← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

قال ابن عباس-﵄: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا، ولا يعصونه بشيء أبدا. هذا؛ وقرئ: «ولى الله» بفتح الياء، وبالإضافة إلى (الله) والمراد به جبريل، قال القرطبي: والقراءة الأولى أبين لقوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَلِيِّيَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لما قبله، وعلى القراءة الثانية: (ولي): اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف، و (الله): مضاف إليه، و ﴿الَّذِي﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (هو): مبتدأ، وجملة: ﴿يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من لفظ الجلالة غير مستبعد، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ انظر شرح هذه الآية في الآية رقم [١٩٢] و [١٩٣]. قال الخازن: والفائدة في تكريرها: أن الآية الأولى مذكورة على جهة التقريع، والتوبيخ، وهذه الآية مذكورة على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وهو الله الذي يتولى الصالحين بنصره، وحفظه، وبين هذه الأصنام، وهي ليست كذلك، فلا تكون معبودة. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): مبتدأ، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: والذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. وانظر إعرابها، وإعراب ما بعدها في الآية رقم [١٩٢]. ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبرهما البيضاوي تعليلا لما قبلهما، فتكون بدورها في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا:﴾ يقال في هذه الجملة ما قيل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ في الآية رقم [١٩٣] من الاعتبارين. ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ:﴾ الخطاب في هذه الجملة للرسول ﷺ ، والضمير المنصوب المراد به الكفار، أو الأصنام، فعلى

стр. 2102

الأول يكون المعنى: للكفار عيون، ولكن لا يبصرون بها طريق الهدى والرشاد، كما أن لهم آذانا، ولكن لا يسمعون كلمة الحق، والنصح، والسداد. وعلى الثاني يكون المعنى: للأصنام عيون، ولكن لا يبصرون بها. قيل: إن الكفار كانوا يصنعون لأصنامهم عيونا من جواهر ثمينة، وصورا بصورة من ينظر إلى من يواجهه. وإطلاق جمع المذكر السالم على الأصنام سببه ما ذكرته في الآية رقم [١٩٤]. وانظر إعلال (ترى) في الآية [١٤٣]. الإعراب: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٩٣]. الواو: حرف استئناف. (تراهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في محل نصب حال، واكتفى (ترى) بمفعول واحد؛ لأنه بصري، وجملة (تراهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾ الشرح: ﴿خُذِ الْعَفْوَ:﴾ استعمل العفو، والصفح عن المسيئين إليك، والمعتدين عليك. وقال الخازن: العفو هنا: الفضل، وما جاء بلا كلفة، والمعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم، فيستعصوا عليك، فتتولد منه العداوة، والبغضاء. وقيل: معناه: خذ الفضل من أموال الناس، وذلك قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت، نسخت ذلك. أقول: وهذا لا يناسب المقام. وانظر: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية رقم [٩٥]. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف والجميل من الأفعال، والأخلاق، وقرئ بضمتين مثل: الحلم، قال القرطبي، وهما لغتان، العرف، والمعروف. والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. انتهى. أقول: وضد ذلك المنكر. وانظر الآية رقم [١٥٦] و [٣/ ١٠٤] تجد ما يسرك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٥]. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ:﴾ فلا تجادلهم، ولا تعاملهم بأعمالهم، صيانة لك، ورفعة لقدرك عن مجاوبتهم. وهذا؛ وإن كان خطابا للنبي ﷺ فهو تعليم، وتأديب لجميع خلقه، هذا فإن كان المراد بالجاهلين: الكفار؛ فهو منسوخ بآية السيف بحقهم، وإن كان المراد جفاة العرب، وأجلافهم؛ فالحكم لم ينسخ بحق النبي العظيم. وانظر (الجاهل) في الآية رقم [٦/ ٣٥] تجد ما يسرك. تنبيه: روي: أنه لما نزلت الآية الكريمة قال الرسول المعظم ﷺ لجبريل-﵇: «ما هذا؟». قال: لا أدري حتى أسأل رب العزة، فسأل، ثم رجع، فقال: «إنّ ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك». ذكره البغوي بغير سند، وقال جعفر

стр. 2103

الصادق: أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه، وقد نظم بعضهم ما قاله جبريل فيما يلي: [الرجز] مكارم الأخلاق في ثلاثة... من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من... تقطعه والعفو عمّن اعتدى وقال الرسول ﷺ : «إنّ هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيرا منحه خلقا حسنا، ومن أراد به سوءا منحه خلقا سيّئا». رواه الطبراني عن أبي هريرة ﵁. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل] كلّ الأمور تزول عنك وتنقضي... إلا الثّناء فإنه لك باقي ولو أنّني خيّرت كلّ فضيلة... ما اخترت غير مكارم الأخلاق الإعراب: ﴿خُذِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْعَفْوَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها. ﴿بِالْعُرْفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَعْرِضْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعرض): أمر، وفاعله: أنت. ﴿عَنِ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ الشرح: ﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ:﴾ ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة من الشيطان تحملك على خلاف ما أمرت به، كغضب، وتفكير بشيء غير صالح. هذا؛ والنخس والنزغ والنسغ، والنغز، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد، فقد شبه سبحانه وسوسة الشيطان وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير.. هذا؛ وانظر شرح: ﴿الشَّيْطانِ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال). ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي: اطلب النجاة من ذلك بالله، فأمر سبحانه العبد أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به، ولله المثل الأعلى، فلا يستعاذ من الكلاب إلا بصاحب الكلاب. ﴿سَمِيعٌ:﴾ يسمع استعاذتك. ﴿عَلِيمٌ:﴾ يعلم ما فيه صلاحك، فيحملك عليه، أو هو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها، مغنيا لك عن الانتقام، ومتابعة الشيطان. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية، حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾. قال القرطبي: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشّيطان أحدكم، فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربّك؟ فإذا بلغ ذلك؛ فليستعذ بالله، ولينته».

стр. 2104

تنبيه: قال ابن زيد: لما نزلت الآية السابقة؛ قال النبي ﷺ : «فكيف بالغضب يا ربّ». فأنزل الله هذه الآية. الإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. وانظر الآية رقم [٣٥]. ﴿يَنْزَغَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَزْغٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿نَزْغٌ:﴾ فاعل، وجملة: ﴿يَنْزَغَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (استعذ): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ وجواب (استعذ) محذوف، أي يدفعه عنك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ الشرح: ﴿اِتَّقَوْا:﴾ انظر ﴿التَّقْوى﴾ في الآية رقم [٢٦]. ﴿مَسَّهُمْ:﴾ أصابهم. ﴿طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ لمة منه، وهو اسم فاعل من طاف كأنها طافت بهم، ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثر فيهم. أو من: طاف به الخيال، يطيف طيفا، وقرئ: «(طيف)» على أنه مصدر، وهما لغتان بمعنى واحد. وقيل: بينهما فرق فالطائف ما يطوف حول الإنسان، والطيف الوسوسة. وقال الأزهري: الطيف في كلام العرب: الجنون، وقيل للغضب: طيف؛ لأن الغضبان يشبه المجنون. ﴿الشَّيْطانِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال)، و «ال» فيه للجنس، ولذا جمع الضمير العائد عليه في الآية التالية. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: قدرة الله، وإنعامه عليهم، فتركوا المعصية، وكفوا غضبهم. ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ:﴾ مواقع الخطأ، ومكايد الشيطان بسبب التذكر، فيبتعدون عمّا ذكر. هذا؛ وقد كثر ذكر الطيف، والخيال في الشعر العربي، وهو ما يرى في النوم، أو يتخيل في اليقظة. قال زياد بن حمل: [البسيط] فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني... فقلت أهي سرت أم عادني حلم؟ الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّهُمْ:﴾ ماض شرط: ﴿إِذا،﴾ والهاء مفعول به. ﴿طائِفٌ:﴾ فاعله،

стр. 2105

والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان ب ﴿طائِفٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿تَذَكَّرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١٠٧] بلا فارق. ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي: إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله يمدهم الشيطان، وإخوان الشياطين: هم الفجار من ضلال الإنس. ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ:﴾ يزيدونهم غيّا وضلالا بالتزيين والوسوسة. هذا؛ ويقرأ الفعل: «يمدونهم» بفتح الياء وضم الميم من الثلاثي، ويقرأ بضم الياء وكسر الميم من الرباعي، كما يقرأ «(يمادّونهم)»، كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغواء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ:﴾ ثم لا يمسكون عن إغوائهم، والفعل على هذا بضم الياء وكسر الصاد من الرباعي، ويقرأ الفعل بفتح الياء وضم الصاد من الثلاثي، ويكون المعنى: ثم لا يكفون عن اتباع الشياطين، ولا يتوبون، ولا يرجعون إلى الله تعالى، وهؤلاء بخلاف المؤمنين المذكورين في الآية السابقة الذين إذا مسهم طائف من الشيطان. وانظر: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣]. الإعراب: ﴿وَإِخْوانُهُمْ:﴾ (إخوانهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَمُدُّونَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فِي الغَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُقْصِرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بمعجزة ظاهرة مما اقترحوه عليك. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] و «آية» في الآية رقم [٩]. ﴿قالُوا:﴾ أي: أهل مكة. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿اِجْتَبَيْتَها:﴾ اختلقتها، وابتدعتها من عندك، كما هو شأنك وعادتك. تقول العرب: اجتبيت الكلام: إذا اختلقته، وابتدعته. هذا؛ واجتباه اختاره: واصطفاه. قال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي ﷺ الآيات تعنتا، فإذا تأخرت اتهموه، وقالوا: لولا اجتبيتها. ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي: أنا لست بمختلق للآيات، ولا بمخترع لها، لا أتبع إلا ما ينزل به جبريل عليّ من عند ربي.

стр. 2106

﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: هذا القرآن بصائر للقلوب، بها يبصر الحق، ويدرك الصواب. هذا؛ وبصائر جمع بصيرة، وهي الدلالة الواضحة، فيهتدى بها، فأطلق على القرآن لفظ البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب وانظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (الأنعام). ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: رشد وبيان وهداية من الضلالة ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن وانتفع به. وانظر إعلال (هدى) في الآية رقم [٩١] الأنعام. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وبتعاليمه. تنبيه: قال الخازن: وهنا لطيفة، وهي الفرق بين هذه المراتب الثلاث، وذلك أن الناس متفاوتون في درجات العلوم، فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد، وهم أصحاب «عين اليقين»، ومنهم من بلغ درجة الاستدلال، والنظر، وهم أصحاب «علم اليقين»، ومنهم المسلم المستسلم، وهم: عامة المؤمنين، وهم أصحاب: «حق اليقين»، فالقرآن في حق الأولين-وهم السابقون-بصائر، وفي حق القسم الثاني-وهم المستدلون-هدى، وفي حق القسم الثالث-وهم عامة المؤمنين-رحمة. انتهى. وانظر الآية رقم [٥٧] (يونس) تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): انظر الآية رقم [٢٠١]. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَأْتِهِمْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿اِجْتَبَيْتَها:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَتَّبِعُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَصائِرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿بَصائِرُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. (هدى): معطوف على: ﴿بَصائِرُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوفة على ﴿بَصائِرُ﴾ أيضا. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب (رحمة)، أو ب (هدى) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني لدلالة صفة الأول، أو بالعكس. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾

стр. 2107

فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والكلام: ﴿هذا بَصائِرُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما ذكر عظم شأن القرآن بقوله: ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أتبعه بما يجب من تعظيم شأنه عند قراءته، فقال : ﴿وَإِذا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ يعني: أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه، وتتدبروا مواعظه ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ يعني: عند قراءته، والإنصات السكوت للاستماع، يقال: نصت، وأنصت، وانتصت بمعنى واحد. واختلف العلماء في الحال التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن، والإنصات له إذا قرأ؛ لأن قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع، والسكوت واجبين، وللعلماء في ذلك أقوال: القول الأول: -وهو قول الحسن، وأهل الظاهر-أن تجرى هذه الآيات على العموم، ففي أي وقت، وأي موضع قرئ القرآن يجب على كل أحد الاستماع له، والسكوت. الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة، روي عن أبي هريرة-﵁: أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم، فأمروا بالسكوت، والاستماع لقراءة القرآن. وقال عبد الله، كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: سلام على فلان، وسلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ..﴾. إلخ. الثالث: أنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. روي عن أبي هريرة: قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله ﷺ . وعن ابن مسعود ﵁: أنه سمع ناسا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف، قال: أما آن لكم أن تفقهوا ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله. الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة. وهذا القول قد اختاره جماعة، وفيه بعد؛ لأن الآية مكية، والخطبة إنما وجبت يوم الجمعة بالمدينة، واتفقوا على أنه يجب الإنصات حال الخطبة بدليل السنة. واختلف العلماء في القراءة خلف الإمام: فذهب جماعة إلى إيجابها، سواء جهر الإمام بالقراءة، أو أسر، يروى ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، ﵃ أجمعين. وهو قول الأوزاعي، وإليه ذهب الشافعي.. وذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ فيما جهر الإمام فيه، يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وبه قال مالك، والزهري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.

стр. 2108

وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام، أو جهر، يروى ذلك عن جابر، وإليه ذهب أصحاب الرأي. أي: السادة الأحناف. حجة من لا يرى القراءة خلف الإمام ظاهر هذه الآية، وحجة من قال: يقرأ في السرية دون الجهرية، قال: إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن، ودلت السنة على وجوب القراءة خلف الإمام، فحملنا مدلول الآية على صلاة السرية، وحملنا مدلول السنة على صلاة الجهرية، جمعا بين دلائل الكتاب، والسنة. وحجة من أوجب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية قال: الآية واردة في غير الفاتحة؛ لأن دلائل السنة قد دلت على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يفرق بين السرية والجهرية، ويدل عليه ما روي عن عبادة بن الصامت؛ قال: صلّى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «أراكم تقرءون وراء إمامكم!». قال، قلنا يا رسول الله: أي والله! قال: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». أخرجه الترمذي بطوله، وأخرجاه في الصحيحين أقصر منه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج، يقولها ثلاثا». أي غير تمام. انتهى. بتصرف بسيط، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: (إذا): انظر الآية رقم [٢٠١]. ﴿قُرِئَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا): إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَاسْتَمِعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (استمعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز اعتبار اللام زائدة، فيكون الضمير مجرورا لفظا، منصوبا محلاّ على أنه مفعول به. وجملة: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة، وما ذكرته من الترجي في الآية رقم [٦٣]. ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)﴾ الشرح: ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية [٣]. ﴿نَفْسِكَ:﴾ انظر (النفس) في الآية رقم [٩]. ﴿تَضَرُّعاً:﴾ انظر الآية رقم [٥٥]. ﴿وَدُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿بِالْغُدُوِّ:﴾ جمع غدوة بضم الغين، وهي ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس، وقيل: إلى الضحوة الكبرى، والغداة في الأصل: الضحوة، ولو حملها حامل على أول النهار؛ جاز له التذكير، والجمع: غدوات. ﴿وَالْآصالِ:﴾ جمع: أصيل، وهو الوقت بين العصر، والمغرب، ويجمع أيضا على أصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: أصائل جمع

стр. 2109

أصل، أي فهو جمع الجمع. وليس بشيء. هذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء، فيشبه لون أشعته في الماء لون الذهب وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران)، والآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام)، ففيهما كبير فائدة. هذا؛ و (خيفة) أصلها: (خوفة) فوقعت الواو ساكنة إثر كسرة، فقلبت ياء، فهو واوي الأصل من الخوف. تنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-الخطاب للنبي ﷺ ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه عام لسائر المكلفين، ثم قال: والمعنى: اذكر ربك بالبكر، والعشيات. وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يا قوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله ، وأما وقت الآصال، وهو آخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يا قوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله، . ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ أي: عما يقربك إلى الله تعالى من ذكر، وصلاة وغيرهما، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي نَفْسِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَضَرُّعاً:﴾ حال من الفاعل المستتر، بمعنى: متضرعا متذللا. وقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف. ﴿وَخِيفَةً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَدُونَ:﴾ قدر البيضاوي ما يلي: ومتكلما كلاما فوق السر، ودون الجهر، وهذا يعني أن (دون) معطوف على محذوف هو (فوق) وهذا متعلق بمحذوف معطوف بدوره على ﴿تَضَرُّعاً﴾ و (خيفة)، وقول أبي البقاء: معطوف على «تضرع»، والتقدير: مقتصدين؛ لا وجه له، و (دون) مضاف، و ﴿الْجَهْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْجَهْرِ،﴾ ويجوز تعليقهما بالجهر نفسه لأنه مصدر، وقول الجمل: «كأن هذا حال من: (دون)، أي حال كون الدون كائنا من القول» لا وجه له. ﴿بِالْغُدُوِّ:﴾ متعلقان بالفعل: (اذكر). (الآصال): معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب (لا)، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْغافِلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ وجملة: ﴿وَلا تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اذكر...) إلخ لا محل لها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ:﴾ المراد بهم الملائكة بالإجماع، والمراد بالعندية: القرب من الله بالزلفى، والرضا، لا المكانية. وفي القرطبي: ومعنى العندية: أنهم في مكان لا ينفذ فيه

стр. 2110

إلا حكم الله. وقيل: هذا على جهة التشريف لهم، وأنهم بالمكان المكرم، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ..﴾. إلخ: عدم الكبر يجر للطاعة، والطاعة إما قلبية، وإما بدنية، فأشار للأولى بقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ لأن التسبيح: التنزيه، والتعظيم، وهو يكون باللسان. وإلى الثانية بقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يخصونه بالخضوع، والتذلل، والسجود برهان ذلك، وهو يكون بالبدن. تنبيه: يسن سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية، وهي أول آية يسن السجود عند تلاوتها، والآيات التي يسن السجود لتلاوتها هي أربع عشرة، والدليل هو سجود النبي ﷺ . فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة. متفق عليه، وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السّجدة، فسجد؛ اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار!». رواه مسلم. والله أعلم. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. (له): متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ،﴾ فهي في محل رفع، والفعل المضارع في الجمل الثلاث مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة فاعله. تمت سورة (الأعراف) بحمد الله، وتوفيقه، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يعين على إتمامه، وأن ينفع به المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2111

سورة الأنفال هي مدنية كلها، وهو الأصح كما في الخازن، وإن كانت الآيات السبع المذكورة في شأن المؤامرة التي عقدها زعماء قريش ليلة الهجرة في مكة، إذ لا يلزم من كون الواقعة في مكة أن تكون الآيات التي في شأنها كذلك، فالآيات المذكورة، نزلت بالمدينة تذكيرا للنبي ﷺ بما وقع في مكة. وهي خمس وسبعون آية، وألف وخمس وسبعون كلمة، وخمسة آلاف، وثمانون حرفا، وانظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ الشرح: ﴿الْأَنْفالِ﴾: الغنائم، جمع نفل بفتح النون والفاء، هذا والنّفل: الزيادة، ومنه نافلة الصلاة والصوم والحج، والصدقة التي يفعلها الإنسان المسلم زيادة على المكتوبات، وجمع النافلة: نافلات، ونوافل، هذا والنافلة العطية بدون مقابل كأنها مغنم، ومن هذا قوله سبحانه ممتنّا على إبراهيم ﵇ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]. ﴿لِلّهِ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال. ﴿وَالرَّسُولِ﴾: المراد به هنا: محمد ﷺ ، هذا وتعريفه بالنسبة لجميع الرسل: هو ذكر، حر، من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، هذا والنبي مأخوذ من النبأ وهو: الخبر؛ لأنه يخبر عن ربه فيما أوحي إليه، وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأنه رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق. وانظر عدد الأنبياء والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] (النساء). و [٨٦] (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿فَاتَّقُوا﴾: أمر من التقوى وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال

стр. 2112

أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة البقرة، هذا وأصل اتقوا: (اتّقيوا) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة. ﴿ذاتَ﴾: مؤنث ذو، الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي كذا، من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو بذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وقال ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وانظر الآية رقم [١١٩] من آل عمران تجد ما يسرك. ومعنى ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحال التي بينكم أصلحوها بالمودة وترك النزاع، والمواساة والمساعدة فيما رزقكم، وتسليم الأمر لله ورسوله، هذا و «البين» يطلق على الوصال، والفراق، والبعاد، كما رأيت في الآية رقم [٩٤] الأنعام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [١] الأعراف. هذا؛ و «السؤال» في هذه الآية سؤال استفتاء: لأن هذا أول تشريع الغنيمة، و «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى بعن، كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو سألت زيدا مالا. تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة وما بعدها اختلاف المسلمين في غنائم بدر: أنها كيف تقسم؟ ومن يقسم له: المهاجرون، أو الأنصار؟ وقيل: شرط رسول الله ﷺ لمن كان له عناء أن ينفله، فتسارع شبانهم إلى القتال حتى قتلوا سبعين رجلا من المشركين، وأسروا سبعين منهم، ثم طلبوا ما شرط لهم النبي ﷺ من العطية، وكان المال المكتسب من المشركين قليلا، فقال الشيوخ، والوجوه الذين كانوا عند الرايات مرابطين: إنا كنا ردءا لكم، وفئة تنحازون إليها، فنزلت الآية الكريمة، فبينت: أن الغنائم لله ورسوله يجعلانها حيث شاءا، والله قد وكل إلى نبيه أمر تقسيمها، فهو يمتثل أمر الله فيها، فقسمها بينهم على السواء، وانظر الآية رقم [٤٢] الآتية، فإنها ناسخة لحكم هذه الآية، وهذه الآية ناسخة لشرع من كان قبلنا؛ حيث كانت الغنائم محرمة عليهم، إذا هذه الآية ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وفاعل السؤال يعود إلى معلوم، وهو من حضر بدرا. ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، وقيل: ﴿عَنِ﴾ صلة، والأنفال مجرور لفظا، منصوب محلا، وأيد بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين وغيرهم، ﵃ أجمعين «(يسألونك الأنفال)» بدون عن، والصحيح أن هذه القراءة على إرادة حرف الجر. انتهى. جمل، نقلا عن السمين، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَنْفالِ﴾: مبتدأ.

стр. 2113

﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قُلِ﴾ إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالرَّسُولِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿فَاتَّقُوا﴾: الفاء: هي حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها وأمثالها الفصيحة. (اتقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَأَصْلِحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿ذاتَ﴾: مفعول به منصوب، و ﴿ذاتَ﴾ مضاف و ﴿بَيْنِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٤] التوبة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله... إلخ، أي: فإن الإيمان يقتضي أمورا ثلاثة، التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الشرح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: الكاملون في الإيمان. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فزعت لذكر الله، استعظاما له، وتهيبا من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه. ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ أي: كلما جاءهم شيء من عند الله؛ آمنوا به، فيزدادون بذلك إيمانا وتصديقا، وذلك لاطمئنان النفس، ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة أو بالعمل بموجبها، وهو قول من قال: الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو قول الأشاعرة، وهو الصحيح. وقال الماتريدية: الإيمان التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، وتأولوا ما ورد في ذلك بأن الزيادة إنما هي في المؤمن به، وقال الأشاعرة: الإيمان أربعة أقسام: يزيد وينقص، وهو إيمان الأمة إنسا وجنا، ولا يزيد ولا ينقص، وهو إيمان الملائكة على المشهور، ويزيد ولا ينقص، وهو إيمان الأنبياء، وينقص ولا يزيد، وهو إيمان الفساق، وقد احتجوا على ذلك بحجج نقلية وعقلية، فمن النقلية الآية وغيرها، وما روي عن ابن عمر ﵄ أنه سأل النبي ﷺ : الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتّى يدخل صاحبه النار». وقوله ﵊: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة لرجح به». قال اللقاني رحمه الله تعالى: [الرجز] ورجّحت زيادة الإيمان... بما تزيد طاعة الإنسان

стр. 2114

ونقصه بنقصها، وقيل: لا... وقيل: لا خلف كذا قد نقلا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٥] التوبة و [١٢٦] منها تجد ما يسرك، وكذلك الآية رقم [٦٧] المائدة. وجملة القول إن الإيمان هو التصديق، وإن النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وإن الإيمان يزيد، وينقص كما هو التحقيق نتيجة لأعمال الفرد. وانظر شرح (زاد) في الآية رقم [٦٨] الأنعام، ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: يفوضون أمورهم، ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه. وانظر شرح ﴿رَبِّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] الأعراف. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: انظر الآية رقم [٦٢] الآتية. تنبيه: ذكر الله في هذه الآية: أن المؤمنين يخافون الله عند ذكره، وذكر في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ والجمع بين الآيتين: أن الخوف يكون من ذكر عقابه، والاطمئنان يكون بذكره بصفات الجمال، فينشرح الصدق بنور المعرفة، ويطمئن القلب بقوة اليقين، وهذا مقام الخوف والرجاء، وقد جمعا في آية واحدة ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ والمعنى: تقشعر جلودهم من خوف عقاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله رجاء ثوابه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقابه، لا كما يفعله جهال العوام، والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم: أن ذلك وجد وخشوع، لم تبلغ أن تساوي حال الرسول، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله، والبكاء خوفا من الله. انتهى. وانظر الآية رقم [٣٥]. تنبيه: فإذا كانت الآية الكريمة قد أفادت: أن إيمان الصحابة كان يزداد بنزول الآيات، فآية البقرة رقم [١٠] قد أفادت بأن نفاق المنافقين كان يزداد نفاقا كلما نزلت الآيات القرآنية، وكذلك الآية رقم [١٢٥] وما بعدها من سورة التوبة. الإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [٢٠٠] الأعراف. ﴿ذُكِرَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ﴾: نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وجملة ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول، والجملة الاسمية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها، وإعراب ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ واضح إن شاء الله تعالى، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، فهو من جملة الصلة. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما، الهاء ضمير

стр. 2115

متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط الواو والضمير، أو هي مستأنفة، وجوز عطفها على جملة الصلة وعلى هذين الوجهين لا محل لها. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ الشرح: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ..﴾. إلخ أي: يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها، وينفقون أموالهم فيما أمرهم الله به في وجوه الخير، ويدخل فيه النفقة في الزكاة، والحج، والجهاد، وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والطاعات. انتهى. خازن بتصرف، هذا؛ وانظر شرح الصلاة والزكاة في الآية رقم [٦] التوبة. هذا؛ وقد قال الزمخشري: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق ونفد، ونفث، ونفخ ونفش... إلخ، هذا؛ وأصل يقيمون: (يؤقومون) حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل: أأقوم، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار. (يقومون) ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف، فصار (يقومون) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل أجاب يجيب، وأكرم يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من يؤمنون؛ لأن ماضيه آمن، وأصله أأمن، والمضارع يؤأمن أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز] فإنّه أهل لأن يؤكرما ولا تنس: أن هذه المزيدة تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم ومكرم، والقياس مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك، تنبه لذلك واحفظه، وقل في ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ما قلته فيه، فإنه من أنفق الرباعي أيضا. تنبيه: وصف الله المؤمنين في هذه الآيات بخمس صفات: ثلاث منها قلبية، وهي المذكورة في الآية السابقة، واثنتان في هذه الأولى، إحداهما: بدنية، وهي الصلاة. وثانيتهما: مالية، وهي إنفاق الأموال، وانظر ما وصف الله بها المتقين في مطلع سورة البقرة، وما وصف به المخبتين في سورة الحج رقم [٣٥] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

стр. 2116

الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: بدل مما قبله، وقول الجمل: صفة ل ﴿الَّذِينَ﴾ قبله لا وجه له البتة، وجملة ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ صلته لا محل لها. ﴿وَمِمّا﴾: متعلقان بما بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: رزقناهم إياه، ولا تحتمل (ما) المصدرية، وجملة: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: أي: الموصوفون بالصفات الخمس المذكورة. ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا؛﴾ لأنهم حققوا إيمانهم بمكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص، والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح؛ التي هي عبارة عن الصلاة، وإنفاق الأموال. انتهى. بيضاوي بتصرف، ومعنى ﴿حَقًّا﴾: يقينا لا شك فيه، قال الخازن: وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمنا حقا؛ لأن الله إنما وصف بذلك أقواما مخصوصين على صفات مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الصفات فيه، وللفقهاء اختلاف في ذلك ونحوه. فقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يجوز أن يقول المسلم: أنا مؤمن حقا، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وقال الشافعي-رحمه الله تعالى-يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله ولكل وجهة هو موليها. ﴿دَرَجاتٌ﴾: كرامة وعلو منزلة. وقيل: درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم؛ لأن المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ بتلك الأوصاف المذكورة، ودرجات الجنة على قدر الأعمال، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين مائة عام». أخرجه الترمذي. وله أيضا عن أبي سعيد الخدري-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة مائة درجة، لو أنّ العالمين اجتمعوا في إحداهنّ لوسعتهم». ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب. هذا؛ ومعنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ،﴾ هذه العندية عندية تشريف، لا عندية مكان وإحاطة، وقيل: المراد بها: المجاز عن قربهم بالتكرمة، وعلو الشأن. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع إلخ، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا مبنيا على السكون في محل رفع. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾:

стр. 2117

خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: أحقه حقا، أو هو صفة لمصدر محذوف، التقدير: هو المؤمنون إيمانا حقا، أو هو حال مؤكد لمضمون الجملة الاسمية، كقولك: هو عبد الله حقا، أي: حالة كونه محقا. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿دَرَجاتٌ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾: معطوفان على ﴿دَرَجاتٌ،﴾ ﴿كَرِيمٌ﴾: صفة (رزق)، والجملة الاسمية ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾: هذا خطاب من الله تعالى لرسوله ﷺ ، وهذا الخروج كان للتعريض لعير قريش، ثم تحول للقتال في وادي بدر، وذلك أن عير قريش رجعت من بلاد الشام، وفيها تجارة عظيمة، ومعها أربعون رجلا بزعامة أبي سفيان بن حرب، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ بذلك، فندب المسلمين لتلقيها، ففرحوا لقلة الرجال، وكثرة المال، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة، فوقف أبو جهل فوق الكعبة، ونادى: يا أهل مكة النجاء، النجاء، على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم، إن أصابها محمد، فلن تفلحوا بعدها أبدا. وكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت في منامها قبل ثلاثة أيام: أن ملكا نزل من السماء، فأخذ صخرة من الجبل، فحلق بها فوق مكة ورماها، فلم يبق بيت من مكة إلا أصابه منها، فحدثت بذلك العباس، وبلغ ذلك أبا جهل اللعين، فقال: ما يرضى رجالهم حتى تنبأت نساؤهم، ثم خرج بأهل مكة، وسار بهم إلى بدر، وهو واد فيه ماء، كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة. وكان الرسول ﷺ بوادي دفران، فنزل جبريل ﵇ بالوعد بإحدى الطائفتين، إما العير، وإما قريش، فاستشار فيه أصحابه، فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهل له، إنا خرجنا للعير، فرد عليهم، وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير، ودع العدو، فغضب رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فأحسنا، ثم قال مقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله، فإنا معك حيث ما أحببت ولا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: أشيروا علي أيها الناس، وهو يريد الأنصار؛ لأنهم كانوا قد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء

стр. 2118

من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل. قال: إنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسر ﵊ بذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين: العير أو النفير، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، وانتهت غزوة بدر بقتل سبعين وأسر سبعين من رجال قريش، وعلى رأسهم رأس الكفر أبو جهل الخبيث لعنه الله تعالى. ﴿فَرِيقاً﴾: انظر الآية رقم [٣٠] من سورة الأعراف. ﴿لَكارِهُونَ﴾ أي: الخروج إلى القتال كما رأيت، وتفسير السورة آية آية يوضح لك غزوة بدر، وقد أغرب القرطبي كل الغرابة حين قال: أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم؛ فإن مجرى الآيات لا يؤيده أبدا! الإعراب: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. ﴿أَخْرَجَكَ﴾: ماض، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف المفعول به، أي ملتبسا بالحق، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور، ذكر السمين في تعليقهما عشرين وجها، كلها غير معقولة المعنى سوى اعتبارهما متعلقين بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: قل: الأنفال ثابتة لله والرسول مع كراهيتهم ثبوتا مثل ثبوت إخراج ربك إياك من بيتك، وهم كارهون، وأرى وجها لم يذكره أحد، وهو أن الجار والمجرور متعلقان بخبر محذوف مع مبتدأ محذوف يؤخذ من معنى الكلام السابق، التقدير: شأنهم في اختلاف الغنائم كائن كإخراجك من بيتك بالحق في حال كراهيتهم لهذا الخروج، وقدر الجلال وابن هشام في مغنيه قريبا من هذا، ولكنه غير واضح مثله. تأمل. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿فَرِيقاً﴾: اسم (إن). ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب ﴿فَرِيقاً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿لَكارِهُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (كارهون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية (إن...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾.

стр. 2119

﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾ الشرح: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ..﴾. إلخ: أي يجادلك بعض المؤمنين في إيثارك الجهاد لإظهار الحق، وهم يؤثرون تلقى العير، وجدالهم كان بقولهم: لم تخبرنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا لطلب العير، ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ أي: لهم أنك لا تصنع شيئا إلا بأمر ربك، وتبين لهم صدقك في الوعد. ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ..﴾. إلخ: أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت: وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، لا لضعف إيمانهم. هذا؛ والموت انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿فِي الْحَقِّ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿بَعْدَ ما﴾: (بعد): ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا. (ما): مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الحق في الظاهر، وفي الحقيقة محذوف، انظر تقديره في الشرح، و (ما) المصدرية والفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (بعد) إليه، التقدير: بعد تبيين صدقك في الوعد، وجملة ﴿يُجادِلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من كاف الخطاب، أو من الضمير المستتر في ﴿لَكارِهُونَ﴾ والرابط على الاعتبارين الضمير فقط. ﴿كَأَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يُساقُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿إِلَى الْمَوْتِ﴾: متعلقان به، وجملة ﴿كَأَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿لَكارِهُونَ﴾ فهي حال متعددة، أو من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب الفاعل، والرابط: الواو والضمير، وهي حال متداخلة. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾ الشرح: ﴿يَعِدُكُمُ﴾: انظر إعلال ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] الأعراف. فهو مثله، وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] الأعراف. ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾: العير أو النفير، وانظر الآية رقم [٨٧] (الأعراف)، ﴿وَتَوَدُّونَ﴾: تحبون. ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أي: العير، فإنه لم يكن معها سوى أربعين فارسا، ولذلك تمنوا لقاءها، وكرهوا ملاقاة النفير لكثرتهم وكثرة عددهم، والشوكة: الحدة مستعارة من واحدة الشوك، والمراد غير صاحبة السلاح والقوة والبأس، ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يظهر الحق ويعلي شأنه، والمراد دين الإسلام الذي

стр. 2120

هو الحق لا ريب فيه، انظر ﴿ذاتَ﴾ في الآية رقم [١] وشرح ﴿وَيُرِيدُ﴾ في الآية رقم [٨٩] (الأعراف). وإعلال ﴿يُقِيمُونَ﴾ في الآية رقم [٣] فهو مثله. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أي: الموحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالإمداد، وقال القرطبي، أي بوعده، فإنه وعد نبيه ذلك في سورة الدخان، فقال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: من أبي جهل وأصحابه، وقال ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ هذا؛ وقرئ: «بكلمته»، وانظر شرح ﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية رقم [١٣٧] الأعراف، ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ أي: يهلكهم عن آخرهم، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف). المعنى الإجمالي للآية: إن الله وعدكم على لسان نبيكم أن تفوزوا بكسب إحدى الفرقتين: العير بقيادة أبي سفيان، أو النفير بقيادة أبي جهل، وأنتم ترغبون بكسب الأولى التي ليس فيها حرب ولا طعان، والله يريد إعزاز دينه، وإظهار الحق، وهذا لا يكون إلا بالطعن والنزال، ومحاربة النفير الذي يقوده رأس الكفر، وزعيم الضلالة أبو جهل اللعين. الإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بالفعل المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب على الاعتبارين. ﴿يَعِدُكُمُ اللهُ﴾: مضارع، ومفعوله الأول، وفاعله. ﴿إِحْدَى﴾: مفعوله الثاني، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة، و ﴿إِحْدَى﴾ مضاف، و ﴿الطّائِفَتَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يَعِدُكُمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنَّها﴾: حرف مشبه بالفعل، و «ها»: اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبرها، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿إِحْدَى،﴾ وتقدير الكلام، وإذ يعدكم الله ملك إحدى الطائفتين. ﴿وَتَوَدُّونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿غَيْرَ﴾: اسمها، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿الشَّوْكَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَكُونُ﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره هي يعود إلى ما قبله. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ،﴾ وجملة: ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَتَوَدُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَعِدُكُمُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: «وأنتم تودون...» إلخ وهذه الجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَيُرِيدُ اللهُ﴾: مضارع وفاعله. و ﴿أَنْ يُحِقَّ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾: متعلقان بالفعل (يحق)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة على

стр. 2121

جملة: ﴿يَعِدُكُمُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَيَقْطَعَ﴾: معطوف على ﴿يُحِقَّ،﴾ فهو منصوب مثله، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿دابِرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و ﴿وَيَقْطَعَ﴾ يؤول بمصدر مع الناصب المقدر، وتقدير الكلام، ويريد الله إحقاق الحق وقطع دابر الكافرين. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ الشرح: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ..﴾. إلخ: المعنى أراد الله وقدر أن يلتقي المؤمنون بالكافرين في بدر، وتقع الحرب بين الفريقين ليظهر الحق، وهو دينه، ويعليه على الشرك بمحقه وإذلاله، وكسر شوكته، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: كره المشركون ما تقدم ذكره. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٢] الأعراف وانظر شرح ال ﴿باطِلٌ﴾ في الآية رقم [١٣٩] الأعراف، وتفسير ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ بالمشركين هو في الغالب، ولا تنس أن في المسلمين مجرمين يقترفون الكبائر والمنكرات، ويفعلون الشنيع من السيئات، ولا سيما في هذا العصر الذي طغت فيه المادة، وران على قلوب أكثر المسلمين حب المال والمنصب والجاه، وغير ذلك. تنبيه: لا يقال: إن ما في هذه الآية تكرار لما في قبلها؛ لأن المراد بالأول: تثبيت ما وعد الله به في هذه الواقعة من النصرة، والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني: تقوية الدين وإظهار الشريعة؛ لأن ما وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم، ومن قهر الكافرين مع كثرتهم، كان سببا لإعزاز الدين وقوته. انتهى. جمل بتصرف. أقول: لذا لما ترامت الأنباء بهذا النصر المظفر لم تكد قبائل العرب المنتشرة في الجزيرة العربية تصدق به، وكذلك دهش اليهود المقيمون في المدينة له. الإعراب: ﴿لِيُحِقَّ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَيُبْطِلَ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْباطِلَ﴾: مفعول به، و ﴿وَيُبْطِلَ﴾ يؤول بمصدر مع الناصب المقدر، معطوف على ما قبله، وتقدير الكلام: أراد الله ما حصل وقدره لإحقاق الحق، ولإبطال الباطل. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ﴾: ماض. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل مرفوع... إلخ، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿وَلَوْ كَرِهَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من إحقاق الحق وإبطال الباطل، والرابط: الواو، والضمير الذي رأيت تقديره، وانظر الآية رقم [٨٢] من سورة (يونس) ﵇.

стр. 2122

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ الشرح: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تطلبون الغوث منه تعالى، والغوث: النجاة والمعاونة، واستغاثة الرسول ﷺ والمؤمنين كانت لما علموا وأيقنوا أن لا محيص من القتال أخذوا يقولون: ربنا انصرنا على أعدائك، أغثنا يا غياث المستغيثين! وعن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نظر إلى المشركين، وهم ألف، وإلى أصحابه، وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فقال أبو بكر: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. والسين والتاء للطلب، بخلافهما بقوله ﴿فَاسْتَجابَ﴾ فإنهما زائدتان؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب ﴿مُمِدُّكُمْ﴾: معينكم ومقويكم. ﴿بِأَلْفٍ﴾: وعدهم الله أولا بألف من الملائكة، ثم صاروا ثلاثة، ثم خمسة آلاف، كما في سورة (آل عمران) الآية رقم [١٢٤] وما بعدها. ﴿الْمَلائِكَةِ﴾: انظر الآية رقم [١١] الأعراف، ﴿مُرْدِفِينَ﴾: متبعين المؤمنين أو متبعين بعضهم بعضا، وقرئ بفتح الدال بصيغة المفعول، بمعنى: يتبعهم غيرهم، وقرئ بتشديد الدال مع فتحها وكسرها وتثليث الراء. هذا؛ وقال سبحانه في سورة (آل عمران) ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ وما أجدرك أن تنظر ذلك هناك مع ما ذكرته من الحكمة في قتال الملائكة، فإنه جيد بحمد الله تعالى وتوفيقه. ﴿رَبَّكُمْ﴾: انظر الآية [٣] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ،﴾ أو هي على إضمار: «اذكر»، أو هي متعلقة بالفعل ليحق، ونحوه. ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَاسْتَجابَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان به، وجملة: ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وساغ عطف الماضي على المضارع؛ لأن الأول حكاية حال ماضية، وإن كان مضارعا. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مُمِدُّكُمْ﴾: خبر (أن)، والكاف: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول

стр. 2123

لقول محذوف، أو هي في محل نصب ب (استجاب)؛ لأن الاستجابة من القول. تأمل. ﴿بِأَلْفٍ﴾: متعلقان ب ﴿مُمِدُّكُمْ؛﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (ألف). ﴿مُرْدِفِينَ﴾: بفتح الدال حال من الكاف، أو هو صفة (ألف)، وبكسر الدال يحتمل الصفة ل (ألف)، أو هو حال من الملائكة، واعتباره صفة لها لا يحسن لأنه نكرة، وهي معرفة. ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ الشرح: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾: الهاء تعود على الألف، وقيل: تعود على الإرداف المفهوم مما قبله، وقيل: تعود على الإمداد المفهوم مما قبله، وقيل: تعود على قبول الدعاء المفهوم مما قبله، وكذلك الهاء في ﴿بِهِ﴾ تحتمل الوجوه كلها. انتهى. مكي بتصرف. ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿بُشْرى﴾: بشارة لكم بالنصر والعزة والكرامة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾: لتهدأ وتسكن قلوبكم، فيزول ما بها من الخوف، فكان ما ذكر من مرجع الضمير بمنزلة السكينة لبني إسرائيل، بشارة بالنصر، وطمأنينة للقلوب. ﴿وَمَا النَّصْرُ..﴾. إلخ: أي لا من عند المقاتلة، ولا من عند الملائكة، ولكن الإمداد مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة، وكذلك كثرة العدد، فلا تيأسوا من النصر بفقد ما ذكر ﴿عَزِيزٌ﴾: قوي غالب على أمره. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأمور مواضعها، وقدم عزيز لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. تنبيه: هذه الآية ذكرت بجميع ألفاظها بسورة (آل عمران) برقم [١٢٦] مع تقديم وتأخير ببعض ألفاظها، وذكر الله بعدها هناك قوله ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ وهذه الآية بينت نتائج القتال في بدر. الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلَهُ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بُشْرى﴾: مفعول لأجله مستثنى من عموم العلل، أو هو مفعول به ثان، والأول أقوى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، هذا؛ وحذف المتعلق، وذكر في آل عمران، وهو لكم. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿قُلُوبُكُمْ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على ﴿بُشْرى،﴾ فهما مفعول لأجله، وجر باللام لفقد شرط النصب من اتحاد الفاعل كما لا يخفى. انتهى. جمل. أو هما

стр. 2124

متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعل ذلكم بكم لاطمئنان قلوبكم، وهذا على اعتبار ﴿بُشْرى﴾ مفعولا به ثانيا، والأول أقوى كما رأيت. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿النَّصْرُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية تعليل لحصر ﴿(النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ)﴾ لا محل لها. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)﴾ الشرح: ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ يقرأ بتخفيف الشين من أغشاه. أي: أنزله بكم، وأوقعه عليكم، ويقرأ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بتشديد الشين، من غشّاه تغشية غطاه، ويقرأ «(يغشاكم النعاس)» مثل: يلقاكم من غشيه إذا أتاه وأصابه، فيه ثلاث قراءات سبعية، فعلى الأولين يكون ﴿النُّعاسَ﴾ مفعولا به، وعلى الأخيرة يكون فاعلا، هذا؛ والنّعاس والسّنة والوسن: أوائل النوم. ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أمنا منه تعالى أي: أمانا لكم من عدوكم أن يغلبكم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، والفائدة في كون النعاس أمنة في القتال: أن الخائف على نفسه لا يأخذه النوم، فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلا على الأمن، وإزالة الخوف، وانظر الآية رقم [١٥٤] من سورة (آل عمران)، تجد مثل ذلك، ولكن هناك حصل نعاس لم يعقبه نوم، بخلافه هنا، كما ستعرفه. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: يطهركم بالماء من الجنابة التي حصلت لبعضكم بالاحتلام، انظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [٩٦] الأعراف. ﴿السَّماءِ﴾: انظر الآية رقم [٩٩] من سورة (الأنعام)، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾: وسوسة الشيطان، والرجز: العذاب كما رأيت في الآية رقم [١٣٤] الأعراف، وجاز أن يسمى رجزا لأنه سبب للرجز، وهو العذاب، وقرئ «(رجس)» بالسين، وهو في الأصل الشيء القذر، فجعل ما يفضي إلى العذاب رجسا استقذارا له. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: باليقين والصبر، والربط في اللغة: الشد، وكل من صبر على أمر، فقد ربط نفسه عليه، ففيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشد بالحبل. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ أي: بالماء الذي نزل. روي أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل أعفر، تسوخ فيه الأقدام، وحوافر الدواب، وكان المشركون قد سبقوهم إلى ماء بدر، فنزلوا عليه، وأصبح المسلمون على غير ماء، وبعضهم محدث، وبعضهم جنب، وأصابهم العطش، فوسوس لهم الشيطان وقال:

стр. 2125

تزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله، وأنتم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ترجون أن تظهروا على عدوكم؟ فأنزل الله مطرا سال منه الوادي، فشرب منه المؤمنون، واغتسلوا، وتوضئوا، وسقوا الركاب، وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبّد الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت نفوسهم، وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك، وكان دليلا على حصول النصر والظفر. انتهى. خازن بتصرف. الإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل ثان من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أو هو متعلق ب ﴿النَّصْرُ،﴾ أو بإضمار (اذكر). ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الله. ﴿النُّعاسَ﴾: مفعول به ثان، هذا؛ وعلى قراءة «(يغشاكم النعاس)» يكون ﴿النُّعاسَ﴾ فاعلا، كما رأيت في الشرح. ﴿أَمَنَةً﴾: مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، والأول أرجح. ﴿أَمَنَةً﴾: متعلقان ب ﴿أَمَنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَيُنَزِّلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة (نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا). ﴿السَّماءِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿وَيُنَزِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (ينزل). ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيُذْهِبَ﴾: مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿رِجْزَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ﴾ مضاف إليه، وإعراب الباقي مثل سابقه بلا فارق، وهو واضح إن شاء الله تعالى. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)﴾ الشرح: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: أوحى الله إلى الملائكة الذين أمد بهم النبي ﷺ ، وأصحابه: أني معكم بالمعونة والنصر، وانظر (الوحي) في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء). ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قووا قلوبهم، واختلف في كيفية هذه التقوية، والتثبيت، فقيل: كما أن للشيطان قوة إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة في إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير، ويسمى الأول: وسوسة. والثاني: لمة، وإلهاما، وقيل: إن التثبيت هو حضورهم معهم القتال. ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: الخوف،

стр. 2126

وكان ذلك نعمة من الله على المؤمنين، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١]. ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾: هذا الأمر للملائكة، وفيه دليل على أنهم باشروا القتال، وهو المعتمد، فيكون متصلا بما قبله، وقيل: هذا أمر للمؤمنين فيكون منقطعا عما قبله، والمراد ب ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾: الرءوس. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ أي: كل مفصل من أجسامهم. وقال ابن عباس-﵄-يعني الأطراف، هذا؛ و «بنان» جمع: بنانة، وهي أطراف الأصابع، سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن الإنسان أن يبين ما يريد أن يعمله بيديه، وإنما خصت بالذكر من دون سائر الأطراف؛ لأن الإنسان يقاتل بها، ويمسك بها السلاح في الحرب، هذا؛ وقوله تعالى في سورة (القيامة) ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ يلفت النظر إلى أهمية خلق البنان حيث جعل خلقها دليلا على قدرته، وقد ظهرت في هذا العصر حكمة ذلك حيث ثبت أن بنانة شخص لا تشبه بنانة آخر، ولذا يعتمد على طبعة البنانة في الوثائق التي تدون بين المتعاملين بالنسيئة، هذا؛ والإلقاء في الأجرام: الطرح والرمي والقذف، فاستعير ﴿سَأُلْقِي﴾ هنا للمعاني. تنبيه: روي عن أبي داود المازني-وكان شهد بدرا-قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وعن سهل بن حنيف، قال: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك، فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. انتهى خازن. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل ثالث من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أو هو متعلق بالفعل (يثبت) أو ب (اذكر) محذوفا. ﴿يُوحِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَى الْمَلائِكَةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (أن)، والكاف في محل جر بالإضافة، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وقيل في محل جر بحرف جر بمحذوف، التقدير: بأني، هذا؛ وقد قرئ بكسر الهمزة، وفيها وجهان: أحدهما: أن ذلك على إضمار القول، وهو مذهب البصريين، والثاني على إجراء ﴿يُوحِي﴾ مجرى القول؛ لأنه بمعناه، وهو مذهب الكوفيين. ﴿فَثَبِّتُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١]. (ثبتوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الأعراف) وجملة: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿سَأُلْقِي﴾: السين: حرف وعد هنا

стр. 2127

وتحقيق. (ألقي): مضارع مثل ﴿يُوحِي،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿فِي قُلُوبِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿الرُّعْبَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿سَأُلْقِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاضْرِبُوا﴾: مثل ﴿فَثَبِّتُوا﴾ وتقدير الكلام، وإذا كان ذلك واقعا ﴿فَاضْرِبُوا﴾. ﴿فَوْقَ﴾: فيه أوجه: أحدها: أنه ظرف مكان متعلق بما قبله، والمفعول محذوف، التقدير: اضربوهم فوق الأعناق، وثانيها: أنه مفعول به على الاتساع، وهذا غير جيد؛ لأنه ظرف غير متصرف، وثالثها: أن ﴿فَوْقَ﴾ بمعنى على، أي: على الأعناق. ويكون المفعول محذوفا، تقديره: فاضربوهم على الأعناق، ورابعها: أن ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، أي: اضربوا الأعناق. قاله الأخفش، وهو غير مسلم؛ لأن زيادة الأسماء لا تجوز، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿كُلَّ بَنانٍ،﴾ كان صفة له، كما في الآية السابقة. ﴿كُلَّ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿بَنانٍ﴾ مضاف إليه وجملة: ﴿وَاضْرِبُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى الضرب المذكور في الآية السابقة والأمر به، وأيضا إلقاء الرعب في قلوبهم، يدخل تحت الإشارة. ﴿شَاقُّوا﴾: خالفوا الله ورسوله، والمشاقة: المخالفة؛ لأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق خلاف شق الآخر، وانظر شرح الاسمين الكريمين في الآية رقم [١]. ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾: هذا وعيد وتهديد، وفحواه: أن ما وقع بهم في الدنيا من قتل وأسر شيء قليل بجانب ما أعد الله لهم في الآخرة من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، هذا؛ و ﴿يُشاقِقِ﴾ هنا بالفك، وفي سورة الحشر بالإدغام، ولم أر من تعرض للفرق بينهما، ولا أرى سوى: أنهما قراءتان والقراءة توقيفية، والقواعد النحوية تجيز في المضارع المضعف المجزوم بجازم الفك والإدغام، هذا؛ وللشقاق ثلاثة معان: أحدها الخلاف، كما في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ الآية رقم [٣٥] من سورة (النساء)، والثاني: العداوة مثل قوله تعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ الآية رقم [٨٨] من سورة (هود) ﵇، والثالث: الضلال مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ الآية رقم [٥٣] من سورة (الحج) وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ رقم [١٧٥] من سورة (البقرة). الإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.

стр. 2128

﴿شَاقُّوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿شَاقُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أي: ذلك قد وقع بهم بسبب كونهم شاقوا.. إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشاقِقِ﴾: مضارع فعل الشرط، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على ما قبله. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَدِيدُ﴾: خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، إذ التقدير: شديد عقابه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو (من) فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ ولا بد من تقدير رابط في جملة الجواب، أي: شديد العقاب له، هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، أي: من يشاقق الله ورسوله يعاقبه الله، فتكون الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾: الإشارة إلى ما تقدم ذكره في الآية السابقة، والخطاب للكفار، وفي الآية السابقة للنبي ﷺ ، فيكون في الكلام التفات من المفرد إلى الجمع، وانظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام). ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أي: ذوقوا ما تقدم ذكره، ففي ذلك استعارة تصريحية تبعية، حيث شبه ما حل بهم بالطعام الذي يؤكل، ثم حذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإذاقة، هذا؛ والذوق يكون محسوسا ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا فذق ما عنده، قال الشماخ يصف فرسا: [الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز وأصله من الذوق بالفم. انتهى. قرطبي، وانظر الآية رقم [١٠٦] من (آل عمران). ﴿النّارِ﴾: أصلها النّور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي. وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك.

стр. 2129

الإعراب: ﴿ذلِكُمْ﴾: ذكر فيه السمين أربعة أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: العقاب ذلكم، أو: الأمر ذلكم. الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ذلكم العقاب، وعلى هذين يكون ما بعده كلاما مستأنفا، والثالث: أن ﴿ذلِكُمْ﴾ مبتدأ، والخبر ما بعده، وهذا على رأي الأخفش، الذي يرى زيادة الفاء في الخبر مطلقا، أعني: سواء تضمن المبتدأ معنى الشرط أم لا، وأما غيره فلا يجيز زيادتها إلا بشرط أن يكون المبتدأ مشبها لاسم الشرط، أي: كما في الآية رقم [١٥] من سورة (النساء). والآية رقم [٤١] من سورة (المائدة). الرابع: أن ﴿ذلِكُمْ﴾ منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، ويكون من باب الاشتغال. انتهى. جمل بتصرف كبير. ﴿فَذُوقُوهُ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي زائدة انظر الإعراب المتقدم. (ذوقوه): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي مفسرة حسب ما رأيت فيما تقدم من الإعراب. ﴿وَأَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلْكافِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) تقدم على اسمها. ﴿عَذابَ﴾: اسمها المؤخر، و ﴿عَذابَ﴾ مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، و ﴿وَأَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ﴿ذلِكُمْ﴾ على جميع الوجوه المذكورة فيه، أو هو في محل نصب على أنه مفعول معه، هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا فيكون الرابط الواو فقط. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: هذا النداء يعم كل مؤمن في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، وانظر «الإيمان» في الآية رقم [٢] من سورة (الأعراف) ﴿إِذا لَقِيتُمُ..﴾. إلخ: أي: في الحرب، ومعنى ﴿لَقِيتُمُ﴾: قابلتم، ومصدره «اللّقي» بضم اللام وكسر القاف، و «اللّقى» بضم اللام مقصورا، و «اللقاء» بكسرها ممدودا ومقصورا، ﴿زَحْفاً﴾ أي: زاحفين، هذا؛ والزحف الدنو قليلا قليلا، وأصله: الاندفاع على الإلية، ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا، يقال: زحف إلى العدو زحفا، أي: مشى بعضهم إلى بعض. ﴿الْأَدْبارَ﴾: جمع دبر، أي: فلا تعطوا ظهوركم إلى الكفار منهزمين، فإن المنهزم يولي ظهره ودبره. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و «ها»: حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٨] الأعراف ففيها الدواء الشافي. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقِيتُمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، مبني على الفتح

стр. 2130

في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿زَحْفاً﴾: حال من الفاعل والمفعول بمعنى متزاحفين يدبون إليكم، وتدبون إليهم فلا تنهزموا، أو من الفاعل وحده. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (لا): ناهية. ﴿تُوَلُّوهُمُ﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿الْأَدْبارَ﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محل له مثل الجملة الندائية، إذ هي مستأنفة مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ﴾ أي: ومن ينهزم ويعط ظهره للكفار يوم الحرب والقتال، إلا محتالا بأن يري عدوه من نفسه الانهزام، وقصده طلب الكرة على العدو، والعود إليه، وهذا من مكايد الحرب وخدعها. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ﴾: أو منضما إلى جماعة أخرى من المؤمنين ليستعين بهم، ويتقوى بكثرتهم. ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: رجع بغضب من الله واستحق عقابه. ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: مستقره وملجؤه جهنم، وانظر الآية رقم [١٥١] من سورة (آل عمران) للفرق بين مأوى ومثوى. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس المرجع والمآل. هذا؛ وانظر شرح ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الأعراف). ﴿فِئَةٍ﴾: جماعة من الناس، وهي اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل قوم وفريق ومعشر... إلخ. ﴿وَبِئْسَ﴾: انظر الآية رقم [٤٠] الآتية. تنبيه: جاء في الحديث الشريف عدّ الفرار من القتال في السبع الموبقات، ولا يكون هذا إلا إذا كان العدو دون مثلي جيش المسلمين. أما إذا كان العدو أكثر من ضعفي عدد المسلمين، فإن الفرار يوم الزحف لا يكون كبيرة، وانظر آية المصابرة الآية رقم [٦٥] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوَلِّهِمْ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من)، والهاء: مفعول به أول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿دُبُرَهُ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُتَحَرِّفاً﴾: حال من

стр. 2131

الفاعل المستتر، وقيل: منصوب على الاستثناء من المولين، التقدير: إلا رجلا متحرفا. ﴿لِقِتالٍ﴾: متعلقان ب ﴿مُتَحَرِّفاً﴾. ﴿مُتَحَيِّزاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿إِلى فِئَةٍ﴾: متعلقان به. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿باءَ﴾: ماض والفاعل يعود إلى (من) أيضا تقديره: «هو». ﴿بِغَضَبٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب (غضب)، أو بمحذوف صفة له، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٣] والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَأْواهُ﴾: الواو: واو الحال. (مأواه): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل باء المستتر، والرابط الواو والضمير، وعطفها على جملة جواب الشرط لا يأباه المعنى: ﴿وَبِئْسَ﴾: الواو: حرف استئناف. (بئس): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: فاعله، والمخصوص الذم محذوف، التقدير: وبئس المصير جهنم، وهذا المخصوص فيه وجهان: كونه مبتدأ مؤخرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدم، وكونه خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هي جهنم، والجملة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين، أي: إنكم لم تقتلوا المشركين يوم بدر، ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: بنصركم عليهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم. ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: لم ترم رميا توصله إلى أعين الكافرين حين رميت التراب، وذريته في الهواء. ﴿وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ أي: الذي أوصل التراب إلى أعينهم إنما هو الله تعالى. هذا؛ وقرئ بتخفيف: «(لكن)» ورفع لفظ الجلالة في الجملتين. ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾ أي: ولينعم الله على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، والعزة والكرامة، هذا؛ وليبلي بمعنى ليختبر، وهذا الابتلاء والاختبار يكون بالخير والشر، انظر الآية رقم [١٦٨] من سورة (الأعراف) -ففيها الكفاية. ﴿سَمِيعٌ﴾: لأقوال المؤمنين ودعائهم واستغاثتهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بنياتهم وخفايا صدورهم، وهما صيغتا مبالغة بمعنى كثير العلم وشديد السمع. ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿بَلاءً﴾: اسم مصدر لا مصدر، وأصله بلاي، وإعلاله مثل إعلال ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [٩٦] من سورة (الأعراف). تنبيه: روي أنه لما طلعت قريش، ورآها الرسول ﷺ ، قال: «اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني». فأتاه جبريل ﵇،

стр. 2132

وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان، تناول كفّا من الحصباء، فرمى بها في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه!»، فلم يبق مشرك إلا وشغل بعينه، فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت الآية. تنبيه: وقيل: المعنى ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء، ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم، وقيل: إنه نزل في طعنة طعن بها الرسول ﷺ أبي بن خلف يوم أحد، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات، وقيل: إن هذا الرمي كان يوم وقعة حنين، وقيل: إن المراد بالرمي السهم الذي رمى به رسول الله ﷺ في حصن خيبر، فأصاب به ابن أبي الحقيق وهو نائم على فراشه، والمعتمد أن الرمي كان في غزوة بدر. الإعراب: ﴿فَلَمْ﴾: الفاء: مفاد كلام الزمخشري: أنها الفصيحة، إذ قدر: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، وأراها حرف استئناف، وقيل: هي لربط الكلام بعضه ببعض، فإن أريد معنى، فلا بأس، وإن أريد إعرابا فلا وجه له. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَقْتُلُوهُمْ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها، أو هو مبتدأ على القراءة الثانية. ﴿قَتَلَهُمْ﴾: ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، أو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿رَمَيْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿رَمَيْتَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَما رَمَيْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وجملة: ﴿وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ إعرابها مثل سابقتها، وهي معطوفة عليها. ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان باسم المصدر بعدهما، وتعليقهما بمحذوف حال منه جيد؛ وعليه فهو في الأصل صفة، فلما قدم عليه صار حالا، انظر الآية رقم [١١] وقيل: يعود الضمير على الظفر، وقيل: على الرمي، وعليهما فالجار والمجرور متعلقان بالفعل (ليبلي). ﴿حَسَناً﴾: صفة ﴿بَلاءً،﴾ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على مثلهما، وهما متعلقان جميعا بفعل محذوف، وتقدير الكلام: فعل الله ذلك؛ ليقهر الكافرين، وليختبر المؤمنين، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها.

стр. 2133

﴿سَمِيعٌ﴾: خبر. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية هذه مستأنفة أيضا لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين، والإشارة إلى البلاء الحسن، وهو النصر والظفر بالمشركين، أو إلى الرمي المذكور في الآية السابقة. ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ..﴾. إلخ: أي: واعلموا أن الله مضعف كيد الكافرين ومذلهم بالقتل والأسر، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، هذا؛ والكيد: المكر كما رأيت في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الأعراف). ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١] وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف). هذا؛ وقد قرئ: «(موهن)» بتشديد الهاء وتخفيفها، وتنوين النون وعدمه. الإعراب: ﴿ذلِكُمْ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ذلكم الإبلاء حق، وقيل: خبر لمبتدإ محذوف. التقدير: المقصود أو الأمر ذلكم، والأمر ذلكم، والأول أصح وأقوى. الواو: حرف عطف.. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مُوهِنُ﴾: خبرها، وهو مضاف، و ﴿كَيْدِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وعلى قراءة التنوين، ف (كيد) مفعول به منصوب. وعلى الوجهين ففاعل ﴿مُوهِنُ﴾ مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ و ﴿كَيْدِ﴾ مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد، و ﴿وَأَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على ﴿ذلِكُمْ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، هذا؛ ويجوز أن يكون المصدر في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واعلموا أن الله... إلخ، وقال الزمخشري: معطوف على (ليبلي)، وليس بشيء. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: الخطاب لأهل مكة على سبيل التهكم؛ لأنهم الذين وقع بهم الهلاك والذلة، وذلك: أنهم حين أرادوا الخروج إلى بدر تعلق أبو جهل وغيره بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وهذا الدعاء في الواقع عليهم، وإن قصدوا به الدعاء على الرسول ﷺ وحزبه، ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: إن تنتهوا عن الكفر ومعاداة الرسول فهو خير لكم لتضمنه سلامة الدارين، و ﴿خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: الجنة أو النار. ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ أي: لمحاربة محمد ومعاداته. ﴿نَعُدْ﴾ أي: لنصرته عليكم. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ..﴾. إلخ:

стр. 2134

أي: لا تنفعكم كثرتكم مهما بلغت، وقوتكم مهما عظمت. ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنصر والمعونة والتأييد، هذا؛ وقرئ بفتح همزة: (أنّ) وكسرها، هذا؛ وقال البيضاوي: وقيل: الآية خطاب للمؤمنين، والمعنى إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال، والرغبة عما يستأثره الرسول ﷺ فهو خير لكم، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار والتوبيخ، أو تهييج العدو، ولن تغني عنكم حينئذ كثرتكم، إذا لم يكن الله معكم بالنصر والتأييد، فإنه مع الكاملين في إيمانهم، ويؤكد ذلك الآية التالية. انتهى. بتصرف. الإعراب: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَسْتَفْتِحُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ﴾: ماض ومفعوله، والميم في الكل علامة جمع الذكور. ﴿الْفَتْحُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وإعراب: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ مثل إعراب ما قبلهما بلا فارق، وهو ظاهر، إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نصب ونفي واستقبال. ﴿تُغْنِيَ﴾: مضارع منصوب ب (لن). ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿فِئَتُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً﴾: مفعول به، وقيل: نائب مفعول مطلق، التقدير: إغناء شيئا. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَثُرَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى فئتكم، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فئتكم، والرابط الواو والضمير، هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية؛ يكن جوابها محذوفا لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (أن)، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و ﴿وَإِنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، قدره السمين بتقديرين: الأول: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت، والثاني: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم، وقدر ثالثا على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: والأمر: أن الله مع المؤمنين، وهذا الوجه الأخير يقرب في المعنى من قراءة الكسر؛ لأنه استئناف. انتهى. بتصرف بسيط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: لا تتولوا عن الرسول ﷺ ، فإن المراد من الآية الأمر بطاعته، والنهي عن الإعراض عنه، وذكر طاعة الله

стр. 2135

للتوطئة، والتنبيه على أن طاعته في طاعة الرسول، لقوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ هذا؛ وقد حذفت تاء المضارعة من الفعل: ﴿تَوَلَّوْا﴾ إذ أصله: تتولوا، وهذا الحذف مستعمل وكثير في الآيات القرآنية، وفي الكلام العربي، هذا؛ وقد قيل: إن الضمير يعود للجهاد، أو للأمر الذي دل عليه الطاعة. ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: القرآن والمواعظ سماع قبول وتصديق، وانظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (الأعراف) -تجد فيها بحثا جيدا في متعلق الفعل، هذا؛ وانظر الحديث في الآية رقم [١٢] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و «ها»: حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٨] الأعراف ففيها بحث جيد. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ انظر الآية رقم [١]، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَلا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَوَلَّوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا﴾ أي: بألسنتهم كالكفرة والمنافقين. ﴿سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع تدبر وتفكر وانتفاع، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق، ومفعول الفعل محذوف كما في الآية السابقة. قال القرطبي: نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم، فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله، فإذا قصر في الأوامر، فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها، فأي: سمع وطاعة عنده؟! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر. انتهى. بتصرف. وانظر القول في الآية رقم [٥] الأعراف. الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فتكون هي

стр. 2136

الخبر، وتكون مضافا، و (الذين) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَمِعْنا﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وإعراب ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ في الآية السابقة، ومحلها كمحلها بلا فارق. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿شَرَّ﴾: انظر الآية رقم [١٢] الأعراف. ﴿الدَّوَابِّ﴾: جمع دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. ﴿الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق سماع تدبر وتفهم. ﴿الْبُكْمُ﴾ أي: عن النطق بالحق، والأول جمع: أصم، وهو فاقد السمع، والثاني جمع: أبكم، وهو المعقود لسانه عن الكلام. ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما يقال لهم، ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكمه وقضائه وتقديره، هذا؛ وقد جعل الله الكفار شر الدواب، وهو ما نوهت به الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، انظرها تجد ما يسرك. قال ابن عباس-﵄: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد ﷺ فقتلوا جميعا يوم أحد، وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويبط بن حرملة ﵄. انتهى. خازن. وقال البيضاوي: عدهم الله من البهائم، ثم جعلهم شرها، لإبطالهم ما ميزوا به، وفضلوا لأجله عن الحيوان، أي: وهو العقل. انتهى. بتصرف. هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أنه مر رجل معتوه على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة-رضي الله عليهم- «هذا رجل مجنون» فقال: «هذا مصاب إنما المجنون من أصر على معصية الله» هذا؛ والعقل: الدية سميت بذلك لأن الإبل المؤداة تعقل بباب ولي المقتول، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿شَرَّ﴾: اسمها، وهو مضاف، و ﴿الدَّوَابِّ﴾: مضاف إليه. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿شَرَّ﴾ لأنه أفعل تفضيل، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف،

стр. 2137

و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿الصُّمُّ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْبُكْمُ﴾: خبر ثان. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر ثالث، وجملة: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ شَرَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي: لو سبق علم الله أن فيهم خيرا، وهذا يكون بتقدير أزلي. ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: الحجج والبراهين إسماع تفهم، ولكن سبق علمه بشقاوتهم. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: وقد علم أن لا خير فيهم. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: لأعرضوا عن الإيمان، ولم ينتفعوا به، أو ارتدوا بعد التصديق والقبول، هذا؛ وقيل: كانوا يقولون للنبي ﷺ : أحي لنا قصيّا، فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك، ونؤمن بك، ويكون المعنى: ولو أسمعهم كلام قصي، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿عَلِمَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِيهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿خَيْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية جواب (لو) الثانية لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال مؤكدة مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ: هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة الإجابة، وتكون بالطاعة والانقياد، وانظر الآية رقم [١] لشرح الاسمين الكريمين. ﴿إِذا دَعاكُمْ﴾ أي: الرسول ﷺ ، وإنما وحد الضمير الفاعل؛ لأن إجابة الرسول استجابة لله تعالى، وإنما يذكران معا للتوكيد، وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه. عن أبي سعيد بن المعلى، قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ»﴾. رواه البخاري.

стр. 2138

هذا؛ واختلف في إجابته ﷺ ، فقيل: إن إجابته لا تقطع الصلاة؛ لأن الصلاة أيضا إجابة، وقيل: إن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير، وهذه الآية مختصة بالنبي ﷺ ، فعلى هذا ليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر، وقيل: لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير، فله أن يقطع صلاته. ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾: قال السدي: هو الإيمان؛ لأن الكافر ميت، فيحيا بالإيمان، وقال قتادة: هو القرآن؛ لأنه حياة القلوب، وفيه النجاة والعصمة في الدارين، وقال محمد بن إسحاق: هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل، وقيل: هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وقيل: هو العلوم الدينية، فإنها حياة القلوب، والجهل موتها، رحم الله القائل: [الرجز] لا تعجبنّ الجهول حلّته... فذاك ميّت، وثوبه كفن ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: قال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن، أو يكفر إلا بإذن الله، قال الخازن: وقد دلت البراهين العقلية على هذا القول؛ لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواعي، وتلك الاعتقادات والدواعي لا بد أن تتقدمها الإرادة، وتلك الإرادة لا بد لها من فاعل مختار، وهو الله، فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء هو الله تعالى. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرّف القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك». متفق عليه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك». فقلنا: يا رسول الله قد آمنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف شاء». أخرجه الترمذي، وهذا الحديث من أحاديث الصفات، فيجب تأويلها لتنزيه الله عن الجارحة والجسم، وقيل: معنى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ هو تمثيل لغاية قربه تعالى من العبد، كقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنها صاحبها، وقيل غير ذلك. وفي ﴿يَحُولُ﴾ استعارة تبعية، فمعنى ﴿يَحُولُ﴾ يقرب، أو تمثيلية، وقيل: مجاز مرسل. انتهى. جمل. هذا؛ و ﴿الْمَرْءِ﴾ بفتح الميم وتضم في لغة، والمراد منه الإنسان، وقرئ: «(المر)» بفتح الميم وتشديد الراء، وتوجيهها أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الراء، ثم شدد الراء، وأجرى الوصل مجرى الوقف. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وانظر الآية رقم [١٧٥] من سورة (النساء). الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٢٠] والمحال عليها. ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿إِذا﴾: ظرف متعلق

стр. 2139

بالفعل ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾. ﴿دَعاكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول، والكاف مفعول به. ﴿لِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وما: تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يُحْيِيكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الرسول، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: يحييكم به، وعلى اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، أي: لإحيائكم، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية ضعيف هنا. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يَحُولُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (اعلموا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و ﴿الْمَرْءِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَقَلْبِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على سابقه، فهو في محل نصب مثله. ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ..﴾. إلخ: أي: احذروا وخافوا فتنة، إن كثرت، ونزل العذاب بسببها لا يقتصر على الظالمين والفاسدين، بل يعم الصالح والمفسد، والتقي والشقي، قال ابن عباس-﵄-أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم العذاب، وهذا هو الذي تعضده الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش: أنها سألت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وفي سنن الترمذي «إنّ الناس إذا رأوا الظّالم، ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده». وانظر الآية رقم [١٠٤] آل عمران والآية رقم [٨١] المائدة وما بعدها، والآية رقم [١٦٢] الأعراف، وما بعدها. هذا؛ وقال البيضاوي: اتقوا ذنبا يعمكم أثره، كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد. وهذا على تفسير الفتنة بالذنب، وأما على تفسيرها بالبلاء الذي يتسبب عن المنكر، وهو العذاب الدنيوي، فيكون بالأمراض الخبيثة، والقحط، والغلاء، وتسلط الظلمة، وغير ذلك كافتراق الكلمة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ﴾

стр. 2140

اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي: أيقنوا أن الله شديد الانتقام ممن عصاه، وممن رضي بالمعصية، وسكت، ولم ينكرها بما يقدر، ويغيرها بيده أو بلسانه، فعن عدي بن عميرة الكندي، قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله العامة والخاصّة». رواه البغوي، والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي المذكور: أن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها». أخرجه أبو داود، والأحاديث في ذلك كثيرة. الإعراب: ﴿وَاتَّقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾: لا: نافية. ﴿تُصِيبَنَّ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم في جواب الأمر، وهو في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر عند البصريين كما يلي: (إن تتقوا فتنة لا تصيبن) وعند الكوفيين كما يلي: (واتقوا فتنة إن أصابتكم لا تصيبن)، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة، لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه، كقوله تعالى حكاية عن قول النملة لجماعتها: ﴿اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا وجه لإعراب هذه الجملة، والوجه الثاني أن الجملة في محل نصب صفة ﴿فِتْنَةً،﴾ و ﴿لا﴾ للنفي، وفيه شذوذ؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، أو هي (لا) الناهية، ولا يصح إلا على تقدير القول كقول الشاعر: [الرجز] حتّى إذا جنّ الظلام واختلط... جاءوا بمذق، هل رأيت الذّئب قط؟ التقدير في الآية الكريمة: اتقوا فتنة مقولا فيها: ﴿لا تُصِيبَنَّ،﴾ وفي البيت: بمذق مقول فيه: هل رأيت... إلخ، فالقول المقدر وقع صفة ل ﴿فِتْنَةً،﴾ ولمذق كما ترى، والوجه الثالث: أن الجملة جواب لقسم مقدر، التقدير: والله لا تصيبن، ويؤيده قراءة من قرأ: «(لتصيبنّ)» بلا ألف، قال المهدوي: يجوز أن تكون اللام مقصورة من (لا) حذفت الألف كما حذفت من (ما) وهي أخت (لا) في نحو: أم والله لأفعلنّ، وشبهه، ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة، أقول: وهذا المعنى غير مراد من الآية كما رأيت فيما سبق، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وقيل: صفة ل ﴿فِتْنَةً،﴾ فيقع المحذور السابق الذي من أجله قدر مقول محذوف لأن القسم إنشاء، وعلى جميع الوجوه المتقدمة فالفاعل مستتر تقديره هي يعود إلى ﴿فِتْنَةً﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿خَاصَّةً﴾: صفة
следующие страницы →