← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَسُومُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَسَرِيعُ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة، و (سريع) مضاف، و ﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: لسريع عقابه. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإعراب ما بعدها ظاهر، لا خفاء فيه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ الشرح: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ..﴾. إلخ: أي: فرقناهم في الأرض بحيث لا يخلو قطر منهم، وذلك لإضعافهم، وإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة، ولا عزة، ولا كرامة، وقد صار لهم في هذا الزمن دولة، وسلطان. انظر ما ذكرته في الآية السابقة. وانظر: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ في الآية رقم [١٦٠]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿أُمَماً:﴾ جماعات جمع: أمة. وانظر الآية رقم [٣٤]. ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ أي: يوجد جماعة منهم متمسكون بشريعة موسى-﵇-حتى بعث عيسى ﵇. وقيل: المراد بهم الذين أدركوا بعثة محمد ﷺ ، وآمنوا به. والصحيح الأول، يدل عليه الآية اللاحقة؛ لأن الخلف إنما كان بعد هؤلاء الذين وصفهم الله بالصلاح. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي: منحطون عن الصالحين، وهم الذين كفروا، وفسقوا، وبدلوا، وحرفوا. ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ:﴾ اختبرناهم بالنعم والنقم، والخير والشر، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي: اختبارا، وامتحانا، فالمؤمن يشكر في الخير والنعماء، ويصبر في الشر، والضراء. والكافر، والفاجر، والفاسق يزداد كفرا، وفجورا في الأولين، ويضجر ويزداد فسادا في الأخيرين. وانظر شرح (الحسنة) و (السيئة) في الآية رقم [٩٥]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ ينتبهون فيرجعون إلى الطاعة، ويتركون المعاصي. وانظر (رجع) في الآية رقم [١٥٠] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢٦]. الإعراب: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً:﴾ إعراب هذه الجملة انظره في الآية رقم [١٦٠]. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿أُمَماً﴾. وقيل: بدل. والأول أوجه. ما تقدم هو الإعراب

стр. 2067

الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور ﴿مِنْهُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الصّالِحُونَ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: بعضهم الصالحون، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده عطف: (كثير) عليه في الآية رقم [٦٩] (المائدة) وعطف: (أكثرهم) عليه في الآية رقم [٣/ ١١٠]. وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظ: ﴿مِنْهُمُ﴾ بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون ﴿مِنْهُمُ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمُ:﴾ قل فيه ما قلته في سابقه، والمبتدأ أو الخبر محذوف، تقديره: ناس. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: (ناس) المحذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: ما منا أحد إلا له مقام معلوم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وقول أبي البقاء: ﴿دُونَ ذلِكَ﴾ ظرف، أو خبر على ما ذكرنا في الآية رقم [/٩٤ ٦] لا وجه له قطعا. و ﴿دُونَ:﴾ مضاف، و (ذلك) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. (بلوناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِالْحَسَناتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (السيئات): معطوف على سابقه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للابتلاء، لا محل لها. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ الشرح: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم، وقسمناهم إلى القسمين خلف، وهو القرن، أو الجيل الذي بعد ما قبله، والخلف بسكون اللام يستعمل في الشر كما في آية مريم رقم [٥٩] وبفتحها في الخير، وقال البيضاوي: ﴿خَلْفٌ﴾ مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، والجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد، ﵁: [الكامل] ذهب الّذين يعاش في أكنافهم... وبقيت في خلف كجلد الأجرب وقال ﷺ : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله». وقد يتعاوضان، فيستعمل كل منهما موضع الآخر، قال حسان بن ثابت-﵁-مستعملا ساكن اللام في الخير: [الطويل] لنا القدم الأولى إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع

стр. 2068

وقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز] إنا وجدنا خلفا بئس الخلف... أغلق عنّا بابه ثم حلف لا يدخل البواب إلاّ من عرف... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف انتهى قرطبي بتصرف. وانظر مثل هذا التعاوض في الآية رقم [٥] (الأنعام). ولا تنس: أن (خلف) ظرف مكان بمعنى (وراء). ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، فقرءوها وعلموها، وخالفوا أحكامها، انظر شرح الكتاب في الآية رقم [٢]. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى:﴾ يأخذون حطام الدنيا الحقير الفاني، وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا في الحكم، وغيره، والتنديد بهذا كثير في القرآن الكريم. هذا؛ و (العرض) متاع الدنيا بفتح الراء، وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير، سمي عرضا؛ لأنه متعرض للزوال. وانظر شرح: ﴿الْأَدْنى﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ يقول المحرفون والمبدلون من علماء اليهود. وانظر (القول) في الآية رقم [٥]. ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أي: لا يؤاخذنا الله بذلك، ويتجاوز عنا. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (المائدة). ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة، مصرين على الذنوب، غير تائبين منها. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. وانظر: ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٤] (الأنعام). ﴿مِيثاقُ الْكِتابِ:﴾ المعنى ألم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في أحكام العهود، والمواثيق في الكتاب، وهو التوراة. وانظر مثل إعلال ميثاق في الآية رقم [٨]. ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ:﴾ ولكنهم تركوا الحق. وقالوا: الباطل، وحرفوا وبدلوا. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْحَقَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أي: قرءوا ما في التوراة من عهود، ومواثيق، ولكن أهملوا العمل بما درسوا وعلموا، فكانوا كالحمير التي تحمل الكتب، وما نفعها منها؟! انظر سورة (الجمعة). هذا؛ وقرئ «(وادّارسوا ما فيه)». هذا؛ وقال بعضهم: معنى درسوا محوا ما فيه بترك العمل به، والفهم له. وانظر الآية رقم [١٠١] البقرة والآية رقم [٣/ ١٨٧]. ﴿وَالدّارُ:﴾ انظر الآية رقم [٧٨]. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٥]. ﴿أَفَلا:﴾ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون وتعلمون. وانظر شرح العقل في الآية رقم [٨/ ٢٢] فإنه جيد. هذا؛ ويقرأ الفعل بتاء المضارعة على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] فإنه جيد كما يقرأ بالياء. ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢٦] هذا؛ ومعنى ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ..﴾. إلخ أي الذي أعده الله في الآخرة لأوليائه، وأهل طاعته، العاملين بما أمرهم الله به في كتابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يرتشوا في الأحكام خير لهم من الدنيا، وما فيها. تنبيه: قال القرطبي: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا، فعن معاذ بن جبل-﵁-قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام، كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرءونه

стр. 2069

لا يجدون له شهوة، ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذّئاب، أعمالهم طمع، لا يخالطه خوف، إن قصّروا؛ قالوا: سنبلّغ، وإن أساءوا؛ قالوا: سيغفر لنا، إنّا لا نشرك بالله شيئا. انتهى. فهو موقوف على الصحابي. أسنده الدارمي. الإعراب: ﴿فَخَلَفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خلف): ماض. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خَلْفٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿خَلْفٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على: (قطعناهم...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَرِثُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا:﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿خَلْفٌ﴾. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿يَأْخُذُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿هذَا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْأَدْنى:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفته، وجملة: ﴿يَأْخُذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. (يقولون): فعل، وفاعل. ﴿سَيُغْفَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والسين مفيدة للتوكيد على زعمهم، ولا معنى للاستقبال هنا، ولا سيما إذا عرفت: أن الجملة مع القول في محل نصب حال. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مفهوم الجملة السابقة، أي سيغفر لنا الأخذ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَأْتِهِمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والهاء مفعول به. ﴿عَرَضَ:﴾ فاعله. ﴿مِثْلُهُ:﴾ صفة: ﴿عَرَضَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَأْتِهِمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم. ﴿يَأْخُذُوهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و (إن) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وهذا يشكل؛ لأن (إن) الشرطية للاستقبال، إلا أن يقال: إن الاستقبال غير مراد هنا، والحال متداخلة. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُؤْخَذْ:﴾ مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿مِيثاقُ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفين كما ستعرفه. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ منصوب، وجاز ذلك؛ لأن قول الحق كثير، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع بدل، أو عطف بيان من

стр. 2070

﴿مِيثاقُ﴾. أو هو في محل جر بحرف جر محذوف. التقدير: بأن لا، أو لئلا يقولوا... إلخ، وهناك وجه غريب، وبعيد نقله الجمل عن السمين، وهو أنّ (أن) مفسرة، و (لا) ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب. (درسوا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَرِثُوا..﴾. إلخ. وقال الجلال، وتبعه الجمل: إنها معطوفة على جملة: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ..﴾. إلخ. والمعتمد الأول. ﴿ما:﴾ موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو بمحذوف صفته، التقدير: درسوا الذي كتب فيه، أو شيئا كائنا فيه. ﴿وَالدّارُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الدار): مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفته. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥]. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ الشرح: ﴿يُمَسِّكُونَ:﴾ يقرأ بالتشديد، والتخفيف، ماضي الأول: مسّك، وماضي الثاني: أمسك، وفي المختار: أمسك بالشيء، وتمسك، واستمسك، وامتسك به كله بمعنى: اعتصم به، وكذا مسّك به تمسيكا. انتهى. ﴿بِالْكِتابِ:﴾ المراد به التوراة، فلم يحرفوه، ولم يبدلوه، فأداهم هذا التمسك إلى الإيمان بالكتاب الثاني، وهو القرآن. والمراد بالتمسك بالكتاب: العمل بما فيه من إحلال حلاله، وتحريم حرامه، وإقامة أحكامه. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ داوموا على إقامتها في مواقيتها، وإنما أفردها بالذكر، وإن كانت داخلة في التمسك بالكتاب تنبيها على عظم قدرها، وأنها من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله، ورسوله. وانظر الآية رقم [٨/ ٣] الآتية. ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ:﴾ الذين أصلحوا أنفسهم، وعملهم، فثوابهم، وأجرهم يقدم إليهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في الذين أسلموا من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ﵃، فتمسكوا بالتوراة فأداهم ذلك إلى الإسلام. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. وقيل: في محل جر معطوف على ما قبله، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الواو، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وقد اختلفتا مضارعا، وماضيا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وجملة: ﴿لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط: إقامة الظاهر، وهو: ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ مقام

стр. 2071

الضمير؛ إذ مقتضى القياس: (إنا لا نضيع أجرهم) أو هناك ضمير محذوف، التقدير: أجر المصلحين منهم. هذا؛ وعلى اعتبار عطف (الذين) على سابقه، فالجملة الاسمية: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ الشرح: ﴿نَتَقْنَا:﴾ قلعنا، ورفعنا، وأصل النتق: الجذب. هذا؛ والنتق قلع الشيء من موضعه والرمي به، ومنه نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى به، وامرأة ناتق ومنتاق إذا كانت كثيرة الولادة، قال الرسول ﷺ : «عليكم بزواج الأبكار، فإنّهنّ أنتق أرحاما، وأطيب أفواها، وأرضى باليسير». ﴿الْجَبَلَ:﴾ جبل الطور للتصريح به في الآية رقم [٦٣] (البقرة). ﴿ظُلَّةٌ:﴾ سقيفة فوقهم. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ:﴾ علموا وأيقنوا: أنه ساقط عليهم، فالظن ليس على بابه هنا. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ بجد واجتهاد وصدق عزيمة، ولا بد من تقدير «قلنا» قبل: ﴿خُذُوا﴾ ليرتبط نظم الكلام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ:﴾ الله، وتتركون الكفر والمعاصي والعناد وقبائح الأعمال، ورذائل الأخلاق هذا؛ وانظر (التقوى) في الآية رقم [٢٦]. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. تنبيه: قال أصحاب الأخبار: إن بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لما فيها من التكاليف الشاقة؛ أمر الله- -جبريل-﵇-أن يرفع جبل الطور فوق رءوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما فيها سقط الجبل عليكم، فلما رأوا الجبل فوقهم؛ خروا ساجدين، فسجد كل واحد منهم على خدّه، وحاجبه الأيسر، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من سقوطه عليه، لذلك لا تسجد اليهود إلا على شقهم الأيسر. انتهى بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٦٣] تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٦٧] وإعرابها مثلها. ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْجَبَلَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ظُلَّةٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في محل نصب حال من: ﴿الْجَبَلَ،﴾ والرابط الضمير فقط. وقول مكي: خبر لمبتدإ محذوف لا وجه له قطعا. (ظنوا): فعل، وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: (ظنوا)،

стр. 2072

وجملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: كونها معطوفة على جملة: ﴿نَتَقْنَا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وثانيها: كونها في محل نصب حال من: ﴿الْجَبَلَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، فتكون الحال قد تكررت، ولا بد من تقدير (قد) قبلها لتقربها من الحال، وثالث الأوجه: كون الجملة مستأنفة، وهو بعيد ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام مستوفى في الآية رقم [٦٣] (البقرة) فلا حاجة لإعرابه هنا. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢)﴾ الشرح: ﴿رَبُّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ:﴾ الذرية تقع على الواحد، وعلى الجمع. قيل: هو مشتق من الذّرا، وهو بفتح الذال: كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، ودفئه، وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هو مشتق من الذرء، وهو الخلق، أبدلت همزتها ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. هذا؛ ويقرأ: «(ذرياتهم)» بالجمع وانظر ﴿ذَرَأْنا﴾ في الآية رقم [١٧٩]. ﴿أَنْفُسِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. ﴿أَلَسْتُ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٦٦]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿بَلى:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٨١] فإنه جيد. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ انظر الآية رقم [١٦٧]. ﴿كُنّا:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله. ﴿شَهِدْنا..﴾. إلخ: هذا من مقول الملائكة؛ أي: تقول الملائكة: شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية؛ لئلا تقولوا: ﴿إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ لم ينبهنا عليه أحد. هذا؛ وقد قرئ هذا الفعل، والفعل الآتي بالياء، ويكون الفاعل (الله) تبارك، وتعالى، ويكون المعنى، قال الله تعالى: فعلنا ذلك لئلا يقولوا... إلخ. هذا؛ وقد قيل: إن الكلام على الغيبة من مقولهم، والمعنى: قالوا: بلى شهد بعضنا على بعض، وعلى الاعتبارين الأولين فالوقف على: ﴿بَلى،﴾ وعلى الاعتبار الثالث فلا وقف عليها. وهذا إشارة إلى العهد والميثاق الذي أخذه الله على بني آدم. وقيل: هو إشارة إلى الإيمان والتوحيد. والأول أولى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: في معنى الآية الكريمة، وتفسيرها مذهبان: مذهب السلف، ومذهب الخلف، فمحصل المذهب الأول: أن الله أخرج بعضهم من صلب بعض، من صلب آدم، نسلا بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان (واد قرب عرفة) يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلا، وفهما. ومذهب الخلف محصله: أنه لا إخراج، ولا قول، ولا شهادة بالفعل، وإنما هذا كله على سبيل المجاز التمثيلي، فشبه حال النوع الإنساني بعد

стр. 2073

وجوده بالفعل بصفات التكليف من حيث نصب الأدلة الدالة على الربوبية لله المقتضية لأن ينطق، ويقر بمقتضاها بأخذ الميثاق عليه بالفعل، بالإقرار بما ذكر، فنصب الأدلة بالفعل إنما هو على طريقة الخلف. تنبيه: يروى: أن عمر-﵁-سئل عن هذه الآية، فقال: سئل عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «إنّ الله-﵎-خلق آدم، ثمّ مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريّة، فقال: خلقت هؤلاء للجنّة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرّيّة، فقال: خلقت هؤلاء للنّار، وبعمل أهل النّار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة؛ حتّى يموت على عمل من أعمال الجنة، فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار». أخرجه مالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. انتهى قرطبي وخازن. فائدة: قال ابن العربي: فإن قيل: فكيف يجوز أن يعذب الخلق، وهم لم يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم، وكتبه عليهم، وساقهم إليه؟! قلنا: ومن أين يمتنع ذلك أعقلا، أم شرعا؟ فإن قيل: إن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك، قلنا: لأن فوقه آمرا يأمره، وناهيا ينهاه، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله ﷻ ، والخلق بأجمعهم له، صرفهم كيف شاء، وحكم بينهم بما أراد، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلّة وشفقة الجنسيّة، وحب الثناء، والمدح، لما يتوقع في ذلك من الانتفاع، والباري تعالى مقدّس عن ذلك كله، فلا يجوز أن يعتبر به. انتهى قرطبي. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٦٧] وإعرابها مثلها. ﴿أَخَذَ رَبُّكَ:﴾ فعل، وفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ:﴾ بدل مما قبلهما بدل بعض، وقيل بدل اشتمال. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ:﴾ مفعول به والهاء في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. (أشهدهم): ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَسْتُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لست): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.

стр. 2074

﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال ربك: ﴿أَلَسْتُ..﴾. إلخ، وهذه الجملة مفسرة ل ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول على الحكاية. ﴿شَهِدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و (لا) مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا تقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿شَهِدْنا،﴾ وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية قولكم يوم القيامة، فهو مفعول لأجله، والجملة الفعلية: ﴿شَهِدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قالت الملائكة: شهدنا لئلا تقولوا... إلخ، وهذا على قراءة: «تقولوا» بالتاء، وأما على قراءته بالياء، فيكون الجار والمجرور: (لئلا يقولوا) متعلقين بالفعل: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ وتكون جملة: ﴿قالُوا بَلى﴾ مستأنفة، وجملة: ﴿شَهِدْنا﴾ من مقولها، ومتعلقها محذوف، التقدير: قالوا: بلى شهدنا على أنفسنا. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿عَنْ هذا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ الشرح: ﴿أَوْ تَقُولُوا:﴾ هو مثل سابقه بالتاء، والياء. وانظر الإعراب. ﴿إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فعلوا الشرك، وابتدعوه، فاقتدينا بهم، وسرنا على طريقتهم. والمعنى: إنما أخذ عليهم العهد، والميثاق في قديم الأزل؛ لئلا يحتجوا بتقليد آبائهم. وعلى القول الثاني في شرح الآية السابقة يكون المعنى: إن الله نصب الدلائل على ربوبيته، وأظهرها للعقول قطعا للعذر بتقليد الآباء والأجداد؛ لأن ما نصب الله في هذا الكون من دلائل على توحيده والإيمان به موجود في كل زمان ومكان، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على تقليد الآباء في الشرك. ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ:﴾ أفتعذبنا بما ابتدع آباؤنا من الباطل، وهو الشرك؟ وانظر (الباطل) في الآية رقم [١٣٩]. هذا؛ وفي الآية الكريمة قطع لعذر الكفار بالاحتجاج بتقليد الآباء، والأجداد.

стр. 2075

الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والناصب المقدر بسبب العطف والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، و (لا) مقدرة، التقدير: أو لئلا تقولوا، أو هو على حذف مضاف. التقدير: كراهية قولكم. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَشْرَكَ آباؤُنا:﴾ فعل، وفاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمه. ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذُرِّيَّةً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَتُهْلِكُنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تهلكنا): مضارع، و (نا): مفعول به. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي أو بشيء فعله المبطلون، وعلى الاعتبار الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفعل المبطلين. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض. ﴿الْمُبْطِلُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَفَتُهْلِكُنا..﴾. إلخ مستأنفة، ثم هي داخلة في مقول القول. تأمل، وتدبر وربك أعلم وأجل، وأكرم. ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾ نبين، ونوضح الآيات الدالة على عظمة الله تبيينا مثل تبيين الميثاق والعهد ليتدبرها العباد، فيرجعوا عن الشرك إلى التوحيد، وإلى الحق والإيمان، ويعرضوا عن الباطل والكفر. هذا؛ وانظر شرح: ﴿الْآياتِ﴾ في الآية رقم [٩] وشرح: ﴿رَجَعَ﴾ في الآية رقم [١٥٠] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٧١] وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. الإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل تفصيل أخذ العهد والميثاق على بني آدم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٥١]. ﴿نُفَصِّلُ:﴾ مضارع. والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على الكلام السابق، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٦٨] وهي معطوفة على محذوف، انظر الشرح.

стр. 2076

﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)﴾ الشرح: ﴿وَاتْلُ:﴾ اقرأ يا محمد. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ على اليهود. وقيل: على قومك. والمعتمد الأول. ﴿نَبَأَ:﴾ خبر. وانظر الآية رقم [١٠١]. ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا:﴾ لقد اختلف بالمقصود في هذا اختلافا كبيرا. فقيل: اسمه بلعم بن باعوراء. وقيل: بلعام ابن باعر. وقيل: هو من قوم موسى. وقيل: هو من الكنعانيين، أوتي علم بعض كتب الله تعالى، فسأله بعض الكنعانيين أن يدعو على موسى وقومه فأبى. وهذا على القول بأن موسى-﵇-لم يمت في التيه، وأما على اعتباره مات في التيه، فيكون الدعاء على يوشع خليفة موسى الذي قاتل الجبارين بعد موسى، على نبينا، وعليهم جميعا أفضل صلاة، وأزكى تسليم. وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة؟ فلم يزالوا به، وقدموا له أموالا كثيرة حتى رضي، وذهب معهم إلى الجبل المطل على موسى وقومه، وكان قد عزم على قتال الكنعانيين الجبارين، فأخذ بالدعاء على موسى وقومه، فلم يدع بشيء إلا صرف الله به لسانه على قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقالوا له: يا بلعام! أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء غلب الله عليه، واندلع لسانه على صدره، فقال لمن ذهبوا به: ذهبت مني الدنيا والآخرة! والمراد ب: ﴿آياتِنا:﴾ العلم الذي علمه الله إياه. وقيل: هو الاسم الأعظم. والمرجح: أنه من علماء بني إسرائيل. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب القديمة، وعلم: أن الله يرسل رسولا في ذلك الوقت، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمدا ﷺ حسده، وكفر به، وكان أمية صاحب شعر وحكمة ومواعظ حسنة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «آمن شعره وكفر قلبه». وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب بن صيفي، الذي سأذكره في الآية رقم [١٠٧] من سورة (التوبة). والمعتمد الأول. ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ أي: من معرفة الله تعالى، أي: نزع منه العلم الذي كان يعلمه، بعد أن كفر بها، ونبذها وراء ظهره. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ:﴾ فلحقه، وأدركه، وصار قرينا له، حتى أهلكه وقال الجمل: أي فصار قدوة، ومتبوعا للشيطان على سبيل المبالغة. وانظر شرح: ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة؛ فإنه جيد. ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ:﴾ من الضالين الكافرين بسبب مخالفة أوامر ربه، وطاعة هواه وشيطانه.

стр. 2077

الإعراب: (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نَبَأَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به أول. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاتْلُ..﴾. إلخ معطوفة على المقدر في ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾. (انسلخ): ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، وجملة: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة أيضا على جملة الصلة. (كان): ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿مِنَ الْغاوِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ معطوفة أيضا على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ الشرح: ﴿شِئْنا:﴾ انظر شاء في الآية رقم [٨٩]. ﴿لَرَفَعْناهُ بِها:﴾ إلى منازل الأبرار من العلماء بسبب تلك الآيات، وذلك بالتوفيق للعمل بها. ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: سكن إلى الدنيا، ومال إليها، ورضي بها، وأصله من الخلود، وهو الدوام، والمقام، والأرض هنا عبارة عن الدنيا؛ لأن كل شيء فيها. ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ:﴾ في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة، ونعيمها، فخسر دنياه وآخرته، ولا تنس أن مشيئة الله قد تعلقت بذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٢] ففيها الجواب الكافي، والدواء الشافي. هذا؛ والهوى يقصر ويمد، والمراد بالأول: الحبّ، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، وهو ما في الآية الكريمة، ومنه قوله تعالى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق وإليك هذين البيتين، فإنهما من النكت الحسان: [الكامل] جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران

стр. 2078

فقصّرت بالممدود عن نيل المنى... ومدّدت بالمقصور في أكفاني وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، ويريده. هذا؛ وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ:﴾ فصفته كصفة الكلب في أخس أحواله، وتشبيه بلعام بالكلب حاصل حينما دعا على موسى، ﵇، أو على يوشع، فخرج لسانه، فوقع على صدره، وجعل يلهث كالكلب. وانظر: ﴿مَثَلُ﴾ في الآية رقم [٦/ ٩٣]. ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أي: يلهث في جميع أحواله: زجرته، أم لم تزجره. قال القتيبي: كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء، أو عطش، إلا الكلب؛ فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال المرض، وحال الصحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته ضل، وإن تركته ضل، فهو كالكلب، إن تركته لهث، وإن طردته لهث. وانظر الآية الآتية برقم [١٩٣]. وإنما يلهث الكلب دائما لضعف فؤاده. ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: إن المثل الذي ضرب الله لبلعام ينطبق على كل كافر مكذب لآيات الله، وجاحد لها، فوجه التمثيل بين المكذبين وبين الكلب اللاهث، أنهم إذا وعظوا لا يتعظون، وإذا تركوا فهم لا يهتدون، بل هم في ضلال في كل حال. وانظر شرح: ﴿الْقَوْمِ﴾ في الآية رقم [٣١] وشرح (الآيات) في الآية رقم [٩]. ﴿فَاقْصُصِ..﴾. إلخ: هذا خطاب للنبي ﷺ بأن يقص على اليهود وعلى قومه أخبار من كفر بآيات الله لعلهم يتعظون فينتفعون بما تقص عليهم. هذا؛ و ﴿الْقَصَصَ﴾ مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصه قصّا وقصصا، وأصله: تتبع الأثر، يقال: خرج فلان يقص أثر فلان، أي يتتبعه ليعرف أين يذهب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره. وانظر الترجي في الآية رقم [١٧١]. تنبيه: قال الخازن: وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا، ويتبعون الهوى، وذلك لأن الله خص هذا الرجل بآياته، وحكمته، وعلّمه الاسم الأعظم، وجعل دعاءه مستجابا، ثم إنه لما اتبع هواه، وركن إلى الدنيا؛ نزع منه ما كان أعطيه، وانسلخ من الدين، فخسر الدنيا والآخرة. عن كعب بن مالك الأنصاري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والسّرف لدينه». أخرجه الترمذي. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: شئنا له الخير، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَرَفَعْناهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور

стр. 2079

متعلقان بما قبلهما، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخْلَدَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره هو يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محل لها مثله. (اتبع): ماض، وفاعله مثل سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَمَثَلُهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (مثله): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (مثل) مضاف، و ﴿الْكَلْبِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فَمَثَلُهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَتْرُكْهُ:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله. ﴿يَلْهَثْ:﴾ معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وفاعله «أنت»، وجملتا الشرط في محل نصب حال من: ﴿الْكَلْبِ،﴾ التقدير: لاهثا ذليلا بكل حال. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَثَلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاقْصُصِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اقصص): أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الْقَصَصَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا تحققت: أنّ المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصصه عليهم حسبما أوحي إليك، والجملة الشرطية على هذا التقدير معطوفة على ما قبلها بالعاطف المذكور. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٦٨] وهي مفيدة للتعليل. ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ الشرح: ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد فيه معنى الذم مثل: بئس. ﴿مَثَلاً:﴾ انظر الآية رقم [٩٣] (الأنعام). ﴿الْقَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿بِآياتِنا:﴾ المراد بها: المعجزات؛ التي أتى بها محمد ﷺ ، ومن أعظمها الحديث عن أخبار الأمم السابقة، ولا سيما أخبار بني إسرائيل. وانظر الآية رقم [٩] و (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ انظر البغي والظلم في الآية رقم [٦/ ١٤٦]. وظلمهم لأنفسهم بسبب إدخالها نار الجحيم لكفرهم، وعنادهم، ومخالفة أوامر الله تعالى. هذا؛ وقرأ عاصم الجحدري، والأعمش برفع (مثل القوم) وحذف التمييز، والمراد ذم الكفار المكذبين، وذم التمثيل بهم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

стр. 2080

الإعراب: ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسره التمييز، وهو: ﴿مَثَلاً﴾ التقدير: بئس المثل مثلا. ﴿الْقَوْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، خبره الجملة الفعلية قبله، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم القوم، وعلى قراءة عاصم، والأعمش يكون (مثل) فاعلا، وهو مضاف، و (القوم) مضاف إليه، ويكون: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ هو المخصوص بالذم، وعلى قراءة الجمهور لا بد من تقدير مضاف قبل ﴿الْقَوْمُ﴾ ليكون التمييز والفاعل والمخصوص بالذم كلها متحدة المعنى، وعليه فتقدير الكلام يكون: (ساء مثلا مثل القوم) فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا كثير شائع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿الْقَوْمُ﴾ على قراءة الجمهور، وفي محل رفع خبر لمبتدإ محذوف على قراءة عاصم، والأعمش، ولا بد من تقدير مضاف محذوف أيضا، أي: هو مثل الذين... إلخ، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول، والعائد واو الجماعة. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: (كانوا يظلمون أنفسهم) معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، فيكون المذمومون قد جمعوا بين التكذيب، وظلم أنفسهم، أو هي مستأنفة فلا تكون داخلة في جملة الصلة، ويكون المعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها. انتهى بيضاوي بتصرف. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)﴾ الشرح: هذا تصريح بأن الهداية للإيمان، والكفر، والضلال من الله تعالى الواحد القهار، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض. وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٣٠] والآية رقم [٣/ ٨٨] وانظر الآية رقم [١٣] من سورة السجدة، والآية رقم [١٧٢] ففيها الجواب الكافي والدواء الشافي، وقد راعى سبحانه لفظ: ﴿مَنْ﴾ في الأول، فأفرد الضمير: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ وراعى معناها في الثاني، فجمع اسم الإشارة، وما بعده. وانظر الخسران في الآية رقم [١٤٩]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف على اعتبار ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، التقدير: يهده. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُهْتَدِي:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهي ثابتة هنا عند جميع القراء بخلاف ما في الإسراء والكهف، والجملة الاسمية في

стр. 2081

محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر: ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٣١] والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا مبنيّا على السكون في محل رفع. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وباقي الإعراب مثل الجملة السابقة بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)﴾ الشرح: ﴿ذَرَأْنا:﴾ خلقنا. ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾ انظر دركات النار في الآية رقم [١٤٥] (النساء). ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١١٥] ففيها الكفاية. ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها:﴾ لا يفقهون بها. هذا؛ والفقه في اللغة: الفهم، والعلم بالشيء، ثم صار علما على اسم العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم، يقال: فقه الرجل يفقه فهو فقيه: إذا فهم، والفعل من باب فهم الذي هو بمعناه. وفقه من باب ظرف، وكرم: صار فقيها، ومعنى الجملة: لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يعلمون بها الخير والهدى، لإعراضهم عن الحق. وتركهم قبوله. ﴿أَعْيُنٌ:﴾ جمع عين. وانظر الآية رقم [١١٦]. ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها:﴾ لا يرون طريق الحق والهدى، ولا ينظرون بها في آيات الله وأدلة توحيده. ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا يسمعون المواعظ وآيات القرآن سماع قبول، وقد حذف مفعول هذا الفعل وسابقه للتعميم. وانظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ أي: إن الذين خلقهم الله لجهنم، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها؛ لأن الحواس المذكورة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدي إلى معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر. وانظر شرح: ﴿كَالْأَنْعامِ:﴾ في الآية رقم [٦/ ١٣٦]. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الأنعام؛ لأنها تطلب منافعها، وتهرب من مضارها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة. وانظر فضل الحمار على الجاهل في الآية رقم [٦/ ٣٥] وهل الكافر والعاصي إلا من أجهل الجهال؟! ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ أي: عن ما ينفعهم وما يضرهم. هذا؛ وانظر الآية رقم [٢/ ١٨] والآية رقم [٨/ ٢٢] تجد ما يسرك.

стр. 2082

الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [١٣٠]. ﴿ذَرَأْنا:﴾ فعل، وفاعل، وجملة: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿كَثِيراً،﴾ ولا وجه له، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، أي خلقا كثيرا. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية في محل نصب صفة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه لوصفه بما تقدم، والوصف يخصص النكرة. هذا؛ وجوز تعليق ﴿لَهُمْ﴾ بمحذوف صفة أو حال على نحو ما رأيت، و ﴿قُلُوبٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، والمعتمد الأول، وإن فضل السمين الثاني لأنه من الوصف بالمفرد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَفْقَهُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ إعراب هاتين الجملتين كسابقتهما، ومفعول الفعلين محذوف للتعميم، انظر الشرح. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَالْأَنْعامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى مثل، فهي الخبر، و (الأنعام) في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف تبتدأ بعده الجمل. ﴿هُمْ أَضَلُّ:﴾ مبتدأ وخبر، ومتعلق ﴿أَضَلُّ﴾ محذوف، انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مؤكدة لسابقتها لا محل لها مثلها ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى:﴾ المعنى: أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله، وأسماؤه جلت قدرته كلها حسنى؛ لأنها تدل على معان حسنة، فمنها ما يستحقه بحقائقه، كالقديم قبل كل شيء، والباقي بعد كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء. ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها الحسنة كالغفور، والرحيم، والرءوف، والشكور، والحليم. ومنها ما يوجب التخلق به كالفضل، والعفو. ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال، كالسميع، والبصير، والمقتدر. ومنها ما يوجب الإجلال، كالعظيم، والجبار، والمتكبر، وأسماء الله توقيفية، وهي تسعة وتسعون اسما.

стр. 2083

فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحبّ الوتر». وفي رواية: «من أحصاها». متفق عليه، قال البخاري: أحصاها: حفظها، وقد ذكر سبحانه (الأسماء الحسنى) في أربع آيات، أولها في هذه الآية، وثانيها في آخر سورة (الإسراء) وثالثتها في أول سورة (طه) ورابعتها في آخر سورة الحشر، وسأذكرها بالتفصيل في سورة الإسراء إن شاء الله تعالى. وأسماء جمع: اسم، انظر اشتقاقه في البسملة أول هذا الكتاب. هذا؛ والحسنى مؤنث الأحسن كالكبرى مؤنث الأكبر، والصغرى مؤنث: الأصغر. وقيل: بل هو مصدر وصف به كالرجعى، وأفرده كما أفرد وصف ما لا يعقل في قوله: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ وانظر الآية رقم [٩/ ٥٣]. ﴿فَادْعُوهُ بِها:﴾ ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله. وقال القرطبي: أي: اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب منه بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، ويا غفور اغفر لي! وهكذا. وللدعاء شرائط: منها: أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها، ويستحضر في قلبه عظمة المدعو ، ويخلص النية في دعائه مع كثرة التعظيم، والتقديس لله، ويعزم المسألة مع رجاء الإجابة، ويعترف لله سبحانه بالربوبية، وعلى نفسه بالعبودية. فإذا فعل العبد ذلك، عظم موقع الدعاء، وكان له تأثير عظيم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿وَذَرُوا:﴾ اتركوا. وانظر الآية رقم [٧٠]. ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ:﴾ الإلحاد في اللغة: الميل عن القصد، والعدول عن الاستقامة، ولتفسيره فيه أقوال: منها ما كان الجاهليون يفعلونه من تسمية أصنامهم بالآلهة، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى، فسموا اللات مشتقّا من الإله، والعزى مشتقّا من العزيز، ومناة مشتقّا من المنان. وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد. ومنها تسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه، ولم يرد فيه نص من كتاب، ولا سنة، ومنها سوء الأدب في الدعاء، مثل أن يقول: يا خالق القردة. ومنها أن يدعو العبد الله باسم لا يعرف معناه. هذا؛ ويقرأ الفعل: «يلحدون» بضم الياء وكسر الحاء من: ألحد الرباعي، وبفتحهما من: لحد الثلاثي. ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ انظر شرح هذه الجملة في الآية رقم [٦/ ١٢٠] تجد ما يسرك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة: ﴿الْأَسْماءُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَادْعُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٧]. (ادعوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية لا محل لها على جميع

стр. 2084

الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. (ذروا): فعل أمر وفاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سَيُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والسين حرف استقبال. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي أو شيئا كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير سيجزون عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿سَيُجْزَوْنَ..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ الشرح: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: يريد أمة محمد ﷺ ، وهم المهاجرون والأنصار، والتابعون لهم بإحسان. قال قتادة ﵁: بلغنا: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية، قال: «هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها». يريد قوم موسى ﵇، وقرأ الآية رقم [١٥٩] وقال الخازن: وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق، ويعمل به ويهدي إليه. وعن معاوية قال وهو يخطب على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال من أمّتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، حتّى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». متفق عليه انتهى. وقال النسفي: قيل هم العلماء، والدعاة إلى الدين، وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة. وانظر شرح المفردات في الآية رقم [١٥٩] ففيها الكفاية. الإعراب: ﴿وَمِمَّنْ:﴾ (ممّن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ومن الذين، أو من ناس خلقناهم. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية، مستأنفة، لا محل لها. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [١٥٩] ففيه الكفاية لذوي الدراية. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ المراد به جميع المكذبين بآيات الله، وهم الكفار. وقيل: المراد بهم أهل مكة. والأول أولى؛ لأن صيغة العموم تتناول الجميع إلا ما دل الدليل على خروجه منه. انتهى. خازن. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ:﴾ قال الأزهري: سنأخذهم قليلا

стр. 2085

قليلا من حيث لا يحتسبون، وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من أبواب النعم ما يغتبطون به، ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون. هذا؛ وأصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، قال الضحاك: المعنى كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة، أي فيظنوا أن تواتر النعم لطف من الله تعالى بهم، فيزدادون بطرا وانهماكا في الضلال حتى يحق عليهم العذاب، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [/٤٤ ٦] هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ويقرأ: الفعل «(سيستدرجهم)» بياء المضارعة، فيكون فيه التفات من التكلم إلى الغيبة. انظر التفات في الآية رقم [٦/ ٦]. ﴿حَيْثُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٧]. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجوز نصبه على الاشتغال بفعل محذوف، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ السين: حرف استقبال، ويقال: حرف تسويف. (نستدرجهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالياء، يكون الفاعل مستترا تقديره هو، فيحتمل عوده إلى (الله)، وأن يكون ضمير التكذيب المفهوم من الفعل: ﴿كَذَّبُوا،﴾ والجملة الفعلية على جميع الوجوه في محل رفع خبر المبتدأ، ولا محل لها على الاشتغال، وقد رأيت ضعفه. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿حَيْثُ:﴾ مبني على الضم في محل جر، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، ومفعول الفعل محذوف، التقدير: لا يعلمون: أنه استدراج، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ الشرح: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ:﴾ أمهلهم. والإملاء: الإمهال. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ:﴾ إن أخذي شديد قوي. وإنما سماه كيدا؛ لأن ظاهره إحسان، وباطنه خذلان. وقال ابن عباس-﵄: إن مكري شديد، وفي المختار: الكيد: المكر، وربنا جل علاه منزه عن المكر، والكيد، وإنما الكلام من باب المشاكلة، قيل: نزلت الآية والتي قبلها في المستهزءين من قريش. والمعتمد التعميم كما أسلفت. وانظر المشاكلة في الآية رقم [٣٠] (الأنفال). الإعراب: ﴿وَأُمْلِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة، وقيل في محل رفع خبر مبتدأ محذوف، التقدير: وأنا أملي، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة أيضا. وجوز أبو البقاء عطفها على ما قبلها. وهو غير وجيه لاختلاف تقدير الضميرين. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿كَيْدِي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل

стр. 2086

ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَتِينٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للإملاء، والإمهال، لا محل لها. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٣]. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ التفكر: التأمل، وإعمال الخاطر في عاقبة الأمر. ﴿بِصاحِبِهِمْ:﴾ المراد به سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ . وانظر: ﴿أَصْحابُ﴾ في الآية رقم [٣٦]. ﴿جِنَّةٍ:﴾ جنون. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ما الرسول ﷺ إلا منذر للناس من غضب الله وعقابه وموضح لهم ما ينفعهم، وما يضرهم. هذا؛ وانظر إعلال: ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [٥٩] (الأنعام). وانظر (جن) في الآية رقم [٧٦] منها تجد ما سيرك. تنبيه: قال قتادة: ذكر لنا: أن نبي الله محمد ﷺ قام على الصفا ليلا، فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا «يا بني فلان، يا بني فلان، إني لكم نذير مبين»، وكان يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح، فأنزل الله الآية الكريمة، وإنما نسبوه إلى الجنون، وهو بريء منه؛ لأنه ﷺ خالفهم في الأقوال، والأفعال؛ لأنه كان معرضا عن الدنيا، ولذاتها، مقبلا على الآخرة ونعيمها، مشتغلا بالدعاء إلى الله تعالى، وإنذار بأسه ونقمته ليلا ونهارا من غير ملال، ولا ضجر. فعند ذلك نسبوه إلى الجنون، فبرأه الله من الجنون، وهو بريء منه. انتهى خازن، وجمل بتصرف. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتوبيخ. الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الواو. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿بِصاحِبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿جِنَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به للفعل قبلها المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿ما﴾ النافية. هذا؛ ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ثم ابتدأ كلاما آخر. إما استفهام إنكار، وإما نفيا. انتهى جمل. ولا أرى الاستفهام قويّا، وأعتمد الوجه الأول. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

стр. 2087

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ:﴾ هو مثل الآية السابقة. ﴿يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ..﴾. إلخ: نظر تفكر، واعتبار، واستدلال. (الملكوت): الملك العظيم، فهو من أبنية المبالغة وانظر الآية رقم [٧٥] الأنعام. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١] منها. ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ:﴾ مما يقع عليه الشيء من الأجناس، التي لا يمكن حصرها؛ ليدلهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها، وليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿اللهُ:﴾ انظر رقم [٨٧]. ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ:﴾ والمعنى: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم قبل معاينة الموت، ونزول العذاب. انتهى بيضاوي. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ:﴾ تعجب من حال الكفار. والمعنى: فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ يؤمنون إذا لم يؤمنوا به، ويصدقوا بتعاليمه، وليس بعد كتابه كتاب؛ لأنه خاتم الرسل، وكتابه خاتم الكتب، لانقطاع الوحي بعده إلى يوم القيامة. انتهى. خازن. قال القرطبي: استدل بهذه الآية، وأمثالها من قال بوجوب النظر في آيات الله، والاعتبار بمخلوقاته، قالوا: وقد ذم الله من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم، فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها..﴾. إلخ الآية رقم [١٧٩]. انتهى بتصرف كبير. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ في الآية السابقة. ﴿فِي مَلَكُوتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و ﴿مَلَكُوتِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على: ﴿مَلَكُوتِ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وفي الذي خلقه الله. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، وجوز أبو البقاء اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد، مبني على فتح مقدر على الألف، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في محل رفع فاعل: ﴿عَسى،﴾ وهو تام هنا، وإن كان من أفعال الرجاء. وجملة: ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ﴾ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على: ﴿مَلَكُوتِ،﴾ وعلى اعتبار: ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل: ﴿عَسى﴾ بمصدر في محل جر... إلخ. ﴿قَدِ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِقْتَرَبَ:﴾ ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾

стр. 2088

فاعل: ﴿اِقْتَرَبَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿يَكُونَ،﴾ وعلى هذا يكون اسم ﴿يَكُونَ﴾ ضمير شأن محذوفا، وهو قول الزمخشري والبيضاوي والنسفي، وجوز السمين اعتبار ﴿أَجَلُهُمْ﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخرا، وجملة: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ﴾ في محل نصب خبر مقدما، وعليه ففاعل ﴿اِقْتَرَبَ﴾ ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى متأخر لفظا، وأرى أن ﴿يَكُونَ﴾ و ﴿اِقْتَرَبَ﴾ قد تنازعا: ﴿أَجَلُهُمْ﴾ فالمسألة من باب التنازع تأمل جيدا يظهر لك ذلك جليّا بعونه تعالى. ﴿فَبِأَيِّ﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بأي): متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي) مضاف، و ﴿حَدِيثٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْدَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، انظر التقدير في الشرح. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ متعلق بقوله ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ قال السمين: يعني التعلق المعنوي، المرتبط بما قبله، لا الصناعي، وهو واضح. انتهى. جمل بتصرف كبير مني. ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ الشرح: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ..﴾. إلخ: قال المفسرون: هذا تعليل لإعراضهم عن الإيمان. وعن التفكر في آيات الله، والنظر في ملكوت السموات، والأرض. والمعنى: من كتب الله له الضلالة في الأزل؛ فلا يهتدي إلى الإيمان، ولا إلى النظر في شيء مما ذرأ الله في هذا الكون. وانظر الآية رقم [١٧٨] وما أحلت عليها هناك. ﴿وَيَذَرُهُمْ:﴾ يتركهم، ويقرأ بالياء والنون، والرفع والجزم مع الياء لا غير، وعلى قراءة النون يكون فيه التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] وانظر الآية رقم [٦٩]. ﴿طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١١٠] وانظر الآية [١٧١]. الإعراب: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ انظر: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ في الآية رقم [١٧٨] فإعرابهما واحد بلا فارق. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿هادِيَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر (لا)، فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه؛ فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿هادِيَ،﴾ كما يجوز تعليقهما به لأنه اسم فاعل، وعليهما فخبر (لا) محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وانظر باقي الإعراب في الآية [١٧٨]. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ أو الفعلية على الاعتبار الثاني تعليل كما رأيت في الشرح، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَيَذَرُهُمْ:﴾ بالجزم

стр. 2089

معطوف على محل جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ وعلى قراءة الرفع، فالفاعل تقديره: «نحن» على قراءة النون، وتقديره «هو» على قراءة الياء، والجملة الفعلية على الاعتبارين في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، فعلى الأول التقدير: ونحن نذرهم، وعلى الثاني التقدير: وهو يذرهم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، والهاء مفعول به. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٦/ ١١٠] فإنه جيد. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أي: أهل مكة، أو بعض اليهود، كما ستراه آخرا. وانظر ما ذكرته في: (سأل) في الآية رقم [٨/ ١] تجد ما يسرك. ﴿السّاعَةِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٤]. ﴿أَيّانَ مُرْساها:﴾ متى وقوعها؟ وقيل: متى إثباتها، واستقرارها؟ ورسو الشيء: ثباته، واستقراره، ومنه: رسا الجبل، وأرسى السفينة. وهذا على فتح الميم، والأول على ضم الميم. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي: علم وقوع الساعة، وهو يوم القيامة، عند الله، استأثر به، فلم يطلع عليه نبيّا مرسلا، ولا ملكا مقربا. ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا يظهر الساعة في وقتها المحدد لها إلا الله تعالى. ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خفي علمها على أهل السموات والأرض، وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد. وقال ابن جريج، والسدي: عظم وصفها على أهل السموات والأرض، وذلك لعظم هولها. وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٦/ ١]. ﴿لا تَأْتِيكُمْ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة على حين غفلة. ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها، كثير السؤال عنها من قولهم: أحفيت في المسألة: إذا بالغت في السؤال عنها؛ حتى علمتها. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ:﴾ وليس في السؤال، ولا في الجواب تكرار: لأن السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والثاني عن أحوالها من ثقلها، وشدائدها، والفرق بين الجوابين لطيف، وهو أنه لما كان السؤال الأول واقعا عن وقت قيام الساعة عبر عن الجواب فيه بقوله تعالى: «علم وقت قيامها عند ربي»، ولما كان السؤال الثاني واقعا عن أحوالها، وشدائدها، وثقلها عبر عن الجواب فيه بقوله : ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لأنه أعظم الأسماء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن علمها عند الله، وأنه استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه. وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٨٢]. ﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٣].

стр. 2090

تنبيه: قال المحققون: سبب إخفاء علم الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؛ كانوا على وجل وخوف منها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والتوبة، وأزجر لهم عن المعصية، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقومنّ الساعة؛ وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ السّاعة وقد رفع أكلته إلى فيه، لا يطعمها». متفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى مثل ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهد العبد في كل ليالي شهر رمضان في العبادة، وليكون مجتهدا في الدعاء كل يوم الجمعة. تنبيه: قد ثبت: أن للساعة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن. وأما العلامات الكبرى فعشرة، أذكر منها ظهور المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، وأما خروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك فهو من مبادئ وقوع الساعة، وقيامها كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَنِ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُرْساها:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية بدل من ﴿السّاعَةِ،﴾ فهي في محل جر، والتقدير: يسألونك عن زمان حلول الساعة. وجوز الجمل عن السمين: أن الظرف: ﴿أَيّانَ﴾ منصوب بفعل محذوف رافع ل ﴿مُرْساها﴾ بالفاعلية، وهو مذهب أبي العباس المبرد. انتهى. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿عِلْمُها:﴾ مبتدأ، وها، في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُجَلِّيها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، و (ها): في محل نصب مفعول به. ﴿لِوَقْتِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل الفعل. ﴿لا يُجَلِّيها،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿ثَقُلَتْ:﴾ ماض، والفاعل

стр. 2091

يعود إلى: ﴿السّاعَةِ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير: ﴿السّاعَةِ،﴾ والرابط عود الضمير إليها، والجملة على تقدير «قد» قبلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْتِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿السّاعَةِ﴾ أيضا، والكاف: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال أيضا، فتكون الحال قد تكررت، وهي جملة. ونقل الجمل عن أبي السعود: أنه يعتبر الجمل كلها مستأنفة، فإذا تكون في محل نصب مقول القول، وعلى اعتبارها أحوالا، فهي ضمنا في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَغْتَةً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أو هو مصدر في محل الحال، أي باغتة لكم، ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ: فعل، وفاعل ومفعول به، والمتعلق محذوف اكتفاء بما قبله، والجملة الفعلية مؤكدة لسابقتها لفظا لا محل لها مثلها. ﴿كَأَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿حَفِيٌّ:﴾ خبرها. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان ب ﴿حَفِيٌّ؛﴾ لأنه اسم فاعل، أو اسم مفعول، والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المفعول به، والرابط الضمير فقط. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ تقدم إعراب هذه الجملة، وهي مستأنفة، لا محل لها. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف المقدر في الشرح في محل رفع خبر: (لكن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي..﴾. إلخ: أي: لا أملك لنفسي جلب نفع ولا دفع ضر، ففيه إظهار العبودية لله تعالى، والتبري من ادعاء العلم بالغيب. هذا؛ وقد قدم سبحانه: ﴿ضَرًّا﴾ على: ﴿نَفْعاً﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (يونس). ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي: أن يطلعني عليه من علم الغيب كرما وفضلا، فيلهمني إياه، ويوفقني إليه. وانظر (النفس) في الآية رقم [٩]. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ:﴾ المعنى واضح. وانظر إعلال مثل: ﴿كُنْتُ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿الْغَيْبَ:﴾ كل ما يغيب عن الإنسان. وانظر الآية رقم [٥/ ١١٢]. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ أصابني. ﴿السُّوءُ:﴾ الفقر والجوع والمرض، وغير ذلك. وانظر الآية رقم [٧٣]. ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ..﴾. إلخ: أي ما أنا إلا عبد مرسل للتخويف من الكفر، والمعاصي، وللتبشير بالجنة، والنعيم المقيم للمتقين المطيعين. وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والتبشير، ولأنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية [٢].

стр. 2092

تنبيه: قال ابن عباس-﵄: إن أهل مكة قالوا: يا محمد! ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو، فتشتري به، فتربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي يريد أن تجدب، فترحل عنها إلى ما قد أخصبت؟! فأنزل الله الآية الكريمة. انتهى خازن. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لِنَفْسِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿نَفْعاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿نَفْعاً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿ضَرًّا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي؛ أو شيئا شاءه الله، وجملة: ﴿لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص، مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم. ﴿لاسْتَكْثَرْتُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (استكثرت): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿مِنَ الْخَيْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (لو) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿السُّوءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. (بشير): معطوف على ما قبله. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو ب ﴿وَبَشِيرٌ﴾ على التنازع، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة: (قوم). والجملة الاسمية: ﴿إِنْ أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [١] (النساء) ففيه الكفاية، مع إبدال (خلق) ب (جعل) وهما بمعنى واحد. وانظر الفرق بينهما في الآية رقم [٦/ ١] وانظر (الزوج) في الآية رقم [١٩]. ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها:﴾ ليستأنس بها،

стр. 2093

ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه، أو جنسه. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها:﴾ جامعها، كنى به عن الجماع أحسن كناية. لأن الغشيان إتيان الرجل المرأة، وقد غشيها، وتغشاها: إذا علاها، وتجللها. والتعبير بما رأيت أدب من آداب القرآن الكريم وهو كثير، فقد رأيت التعبير بالمس في الآية رقم [٢/ ٢٣٦] وهو كناية عن الجماع، وكذلك ﴿لامَسْتُمُ﴾ في الآية رقم [٣/ ٤٣] وفي الآية رقم [٥/ ٧] كناية عن الجماع أيضا عند بعض الفقهاء والمفسرين وغير ذلك، وهذا الأدب تجده في أحاديث الرسول ﷺ ، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن ذلك قول عائشة ﵂: «ما رأيت منه» أي من النبي ﷺ «ولا رأى مني» تعني الفرج. ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ أي: لم تلق منه ما يلقى الحبالى من النساء من الكرب والأذى، أثناء الحمل، ولم تستثقله كما يستثقلنه، وهذه الخفة كانت في أول الحمل حين كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ:﴾ فاستمرت به، أي: قامت وقعدت، وراحت ورجعت، وهي لا تشعر بثقل ذلك الحمل. وقرئ: «(فمرت)» بالتخفيف وقرئ «(فاستمرت)» و «(فمارت)» من المور، وهو المجيء والذهاب، أو من المرية، وهي الشك، أي فظنت الحمل وارتابت به في أول الأمر. ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ:﴾ صارت ذا ثقل بكبر الولد في بطنها، وقرب وقت ولادتها. وقرئ بالفعل بالبناء للمجهول، أي: أثقلها حملها. ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما﴾ أي: سأل الله آدم وحواء أن يرزقهما ولدا بشرا سويّا مثلهما. ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا..﴾. إلخ: أي وحقك إن أعطيتنا ما سألناك لنشكرنك على إنعامك وإفضالك. هذا؛ والشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. تنبيه: ﴿حَمْلاً:﴾ بفتح الحاء، وسكون الميم، قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن، أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر ما كان على ظهر، أو رأس. قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر، وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة حمل وحمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة، ومرة لبروزه، وظهوره بحمل الدابة. انتهى. الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ نَفْسٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة: ﴿نَفْسٍ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿لِيَسْكُنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْسٍ،﴾ وقد ذكر باعتبار المعنى؛ لأن المقصود آدم، وهو مذكر. ﴿إِلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعل)، التقدير: جعل منها زوجها؛ لسكونه إليها.

стр. 2094

والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: وجوب لوجوب. وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَغَشّاها:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْسٍ،﴾ وذكر كسابقه، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا) لأنها حينئذ ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿حَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى حوّاء المعبر عنها ب ﴿زَوْجَها﴾. ﴿حَمْلاً:﴾ مفعول مطلق إن أريد به المصدر، ومفعول به إن أريد به الولد الذي في بطنها. ﴿خَفِيفاً:﴾ صفته، والجملة الفعلية: ﴿حَمَلَتْ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له وجملة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ هو مثل سابقه في إعرابه. ﴿دَعَوَا:﴾ ماض، وألف الاثنين فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّهُما:﴾ بدل من لفظ الجلالة بدل كل من كل، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، ومتعلق الدعاء محذوف لدلالة الجملة القسمية عليه، أي: دعوا الله في أن يرزقهما ولدا صالحا. وجملة: ﴿دَعَوَا..﴾. إلخ جواب (لمّا) ... إلخ، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿آتَيْتَنا:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، و (نا): مفعول به أول. ﴿صالِحاً:﴾ صفة للمفعول الثاني المحذوف، أي ولدا صالحا، وجملة: ﴿آتَيْتَنا صالِحاً﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، واسم الفعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (نكون)، والجملة الفعلية: ﴿لَنَكُونَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. وانظر الآية رقم [٩٠] تجد ما يسرك. والقسم وجوابه فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفسر لجملة الدعاء، كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ فقيل: كان كذا، وكذا. والثاني: أنه معمول لقول مضمر، تقديره: فقالا: لئن... إلخ. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ الشرح: فلما رزق الله آدم وحواء ولدا بشرا سويّا؛ جعلا له شركاء فيما أعطاهما من الولد الصالح. هذا؛ ويقرأ: «(شركا)» بكسر الشين، وكلاهما بمعنى الشريك، والمراد به: إبليس اللعين

стр. 2095

أخزاه الله! وعبر بالأول، وهو الجمع عن المفرد على سبيل المبالغة، حيث سميا الولد عبد الحارث كما ستقف عليه، وما فعلاه ليس بإشراك في العبادة، بل هو إشراك في التسمية فقط، وهذا لا يقتضي الكفر. ﴿فَتَعالَى:﴾ تنزه سبحانه، وهو فعل ناقص التصرف يأتي منه المضارع، ولا يأتي منه الأمر. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. الإعراب: (لمّا): انظر الآية السابقة. ﴿آتاهُما:﴾ ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والهاء مفعول به أول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿صالِحاً:﴾ صفة لمفعول ثان محذوف. وانظر مثل جملة: ﴿آتاهُما صالِحاً﴾ في الآية السابقة ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿دَعَوَا اللهَ﴾ إفرادا ومحلاّ، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ يحتمل تعليقهما بالفعل قبلهما، وبمحذوف حال من: ﴿شُرَكاءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلا،﴾ أو بمحذوف صفة: ﴿شُرَكاءَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو في شيء آتاهما إياه، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض... إلخ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها وقيل: معطوفة على جملة: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ، وما بينهما اعتراض. ﴿عَمّا:﴾ عن: حرف جر. (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: تعالى الله عن شركهم، ولا تحتمل (ما) الموصولة، ولا الموصوفة هنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ الشرح: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أي: أهل مكة، والمتعلق محذوف، التقدير: به في العبادة. ﴿ما:﴾ واقعة على الأصنام المعبودة، وأفرد الضمير في الفعل بعدها نظرا للفظها، وجمع في الضمائر: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ نظرا لمعناها، وهو الأصنام، والتعبير عن الأصنام بضمير العقلاء، بالنظر لما يلزم زعمهم فيها من الألوهية المستلزمة للعقل. انتهى جمل. تنبيه: في تفسير الآيات المتقدمة كلام كثير وروايات متعددة، أذكر منها ما يلي: قال بعض المفسرين: لما أهبط الله آدم، وحواء إلى الأرض؛ ألقيت الشهوة في نفس آدم، فأصاب حواء، فحملت من ساعتها، فلما ثقل الحمل، وكبر الولد في بطنها، أتاها إبليس، في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري؟ قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، أو كلبا، أترين في الأرض إلا بهيمة، أو نحوها، قالت: إني أخاف بعض ذلك، قال: وما يدريك من أين

стр. 2096

يخرج؟ أمن دبرك، أو من فيك، أو يشق بطنك، فيقتلك؟ فخافت حواء من ذلك، وذكرته لآدم، فلم يزالا في غم من ذلك، ثم عاد إليها إبليس، فقال لها: إني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويّا مثلك، ويسهل عليك خروجه؛ فسميه عبد الحارث، واسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك حواء لآدم ﵉، فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس، فلم يزل بهما حتى غرهما، فلما ولدت سمياه عبد الحارث. انتهى. خازن. وانظر قصة هابيل وقابيل. وما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (المائدة). وقال ابن عباس-﵄: كانت حواء تلد لآدم، فيسميه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، وقال لهما: إن سركما أن يعيش لكما ولد؛ فسمياه عبد الحارث، فولدت، فسمياه عبد الحارث، فعاش. انتهى. خازن. قال القرطبي: ونحو ذلك مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي، وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس له ثبات، فلا يعول عليه من له قلب، فإن آدم وحواء ﵉، وإن غرهما بالله الغرور، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين على أنه قد سطر، وكتب، قال: قال رسول الله ﷺ : «خدعهما مرّتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض». انتهى. هذا؛ وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا حملت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سمّيه عبد الحارث فإنّه يعيش، فسمّته فعاش، وكان ذلك من وحي الشّيطان، وأمره». رواه الحاكم، وقال: صحيح، والترمذي، وقال: حسن غريب. وهذا الحديث موجود في تفسير الخازن، وذكره الجلال، وقال الجمل، وفي الكرخي: وقصد الشيخ المصنف بسياق الحديث التلويح بالرد على البيضاوي وغيره: أن هذا الكلام لا يليق بالأنبياء. انتهى. قال البيضاوي: ويحتمل أن يكون الخطاب في: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لال قصي من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان لها زوج من جنسها قرشية عربية، فطلبا من الله الولد، فأعطاهما أربعة بنين، فسمياهم عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار، ويكون الضمير في (يشركون) لهما، ولأعقابهما المقتدين بهما. انتهى. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَيُشْرِكُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (يشركون): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى الموصول. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿أَيُشْرِكُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (هم): ضمير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُخْلَقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.

стр. 2097

﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ أي: إن الأصنام التي يعبدها، ويقدسها الكفار، لا تقدر على نصرهم إذا احتاجوا لذلك. ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ أي: ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم مكروها، فإن من أراد كسرها قدر عليه، وهي لا تقدر على دفعه، وقصة إبراهيم-﵊-شاهد صدق على ذلك. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَصْراً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿نَصْراً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿يَنْصُرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ..﴾. إلخ: الخطاب للكفار، وضمير النصب للأصنام، والمعنى. وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى، ورشاد كما تطلبونه من الله؛ لا يتابعوكم على مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويجوز أن يكون الخطاب للرسول ﷺ والمؤمنين، والضمير المنصوب للكفار، أي: وإن تدعوا الكفار إلى الإيمان، لا يستجيبوا لكم. وإنما جمع المؤمنون مع الرسول لأن كل واحد منهم يدعو الكفار إلى الإيمان، ويرغبهم فيه، كما فعل أبو بكر الصديق-﵁-وغيره. هذا؛ وقد قرئ الفعل: «لا يتبعوكم» بتشديد التاء وتخفيفها. ﴿سَواءٌ:﴾ اسم بمعنى مستو، وهو ما في الآية، ويأتي بمعنى الوسط، كما في قوله تعالى ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي وسط الجحيم، ويأتي بمعنى العدل، قال تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وسواء الشيء: غيره، قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا ويستعمل للجمع، فتقول: هم سواء، أي: متساوون، وقد يجمع، فيقال: هم أسواء، والأول أفصح. هذا؛ وسواء السبيل: ما استقام منه، وسواء الجبل: ذروته. ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ:﴾ هو مثل ما تقدم في الخطاب، وغيره. ﴿صامِتُونَ:﴾ ساكتون، والفعل: «صمت» من باب نصر، ويقال: صمت، يصمت من باب حسب يحسب. هذا؛ وقد وقع الالتفات في هذه الآية بالنسبة لسابقتها، وذلك من الغيبة إلى الخطاب. وانظر فائدته في الآية رقم [٦] (الأنعام).

стр. 2098

الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يَتَّبِعُوكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، وهو جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذ الفجائية و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، وهو أولى من العطف على ما قبله. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتسوية. (دعوتموهم): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ صامِتُونَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهمزة التسوية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: دعاؤكم لهم وسكوتكم سواء عليكم في عدم الإفادة. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، والمعنى لا يتغير. هذا؛ وإنما عدل عن مجيء الجملة الفعلية الواقعة بعد ﴿أَمْ﴾ إلى الاسمية للمبالغة في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر، وفي السمين: وإنما أتى بالجملة الثانية اسمية؛ لأن الفعل يشعر بالحدوث، ولأنها رأس فاصلة. انتهى جمل بتصرف. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤)﴾ الشرح: ﴿تَدْعُونَ:﴾ تعبدون، أو تسمّون. ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿عِبادٌ:﴾ جمع: عبد، ويجمع أيضا على عبيد، والمراد مخلوقون، لا المراد: أرقاء مستعبدون. ﴿أَمْثالُكُمْ:﴾ جمع مثل بمعنى أشباهكم. وانظر الآية رقم [٩٣] الأنعام. ﴿فَادْعُوهُمْ:﴾ اسألوهم جلب نفع، أو دفع ضر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله. هذا؛ وقرئ «(إن)» بسكون النون، و «(عبادا)» بالنصب، و «أمثالكم» بالرفع والنصب. المعنى: إن الأصنام التي تعبدونها من دون الله مملوكة لله أمثالكم مسخرة مذللة مثل ما أنتم مسخرون مذللون. وقد وصفها الله بأنها عباد مع كونها جمادا؛ لأن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا: أنها عاقلة، فاهمة، فوردت هذه الألفاظ على وفق معتقدهم. وجواب آخر، وهو: أن هذا اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين. والمعنى: أن قصارى هذه الأصنام؛ التي تعبدونها أحياء عاقلة على معتقدكم، فهم عباد لله أمثالكم، ولا فضل لهم عليكم، فلم عبدتموهم، وجعلتموهم آلهة، وجعلتم أنفسكم عبيدا لهم؟!

стр. 2099

انتهى خازن بتصرف كبير. أقول: وأحد هذين الاعتبارين هو الذي سبب إجراء جمع المذكر السالم على الحجارة المعبودة من دون الله في هذه الآية، والآية التالية. وانظر إطلاق (من) على الأصنام في الآية رقم [١٠/ ٣٤]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِبادٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمْثالُكُمْ:﴾ صفة: ﴿عِبادٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف (إن): حرف نفي بمعنى (ما)، يعمل عملها وهي حجازية و ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها مبني على الفتح في محل رفع، و (عبادا): خبرها منصوب و ﴿أَمْثالُكُمْ﴾ صفته على نصبه، وعلى رفعه فهو الخبر، و (عبادا): يكون حالا من الضمير المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. وهذه القراءة شاذة. قال النحاس: وهذه القراءة لا ينبغي أن يقرأ بها؛ لأنها مخالفة للسواد، أي للجمهور، ولأن سيبويه يهملها، ولا يعملها، ولأن الكسائي زعم: أنّ ﴿إِنَّ﴾ لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى (ما) إلا أن يكون بعدها إيجاب، كقوله تعالى ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾. ﴿فَادْعُوهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (ادعوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. اللام: لام الأمر، وسكنت لثقل الكسرة بعد (الفاء) كما تسكن بعد الواو وثم. (يستجيبوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٧٠]. ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ الشرح: ﴿أَلَهُمْ﴾ أي: للأصنام التي يعبدونها. والاستفهام للتوبيخ، والتقريع، وقد رأيت في الآية السابقة السبب في إطلاق جمع المذكر السالم عليها. ﴿يَمْشُونَ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿أَيْدٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٨] لشرحه، وإعلاله مثل إعلال: ﴿لَآتٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ١٣٤]. ﴿يَبْطِشُونَ:﴾ الجمهور على قراءته بكسر الطاء من باب ضرب، وقرأ الحسن البصري وغيره بضم الطاء من باب: قتل، وهي لغة. والبطش: هو الأخذ بعنف.

стр. 2100

﴿أَعْيُنٌ:﴾ انظر الآية رقم [١١٦]. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿شُرَكاءَكُمْ:﴾ آلهتكم. والمعنى: ادعوا أصنامكم واستعينوا بهم في عداوتي. ﴿ثُمَّ كِيدُونِ:﴾ فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكر، ولا تمهلوني، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على ولاية الله وحفظه وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) عليه الصلاة، والسّلام. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. معنى الآية الكريمة إن قدرة الإنسان المخلوق إنما تكون بجوارحه المذكورة، فإنها آلات يستعين بها في جميع أموره، والأصنام ليس لها من هذه الأعضاء شيء، فهو مفضل عليها بهذه الأعضاء. فظهر بهذا: أن الإنسان أفضل منها بكثير لعجزها، بل لا فضل لها البتة؛ لأنها حجارة، وجماد لا تضر، ولا تنفع، فكيف يليق بالإنسان العاقل الأفضل أن يشتغل بعبادة الأدون؛ الأرذل، الذي لا يضر، ولا ينفع؟. الإعراب: ﴿أَلَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَيْدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿يَبْطِشُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾ في محل رفع صفة: ﴿أَيْدٍ،﴾ وإعراب ما قبل هذه الجملة، وما بعدها مثلها بلا فارق، والجمل كلها مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿شُرَكاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كِيدُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، والمفعول محذوف، وهو ياء المتكلم؛ إذ التقدير: فكيدوني. وقد قرئ بها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُنْظِرُونِ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والمفعول محذوف، وهو ياء المتكلم، مثل سابقه، والجمل الفعلية المتعاطفة في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ (١٩٦)﴾ الشرح: ﴿وَلِيِّيَ اللهُ:﴾ متولي أموري، وناصري. وانظر: ﴿أَوْلِياءَ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. والمعنى: كما أيدني بإنزال القرآن يتولى حفظي، وينصرني. وانظر شرح: ﴿الْكِتابَ﴾ في الآية رقم [٢]. ﴿يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ أي: بنصره، وحفظه، فلا تضرهم عداوة من عاداهم من المشركين، وغيرهم.

стр. 2101

قال ابن عباس-﵄: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا، ولا يعصونه بشيء أبدا. هذا؛ وقرئ: «ولى الله» بفتح الياء، وبالإضافة إلى (الله) والمراد به جبريل، قال القرطبي: والقراءة الأولى أبين لقوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَلِيِّيَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لما قبله، وعلى القراءة الثانية: (ولي): اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف، و (الله): مضاف إليه، و ﴿الَّذِي﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (هو): مبتدأ، وجملة: ﴿يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من لفظ الجلالة غير مستبعد، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ انظر شرح هذه الآية في الآية رقم [١٩٢] و [١٩٣]. قال الخازن: والفائدة في تكريرها: أن الآية الأولى مذكورة على جهة التقريع، والتوبيخ، وهذه الآية مذكورة على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وهو الله الذي يتولى الصالحين بنصره، وحفظه، وبين هذه الأصنام، وهي ليست كذلك، فلا تكون معبودة. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): مبتدأ، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: والذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. وانظر إعرابها، وإعراب ما بعدها في الآية رقم [١٩٢]. ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبرهما البيضاوي تعليلا لما قبلهما، فتكون بدورها في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا:﴾ يقال في هذه الجملة ما قيل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ في الآية رقم [١٩٣] من الاعتبارين. ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ:﴾ الخطاب في هذه الجملة للرسول ﷺ ، والضمير المنصوب المراد به الكفار، أو الأصنام، فعلى

стр. 2102

الأول يكون المعنى: للكفار عيون، ولكن لا يبصرون بها طريق الهدى والرشاد، كما أن لهم آذانا، ولكن لا يسمعون كلمة الحق، والنصح، والسداد. وعلى الثاني يكون المعنى: للأصنام عيون، ولكن لا يبصرون بها. قيل: إن الكفار كانوا يصنعون لأصنامهم عيونا من جواهر ثمينة، وصورا بصورة من ينظر إلى من يواجهه. وإطلاق جمع المذكر السالم على الأصنام سببه ما ذكرته في الآية رقم [١٩٤]. وانظر إعلال (ترى) في الآية [١٤٣]. الإعراب: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٩٣]. الواو: حرف استئناف. (تراهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في محل نصب حال، واكتفى (ترى) بمفعول واحد؛ لأنه بصري، وجملة (تراهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾ الشرح: ﴿خُذِ الْعَفْوَ:﴾ استعمل العفو، والصفح عن المسيئين إليك، والمعتدين عليك. وقال الخازن: العفو هنا: الفضل، وما جاء بلا كلفة، والمعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم، فيستعصوا عليك، فتتولد منه العداوة، والبغضاء. وقيل: معناه: خذ الفضل من أموال الناس، وذلك قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت، نسخت ذلك. أقول: وهذا لا يناسب المقام. وانظر: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية رقم [٩٥]. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف والجميل من الأفعال، والأخلاق، وقرئ بضمتين مثل: الحلم، قال القرطبي، وهما لغتان، العرف، والمعروف. والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. انتهى. أقول: وضد ذلك المنكر. وانظر الآية رقم [١٥٦] و [٣/ ١٠٤] تجد ما يسرك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٥]. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ:﴾ فلا تجادلهم، ولا تعاملهم بأعمالهم، صيانة لك، ورفعة لقدرك عن مجاوبتهم. وهذا؛ وإن كان خطابا للنبي ﷺ فهو تعليم، وتأديب لجميع خلقه، هذا فإن كان المراد بالجاهلين: الكفار؛ فهو منسوخ بآية السيف بحقهم، وإن كان المراد جفاة العرب، وأجلافهم؛ فالحكم لم ينسخ بحق النبي العظيم. وانظر (الجاهل) في الآية رقم [٦/ ٣٥] تجد ما يسرك. تنبيه: روي: أنه لما نزلت الآية الكريمة قال الرسول المعظم ﷺ لجبريل-﵇: «ما هذا؟». قال: لا أدري حتى أسأل رب العزة، فسأل، ثم رجع، فقال: «إنّ ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك». ذكره البغوي بغير سند، وقال جعفر

стр. 2103

الصادق: أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه، وقد نظم بعضهم ما قاله جبريل فيما يلي: [الرجز] مكارم الأخلاق في ثلاثة... من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من... تقطعه والعفو عمّن اعتدى وقال الرسول ﷺ : «إنّ هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيرا منحه خلقا حسنا، ومن أراد به سوءا منحه خلقا سيّئا». رواه الطبراني عن أبي هريرة ﵁. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل] كلّ الأمور تزول عنك وتنقضي... إلا الثّناء فإنه لك باقي ولو أنّني خيّرت كلّ فضيلة... ما اخترت غير مكارم الأخلاق الإعراب: ﴿خُذِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْعَفْوَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها. ﴿بِالْعُرْفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَعْرِضْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعرض): أمر، وفاعله: أنت. ﴿عَنِ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ الشرح: ﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ:﴾ ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة من الشيطان تحملك على خلاف ما أمرت به، كغضب، وتفكير بشيء غير صالح. هذا؛ والنخس والنزغ والنسغ، والنغز، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد، فقد شبه سبحانه وسوسة الشيطان وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير.. هذا؛ وانظر شرح: ﴿الشَّيْطانِ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال). ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي: اطلب النجاة من ذلك بالله، فأمر سبحانه العبد أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به، ولله المثل الأعلى، فلا يستعاذ من الكلاب إلا بصاحب الكلاب. ﴿سَمِيعٌ:﴾ يسمع استعاذتك. ﴿عَلِيمٌ:﴾ يعلم ما فيه صلاحك، فيحملك عليه، أو هو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها، مغنيا لك عن الانتقام، ومتابعة الشيطان. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية، حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾. قال القرطبي: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشّيطان أحدكم، فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربّك؟ فإذا بلغ ذلك؛ فليستعذ بالله، ولينته».

стр. 2104

تنبيه: قال ابن زيد: لما نزلت الآية السابقة؛ قال النبي ﷺ : «فكيف بالغضب يا ربّ». فأنزل الله هذه الآية. الإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. وانظر الآية رقم [٣٥]. ﴿يَنْزَغَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَزْغٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿نَزْغٌ:﴾ فاعل، وجملة: ﴿يَنْزَغَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (استعذ): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ وجواب (استعذ) محذوف، أي يدفعه عنك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ الشرح: ﴿اِتَّقَوْا:﴾ انظر ﴿التَّقْوى﴾ في الآية رقم [٢٦]. ﴿مَسَّهُمْ:﴾ أصابهم. ﴿طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ لمة منه، وهو اسم فاعل من طاف كأنها طافت بهم، ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثر فيهم. أو من: طاف به الخيال، يطيف طيفا، وقرئ: «(طيف)» على أنه مصدر، وهما لغتان بمعنى واحد. وقيل: بينهما فرق فالطائف ما يطوف حول الإنسان، والطيف الوسوسة. وقال الأزهري: الطيف في كلام العرب: الجنون، وقيل للغضب: طيف؛ لأن الغضبان يشبه المجنون. ﴿الشَّيْطانِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال)، و «ال» فيه للجنس، ولذا جمع الضمير العائد عليه في الآية التالية. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: قدرة الله، وإنعامه عليهم، فتركوا المعصية، وكفوا غضبهم. ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ:﴾ مواقع الخطأ، ومكايد الشيطان بسبب التذكر، فيبتعدون عمّا ذكر. هذا؛ وقد كثر ذكر الطيف، والخيال في الشعر العربي، وهو ما يرى في النوم، أو يتخيل في اليقظة. قال زياد بن حمل: [البسيط] فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني... فقلت أهي سرت أم عادني حلم؟ الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّهُمْ:﴾ ماض شرط: ﴿إِذا،﴾ والهاء مفعول به. ﴿طائِفٌ:﴾ فاعله،

стр. 2105

والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان ب ﴿طائِفٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿تَذَكَّرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١٠٧] بلا فارق. ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي: إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله يمدهم الشيطان، وإخوان الشياطين: هم الفجار من ضلال الإنس. ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ:﴾ يزيدونهم غيّا وضلالا بالتزيين والوسوسة. هذا؛ ويقرأ الفعل: «يمدونهم» بفتح الياء وضم الميم من الثلاثي، ويقرأ بضم الياء وكسر الميم من الرباعي، كما يقرأ «(يمادّونهم)»، كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغواء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ:﴾ ثم لا يمسكون عن إغوائهم، والفعل على هذا بضم الياء وكسر الصاد من الرباعي، ويقرأ الفعل بفتح الياء وضم الصاد من الثلاثي، ويكون المعنى: ثم لا يكفون عن اتباع الشياطين، ولا يتوبون، ولا يرجعون إلى الله تعالى، وهؤلاء بخلاف المؤمنين المذكورين في الآية السابقة الذين إذا مسهم طائف من الشيطان. وانظر: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣]. الإعراب: ﴿وَإِخْوانُهُمْ:﴾ (إخوانهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَمُدُّونَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فِي الغَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُقْصِرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بمعجزة ظاهرة مما اقترحوه عليك. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] و «آية» في الآية رقم [٩]. ﴿قالُوا:﴾ أي: أهل مكة. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿اِجْتَبَيْتَها:﴾ اختلقتها، وابتدعتها من عندك، كما هو شأنك وعادتك. تقول العرب: اجتبيت الكلام: إذا اختلقته، وابتدعته. هذا؛ واجتباه اختاره: واصطفاه. قال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي ﷺ الآيات تعنتا، فإذا تأخرت اتهموه، وقالوا: لولا اجتبيتها. ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي: أنا لست بمختلق للآيات، ولا بمخترع لها، لا أتبع إلا ما ينزل به جبريل عليّ من عند ربي.
следующие страницы →