Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، يرجحه:
خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب. لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أن عاملها مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري. وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر، فعاملها:
مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى ملخصا من مغني اللبيب.
وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان... إلخ، وتعليقها ب: ﴿مُبِينٌ،﴾ كما ذكرت في المثال المتقدم لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير، تأمل، وتدبر. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿ثُعْبانٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة إذا إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع، وعلى تعليقها ب: ﴿مُبِينٌ﴾ فتبقى الجملة اسمية معطوفة على الفعلية قبلها.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه. والمراد بها: اليمنى.
هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي:
نعمة ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر. أي:
لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ:﴾ ولا تكون بيضاء للناظر إلا إذا كان بياضها عجيبا خارجا عن العادة، يجتمع الناس للنظر إليه، كما تجتمع النظار للعجائب.
روي: أن موسى-﵇-كان أسمر شديد السمرة، فأدخل يده في جيبه، أو تحت إبطه، ثم نزعها؛ فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. وقال سبحانه في سورة (طه): ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فهو احتراز عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه.
وبياضها طارئ، لا جبلّي.
الإعراب: هو كما في الآية السابقة بلا فارق. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿بَيْضاءُ﴾ لأنه صفة مشبهة.
﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿قَوْمِ:﴾
انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿لَساحِرٌ:﴾ هو الذي يستعمل السحر، وهو
стр. 1997
كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له في وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٢] (البقرة) عن نسبة السحر إلى سليمان، ﵇، والحكم في تعلمه، ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر.
تنبيه: أسند القول هنا إلى ﴿الْمَلَأُ،﴾ وفي سورة (الشعراء) إلى فرعون نفسه: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ وأجاب الزمخشري عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنهم، وفي الشعراء عنه. والثاني: أنه قاله ابتداء، وتلقنه عنه خاصته، فقالوه لأعقابهم. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس. على طريق التبليغ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة. وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى.
الإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:
﴿الْمَلَأُ،﴾ و ﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾
اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له.
﴿لَساحِرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ واللام المزحلقة. ﴿عَلِيمٌ:﴾ صفة ساحر، وجملة: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ هذا من بقية الكلام الذي قبله، وفي (الشعراء) زيادة: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ بيان لسبب الإخراج، وينبغي ملاحظته هنا. وهذه الجملة من كلام الملأ، وقد خاطبوا فرعون وحده بذلك تعظيما له كما يخاطب الملوك بصفة الجمع، أو يكونون قالوه له، ولامرأته، أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول؛ أي: فقال لهم فرعون. والأول أصح، وأقوى. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ:﴾ بمعنى: ماذا تشيرون، من: المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح النون، وكسرها.
وانظر باقي الكلام في الإعراب؛ ففيه مزيد إيضاح.
الإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى)، والمصدر المؤول من الناصب، والمضارع في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل
стр. 1998
قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، أما الأولى فهي في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والمتعلق محذوف، تقديره: بسحره، كما مرت الإشارة إليه، وجملة:
﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿أَنْ،﴾ فهي من جملة مقول الملأ. ﴿فَماذا:﴾ الفاء:
هي الفصيحة (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول اعتباره مفعولا مقدما للفعل بعده، والثاني اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول به والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: تأمروننا به، وأما على قراءة كسر النون، فهي نون الوقاية، وتكون قد حذفت نون الرفع، والمفعول به، والتقدير: تأمرونني به، والجملة الفعلية على الاعتبارين صلة (ذا) أو هي في محل رفع خبر، أو هي فعلية لا محل لها، وجملة: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فماذا تأمرون؟ وهذا الكلام من مقول الملأ. هذا؛ وقد قيل: إنه من مقول محذوف لفرعون، التقدير:
قال فرعون للملإ: فماذا... إلخ، ويؤيده قراءة النون بالكسر، وعليه فالجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.
﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فيه ست قراءات، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع حتى يتولد منها واو.
وثلاثة بحذف الهمزة: ﴿أَرْجِهْ﴾ بسكون الهاء، وكسرها من غير إشباع، وبه حتى يتولد منها ياء.
﴿وَأَرْسِلْ:﴾ وفي (الشعراء): ﴿وَابْعَثْ﴾ ﴿الْمَدائِنِ﴾ قيل: هي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ومدائن: جمع مدينة على وزن فعيلة، فالياء زائدة في المفرد، فلذلك تقلب همزة في الجمع مثل: صحيفة، وصحائف، وغير ذلك، والمدينة من: مدن يمدن بالمكان: إذا أقام به، فالفعل من باب: نصر. ﴿حاشِرِينَ:﴾ جامعين.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون على الهمزة المحذوفة كما رأيت؛ والهاء مفعول به، وتسكينها قراءة، كما رأيت، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. أخاه: معطوف على الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْسِلْ:﴾ أمر، وفاعله أنت، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب
стр. 1999
مقول القول مثلها. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: رجالا حاشرين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿يَأْتُوكَ﴾ أي: الرجال المرسلون إلى المدائن. ﴿ساحِرٍ:﴾ وفي قراءة: «(سحّار)»، وهو في (الشعراء) متفق على قراءته، وهو صيغة مبالغة اسم الفاعل. ﴿عَلِيمٍ:﴾ متفوق في علم السحر. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥].
الإعراب: ﴿يَأْتُوكَ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر: (أرسل) وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿ساحِرٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والذي في الآية رقم [١٠٩] مثله.
﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ فأرسل في طلبهم الشرطة، والجنود، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وكانوا اثنين وسبعين. وقيل: كانوا آلافا.
وانظر: ﴿وَجاءَ﴾ في الآية رقم [٤] والسحرة في الآية رقم [١٠٩] و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّ لَنا..﴾. فيقرأ: «(أإن)» بهمزتين، بمد الهمزة الأولى، وقصرها، قراءات كثيرة فيها، ونكر (أجرا) للتعظيم، قال الزمخشري كقوله:
«إن له لإبلا، وإن له لغنما». ﴿الْغالِبِينَ﴾ أي: لموسى ولسحره.
الإعراب: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على مقدر رأيته في الشرح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب مثله في الآية رقم [٤].
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، وهمزة الاستفهام قبلها في قراءة من قرأ بها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿لَأَجْراً:﴾ اسمها مؤخر، واللام لام الابتداء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. قال الإمام فخر الدين الرازي-رحمه الله تعالى-: ولقائل أن يقول: كان حق الكلام: (فقالوا) بالفاء. وجوابه: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاءوا، فأجيب بقوله:
стр. 2000
﴿قالُوا..﴾. إلخ. انتهى خازن. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا) اسمها. ﴿نَحْنُ:﴾ تأكيد ل (نا)، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والشرط، ومدخوله في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿نَعَمْ﴾ أي: إن لكم أجرا. ف (نعم) حرف جواب سد مسد هذه الجملة. وانظر الآية رقم [٤٤]. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ..﴾. إلخ: أي: ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، فتكونون أول من يدخل، وآخر من يخرج من عندي.
قال الكلبي: والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا، وإلا؛ لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا؛ لما احتاجوا إلى طلب الأجر، والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان؛ لقلبوا التراب ذهبا، ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ورؤساءهم، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل، والأكاذيب. انتهى جمل.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿نَعَمْ:﴾ هذا الحرف يا قوم مقام جملة، كما رأيت مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المقربين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿نَعَمْ﴾ السادة مسد الجملة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ أي: حبالك، وعصاك، ومثله: ﴿نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: حبالنا، وعصينا، وفي قولهم لموسى-﵇-هذا القول مراعاة لحسن الأدب، ولذلك منّ الله عليهم بالإيمان. وانظر: ﴿وَإِمّا﴾ في الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة).
قال البيضاوي: خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، فنبهوا عليها بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، وتأكيد
стр. 2001
ضمير هم المتصل بالمنفصل، فلذلك قال: ﴿أَلْقُوا﴾ إكراما، وتسامحا، أو ازدراء بهم، ووثوقا بعلو شأنه. انتهى.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا مُوسى:﴾ منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب بأداة النداء، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتفصيل، وهي هنا مفيدة للتخيير، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُلْقِيَ﴾ قال الجمل: فيه ثلاثة أوجه: أحدها النصب بفعل مقدر، أي: افعل إما إلقاءك، وإما إلقاءنا. كذا قدره الشيخ، وفيه نظر؛ لأنه لا يفعل إلقاءهم، فينبغي أن يقدر فعل لائق بذلك، وهو: «اختر». الثاني الرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: أمرك إما القاؤك، وإما إلقاؤنا. الثالث أن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: إما لقاؤك مبدوء به، وإما إلقاؤنا مبدوء به. انتهى. أقول: والمعتمد القول الأخير. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب مصدري. و ﴿نَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾ واسمه مستتر تقدير: «نحن»: ﴿نَحْنُ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١١٢].
﴿الْمُلْقِينَ:﴾ خبر ﴿نَكُونَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وقد حذف مفعوله كما رأيت في الشرح، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ أَلْقُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ:﴾ صرفوا أعين الناس عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه، والتخييل. وهذا هو السحر، وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر، وبين معجزة الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام-التي هي فعل الله، وذلك لأن السحر قلب الأعين، وصرفها عن إدراك ذلك الشيء، والمعجزة: قلب نفس الشيء عن حقيقته، كقلب عصا موسى-﵊-حية تسعى. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ:﴾ خوفوا الناس، وأفزعوهم بما فعلوا من السحر. ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ:﴾ وذلك: أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضا، وأوجس في نفسه خيفة موسى، وهذه الخيفة لم تحصل له لأجل السحر؛ لأنه كان على ثقة، ويقين: أنهم لن يغلبوه، وإنما كان خوفه أن يتفرق الناس خوفا مما رأوا قبل ظهور معجزته، وحجته. انتهى خازن بتصرف كبير. ﴿النّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٢]. ﴿وَجاؤُ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿أَعْيُنَ:﴾ جميع: عين، وتجمع على: عيون، وأعيان أيضا، وأعيان غير مشهور، وقليل الاستعمال. هذا؛ و ﴿أَعْيُنَ﴾ جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد بها هنا: العين الباصرة. هذا؛ وتطلق على الجاسوس، كما في قولهم: بث الأمير
стр. 2002
عيونه في المدينة، أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه، وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]
واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو
فالمراد بالعين ذاته، والمراد بجارية عينه التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: «بها» نقد الذهب وهذا يسمى استخداما في فن البديع. كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة: [الكامل]
جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿أَلْقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، وعطف. (لمّا): حرف وجود لوجود. وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿أَلْقُوا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وجملة: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و ﴿فَلَمّا﴾ ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل له مثلها. (استرهبوهم): فعل، وفاعل ومفعول به والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله، وجملة: ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ أي: قلنا له على لسان جبريل، ﵇. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. هذا؛ والوحي الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل إلى قومه. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿أَلْقِ عَصاكَ:﴾ اطرح عصاك على الأرض. وانظر الآية رقم [١٠٧]. ﴿تَلْقَفُ:﴾
تأخذ وتبتلع بسرعة بعد قلبها حية عظيمة. هذا؛ وقرئ «(تلقّف)» بتشديد القاف، والأصل تتلقف بتاءين، فحذفت إحداهما، وقرئ: «(اتّلقّف)» بتشديد التاء أيضا، وقراءة حفص بتخفيف القاف كما رأيت أولا من: لقف، كعلم يعلم، وركب، يركب، يقال: لقفت الشيء، ألقفه لقفا، وتلقّفته أتلقّفه تلقّفا إذا أخذته بسرعة فأكلته، أو ابتلعته. ﴿ما يَأْفِكُونَ:﴾ ما يقلبون بتمويههم.
стр. 2003
هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفاك لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل. وانظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام).
تنبيه: قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية، فيقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر، فكانت تبتلع حبالهم، وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع، ففزعوا، ووقع الزحام بينهم، فمات من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى، فعادت في يده عصا، كما كانت أول مرة، فلما رأى السحرة ذلك؛ عرفوا: أنه من أمر السماء، وليس بسحر، وعرفوا: أن ذلك ليس من قدرة البشر، فعند ذلك خروا سجدا، وقالوا: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾. انتهى خازن.
تنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون، الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت في الآية رقم [١٠٦] والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها مرة ثالثة، ولم يكن هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت في سورة (طه)، وكانت في طريق عودته من مدين إلى مصر. تأمل.
تنبيه: لقد جرت سنة الله أن يؤيد الرسول بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقوم موسى برعوا بالسحر، فأيده بانقلاب العصا حية، وقوم عيسى برعوا بالطب، فأيده الله بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقوم محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين بالفصاحة والبلاغة، فأيده الله بالقرآن الكريم.
الإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ (أوحينا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].
﴿إِلى مُوسى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. وقيل: مصدرية. ﴿أَلْقِ:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره:
«أنت». ﴿عَصاكَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَلْقِ عَصاكَ﴾ مفسرة لا محل لها، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به. وأراه ضعيفا. وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جواب لما لا محل لها ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، ولا بد من تقدير جملة قبلها؛ ليترتب ما بعد الفاء عليها، كما رأيت في الآيتين رقم [١٠٧ و ١٠٨] التقدير: فألقاها، فإذا هي، ومن جوز أن تكون الفاء زائدة في نحو:
«خرجت؛ فإذا الأسد حاضر» جوز زيادتها هنا، وعلى هذا تكون هذه الجملة قد أوحيت إلى موسى، كالتي قبلها، وأما على اعتبار الفاء عاطفة فالجملة غير موحى بها إليه. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿فَإِذا هِيَ﴾ انظر الآية رقم [١٠٧]. ﴿تَلْقَفُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (حية).
﴿ما:﴾ تحتمل الموصوفة والموصولة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صفتها، أو صلتها والرابط أو العائد محذوف، التقدير: تلقف شيئا، أو
стр. 2004
الذي كانوا يأفكونه. واعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: تلقف إفكهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿هِيَ﴾.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾
الشرح: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ:﴾ ظهر، وثبت الحق؛ الذي جاء به موسى. وانظر الآية رقم [٣٣].
﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ من السحر، وذلك: أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا؛ لبقيت حبالنا، وعصينا! وانظر ما ذكرته في الآية السابقة.
الإعراب: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة لا محل لها أيضا. ﴿وَبَطَلَ:﴾ ماض. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين فاعل، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
بطل الذي أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: بطل عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَبَطَلَ ما..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)﴾
الشرح: ﴿فَغُلِبُوا﴾ أي: فرعون، وجنوده، والسحرة. ﴿وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ:﴾ رجعوا ذليلين، مقهورين، مبهوتين بما وقع لهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَغُلِبُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، الواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَانْقَلَبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿صاغِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)﴾
الشرح: إن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته، وعلموا: أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين، وذلك: أن الله ألهمهم معرفته والإيمان به.
стр. 2005
الإعراب: ﴿وَأُلْقِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿السَّحَرَةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿ساجِدِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ.
﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾
الشرح: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ بموسى، أو بالله، ويؤيد الأول قوله في سورة (طه): ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وانظر شرح همزة آدم في الآية رقم [١١] فما هنا مثلها. هذا؛ وقرأ غير حفص «(أآمنتم)» بهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أن أسمح لكم بذلك، والهمزة مثل همزة (آدم). ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ..﴾. إلخ: إن صنيعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الصحراء لغرض في نفوسكم، وهو أن تخرجوا القبط من مصر، وتسكنوا بني إسرائيل، وذلك: أن فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة، فقال له: تؤمن بي إن غلبتك؟! فقال: لاتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني؛ لأؤمنن بك! فظن فرعون: أنهما قد تواطئا
стр. 2006
عليه، وعلى القبط. وانظر شرح المدينة في الآية رقم [١١١] وانظر شرح: ﴿أَهْلَها﴾ في الآية رقم [٨٢]. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ فيه تهديد ووعيد، فسره بما يلي.
الإعراب: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿آذَنَ:﴾ مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه، التقدير: قبل إذني لكم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَمَكْرٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿مَكَرْتُمُوهُ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة مكر. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِتُخْرِجُوا:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء:
حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال، ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: فسوف تعلمون ما أفعل بكم! والجملة الفعلية هذه مستأنفة، وهي من مقول فرعون كما ترى، تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾
الشرح: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ قرأ حفص بضم وتشديد الطاء من الرباعي. وقرأ غيره بفتح الهمزة وتخفيف الطاء من الثلاثي وكذا: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ يريد: أنه يقطع من كل شق طرفا، فيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو بالعكس. قيل: إن فرعون أول من سن هذا القطع، وهذا الصلب للمؤمنين، وذلك لشدة كفره، وعناده، ثم شرعه الله لقطاع الطريق، وللباغين تعظيما لجرمهم، وتنكيلا بهم، ولذلك سماه الله محاربة الله، ورسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٦] من سورة (المائدة)، وجيء هنا ب ﴿ثُمَّ،﴾ وفي سورة (طه) و (الشعراء) بالواو؛ لأن الواو صالحة للمهلة، فلا تنافي بين الآيات. انتهى. جمل نقلا عن السمين. بعد هذا انظر شرح (اليد) في الآية رقم [١٠٨] وشرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣].
стр. 2007
الإعراب: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والنون حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا» والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وكأنه قال: بعزتي وعظمتي؛ لأقطعن، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الأيدي والأرجل) التقدير:
مختلفة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ والجملة معطوفة عليها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمدلول الكاف، والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة الذين آمنوا مجيبين إلى فرعون. ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ:﴾
راجعون إلى ربنا بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك، وتهديدك، فهو الذي يفصل بيننا، وبينك بالحق، وهو خير الحاكمين، فكأنهم استلذوا العذاب رغبة في الأجر، والثواب حين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان. هذا؛ وانظر «القول» في الآية رقم [٥] وشرح: ﴿رَبِّنا﴾ في الآية رقم [٣].
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا):
اسمها، وقد حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ متعلقان باسم الفاعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُنْقَلِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ وفاعله ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا..﴾. إلخ: وما تكره منا. وقال عطاء: معناه: ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه إلا الإيمان بربنا، والتصديق بآياته لما ظهرت لنا، ووضحت. ثم توجهوا إلى الله بهذا الدعاء: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ أي: أفض، واصبب علينا صبرا كاملا تامّا. ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أي: أمتنا على دين الإسلام، وهو دين خليلك إبراهيم، ﵊.
قال ابن عباس-﵄-كانوا في أول النهار سحرة، وآخر النهار شهداء. قال الكلبي: إن فرعون قطع أيديهم، وأرجلهم، وصلبهم. وقال غيره: لم يقدر عليهم لقوله تعالى:
стр. 2008
﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ ﴿بِآياتِ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. ﴿رَبِّنا:﴾
انظر الآية رقم [٣]. ﴿جاءَتْنا:﴾ انظر الآية رقم [٤] وانظر ما ذكرته في: ﴿تَنْقِمُونَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٦٢] تجد ما يسرك. وانظر رقم [٩/ ٧٥].
تنبيه: قال السحرة: ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فهذا يدل على أن دين الإسلام هو دين التوحيد من لدن آدم إلى يوم القيامة، وما قاله نوح، وإبراهيم، وما وصى به يعقوب أولاده، وما قاله سليمان، وبلقيس، وغيرهم أكبر دليل على ذلك، ومن قرأ القرآن بتدبر وإمعان يجد ذلك في محاله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣/ ٦٧] تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ (ما): نافية. ﴿تَنْقِمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿آمَنّا،﴾ ﴿جاءَتْنا:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، و (نا): مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿بِآياتِ رَبِّنا،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. وقيل: هي حرف وجود لوجود، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه وجوابها محذوف، التقدير: لما جاءتنا آمنا، والاعتبار الأول أقوى، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وقيل في محل نصب مفعول لأجله، والأول أقوى، وجملة: ﴿وَما تَنْقِمُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿رَبِّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا):
في محل جر بالإضافة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣]. ﴿أَفْرِغْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان به. ﴿صَبْراً:﴾ مفعول به. (توفنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به.
﴿مُسْلِمِينَ:﴾ حال من (نا) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، أي مقول السحرة، تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.
﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].
﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. (تذر): انظر الآية رقم [٧٠]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية
стр. 2009
رقم [١٠٣]. ﴿وَقَوْمَهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ:﴾ نتركهن بدون قتل، أما الصبيان؛ فإنا نقتلهم، وهذه الطريقة الشنعاء ارتكبها في حق بني إسرائيل قبل ولادة موسى ﵊ كما هو معروف، ومشهور. هذا؛ و (نساء) أصله: نساي، قلبت الياء ألفا؛ لتطرفها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الساكنة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان، فقلبت الألف الثانية همزة. و (أبناء) أصله: أبناو، فإعلاله مثل إعلال: (نساء). هذا؛ و (نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على: نسوة (بسكون النون، وضمها) ونسوان، ونسون، ونسنين. وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان مما يدل على أن المرأة مطبوعة عليه إما كذبا، أو إهمالا. وانظر النسيان في الآية رقم [٥/ ١٤].
﴿قاهِرُونَ:﴾ غالبون، وهم تحت سيطرتنا وقهرنا.
المعنى قال جماعة من عظماء قوم فرعون: أتترك موسى، وقومه بني إسرائيل يعيثون في الأرض فسادا بتغيير دينك، ونبذ معبوداتك؟!. فأجابهم بأنه سيقتل الذكور، ويترك الإناث، وهو صاحب القوة، والغلبة عليهم.
قال ابن عباس-﵄: كانت لفرعون بقرة كان يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها، ولذلك أخرج لهم السامري عجلا، وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما، وكان يأمرهم بعبادتها، وقال لهم: (أنا ربكم ورب هذه الأصنام)، وذلك قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ انتهى. خازن، وقيل غير ذلك.
الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَلَأُ،﴾ و ﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَتَذَرُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تذر):
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿وَقَوْمَهُ:﴾
معطوف على موسى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُفْسِدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ،﴾ متعلقان بما قبلهما، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (تذر) وجملة: ﴿أَتَذَرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿وَيَذَرَكَ:﴾ مضارع منصوب بسبب العطف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ أو هو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد واو المعية في جواب الاستفهام، وقرئ بالرفع على الاستئناف، أو بالعطف على: ﴿أَتَذَرُ﴾ وقيل الجملة في محل نصب حال، وهو يحتاج إلى تقدير مبتدأ، أي: وهو يذرك، كما قرئ بالسكون، كأنه قيل:
يفسدوا ويذرك، كقوله تعالى ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ والكاف مفعول به.
﴿وَآلِهَتَكَ:﴾ معطوف على الكاف، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل
стр. 2010
يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿سَنُقَتِّلُ:﴾ السين: حرف استقبال. (نقتل): مضارع، وهو يقرأ بالتشديد، والتخفيف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَبْناءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَنُقَتِّلُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (نستحيي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿نِساءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿قاهِرُونَ:﴾
خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعة الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، في: (نقتّل) والرابط: الواو، والضمير.
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣].
﴿لِقَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿بِاللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿وَاصْبِرُوا:﴾ الصبر حبس النفس من الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق لا يكاد يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]
الصبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل
وبالجملة: فنفع الصبر معلوم مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنة مقرر مسطور، ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور. وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه.
فائدة-قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ وقال ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه. ﴿الْأَرْضَ:﴾ أرض مصر، ويشمل جميع الأرض.
﴿يُورِثُها:﴾ يقرأ بالتخفيف، والتشديد. ﴿يَشاءُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩]. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ الخاتمة المحمودة، والنهاية الحسنة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ انظر (التقوى) في الآية رقم [٢٦]. هذا؛ وإن موسى ﵇-قال لقومه هذا الكلام حين سمعوا قول فرعون، وتهديده، وتضجروا منه. فهو تسكين لهم، وتطييب لخاطرهم، ووعد لهم بالنصر على عدوهم، وأنهم سيرثون ديارهم،
стр. 2011
وأموالهم إن هم صبروا، واستعانوا بالله على كيد عدوهم ومكره. وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة يونس ﵇.
الإعراب: ﴿قالَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿اِسْتَعِينُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب:
﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿وَاصْبِرُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ اسمها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ ﴿يُورِثُها:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، و (ها): مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُورِثُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور. ﴿لِلّهِ﴾ أي: إن الأرض مستقرة لله حال كونها مورثة من الله لمن يشاء من عباده، ويجوز أن يكون ﴿يُورِثُها﴾ خبرا ثانيا، وأن يكون خبرا وحده، و ﴿لِلّهِ﴾ هو الحال، ويجوز أن تكون الجملة الفعلية مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ..﴾. إلخ هذا؛ وقد قرئ بنصب «(العاقبة)» عطفا على: ﴿الْأَرْضَ﴾ عطف مفرد على مفرد، وجملة: ﴿قالَ مُوسى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾
الشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿تَأْتِيَنا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿جِئْتَنا:﴾
انظر الآية رقم [٤]. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿عَدُوَّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ يجعلكم خلفاء في أرض مصر بعد إهلاك عدوكم، ويملككم إياها. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ:﴾ فيرى ما تعملون من كفر، وشكران، وطاعة، وعصيان، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم، وسترى خبث أعمالهم، وما عملوا من فساد، وإفساد بعد هلاك الفراعنة. والمعنى: يرى وقوع ذلك منكم؛ لأنه سبحانه يعلم ما يقع منهم، ولكن لا يعاقبهم إلا بعد صدور ذلك منهم.
المعنى: إن بني إسرائيل لما سمعوا ما قاله فرعون من التهديد، والوعيد؛ قالوا: ﴿أُوذِينا..﴾.
إلخ، وذلك: أنهم كانوا مستضعفين في يد فرعون، وقومه، فكان يقتل صبيانهم، ويترك إناثهم
стр. 2012
أحياء، ويستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار، فلما جاء موسى بالرسالة وجرى؛ ما جرى شدد فرعون في استعمالهم، وأعاد القتل في صبيانهم، قالوا: ﴿أُوذِينا..﴾. إلخ. وظاهر هذا الكلام يوهم: أنهم كرهوا مجيء موسى بالرسالة، وهو كفر، والجواب: أن موسى كان قد وعدهم بالنصر، وزوال ما هم فيه من الشدة، فظنوا: أن ذلك يكون على الفور، فلذا استبطئوا ما وعدهم به موسى، ﵇. انتهى. خازن بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ﴿أُوذِينا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و (نا): نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَأْتِيَنا﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، التقدير: من قبل إتيانك لنا. ﴿وَمِنْ بَعْدِ:﴾ معطوفان على: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾. ﴿ما:﴾
مصدرية. ﴿جِئْتَنا:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، و ﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: ومن بعد مجيئك إيانا. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد دال على الرجاء.
﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿عَسى،﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، فيصير التقدير: عسى ربكم مهلكا عدوكم، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة كالتي قبلهما؛ لأن كل واحدة منهما بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ:﴾ مضارع معطوف على: ﴿يُهْلِكَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. في الأرض:
متعلقان بما قبلهما. ﴿فَيَنْظُرَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيضا، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة: ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب مفعول به. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ منصوبا ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية في جواب الترجي؛ فلست مفندا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ: أي: انتقمنا منهم بالقحط، والجدب، وقلة الأمطار، والمياه، تقول العرب: مسّتهم السنة بمعنى: أخذهم الجدب في السنة، ومنه قوله ﷺ في الدعاء على قريش: «اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». و ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي:
وإتلاف الغلات، والثمار بالآفات.
стр. 2013
قال قتادة: أما السنون؛ فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات؛ فلأهل الأمصار. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ:﴾ يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر، والمعاصي، وذلك لأن الشدة ترقق القلوب، وترغب فيما عند الله من الخير. وانظر هذا الترجي في الآية رقم [٢٥]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
﴿آلَ:﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة، مثل (آدم) في الآية رقم [١١] وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة، كما في: أراق، فإن أصله: هراق. وهو كثير في الشعر العربي. وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي أصله: أول. كجمل من: آل، يؤول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني. ولا يستعمل ﴿آلَ﴾ إلا فيمن له خطر، وشأن بخلاف (أهل).
يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن: أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإن له شرفا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ : [مجزوء الكامل]
لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصّلي... ب، وعابديه اليوم آلك
﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿بِالسِّنِينَ:﴾ جمع سنة، وأصلها: سنو، أو سنه، بدليل قولهم في جمعه بالألف والتاء: سنوات وسنهات. وقولهم في اشتقاق الفعل منه: سانهت، وسانيت، وأصل سانيت سانوت، فقلبوا الواو ياء حين تجاوزت متطرفة ثلاثة أحرف.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (لقد): اللام: واقعة في جواب هذا القسم.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِالسِّنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿وَنَقْصٍ:﴾ معطوف على (السنين). ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقات ب (نقص) لأنه مصدر ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٦] وما يشبهها في الآية رقم [٦٣].
стр. 2014
﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾
الشرح: ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿الْحَسَنَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٩٥]. ﴿قالُوا:﴾
انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿لَنا هذِهِ﴾ أي: نحن مستحقوها، وهي لأجلنا على العادة التي جرت في سعة الأرزاق، وصحة الأبدان فلذا لم يشكروه سبحانه على نعمه. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٩٥] وانظر إعلال: ﴿تُصِبْهُمْ﴾ في الآية رقم [٦/ ١٢٤]. ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى..﴾. إلخ:
يتشاءموا بهم، ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وما أصابنا بلاء إلا حين رأيناهم، وهذا إغراق منهم بالغباوة وقسوة القلب، فإن الشدائد ترقق القلوب، وتذلل العرائك، سيما بعد مشاهدة المعجزات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عتوّا، وانهماكا في الغي. وإنما عرّف ﴿الْحَسَنَةُ﴾ وذكرها مع أداة التحقيق (إذا) لكثرة وقوعها، وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات، ونكر (السيئة) وأتى بها مع حرف الشك: (إن) لندورها، وعدم القصد لها إلا بالتبع. انتهى بيضاوي بتصرف.
وأصل ﴿يَطَّيَّرُوا:﴾ يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء لمقاربتها لها في المخرج، وقرئ شاذّا:
(تطيروا). ﴿إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: سبب خيرهم وشرهم عنده، وهو حكمه، ومشيئته. أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت لهم ما يسوءهم.
وقال ابن عباس-﵄: ﴿طائِرُهُمْ﴾ ما قضي لهم، وقدر عليهم من عند الله.
وقرئ: «(طيرهم)» وانظر الآية رقم [٦/ ٣٨]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن ما يصيبهم من الله، أو من شؤم أعمالهم.
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْحَسَنَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف مفرع عما قبله لا محل له. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَطَّيَّرُوا:﴾
مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن
стр. 2015
بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إنّ) ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها لا محل له مثله. ﴿بِمُوسى:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول بمعنى الذين مبني على السكون في محل جر معطوف على (موسى). ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿طائِرُهُمْ:﴾ مبتدأ. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾
ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾
اسم (لكنّ) والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿مَهْما:﴾ أصلها (ما) الشرطية، ضمت إليها (ما) الزائدة للتأكيد، ثم قلبت ألفها هاء، استثقالا للتركيب. وقيل: هي مركبة من (مه) الذي يصوت به الكافّ، و (ما) الجزائية، وقد رد ابن هشام هذا في المغني، فقال: وهي بسيطة لا مركبة من:
(مه) و (ما) الشرطية، ولا من (ما) الشرطية و (ما) الزائدة، ثم أبدلت الهاء من الألف الأولى دفعا للتكرار، خلافا لزاعمي ذلك. هذا؛ والضميران في ﴿بِهِ﴾ و ﴿بِها﴾ يعودان إلى ﴿مَهْما﴾ فالأول مراعاة للفظها، والثاني مراعاة لمعناها. ﴿تَأْتِنا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿آيَةٍ:﴾ معجزة. وانظر الآية رقم [٩]. هذا؛ وإنما سمو (ها): ﴿آيَةٍ﴾ على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا:
﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ أي: لتسحر بها أعيننا، وتصرفنا عما نحن عليه من دين. ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصادقين. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢].
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿مَهْما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقال أبو البقاء: في محل نصب بما بعده. ولا وجه له.
وقيل: منصوب بفعل يفسره ما بعده، والمعتمد الأول. ﴿تَأْتِنا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ آيَةٍ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور في: ﴿بِهِ﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿مَهْما﴾.
﴿لِتَسْحَرَنا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»،
стр. 2016
و (نا): مفعول به. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿آيَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿فَما:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ اسم (ما). ﴿لَكَ:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر زائد. (مؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وجملة: ﴿فَما نَحْنُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَهْما﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة فعل الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان.
وهو المرجح لدى المعاصرين.
﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾
الشرح: ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ انظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿الطُّوفانَ:﴾ ما طاف بهم، وغشي أماكنهم، وحروثهم من مطر، أو سيل وقيل: هو الجدري. وقيل: الموتان. وقيل: الطاعون، ومدلول اللفظ بخلاف ذلك. ﴿وَالْجَرادَ:﴾ معروف، واحدته جرادة، تقع للذكر، والأنثى، ولا يفرق بينهما، إلا أن تقول: رأيت جرادة ذكرا، أو أنثى. ﴿وَالْقُمَّلَ:﴾ هي أفراخ الجراد قبل نبات أجنحتها، أو البراغيث، أو كبار القردان وقيل: غير ذلك وهو يقرأ بالتشديد والتخفيف مع فتح القاف وسكون الميم. وقيل: هو القمل المعروف في الثياب وغيرها، ﴿وَالضَّفادِعَ:﴾ جمع ضفدع بكسر الضاد والدال: دابة مائية معروفة، والواحدة ضفدعة، وناس يقولون بفتح الدال، وأنكره الخليل. ﴿وَالدَّمَ:﴾ قلبت مياههم دما. وقيل: هو الرعاف. ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ:﴾ معجزات مبينات ظاهرات، لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله، أو مفرقات بين كل آيتين شهر. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾
عن الإيمان بموسى. ﴿قَوْماً:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ كافرين معاندين.
تنبيه: روي: أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم؛ حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركد الماء فوق أراضيهم، فمنعهم من الحرث، والتصرف فيها، ودام ذلك أسبوعا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ما نحن فيه، ونحن نؤمن بك.
فدعا، فكشف عنهم، ونبت لهم من الزرع، والكلأ ما لم يعهد مثله. فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا، فلم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت زروعهم، وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب، والسقوف، والثياب، ففزعوا إلى موسى ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق، والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها. فلم يؤمنوا، فسلط الله عليهم القمل، فأكل ما أبقاه الجراد، وكان يقع في أطعمتهم، ويدخل بين أثوابهم،
стр. 2017
وجلودهم، فيمصها، ولم يؤذ أحدا من بني إسرائيل، ففزعوا إلى موسى، فدعا، فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، فأرسل الله عليهم الضفادع، بحيث لا يكشف ثوب، ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم، وهي تغلي، وتدخل أفواههم عند التكلم، ولم يقرب بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى، وتضرعوا إليه، فدعا الله، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دماء؛ حتى كان القبطي يجتمع مع الإسرائيلي على إناء واحد، فيكون ما يليه دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي، فيصير دما في فيه. انتهى بيضاوي بتصرف.
تنبيه: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغيرهما: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، والفساد، فتابع الله عليهم الآيات، فأخذهم الله أولا بالسنين، ونقص الثمرات، وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد، والعصا، فلم يؤمنوا، فدعا عليهم موسى، وقال: يا رب! إن عبدك فرعون علا في الأرض، وبغى، وعتا، وإن قومه قد نقضوا العهد، فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية، وعبرة، فبعث الله تعالى عليهم الطوفان، والجراد... إلخ.
أقول: وهذه الآيات التسع ذكرها الله إجمالا في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾.
الإعراب: ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الطُّوفانَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه. ﴿آياتٍ:﴾ حال.
﴿مُفَصَّلاتٍ:﴾ صفة: ﴿آياتٍ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. (كانوا): ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْماً:﴾ خبر (كان). ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ صفة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَقَعَ عَلَيْهِمُ:﴾ نزل بهم، وأصابهم. ﴿الرِّجْزُ:﴾ العذاب الذي ذكره في الآية المتقدمة من الطوفان، وما بعده. وقال سعيد بن جبير-﵁-الرجز: الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدمت، فنزل بهم الطاعون حتى مات منهم في يوم واحد سبعون ألفا، فأمسوا وهم لا يتدافنون، ﴿قالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥] لشرحه وإعرابه.
﴿يا مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بعهده عندك، وهو
стр. 2018
النبوة. أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك، كما أجابك في آياتك. وانظر (العهد) في الآية رقم [١٠٢]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أي: نقسم بعهد الله عندك لئن كشفت عنا العذاب؛ لنصدقن بما أرسلت به. وهذا الوعد قطعوه على أنفسهم عند نزول كل نوع من أنواع العذاب المتقدمة، ولكنهم كانوا ينكثون عهدهم عند رفع العذاب.
﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥].
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج الفارسي، وابن جني، وجماعة تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿وَقَعَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّجْزُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿وَلَمّا﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.
(يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب (يا)، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اُدْعُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. ما: تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء عهده إليك، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، أي بعهده عندك، والجار، والمجرور على جميع الاعتبارات متعلقان بالفعل: ﴿اُدْعُ﴾ أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر بمعنى: ادع الله متوسلا إليه. وقيل:
متعلقان بفعل محذوف، كما قيل: (الباء) حرف قسم وجر. ولا وجه له. وجملة: ﴿اُدْعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لَئِنْ:﴾ حرف شرط جازم، واللام موطئة لقسم محذوف.
﴿كَشَفْتَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿عَنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّجْزُ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَشَفْتَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنُؤْمِنَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. انظر الآية رقم [٩٠] ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ:﴾ معطوف على ما قبله،
стр. 2019
وإعرابه مثله. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥].
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ:﴾ رفعنا عنهم العذاب المذكور في الآية السابقة بسبب دعوة موسى، ﵇. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ:﴾ إلى زمن هم بالغوه، فمنتهون إليه، ثم يعذبون فيه، أو يهلكون، وهو وقت الغرق، أو الموت المحدد في وقته: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ:﴾ يخلفون الوعد، وينقضون العهد بعدم إيمانهم؛ الذي وعدوا به مرارا. وأصل النكث من: نكث الصوف، ونحوه؛ ليغزله ثانيا، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه، وإبرامه.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿كَشَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّجْزَ:﴾ مفعول به. وانظر محل الجملة الفعلية في الآية السابقة. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿بالِغُوهُ:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل جر صفة: ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٠٧] و ﴿إِذا﴾ واقعة في جواب (لمّا) و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة، لا محل له مثله.
﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)﴾
الشرح: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي: كافأناهم عقوبة لهم على سوء صنيعهم. وأصل الانتقام في اللغة: سلب النعمة بالعذاب. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي: في البحر الملح الذي لا يدرك قعره. وقيل: اليم: هو لجة البحر، ومعظم مائه. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: كان هلاكهم بسبب أنهم كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وصدق نبينا. ﴿وَكانُوا عَنْها:﴾
عن تلك الآيات. ﴿غافِلِينَ:﴾ فلم يتعظوا، ولم يتفكروا فيها. وانظر الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) ﵇.
تنبيه: فإن قيل: إن الله تعالى علم من حال آل فرعون: أنهم لا يؤمنون بتلك الآيات، فما الفائدة من تواليها عليهم، وإظهار الكثير منها؟ فالجواب على مذهب أهل السنة: أن الله تعالى
стр. 2020
يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل. وأما على قول المعتزلة في رعاية المصلحة: فلعله تعالى علم من قوم فرعون: أن بعضهم كان يؤمن بتوالي تلك المعجزات، وظهورها، فلهذا السبب والاها عليهم. والله أعلم بمراده. انتهى خازن.
الإعراب: ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾
متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ مفسرة للانتقام، والفاء تفسيريه، ولا يصح اعتبارها عاطفة. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر وسبب. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلها، التقدير: بسبب تكذيبهم. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمها، والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة:
﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وجوز اعتبارها مستأنفة، والأول أقوى، وأولى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ..﴾. إلخ: بالاستعباد، وذبح الأبناء، والتسخير في الأعمال الشاقة، وهم بنو إسرائيل. ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا:﴾ المراد بها: أرض مصر، والشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة، والعمالقة. والمراد بمشارقها، ومغاربها: جميع نواحيها. وقيل: أراد جميع جهات الأرض. وهو اختيار الزجاج، قال: لأن داود، وسليمان-صلوات الله وسلامه عليهما-كانا من بني إسرائيل، وقد ملكا الأرض. انتهى خازن بتصرف.
﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ أي: بكثرة الثمار، والزروع، والخصب والسعة. هذا قول المفسرين، وأرى: أن البركة حلت فيها من وجود الأنبياء، وتناسلهم، ودفنهم فيها. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ المراد بها قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقرئ: «(كلمات ربك)» لتعدد المواعيد. هذا؛ و «كلمت» بفتح الكاف، وكسر اللام، ويقرأ بكسر الكاف وإسكان اللام، وفيها لغة أخرى: فتح الكلام، وإسكان اللام. هذا؛ وقد تطلق الكلمة على الكلام الكثير، مثل قولك: قال فلان كلمة، أي: ألقى
стр. 2021
خطبة، وقال الشاعر كلمته، أي: قصيدته، وكثيرا ما تطلق على الجملة المفيدة، كقوله تعالى:
﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ ومعلوم أن النصارى لم يقولوا كلمة واحدة فقط في تأليه عيسى ﵊. وانظر الكلام في الآية رقم [١٤٤] والآية رقم [٦/ ١١٥]. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْحُسْنى:﴾ تأنيث: الأحسن، كالسوأى تأنيث: الأسوأ. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿صَبَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨].
﴿وَدَمَّرْنا:﴾ أهلكنا وخربنا. ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ:﴾ في أرض مصر من القصور، والعمارات. وانظر: ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿وَقَوْمُهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣١].
﴿كانُوا يَعْرِشُونَ:﴾ يسقفون من البنيان، أو يبنون بيوتا من البيوت، والقصور، أو ما كانوا يعرشون من الثمار، والأعناب. هذا؛ وعرش؛ يعرش من باب: ضرب، ونصر قراءتان.
تنبيه: هذا آخر قصة فرعون، والقبط، وتكذيبهم بآيات الله، ثم أتبعه قصة بني إسرائيل، وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر، وغير ذلك؛ ليتسلى رسول الله ﷺ عما رآه من اليهود، والمنافقين في المدينة المنورة، وعما رآه في مكة من إيذاء قريش. انتهى نسفي. هذا؛ وانظر: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٣] من سورة (المائدة).
الإعراب: ﴿وَأَوْرَثْنَا:﴾ (أورثنا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].
﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة ﴿الْقَوْمَ﴾. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُسْتَضْعَفُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجمل الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَشارِقَ:﴾ مفعول به ثان ل (أورثنا).
وقيل: المفعول الثاني هو ﴿الَّتِي﴾ كما قيل: المفعول الثاني محذوف، تقديره: «الأرض» أو «الملك»، وعليهما يكون ﴿مَشارِقَ﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض. والمعتمد الأول، و ﴿مَشارِقَ﴾ مضاف، و ﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. (مغاربها):
معطوف على ما قبله، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ صفة مشارق، وما عطف عليه.
وقيل: صفة: ﴿الْأَرْضِ،﴾ وهو ضعيف. ﴿بارَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. و ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَتُ:﴾ فاعل، و ﴿كَلِمَتُ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة: ﴿كَلِمَتُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، وجملة: ﴿وَتَمَّتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أورثنا...) إلخ لا محل لها مثلها؛ لأنها معطوفة بدورها على ما قبلها. ﴿عَلى بَنِي:﴾ متعلقان بالفعل: (تمت)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف،
стр. 2022
و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تمت)، التقدير: بصبرهم، (دمرنا): فعل، وفاعل، ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿يَصْنَعُ:﴾ مضارع. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ تنازعه كل من كان والفعل: ﴿يَصْنَعُ،﴾ ولا بد من الإضمار في أحدهما مع إعمال الآخر فيه، والأولى اعتباره اسما ل: ﴿كانَ﴾ مؤخرا، وجملة:
﴿يَصْنَعُ﴾ في محل نصب خبرها مقدما، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: دمرنا الذي، أو شيئا كان يصنعه فرعون. هذا؛ وقد أجاز السمين في هذه الجملة أربعة أوجه: أحدها: ما ذكرته، الثاني أن اسم كان ضمير عائد على: ﴿ما﴾ الموصولة و ﴿يَصْنَعُ﴾ مسند ل ﴿فِرْعَوْنُ،﴾ والجملة خبر عن ﴿كانَ،﴾ والعائد محذوف، التقدير: ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون، الثالث: أن تكون: ﴿كانَ﴾ زائدة، و ﴿ما﴾ مصدرية، والتقدير: ودمرنا ما يصنع فرعون. أي صنعه. قال الجمل: وينبغي أن يجيء هذا الوجه أيضا؛ وإن كانت ﴿ما﴾ موصولة اسمية على أن العائد محذوف، تقديره: ودمرنا الذي يصنعه فرعون، الرابع: أن ﴿ما﴾ مصدرية أيضا، و ﴿كانَ﴾ ليست زائدة، بل ناقصة، واسمها ضمير الأمر، والشأن، والجملة من قوله: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ خبر (كان) فهي مفسرة للضمير. انتهى جمل. وانظر الآية رقم [١١٨] التوبة ﴿وَقَوْمُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَدَمَّرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿ما:﴾ معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعرشونه.
﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ:﴾ عبرنا، وقطعنا بهم البحر. وجاوز بمعنى: جاز.
هذا؛ ويقال: جاز الوادي، وجاوزه: إذا قطعه، وتركه وراء ظهره. روي: أن عبورهم البحر كان في يوم عاشوراء، فصامه موسى، ﵇، وأمر بصيامه شكرا على مهلك فرعون، ونجاتهم من شره. ﴿بِبَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ..﴾. إلخ: مروا على قوم يعبدون الأصنام، قيل: كانت تلك الأصنام تماثيل من البقر، وذلك أول شأن العجل، والقوم كانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم. وقيل: كانوا من لخم.
стр. 2023
و ﴿يَعْكُفُونَ:﴾ يعبدون. قرئ بضم الكاف وكسرها من بابي: ضرب، ونصر. وانظر: ﴿قَوْمٍ﴾ في الآية رقم [٣٢] و (أتوا) في الآية رقم [٣٤]. وقل في إعلاله: أصله: (أتيوا) استثقلت الضمة التي على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على التاء، ويقال في إعلاله أيضا تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (أتاوا) فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على التاء لتدل على ذلك المحذوف.
﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً:﴾ تمثالا نعبده ونعظمه. ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ:﴾ أصنام وتماثيل يعبدونها ويعظمونها.
قال البغوي-﵀: لم يكن ذلك شكّا من بني إسرائيل بوحدانية الله تعالى، وإنما معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى، وظنوا: أن ذلك لا يضر الديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. ﴿تَجْهَلُونَ:﴾ انظر الجهل، والجاهل في الآية رقم [٦/ ٣٥]. هذا؛ وقد وصفهم الله بالجهل المطلق، وأكده لبعد ما صدر عنهم بعد ما رأوا من الآيات الكبرى.
عن أبي واقد الليثي-﵁: أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة حنين مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلّقون عليها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده؛ لتركبنّ سنن من قبلكم». أخرجه الترمذي. انتهى خازن.
تنبيه: قال يهودي لعلي-﵁: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال:
قلتم اجعل لنا إلها، ولم تجف أقدامكم. أي: من البحر. انتهى نسفي. وانظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال).
الإعراب: ﴿وَجاوَزْنا:﴾ (جاوزنا): فعل، وفاعل. ﴿بِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ انظر الآية السابقة لإعرابهما، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَجاوَزْنا..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَتَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿عَلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَعْكُفُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿عَلى أَصْنامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَصْنامٍ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسَى﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٣٤] وهي مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِجْعَلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾
متعلقان بما قبلهما، على أنهما مفعوله الأول. ﴿إِلهاً:﴾ مفعوله الثاني. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿لَنا﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿إِلهاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة:
﴿اِجْعَلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. قال أبو البقاء في (ما) ثلاثة
стр. 2024
أوجه: أحدها: هي المصدرية، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ صلة لها، وحسن ذلك: أنّ الظرف مقدر بالفعل، والثاني: أن (ما) بمعنى «الذي» و ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف صلة (ما)، التقدير: كالذي ثبت لهم. و ﴿آلِهَةٌ﴾ بدل من الضمير المستكن في: ﴿لَهُمْ﴾ والتقدير: اجعل لنا إلها كائنا كالذي استقر لهم هو آلهة، والثالث: أن تكون (ما) كافة للكاف؛ إذ من حكم الكاف أن تدخل على المفرد، فلما أريد دخولها على الجملة كفت ب: (ما) انتهى بتصرف.
أقول: فعلى الوجه الأول تؤول (ما) مع الجملة الاسمية بمصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهاً﴾ وأيضا على الثاني يتعلق: «كالذي» بمحذوف صفة:
﴿إِلهاً﴾. وعلى الوجه الثالث تكون الجملة الاسمية: ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ في محل نصب صفة:
﴿إِلهاً﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى). ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿قَوْمٍ:﴾ خبرها، وجملة: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾
الشرح: ﴿هؤُلاءِ:﴾ الإشارة لمن عكفوا على الأصنام. ﴿مُتَبَّرٌ:﴾ هالك، ومكسّر ومدمّر والتتبير: الإهلاك. ﴿ما هُمْ فِيهِ﴾ أي: الذي هم فيه من عبادة الأصنام لا قيمة فيه، وهو هالك لا بقاء له. ﴿وَبَطَلَ..﴾. إلخ: البطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته ونفعه، والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم بنفع، ولا يدفع عنهم ضرّا؛ لأنه عمل لغير الله تعالى، فكان باطلا، لا نفع فيه. انتهى خازن. هذا؛ وجمع باطل: أباطيل على غير قياس، كأنهم جمعوا: إبطيلا. وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بالضم، والسكون: الباطل والكذب، والبطالة التعطل، والتفرغ من العمل.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿مُتَبَّرٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خبر:
﴿إِنَّ،﴾ و ﴿ما:﴾ فاعل، أو نائب فاعل له؛ لأنه قوي بوقوعه خبرا. ﴿وَبَطَلَ:﴾ معطوف على:
﴿مُتَبَّرٌ﴾. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، أو مبتدأ مؤخر على نحو ما رأيت، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، أو مبتدأ مؤخر، التقدير: وباطل عملهم. ﴿كانُوا:﴾
стр. 2025
ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)﴾
الشرح: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ..﴾. إلخ: أي: قال موسى-﵇-لمن طلبوا إلها غير الله موبخا لهم، ومؤنبا: أطلب، وأبتدع لكم معبودا غير الله؟! ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ وهو فضلكم على عالمي زمانكم بكثير من النعم. ففيه تنبيه على سوء معاملتهم، حيث قابلوا النعم بالكفران، وقصدوا أن يشركوا بالله أخس شيء من مخلوقاته. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧].
﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤] وانظر شرح (غير) في الآية رقم [٣] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (غير): مفعول به مقدم، و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْغِيكُمْ:﴾
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به، وهو في الأصل مجرور بحرف جر، التقدير: أبغي لكم. فلما حذفت اللام؛ اتصل الضمير بالفعل، وانتصب به، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلهاً:﴾ تمييز. وقيل: حال. هذا؛ وجوز اعتبار (غير) منصوبا على الحال من: ﴿إِلهاً،﴾ وهذا هو المفعول به، و (غير) كان صفة: ﴿إِلهاً،﴾ فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وجملة: ﴿أَغَيْرَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ﴿فَضَّلَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الله، أو من ضمير المخاطبين، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها مستأنفة، والأول أقوى.
﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ:﴾ وقرئ: «(أنجاكم...)» إلخ وهذا الكلام مسوق من جهة موسى لبني إسرائيل الذين طلبوا منه إلها، وإسناد الإنجاء إليه على القراءة الأولى مجاز، وعلى الثانية ظاهر لا تجوز فيه، وما أحراك أن تنظر شرح هذه الآية كاملا في الآية رقم [٤٩] (البقرة) مع إبدال: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ ب: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ ويقرأ الفعلان بالتشديد، والتخفيف. ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ﴾
стр. 2026
﴿رَبِّكُمْ عَظِيمٌ:﴾ وفي الإنجاء، أو العذاب اختبار، وامتحان؛ إذ البلاء يطلق على النعمة، وعلى المحنة، فالله يختبر شكر عباده بالنعمة، وصبرهم بالمحنة، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾. وانظر الآية رقم [١٦٨] الآتية. وانظر شرح:
﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٣٠] و ﴿نِساءَكُمْ﴾ في الآية رقم [١٢٧]. ﴿بَلاءٌ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [٩٧]. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].
الإعراب: انظر الإعراب بكامله في الآية رقم [٤٩] من سورة (البقرة).
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَواعَدْنا:﴾ وقرئ: «(وعدنا)»: انظر (الوعد) في الآية رقم [٤٤]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿ثَلاثِينَ لَيْلَةً:﴾ هي شهر ذي القعدة، وعبر عن الأيام بالليالي؛ لأنها غرر الشهور. ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ:﴾ وهي العشر الأول من ذي الحجة.
﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً:﴾ بلغ الميقات، أي: الموعد أربعين يوما، وقد ذكر سبحانه هذا العدد جملة في الآية رقم [٥١] (البقرة) وفصله هنا.
قال المفسرون: إن موسى-﵇-وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون، وما يذرون، فلما هلك فرعون؛ سأل ربه أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما، فصامها، فلما تمت ذهب إلى جبل الطور ليسأله ما طلب، وفي طريقه أنكر رائحة فمه التي حدثت من الصيام فاستاك بعود خرنوب، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة، وقال له «أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك»، فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله لموسى ﵊.
هذا؛ وإعلال: ﴿مِيقاتُ﴾ مثل إعلال: (ميزان) في الآية رقم [٩]. ﴿رَبِّهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣].
﴿لَيْلَةً:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٩٦] ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ:﴾ عند ذهابه إلى جبل الطور للمناجاة. ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي:﴾ كن خليفتي فيهم مرهم بالمعروف وانههم عن المنكر. وانظر (قوم) في الآية رقم [٣٢]. ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: ما يجب من إصلاح أمورهم، أو كن مصالحا. ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ:﴾ ولا تتبع من سلك سبيل الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. ﴿سَبِيلَ:﴾ يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل. وانظر: ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٣٥] فهو مثله.
стр. 2027
الإعراب: ﴿وَواعَدْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (واعدنا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب:
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿ثَلاثِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَيْلَةً:﴾ تمييز، وجملة ﴿وَواعَدْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أتممناها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِعَشْرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (تم): ماض.
﴿مِيقاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ حال، أي: تم بالغا هذا العدد. وقيل: هو مفعول به. وقيل: هو منصوب على الظرف... إلخ. ﴿لَيْلَةً:﴾ تمييز. ﴿وَقالَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿لِأَخِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل أو عطف بيان من: (أخيه) مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿اُخْلُفْنِي:﴾ أمر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فِي قَوْمِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَصْلِحْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَبِيلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والمفسدين مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَتَّبِعْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾
الشرح: ﴿جاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿لِمِيقاتِنا:﴾
موعدنا، أي للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه، وكان يوم الخميس، ويوم عرفة. ﴿رَبُّهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿تَرانِي:﴾ مضارع ماضيه: رأى،
стр. 2028
فالقياس: ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر]
أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات
وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ،﴾ و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إلخ «(أرأيتكم)»، و «(أرأيت)» بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف]
صاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟
وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال (ترى): أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف. ﴿اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ:﴾ ثبت مكانه. ﴿تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ:﴾ ظهرت له عظمة الله، وتصدى له اقتداره، وأمره. وقيل: أعطى له حياة، ورؤية حتى رآه. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا:﴾ مدكوكا مفتتا، وقرئ: «(دكاء)» أي: أرضا مستوية، وقرئ: «(دكا)» بضم الدال. ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً:﴾ سقط على الأرض مغشيّا عليه لهول ما رأى. ﴿أَفاقَ:﴾ الإفاقة: رجوع الفهم، والعقل إلى الإنسان بعد جنون أو سكر أو إغماء، ومنه: إفاقة المريض من مرضه. ﴿سُبْحانَكَ:﴾
انظر الآية رقم [٦/ ١٠٠]. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ:﴾ من الجرأة، والإقدام على السؤال بغير إذن.
﴿أَوَّلُ:﴾ فيه مسائل: الأولى: الصحيح: أن أصله: أوأل بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت بدليل قولهم في الجمع: أوائل. وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على: أواول، لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
هذا؛ ويجمع (أول) على: أواول كما يجمع جمع مذكر سالما: أولون، وأولين. وهو المستعمل، والشائع.
الثانية: الصحيح: أن «أول» لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره؛ وقع الطلاق على الأول ولم يقع على الثاني.
الثالثة: ل «أول» استعمالان: أحدهما أن يكون صفة، أي: أفعل تفضيل بمعنى أسبق، فيعطى حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول (من) عليه، نحو هذا أول من هذين، ولقيته عام أول. الثاني أن يكون اسما، فيكون مصروفا، نحو: لقيته عاما أولا، ومنه: ماله أول، ولا آخر. قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: آخرة وأوّلة بالتنوين. انتهى. همع الهوامع.
стр. 2029
تنبيه: في الآية الكريمة التفات من التكلم في قوله: ﴿لِمِيقاتِنا﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وانظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
تنبيه: قال أهل التفسير، والأخبار: لما جاء موسى لميقات ربه؛ تطهر، وطهر ثيابه، وصام، ثم أتى طور سيناء، فأنزل الله تعالى ظلة غشيت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية وطرد عنه الشيطان، وهوام الأرض، ونحى عنه الملكين، وكشط له السماء، فرأى الملائكة قياما في الهواء، ورأى العرش بارزا، وأدناه ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح، وكلمه، وكان جبريل معه، فلم يسمع ذلك الكلام، فاستحلى موسى كلام ربه، فاشتاق إلى رؤيته، فقال:
﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وإنما سألها مع علمه بأنها لا تجوز في الدنيا؛ لما هاج به من الشوق، وفاض عليه من أنواع الجلال، واستغرق في بحر المحبة، فعند ذلك سأل الرؤية. انتهى. جمل.
قال البيضاوي: وهو-أي سؤال موسى ربه الرؤية-دليل على أن رؤيته جائزة في الجملة؛ لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصا ما يقتضي الجهل بالله، ولذلك رده بقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ دون لن أرى، أو لن تنظر إلي، تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على استعداد في الرائي، ولم يوجد فيه بعد، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ خطأ؛ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة؛ لوجب أن يجهلهم، ويزيح شبههم، كما فعل بهم حين ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً﴾ فقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وكما قال لأخيه: ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ؛ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته، إياه على ألا يراه أحد أبدا، وألا يراه غيره أصلا، فضلا عن أن يدل على استحالتها، ودعوى الضرورة فيه مكابرة، أو جهالة بحقيقة الرؤية. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦/ ١٠٣]. ومعنى ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بأنك لا ترى في الدنيا. وقيل: معناه: وأنا أول المؤمنين من بني إسرائيل. والأول أولى.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لما): انظر الآية رقم [١٣٤] وجملة: ﴿جاءَ مُوسى﴾ انظر مثيلتها في الآية المذكورة، وما قيل فيها. ﴿لِمِيقاتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ:﴾ فعل ومفعول به وفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾.
﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب... إلخ. وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٦٠]. ﴿أَرِنِي:﴾ فعل دعاء، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والنون للوقاية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وياء المتكلم مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: أرني نفسك. ﴿أَنْظُرْ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الطلب، وهو في الأصل مجزوم بشرط محذوف، وفاعله مستتر فيه تقديره «أنا». ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجمل: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾
стр. 2030
﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و ﴿فَلَمّا﴾ ومدخولها كلام معطوف على جملة: (واعدنا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالَ:﴾
ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تُرِيَنِّي:﴾ مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، واكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك لا محل له.
﴿أَنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلَى الْجَبَلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة:
﴿وَلكِنِ انْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَإِنِ:﴾
الفاء: حرف تفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَقَرَّ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿الْجَبَلِ﴾. ﴿مَكانَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال.
﴿تُرِيَنِّي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره:
«أنت»، والنون للوقاية، والياء مفعول به، وهو بصري مثل سابقه، وجملة: ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ لَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ انظر الآية رقم [١٣٤] لإعراب مثل ذلك. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ فعل ماض ومفعولاه، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (خر): ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، ﴿صَعِقاً:﴾
حال من موسى، وجملة: ﴿وَخَرَّ..﴾. إلخ معطوفة على جواب لما لا محل لها مثله ﴿فَلَمّا أَفاقَ قالَ..﴾. إلخ انظر إعراب مثل ذلك في الآية رقم [١٣٤] وهو كلام مستأنف لا محل له.
﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول. وهذا عند الخليل، وسيبويه. وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى.
﴿تُبْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (أنا): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوَّلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.
стр. 2031
﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣].
﴿اِصْطَفَيْتُكَ:﴾ اخترتك، والاصطفاء: الاستخلاص، من الصفوة، والاجتباء. ﴿عَلَى النّاسِ﴾ أي: الموجودين في زمانك، وهارون وإن كان رسولا مثله، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما، ولا صاحب شرع. ﴿بِرِسالاتِي:﴾ بوحيي، وجمعت الرسالة لتنوع أحكامها، وتعاليمها.
وقرئ: «(برسالتي)» بالإفراد. بتكليمي إياك، فيكون مصدرا. ويحتمل أن يراد به التوراة، وما أوحاه الله إليه من قولهم، القرآن كلام الله. وقدم الرسالة على الكلام؛ لأنها أسبق، أو ليترقى إلى الأشراف. هذا؛ و (الكلام) يدل على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، فتقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه.
وثانيها: ما يدور في النفس من خواطر، وهواجس، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [البسيط]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال، انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين). وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى قوله جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ثم انظر إلى قول الشاعر الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينيها القول، وذلك في قوله: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
стр. 2032
وانظر شرح (القول) في الآية رقم [٥]. و ﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية [١٣٧]. ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ:﴾ ما أعطيتك من الرسالة. ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ على إنعامي عليك، وفي القصة: أن موسى ﵊، كان بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات، وقالت له زوجته: أنا لم أرك منذ كلمك ربك، فكشف لها عن وجهه، فأخذها مثل شعاع، فوضعت يدها على وجهها، وخرت ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها انتهى. خازن. وانظر الآية رقم [١٠] لشرح ﴿تَشْكُرُونَ﴾.
الإعراب: ﴿قالَ يا مُوسى:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٣٤]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿اِصْطَفَيْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب:
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِرِسالاتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكاف، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبِكَلامِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿اِصْطَفَيْتُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿فَخُذْ﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾
تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَيْتُكَ:﴾
فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خذ الذي أو شيئا آتيتك إياه، وجملة: ﴿فَخُذْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم: التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فخذ... إلخ، ومجموع الكلام في محل نصب مقول القول. (كن): أمر ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها باعتبار، وهي في محل نصب مقول القول باعتبار آخر. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ:﴾ لموسى، ولقومه. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿فِي الْأَلْواحِ:﴾
ألواح التوراة، وقد اختلف في عددها، وفي مادتها، فقيل: كانت سبعة. وقيل: عشرة. وقيل:
كانت اثنين، طول اللوح اثنا عشر ذراعا، وكانت من زمرد، أو زبرجد، أو ياقوت أحمر، أو من صخرة صماء لينها الله لموسى يطويها كيف يشاء. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ مما يحتاجون إليه من أمر
стр. 2033
الدين، والدنيا. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿مَوْعِظَةً:﴾ هي كلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. ﴿وَتَفْصِيلاً:﴾ تبيينا للأحكام وانظر الآية رقم [٥٢].
﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ:﴾ خذ الألواح، أو ما فيها من التعاليم والتشريع بجد واجتهاد. هذا؛ وأصل (خذ) أؤخذ، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من (أمر وأكل) فيقال: مر وكل، وقد قالوا: اؤمر واؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه ﴿وَأْمُرْ﴾ في هذه الآية وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة (لقمان).
﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها:﴾ المراد بأحسن ما فيها، وذلك كالعفو والقود، والصبر على الإيذاء والانتصار من المؤذي، والمأمور به، والمباح، فأمروا أن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا، وإن كان فيه مشقة على النفس. هذا؛ وقد قيل: إن (أحسن) بمعنى: (حسن). وانظر (قوم) في الآية رقم [٣٢]. ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي: دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها، أو دار عاد وثمود وأضرابهم؛ لتعتبروا فلا تفسقوا. هذا؛ وقد قرئ «(سأوريكم)» بمعنى: سأبين لكم من أوريت الزند، وقرئ «(سأورثكم)» ويؤيده نص الآية رقم [١٣٧] هذا؛ وانظر شرح: ﴿دارِهِمْ﴾ في الآية رقم [٧٨]. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ الكافرين المعاندين. هذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات.
الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكب الكبيرة مستصوبا إياها، فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق، الذي هو مسمى الإيمان. انتهى. بيضاوي.
تنبيه: يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ﴾ أن الله تعالى خط التوراة في الألواح بيده، وجاء في حديث النبي ﷺ : «إنّ الله خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده». وروي أنه لم يحفظ التوراة عن ظهر قلب إلا أربعة نفر: موسى ويوشع بن نون، وعزير، وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسّلام، وذلك لعظم حجمها، وكثرة الأحكام فيها، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٣١] من سورة (التوبة). هذا؛ وفي قوله ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ التفات إلى الخطاب بعد الغيبة، انظر الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).
الإعراب: (كتبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَلْواحِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما في محل نصب مفعول به، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة يظهر لك ذلك جليّا، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
стр. 2034
﴿مَوْعِظَةً:﴾ بدل من محل ﴿مِنْ كُلِّ﴾. ﴿وَتَفْصِيلاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان ب (تفصيلا) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿فَخُذْها:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (خذها): أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (ها):
مفعول به، والجملة الفعلية مقولة لقول محذوف، التقدير: فقلنا له: خذها. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة (كتبنا...) إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع، وجملة: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿يَأْخُذُوا:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها باعتبارها جوابا للطلب، وهي داخلة في مقول القول. ﴿بِأَحْسَنِها:﴾
متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سَأُرِيكُمْ:﴾ السين: حرف تنفيس واستقبال.
(أريكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:
«أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿دارَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمفعول الثالث محذوف التقدير: خاوية ونحوه، وجملة: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ..﴾. إلخ لا محل لها باعتبارها مستأنفة، وهي داخلة في مقول القول المقدر.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦)﴾
الشرح: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ:﴾ المراد ب: ﴿آياتِيَ﴾ ما كتب في ألواح التوراة، أو ما يعمها وغيرها، وهو الأرجح، فمعنى الصرف الطبع على قلوبهم بحيث لا يفهمونها. وقيل: المراد بها: المنصوبة في الأنفس والآفاق، ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄-يريد الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها حتى لا يؤمنوا بي، عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم الحق. انتهى خازن. وانظر شرح:
﴿آياتِيَ﴾ في الآية رقم [٩] وشرح: ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣]. ﴿يَرَوْا:﴾ انظر الآية رقم [١٣٨] و [١٤٣] لإعلال مثله.
﴿لا يُؤْمِنُوا بِها:﴾ لا يصدقوا، ولا يعترفوا بها. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢]. ﴿سَبِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤١]. ﴿الرُّشْدِ:﴾ يقرأ بضم الراء وسكون الشين، وبفتحهما، كما يقرأ «(الرشاد)» والكل بمعنى طريق الحق والهدى والسداد والصواب، وعكسه الغي، ومعنى ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ لا يسلكون طريق الرشاد إلى الهداية، بل يسلكون طريق الضلال والفساد. ﴿ذلِكَ﴾
стр. 2035
﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي ذلك الصرف. وقيل: ذلك الذي اختاروه لأنفسهم من ترك الرشد واتباع الغي بسبب تكذيبهم بآيات الله، وعدم تدبرهم لها والاتعاظ بها، والمعتمد الأول، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿سَأَصْرِفُ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والسين حرف تنفيس واستقبال.
﴿عَنْ آياتِيَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والإعراب مثل ﴿بِرِسالاتِي﴾ ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي حال كونهم ملتبسين بالدين غير الحق، و (غير): مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿آيَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة لا محل له مثلها، وإعراب ما بعدها مثلها، والكلام معطوف كله على جملة الصلة. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور: ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وجوز اعتبار:
﴿ذلِكَ﴾ في محل نصب، ثم اختلف في ذلك.
فقال الزمخشري: التقدير: صرفهم الله ذلك الصرف. مفعولا مطلقا، أي: مصدرا، وقال ابن عطية، التقدير: فعلنا ذلك. فجعله مفعولا به، وعلى الوجهين فالباء في ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ متعلقة بذلك المحذوف. انتهى جمل نقلا عن السمين، وقد تصرفت فيه. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا..﴾. إلخ انظر إعراب هذا الكلام بكامله في الآية رقم [١٣٦].
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ أنكروها، ولم يصدقوا بها. وانظر المراد من (الآيات) في الآية السابقة. ﴿الْآخِرَةِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٥]. المعنى كذبوا بوجود الآخرة، وما فيها، وأصل (لقاء): (لقاي) فإعلاله مثل إعلال (سماء) في الآية رقم [٩٦]. وانظر إعلال: ﴿تِلْقاءَ﴾ في الآية رقم [٤٧]. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ ذهب ثواب أعمالهم لعدم وجود الشرط، وهو الإيمان،
следующие страницы →