Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣].
﴿اِصْطَفَيْتُكَ:﴾ اخترتك، والاصطفاء: الاستخلاص، من الصفوة، والاجتباء. ﴿عَلَى النّاسِ﴾ أي: الموجودين في زمانك، وهارون وإن كان رسولا مثله، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما، ولا صاحب شرع. ﴿بِرِسالاتِي:﴾ بوحيي، وجمعت الرسالة لتنوع أحكامها، وتعاليمها.
وقرئ: «(برسالتي)» بالإفراد. بتكليمي إياك، فيكون مصدرا. ويحتمل أن يراد به التوراة، وما أوحاه الله إليه من قولهم، القرآن كلام الله. وقدم الرسالة على الكلام؛ لأنها أسبق، أو ليترقى إلى الأشراف. هذا؛ و (الكلام) يدل على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، فتقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه.
وثانيها: ما يدور في النفس من خواطر، وهواجس، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [البسيط]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال، انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين). وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى قوله جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ثم انظر إلى قول الشاعر الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينيها القول، وذلك في قوله: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
стр. 2032
وانظر شرح (القول) في الآية رقم [٥]. و ﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية [١٣٧]. ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ:﴾ ما أعطيتك من الرسالة. ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ على إنعامي عليك، وفي القصة: أن موسى ﵊، كان بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات، وقالت له زوجته: أنا لم أرك منذ كلمك ربك، فكشف لها عن وجهه، فأخذها مثل شعاع، فوضعت يدها على وجهها، وخرت ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها انتهى. خازن. وانظر الآية رقم [١٠] لشرح ﴿تَشْكُرُونَ﴾.
الإعراب: ﴿قالَ يا مُوسى:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٣٤]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿اِصْطَفَيْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب:
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِرِسالاتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكاف، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبِكَلامِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿اِصْطَفَيْتُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿فَخُذْ﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾
تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَيْتُكَ:﴾
فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خذ الذي أو شيئا آتيتك إياه، وجملة: ﴿فَخُذْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم: التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فخذ... إلخ، ومجموع الكلام في محل نصب مقول القول. (كن): أمر ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها باعتبار، وهي في محل نصب مقول القول باعتبار آخر. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ:﴾ لموسى، ولقومه. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿فِي الْأَلْواحِ:﴾
ألواح التوراة، وقد اختلف في عددها، وفي مادتها، فقيل: كانت سبعة. وقيل: عشرة. وقيل:
كانت اثنين، طول اللوح اثنا عشر ذراعا، وكانت من زمرد، أو زبرجد، أو ياقوت أحمر، أو من صخرة صماء لينها الله لموسى يطويها كيف يشاء. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ مما يحتاجون إليه من أمر
стр. 2033
الدين، والدنيا. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿مَوْعِظَةً:﴾ هي كلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. ﴿وَتَفْصِيلاً:﴾ تبيينا للأحكام وانظر الآية رقم [٥٢].
﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ:﴾ خذ الألواح، أو ما فيها من التعاليم والتشريع بجد واجتهاد. هذا؛ وأصل (خذ) أؤخذ، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من (أمر وأكل) فيقال: مر وكل، وقد قالوا: اؤمر واؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه ﴿وَأْمُرْ﴾ في هذه الآية وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة (لقمان).
﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها:﴾ المراد بأحسن ما فيها، وذلك كالعفو والقود، والصبر على الإيذاء والانتصار من المؤذي، والمأمور به، والمباح، فأمروا أن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا، وإن كان فيه مشقة على النفس. هذا؛ وقد قيل: إن (أحسن) بمعنى: (حسن). وانظر (قوم) في الآية رقم [٣٢]. ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي: دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها، أو دار عاد وثمود وأضرابهم؛ لتعتبروا فلا تفسقوا. هذا؛ وقد قرئ «(سأوريكم)» بمعنى: سأبين لكم من أوريت الزند، وقرئ «(سأورثكم)» ويؤيده نص الآية رقم [١٣٧] هذا؛ وانظر شرح: ﴿دارِهِمْ﴾ في الآية رقم [٧٨]. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ الكافرين المعاندين. هذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات.
الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكب الكبيرة مستصوبا إياها، فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق، الذي هو مسمى الإيمان. انتهى. بيضاوي.
تنبيه: يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ﴾ أن الله تعالى خط التوراة في الألواح بيده، وجاء في حديث النبي ﷺ : «إنّ الله خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده». وروي أنه لم يحفظ التوراة عن ظهر قلب إلا أربعة نفر: موسى ويوشع بن نون، وعزير، وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسّلام، وذلك لعظم حجمها، وكثرة الأحكام فيها، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٣١] من سورة (التوبة). هذا؛ وفي قوله ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ التفات إلى الخطاب بعد الغيبة، انظر الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).
الإعراب: (كتبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَلْواحِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما في محل نصب مفعول به، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة يظهر لك ذلك جليّا، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
стр. 2034
﴿مَوْعِظَةً:﴾ بدل من محل ﴿مِنْ كُلِّ﴾. ﴿وَتَفْصِيلاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان ب (تفصيلا) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿فَخُذْها:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (خذها): أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (ها):
مفعول به، والجملة الفعلية مقولة لقول محذوف، التقدير: فقلنا له: خذها. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة (كتبنا...) إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع، وجملة: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿يَأْخُذُوا:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها باعتبارها جوابا للطلب، وهي داخلة في مقول القول. ﴿بِأَحْسَنِها:﴾
متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سَأُرِيكُمْ:﴾ السين: حرف تنفيس واستقبال.
(أريكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:
«أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿دارَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمفعول الثالث محذوف التقدير: خاوية ونحوه، وجملة: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ..﴾. إلخ لا محل لها باعتبارها مستأنفة، وهي داخلة في مقول القول المقدر.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦)﴾
الشرح: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ:﴾ المراد ب: ﴿آياتِيَ﴾ ما كتب في ألواح التوراة، أو ما يعمها وغيرها، وهو الأرجح، فمعنى الصرف الطبع على قلوبهم بحيث لا يفهمونها. وقيل: المراد بها: المنصوبة في الأنفس والآفاق، ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄-يريد الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها حتى لا يؤمنوا بي، عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم الحق. انتهى خازن. وانظر شرح:
﴿آياتِيَ﴾ في الآية رقم [٩] وشرح: ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣]. ﴿يَرَوْا:﴾ انظر الآية رقم [١٣٨] و [١٤٣] لإعلال مثله.
﴿لا يُؤْمِنُوا بِها:﴾ لا يصدقوا، ولا يعترفوا بها. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢]. ﴿سَبِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤١]. ﴿الرُّشْدِ:﴾ يقرأ بضم الراء وسكون الشين، وبفتحهما، كما يقرأ «(الرشاد)» والكل بمعنى طريق الحق والهدى والسداد والصواب، وعكسه الغي، ومعنى ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ لا يسلكون طريق الرشاد إلى الهداية، بل يسلكون طريق الضلال والفساد. ﴿ذلِكَ﴾
стр. 2035
﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي ذلك الصرف. وقيل: ذلك الذي اختاروه لأنفسهم من ترك الرشد واتباع الغي بسبب تكذيبهم بآيات الله، وعدم تدبرهم لها والاتعاظ بها، والمعتمد الأول، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿سَأَصْرِفُ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والسين حرف تنفيس واستقبال.
﴿عَنْ آياتِيَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والإعراب مثل ﴿بِرِسالاتِي﴾ ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي حال كونهم ملتبسين بالدين غير الحق، و (غير): مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿آيَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة لا محل له مثلها، وإعراب ما بعدها مثلها، والكلام معطوف كله على جملة الصلة. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور: ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وجوز اعتبار:
﴿ذلِكَ﴾ في محل نصب، ثم اختلف في ذلك.
فقال الزمخشري: التقدير: صرفهم الله ذلك الصرف. مفعولا مطلقا، أي: مصدرا، وقال ابن عطية، التقدير: فعلنا ذلك. فجعله مفعولا به، وعلى الوجهين فالباء في ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ متعلقة بذلك المحذوف. انتهى جمل نقلا عن السمين، وقد تصرفت فيه. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا..﴾. إلخ انظر إعراب هذا الكلام بكامله في الآية رقم [١٣٦].
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ أنكروها، ولم يصدقوا بها. وانظر المراد من (الآيات) في الآية السابقة. ﴿الْآخِرَةِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٥]. المعنى كذبوا بوجود الآخرة، وما فيها، وأصل (لقاء): (لقاي) فإعلاله مثل إعلال (سماء) في الآية رقم [٩٦]. وانظر إعلال: ﴿تِلْقاءَ﴾ في الآية رقم [٤٧]. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ ذهب ثواب أعمالهم لعدم وجود الشرط، وهو الإيمان،
стр. 2036
كما أفادته آيات كثيرة في القرآن الكريم. ﴿هَلْ:﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: ما يجزون إلا ما يستحقون من الثواب، أو العقاب، وهو المراد هنا. هذا؛ وانظر شرح: ﴿يُجْزَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. (لقاء): معطوف على آياتنا مجرور مثله، و (لقاء): مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير، ولقائهم الآخرة. ﴿حَبِطَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾
فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، و «قد» مقدرة قبلها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى (ما).
﴿يُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهي المفعول الأول.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وهي على الأولين مفعول به ثان، وعلى الثالث تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٣٩] قال الواحدي: ولا بد من تقدير محذوف، أي: إلا بما كانوا، أو جزاء ما كانوا، قال الجمل قلت: لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزون بمقابله، وهو واضح. انتهى. نقلا عن السمين.
﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ذهابه إلى المناجاة. وانظر: ﴿قَوْمُ﴾ في الآية رقم [٣٢] وشرح: ﴿مُوسى﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ أي: التي استعاروها من قوم فرعون حين هموا بالخروج من مصر بأمر من موسى ﵇ فبقى عندهم بعد هلاك فرعون وقومه على سبيل الغنيمة، فلذلك نسبه الله إلى بني إسرائيل، فلما أبطأ موسى عليهم بسبب زيادة الأيام العشرة التي مر ذكرها، جمع السامري ذلك الحلي، وكان رجلا مطاعا فيهم، وكان صائغا، فصاغ لهم ﴿عِجْلاً جَسَداً﴾ من ذلك الحلي، وألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فتحول عجلا جسدا. هذا؛ وقد نسب الفعل إلى الجميع مع كون المتخذ واحدا؛ لأنه كان برضاهم، فكأنهم أجمعوا عليه، وسيأتي تفصيل ذلك في سورة طه إن شاء الله تعالى. هذا؛ وأصل: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ (حلويهم) اجتمعت الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، وأدغمت في الياء، وكسرت اللام لأجل الياء. هذا؛ وقرئ بكسر الحاء، كما قرئ بفتحها وسكون اللام وتخفيف الياء. ﴿لَهُ خُوارٌ:﴾ هذا صوت البقر خاصة، وقد يستعار للبعير،
стр. 2037
والخوار: الضعف، قيل: إنه خار مرة واحدة، وقيل إنه كان يخور كثيرا، وكلما خار سجدوا له، وإذا سكت رفعوا رءوسهم، قيل: كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك. وقيل: كان يخور ويمشي، وسيأتي بسط ذلك في سورة (طه) إن شاء الله تعالى. هذا؛ وقرئ «(جوار)» وهو الصوت الشديد.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ..﴾. إلخ، هذا توبيخ للذين عبدوا العجل، والصحيح أن بعضهم عبدوه، وقد خرج الكلام على الأغلب، والمعنى: ألم ينظروا، أو ألم يعلموا حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد، ومن كان كذلك كان جمادا، أو حيوانا ناقصا عاجزا لا يصالح للعبادة.
وانظر (الكلام) في الآية رقم [١٤٣] و ﴿سَبِيلاً﴾ في الآية رقم [١٤٢]. ﴿اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى، واشتغلوا بعبادة العجل الذي لا يضر ولا ينفع، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن المنكر. هذا؛ وانظر الظلم في الآية رقم [٦/ ١٤٦] وانظر إعلال: ﴿يَرَوْا﴾ في الآية رقم [١٤٣].
الإعراب: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ:﴾ فعل، وفاعل، و ﴿قَوْمُ:﴾ مضاف، و ﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة، فيكون ﴿بَعْدِهِ﴾ ظرفا متعلقا بالفعل قبله، والمعنى لا يأباه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، وإن اعتبرتهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿عِجْلاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، فلست مفندا؛ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِجْلاً:﴾ مفعول به. ﴿جَسَداً:﴾ بدل مما قبله، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إلها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خُوارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة ﴿جَسَداً﴾ وقيل: صفة: ﴿عِجْلاً،﴾ والأول أقوى عندي؛ لأن الثاني يقتضي أن يكون ﴿جَسَداً﴾ صفة: ﴿عِجْلاً،﴾ واعتباره بدلا أرجح. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (لم): حرف جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم...) إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل قبله، وجملة: ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع خبر مثلها، وجملة (اتخذ...) إلخ قال الجمل: عطف قصة على قصة. ولا أرى وجها لذلك.
فالأولى اعتبارها مستأنفة، وكذلك جملة ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معترضة بين المؤكّد والمؤكّد، وهي جملة: ﴿اِتَّخَذُوهُ﴾ مع المفعول الثاني المحذوف، وهو (إلها) (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة (كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة؛ لتقرب الماضي من الحال. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 2038
﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ:﴾ كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غمّا فتصير يده مسقوطا فيها، وقرئ: «(سقط)» بالبناء للفاعل، بمعنى وقع العض فيها. وقيل:
معناه: سقط الندم في أنفسهم. وهذا التركيب لم تعرفه العرب، إلا بعد نزول القرآن، وخصت اليد بالذكر؛ لأن مباشرة معظم الذنوب بها، فالملامة ترجع عليها؛ لأنها الجارحة العظمى، فيسند إليها ما لم تباشره، كقوله تعالى ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ وانظر: ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨]. ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي: وأيقنوا: أنهم على الضلالة في عبادتهم العجل. ﴿قالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥] لشرحه، وإعرابه. ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ أي: بالتوبة علينا، والعفو عنا. ﴿الْخاسِرِينَ﴾ أي: غير الرابحين، وأي خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها الذي لا ينقطع؟!
هذا؛ وقد قيل في تفسير (الخسران): أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله منازل الكفار التي في الجنة للمؤمنين، وجعل منازل المؤمنين التي في النار للكفار، فذلك هو الخسران: هذا؛ وقد قرئ الفعلان: «يرحمنا» و «(يغفر)» بتاء المضارعة. وقرئ: «ربنا» على النداء. وانظر الآية رقم [٣]. هذا؛ وإعلال (رأوا) مثل إعلال (أتوا) في الآية [١٣٨].
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لما): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿سُقِطَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِي أَيْدِيهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للفاعل، يكون الفاعل مستترا تقديره: سقط الندم. قاله الزجاج، وقال الزمخشري: سقط العض، وقال ابن عطية:
سقط الخسران، والخيبة، وقرأ ابن أبي عبلة: «(أسقط)» رباعيّا مبنيّا للمفعول، والجملة الفعلية:
﴿سُقِطَ..﴾. إلخ انظر محل مثلها في الآية رقم [١٣٣]. (رأوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل (رأوا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَئِنْ:﴾
حرف شرط جازم: واللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَرْحَمْنا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ و (نا): مفعول به. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل
стр. 2039
لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَيَغْفِرْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، وفاعله يعود إلى ربنا. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٩٩]. هذا؛ وعلى قراءة الفعلين بالتاء يكون الفاعل مستترا تقديره: «أنت»، ويكون ﴿رَبُّنا﴾ منادى حذف منه حرف النداء، والكلام على القراءتين، وعلى الإعرابين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب لما لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة لا محل له مثله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى..﴾. إلخ: رجع من طور سيناء. ﴿غَضْبانَ:﴾ لما فعلوه من عبادة غير الله، وكان الله سبحانه قد أخبره بذلك قبل رجوعه، كما سيأتي في سورة (طه)، وتعرفه إن شاء الله تعالى. هذا؛ و (رجع) يستعمل لازما كما في الآية، ومتعديا، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ..﴾. إلخ. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿أَسِفاً:﴾ قال أبو الدرداء: الأسف: أشد الغضب، وقال ابن عباس، والسدي:
الأسف: الحزن، والأسيف: الحزين. قال الواحدي: والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن، والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت. انتهى. خازن بتصرف. ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الفعل فعلتموه بعد ذهابي إلى مناجاة ربي! وهذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامري، وأتباعه، أو لهارون، والمؤمنين الذين لم يعبدوا العجل، ويكون المراد: حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى. هذا؛ وانظر شرح (بئس) في الآية رقم [٤١] الأنفال ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أي: أسبقتم بعبادة العجل ما أعطاني ربكم من التوراة التي فيها الهدى، والنور، وظننتم موتي لتأخري عليكم، فغيرتم، وبدلتم.
﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ أي: على الأرض طرحها من شدة الغضب حمية للدين، فتكسرت، وكانت سبعة ألواح، فرفع منها ستة أسباع بسبب الكسر، وبقي سبع واحد، فرفع منها ما كان من أخبار
стр. 2040
الغيب، وبقي ما فيها من المواعظ والأحكام والحلال والحرام. وينبغي أن تعلم أن موسى ﵇ لم يلق الألواح على الأرض، ولم يغضب الغضب الشديد حين أخبره ربه مع تصديقه بذلك كما فعل، وغضب حين عاين ذلك، وشاهده. وهذا كما قيل: ليس الخبر كالمعاينة.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ:﴾ بشعر هارون. ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ:﴾ توهما بأنه قصر في وعظهم، مع أنه بذل جهده في ذلك، كما تفيده سورة (طه) ولكنهم كانوا قوما مجرمين، فخاف منهم، لما هددوه وكان أكبر من موسى بثلاث سنين، وكان لطيفا لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى. ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ:﴾ ذكر الأم مع كونهما لأب، وأم؛ ليرققه، ويستعطفه عليه، وقرئ: «(يا بن أم)» كما قرئ «(أمي)» وانظر أوجه الإعراب: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾ أي: الذين عبدوا العجل. ﴿اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي:﴾ إزاحة لتوهم التقصير في حقه، والمعنى: بذلت وسعي في وعظهم، ونصحهم، حتى قهروني، وقاربوا قتلي. وانظر شرح: ﴿يَكادُ﴾ في الآية رقم [٢٠] (البقرة) تجد ما يسرك، وأيضا رقم [١١٨] (التوبة). ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ:﴾ والمعنى: لا تفعل بي ما يسر أعدائي، وأصل الشماتة: الفرح بمصيبة من تعاديه، ويعاديك، يقال: شمت فلان بفلان: إذا سر بمكروه نزل به، وهي من خلق اللئام، وقد نهى النبي ﷺ عنها فقال: «لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك». وكان يتعوذ منها ويقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء». والفعل: (شمت، يشمت) من باب سلم، يسلم، وهو في الآية من الرباعي المتعدي بالهمزة، وقرئ بفتح التاء، والميم من الثلاثي، ورفع (الأعداء). وانظر شرح:
﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [٢٢]. ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا تجعلني في عداد الذين عبدوا العجل. وانظر: (الظلم) في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).
الإعراب: (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿رَجَعَ:﴾ ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع... إلخ.
﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَضْبانَ أَسِفاً:﴾ حالان من:
﴿مُوسى﴾ ومن لا يجيز تعدد الحال يعتبر: ﴿أَسِفاً﴾ حالا من الضمير المستتر في: ﴿غَضْبانَ﴾ لأنه صفة مشبهة، فتكون حالا متداخلة. وقيل: بدل منه، ولا وجه له، وجملة: ﴿رَجَعَ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى موسى. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر. (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، المفسر لفاعل (بئس) المستتر، التقدير:
بئس الشيء شيئا. هذا؛ وجوز اعتبار (ما) اسما موصولا مبنيّا على السكون في محل رفع فاعل بئس. ﴿خَلَفْتُمُونِي:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صفة (ما) أو صلتها، والرابط، أو العائد محذوف، والمخصوص بالذم محذوف، وتقدير الكلام: بئس
стр. 2041
الخلافة خلافة خلفتمونيها خلافتكم هذه؛ حيث أشركتم. ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾ متعلقان بما قبلهما.
وانظر إعراب: ﴿بِرِسالاتِي﴾ وجملة: ﴿بِئْسَما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على (ما) قبله لا محل له مثله. ﴿أَعَجِلْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (عجلتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. (ألقى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿الْأَلْواحَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. (أخذ): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿بِرَأْسِ:﴾ متعلقان به، ورأس مضاف، و ﴿أَخِيهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره، الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَخَذَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب:
(لمّا)، وجملة: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ في محل نصب حال من فاعل (أخذ)، أو من (رأس أخيه)، وعلى الاعتبارين فالرابط الضمير فقط. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿أَخِيهِ،﴾ ﴿اِبْنَ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و ﴿اِبْنَ:﴾ مضاف، و ﴿أُمَّ:﴾ مضاف إليه، فعلى قراءته بالكسر يكون مجرورا، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وعلى قراءته بالفتح تكون الياء قد قلبت ألفا، ثم حذفت للتخفيف، والفتحة على الميم دليل عليها، والفتحة حركة إعراب كالكسرة قبل الميم عند الكوفيين، وهي عند البصريين فتحة بناء لتركبهما تركيب خمسة عشر، وكذا الكسرة عندهم كسرة بناء، وعلى قولهم: فليس (ابن) مضافا ل (أم)، بل هو مركب معها، وأرجح قول الكوفيين في مثل هذا التركيب. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْقَوْمَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿اِسْتَضْعَفُونِي﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر. (كادوا): ماض ناقص من أفعال المقاربة مبني على الضم. والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَقْتُلُونَنِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كاد، وجملة:
﴿وَكادُوا..﴾. إلخ في محل رفع معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَلا﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (لا): ناهية. ﴿تُشْمِتْ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿بِيَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَعْداءَ:﴾ مفعول به، وعلى القراءة بفتح التاء والميم ف: ﴿الْأَعْداءَ﴾ فاعله، وجملة: ﴿فَلا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكرته صحيحا وواقعا؛ فلا... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون
стр. 2042
للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة مقول القول. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿الْقَوْمَ:﴾ مضاف إليه.
﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (١٥١)﴾
الشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿اِغْفِرْ لِي:﴾ ما صنعت بأخي، وما فعلت من إلقاء الألواح وذلك لما تبين له عذر أخيه، وسكن غضبه.
﴿وَلِأَخِي﴾ أي: واغفر لأخي تقصيره في عدم منعهم من عبادة العجل، فقد ضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له، ودفعا للشماتة عنه. ﴿فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: الواسعة. وانظر الآية رقم [١٥٥].
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ:﴾ ففيه ترغيب في الدعاء؛ لأن أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة، وفيه تقوية لطمع الداعي في نجاح طلبته.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، ويجوز فيه ما جاز في ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٦٠] من أوجه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (لأخي): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وإعرابهما مثل إعراب:
﴿بِرِسالاتِي﴾ في الآية رقم [١٤٤]. (أدخلنا): فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل (أنت) و (نا) مفعول به ﴿فِي رَحْمَتِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَرْحَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الرّاحِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة... إلخ، والجملة الاسمية: (أنت...) إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن، والأول أقوى، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ:﴾ إلها من دون الله. ﴿سَيَنالُهُمْ:﴾ سيصيبهم، وينزل عليهم، وهذا النيل قد وقع قبل نزول هذه الآية، ووجه الاستقبال فيه: أن هذا الكلام خبر، عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، فيكون هذا الكلام من مقول الله
стр. 2043
تعالى. وقيل: هذا الكلام من تمام كلام موسى ﵇، أخبر الله- -به عنه، ثم قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ وكان هذا القول من موسى قبل أن يتوب الله عليهم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لما تابوا، وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم فيهم أخبرهم أن من مات منهم قتيلا فهو شهيد، ومن بقي حيّا؛ فهو مغفور له. انتهى. قرطبي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] (البقرة). ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].
﴿وَذِلَّةٌ:﴾ فعذبوا بالأمر بقتل أنفسهم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة.
وانظر الآية رقم [٦١] (البقرة) تجد ما يسرك. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٢٩].
﴿الْمُفْتَرِينَ﴾ أي: على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، وهي قولهم: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم، ولا بعدهم.
هذا؛ وقال أبو قلابة: الذلة والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة! وقال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة. وقال الإمام مالك-﵃ أجمعين-: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلك، ثم قرأ هذه الآية، وقال: والمبتدع مفتر في دين الله. وانظر:
﴿نَجْزِي﴾ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (الأنعام).
تنبيه: روي أن موسى-﵇-أمر بذبح العجل، فجرى منه دم، ثم حرقه، ثم ذراه في البحر، كما جاء في سورة (طه): ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد واو الجماعة.
﴿سَيَنالُهُمْ:﴾ مضارع، والسين حرف استقبال، والهاء مفعول به. ﴿غَضَبٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول إن كانت من كلام موسى، ومستأنفة إن كانت من مقول الباري، جل علاه. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿غَضَبٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. (ذلة): معطوفة على: ﴿غَضَبٌ﴾. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان ب (ذلة)، أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرورة، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر (كذلك) الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:
نجزي المفترين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُفْتَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة؛ إن كان ما قبلها من كلام موسى، وكذا إن كان من مقول الباري، جل علاه.
стр. 2044
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾
الشرح: ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ من الكفر، والمعاصي. وانظر: ﴿السَّيِّئَةِ﴾ في الآية رقم [٩٥].
﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها:﴾ رجعوا إلى الله بالتوبة من بعد السيئات، و ﴿وَآمَنُوا:﴾ واشتغلوا بالإيمان، وعملوا بمقتضاه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل إنسان تائب. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ من بعد التوبة. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة أيضا. وانظر الآية [١٥٥].
﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿وَآمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٢]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣].
تنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن السيئات صغيرها، وكبيرها مشتركة في التوبة، وإن الله تعالى يغفرها جميعا بفضله، ورحمته، وهذا من أعظم البشائر للمذنبين التائبين. هذا؛ وانظر الآية رقم [١٧] النساء تجد ما يسرك.
الإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥].
﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿عَمِلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿تابُوا مِنْ بَعْدِها﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، وكذا جملة: (آمنوا) مع المتعلق المحذوف معطوفة أيضا. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ متعلقان بما بعدهما على الاشتغال. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، التقدير: لغفور لهم، رحيم بهم. هذا؛ وإن اعتبرت الخبر محذوفا، تقديره: توبتهم مقبولة، فتكون الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾
الشرح: ﴿سَكَتَ:﴾ سكن، وقرئ به، كما قرئ: «(أسكت)» ونصب: «(الغضب)».
﴿مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. ﴿الْغَضَبُ:﴾ تغير مزاج الإنسان، واحمرار عينه، وانتفاخ أوداجه، وهو مذموم إلا إذا كان لله، وهذا شأن الأنبياء، فكانوا لا يغضبون إلا إذا انتهكت حرمات الله.
стр. 2045
قال البيضاوي: سكت غضب موسى بسبب اعتذار هارون، أو بتوبتهم. وفي هذا الكلام مبالغة، وبلاغة من حيث إنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل، كالامر به، والمغري عليه حتى عبر عن سكونه بالسكوت. وقال عكرمة: هو من المقلوب، والأصل سكت موسى عن الغضب. ولا وجه له. ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ:﴾ ألواح التوراة التي ألقاها على الأرض. ﴿وَفِي نُسْخَتِها:﴾
النسخ: عبارة عن النقل والتحويل، فإذا نسخت كتابا من كتاب حرفا بحرف، فقد نقلت ما في الأصل إلى الفرع. هذا؛ والنسخ إزالة الصورة عن الشيء، وإثباتها في غيره. وانظر الآية رقم [١٠٦] (البقرة) فقيل: لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردت عليه، وأعيدت تلك الألواح في لوحين ولم يفقد منها شيئا. ذكره ابن عباس-﵄.
وقال عطاء: فيما بقي منها، وذلك: أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها، ولكن لم يذهب من الحدود، والأحكام شيء، وهذا ما ذكرته في الآية رقم [١٥٠]. ﴿هُدىً﴾ أي: من الضلالة. وانظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩١]. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من العذاب. وانظر الآية رقم [١٥٦]. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿يَرْهَبُونَ:﴾ يخافون؛ إذ الرهبة الخوف. وانظر لطيفة في الآية رقم [٢٠٣] الآتية.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿سَكَتَ:﴾ ماض. ﴿عَنْ مُوسَى:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَضَبُ:﴾ فاعله، وعلى قراءة: «(أسكت)» فالفاعل محذوف، تقديره: (الله)، أو أخوه، أو الذين تابوا. انتهى. بيضاوي، فيكون الغضب بالنصب مفعولا به، وجملة: ﴿سَكَتَ..﴾.
إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وجملة: ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَفِي نُسْخَتِها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿هُدىً:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الألواح، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (رحمة) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ اللام فيها أقوال: الأول قول الكوفيين: هي صلة، وربهم مفعول مقدم مجرور لفظا منصوب محلا. وقيل: هي لام التعليل، أي من أجل ربهم، وعلى هذا فمفعول الفعل محذوف، التقدير: يرهبون عقابه، وقال المبرد: اللام متعلقة بمصدر مقدر، أي: رهبتهم لربهم، ورد بأن فيه حذف المصدر وإبقاء معموله، ولا يجوز عند البصريين إلا في الشعر. وقيل: متعلقة بفعل محذوف، تقديره: والذين هم يخشعون لربهم، والمعتمد الأول. وقيل: لما تقدم المعمول، وهو المفعول ضعف الفعل عن العمل، فصار بمنزلة ما لا يتعدى. انتهى. قرطبي، وعكبري
стр. 2046
بتصرف. ﴿يَرْهَبُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿هُمْ لِرَبِّهِمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)﴾
الشرح: ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. ﴿قَوْمَهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿رَجُلاً:﴾ انظر الآية رقم [٤٦]. ﴿لِمِيقاتِنا﴾ أي: للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه؛ ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل. وانظر إعلال (ميزان) في الآية رقم [٨] فهو مثله.
روي: أن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه بسبعين رجلا من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة، فزاد اثنان، فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا، فقال: لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، فأمرهم موسى أن يصوموا، ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربه، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام، فدخل موسى بهم الغمام، وخروا سجدا، فسمعوا الله يكلم موسى يأمره، وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الرجفة، أي الصاعقة، أو رجفة الجبل، فوقعوا ميتين. وانظر الآية رقم [٥٥] (البقرة) فقام موسى يبكي، ويدعو الله، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ..﴾. إلخ، وهذا الميقات غير الميقات المذكور في الآية رقم [١٤٣].
﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ:﴾ تمنى هلاكهم، وهلاك نفسه. قبل أن يرى ما رأى، أو المعنى: تقدر على إهلاكنا في كل وقت، ولكنك رحيم بنا، فنرجوا دوام لطفك وإحسانك.
وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿شِئْتَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩].
﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا:﴾ حيث اجترءوا على طلب الرؤية، وقيل: المراد ب: ﴿بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾ أي: الذين عبدوا العجل، والسبعون اختارهم موسى لميقات التوبة عنهم، فغشيتهم هيبة قلقوا منها، ورجفوا حتى كادت تبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك، فخاف عليهم موسى فبكى، ودعا فكشفها الله عنهم، والمعتمد الأول.
﴿السُّفَهاءُ:﴾ انظر سفاهة في الآية رقم [٦٦]. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي: ما هذا إلا اختبارك وامتحانك، وابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك؛ حتى طمعوا في الرؤية، أو أوجدت في العجل خوارا، فزاغوا به. انتهى بيضاوي.
قال القرطبي: وأضاف الفتنة إلى الله ، ولم يضفها إلى نفسه، كما قال إبراهيم:
﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله تعالى، وقال يوشع:
стр. 2047
﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾ وإنما استفاد ذلك موسى-﵇-من قوله تعالى له: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾. ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ:﴾ تضل بالفتنة من تشاء إضلاله. ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ:﴾
تثبت على الإيمان من تشاء له الهدى، والسعادة. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا:﴾ متولي أمورنا. وانظر رقم [٣].
﴿فَاغْفِرْ لَنا:﴾ ذنوبنا. ﴿خَيْرُ الْغافِرِينَ:﴾ تغفر السيئات، وتبدلها حسنات جودا، وكرما. وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿وَاخْتارَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) في الآية السابقة لا محل لها مثله. ﴿قَوْمَهُ:﴾ منصوب بنزغ الخافض، التقدير: من قومه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والنصب بنزع الخافض كثير مستعمل في الكلام العربي، قال الفرزدق: [الطويل]
ومنّا الّذي اختير الرّجال سماحة... وجودا إذا هبّ الرّياح الزعازع
﴿سَبْعِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في المفرد. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿قَوْمَهُ﴾ مفعولا به، و ﴿سَبْعِينَ﴾ بدلا منه. وليس بشيء يعتد به. ﴿رَجُلاً:﴾ تمييز. ﴿لِمِيقاتِنا:﴾ متعلقان بالفعل: (اختار) و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٣].
﴿أَخَذَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء.
وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥٩] فهو مثله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] فإنه جيد.
والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شِئْتَ:﴾
فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَهْلَكْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر، لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. (إياي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، وهو الهاء، وجملة: ﴿أَهْلَكْتَهُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَتُهْلِكُنا:﴾ الهمزة حرف استفهام. (تهلكنا):
مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
الباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصوفة والموصولة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية بعدها صلتها
стр. 2048
أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي أو بشيء فعله السفهاء، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أتهلكنا بفعل السفهاء. ﴿مِنّا:﴾
متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السُّفَهاءُ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى (ما). ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِتْنَتُكَ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿تُضِلُّ:﴾ مضارع، والفاعل (أنت). ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي أو شخصا تشاؤه وجملة: ﴿تُضِلُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الكاف، والرابط الضمير فقط والعامل حرف النفي، أو هي مستأنفة، وهو أقوى؛ لأن حرف النفي ضعيف العمل في الحال، وجملة: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ معطوفة عليها، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا:﴾ مبتدأ وخبر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] وجملة: ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. وجملة: ﴿وَارْحَمْنا:﴾ معطوفة عليها، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْتَ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْغافِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ قال موسى-﵇-واقسم لنا في هذه الدنيا حسنة، أي: عافية وحياة طيبة وتوفيقا للطاعات. وانظر الآية رقم [٩٥] وانظر: ﴿حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٦/ ٢٩]. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: حسنة، فقد حذفت لدلالة الأولى عليها، والمراد بها هنا الجنة ومغفرة الذنوب. وانظر شرح: ﴿الْآخِرَةِ﴾ في الآية رقم [٤٥]. ﴿هُدْنا إِلَيْكَ:﴾ تبنا إليك من ذنوبنا من: هاد، يهود: إذا رجع، وقرئ بكسر الهاء من: هاده، يهيده: إذا أماله، بمعنى أملنا أنفسنا إليك، وبالمعنى الأول سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، فلما نسخت شريعتهم صار اسم ذم، وهو لازم لهم.
﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ يعني: من خلقي، وليس لأحد عليّ اعتراض؛ لأن الكل ملكي، وعبيدي. وقد اختلف في هذا العذاب، فقيل: هو ما أصابهم من الرجفة. وقيل: هو ما أمروا به من قتل بعضهم بعضا. وقيل: المراد به عذاب جهنم في الآخرة.
стр. 2049
﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿عَذابِي:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿أُصِيبُ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٢٤]. ﴿أَشاءُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩] هذا؛ وقرئ بالسين من «(الإساءة)».
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمت، وشملت كل موجود في الدنيا، ما من مسلم، ولا كافر، ولا مطيع، ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمة الله، ورحمته في الدنيا، وهي في الآخرة خاصة بالمؤمنين.
فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتّى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». رواه البخاري. هذا؛ وانظر الآية رقم [٥٦]. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥].
قال جماعة من المفسرين: لما نزلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تطاول إبليس إليها، وقال: أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله منه، فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ..﴾. إلخ فأيس إبليس منها، وقالت اليهود: نحن نتقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وأثبتها لهذه الأمة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ..﴾. إلخ الآية التالية.
﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦]. ﴿الزَّكاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٦] التوبة (آيتنا): انظر الآية رقم [٩]. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٢]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وفيها التفات من تكلم المفرد إلى تكلم الجمع. انظر الالتفات في الآية رقم [٦] (الأنعام) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَاكْتُبْ:﴾ (اكتب): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان به. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب (في) والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
(حسنة) كان صفة له، انظر القاعدة في الآية رقم [١٤٠]. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿وَاكْتُبْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَاغْفِرْ..﴾. إلخ فهي من مقول موسى.
﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿هُدْنا:﴾ فعل، وفاعل، أو فعل ونائب فاعله، وذلك جائز على القراءتين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية تعليل للدعاء، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَذابِي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. ﴿أُصِيبُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:
«أنا». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
стр. 2050
أشاؤه. وجملة: ﴿أُصِيبُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿عَذابِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. (رحمتي): مبتدأ مرفوع... إلخ، وجملة: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَرَحْمَتِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. (سأكتبها): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و (ها): مفعول به، والسين حرف استقبال، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَسِعَتْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.
﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾
اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على سابقه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾
الشرح: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ولا شك: أن المراد بالموصوف بهذه الصفات سيد الرسل، وخاتمهم محمد ﷺ . هذا؛ و (النبي) أصله النبيء، وهو مأخوذ من النبأ؛ فهو بمعنى: المخبر عن ربه. والمراد باتباع محمد ﷺ في حق اليهود: أن يعتقدوا نبوته قبل أن يوجد، ويولد، وأن يؤمنوا به بعد أن ولد. وكذا القول في حق النصارى، والأول في حق الأولين منهم، والثاني في حق الذين عاصروه، وأدركوا رسالته.
﴿الْأُمِّيَّ:﴾ هو الذي لا يقرأ، ولا يكتب نسبة إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها. وهذا الوصف من خصوصياته ﷺ ؛ إذ كثير من الأنبياء كان يقرأ ويكتب، وصفه به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته، وهو وصف ذم إلا في حقه ﷺ فهو وصف تعظيم وتمجيد، ولذا قال تعالى ممتنّا عليه: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.
﴿التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٩] (المائدة). ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ عن عبادة الأصنام، وقطع
стр. 2051
الأرحام... إلخ. هذا؛ والمعروف: ما استحسنه الشرع، والعقل. والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ:﴾ هي لحوم الإبل وشحم الغنم والمعز والبقر، انظر الآية رقم [١٤٦] الأنعام والآية رقم [١٥٩] (النساء). ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ:﴾ لحم الخنزير والربا... إلخ، وكل ما يستخبثه الطبع، وتستقذره النفس. وانظر (محرّم) في الآية رقم [٦/ ١٤٥]. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ:﴾ ثقلهم. وقيل: هو العهد، وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال، فوضع عنهم بمحمد ﷺ ذلك العهد، وثقل تلك الأعمال، كغسل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه، وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء، فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها. انتهى قرطبي. وانظر الآية رقم [٢٨٥] (البقرة) تجد ما يسرك. هذا؛ وقد قرئ: «(أصارهم)». ﴿وَالْأَغْلالَ:﴾ قال القرطبي: فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال.
قال الخازن: وذلك مثل قتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة في البدن والثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل، وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس، وتتبع العروق في اللحم، وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل، شبهت بالأغلال مجازا؛ لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع من الفعل. انتهى. ﴿آمَنُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ . ﴿وَعَزَّرُوهُ:﴾ قووه، ونصروه. أو عظموه. أو منعوه من العدو حتى لا يقوى عليه أحد، وأصل العزر المنع، ومنه التعزيز لأنه يمنع من معاودة القبيح، كالحد، فهو المنع. وقرئ الفعل بالتشديد والتخفيف.
﴿النُّورَ:﴾ القرآن سمي نورا؛ لأن القلب يستنير به، فيخرج من ظلمات الشك، والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون بكل خير، والناجون من كل شر. وانظر الآية رقم [٣٨] من سورة (المائدة).
تنبيه: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-فقلت:
أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ وحرزا للأميين، أنت عبدي، ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا.
وزاد كعب الأحبار: أمته الحامدون، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم، ويغضون أطرافهم، صفّهم في الصلاة، وصفّهم في القتال سواء،
стр. 2052
مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده مكة، ومهاجره طيبة، وملكه بالشام. هذا؛ ووصفه-﵊-في الإنجيل قريب من هذا، وآية سورة الصف تنص على أن عيسى ﵇ بشر به. وانظر وصفه في التوراة، والإنجيل في الآية الأخيرة من سورة (الفتح).
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من مثله في الآية السابقة مبني على الفتح في محل جر. وقيل:
صفة له. ولا وجه له، أو هو مبني على الفتح في محل نصب بفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو في محل رفع من وجهين: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره جملة:
﴿يَأْمُرُهُمْ..﴾. إلخ. وجملة: ﴿يَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي:﴾ هذه صفات لموصوف محذوف، التقدير: محمدا الرسول... إلخ، أو اعتبر ﴿الرَّسُولَ﴾ مفعولا به، وما بعده بدل منه، وجملة: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل، أو ب: ﴿مَكْتُوباً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿فِي التَّوْراةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، فهي حال متكررة، أو من الضمير المستتر في ﴿مَكْتُوباً﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿وَالْإِنْجِيلِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿يَأْمُرُهُمْ:﴾
مضارع، والفاعل يعود إلى الرسول، والهاء مفعول به. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه رأيته، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب السابق، فهي حال مكررة، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَنْهاهُمْ:﴾
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر مثل سابقه. ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلهما على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وكذا الجمل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ،﴾ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ كلها معطوفة عليها. ﴿وَالْأَغْلالَ:﴾ معطوف على ما قبله، عطف مغاير، أو مرادف على حسب ما رأيت في الشرح. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة (الأغلال). ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي». ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) وجملة: ﴿كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد رجوع اسم ﴿كانَتْ﴾ عليه. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿بِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجمل:
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ﴾ كلها معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب
стр. 2053
صفة ﴿النُّورَ﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ما قبله. ﴿مَعَهُ:﴾
ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد رجوع نائب الفاعل إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾
خبر المبتدأ، وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا ف: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿هُمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا الخطاب للرسول ﷺ . ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً:﴾ في هذا الكلام دليل على عموم رسالة محمد ﷺ إلى كافة الخلق؛ لأن قوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ خطاب عام يدخل فيه جميع الناس، ثم أمره تعالى بأن يقول: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ يقتضي: أنه مبعوث إلى جميع الناس.
فعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستة: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». رواه مسلم. ﴿النّاسُ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٨٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١]. ومن كان مالك السموات والأرض، فهو جدير بأن يعبد، ويتضرع إليه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ فهذا تقرير لوحدانيته تعالى، واختصاصه بالتعظيم، والتبجيل. ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية السابقة. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ:﴾ فهو وصف للنبي المذكور.
والمراد ب: (كلماته) القرآن العظيم، والتوراة. أو عيسى، ﵇، فيكون فيه تعريض لليهود، وتنبيه على أن من لم يؤمن به؛ لم يعتبر إيمانه صحيحا، وفي قوله تعالى:
﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ مزيد اختصاص بوحدانية الله؛ لأنه لا يقدر على الإحياء، والإماتة غيره تعالى. وانظر شرح: ﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية رقم [١٣٧]. ﴿وَاتَّبِعُوهُ:﴾ فيه تنبيه على أن من صدق محمدا ﷺ ، ولم يتابعه بالتزام شرعه، والعمل بهديه؛ فهو لا يزال في حيز الضلالة.
стр. 2054
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ توفقون للخير بجميع أنواعه. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٦٣]. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
تنبيه: لم يقل: فآمنوا بالله وبي بعد قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه سابقا، لما في الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم: أن الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي؛ الذي يؤمن بالله، وكلماته كائنا من كان، أنا أو غيري، إظهارا للنصفة، وتفاديا من العصبية لنفسه. انتهى نسفي. وانظر الالتفات في الآية رقم [٦] (الأنعام) فإنه جيد.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، فاعله مستتر تقديره: «أنت». (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو (أيها): منادى نكرة مقصودة، مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له. وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بدل من: (أي).
وقيل: صفة لها، وبدل المنصوب محلاّ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبان لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع، مبنيّا للمجهول، نحو: يدعى وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع.
وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى ب (ال)، لكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه، توصلوا إلى ندائه ب (أي)، أي مع قرنها بهاء التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول، مرفوع تبعا للفظ. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.
﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ)، و (هو) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مما قبلها، التقدير: مرسلا إليكم. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الكاف والميم، فهي حال مؤكدة، ومتداخلة. والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿الَّذِي:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، أو هو منصوب بفعل محذوف، أو هو مبتدأ خبره ما بعده، فهو مبني على السكون في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع حسب ما رأيت. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾.
إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم (لا) مبني
стр. 2055
على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له.
﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم (لا) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. وثانيها كونه بدلا من: ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها، وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأقوى. والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ بدل من جملة الصلة قبلها لا محل لها مثلها على الوجهين الأولين في ﴿الَّذِي﴾ وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه. ﴿يُحيِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية يقال فيها ما قيل في الجملة الاسمية قبلها، وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة.
وانظر الآية رقم [٣٨]. (آمنوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي﴾ انظر محل هذه الأسماء، وإعرابها في الآية السابقة، وجملة: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، وجملة: ﴿فَآمِنُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا؛ فآمنوا، والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، والميم علامة جمع الذكور. ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾
الشرح: ﴿قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿أُمَّةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٤]. ﴿يَهْدُونَ﴾ أي: يرشدون الناس إلى الحق. وانظر الآية رقم [٣٣] لشرح الحق. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يحكمون بالحق، والعدل بين الناس. هذا؛ ويجيء هذا الفعل بمعنى الميل، وهو بهذا المعنى يكون أحد الأفعال التي يتغير معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه، بمعنى: أعرضت عنه، وتقول: عدلت إليه، بمعنى: أقبلت عليه. وانظر الآية رقم [١٢٧] (النساء). هذا؛ وقد يجيء هذا الفعل محتملا لمعنى الميل، ومعنى التسوية، وذلك كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ الآية رقم [١] (الأنعام) فإن اعتبرت الجار والمجرور:
﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلقين ب ﴿يَعْدِلُونَ﴾ كان المعنى: إن الكفار يسوون الأصنام بربهم. وإن اعتبرتهما متعلقين بالفعل (كفروا) كان: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بمعنى يميلون، والمعنى: إن الكفار يميلون، وينحرفون عن إفراد الله بالوحدانية. وانظر الآية رقم [٩٨] من سورة (المائدة).
стр. 2056
تنبيه: لقد اختلف في هؤلاء القوم، فقيل: هم الذين أسلموا من اليهود، على عهد رسول الله ﷺ . مثل عبد الله بن سلام، وأصحابه، ﵃. وأطلق لفظ الأمة عليهم، وإن كانوا قليلين، كما أطلق على إبراهيم-﵇-منفردا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وقيل: هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى-﵊ قبل التحريف والتبديل، ودعوا الناس إليه.
قال البيضاوي: والمراد بها: الثابتون على الإيمان، القائمون على الحق من أهل زمانه، أتبع ذكرهم أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيها على أن تعارض الخير، والشر، وتزاحم أهل الحق، والباطل أمر مستمر. انتهى. هذا؛ وقد ذكر القرطبي والخازن قصة من قبيل الخرافات، وقد فندها الخازن، وتركها القرطبي مسلمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿مُوسى:﴾
مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَهْدُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: الناس، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: ملتبسين بالحق. (به): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية (يعدلون به) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها.
﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ:﴾ وصيرناهم، وفرقناهم. ويقرأ الفعل بتشديد الطاء، وتخفيفها.
وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً:﴾ أنث العدد مع أن السبط مذكر؛ لأن بعده ﴿أُمَماً﴾ فذهب التأنيث إلى الأمم. هذا؛ وقد قيل: أراد بالأسباط القبائل والفرق، فلذا أنث العدد. ولا تنس: أن ﴿أَسْباطاً﴾ جمع التكسير، وجمع التكسير يؤنث فعله، ويذكر، وكذا عدده. وانظر شرح: ﴿عَشْرَةَ﴾ في الآية رقم [٩٢] (المائدة). انظر شرح (الأسباط) في الآية رقم [١٤٠] (البقرة) والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، ﵉، وقد جعلهم الله أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم، فيخفف الأمر على موسى، انظر الآية رقم [١٢] (المائدة). ﴿أُمَماً:﴾ جمع أمة. وانظر الآية رقم [٣٤].
стр. 2057
﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ:﴾ وكان هذا في التيه المذكور في الآية رقم [٥/ ٢٩] وانظر هذا. الاستسقاء في الآية رقم [٢/ ٦٠] وشرح هذه الكلمات بكاملها، مع إبدال الفعل هناك: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ بما ذكر هنا، وهما بمعنى واحد، وكلاهما مطاوع للفعل المحذوف. وانظر شرح: ﴿قَوْمُهُ﴾ في الآية رقم [٣٢]. ﴿بِعَصاكَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٧].
﴿عَيْناً:﴾ انظر الآية رقم [١١٦]. ﴿أُناسٍ﴾ انظر الآية رقم [٨٢] والمراد به كل سبط من الأسباط، أي: علموا بالعلم الذي خلقه الله في عقولهم. وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٢] (الأنفال). ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ..﴾. إلخ: ما أجدرك أن تنظر شرح ذلك مفصلا في الآية رقم [٥٧] (البقرة) وذلك بغية الاختصار. وانظر: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾ في الآية رقم [١١٧].
الإعراب: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ:﴾ (قطعناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿اِثْنَتَيْ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: حال والأول أقوى، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى، ﴿عَشْرَةَ:﴾ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، لوقوعه موقع نون المثنى، ولا يصح أن يقال: إنه مضاف إليه لتضمنه معنى العطف. ﴿أَسْباطاً:﴾ بدل مما قبله. وقيل: تمييز. ﴿أُمَماً:﴾
على الاعتبار الأول فيما قبله، فهو بدل بعد بدل، أو صفة لأسباطا، وعلى الاعتبار الثاني فهو بدل من ﴿أَسْباطاً،﴾ وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿إِذِ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بما قبله، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. ﴿اِسْتَسْقاهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿قَوْمُهُ:﴾ فاعل، الهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. وقيل:
حرف مصدري. ﴿اِضْرِبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة للإيحاء، وعلى اعتبار الثاني في (أن) تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بضربك الحجر، أو ضربك الحجر، وهو تقدير لا معنى له على الوجهين. ﴿بِعَصاكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَجَرَ:﴾
مفعول به. (انبجست): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اِثْنَتا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف... إلخ، و ﴿عَشْرَةَ﴾ مثل سابقه. ﴿عَيْناً:﴾ تمييز، وجملة:
(انبجست...) إلخ معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فضرب، فانبجست... إلخ، والجملتان معطوفتان على جملة: ﴿اِسْتَسْقاهُ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمَ كُلُّ:﴾ فعل، وفاعل، والفعل بمعنى: (عرف) هنا، و (كل) مضاف، و (أناس): مضاف إليه. ﴿مَشْرَبَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة،
стр. 2058
والميم علامة جمع الذكور، وجملة: ﴿قَدْ عَلِمَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من: ﴿قَوْمُهُ﴾ وهي تحتاج إلى تقدير رابط، أي: علم كل أناس منهم... إلخ. ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ..﴾. إلخ، انظر إعراب هذا الكلام إفرادا، وجملا في آية (البقرة) رقم [٥٧] مع ملاحظة الخطاب هناك، والغيبة هنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾
الشرح: ﴿قِيلَ لَهُمُ:﴾ القائل لهم موسى قبل أن يموت في التيه، أي: قال لهم: إذا خرجتم من التيه، أو القائل لهم: هو يوشع بن نون بعد أن خرجوا من التيه، وفي سورة (البقرة) ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ وانظر إعلال: ﴿قِيلَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٠٤]. ﴿اُسْكُنُوا،﴾ وفي سورة (البقرة) ﴿اُدْخُلُوا﴾ ولا منافاة بينهما؛ لأن كل ساكن في موضع لا بد له من الدخول إليه. ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ:﴾ بيت المقدس، أو أريحاء. وانظر الآية رقم [٨٨]. ﴿حَيْثُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٧].
﴿شِئْتُمْ:﴾ انظر: ﴿يَشاءَ﴾ في الآية رقم [٨٩]. (قولوا): انظر «القول» في الآية رقم [٥].
﴿حِطَّةٌ﴾ أي: حط عنا خطايانا. ﴿سُجَّداً:﴾ سجود انحناء، لا سجودا شرعيّا بوضع الجبهة على الأرض. ﴿نَغْفِرْ:﴾ يقرأ بالنون، وبالتاء مع البناء للمجهول. ﴿خَطِيئاتِكُمْ:﴾ ويقرأ:
«(خطاياكم)» و «(خطيئتكم)» بالإفراد. ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: خيرا وثوابا. وانظر (زاد) في الآية رقم [٦٩]. والمحسنون هم الذين أحسنوا العمل مع الله ومع عباده. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
تنبيه: الآية الكريمة، والآية رقم [٥٨] من سورة (البقرة) بمعنى واحد تنصان على حادثة واحدة، مع اختلاف في بعض التراكيب، وإبدال حرف بحرف، وهذا لا يغير المعنى، وإن تغير الإعراب من بعض الوجوه، تأمل. والله أعلم.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، أو هو مفعول به لذلك المحذوف، التقدير: واذكر وقت القول لهم. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿اُسْكُنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به. ﴿الْقَرْيَةَ:﴾ بدل أو عطف بيان مما قبله. وقيل: صفة. وانظر إعراب: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٩] فإنه جيد. والجملة الفعلية: ﴿اُسْكُنُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وبعضهم يعتبرها في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ﴾. وهذا على رأي من يجيز
стр. 2059
وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه. وهذا لا غبار عليه. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول.
فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
(كلوا): هو مثل ﴿اُسْكُنُوا﴾. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل: (كلوا). ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَكُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وكذا ما بعدها معطوف أيضا. ﴿حِطَّةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي أمرنا أو مسألتنا ﴿حِطَّةٌ،﴾ وقرئ بالنصب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: حط عنا خطايانا حطة، أو هو مفعول لما قبله، والجملة الاسمية على الاعتبار الأول، أو الفعلية على الاعتبار الثاني في محل نصب مقول القول. ﴿الْبابَ:﴾ انظر إعراب: ﴿الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٩] فهو مثله. ﴿سُجَّداً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿نَغْفِرْ:﴾ مضارع مجزوم؛ لأنه جواب للطلب، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿خَطِيئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وعلى قراءة: «(تغفر)» بالتاء، فهو مبني للمجهول، وخطاياكم نائب فاعله، مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿نَغْفِرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للطلب. (سنزيد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والسين حرف استقبال.
﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿سَنَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾
هذه الآية هي نفس الآية المذكورة في سورة (البقرة) برقم [٥٩] فهي مثلها في شرحها وإعرابها، مع إبدال ﴿فَأَنْزَلْنا﴾ ب ﴿فَأَرْسَلْنا،﴾ ولا منافاة بينهما؛ لأنهما لا يكونان إلا من أعلى إلى أسفل. وقيل: بينهما فرق، وهو أن الإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بذلك، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب قليلا، ثم أرسله عليهم كثيرا. انتهى خازن. هذا؛ ومع إبدال ﴿يَفْسُقُونَ﴾ ب ﴿يَظْلِمُونَ﴾ والجمع بين اللفظين: أنهم لما ظلموا أنفسهم بما غيروا، وبدلوا؛ فسقوا بذلك، وخرجوا عن طاعة الله تعالى. وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦/ ١٤٦] وانظر شرح (غير) في الآية رقم [٢] من سورة (التوبة).
стр. 2060
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾
الشرح: ﴿وَسْئَلْهُمْ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ والمسئولون هم اليهود الذين كانوا معاصرين له، والغاية من السؤال: التقريع، والتوبيخ بقديم كفرهم، وعصيانهم، والإعلام بما هو من علومهم التي لا تعلم إلا بتعليم، أو وحي؛ ليكون ذلك معجزة له ﷺ . ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن أهل القرية، أو عن خبر القرية فهو على حذف مضاف، على حد قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ وانظر شرح: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٨٨]. ﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ:﴾ قريبة منه، وهي أيلة، ويسميها اليهود إيلات، وهي مرفأ على البحر الأحمر. وقيل: هي مدين. وقيل: طبرية، والمعتمد الأول. ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ:﴾ يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت، وقرئ «(يعدّون)» بضم الياء، وتشديد الدال، أي: يعدون آلات الصيد يوم السبت، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ:﴾ يوم تعظيمهم أمر السبت، مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة. وقيل: هو اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه، ويؤيد الأول: أنه قرئ: (يوم إسباتهم) وانظر شرح اليوم في الآية رقم [٦/ ١٢٨] و ﴿شُرَّعاً﴾ ظاهرة على وجه الماء. ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ:﴾ لا يداخلون في السبت، وقرئ الفعل بفتح ياء المضارعة، وضمها. ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ:﴾ نختبرهم مثل ذلك الاختبار الشديد. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ:﴾ بسبب فسقهم، أي: خروجهم عن طاعة الله تعالى.
هذا؛ وإتيان الحيتان يوم السبت، وعدم إتيانها في غيره هو الابتلاء، والاختبار. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [١٤٥].
الإعراب: ﴿وَسْئَلْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اسألهم): أمر، وفاعله مستتر، تقديره:
«أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على جملة (اذكر) المقدرة في الآية السابقة. ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي». ﴿حاضِرَةَ:﴾ خبر (كان)، وهو مضاف، و ﴿الْبَحْرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ صلة الموصول، والعائد رجوع اسم (كان) إليه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿كانَتْ،﴾ أو ب ﴿حاضِرَةَ﴾. وقيل: متعلق بالمضاف المحذوف. وقال مكي: متعلق بالفعل السابق، التقدير: سلهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت. وجوز اعتباره بدلا من
стр. 2061
المضاف المحذوف. ﴿إِذْ:﴾ ظرف مثل سابقه متعلق بالفعل قبله، أو هو بدل بعد بدل. أفاده البيضاوي. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿حِيتانُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿سَبْتِهِمْ:﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿شُرَّعاً:﴾ حال من ﴿حِيتانُهُمْ﴾ وجملة: ﴿تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ وجملة: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ كلتاهما في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿يَوْمَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَسْبِتُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ،﴾ إليها، وجملة: ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وتقدير الكلام: ويوم عدم سبتهم غير آتية إليهم.
هذا؛ وقال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ﴾ ظرف متعلق بما بعده، وهذا يعني: أن التركيب (ولا تأتيهم يوم لا يسبتون) وهو معنى صحيح لا بأس به، ولكن الأول أقوى. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، وتقدير الكلام: نبلوهم بلاء آخر مثل ذلك البلاء بسبب فسقهم المستمر. وأجاز الزجاج احتمالا آخر على بعد: أن الكاف في محل نصب حال من فاعل ﴿لا تَأْتِيهِمْ،﴾ وعليه فالوقف على كذلك، وما بعده مستأنف، وعلى الإعراب الأول فالوقف على: ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾. ﴿نَبْلُوهُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية لا غير. ﴿كانُوا:﴾
ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، انظر التقدير في الشرح، وجملة: ﴿نَبْلُوهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾
الشرح: قالت: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أُمَّةٌ:﴾ جماعة. وانظر الآية رقم [٣٤].
﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف اللام، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾. ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار.
﴿تَعِظُونَ:﴾ تنصحون، وإعلاله مثل إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] وانظر (الموعظة) في الآية رقم [١٤٥]. ﴿قَوْماً:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾ أي: في
стр. 2062
الدنيا، وقد كان ذلك؛ حيث مسخوا قردة، وخنازير. ﴿مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ أي: في الآخرة.
﴿مَعْذِرَةً:﴾ نعتذر بها إلى الله، ويقرأ بالنصب، والرفع. «ربكم:» انظر الآية رقم [٣].
﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر (التقوى) في الآية رقم [٢٦]. وانظر: ﴿عَذاباً﴾ في الآية رقم [٣٨].
تنبيه: لقد اختلف المفسرون: هل كان أهل القرية فرقتين، أو ثلاثا؟ والمعتمد الثاني: فرقة اعتدت، وأصابت الخطيئة، وفرقة نهت المعتدية عن ذلك، وفرقة أمسكت عن الصيد، وسكتت عن الموعظة، وقالوا للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ..﴾. إلخ. أي: لاموهم على موعظة المعتدين. كما اختلفوا في الفرقة التي أمسكت عن الصيد، ولم تنه: هل نجت، أم هلكت؟
روى عكرمة عن ابن عباس-﵄-قال: أسمع الله يقول ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ فلا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة، وجعل يبكي، قال عكرمة: فقلت: جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا، وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وإن لم يقل: أنجيتهم، لم يقل: أهلكتهم، قال: فأعجبه قولي، ورضي به، وأمر لي ببردين فكسانيهما، وقال: نجت الساكتة، وقال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكت الفرقتان. انتهى. خازن بتصرف. والمعتمد الأول.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ معطوفة على: ﴿إِذْ﴾ الأولى في الآية السابقة. ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أُمَّةٌ:﴾ فاعله والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر، و (ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام. وانظر حذف ألفها في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما.
﴿تَعِظُونَ قَوْماً:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مُهْلِكُهُمْ:﴾ خبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿قَوْماً﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُعَذِّبُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة فيه وفي سابقه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق، عامله اسم الفاعل قبله. ﴿شَدِيداً:﴾ صفته. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿مَعْذِرَةً:﴾ بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: موعظتنا معذرة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وبالنصب من وجهين: أحدهما: أنه مفعول لأجله، أي وعظناهم من أجل المعذرة. الثاني: أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، أي: نعتذر معذرة، وعلى هذين الوجهين ينتج جملة فعلية، فهي في محل نصب مقول القول. وجوز وجه ثالث، وهو أن ينتصب انتصاب المفعول به؛ لأن المعذرة تتضمن كلاما، والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول؛ نصب نصب المفعول به، كقلت: خطبة، وسيبويه يختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا، ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان
стр. 2063
ب ﴿مَعْذِرَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٨] والجملة الاسمية معطوفة على: ﴿مَعْذِرَةً﴾ فهي مفيدة للتعليل مثلها. تأمل، وتدبر وربك أعلم.
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾
الشرح: ﴿نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ تناسوا، وتركوا ما وعظهم به صلحاؤهم. وانظر الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي: عن عمل السوء، وهو صيد السمك. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة. وانظر الآية رقم [٧٣]. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ:﴾ أهلكنا المعتدين بالصيد بعذاب شديد بسبب فسقهم، ومخالفة أوامر ربهم. وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦/ ١٤٤] وعذاب في الآية رقم [٣٨]. ﴿بَئِيسٍ:﴾ شديد من: بؤس بؤسا: إذا اشتد، وفيه أكثر من عشر قراءات. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وإعلال: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ مثل إعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٥].
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿نَسُوا:﴾ فعل، وفاعل. والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ ماض مبني للمجهول. والواو نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿نَسُوا..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا.
﴿أَنْجَيْنَا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿يَنْهَوْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَنِ السُّوءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿أَنْجَيْنَا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ معطوفة على جواب (لمّا)، لا محل لها أيضا. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل: (أخذنا). ﴿بَئِيسٍ:﴾ صفة: (عذاب). ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٦٢] مع سبك المصدر وجره، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أخذنا). و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ:﴾ تكبروا عن الموعظة، والنصيحة. وانظر الآية رقم [٧٧].
وانظر إعلال (أتوا): في الآية رقم [١٣٨]. ﴿قُلْنا لَهُمْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿كُونُوا﴾
стр. 2064
﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ:﴾ صاغرين، وهذا الأمر أمر تكوين لا قول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية تقريرا، وتفصيلا للأولى، وهو المعتمد.
تنبيه: ذكر الله تعالى هذه الحادثة باختصار في سورة (البقرة) رقم [٦٥] و [٦٦] وبالإشارة إليها في سورة (النساء) رقم [٤٧] وبالتعرض لها في سورة (المائدة) رقم [٨١] وفصلها الحكيم العليم في الآيات الأربع المتقدمة تفصيلا، وكانت هذه الحادثة في زمن داود، ﵇.
هذا؛ وقد قرئ: «(قردة)» بفتح القاف، وكسر الراء، و «(خاسين)» بدون همزة، وذلك في سورة (البقرة) ولم يتعرض أحد لهذه القراءة هنا.
قال أهل التفسير: أمر الله اليهود بتعظيم يوم الجمعة، واتخاذه يوم عبادة، وراحة، فأبوا، واختاروا يوم السبت، فابتلوا به. والسبب في ذلك: أنهم كانوا يزعمون: أن الله ابتدأ الخلق في يوم الأحد، وفرغ منه في يوم الجمعة، فزعموا: أن الله استراح في يوم السبت. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فشدد الله عليهم، فأمرهم بتعظيمه، ونهاهم عن كل عمل فيه، فلما أراد الله، أن يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت، ينظرون إليها في البحر كالجمال، فإذا انقضى السبت ذهبت، فلم تر إلى السبت المقبل، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: إنكم نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حياضا على ساحل البحر، وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد فخذوها، ففعلوا ذلك زمانا، ثم إنهم تجرءوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا، فاصطادوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أحزابا ثلاثة، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، انظر الآية رقم [١٦٣]. قال الناهون: لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بينهم بجدار، للناهين باب يداخلون ويخرجون منه، وللعاصين باب، ولعنهم داود ﵊، فأصبح الناهون ذات يوم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم لشأنا، لعل الخمر قد غلبتهم، فعلوا على الجدار الذي بينهم، فإذا هم قد مسخوا قردة.
وقال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، ففتحوا عليهم الباب، ودخلوا، فصار القردة يعرفون أنسابهم من الناس، ولم يعرف الناس أقرباءهم من القردة، فجعلت القردة تأتي أقرباءها من الناس، فتشم ثيابها وتبكي، فيقول لهم أقرباؤهم: ألم ننهكم؟ فتقول القردة برأسها نعم. وانظر (الناجين) في الآية رقم [١٦٥] والجمهور على أن الممسوخين ماتوا بعد ثلاثة أيام.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. لما: انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿عَتَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. وانظر ما ذكرته في جملة: ﴿نَسُوا..﴾. إلخ في الآية السابقة. ﴿عَنْ ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل
стр. 2065
جر. ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ مثل: ﴿ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في الآية السابقة، إعرابا ومحلاّ وعائدا وجملة: ﴿قُلْنا لَهُمْ..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) هذه ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة لا محل له مثله. ﴿كُونُوا:﴾ أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قِرَدَةً:﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾. ﴿خاسِئِينَ:﴾ خبر ثان. وقيل: صفة: ﴿قِرَدَةً:﴾ وقيل:
حال من واو الجماعة منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾
الشرح: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ:﴾ أعلم، تفعل من الإيذان بمعناه كالتوعد والإيعاد، والخطاب للنبي ﷺ . هذا؛ وقيل: إن معنى الفعل السابق: آلى ربك، ولذا أجيب بما يجاب به القسم، كما ستعرفه، واختلف في الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ والمعتمد: أنه يعم اليهود الذين بقوا بعد داود وسليمان، ﵉، ثم فسدوا وفسقوا. ﴿يَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨] (الأنعام).
﴿الْقِيامَةِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢] منها. ﴿مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ:﴾ من يذيقهم أشد العذاب، والمراد بختنصر، حيث خرب ديارهم، وقتل رجالهم، وسبى نساءهم، وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، ثم إلى ملوك الروم؛ حتى بعث محمد ﷺ ، ففعل بهم ما فعله غيره، ثم ضرب عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام حين تفرق المسلمون، وصاروا شيعا وأحزابا ودويلات استطاع اليهود أن يقيموا دولة بمساعدة أوربا وأمريكا تتحدى جميع المسلمين في الدنيا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ أي: لمن أصر على الكفر، ففيه دليل على أن الله يجمع لهم مع ذلة الدنيا عذاب الآخرة. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي:
لمن آمن منهم، ورجع عن الكفر، واليهودية، ودخل في دين الإسلام. ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ صيغتا مبالغة من الغفران والرحمة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٥].
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، أو هو ظرف منصوب بالفعل المحذوف، التقدير: واذكر يا محمد وقت إيذان ربك، أي: إعلامه، والجملة المقدرة معطوفة على جملة: (اسألهم...) إلخ في الآية رقم [١٦٣]. ﴿تَأَذَّنَ:﴾ ماض.
﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
﴿لَيَبْعَثَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هو» والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ المتضمن معنى القسم، واللام واقعة في جواب هذا القسم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: (يبعثن) أيضا، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.
стр. 2066
﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَسُومُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَسَرِيعُ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة، و (سريع) مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: لسريع عقابه. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإعراب ما بعدها ظاهر، لا خفاء فيه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ..﴾. إلخ: أي: فرقناهم في الأرض بحيث لا يخلو قطر منهم، وذلك لإضعافهم، وإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة، ولا عزة، ولا كرامة، وقد صار لهم في هذا الزمن دولة، وسلطان. انظر ما ذكرته في الآية السابقة. وانظر: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ في الآية رقم [١٦٠].
وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿أُمَماً:﴾ جماعات جمع: أمة. وانظر الآية رقم [٣٤]. ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ أي: يوجد جماعة منهم متمسكون بشريعة موسى-﵇-حتى بعث عيسى ﵇. وقيل: المراد بهم الذين أدركوا بعثة محمد ﷺ ، وآمنوا به. والصحيح الأول، يدل عليه الآية اللاحقة؛ لأن الخلف إنما كان بعد هؤلاء الذين وصفهم الله بالصلاح. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي: منحطون عن الصالحين، وهم الذين كفروا، وفسقوا، وبدلوا، وحرفوا.
﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ:﴾ اختبرناهم بالنعم والنقم، والخير والشر، كقوله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي: اختبارا، وامتحانا، فالمؤمن يشكر في الخير والنعماء، ويصبر في الشر، والضراء. والكافر، والفاجر، والفاسق يزداد كفرا، وفجورا في الأولين، ويضجر ويزداد فسادا في الأخيرين. وانظر شرح (الحسنة) و (السيئة) في الآية رقم [٩٥]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ ينتبهون فيرجعون إلى الطاعة، ويتركون المعاصي. وانظر (رجع) في الآية رقم [١٥٠] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢٦].
الإعراب: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً:﴾ إعراب هذه الجملة انظره في الآية رقم [١٦٠].
والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿أُمَماً﴾. وقيل: بدل. والأول أوجه. ما تقدم هو الإعراب
стр. 2067
الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور ﴿مِنْهُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الصّالِحُونَ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: بعضهم الصالحون، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده عطف: (كثير) عليه في الآية رقم [٦٩] (المائدة) وعطف: (أكثرهم) عليه في الآية رقم [٣/ ١١٠].
وخذ قول الحماسي: [الكامل]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ: ﴿مِنْهُمُ﴾ بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون ﴿مِنْهُمُ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمُ:﴾ قل فيه ما قلته في سابقه، والمبتدأ أو الخبر محذوف، تقديره: ناس. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: (ناس) المحذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: ما منا أحد إلا له مقام معلوم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وقول أبي البقاء: ﴿دُونَ ذلِكَ﴾ ظرف، أو خبر على ما ذكرنا في الآية رقم [/٩٤ ٦] لا وجه له قطعا. و ﴿دُونَ:﴾ مضاف، و (ذلك) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. (بلوناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِالْحَسَناتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (السيئات): معطوف على سابقه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للابتلاء، لا محل لها.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾
الشرح: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم، وقسمناهم إلى القسمين خلف، وهو القرن، أو الجيل الذي بعد ما قبله، والخلف بسكون اللام يستعمل في الشر كما في آية مريم رقم [٥٩] وبفتحها في الخير، وقال البيضاوي: ﴿خَلْفٌ﴾ مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، والجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد، ﵁: [الكامل]
ذهب الّذين يعاش في أكنافهم... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وقال ﷺ : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله». وقد يتعاوضان، فيستعمل كل منهما موضع الآخر، قال حسان بن ثابت-﵁-مستعملا ساكن اللام في الخير: [الطويل]
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع
стр. 2068
وقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز]
إنا وجدنا خلفا بئس الخلف... أغلق عنّا بابه ثم حلف
لا يدخل البواب إلاّ من عرف... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف
انتهى قرطبي بتصرف. وانظر مثل هذا التعاوض في الآية رقم [٥] (الأنعام). ولا تنس: أن (خلف) ظرف مكان بمعنى (وراء). ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، فقرءوها وعلموها، وخالفوا أحكامها، انظر شرح الكتاب في الآية رقم [٢]. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى:﴾ يأخذون حطام الدنيا الحقير الفاني، وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا في الحكم، وغيره، والتنديد بهذا كثير في القرآن الكريم. هذا؛ و (العرض) متاع الدنيا بفتح الراء، وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير، سمي عرضا؛ لأنه متعرض للزوال. وانظر شرح: ﴿الْأَدْنى﴾ في الآية رقم [٣].
﴿وَيَقُولُونَ:﴾ يقول المحرفون والمبدلون من علماء اليهود. وانظر (القول) في الآية رقم [٥].
﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أي: لا يؤاخذنا الله بذلك، ويتجاوز عنا. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (المائدة).
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة، مصرين على الذنوب، غير تائبين منها.
وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. وانظر: ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٤] (الأنعام). ﴿مِيثاقُ الْكِتابِ:﴾
المعنى ألم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في أحكام العهود، والمواثيق في الكتاب، وهو التوراة.
وانظر مثل إعلال ميثاق في الآية رقم [٨]. ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ:﴾ ولكنهم تركوا الحق.
وقالوا: الباطل، وحرفوا وبدلوا. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْحَقَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣].
﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أي: قرءوا ما في التوراة من عهود، ومواثيق، ولكن أهملوا العمل بما درسوا وعلموا، فكانوا كالحمير التي تحمل الكتب، وما نفعها منها؟! انظر سورة (الجمعة). هذا؛ وقرئ «(وادّارسوا ما فيه)». هذا؛ وقال بعضهم: معنى درسوا محوا ما فيه بترك العمل به، والفهم له.
وانظر الآية رقم [١٠١] البقرة والآية رقم [٣/ ١٨٧]. ﴿وَالدّارُ:﴾ انظر الآية رقم [٧٨]. ﴿الْآخِرَةُ:﴾
انظر الآية رقم [٤٥]. ﴿أَفَلا:﴾ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون وتعلمون. وانظر شرح العقل في الآية رقم [٨/ ٢٢] فإنه جيد. هذا؛ ويقرأ الفعل بتاء المضارعة على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] فإنه جيد كما يقرأ بالياء. ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢٦] هذا؛ ومعنى ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ..﴾. إلخ أي الذي أعده الله في الآخرة لأوليائه، وأهل طاعته، العاملين بما أمرهم الله به في كتابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يرتشوا في الأحكام خير لهم من الدنيا، وما فيها.
تنبيه: قال القرطبي: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا، فعن معاذ بن جبل-﵁-قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام، كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرءونه
стр. 2069
لا يجدون له شهوة، ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذّئاب، أعمالهم طمع، لا يخالطه خوف، إن قصّروا؛ قالوا: سنبلّغ، وإن أساءوا؛ قالوا: سيغفر لنا، إنّا لا نشرك بالله شيئا. انتهى. فهو موقوف على الصحابي. أسنده الدارمي.
الإعراب: ﴿فَخَلَفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خلف): ماض. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خَلْفٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.
﴿خَلْفٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على: (قطعناهم...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَرِثُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا:﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿خَلْفٌ﴾. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿يَأْخُذُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿هذَا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْأَدْنى:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.
وقيل: صفته، وجملة: ﴿يَأْخُذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الضمير فقط. (يقولون): فعل، وفاعل. ﴿سَيُغْفَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والسين مفيدة للتوكيد على زعمهم، ولا معنى للاستقبال هنا، ولا سيما إذا عرفت: أن الجملة مع القول في محل نصب حال. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مفهوم الجملة السابقة، أي سيغفر لنا الأخذ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿يَأْتِهِمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والهاء مفعول به. ﴿عَرَضَ:﴾ فاعله. ﴿مِثْلُهُ:﴾ صفة: ﴿عَرَضَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَأْتِهِمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم. ﴿يَأْخُذُوهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و (إن) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وهذا يشكل؛ لأن (إن) الشرطية للاستقبال، إلا أن يقال:
إن الاستقبال غير مراد هنا، والحال متداخلة. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ.
(لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُؤْخَذْ:﴾ مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾
متعلقان به. ﴿مِيثاقُ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفين كما ستعرفه. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية.
﴿يَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ منصوب، وجاز ذلك؛ لأن قول الحق كثير، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع بدل، أو عطف بيان من
стр. 2070
﴿مِيثاقُ﴾. أو هو في محل جر بحرف جر محذوف. التقدير: بأن لا، أو لئلا يقولوا... إلخ، وهناك وجه غريب، وبعيد نقله الجمل عن السمين، وهو أنّ (أن) مفسرة، و (لا) ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب. (درسوا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَرِثُوا..﴾.
إلخ. وقال الجلال، وتبعه الجمل: إنها معطوفة على جملة: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ..﴾. إلخ. والمعتمد الأول. ﴿ما:﴾ موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو بمحذوف صفته، التقدير: درسوا الذي كتب فيه، أو شيئا كائنا فيه. ﴿وَالدّارُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الدار): مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفته. ﴿خَيْرٌ:﴾
خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ وجملة:
﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥].
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾
الشرح: ﴿يُمَسِّكُونَ:﴾ يقرأ بالتشديد، والتخفيف، ماضي الأول: مسّك، وماضي الثاني:
أمسك، وفي المختار: أمسك بالشيء، وتمسك، واستمسك، وامتسك به كله بمعنى: اعتصم به، وكذا مسّك به تمسيكا. انتهى. ﴿بِالْكِتابِ:﴾ المراد به التوراة، فلم يحرفوه، ولم يبدلوه، فأداهم هذا التمسك إلى الإيمان بالكتاب الثاني، وهو القرآن. والمراد بالتمسك بالكتاب: العمل بما فيه من إحلال حلاله، وتحريم حرامه، وإقامة أحكامه. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ داوموا على إقامتها في مواقيتها، وإنما أفردها بالذكر، وإن كانت داخلة في التمسك بالكتاب تنبيها على عظم قدرها، وأنها من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله، ورسوله. وانظر الآية رقم [٨/ ٣] الآتية.
﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ:﴾ الذين أصلحوا أنفسهم، وعملهم، فثوابهم، وأجرهم يقدم إليهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في الذين أسلموا من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ﵃، فتمسكوا بالتوراة فأداهم ذلك إلى الإسلام.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. وقيل: في محل جر معطوف على ما قبله، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الواو، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وقد اختلفتا مضارعا، وماضيا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وجملة: ﴿لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:
﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط: إقامة الظاهر، وهو: ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ مقام
следующие страницы →