Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
الخبر، وتكون مضافا، و (الذين) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَمِعْنا﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وإعراب ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ في الآية السابقة، ومحلها كمحلها بلا فارق.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿شَرَّ﴾: انظر الآية رقم [١٢] الأعراف. ﴿الدَّوَابِّ﴾: جمع دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. ﴿الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق سماع تدبر وتفهم. ﴿الْبُكْمُ﴾ أي: عن النطق بالحق، والأول جمع: أصم، وهو فاقد السمع، والثاني جمع: أبكم، وهو المعقود لسانه عن الكلام. ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما يقال لهم، ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكمه وقضائه وتقديره، هذا؛ وقد جعل الله الكفار شر الدواب، وهو ما نوهت به الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، انظرها تجد ما يسرك.
قال ابن عباس-﵄: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون:
نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد ﷺ فقتلوا جميعا يوم أحد، وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويبط بن حرملة ﵄. انتهى. خازن.
وقال البيضاوي: عدهم الله من البهائم، ثم جعلهم شرها، لإبطالهم ما ميزوا به، وفضلوا لأجله عن الحيوان، أي: وهو العقل. انتهى. بتصرف.
هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أنه مر رجل معتوه على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة-رضي الله عليهم- «هذا رجل مجنون» فقال: «هذا مصاب إنما المجنون من أصر على معصية الله» هذا؛ والعقل: الدية سميت بذلك لأن الإبل المؤداة تعقل بباب ولي المقتول، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط]
سعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿شَرَّ﴾: اسمها، وهو مضاف، و ﴿الدَّوَابِّ﴾:
مضاف إليه. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿شَرَّ﴾ لأنه أفعل تفضيل، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف،
стр. 2137
و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿الصُّمُّ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْبُكْمُ﴾: خبر ثان. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر ثالث، وجملة: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ شَرَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي: لو سبق علم الله أن فيهم خيرا، وهذا يكون بتقدير أزلي. ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: الحجج والبراهين إسماع تفهم، ولكن سبق علمه بشقاوتهم. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: وقد علم أن لا خير فيهم. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: لأعرضوا عن الإيمان، ولم ينتفعوا به، أو ارتدوا بعد التصديق والقبول، هذا؛ وقيل: كانوا يقولون للنبي ﷺ : أحي لنا قصيّا، فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك، ونؤمن بك، ويكون المعنى: ولو أسمعهم كلام قصي، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿عَلِمَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِيهِمْ﴾:
متعلقان بما قبلهما. ﴿خَيْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية جواب (لو) الثانية لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير، وهي حال مؤكدة مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ: هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة الإجابة، وتكون بالطاعة والانقياد، وانظر الآية رقم [١] لشرح الاسمين الكريمين. ﴿إِذا دَعاكُمْ﴾ أي: الرسول ﷺ ، وإنما وحد الضمير الفاعل؛ لأن إجابة الرسول استجابة لله تعالى، وإنما يذكران معا للتوكيد، وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه. عن أبي سعيد بن المعلى، قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله:
﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ»﴾. رواه البخاري.
стр. 2138
هذا؛ واختلف في إجابته ﷺ ، فقيل: إن إجابته لا تقطع الصلاة؛ لأن الصلاة أيضا إجابة، وقيل: إن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير، وهذه الآية مختصة بالنبي ﷺ ، فعلى هذا ليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر، وقيل: لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير، فله أن يقطع صلاته. ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾: قال السدي: هو الإيمان؛ لأن الكافر ميت، فيحيا بالإيمان، وقال قتادة: هو القرآن؛ لأنه حياة القلوب، وفيه النجاة والعصمة في الدارين، وقال محمد بن إسحاق: هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل، وقيل: هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وقيل: هو العلوم الدينية، فإنها حياة القلوب، والجهل موتها، رحم الله القائل: [الرجز]
لا تعجبنّ الجهول حلّته... فذاك ميّت، وثوبه كفن
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: قال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن، أو يكفر إلا بإذن الله، قال الخازن: وقد دلت البراهين العقلية على هذا القول؛ لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواعي، وتلك الاعتقادات والدواعي لا بد أن تتقدمها الإرادة، وتلك الإرادة لا بد لها من فاعل مختار، وهو الله، فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء هو الله تعالى. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرّف القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك». متفق عليه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك». فقلنا: يا رسول الله قد آمنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف شاء». أخرجه الترمذي، وهذا الحديث من أحاديث الصفات، فيجب تأويلها لتنزيه الله عن الجارحة والجسم، وقيل: معنى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ هو تمثيل لغاية قربه تعالى من العبد، كقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنها صاحبها، وقيل غير ذلك. وفي ﴿يَحُولُ﴾ استعارة تبعية، فمعنى ﴿يَحُولُ﴾ يقرب، أو تمثيلية، وقيل: مجاز مرسل. انتهى. جمل. هذا؛ و ﴿الْمَرْءِ﴾ بفتح الميم وتضم في لغة، والمراد منه الإنسان، وقرئ: «(المر)» بفتح الميم وتشديد الراء، وتوجيهها أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الراء، ثم شدد الراء، وأجرى الوصل مجرى الوقف. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وانظر الآية رقم [١٧٥] من سورة (النساء).
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٢٠] والمحال عليها.
﴿اِسْتَجِيبُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب:
﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿إِذا﴾: ظرف متعلق
стр. 2139
بالفعل ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾. ﴿دَعاكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول، والكاف مفعول به. ﴿لِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وما: تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يُحْيِيكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الرسول، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: يحييكم به، وعلى اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، أي: لإحيائكم، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية ضعيف هنا. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يَحُولُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (اعلموا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و ﴿الْمَرْءِ﴾: مضاف إليه.
﴿وَقَلْبِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على سابقه، فهو في محل نصب مثله.
﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ..﴾. إلخ: أي: احذروا وخافوا فتنة، إن كثرت، ونزل العذاب بسببها لا يقتصر على الظالمين والفاسدين، بل يعم الصالح والمفسد، والتقي والشقي، قال ابن عباس-﵄-أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم العذاب، وهذا هو الذي تعضده الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش:
أنها سألت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وفي سنن الترمذي «إنّ الناس إذا رأوا الظّالم، ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده». وانظر الآية رقم [١٠٤] آل عمران والآية رقم [٨١] المائدة وما بعدها، والآية رقم [١٦٢] الأعراف، وما بعدها.
هذا؛ وقال البيضاوي: اتقوا ذنبا يعمكم أثره، كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد. وهذا على تفسير الفتنة بالذنب، وأما على تفسيرها بالبلاء الذي يتسبب عن المنكر، وهو العذاب الدنيوي، فيكون بالأمراض الخبيثة، والقحط، والغلاء، وتسلط الظلمة، وغير ذلك كافتراق الكلمة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ﴾
стр. 2140
اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي: أيقنوا أن الله شديد الانتقام ممن عصاه، وممن رضي بالمعصية، وسكت، ولم ينكرها بما يقدر، ويغيرها بيده أو بلسانه، فعن عدي بن عميرة الكندي، قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله العامة والخاصّة». رواه البغوي، والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي المذكور: أن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها». أخرجه أبو داود، والأحاديث في ذلك كثيرة.
الإعراب: ﴿وَاتَّقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾:
لا: نافية. ﴿تُصِيبَنَّ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم في جواب الأمر، وهو في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر عند البصريين كما يلي: (إن تتقوا فتنة لا تصيبن) وعند الكوفيين كما يلي: (واتقوا فتنة إن أصابتكم لا تصيبن)، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة، لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه، كقوله تعالى حكاية عن قول النملة لجماعتها: ﴿اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا وجه لإعراب هذه الجملة، والوجه الثاني أن الجملة في محل نصب صفة ﴿فِتْنَةً،﴾ و ﴿لا﴾ للنفي، وفيه شذوذ؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، أو هي (لا) الناهية، ولا يصح إلا على تقدير القول كقول الشاعر: [الرجز]
حتّى إذا جنّ الظلام واختلط... جاءوا بمذق، هل رأيت الذّئب قط؟
التقدير في الآية الكريمة: اتقوا فتنة مقولا فيها: ﴿لا تُصِيبَنَّ،﴾ وفي البيت: بمذق مقول فيه: هل رأيت... إلخ، فالقول المقدر وقع صفة ل ﴿فِتْنَةً،﴾ ولمذق كما ترى، والوجه الثالث: أن الجملة جواب لقسم مقدر، التقدير: والله لا تصيبن، ويؤيده قراءة من قرأ:
«(لتصيبنّ)» بلا ألف، قال المهدوي: يجوز أن تكون اللام مقصورة من (لا) حذفت الألف كما حذفت من (ما) وهي أخت (لا) في نحو: أم والله لأفعلنّ، وشبهه، ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة، أقول: وهذا المعنى غير مراد من الآية كما رأيت فيما سبق، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وقيل: صفة ل ﴿فِتْنَةً،﴾ فيقع المحذور السابق الذي من أجله قدر مقول محذوف لأن القسم إنشاء، وعلى جميع الوجوه المتقدمة فالفاعل مستتر تقديره هي يعود إلى ﴿فِتْنَةً﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿خَاصَّةً﴾: صفة
стр. 2141
لمفعول مطلق محذوف، التقدير: لا تصيبن... إصابة خاصة، وقيل: هي حال من الفاعل المستكن بالفعل: ﴿تُصِيبَنَّ﴾. (اعلموا): إعرابه مثل إعراب: (اتقوا). ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَدِيدُ﴾: خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ﴾: مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، إذ الأصل شديد عقابه، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ: هذا الخطاب للمهاجرين، وقيل: للعرب عامة، فإنهم كانوا أذلاء تحت سيطرة الروم والفرس. ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: في مكة يستضعفكم قريش.
﴿تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾: كفار قريش، أو من عداهم، فإنهم جميعا كانوا معادين للمسلمين مضادين لهم، هذا؛ والخطف: الأخذ بسرعة، وانظر شرح ﴿النّاسُ﴾ في الآية رقم [٨٢] الأعراف. ﴿فَآواكُمْ﴾ أي: إلى المدينة، وجعلها لكم مأوى تتحصنون به، هذا؛ وأوى إليه اطمأن وسكن إليه، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول لوط ﵇ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: فقواكم وشد عزيمتكم على الكفار، وكان ذلك بإمداد الملائكة، أو بمعاونة الأنصار على الكفار. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾: المراد بها الغنائم التي أحلت للمؤمنين ولم تحل لمن قبلهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على نعمه عليكم، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٦٨] (الأعراف).
هذا؛ وقال الخازن: لما أمر الله المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله، وحذرهم من الفتنة ذكرهم نعمته عليهم، فقال تعالى، اذكروا يا معشر المهاجرين المؤمنين، إذ أنتم... إلخ، وهذه الآية نزلت بعد غزوة بدر تذكر المسلمين بما أنعم الله عليهم.
الإعراب: ﴿وَاذْكُرُوا﴾: (اذكروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بما قبله. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَلِيلٌ﴾: خبر أول. ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾: خبر ثان مرفوع
إلخ، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان ب ﴿مُسْتَضْعَفُونَ،﴾ وجملة: ﴿تَخافُونَ﴾ في محل رفع خبر ثالث، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿مُسْتَضْعَفُونَ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ قَلِيلٌ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة (اذكروا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 2142
﴿فَآواكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله، وهو مفهوم من المقام، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل جر مثلها، وتقدير مبتدأ قبلها فيه تكلف، وما بعدها معطوف عليها، ولا تنس أن مفعول (رزق) الثاني محذوف، تقديره: حلالا. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
﴿تَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تعليل للنعم المذكورة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿آمَنُوا﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] الأعراف. ﴿اللهَ وَالرَّسُولَ﴾: انظر الآية رقم [١]. وخيانة الله ورسوله تكون بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن يظهر الإنسان خلاف ما يضمر، وهذا نفاق، وتكون الخيانة بالغلول في الغنائم، هذا؛ وأصل الخون: الغدر والنقص، كما أن أصل الأمانة الوفاء والتمام، والخيانة بجميع أنواعها صفة ذميمة تستوجب الذم، كيف لا؟ والرسول ﷺ ، قد استعاذ منها بقوله: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضّجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنّها بئست البطانة». أخرجه النسائي عن أبي هريرة ﵁، هذا؛ وانظر الأمانة في الآية رقم [٥٨] من سورة (النساء). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنكم تخونون، أو: أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح، أو ما في الخيانة من القبح والعار.
تنبيه: نزلت الآية في أبي لبابة، قال الجلال: اسمه مروان بن عبد المنذر، وقيل: اسمه رفاعة، وقيل: اسمه هارون، وقيل: عمرو، وهو أنصاري-﵁-وكانت الحادثة فيما يروى: أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة بعد نقضهم العهد والميثاق، وانضمامهم إلى قريش في محاصرة المدينة المنورة في غزوة الخندق إحدى وعشرين ليلة، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، وبني قينقاع، على أن يخرجوا إلى أذرعات وأريحاء بأرض الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فأبوا، وقالوا: أرسل لنا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم لأن عياله وأمواله في أيديهم، فبعثه إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فقال: نعم، وأشار إلى حلقه: أنه الذبح، قال أبو لبابة. فما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ ، وشد نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي، فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، أما إذ فعل ما فعل، فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو
стр. 2143
الذي يحلني، فجاءه فحله بيده، ثم قال يا رسول الله! إن تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال الرسول ﷺ : «يجزيك الثلث أن تتصدق به». فنزلت الآية الكريمة والتي بعدها، وقد تضمنتا الحادثة، وفيها إشارة إلى قبول توبته والعفو عنه.
وأما بنو قريظة فقد حكم فيهم سعد ﵁ أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». أي:
سبع سماوات، وذلك جزاء من ينقض العهد، ويحارب الله ورسوله. وسترى ذلك مفصلا في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٠]. ﴿لا تَخُونُوا﴾:
مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَتَخُونُوا﴾: مجزوم بسبب العطف على ما قبله، أو هو منصوب. ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، والجزم أو النصب بحذف النون، وعلى النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، والتقدير: لا يكن منكم خيانة لله ورسوله، ولا خيانة لأماناتكم، ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾:
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٠] ومفعول الفعل محذوف، كما رأيت في الشرح للتعميم.
﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: أيقنوا. ﴿أَمْوالُكُمْ﴾: قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان ﵁: [البسيط]
المال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال
وعن الفضل الضبي: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق هو البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي كثر ماله فالمراد الناطق، والنشب: المال الثابت كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول من المال المذكور آنفا، قال عمرو بن معد يكرب الزبيدي: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال، وذا نشب
стр. 2144
هذا؛ وقد قيل: إن الذي لا تجب فيه الزكاة لا يقال له: مال، وهو مردود بقول النبي ﷺ :
«يقول ابن آدم مالي مالي، وإنّما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى».
﴿فِتْنَةٌ﴾: ابتلاء واختبار وامتحان، أو سبب في الوقوع في الإثم. ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثواب كبير، وذلك لمن آثر رضا الله على المال والولد، وراعى حدوده، فلم يفتتن بشيء من ذلك، انظر الآية رقم [١٤] آل عمران وما بعدها ففيهما الدواء الشافي.
تنبيه: في الآية الكريمة تحذير من حب المال والولد، وتفضيلهما على طاعة الله ورسوله، فيجب على العاقل أن يحذر من المضار المتولدة من حبهما؛ لأن ذلك يشغل القلب، ويصيره محجوبا عن خدمة المولى، وهذا من أعظم الفتن، وروى البغوي بسنده عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أتي بصبي، فقبله، وقال: «أما إنهم مبخلة مجبنة، وإنهم لمن ريحان الله».
وأخرج الترمذي عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم، قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو محتضن أحد ابني بنته، وهو يقول: «إنكم لتبخّلون وتجبّنون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله». قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا عن خولة، ومعنى لمن ريحان الله: لمن رزق الله، وآيات التغابن رقم [١٥/ ١٤] تؤكد هذه الفتنة وتزيد عليها العداوة.
الإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أَمْوالُكُمْ﴾: مبتدأ. و ﴿وَأَوْلادُكُمْ﴾: معطوف على المبتدأ، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿فِتْنَةٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل، وهذا المصدر مأخوذ من أن واسمها وخبرها، ولما كفت عن العمل بقي معناها كما هو ظاهر، ويؤيده المصدر المؤول بعدها. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، هذا؛ وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر (أن)، فيكون ﴿أَجْرٌ﴾ فاعلا بهذا الظرف، أي:
بمتعلقه، والمصدر المؤول من (أن) واسمها وخبرها معطوف على ما قبله، فهو محل نصب مثله، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تَخُونُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿فُرْقاناً﴾: قال البيضاوي: هداية تفرقون بها بين الحق والباطل، أو نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين، وإذلال الكافرين، أو مخرجا من الشبهات، أو
стр. 2145
نجاة عما تحذرون في الدارين. انتهى. وقال القرطبي: فإذا اتقى العبد ربه، فاتبع أوامره، واجتنب نواهيه، وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل الله له بين الحق والباطل فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا. انتهى. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾: يمحوها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ذنوبكم؛ أي: بالتجاوز والعفو عنكم، قيل: السيئات: الصغائر، والذنوب: الكبائر، انظر الآية رقم [١٩٣] آل عمران، وقيل: المراد ما تقدم، وما تأخر؛ لأنها في أهل بدر، وقد غفرهما الله لهم، قال الرسول ﷺ : «وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال:
اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم».
﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى إنما هو تفضل منه وإحسان، وأنه ليس مما يوجبه تقواهم كالسيد إذا وعد عبده إنعاما على عمل، قال الجلال:
والآية نزلت في توبة أبي لبابة، ولم يقل به أحد غيره، والأولى التعميم لأهل بدر، وهي تشمل كل من اتقى الله إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنعه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٠]. ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا..﴾. إلخ في الآية رقم [١٩] والجملة الشرطية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَيُكَفِّرْ﴾: مضارع معطوف على جواب الشرط، مجزوم مثله، ويجوز فيه الرفع والنصب، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] (البقرة)، وهو مقرر في القواعد النحوية كما يلي: (إذا عطف مضارع بالواو أو بالفاء على فعل الشرط، يجوز جزمه ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو أو بالفاء يجوز جزمه ونصبه ورفعه) فالنصب على إضمار: أن، والرفع على الاستئناف، ولكن لم أر من تعرض للقراءة على هذين الوجهين، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾:
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ معطوف، وقل فيه مثل ما قلت بسابقه. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ.
﴿ذُو﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، و ﴿ذُو﴾:
مضاف، و ﴿الْفَضْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل الفعل المستتر والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه، هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الاسمية مستأنفة فلست مفندا.
стр. 2146
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قال الخازن: لما ذكر الله المؤمنين نعمه عليهم؛ أي:
في الآية رقم [٢٦] ذكر نبيه ﷺ نعمه عليه فيما جرى له بمكة من قومه؛ لأن هذه السورة مدنية، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل الهجرة، والمعنى: واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا.
انتهى. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: بالوثاق، أو بالحبس، أو الإثخان بالجرح، من قولهم: ضربه حتى أثبته لا حراك به، ولا براح، وقرئ الفعل بتشديد الباء، وقرئ: «(وليبيتوك)» من البيات، و «(ليقيدوك)».
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾: بسيوفهم. ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾: من مكة، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار، ومتابعتهم للرسول ﷺ فزعوا، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة رجل هرم، وقال: أنا شيخ من نجد، سمعت بالذي اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، فأذنوا له بالدخول.
فقال أبو البختري: أرى أن تحبسوه في بيت، وتسدوا منافذه، غير كوة، تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت، فقال الشيخ: بئس الرأي هذا، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم، فقال هشام بن عمرو: أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم، فلا يضركم ما صنع، فقال إبليس: بئس الرأي؛ يفسد قوما غيركم، ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما جلدا، وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل؛ عقلناه، أي: أدينا ديته، فقال إبليس الخبيث، هذا هو الرأي السديد، والقول الحميد! وتفرقوا على ذلك، فأخبر جبريل ﵇ الرسول ﷺ بذلك، وأمره بالهجرة، فبيت ابن عمه عليا ﵁ في فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أمره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج من بين صفوفهم، ووضع التراب على رءوسهم، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ﴾ .. إلى قوله: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ من سورة (يس).
فلما أصبحوا؛ خرج عليهم علي كرم الله وجهه، فعلموا أن رسول الله ﷺ قد فات ونجا، وخرج مع أبي بكر-﵁-وتوجها إلى غار ثور. ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾: المكر: تدبير الأمر في خفية، وهو أيضا: احتيال وخداع. ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾: يردّ الله مكرهم، ويجازيهم عليه، هذا؛ والله منزه عن المكر بالمعنى المذكور، واستعمال العقاب والجزاء بلفظ المكر إنما هو من باب المشاكلة وقد مر معنا كثير من هذا، انظر الآية رقم [١٤٢] من سورة (النساء). وانظر ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢] الأعراف ومعنى ﴿خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾: أقواهم؛ لأنه سينتقم منهم، وفيه تنبيه على أن
стр. 2147
كل مكر يبطله الله ويدحضه، وقيل: ليس المراد بالآية التفضيل؛ لأن فعل الله كله خير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: (إذ): مفعول به لفعل محذوف، أو هو ظرف لهذا المحذوف مبني على السكون في محل نصب، التقدير: اذكر وقت مكرهم بك، وهذه الجملة معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٦]. ﴿يَمْكُرُ﴾: مضارع. ﴿بِكَ﴾: متعلقان به. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يمكر)، واللام بمعنى من، إذ التقدير: من أجل إثباتك، أو تثبيتك، أو تقييدك، و ﴿يَقْتُلُوكَ﴾ و ﴿يُخْرِجُوكَ﴾ معطوفان على ما قبلهما، منصوبين مثله... إلخ، وجملة: ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ مستأنفة لا محل لها. وجملة: ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ مستأنفة لا محل لها أيضا، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الاسم الكريم؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه، وهو إظهار في محل الإضمار.
تنبيه: مجيء اللام الجارة بمعنى من مستعمل لغة، كقولك: سمعت له صراخا؛ أي: منه، وقال جرير من قصيدة يهجو بها الأخطل: [الطويل]
لنا الفضل في الدّنيا، وأنفك راغم... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
إذ المعنى: ونحن أفضل منكم يوم القيامة.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾: تقرأ عليهم آيات القرآن، والمراد جميع قريش. ﴿قالُوا﴾:
القائل: هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، قال البيضاوي: وإسناده إلى الجميع، إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاضيهم، وصاحب مشورتهم، هذا؛ وانظر القول في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿سَمِعْنا﴾ أي: مثل هذا القرآن؛ وهو التوراة والإنجيل، وانظر ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٠] الأعراف. ﴿نَشاءُ﴾: انظر الآية رقم [٨٩] (الأعراف). ﴿لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ أي: مثل القرآن، وهذا صلف منهم ووقاحة لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل القرآن، فلم يأتوا، وهو دليل عجزهم؛ إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاءوا، وقد
стр. 2148
تحداهم مرارا، وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا سورة مع أنفتهم أن يغلبوا خصوصا في باب الفصاحة والبلاغة، هذا؛ وانظر ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٣] من سورة (الأنعام) ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: انظر الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنعام)، ففيها الكفاية، وانظر إعلال (قلنا) في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف).
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في النضر بن الحارث من بني عبد الدار، كان خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول الله ﷺ أخبار من مضى، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان يقول: يأتيكم محمد بأخبار عاد وثمود، وأنا آتيكم بأخبار القياصرة والأكاسرة، يقصد بذلك أذى النبي ﷺ ، فلما حصلت غزوة بدر الكبرى، وقع أسيرا في أيدي المسلمين، فأمر الرسول ﷺ بقتله صبرا، فحزنت عليه أخته قتيلة، وأرسلت أبياتا للنبي ﷺ مطلعها: [الكامل]
أمحمد، ولأنت نجل نجيبة... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت، وربّما... منّ الفتى، وهو المغيظ المحنق
فلما سمع النبي ﷺ قصيدتها، قال: «لو سمعتها تقول هذا قبل أن أقتله ما قتلته، ولعفوت عنه». ثم قال: «لا تقتل قريش أحدا بعد هذا صبرا». انظر الشاهد [٤٧٠] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: (إذا): انظر الآية رقم [٢٠١] من سورة (الأعراف). ﴿تُتْلى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان به.
﴿آياتُنا﴾: نائب فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَوْ﴾:
حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَشاءُ﴾: مضارع وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿لَقُلْنا﴾: اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿مِثْلَ﴾: تنازعه كل من الفعلين: ﴿سَمِعْنا﴾ و (قلنا).
و ﴿مِثْلَ﴾: مضاف، وهذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿لَقُلْنا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، هذا؛ والكلام بمجموعه ﴿قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ في محل نصب مقول القول ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنعام). وهو محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
стр. 2149
﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾: القائل هو النضر المذكور في الآية السابقة حكاه مجاهد وابن جبير، وقيل: هو أبو جهل حكاه عنه أنس بن مالك ﵃ أجمعين، والمعتمد الأول. إذ روي أن النضر لما قال ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ..﴾. قال له النبي ﷺ : «ويلك إنه كلام الله».
فقال ﴿اللهُمَّ إِنْ..﴾. إلخ. ﴿اللهُمَّ﴾: أصله يا الله، فحذفت يا النداء، وعوض عنها الميم المشددة في الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، إلا في الضرورة الشعرية، وهذا الحذف والتعويض من خصائص الاسم الكريم، كدخول «يا» عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وتاء القسم. ﴿الْحَقَّ﴾: قراءة الجمهور النصب، وقرأ الأعمش، وزيد بن علي برفعه، وانظر شرحه في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَمْطِرْ﴾: انظر الآية رقم [٨٤] الأعراف. ﴿حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أي: كالحجارة التي أمطرت على قوم لوط، ﴿اِئْتِنا﴾: انظر الآية رقم [٣٥] (الأعراف) وانظر ﴿اِئْذَنْ﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك، والمراد مثل ما عذبت به الأمم الماضية. وما قاله النضر تهكم واستهزاء وإيهام أنه على بصيرة وجزم ببطلانه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾.
تنبيه: حكي: أن يهوديّا لقي عبد الله بن عباس-﵄-فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش، فقال: أنت من القوم الذين قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ؟ فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق، فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس-﵄: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه، حتى قالوا:
﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فأطرق اليهودي مفحما، وانظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأعراف).
تنبيه: روي أن معاوية بن أبي سفيان قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك حيث قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الإسلام: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ..﴾. إلخ ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق..
فاهدنا إليه، وهذا من الأجوبة المسكتة.
الإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف عطف. (إذ): معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٠].
﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿اللهُمَّ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم.
стр. 2150
﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لا محل له، والكوفي يقول: هو حرف عماد. ﴿الْحَقَّ﴾: خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، هذا؛ وعلى قراءة الرفع ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿حِجارَةً﴾. ﴿أَوِ﴾:
حرف عطف. ﴿اِئْتِنا﴾: أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره «أنت»، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب الشرط. ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة عذاب، والكلام: ﴿اللهُمَّ إِنْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: هذا بيان من الله تعالى لما كان الموجب لإمهالهم، وتأخير نزول العذاب بهم، وسببه وجود النبي ﷺ فيهم، أي: إقامته في مكة المكرمة؛ لأن سنة الله في خلقه بأن لا يعذب قوما كافرين، ونبيهم بين أظهرهم، فإذا خرج وتركهم نزل العذاب بهم، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فإن المراد بالأول: عذاب الاستئصال، والمراد بالثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة، وهذا كان بعد هجرة النبي ﷺ ، ومغادرته مكة المعظمة. ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: اختلف بهذا الاستغفار، فقيل: المراد به ما كانوا يقولونه في طوافهم (غفرانك غفرانك) وقيل: المراد به استغفار المؤمنين المستضعفين المقيمين في مكة.
وقال ابن عباس-﵄-المراد: أن فيهم من سبق له من الله العناية أنه يؤمن، ويستغفر مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد وغيرهم، وقال أهل المعاني: دلت الآية الكريمة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب، فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أنزل عليّ أمانين لأمّتي: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة». أخرجه الترمذي.
стр. 2151
تنبيه: نزلت الآية الكريمة كردّ لما طلبوه من نزول العذاب بهم، وبيان لتأخير العذاب وسببه، وقيل: هذا كلام مستأنف أخبر الله به عن نفسه تعالى وتقدس، وعن سنته في إهلاك الكافرين المعاندين لرسلهم.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والميم في الكل: حرف دال على جماعة الذكور، و «أن» المضمرة والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: وما كان الله مريدا تعذيبهم، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو، والاستئناف أقوى. ﴿وَأَنْتَ﴾:
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ أي: وما يمنعهم من العذاب، فلا ريب أنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب فعذبهم الله بعد خروج النبي ﷺ من بين أظهرهم بالقتل والأسر يوم بدر، وما تلاه من هزائم وقعت بهم، وهم يصدون عن المسجد الحرام: أي: وهم يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت، وذلك حين صدوا رسول الله ﷺ ، وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية، وكان قد قصده لأداء العمرة. ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾ أي: ما كانوا مستحقين ولاية أمر المسجد الحرام مع شركهم، وهو ردّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصد من نشاء، وندخل من نشاء. ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: لا يستحق ولاية البيت الحرام، ورعاية شئونه إلا المتقون. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾: أن لا ولاية لهم عليه، كأنه سبحانه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك، ولكنه يعتند معاندة، هذا؛ وقيل: المراد بالأكثر الجميع، أو المراد: لا يعلمون حكمة الله في أحكامه وتصريفه الأمور على حسب مشيئته وتقديره، وذكر الأكثر؛ لأن البعض لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر.
стр. 2152
﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿يَصُدُّونَ﴾: انظر الآية رقم [٤٥] الأعراف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾:
انظر الآية رقم [٢٩] منها. ﴿أَوْلِياءَهُ﴾: انظر معناه الحقيقي في الآية رقم [٣] منها. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾:
انظر التقوى في الآية رقم [٢٦] منها أيضا. هذا؛ ومعنى المسجد الحرام: المحرم فيه اللغو والرفث والإيذاء، وكل فعل قبيح، وعمل فاحش، وإن كان في غيره حراما، فهو فيه أشد حرمة، وكذلك محرم على الكفار، فلا يجوز أن يدخله كافر أبدا، وانظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، انظر الشرح. ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب واستقبال. (لا): نافية.
﴿يُعَذِّبَهُمُ﴾: مضارع منصوب ب (أن)، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ﴾:
فاعل، و (أن) المصدرية والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، انظر الشرح، هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) نافية، و ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ مؤخر، ومثل إعراب هذه الآية إعراب قول الشاعر:
[البسيط]
وما علينا-إذا ما كنت جارتنا-... أن لا يجاورنا إلاّك ديّار
وهو من شواهد «فتح القريب المجيب» و «فتح رب البرية» رقم [٧٣] وعلى الوجهين فالجملة الاسمية، وهي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿يَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: الناس. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الْحَرامِ﴾: صفته، وجملة:
﴿يَصُدُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما﴾: (ما): نافية. ﴿كانُوا﴾:
ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَوْلِياءَهُ﴾: خبر كان، والهاء:
في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَما كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَوْلِياؤُهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ﴾: حرف حصر. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ﴾: (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾:
اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ﴾: نافية. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
стр. 2153
﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: لم يؤنث الفعل؛ لأن الصلاة ليست مؤنثا حقيقيا، فيجوز تذكير الفعل وتأنيثه. ﴿مُكاءً﴾: صفيرا، يقال: مكا الطير، يمكو: إذا صفر، والمكاء: اسم طير أبيض يكون بالحجاز له صفر. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقا، وفي أصله واشتقاقه قولان: أحدهما: أنه من الصدى، وهو الصوت الذي يرجع من الجبل ونحوه، كالمجيب للمتكلم، ولا يرجع إلى شيء، الثاني: قال أبو عبيدة: أصله تصددة، فأبدلت الياء من الدال الثانية، وفي فعلهم هذا قولان: الأول: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون، ويصفقون فيها، والثاني: أنهم كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي ﷺ أن يصلي، يخلطون عليه، يريدون إيذاءه، وهذا مناسب لقولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ وسماها الله صلاة؛ لأنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة، فخرج ذلك على حسب معتقدهم، وزعمهم. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾: فيه استعارة. انظر الآية رقم [١٤]. ﴿تَكْفُرُونَ﴾: انظر الآية رقم [٦٦] (الأعراف). وهذا؛ وإعلال: ﴿كُنْتُمْ﴾ مثل إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون، وذلك كله منكر تنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت.
وانظر ما نقلته عنه في الآية رقم [٢].
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.
﴿صَلاتُهُمْ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بصلاتهم، أو بمحذوف حال من ﴿صَلاتُهُمْ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿الْبَيْتِ﴾: مضاف إليه.
﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُكاءً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: معطوف على ما قبله، وهذا؛ وقرئ بنصب ﴿صَلاتُهُمْ﴾ على أنه خبر مقدم، ورفع ﴿مُكاءً﴾ على أنه اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ كالتعليل لقوله ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾. ﴿فَذُوقُوا﴾: الفاء:
هي الفصيحة، انظر الآية رقم [١]. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية [١١] الأعراف. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كانت صلاتهم كذلك، فيقال لهم يوم القيامة:
ذوقوا. فتبين بهذا التقدير: أن الجملة مقولة لجواب الشرط المقدر. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به.
﴿بِما﴾: الباء: حرف جر. ما: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء
стр. 2154
اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (ذوقوا)، التقدير: ذوقوا العذاب بسبب كفركم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ الشرح: ﴿يُنْفِقُونَ﴾: انظر الآية رقم [٣]. ﴿أَمْوالَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: ليمنعوا الناس من الدخول في دين الإسلام، وانظر ﴿يَصُدُّونَ﴾ في الآية رقم [٤٥] الأعراف. وانظر ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٤٢] الأعراف. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١].
﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ أي: فسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة، وعدم الظفر بالمقصود، فحصلت المغايرة بين الإنفاقين. انتهى. بتصرف. ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ أي: ما أنفقوا من أموالهم يكون عليهم حسرة وندامة يوم القيامة؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يؤملون في نهاية الأمر، وإن ظفروا في بعض الأحيان، وانظر ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] (الأعراف).
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر، أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية، أو في أصحاب العير، فإنه لما أصيبت قريش ببدر، قيل لهم: أعينوا بهذا على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا. انتهى بيضاوي.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو ابتدائية. ﴿لِيَصُدُّوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف.
تقديره: الناس، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: ينفقون أموالهم لصدّ الناس. ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾: الفاء: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. (ينفقونها): مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿تَكُونُ﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره:
«هي»، يعود على الأموال. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من حسرة، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿حَسْرَةً﴾: خبر
стр. 2155
﴿تَكُونُ﴾. وجملة: ﴿تَكُونُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يُغْلَبُونَ﴾:
مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ثبتوا على الكفر، وسلموا من القتل والأسر يوم بدر.
﴿جَهَنَّمَ﴾: واد من أودية النار. وانظر دركات النار في الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء).
﴿يُحْشَرُونَ﴾: يساقون ويجمعون فيها.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مبتدأ، وانظر باقي الإعراب في الآية السابقة. ﴿إِلى جَهَنَّمَ﴾:
متعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿يُحْشَرُونَ﴾: إعرابه مثل إعراب: ﴿يُغْلَبُونَ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها لا محل لها على الوجهين.
﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: يفصل الخبيث من الطيب، وماضيه «ماز»، ومثله: ميّز وأماز بمعنى: فرز الشيء عن غيره، وبمعنى فضله على سواه، و ﴿لِيَمِيزَ﴾ يقرأ بتشديد الياء وتخفيفها، وامتاز القوم: تميز بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: انفردوا عن المسلمين، وهذا يكون يوم القيامة، والمراد بالخبيث: الكفر والنفاق، أو الكافرون والمنافقون، والمراد بالطيب: الإيمان أو المؤمنون، كما يطلقان على العمل الصالح والسيئ وانظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (آل عمران). ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾: فيجمعه، ويضم بعضه على بعض حتى يتراكم ويتراكب لكثرته، ثم يجعله، أي: يلقيه في جهنم، وهي واد من أودية النار. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة إلى المنفقين في سبيل الشيطان. ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: خسروا الدنيا والآخرة لأنهم اشتروا بأموالهم عقاب الآخرة، وانظر الآية رقم [١٤٩] الأعراف تجد ما يسرك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لِيَمِيزَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ﴾: فاعله.
﴿الْخَبِيثَ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾: متعلقان بالفعل (يميز)، أو بمحذوف حال من
стр. 2156
﴿الْخَبِيثَ،﴾ و «أن» المضمرة والفعل (يميز) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَكُونُ،﴾ أو ب ﴿يُغْلَبُونَ،﴾ أو ب ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ﴿وَيَجْعَلَ﴾:
معطوف على يميز، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْخَبِيثَ﴾: مفعول به. ﴿بَعْضَهُ﴾: بدل من ﴿الْخَبِيثَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلقان بالفعل يجعل على أنهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَعْضَهُ،﴾ أي: بعضه عاليا على بعض.
﴿فَيَرْكُمَهُ﴾: معطوف على ﴿وَيَجْعَلَ﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿جَمِيعاً﴾:
حال من الضمير المنصوب، فيه معنى التوكيد. ﴿فَيَجْعَلَهُ﴾: معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٧٨] من سورة (الأعراف) وهي هنا مستأنفة لا محل لها.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قل يا محمد لمشركي قريش أبي سفيان وأتباعه، وانظر (القول) في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾: عن الكفر وعن قبائح أعمالهم من إيذاء الرسول ﷺ وسب الإسلام، وغير ذلك، ودخلوا في دين الله. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من كفرهم، وما اقترفوه من آثام، ولقد أحسن أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري ﵀ في قوله: [الرجز]
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف... ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف
لقوله سبحانه في المعترف... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
هذا؛ وقرئ بالخطاب «(إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف)». ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾: إلى ما كانوا عليه من الكفر ومعاداة الرسول ﷺ وقيل: إلى القتال. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: بإهلاك أعداء الدين، ونصر الأنبياء والمرسلين، ففي هذه الآية الكريمة تصريح بأن الكافر إذا أسلم تغفر له جميع ذنوبه السابقة، ولا يطالب بشيء من قضاء العبادات البدنية والمالية، ويكون ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه. ﴿مَضَتْ﴾: أصله (مضى) فلما اتصلت به تاء التأنيث، صار مضات، فحذف الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. ﴿سُنَّتُ﴾: وهي الشريعة والطريقة، وانظر الآية رقم [١٣٧] من آل عمران. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: جمع أول وانظر الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف)
стр. 2157
لشرحه، وهذه الجملة تجمع بين الوعيد والتهديد، وفي التمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر ما فيه من مزدجر لقوم يعقلون.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: بالله ورسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَنْتَهُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُغْفَرْ﴾: مضارع مبني للمجهول جواب الشرط. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿قَدْ سَلَفَ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة:
﴿يُغْفَرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ مثل سابقه، وجملة: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد.
﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾: هذا الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه. ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾:
شرك، وقيل: بلاء. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ أي: خالصا لله ليس للشيطان فيه نصيب، بل وتضمحل جميع الأديان أمامه، هذا؛ وانظر ﴿دِيناً قِيَماً﴾ في الآية رقم [١٦٢] (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر... إلخ، انظر الآية السابقة. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فإن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ونياتهم، فهو يثيبهم على ما يستحقون من خير وشر، وانظر الآية تشبه الآية السابقة وما فيها من وعد ووعيد. هذا؛ وهذه الآية تشبه الآية المذكورة في سورة (البقرة) برقم [١٩٢] مع اختلاف في بعض الألفاظ، هذا؛ وإعلال: (انتهوا) مثل إعلال: (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] الأعراف هذا؛ ويقرأ: «(تعملون)» بالتاء، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر التفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾: الواو: حرف استئناف. (قاتلوهم): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿لا﴾:
نافية. ﴿تَكُونَ﴾: مضارع تام بمعنى توجد منصوب ب «أن» مضمرة بعد (حتى). ﴿فِتْنَةٌ﴾:
стр. 2158
فاعله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (قاتلوهم)، ولا تنس أن ﴿حَتّى﴾ هنا بمعنى (إلى أن) ﴿وَيَكُونَ﴾:
معطوف على ما قبله، منصوب مثله، وهو ناقص. ﴿الدِّينُ﴾: اسمه. ﴿كُلُّهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّهُ لِلّهِ﴾ في محل نصب خبر ﴿وَيَكُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل:
معطوفة على قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ لكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم، وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد، ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا. انتهى. بتصرف. ﴿فَإِنِ﴾: حرف شرط جازم. ﴿اِنْتَهَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، وهو في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والجملة لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ولا تنس: أن المتعلق محذوف. ﴿فَإِنِ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها والعائد أو الرابط محذوف. التقدير: بالذي أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:
بعلمهم. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض في آخر الكلام لا محل له الغرض منه ما رأيته في الشرح، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿كُلُّهُ﴾ توكيدا ل ﴿الدِّينُ﴾ فيكون ﴿لِلّهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر: ﴿وَيَكُونَ﴾.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرض كفار قريش عن الإيمان بالله ورسوله، ولم ينتهوا عن معاداة الرسول ﷺ ، وإيذائه وإيذاء المؤمنين. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ أي: اعتقدوا، وأيقنوا أن الله ناصركم عليهم، وحافظكم من كيدهم. هذا؛ وانظر الآية رقم [٣] الأعراف تجد ما يسرك، وانظر ﴿الْمَوْلى﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (التوبة).
﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار: (نعم) منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين: إذا أصاب النعمة، و (بئس) منقول من بئس فلان بفتح الباء وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحهن، وهي لغة
стр. 2159
القرآن، ثم نعم وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في (نعم) أن يجيء بعده ما، كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و (بئس) جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى:
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح فسكون، والرابعة: نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بد لهما من شيئين: فاعل ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي؛ بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء وبرّها سرقة) وقول غيره: (نعم السير على بئس العير) وأوّله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير. انتهى. والمعتمد في ذلك قول البصريين.
الإعراب: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: انظر إعراب: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ في الآية السابقة. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (اعلموا): أمر وفاعله، والألف للتفريق، ﴿إِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مَوْلاكُمْ﴾: خبر ﴿إِنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة، و ﴿إِنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، وجملة: ﴿فَاعْلَمُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط.. إلخ، و (إن) ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك أن جواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تخشوهم، والجملة بعدها مفيدة للتعليل، التقدير: لأن الله مولاكم... إلخ. انتهى. جمل، وفيه تكلف ظاهر. ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾: فعل وفاعل، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: هو، وهذا فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ مؤخر خبره الجملة الفعلية قبله، والثاني: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أي: هو الله، والكلام مستأنف لا محل له.
﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: من العلم والمعرفة. ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ أي: قرابة الرسول ﷺ .
﴿وَالْيَتامى﴾: جمع يتيم، وهو من الحيوان من فقد أمه فقط، ومن بني آدم من فقد أباه أو أمه، أو فقدهما معا، والمراد بهم هنا من فقدوا معيلهم، وهو الأب، وهناك يتيم العلم، والعقل، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الستين والسبعين، ويملك من الأموال الملايين، ولله درّ القائل: [البسيط]
стр. 2160
ليس اليتيم الذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب
ومنه من أهمل أبوه وأمه تربيته مع كونهما موجودين، وخذ قول الآخر: [الكامل]
ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة، وخلّفاه ذليلا
إنّ اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت، أو أبا مشغولا
﴿وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: سأتكلم عن هذين في الآية رقم [٦١] من سورة (التوبة) إن شاء الله تعالى. ﴿كُنْتُمْ﴾: انظر إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف)، ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾: الذي أنزله الله وتكرم به على نبيه وعلى المؤمنين يوم بدر من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من نزول الملائكة والنصر المبين الذي رفع الله به شأن الإسلام والمسلمين، وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل، و ﴿الْجَمْعانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين، هذا، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] (الأعراف) و ﴿يَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٢٨] (الأنعام). هذا؛ وذكر الرسول بلفظ ﴿عَبْدِنا﴾ للتشريف والتعظيم، فإن الله أضافه لنفسه، ولم يجعل لغيره فيه حظا ونصيبا، وانظر الآية رقم [٢٣] (البقرة). ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك نصره العدد القليل على الكثير يوم بدر، هذا؛ والغنيمة في اللغة ما يناله الإنسان بسعيه، والمغنم والغنيمة بمعنى، والمراد به في الآية الكريمة: ما أخذه المسلمون من الكفار على وجه الغلبة والقهر، هذا؛ والفيء: ما وصل ليد المسلمين من غير حرب، ولا إيجاف خيل، ولا ركاب، كالجزية، وما يصالح عليه الكفار المسلمين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] الآتية.
تنبيه: رأيت في أول السورة كيف اختلف المسلمون في غنائم بدر، وكيف وكل الله أمر تقسيمها لنبيه ﷺ ، ثم نزلت هذه الآية لتبين حكم ما يغنمه المسلمون من الكفار، إلى يوم القيامة حيث تقسم خمسة أخماس، فأربعة تعطى للمحاربين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، وحازوا الغنيمة، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه ويعطى الراجل سهما واحدا، وقيل: غير ذلك، وأما الخمس الآخر فيقسم خمسة أخماس، وظاهر النص أنه يقسم ستة أسداس، ولكن الله لم يرد شيئا من المال؛ لأن الدنيا والآخرة كلها له تعالى، وإنما ذكر اسمه على سبيل التبرك، وهذا قول الحسن، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم النخعي، فقد قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد، وقيل: سهم الله يصرف إلى جميع هؤلاء الأصناف المذكورين بالسوية، وحكمه باق، غير أن سهم الرسول ﷺ يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كما فعله أبو بكر وعمر ﵄، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأصناف الأربعة، وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته، وصار الكل مصروفا إلى
стр. 2161
الثلاثة الباقية، وعن مالك-رحمه الله تعالى-: الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية، فقال: يقسم ستة أقسام، يصرف سهم الله إلى الكعبة؛ لما روي أنه ﷺ كان يأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة؛ ثم يقسم ما بقي على خمسة، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: غير ذلك، وذو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روي: أن النبي ﷺ قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال له عثمان بن عفان، وجبير بن مطعم:
هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم، وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة. فقال ﷺ : «إنهم لم يفارقونا في جاهلية، ولا في إسلام». وشبك بين أصابعه. وقيل: بنو هاشم وحدهم، وقيل: جميع قريش، والغني والفقير سواء، وقيل: هو مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل، وقيل: الخمس كله لهم، والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم، والعطف للتخصيص. انتهى. بيضاوي.
الإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّما﴾: (أن):
حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون، أو هي نكرة موصوفة في محل نصب اسم (أن). ﴿غَنِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي: أو شيئا غنمتموه. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَأَنَّ﴾: الفاء: صلة. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) تقدم على اسمها، وهو خمسة، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فحكمه أن لله خمسه، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إن)»، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر (أن) الأولى ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ والجملة هذه معطوفة على جملة:
﴿وَقاتِلُوهُمْ..﴾. إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: معطوفان على ﴿لِلّهِ﴾. ﴿وَلِذِي﴾:
جار ومجرور معطوفان أيضا، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و «ذي»: مضاف، و ﴿الْقُرْبى﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿وَالْيَتامى﴾: معطوف على ﴿لِلّهِ﴾ مجرور... إلخ. ﴿وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوفان أيضا على ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾. ﴿فَأَنَّ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ في محل نصب خبر كان، والجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم... فاعلموا. ﴿وَما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوف على ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو
стр. 2162
الرابط محذوف، التقدير: أنزلناه. ﴿عَلى عَبْدِنا﴾: متعلقان بما قبلهما، ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿أَنْزَلْنا،﴾ و ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و ﴿الْفُرْقانِ﴾: مضاف إليه. ﴿يَوْمَ﴾: بدل من سابقه. ﴿اِلْتَقَى﴾: ماض. ﴿الْجَمْعانِ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾: هذا خطاب لرسول الله ﷺ ، ولمن معه من المؤمنين، والتقدير: اذكروا إذ كنتم بالعدوة، وقد قرئ بتثليت العين، والمشهور الضم والكسر، وهي طرف الوادي. ﴿الدُّنْيا﴾: تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب، من: دنا، يدنو. والمراد بالعدوة الدنيا: مما يلي المدينة. ﴿الْقُصْوى﴾: البعدى تأنيث الأقصى، من: قصا، يقصو، وقياس الاستعمال أن يكون القصيا بالياء؛ لأنه صفة كالدنيا والعليا، وفعلى إذا كانت صفة قلبت واوها ياء فرقا بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، وهو أكثر استعمالا من القصيا، والمراد من الآية بيان موقف المسلمين وموقف المشركين في وادي بدر الذي حصلت فيه الموقعة.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: المراد ركب أبي سفيان، وهو قافلة التجارة التي كانت راجعة من بلاد الشام، فلما سمع أبو سفيان بمخرج النبي ﷺ وأصحابه؛ غير طريقه وسلك طريق الساحل.
هذا؛ والركب: أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والركبان الجماعة منهم، قال أبو البقاء: الركب: جمع راكب في المعنى، وليس بجمع في اللفظ. انتهى. ولا تقول العرب: ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها. هذا؛ وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر، بحيث لو استغاث العدو به؛ لأغاثه.
﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ أي: لو تواعدتم أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم في القلة، وحالهم في الكثرة لاختلفتم أنتم وهم في الميعاد، خوفا منهم لكثرتهم ويأسا من الظفر عليهم، ليتحققوا أن ما اتفق وحصل من النصر ليس إلا توفيقا من الله، خارقا للعادة، فيزدادوا إيمانا بالله، وشكرا له، هذا؛ والميعاد أصله: الموعاد، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما
стр. 2163
قبلها، وهو بمعنى الموعد يحتمل الزمان والمكان، وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] الأعراف.
﴿وَلكِنْ﴾ أي: ولكن الله جمع بينكم على غير ميعاد.
﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾: حقيقا من نصر أوليائه وإعزاز دينه، وإهلاك أعدائه وقهرهم. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: ليموت من مات بعد إقامة الحجة عليه وبرهان عاينه وشاهده؛ لئلا يكون له حجة ومعذرة يوم القيامة. ﴿وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ويعيش من عاش في هذه الدنيا عن علم ومعرفة بأحكام ربه، وتعاليم نبيه، هذا؛ ويمكن أن يراد بالأول: كفر من كفر، وبالثاني: إيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك للكفر، والحياة للإسلام والإيمان، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه، هذا؛ وقرئ الفعل (حيّ) بالفك والإدغام.
تنبيه: في الآية الكريمة تذكير للمؤمنين بما أنعم الله عليهم في غزوة بدر، وبيّن البيضاوي -رحمه الله تعالى-: أن الجملة الحالية: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ فائدتها: الدلالة على قوة العدو، واستظهارهم بالركب، وحرصهم على المقاتلة عنها، وتوطين نفوسهم على أن لا يخلو مراكزهم، ويبذلوا منتهى جهدهم، وضعف شأن المسلمين، والتباس أمرهم، واستبعاد غلبتهم عادة، ولذا ذكر الله مراكز الفريقين، فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ولم يكن فيها ماء بخلاف العدوة القصوى. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ،﴾ وجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر، وقيل: هو ظرف متعلق ب ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة العدوة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، وجملة: ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ مثل سابقتها في إعرابها، وهي معطوفة عليها. ﴿وَالرَّكْبُ﴾: مبتدأ. ﴿أَسْفَلَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، هذا؛ وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفعه على الخبرية، ولم أره قراءة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾.
﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَسْفَلَ﴾. الواو: حرف استئناف، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَواعَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك لا محل له. ﴿لِيَقْضِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ﴾: فاعله.
﴿أَمْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿كانَ مَفْعُولاً﴾ في محل نصب صفة ﴿أَمْراً،﴾ و «أن» المضمرة
стр. 2164
والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿لِيَهْلِكَ﴾: بدل من ﴿لِيَقْضِيَ﴾ وهو مثله في إعرابه، وجوز تعليقه ب ﴿مَفْعُولاً،﴾ وقيل: هو على إرادة حرف العطف، أي: وليهلك، فيكون متعلقا بما تعلق به سابقه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿وَيَحْيى﴾: معطوف على ﴿لِيَهْلِكَ﴾ فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَنْ﴾: فاعله، وجملة: ﴿حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام وتذييل له، الغرض منها ما ذكرته في الشرح.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ ، أي: اذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ يريك المشركين في نومك قليلا، قال مجاهد: أراهم الله في منامه قليلا، فأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، وكان ذلك تثبيتا لهم، وتقوية لقلوبهم، وانظر «النوم» في الآية رقم [٩٧] الأعراف. ﴿وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً﴾ أي: في المنام وأخبرت أصحابك بذلك.
﴿لَفَشِلْتُمْ﴾: لجبنتم وضعف رأيكم. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في أمر القتال بين الثبات والفرار. ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾: أنعم بالسلامة من الجبن واختلاف الرأي. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: يعلم ما يكون فيها، وما يغير أحوالها من جراءة وجبن وصبر وجزع، هذا؛ وانظر ﴿ذاتَ﴾ في الآية رقم [١].
الإعراب: ﴿إِذْ﴾: متعلق ب (اذكر) محذوفا، أو هو بدل ثان من: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ،﴾ أو هو متعلق ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ فهو مبني على السكون في محل نصب. ﴿يُرِيكَهُمُ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والهاء مفعول به ثان. ﴿اللهُ﴾: فاعله.
﴿فِي مَنامِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قَلِيلاً﴾: مفعول به ثالث؛ لأن (يري) ينصب ثلاثة مفاعيل، ولا تنس أن الفعل (يري) هنا حلمي، وقد عومل معاملة الفعل العلمي بتعديته إلى ثلاثة مفاعيل. وجملة: ﴿يُرِيكَهُمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَلَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ﴿أَراكَهُمْ كَثِيراً﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها مع ملاحظة أن فعلها ماض، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (لو)، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على الجملة قبله، فهو في محل جر مثلها،
стр. 2165
وهو أولى من الاستئناف. وجملة: ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿وَلكِنَّ﴾: (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها، وجملة: ﴿سَلَّمَ﴾ خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (لو)، لا محل لها مثله. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها. ﴿بِذاتِ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ وذات مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾:
مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ..﴾. إلخ: هذا خطاب للمؤمنين الذين شهدوا بدرا، وهو من تذكيرهم بنعمة الله عليهم حيث جعل المشركين في أعينهم قليلا قبل التحام القتال لتقوى قلوبهم، وتشتد عزيمتهم للحرب حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن كان بجانبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: حيث جعل المؤمنين في أعين المشركين قليلين، وذلك قبل التحام القتال ليجترءوا عليهم، ولا يستعدوا لهم، حتى قال أبو جهل الخبيث في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جزور، خذوهم أخذا، واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم وكثروا، كما قال جل شأنه في الآية رقم [١٣] آل عمران ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وذلك لتفاجئهم الكثرة، فتبهتهم، وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلا، والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه، ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض دون بعض من التساوي في الشرط. انتهى. بيضاوي.
﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾: تكرر هذا؛ لأن المعنى في الأول: من اللقاء والمواجهة، وفي الثاني: من قتل المشركين، وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين.
﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مصيرها ومردها إلى الله تعالى، فيجازي كل عامل على قدر عمله، فالمحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا؛ وانظر شرح العين في الآية رقم [١١٦] (الأعراف). ﴿تُرْجَعُ﴾: انظر الآية رقم [١٥٠] (الأعراف). ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١].
﴿لِيَقْضِيَ اللهُ..﴾. إلخ: قال الشيخ أبو منصور رحمه الله تعالى: القضاء يحتمل الحكم، أي:
ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة.
انتهى. هذا؛ والمصدر قضاء بالمد؛ لأن لام الفعل ياء، إذ أصل ماضيه (قضي) بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره (قضيا) بالتحريك، كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء ممدودا، وجمع
стр. 2166
القضاء أقضية، كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، ويكون أيضا بمعنى الأمر، قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾.
وبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به، وبمعنى الإتمام قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ وبمعنى الإرادة، قال تعالى: ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾.
وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ، وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وبمعنى الخلق، قال تعالى:
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وبمعنى بلوغ المراد والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى وفاء الدين، كقولك: قضيت ديني. انتهى قسطلاني بتصرف. وأضيف أنه يكون بمعنى «أوحينا» كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن، فقال:
إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله ذلك علي، فقال الحسن-وكان فصيحا-: ما قضى الله ذلك، أي: ما أمر الله به؛ وقرأ قوله تعالى:
﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. انتهى.
الإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: (إذ): معطوف على مثله في الآية السابقة. ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾: انظر إعراب مثله في الآية السابقة، والفاعل يعود إلى (الله)، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، وهي حرف لا محل له. ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق بما قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِلْتَقَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] الأعراف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ﴾: متعلقان بالفعل «يري» والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قَلِيلاً﴾: حال من هاء الغائبين؛ لأن الفعل «يري» بصري. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾: مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤٣] والجار والمجرور الحاصلان من: ﴿لِيَقْضِيَ﴾ متعلقان بأحد الفعلين ﴿يُرِيكُمُوهُمْ،﴾ ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾.
﴿وَإِلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُ﴾: يقرأ بالبناء للفاعل وللمفعول. ﴿الْأُمُورُ﴾:
فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
стр. 2167
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿آمَنُوا﴾: انظر الآية رقم [٢]. ﴿لَقِيتُمْ﴾: لقي بمعنى: صادف، ومصدره: اللقي بضم اللام، وكسر القاف، واللقى بضم اللام مقصورا، واللقاء بكسرها ممدودا ومقصورا.
﴿فِئَةً﴾: جماعة، والمراد: الكفار. وترك وصفها؛ لأن المؤمنين ما كانوا يحاربون إلا الكفار.
وانظر الآية رقم [١٦]. ﴿فَاثْبُتُوا﴾ أي: في ساحة الحرب، ولا تهربوا، وظاهر اللفظ يوجب الثبات في الميدان على كل حال، وذلك يوهم نسخ ما ذكر في الآية رقم [١٦] من التحرف والتحيز، والجواب أن آية التحرف والتحيز؛ لا تقدح في حصول هذا الثبات في المحاربة، بل ربما كان الثبات لا يحصل إلا بذلك التحرف، والتحيز. ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ أي: في مواطن الحرب، داعين له، مستظهرين بذكره، مترقبين لنصره. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل عليه بقلب فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٦٨] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [٢٠]. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقِيتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿فِئَةً،﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿فَاثْبُتُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾.
(اثبتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، الواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر المتعلق في الشرح، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محل له؛ لأنه كلام ابتدائي كالجملة الندائية قبله. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: (اذكروا): فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿كَثِيراً﴾: صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، ويجوز اعتباره نائب مفعول مطلق، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: إعراب هذه الجملة ومحلها مثل جملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٦].
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاِصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما يأمرانكم به من الجهاد والثبات عند لقاء العدو، وقرن سبحانه طاعة نبيه بطاعته، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، انظر الآية رقم [٦٨] من سورة
стр. 2168
(النساء). ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ أي: لا تختلفوا. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: فتضعفوا وتجبنوا عند لقاء العدو.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: تذهب قوتكم، فقد استعار الريح للقوة، من حيث إنها في تمشي أمرها، ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها، كما تقول: الريح لفلان؛ إذا كان غالبا في الأمر.
قال الشاعر: [الوافر]
إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السكون متى يكون
هذا؛ والريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء والأرض، وأصله الروح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح ورياح، وأصل رياح رواح، فعل فيه كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث كما في الآية الكريمة، وقد تذكر على معنى الهواء، والرياح الأصول أربع:
إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء، والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها، أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا، والرابعة الدبور، وتأتي من جهة الغرب، وما أتى منها من بين تلك الجهات يقال لها:
النكباء؛ ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق، قيل لها: أزيب بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الياء، وإن خرجت من بين الشمال والغرب، قيل لها: جربيا بكسر الجيم، وسكون الراء وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشمال والشرق، قيل لها: صابية، وإن خرجت من بين الجنوب والغرب، قيل لها: هيف، بفتح الهاء وسكون الياء، وقد جمع الثمانية النواجي في قوله: [الطويل]
صبا ودبور، والجنوب وشمال... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ
ومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ
هذا؛ وأضيف أن ريح الصبا نصر الله بها نبيه ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، وأن ريح الدبور، أهلك الله بها قوم عاد، ونبيهم هود ﵊، كما رأيت في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف) وما بعدها. قال الرسول ﷺ : «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: على مقاساة الحرب وشدائدها. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: بالمعونة والنصر، والتأييد والظفر، وانظر (الصبر) في الآية رقم [١٢٧] من سورة (الأعراف)، هذا؛ ومعية الله على نوعين: عامة وخاصة، فالأولى: لكل الناس، وهي معية بالعلم والقدرة، والثانية: للمؤمنين المتقين والمحسنين، وهي بالحفظ والنصر، والمعونة والظفر... إلخ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال هنا: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾.
стр. 2169
عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم خطيبا، فقال: «أيّها الناس لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السّيوف» ثم قال «اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم».
الإعراب: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: انظر إعراب (اثبتوا) في الآية السابقة، والآية رقم [١].
﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَنازَعُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة مع ما قبلها على جملة (اثبتوا) في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، ويقويه عطف (تذهب) عليه بالنصب، كما قرئ بجزمه، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى وجه النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم تنازع ففشل لكم، وذهاب ريحكم. ﴿رِيحُكُمْ﴾:
فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَاصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الصّابِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ..﴾. إلخ: هذا نهي للمؤمنين عن التشبه بالكافرين البطرين المرائين، أبي جهل الخبيث وأمثاله الذين خرجوا لحماية العير التي كانت مع أبي سفيان في عودته من بلاد الشام، فقد خرجوا فلما بلغوا الجحفة وافاهم رسول أبي سفيان، وقال لهم: ارجعوا، فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل الخبيث: لا والله حتى نقدم بدرا، ونشرب فيها الخمر، وتعزف علينا القينات، ونطعم من حضرنا من العرب، فوافوها، ولكنهم سقوا كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح. هذا؛ وانظر شرح: ﴿دِيارِهِمْ﴾ في الآية رقم [٧٨] الأعراف، والبطر: الفخر، والكبر، والأشر، قال القرطبي: هو التقوية بنعم الله ، وما ألبسه من العافية على المعاصي، وقيل: البطر: صرف النعمة في المفاخرة على الأقران، وتكاثر بها أهل الزمان، وإنفاقها في غير طاعة الرحمن، والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس مع إبطان
стр. 2170
القبيح، وهو من النفاق، وقيل في الفرق بينهما: النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرياء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية، وانظر الآية رقم [٢٦٣] (البقرة). هذا؛ وأصل ﴿وَرِئاءَ﴾ ريايا، فالهمزة الأولى بدل من ياء هي عين الكلمة، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة؛ لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة، والمفاعلة في رئاء على بابها؛ لأن المرائي يري الناس أعماله حتى يروه الثناء عليه والتعظيم له. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: يمنعون الناس من الدخول في دين الإسلام، وانظر الآية رقم [٤٥] الأعراف فإنه جيد. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿مُحِيطٌ﴾ أي: عليم علما دقيقا فلا يفوته الكافرون، ولا يعجزونه، وأصله محوط؛ لأنه من حاط يحوط، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء فصار محوط، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل فهي الخبر، وهي مضاف، و (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بَطَراً﴾: مفعول لأجله، أو هو حال على تأويل المصدر باسم الفاعل. ﴿وَرِئاءَ﴾: معطوف على ما قبله على الاعتبارين، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على بطرا ورئاء، والمعنى، وصادين الناس عن الدخول في دين الله تعالى. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:
بعملهم، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾. ﴿مُحِيطٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها، المراد منها التهديد والوعيد.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: اذكر يا محمد، واذكروا يا مؤمنون وقت زين وحسن إبليس لمشركي قريش أعمالهم الخبيثة من كفر بالله ورسوله، وصد للناس عن الإسلام، ومحاربة للمسلمين. هذا؛ والمزين في الحقيقة هو الله تعالى، هذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل
стр. 2171
الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه، حتى يقبل وسوسته، هذا؛ والشيطان اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، انظر الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام) وما ذكرته في شرحها. وقد قال الرسول ﷺ لأبي ذر الغفاري-﵁ «يا أبا! ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم».
ولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا قرينا له، بدليل قول النبي ﷺ لعائشة-﵂ «أجاءك شيطانك؟» قالت: أولي شيطان؟ قال: «ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت:
وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». أسلم:
يروى بفتح الميم على أنه ماض، وفاعله يعود إلى الشيطان فيكون من الإسلام، ويروى بضم الميم على أنه مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، فيكون من السلامة، هذا؛ والشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد، وقيل: مأخوذ من شاط إذا احترق، فعلى الأول: هو مصروف لأن النون أصلية، وعلى الثاني: هو غير مصروف، لزيادة الألف والنون، وشطن من باب قعد، وشاط من باب ضرب. وقال: أي: الشيطان، ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ أي: لا يغلبكم اليوم أحد من الناس في هذه الحرب، انظر اليوم في الآية رقم [١٢٨] الأنعام. ﴿النّاسِ﴾: انظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف). ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾: مجير لكم من أعدائكم، هذا؛ والجار هو المجاور لك في المسكن، أو في المتجر، أو في الحقل، ويطلق على الشريك في العقار، والخفير، والمستجير، والحليف، والناصر، وجمعه في القلة: جيرة، وفي الكثرة: جيران، وأجوار، وجوار. ﴿تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾: رأت كل فئة عدوتها، والمراد الجيشان: جيش الإيمان وجيش الكفر، وانظر شرح ﴿فِئَةٍ﴾ في الآية رقم [١٦]. ﴿نَكَصَ﴾: رجع، قال الشاعر: [البسيط]
ليس النّكوص على الأدبار مكرمة... إنّ المكارم إقدام على الأسل
وقال الشاعر: [الطويل]
وما ينفع المستأخرين نكوصهم... ولا ضرّ أهل السّابقات التّقدّم
﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أي: فارا راجعا، وعقبيه مثنى عقب، وهو مؤخر قدم الإنسان، وفي ذلك استعارة لإبطال كيده ومكره وخداعهم له. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾: أعلن براءته منهم، وهم في أحرج الأوقات، وأحلك الساعات. وانظر شرح براءة في الآية رقم [١] من سورة (التوبة). ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾: إني أنظر وأبصر ما لا تبصرون. ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾: قيل: خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه، والأصح أنه كذب في قوله، ولكنه علم: أنه لا قوة له
стр. 2172
ولا حيلة في نصر المشركين عند ما عاين الملائكة، هذا؛ وإعلال ﴿أَرى﴾ مثل إعلال (ترى) في الآية رقم [١٤٢] الأعراف وإعلال ﴿تَرَوْنَ﴾ مثل إعلال ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية [٢٥] (الأعراف).
تنبيه: قيل: إن ما ذكر في الآية الكريمة إنما هو وسوسة وتخييل للمشركين بأنهم لا يغلبون، ولا يطاقون لكثرة عدوهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه هو الحق، حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، وقال جمهور المفسرين: تصور إبليس لهم بصورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان تزيينه لما أجمعت قريش على المسير إلى بدر ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من حروب، فخافوا من مداهمة مكة، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة، وكان من أشراف بني كنانة، وقال: أنا جار لكم من أن يأتيكم من كنانة شيء تكرهونه، فخرجوا سراعا، وهو معهم، ويده بيد الحارث بن هشام أخي أبي جهل، فلما حمي وطيس المعركة، وعاين الملائكة تنزل مددا للمسلمين فر هاربا، فقال له الحارث: أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث، وانطلق، فانهزموا، فلما بلغوا مكة، قالوا: هزم الناس سراقة، فلما بلغه ذلك، قال: والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا؛ علموا: أنه الشيطان الرجيم.
عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما رؤي الشيطان يوما، هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أغيظ، ولا أحقر منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرّحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام، إلاّ ما رأى يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة». أخرجه مالك في موطئه.
الإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بالمحذوف، مبني على السكون في محل نصب. ﴿زَيَّنَ﴾: ماض. ﴿لَهُمُ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعل. ﴿أَعْمالَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿زَيَّنَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَقالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس.
﴿غالِبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا،﴾ وأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿غالِبَ،﴾ ولا يجوز تعليقهما ب ﴿غالِبَ﴾: إذ لو كان كذلك لوجب نصب ﴿غالِبَ،﴾ وتنوينه؛ لأنه حينئذ يكون شبيها بالمضاف. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر ثان على لغة الحجازيين، ومتعلق بمحذوف صفة ثانية ل ﴿غالِبَ﴾ على لغة بني تميم، الذين يوجبون حذف الخبر، ويقدرونه بموجود أو حاصل. ﴿مِنَ النّاسِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير في متعلق ﴿لَكُمُ﴾ هذا؛ واعتبر أبو البقاء ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرفا متعلقا في متعلق ﴿لَكُمُ،﴾ وجملة: ﴿لا غالِبَ..﴾. إلخ
стр. 2173
في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها. ﴿وَإِنِّي﴾: الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿جارٌ﴾: خبرها. ﴿لَكُمُ﴾: متعلقان ب ﴿جارٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند الفارسي، وابن السراج، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَراءَتِ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿الْفِئَتانِ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ لا محل لها على القول بحرفية (لما)؛ لأنها حينئذ ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿نَكَصَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة؛ والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها مثله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرى﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو بصري؛ فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾.
إلخ تعليل لبراءته منهم. ﴿فَلَمّا﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها المنفية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا ترونه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾ تعليل آخر لبراءته منهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ تعليل آخر، إن كانت من قول إبليس، ومستأنفة إن كانت من قول الله تعالى، ويكون المراد منها الوعيد الشديد، والتهديد البليغ.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿يَقُولُ﴾: انظر القول في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: أرجو أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٨] النساء، ففيها الكفاية. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك،
стр. 2174
ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها بضعف الإيمان فيها، والمرض: حقيقة ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، استعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة، هذا؛ وقد اختلف في هؤلاء، فقيل: هم المنافقون، والعطف للترادف، وقال الخازن: هم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام، ولم يقو الإيمان في قلوبهم، فلما خرج كفار قريش إلى بدر خرجوا معهم، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا وارتدوا، وقالوا ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ أي: خدع المسلمين دينهم الجديد الذي اعتنقوه رجاء الثواب الموهوم، والأجر المزعوم، وانظر شرح: (الدين) في الآية رقم [١٦١] الأنعام. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي: يسلم أمره إليه، ويفوض شئونه لأمره، ويعتمد عليه في جميع أموره وأحواله. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: قوي غالب لا يذل من استجار به واعتمد عليه.
﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه، وانظر الآية رقم [١٠].
الإعراب: ﴿إِذْ﴾: هو مثل الآية السابقة. ﴿يَقُولُ﴾: مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة المقدرة (اذكر...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على المنافقون. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ﴾:
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، ويكون ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بذلك المحذوف، والتقدير: الذين استقر في قلوبهم مرض. ﴿غَرَّ﴾: ماض. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿دِينُهُمْ﴾: فاعل ﴿غَرَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿غَرَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٣] ومحله مثله أيضا.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ تَرى﴾: هذا الخطاب للنبي ﷺ ، ومعناه: عاينت وشاهدت؛ لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى الماضي، كما ترد (إن) الماضي إلى معنى الاستقبال. ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾: وقت قبض الملائكة أرواح الكفار والمشركين. ﴿الْمَلائِكَةُ﴾: انظر الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾: اختلف في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت تضرب الملائكة وجوه المشركين وأدبارهم بسياط من نار، وهذا عام في كل مشرك وكافر عند الموت، وهو ما تفيده الآية رقم [٢٧] من سورة (محمد ﷺ ، وقيل: كان هذا في
стр. 2175
غزوة بدر، قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد محمية بالنار، يضربون بها الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم، والمراد بالأدبار: الظهور والأعجاز. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة ذلك عند الضرب، وهو مختلف في وقته كسابقه، وهو وقت الضرب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] بشأن ﴿وَذُوقُوا،﴾ و ﴿عَذابَ﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٣٨] (الأعراف). ﴿الْحَرِيقِ﴾: بمعنى الحرق. هذا؛ وانظر ما يقال لهم، وهم في غمرات الموت في الآية رقم [٩٣] (الأنعام).
الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿تَرى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: ترى حال الكفار. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿يَتَوَفَّى﴾: مضارع مرفوع مثل ﴿تَرى﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿الْمَلائِكَةُ﴾: فاعل ﴿يَتَوَفَّى،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة:
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ في محل نصب حال من الملائكة، أو من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ لأن فيها ضميرا يعود عليهما، هذا؛ ويقرأ: ﴿يَتَوَفَّى﴾ بالتاء والياء، وساغ ذلك؛ لأن الملائكة جمع تكسير؛ ولأنه فصل بين الفعل وفاعله، هذا؛ ويجوز أن يكون فاعل ﴿يَتَوَفَّى﴾ ضميرا تقديره:
«هو» يعود إلى الله؛ وعليه ف: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار في محل نصب حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ والرابط الضمير فقط، وجملة:
﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَذُوقُوا﴾:
أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَرِيقِ..﴾.: مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل العذاب المحرق، وجملة: ﴿وَذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، إذ التقدير: ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا..﴾. إلخ. وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿يَضْرِبُونَ..﴾. إلخ. على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى الضرب والعذاب المذكور في الآية السابقة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، ومحاربة الرسول ﷺ والمؤمنين، وعبر بالأيدي عن الأنفس لأن سائر الأعمال بهن، وانظر شرح ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨] الأعراف.
﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾: انظر الآية رقم [١٨٢] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك.
следующие страницы →