «بيّت» فهو «تبييت»، فالأول مثل سلام، والثاني مثل: تسليم. ﴿نائِمُونَ:﴾ النوم هو قسمان: نوم العين ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية، تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب فهو تعطيل القوى المدركة، الثاني لم يقع منه ﷺ ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي». ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]
لا تنكر الوحي من رؤياه، إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
هذا؛ وما يتقدم النوم يقال: له «سنة» بكسر السين، وهو المسمى بالنعاس. هذا؛ والمنام مصدر بمعنى النوم، أو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصالح لهذا كله.
الإعراب: ﴿أَفَأَمِنَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف. (أمن أهل): فعل ماض، وفاعله، و ﴿أَهْلُ:﴾ مضاف، و ﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمصدر المؤول من «أن» المصدرية، والمضارع المنصوب بها في محل نصب مفعول به، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بَياتاً:﴾ حال من: ﴿بَأْسُنا﴾ بمعنى: مستخفيا باغتا لهم ليلا، وجوز اعتباره ظرفا، ومفعولا مطلقا عامله محذوف. ﴿وَهُمْ نائِمُونَ:﴾ مبتدأ وخبر والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:
الواو، والضمير، والجملة الفعلية: ﴿أَفَأَمِنَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَأَخَذْناهُمْ..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض، قال الزمخشري: المعنى: فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا، وأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهذا رجوع عن مذهبه الذي ذكرته في الآية رقم [٦٤] إلى مذهب الجماعة. انتهى جمل بتصرف كبير.
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿أَوَأَمِنَ:﴾ (أو) يقرأ بفتح الواو، وسكونها على أنها لأحد الشيئين. وانظر شرح باقي الكلام في الآية السابقة وانظر اللعب في الآية رقم [٦/ ٣٢]. هذا؛ و (الضحى): اشتداد الشمس، وامتداد النهار، يقال: ﴿ضُحًى﴾ وضحاء بالفتح والمد لقوة ارتفاعها. قبل الزوال.
والضحى مؤنث. هذا؛ والإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق، والآية المعطوفة على ما قبلها، والعاطف الواو، أو (أو).
стр. 1987
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)﴾
الشرح: ﴿مَكْرَ اللهِ:﴾ عقابه، وجزاءه، وقد استعير هنا لاستدراج العبد، وأخذه من حيث لا يحتسب. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْقَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].
﴿الْخاسِرُونَ:﴾ الذين خسروا أنفسهم بالكفر، وترك النظر والاعتبار. وانظر «الخسران» في الآية رقم [٥] من سورة (المائدة). فإنه جيد.
قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: تكرير النكير لزيادة التوبيخ، والمراد ب ﴿مَكْرَ اللهِ﴾ إتيان بأسه في الوقتين المذكورين، ولذلك عطف الأول، والثالث بالفاء، فإن الإنكار فيهما متوجه إلى ترتب الأمن على الأخذ المذكور. وأما الثاني؛ فمن تتمة الأول، فلذلك عطف بالواو انتهى. نقلا من أبي السعود. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٦].
الإعراب: ﴿أَفَأَمِنُوا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف. (أمنوا):
فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿مَكْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَأْمَنُ:﴾ مضارع. ﴿مَكْرَ اللهِ:﴾ مثل الأول. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.
﴿الْقَوْمُ:﴾ فاعل ﴿يَأْمَنُ﴾. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمُ﴾ مرفوع مثله... إلخ، وجملة: ﴿فَلا يَأْمَنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، بالفاء فأفادت: أن العذاب يعقب أمن مكر الله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ:﴾ أو لم يتبين. ويقرأ بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأه مجاهد بالنون. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها:﴾ المراد بهم: أهل مكة، وما حولها، الذين ورثوا الأرض من بعد موت أصحابها. وانظر (أهل) في الآية رقم [٨٣]. ﴿نَشاءُ:﴾ انظر (شاء) في الآية رقم [٨٩]. ﴿أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ:﴾ أهلكناهم بسبب ذنوبهم، كما أهلكنا من قبلهم من القرون الخالية. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ نختم؛ إذ الطبع: الختم، وهو التأثير في الطين ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى إليها. والطبع أيضا: السجية التي جبل عليها الإنسان. ﴿لا يَسْمَعُونَ:﴾ هذا الفعل من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار
стр. 1988
الفارسي. واختار ابن مالك ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول: كذا. والمعنى: فهم لا يسمعون سماع تدبر واعتبار، وانتفاع، وإن كان لهم آذان.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الواو: حرف استئناف. وانظر الآية رقم [٦٥] لإعراب (أفلا). (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، وفي فاعله ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه المصدر المؤول من ﴿أَنْ لَوْ..﴾. إلخ. الثاني: أن الفاعل هو ضمير (الله) تعالى، أي: أو لم يبين الله. ويؤيده قراءة من قرأ: «(نهد)» الثالث: أنه ضمير عائد على ما يفهم من سياق الكلام، أي: أو لم يهد ما جرى للأمم السابقة؟! وعلى هذين الوجهين ف ﴿أَنْ﴾ وما في حيزها في تأويل مصدر كما تقدم في محل المفعول، وهذا المصدر مفعول به أيضا على قراءة النون. انتهى باختصار من الجمل نقلا عن السمين. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ صلة الموصول. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿يَرِثُونَ،﴾ و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿أَهْلِها:﴾ مضاف إليه، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَشاءُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمفعول محذوف، دل عليه جواب: ﴿لَوْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَصَبْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به.
﴿بِذُنُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَصَبْناهُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر. انظر الكلام فيه فيما تقدم. ﴿وَنَطْبَعُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والذين لا يجيزون عطف المضارع على الماضي يقدرون قبلها مبتدأ، التقدير: ونحن نطبع... إلخ، وهو على الاستئناف ويؤيده عطف الجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ عليها. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿تِلْكَ الْقُرى﴾ أي: التي مر ذكرها، وهي قرى قوم نوح، وصالح، وهود، ولوط، وشعيب. وانظر القرية في الآية رقم [٨٨]. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها:﴾ نخبرك عنها، وعن أخبار أهلها، وما كان من أمرهم، وأمر رسلهم؛ الذين أرسلوا إليهم. ففيه تسلية للنبي ﷺ ، وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم.
стр. 1989
هذا؛ والنبأ: الخبر وزنا، ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى «أعلم»، فلذلك يتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في هذه الآية. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات.
﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ والمعنى: لم يؤمنوا، ولم يتركوا التكذيب من قبل مجيء المعجزات ومن بعد مجيئها أيضا، فقد استمروا على كفرهم، إلى أن أهلكهم الله تعالى.
قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب قول أبي بن كعب، والربيع بن أنس: إن من سبق في علم الله: أنه لا يؤمن به؛ فلا يؤمن أبدا، وقد كان سبق في علم الله لمن هلك من الأمم الذين قص خبرهم في هذه السورة: أنهم لا يؤمنون أبدا، فأخبر عنهم: أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم مكذبون به في سابق علمه قبل مجيء الرسل عند مجيئهم إليهم. ﴿يَطْبَعُ:﴾ انظر الآية السابقة.
﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْقُرى:﴾ فيه أوجه: الأول: كونه خبرا، والجملة بعده في محل نصب حال منه، والرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. الثاني: كونه بدلا من اسم الإشارة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الثالث: كونه خبرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان. والمعتمد الأول، ويؤيده مجيء الحال مفردا منصوبا في قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ وغير ذلك. ﴿نَقُصُّ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْبائِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وقد رأيت ما قيل في محل الجملة. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب هذا القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾
متعلقان بالفعل: (جاء). وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ﴾ بمعنى مبينين لهم، والجملة الفعلية: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَما:﴾ الفاء: عاطفة. (ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿لِيُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من
стр. 1990
الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) والتقدير: وما كانوا مريدين للإيمان. ﴿بِما:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كذبوا به، والجملة الفعلية: ﴿فَما كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يطبع الله على قلوب الكافرين من أهل مكة طبعا كائنا مثل طبعه على قلوب الأمم السابقة. وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له.
وأرجو أن يكون الإعراب مفهوما؛ لأنه لا خفاء فيه.
﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ:﴾ وما وجدنا لأكثر الناس، أو لأكثر الأمم المتقدمة من وفاء بالعهد، فإنهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإيمان، والتقوى بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، وبإجراء المعجزات، وإقامة الحجج الدامغات. أو نقضوا ما عهدوا إليه حين كانوا في ضر، ومخافة، مثل ما ذكر من قولهم: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾.
هذا؛ وقد قيل: إن عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ بأن يقروا بربوبيته، وهو ما ذكره في الآية رقم [١٧٢] من هذه السورة.
والعهد الثاني خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وذلك في الآية رقم [٧] من سورة (الأحزاب) والعهد الثالث: خص به العلماء من كل أمة، وذلك في الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران). ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ:﴾ وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا، وأمرنا. وهذا تأويل كوفي كما ستقف عليه في الإعراب. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿لِأَكْثَرِهِمْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: تعليقهما بالفعل قبلهما، وهو الظاهر، كقولك: ما وجدت له مالا، أي ما صادفت له مالا، ولا لقيته. الثاني:
تعليقهما بمحذوف حال من ﴿عَهْدٍ؛﴾ لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها نصب على الحال. وعلى هذين الوجهين ف (وجد) متعد لواحد، وهو ﴿عَهْدٍ﴾. الثالث: تعلقهما في محل نصب مفعولا ثانيا ل: (وجد) إذ هي بمعنى: علم، والمفعول الأول هو ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ وقد يترجح هذا بأن (وجد) الثانية علمية، فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام، ومناسبة له. ومن
стр. 1991
يرجح الأول يقول: إن الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر. انتهى جمل نقلا عن السمين بتصرف. ﴿عَهْدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو ﴿مِنْ﴾. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة.
﴿وَجَدْنا:﴾ مثل سابقه. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿لَفاسِقِينَ﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة، والنافية. (فاسقين): مفعول به ثان منصوب، وهذا الإعراب إنما هو إعراب البصريين، وقد توافرت الشروط لإهمالها، وهو إيلاؤها فعلا ناسخا، ووجود اللام في خبرها. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل
هذا؛ وأما الكوفيون؛ فيعتبرون: (إن) نافية بمعنى (ما) واللام بمعنى (إلا) والآية الكريمة مستأنفة معترضة بين المتعاطفين، وهو أولى من العطف على ما قبلها لاختلاف الفعلين بالماضي، والمضارع.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب. وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق «ربّ» و «لا» العاملة عمل «ليس»، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ وثم هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.
﴿بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة، أو من بعد الأمم الذين أهلكهم الله بمخالفة تلك الرسل. ﴿مُوسى:﴾ هو في الأصل: موشى بالشين مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالت: «موسى» بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر لما ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه)، و (القصص). ﴿فِرْعَوْنَ:﴾
قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء، ومكر. وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر كقيصر لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وكان فرعون موسى-﵇-مصعب بن الريان،
стр. 1992
-وقيل: ابنه الوليد-من بقايا «عاد». وانظر الآية التالية. وفرعون يوسف-﵇-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة. ﴿فَظَلَمُوا بِها:﴾ كفروا بتلك الآيات بدل الإيمان، فوضع (ظلموا) زيادة في التشنيع عليهم؛ إذ من حق العاقل أن يؤمن، ويقبل الموعظة والنصيحة عند ما يتبين له طريق الهدى. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام). (الملأ): انظر الآية رقم [٦٠] وإنما خص الملأ بالذكر؛ لأنهم إذا آمنوا؛ آمن الأتباع. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ:﴾ انظر هذه الجملة في الآية رقم [٨٣] ففيها الكفاية لذوي الدراية. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿بَعَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى،﴾ التقدير: مبعوثا أو مرسلا، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بالفعل (بعثنا)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. (ظلموا):
فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة، و ﴿ثُمَّ﴾ عطفت قصة موسى مع فرعون على ما قبلها من قصص في هذه السورة. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨٤] تجده وافيا كافيا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأعز، وأكرم.
﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية السابقة.
﴿يا فِرْعَوْنُ:﴾ انظر الآية السابقة، وأضيف هنا ما ذكره الخازن، وغيره: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو حمى ليلة، أو وجع؛ لما ادعي الربوبية. ﴿رَسُولٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].
الإعراب: ﴿وَقالَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل. (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (فرعون):
منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿رَسُولٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ متعلقان ب (رسول)، أو بمحذوف صفته، و ﴿رَبِّ:﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ كلام مستأنف لتفصيل ما أجمل قبله من كيفية
стр. 1993
إظهار الآيات، وكيفية عاقبة المفسدين، ولم يكن هذا القول، وما بعده من جواب فرعون إثر ما ذكر ما هاهنا، بل بعد ما جرى بينهما من المحاورات المحكية بقوله تعالى ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ وقوله: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ الآيات، فطوى ذكره هنا للإيجاز. انتهى أبو السعود.
﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿حَقِيقٌ:﴾ واجب. وقيل: جدير. والمعنى لا يؤيده. ﴿عَلى أَنْ:﴾ قرأ الجمهور بتخفيف اللام، وقرأ نافع بتشديد الياء. ﴿أَقُولَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْحَقَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ انظر رقم [٤]. ﴿بِبَيِّنَةٍ:﴾
معجزة. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ ﴿بَنِي:﴾ أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع ابن مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبي الله يعقوب، ﵊، ومعناه في اللغة العبرية:
صفوة الله، أو عبد الله، ف «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و «إيل» هو الله، وأولاد يعقوب كانوا اثني عشر رجلا، فأولاد كل واحد منهم صاروا قبيلة، ويطلق على هذه القبائل: الأسباط، كما هو مذكور في غير ما آية وانظر الآية رقم [١٦٠]. ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ فاتركهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة؛ التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم، واستخدمهم في الأعمال الشاقة، وسامهم سوء العذاب، وانتقالهم من بلاد الشام إلى أرض مصر كان في عهد يوسف، ﵇، كما هو معروف في سورة (يوسف).
الإعراب: ﴿حَقِيقٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: أنا حقيق. ﴿عَلى أَنْ:﴾ ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَقُولَ:﴾ مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به؛ لأنه يتضمن معنى الجملة، وجوز أن يكون منصوبا على المصدر، أي: القول الحق. انتهى جمل. و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿حَقِيقٌ﴾. هذا؛ وجه من: الإعراب، والوجه الثاني: ﴿حَقِيقٌ:﴾ مبتدأ، والجار والمجرور اللذان ذكرتهما في محل رفع خبره وعلى قراءة «(عليّ)» بتشديد الياء فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿حَقِيقٌ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ لا أَقُولَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير:
واجب علي قول الحق. وقد أغرب أبو البقاء حيث اعتبر: ﴿حَقِيقٌ﴾ صفة ل: ﴿رَسُولٌ﴾ أو خبرا بعد خبر. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول كالجملة الاسمية قبلهما. ﴿بِبَيِّنَةٍ:﴾ متعلقان
стр. 1994
بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: (بينة) أو محذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَرْسِلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (أرسل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، أو للتركيب الذي رأيته، وجملة: ﴿فَأَرْسِلْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.
والكلام كله من مقول موسى ﵇.
﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿كُنْتَ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿جِئْتَ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿بِآيَةٍ:﴾ معجزة تدل على صدقك. وانظر الآية رقم [٩]. ﴿فَأْتِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] والمعنى: إن فرعون قال لموسى بعد تبليغ الرسالة: إن كنت جئت من عند من أرسلك ببينة تدل على صدقك؛ فائتني بها، وأحضرها؛ لتصح دعواك، ويثبت صدقك فيما قلت. انتهى خازن.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾
ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة:
﴿كُنْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَأْتِ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ائت): أمر بمني على حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلهما دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
﴿فَأْتِ بِها﴾ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وإعراب: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واضح إن شاء الله تعالى. وحذف جواب الشرط لدلالة جواب الأول عليه، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ:﴾ فطرح موسى عصاه على الأرض. ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾
(الثعبان): ذكر الحيات العظيم الضخم. وفي آية أخرى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ والجان: الحية الصغيرة.
стр. 1995
ووجه الجمع: أنها كانت في العظم كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة، كالحية الصغيرة، وهي الجان. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح لمن يراه. وانظر إعلاله في الآية رقم [٢٢].
قال ابن عباس-﵄: لما ألقى موسى عصاه؛ صارت حية عظيمة، صفراء، شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا، وأحدث، أي: تغوط في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم مرات عديدة، واستمر معه هذا المرض، وهو الإسهال حتى غرق، وقد انهزم الناس خوفا مزدحمين، وقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون قصره، وصاح: يا موسى! أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أؤمن بك، وأرسل معك بني إسرائيل! فأمسكها بيده، فعادت عصا كما كانت. انتهى. خازن، وغيره.
هذا؛ والعصا كانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب ﵇، فأعطاها لموسى حين لجأ إليه، وزوّجه إحدى ابنتيه، وأسند إليه رعاية الغنم.
هذا؛ والعصا تطلق على أمور، يقال: ألقى عصاه، أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل عربي. ويقال: انشقت العصا. أي: وقع الخلاف بين القوم، قال الشاعر: [الطويل]
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهند
وهذا هو الشاهد [٩٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، انظر إعرابه هناك، فإنه جيد، ويقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم، وائتلافهم، والعصيان: ضد الطاعة، وتجمع العصا على «عصي» بضم العين، وكسرها، وتشديد الياء، قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾. ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: عصوّ؛ لأن ألفها منقلبة عن واو، ولذا يقال في تثنيتها: عصوان، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها طرف، ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصوي) فاجتمعت الواو، والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة العين حركة الصاد. وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (طه).
الإعراب: ﴿فَأَلْقى:﴾ (ألقى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى موسى. ﴿عَصاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف دال على التعقيب، كما ترى. (إذا): للمفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال
стр. 1996
لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، يرجحه:
خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب. لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أن عاملها مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري. وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر، فعاملها:
مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى ملخصا من مغني اللبيب.
وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان... إلخ، وتعليقها ب: ﴿مُبِينٌ،﴾ كما ذكرت في المثال المتقدم لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير، تأمل، وتدبر. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿ثُعْبانٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة إذا إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع، وعلى تعليقها ب: ﴿مُبِينٌ﴾ فتبقى الجملة اسمية معطوفة على الفعلية قبلها.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه. والمراد بها: اليمنى.
هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي:
نعمة ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر. أي:
لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ:﴾ ولا تكون بيضاء للناظر إلا إذا كان بياضها عجيبا خارجا عن العادة، يجتمع الناس للنظر إليه، كما تجتمع النظار للعجائب.
روي: أن موسى-﵇-كان أسمر شديد السمرة، فأدخل يده في جيبه، أو تحت إبطه، ثم نزعها؛ فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. وقال سبحانه في سورة (طه): ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فهو احتراز عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه.
وبياضها طارئ، لا جبلّي.
الإعراب: هو كما في الآية السابقة بلا فارق. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿بَيْضاءُ﴾ لأنه صفة مشبهة.
﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿قَوْمِ:﴾
انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿لَساحِرٌ:﴾ هو الذي يستعمل السحر، وهو
стр. 1997
كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له في وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٢] (البقرة) عن نسبة السحر إلى سليمان، ﵇، والحكم في تعلمه، ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر.
تنبيه: أسند القول هنا إلى ﴿الْمَلَأُ،﴾ وفي سورة (الشعراء) إلى فرعون نفسه: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ وأجاب الزمخشري عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنهم، وفي الشعراء عنه. والثاني: أنه قاله ابتداء، وتلقنه عنه خاصته، فقالوه لأعقابهم. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس. على طريق التبليغ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة. وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى.
الإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:
﴿الْمَلَأُ،﴾ و ﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾
اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له.
﴿لَساحِرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ واللام المزحلقة. ﴿عَلِيمٌ:﴾ صفة ساحر، وجملة: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ هذا من بقية الكلام الذي قبله، وفي (الشعراء) زيادة: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ بيان لسبب الإخراج، وينبغي ملاحظته هنا. وهذه الجملة من كلام الملأ، وقد خاطبوا فرعون وحده بذلك تعظيما له كما يخاطب الملوك بصفة الجمع، أو يكونون قالوه له، ولامرأته، أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول؛ أي: فقال لهم فرعون. والأول أصح، وأقوى. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ:﴾ بمعنى: ماذا تشيرون، من: المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح النون، وكسرها.
وانظر باقي الكلام في الإعراب؛ ففيه مزيد إيضاح.
الإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى)، والمصدر المؤول من الناصب، والمضارع في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل
стр. 1998
قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، أما الأولى فهي في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والمتعلق محذوف، تقديره: بسحره، كما مرت الإشارة إليه، وجملة:
﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿أَنْ،﴾ فهي من جملة مقول الملأ. ﴿فَماذا:﴾ الفاء:
هي الفصيحة (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول اعتباره مفعولا مقدما للفعل بعده، والثاني اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول به والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: تأمروننا به، وأما على قراءة كسر النون، فهي نون الوقاية، وتكون قد حذفت نون الرفع، والمفعول به، والتقدير: تأمرونني به، والجملة الفعلية على الاعتبارين صلة (ذا) أو هي في محل رفع خبر، أو هي فعلية لا محل لها، وجملة: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فماذا تأمرون؟ وهذا الكلام من مقول الملأ. هذا؛ وقد قيل: إنه من مقول محذوف لفرعون، التقدير:
قال فرعون للملإ: فماذا... إلخ، ويؤيده قراءة النون بالكسر، وعليه فالجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.
﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فيه ست قراءات، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع حتى يتولد منها واو.
وثلاثة بحذف الهمزة: ﴿أَرْجِهْ﴾ بسكون الهاء، وكسرها من غير إشباع، وبه حتى يتولد منها ياء.
﴿وَأَرْسِلْ:﴾ وفي (الشعراء): ﴿وَابْعَثْ﴾ ﴿الْمَدائِنِ﴾ قيل: هي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ومدائن: جمع مدينة على وزن فعيلة، فالياء زائدة في المفرد، فلذلك تقلب همزة في الجمع مثل: صحيفة، وصحائف، وغير ذلك، والمدينة من: مدن يمدن بالمكان: إذا أقام به، فالفعل من باب: نصر. ﴿حاشِرِينَ:﴾ جامعين.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون على الهمزة المحذوفة كما رأيت؛ والهاء مفعول به، وتسكينها قراءة، كما رأيت، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. أخاه: معطوف على الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْسِلْ:﴾ أمر، وفاعله أنت، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب
стр. 1999
مقول القول مثلها. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: رجالا حاشرين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿يَأْتُوكَ﴾ أي: الرجال المرسلون إلى المدائن. ﴿ساحِرٍ:﴾ وفي قراءة: «(سحّار)»، وهو في (الشعراء) متفق على قراءته، وهو صيغة مبالغة اسم الفاعل. ﴿عَلِيمٍ:﴾ متفوق في علم السحر. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥].
الإعراب: ﴿يَأْتُوكَ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر: (أرسل) وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿ساحِرٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والذي في الآية رقم [١٠٩] مثله.
﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ فأرسل في طلبهم الشرطة، والجنود، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وكانوا اثنين وسبعين. وقيل: كانوا آلافا.
وانظر: ﴿وَجاءَ﴾ في الآية رقم [٤] والسحرة في الآية رقم [١٠٩] و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّ لَنا..﴾. فيقرأ: «(أإن)» بهمزتين، بمد الهمزة الأولى، وقصرها، قراءات كثيرة فيها، ونكر (أجرا) للتعظيم، قال الزمخشري كقوله:
«إن له لإبلا، وإن له لغنما». ﴿الْغالِبِينَ﴾ أي: لموسى ولسحره.
الإعراب: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على مقدر رأيته في الشرح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب مثله في الآية رقم [٤].
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، وهمزة الاستفهام قبلها في قراءة من قرأ بها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿لَأَجْراً:﴾ اسمها مؤخر، واللام لام الابتداء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. قال الإمام فخر الدين الرازي-رحمه الله تعالى-: ولقائل أن يقول: كان حق الكلام: (فقالوا) بالفاء. وجوابه: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاءوا، فأجيب بقوله:
стр. 2000
﴿قالُوا..﴾. إلخ. انتهى خازن. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا) اسمها. ﴿نَحْنُ:﴾ تأكيد ل (نا)، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والشرط، ومدخوله في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿نَعَمْ﴾ أي: إن لكم أجرا. ف (نعم) حرف جواب سد مسد هذه الجملة. وانظر الآية رقم [٤٤]. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ..﴾. إلخ: أي: ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، فتكونون أول من يدخل، وآخر من يخرج من عندي.
قال الكلبي: والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا، وإلا؛ لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا؛ لما احتاجوا إلى طلب الأجر، والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان؛ لقلبوا التراب ذهبا، ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ورؤساءهم، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل، والأكاذيب. انتهى جمل.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿نَعَمْ:﴾ هذا الحرف يا قوم مقام جملة، كما رأيت مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المقربين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿نَعَمْ﴾ السادة مسد الجملة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ أي: حبالك، وعصاك، ومثله: ﴿نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: حبالنا، وعصينا، وفي قولهم لموسى-﵇-هذا القول مراعاة لحسن الأدب، ولذلك منّ الله عليهم بالإيمان. وانظر: ﴿وَإِمّا﴾ في الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة).
قال البيضاوي: خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، فنبهوا عليها بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، وتأكيد
следующие страницы →