Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه، حتى يقبل وسوسته، هذا؛ والشيطان اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، انظر الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام) وما ذكرته في شرحها. وقد قال الرسول ﷺ لأبي ذر الغفاري-﵁ «يا أبا! ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم».
ولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا قرينا له، بدليل قول النبي ﷺ لعائشة-﵂ «أجاءك شيطانك؟» قالت: أولي شيطان؟ قال: «ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت:
وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». أسلم:
يروى بفتح الميم على أنه ماض، وفاعله يعود إلى الشيطان فيكون من الإسلام، ويروى بضم الميم على أنه مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، فيكون من السلامة، هذا؛ والشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد، وقيل: مأخوذ من شاط إذا احترق، فعلى الأول: هو مصروف لأن النون أصلية، وعلى الثاني: هو غير مصروف، لزيادة الألف والنون، وشطن من باب قعد، وشاط من باب ضرب. وقال: أي: الشيطان، ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ أي: لا يغلبكم اليوم أحد من الناس في هذه الحرب، انظر اليوم في الآية رقم [١٢٨] الأنعام. ﴿النّاسِ﴾: انظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف). ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾: مجير لكم من أعدائكم، هذا؛ والجار هو المجاور لك في المسكن، أو في المتجر، أو في الحقل، ويطلق على الشريك في العقار، والخفير، والمستجير، والحليف، والناصر، وجمعه في القلة: جيرة، وفي الكثرة: جيران، وأجوار، وجوار. ﴿تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾: رأت كل فئة عدوتها، والمراد الجيشان: جيش الإيمان وجيش الكفر، وانظر شرح ﴿فِئَةٍ﴾ في الآية رقم [١٦]. ﴿نَكَصَ﴾: رجع، قال الشاعر: [البسيط]
ليس النّكوص على الأدبار مكرمة... إنّ المكارم إقدام على الأسل
وقال الشاعر: [الطويل]
وما ينفع المستأخرين نكوصهم... ولا ضرّ أهل السّابقات التّقدّم
﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أي: فارا راجعا، وعقبيه مثنى عقب، وهو مؤخر قدم الإنسان، وفي ذلك استعارة لإبطال كيده ومكره وخداعهم له. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾: أعلن براءته منهم، وهم في أحرج الأوقات، وأحلك الساعات. وانظر شرح براءة في الآية رقم [١] من سورة (التوبة). ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾: إني أنظر وأبصر ما لا تبصرون. ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾: قيل: خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه، والأصح أنه كذب في قوله، ولكنه علم: أنه لا قوة له
стр. 2172
ولا حيلة في نصر المشركين عند ما عاين الملائكة، هذا؛ وإعلال ﴿أَرى﴾ مثل إعلال (ترى) في الآية رقم [١٤٢] الأعراف وإعلال ﴿تَرَوْنَ﴾ مثل إعلال ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية [٢٥] (الأعراف).
تنبيه: قيل: إن ما ذكر في الآية الكريمة إنما هو وسوسة وتخييل للمشركين بأنهم لا يغلبون، ولا يطاقون لكثرة عدوهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه هو الحق، حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، وقال جمهور المفسرين: تصور إبليس لهم بصورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان تزيينه لما أجمعت قريش على المسير إلى بدر ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من حروب، فخافوا من مداهمة مكة، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة، وكان من أشراف بني كنانة، وقال: أنا جار لكم من أن يأتيكم من كنانة شيء تكرهونه، فخرجوا سراعا، وهو معهم، ويده بيد الحارث بن هشام أخي أبي جهل، فلما حمي وطيس المعركة، وعاين الملائكة تنزل مددا للمسلمين فر هاربا، فقال له الحارث: أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث، وانطلق، فانهزموا، فلما بلغوا مكة، قالوا: هزم الناس سراقة، فلما بلغه ذلك، قال: والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا؛ علموا: أنه الشيطان الرجيم.
عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما رؤي الشيطان يوما، هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أغيظ، ولا أحقر منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرّحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام، إلاّ ما رأى يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة». أخرجه مالك في موطئه.
الإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بالمحذوف، مبني على السكون في محل نصب. ﴿زَيَّنَ﴾: ماض. ﴿لَهُمُ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعل. ﴿أَعْمالَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿زَيَّنَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَقالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس.
﴿غالِبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا،﴾ وأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿غالِبَ،﴾ ولا يجوز تعليقهما ب ﴿غالِبَ﴾: إذ لو كان كذلك لوجب نصب ﴿غالِبَ،﴾ وتنوينه؛ لأنه حينئذ يكون شبيها بالمضاف. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر ثان على لغة الحجازيين، ومتعلق بمحذوف صفة ثانية ل ﴿غالِبَ﴾ على لغة بني تميم، الذين يوجبون حذف الخبر، ويقدرونه بموجود أو حاصل. ﴿مِنَ النّاسِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير في متعلق ﴿لَكُمُ﴾ هذا؛ واعتبر أبو البقاء ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرفا متعلقا في متعلق ﴿لَكُمُ،﴾ وجملة: ﴿لا غالِبَ..﴾. إلخ
стр. 2173
في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها. ﴿وَإِنِّي﴾: الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿جارٌ﴾: خبرها. ﴿لَكُمُ﴾: متعلقان ب ﴿جارٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند الفارسي، وابن السراج، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَراءَتِ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿الْفِئَتانِ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ لا محل لها على القول بحرفية (لما)؛ لأنها حينئذ ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿نَكَصَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة؛ والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها مثله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرى﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو بصري؛ فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾.
إلخ تعليل لبراءته منهم. ﴿فَلَمّا﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها المنفية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا ترونه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾ تعليل آخر لبراءته منهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ تعليل آخر، إن كانت من قول إبليس، ومستأنفة إن كانت من قول الله تعالى، ويكون المراد منها الوعيد الشديد، والتهديد البليغ.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿يَقُولُ﴾: انظر القول في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: أرجو أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٨] النساء، ففيها الكفاية. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك،
стр. 2174
ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها بضعف الإيمان فيها، والمرض: حقيقة ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، استعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة، هذا؛ وقد اختلف في هؤلاء، فقيل: هم المنافقون، والعطف للترادف، وقال الخازن: هم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام، ولم يقو الإيمان في قلوبهم، فلما خرج كفار قريش إلى بدر خرجوا معهم، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا وارتدوا، وقالوا ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ أي: خدع المسلمين دينهم الجديد الذي اعتنقوه رجاء الثواب الموهوم، والأجر المزعوم، وانظر شرح: (الدين) في الآية رقم [١٦١] الأنعام. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي: يسلم أمره إليه، ويفوض شئونه لأمره، ويعتمد عليه في جميع أموره وأحواله. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: قوي غالب لا يذل من استجار به واعتمد عليه.
﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه، وانظر الآية رقم [١٠].
الإعراب: ﴿إِذْ﴾: هو مثل الآية السابقة. ﴿يَقُولُ﴾: مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة المقدرة (اذكر...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على المنافقون. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ﴾:
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، ويكون ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بذلك المحذوف، والتقدير: الذين استقر في قلوبهم مرض. ﴿غَرَّ﴾: ماض. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿دِينُهُمْ﴾: فاعل ﴿غَرَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿غَرَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٣] ومحله مثله أيضا.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ تَرى﴾: هذا الخطاب للنبي ﷺ ، ومعناه: عاينت وشاهدت؛ لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى الماضي، كما ترد (إن) الماضي إلى معنى الاستقبال. ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾: وقت قبض الملائكة أرواح الكفار والمشركين. ﴿الْمَلائِكَةُ﴾: انظر الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾: اختلف في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت تضرب الملائكة وجوه المشركين وأدبارهم بسياط من نار، وهذا عام في كل مشرك وكافر عند الموت، وهو ما تفيده الآية رقم [٢٧] من سورة (محمد ﷺ ، وقيل: كان هذا في
стр. 2175
غزوة بدر، قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد محمية بالنار، يضربون بها الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم، والمراد بالأدبار: الظهور والأعجاز. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة ذلك عند الضرب، وهو مختلف في وقته كسابقه، وهو وقت الضرب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] بشأن ﴿وَذُوقُوا،﴾ و ﴿عَذابَ﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٣٨] (الأعراف). ﴿الْحَرِيقِ﴾: بمعنى الحرق. هذا؛ وانظر ما يقال لهم، وهم في غمرات الموت في الآية رقم [٩٣] (الأنعام).
الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿تَرى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: ترى حال الكفار. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿يَتَوَفَّى﴾: مضارع مرفوع مثل ﴿تَرى﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها.
﴿الْمَلائِكَةُ﴾: فاعل ﴿يَتَوَفَّى،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة:
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ في محل نصب حال من الملائكة، أو من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ لأن فيها ضميرا يعود عليهما، هذا؛ ويقرأ: ﴿يَتَوَفَّى﴾ بالتاء والياء، وساغ ذلك؛ لأن الملائكة جمع تكسير؛ ولأنه فصل بين الفعل وفاعله، هذا؛ ويجوز أن يكون فاعل ﴿يَتَوَفَّى﴾ ضميرا تقديره:
«هو» يعود إلى الله؛ وعليه ف: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار في محل نصب حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ والرابط الضمير فقط، وجملة:
﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَذُوقُوا﴾:
أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَرِيقِ..﴾.: مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل العذاب المحرق، وجملة: ﴿وَذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، إذ التقدير: ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا..﴾. إلخ. وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿يَضْرِبُونَ..﴾. إلخ. على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى الضرب والعذاب المذكور في الآية السابقة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، ومحاربة الرسول ﷺ والمؤمنين، وعبر بالأيدي عن الأنفس لأن سائر الأعمال بهن، وانظر شرح ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨] الأعراف.
﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾: انظر الآية رقم [١٨٢] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك.
стр. 2176
تنبيه: الآية الكريمة مذكورة في الآية رقم [١٨٢] من آل عمران بألفاظها وحروفها مع اختلاف المراد من الآيتين، ولكن الإعراب لا يختلف أبدا؛ فلذا، أحيلك على إعرابها هناك، روما للاختصار، والله المعين والموفق.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢)﴾
تنبيه: هذه الآية مذكورة بسورة (آل عمران) برقم [١١] مع اختلاف بسيط في بعض كلماتها، وهو لا يؤثر في معناها ولا في إعرابها؛ فلذا أحيلك على شرحها وإعرابها هناك روما للاختصار، وانظر الآية رقم [٥٥] الآتية.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ﴾: الإشارة إلى ما حل بهم يوم بدر من قتل، وأسر في الدنيا، وما يحل بهم عند الموت من عذاب. ﴿بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً..﴾. إلخ: أي: بسبب أن الله لا ينزع نعمة من قوم حتى يفسدوا ويفعلوا المنكرات، والفواحش، هذا؛ والنعمة التي أنعمها الله على قريش هي الخصب، والسعة، والأمن، والعافية، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وقال السدي: نعمة الله عليهم محمد ﷺ ، فكفروا به، فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب. ﴿سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوال خلقه، لا يخفى عليه شيء من كلامهم. ﴿عَلِيمٌ﴾:
بما في صدورهم من خير وشر، فيجازي كل واحد على عمله، وانظر الآية رقم [١٧].
﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿يَكُ﴾: أصله (يكون) فلما دخل الجازم عليه صار: لم يكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار (يكن) ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير كما في الآية الكريمة وغيرها كثير، وهو وارد في الشعر وفي الكلام العربي، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل]
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وقول الآخر: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
стр. 2177
وقرئ شاذا قوله تعالى: «(لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب)» ولم تحذف من قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
فإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
يريد نقيع التمر، وانظر شرح ﴿قَوْمٍ﴾ في [٣٢] من سورة (الأعراف) وشرح ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ في الآية [٩] منها.
الإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لَمْ﴾: حرف قلب ونفي وجزم. ﴿يَكُ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله.
﴿مُغَيِّراً﴾: خبر ﴿يَكُ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿نِعْمَةً﴾: مفعوله؛ لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفعل.
﴿أَنْعَمَها﴾: ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية صفة: ﴿نِعْمَةً﴾. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَمْ يَكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُغَيِّرُوا﴾:
مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها، و (أن) المضمرة والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُغَيِّراً﴾ أيضا. ﴿وَأَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿سَمِيعٌ﴾: خبرها. ﴿عَلِيمٌ﴾:
خبر ثان، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، هذا؛ ويقرأ بكسر همزة «(إنّ)»، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿كَدَأْبِ﴾: الدأب: العادة والشأن والحال، وهو أيضا مصدر دأب في العمل من باب قطع: إذا جد، واستمر فيه، وهو بمعانيه كلها تفتح الهمزة وتسكن. ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾: انظر
стр. 2178
الآية رقم [١٠٣] و [١٠٩] من سورة (الأعراف). ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم كقوم نوح، وقوم صالح، وقوم هود، وغيرهم. ﴿كَذَّبُوا﴾: فلم يصدقوا، وهو معنى: كفروا. ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾:
الآيات: جمع آية، وهي في الأصل العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون المترامي الأطراف من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، كما تقال لكل طائفة من القرآن.
انتهى. بيضاوي بتصرف، ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم التي من أعظمها الكفر، والإهلاك كان بالرجفة والزلزلة، أو بالخسف، أو بالحجارة، أو بالرياح العاتية، أو بالغرق، وإهلاك كفار قريش كان بالسيف. ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي: كل من الأمم التي أهلكت كانت ظالمة لنفسها بالكفر بالله، ولنبيها بالتكذيب، فلم يهلك الله قوما استئصالا بدون ذنب وكفر، وانظر الظلم والبغي في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام). وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿كَدَأْبِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
حالهم، وشأنهم كحال، وشأن آل فرعون، أو التقدير: غير كفار قريش نعمة الله تغييرا كائنا مثل تغيير آل فرعون وغيرهم نعمة الله، وهذا يعني أن: ﴿كَدَأْبِ﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع فعله. تأمل. و (دأب): مضاف، و ﴿آلِ﴾: مضاف إليه، و ﴿آلِ﴾: مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ﴿آلِ﴾.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿بِآياتِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بِآياتِ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من آل فرعون، وما عطف عليه، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها، والجملتان ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ معطوفتان عليها، فهما في محل نصب حال مثلها. ﴿وَكُلٌّ﴾: مبتدأ، والمضاف إليه محذوف، أي: كلهم. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظالِمِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكُلٌّ كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير الذي رأيت تقديره. هذا؛ والاستئناف ممكن.
تنبيه: قال سليمان الجمل: كرر ﴿كَدَأْبِ..﴾. إلخ لأن الأول: إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحدا من خلقه على فعله، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.
والثاني: إخبار عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله، وهو الإهلاك بالسيف والإغراق، وقيل: غير ذلك. انتهى.
стр. 2179
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿كَفَرُوا﴾: انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف)، والمراد أن الكفر رسخ في قلوبهم، وتغلغل بدمائهم وعظامهم. ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾: فلا يتوقع منهم إيمان.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة وما بعدها في بني قريظة من اليهود، وقد كان الرسول ﷺ قد عاهدهم بعد هجرته إلى المدينة المنورة، أن لا يحاربوا ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال رسول الله ﷺ ، وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم ثانية فنقضوا العهد أيضا، ومالئوا الكفار يوم الخندق، وهذا شيء معروف فصلته سورة (الأحزاب)، وذهب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافق المشركين على مخالفة رسول الله ﷺ ، ومعاداة الإسلام والمسلمين، انظر ما ذكرته في شرح الآية رقم [٥١] من سورة (النساء).
الإعراب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٢] ففيه الكفاية. الفاء: حرف تعليل. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿لا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع.
﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾: عقدت معهم معاهدة عدم اعتداء، وعدم ممالأة مع الكفار من أهل مكة. ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] الأعراف. ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾: فيه استعارة، فقد استعار الحبل للعهد، وفكه لإبطال العهد بجامع الإفساد في كل. ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ أي:
لا يخافون الله في نقض العهد؛ لأن عادة من يرجع إلى دين وعقل وحزم أن يتقي نقض العهد؛ حتى يسكن الناس إلى قوله، ويثقون بكلامه، فبين الله : أن من جمع بين الكفر ونقض العهد هم من شر الدواب. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه أوجه: أحدها الرفع على أنه بدل بعض من الموصول قبله، أو على النعت له، أو عطف البيان والنصب على الذم بفعل محذوف، والرفع على أنه مبتدأ، والخبر الجملة الشرطية في الآية التالية، ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. انتهى. جمل
стр. 2180
نقلا عن السمين بتصرف كبير مني، كما جوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين.
﴿عاهَدْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على تضمينه معنى (أخذت منهم) وقيل: (من) حرف صلة، فيكون الضمير مجرورا لفظا، منصوبا محلا على أنه مفعول به. وقال أبو البقاء: ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف، وقيل: (من) بمعنى «بعض» أي: عاهدت بعضهم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿فِي كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾:
مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وانظر إعراب مثلها في الآية السابقة.
﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾: فإما تصادفنهم وتظفرن بهم، ويأتي بمعنى: تجدنهم، وهو ما في الآية رقم [١٩٠] من سورة (البقرة) وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء، علما كان أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة، ولذلك استعمل فيها، قال الشاعر: [الوافر]
فإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى الخلود
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: فرق عن محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة حتى لا يجرؤ عليك بعدهم أحد اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم، وقال الزجاج: افعل بهم ما تفرق به جمعهم، وتطرد به من عداهم، هذا؛ وقرئ: «(فشرذ)» بالذال وهو بمعنى الأول، كما قرئ: ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ بكسر الميم، والمعنى واحد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لعل المشردين يتعظون، أو لعل من خلفهم يعتبرون ويتعظون بهم، وبما حل بهم، والترجي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الإعراب: ﴿فَإِمّا﴾: (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى (إن) في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد.
﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي الْحَرْبِ﴾: متعلقان بما قبلهما. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (شرد): أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلْفَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق
стр. 2181
بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها نكرة موصوفة، والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٦] وجملة: ﴿فَشَرِّدْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية: ﴿فَإِمّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ على وجه مر ذكره في الآية السابقة، أو هي مستأنفة لا محل لها.
﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أي: إذا ظهرت لك آثار الخيانة من قوم معاهدين وثبتت دلائلها عندك. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي: فاطرح إليهم عهدهم على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تداهمهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، وهذا يكون بإعلام العدو بنبذ العهد، أو بإعلان الحرب عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ أي: الذين يخونون بالعهود، ويخلفون الوعود.
وجملة القول في الآية الكريمة: أنه إذا ظهرت للإمام آثار نقض العهد ممن هادنهم من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى الإمام عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب كما فعل الرسول ﷺ بأهل مكة، وإن ظهرت الخيانة بأمارات تلوح وتتضح للإمام من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب عليه أن ينبذ إليهم العهد، ويعلمهم بالحرب كما فعل الرسول ﷺ ببني النضير وقريظة. ﴿سَواءٍ﴾: يأتي بمعنى مستو، وبمعنى الاستواء، كما في الآية رقم [٦] (البقرة). ويأتي بمعنى الوسط، كما في الآية رقم [١٠٨] البقرة، ويأتي بمعنى المساواة، وقد أتى هنا بمعنى العدل، وهو بكل معانيه مصدر، أو اسم فاعل؛ فلذا صح الإخبار به عن متعدد في بعض الحالات، وهو لا يثنى ولا يجمع، وقالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا:
سيان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع هم أسواء، وهذا كله ضعيف ونادر، وأيضا على غير قياس: هم سواس وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون، هذا؛ ومعنى محبة الله لعبده:
رضاته عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه، وعدم محبته له عكس ما ذكر، وانظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فإعراب هذا الكلام مثل إعراب الكلام في الآية السابقة. ﴿عَلى سَواءٍ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (انبذ) المستتر، أو من الضمير المجرور محلا ب (إلى)، والأول هو النابذ، والثاني هو المنبوذ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل والمفعول بمعنى متساويين، ومفعول (انبذ) محذوف، التقدير: انبذ إليهم عهدهم. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْخائِنِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن
стр. 2182
الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والجملة الشرطية ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ولا يظنن الذين، ماضيه بكسر السين، ومضارعه بكسرها وفتحها، أي: هو من بابين الرابع والسادس، والفعل يقرأ بتاء المضارعة وبالياء.
﴿سَبَقُوا﴾ أي: أفلتوا من القتل والأسر يوم بدر، فهم لا يفوتون الله، ولا يجدون طلبهم عاجزا عن إدراكهم. ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يعجزون الله، فهو ينتقم منهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، وفيه تسلية للنبي ﷺ فيمن فاته من المشركين يوم بدر، والذين كانوا يؤذونه شديد الأذى، ولم ينتقم منهم، فأعلمه ربه: أنهم لا يعجزونه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، أي: النبي ﷺ . ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، والمتعلق محذوف، وجملة: ﴿سَبَقُوا﴾ في محل نصب مفعول به ثان. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه، والهاء: اسمها. ﴿لا﴾: نافية، وجملة: ﴿يُعْجِزُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ ويقرأ بفتح همزة «(أن)» وهي تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكونهم لا يعجزون الله، هذا؛ وقد قال أبو البقاء العكبري: ﴿لا﴾ زائدة على الوجهين:
كسر الهمزة، وفتحها: وأرى: أن المعنى يختل على الوجهين باعتبارها زائدة. تأمل هذا؛ وعلى قراءة الفعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، ف ﴿الَّذِينَ﴾ فاعله، والمفعول الأول محذوف، تقديره: أنفسهم، وجملة: ﴿سَبَقُوا﴾ المفعول الثاني، وقيل: إن التقدير: (أن سبقوا) ف (إن) مخففة من الثقيلة، وتؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: ﴿يَحْسَبَنَّ،﴾ وقيل: إن الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ،﴾ و ﴿الَّذِينَ﴾: مفعوله الأول، وجملة:
﴿سَبَقُوا﴾ مفعوله الثاني، وعلى الأوجه الثلاثة فهمزة ﴿إِنَّهُمْ﴾ مكسورة، والجملة الاسمية مستأنفة، و ﴿لا﴾ نافية، هذا؛ والوجه المرتضى عندي أن تعتبر جملة: ﴿سَبَقُوا﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، وهي على تقدير (قد) قبلها، والرابط: الضمير فقط و ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ بفتح الهمزة في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ و (لا) صلة.
стр. 2183
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد طلب التقوى فيما سبق، وإن الله جلت قدرته لو شاء لهزمهم بالكلام، والتفل في وجوههم، وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله ﷺ في غزوة بدر، ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق، وقضائه النافذ، وكل ما تعده لصديقك من خير، أو لعدوك من شر، فهو داخل في عدتك. انتهى. قرطبي.
ولا يخفى أن عدة الحرب في هذا الزمن تختلف كل الاختلاف عن العدة في الزمن الماضي، فيجب على المسلمين أن يتخذوا العدة التي توائم وتناسب العصر الذي هم فيه، كما يجب عليهم أن يسايروا العصر بما يكون فيه من مخترعات وصناعات، وأنواع الأسلحة المستحدثة، ولكن المسلمين-ويا للأسف-أهملوا ذلك في هذا الزمن حتى صاروا أضحوكة بين الناس، بل وصاروا لقمة سائغة لأعدائهم، وذلك بسبب التفرق، والأنانية وحب الذات، وجلب المنفعة الشخصية حتى صدق على المسلمين في هذا العصر قول الرسول ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قالوا: أمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم كثيرون ولكنكم كغثاء السّيل ولينزعنّ الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا وكراهية الموت». أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث ثوبان ﵁، ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾: كان هذا في الزمن الماضي قوة تخوف أعداء الله، وكان مفخرة يفخر بها المسلم، قال الشاعر: [الكامل]
أمر الإله بربطها لعدوّه... في الحرب إنّ الله خير موفّق
وقال مكحول بن عبد الله ﵁: [الطويل]
نلوم على ربط الجياد وحبسها... وأوصى بها الله النّبيّ محمّدا
فعن عروة بن الجعد البارقي-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة». متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإنّ شبعه، وريّه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة». يعني حسنات، رواه البخاري، وقال ﵊:
«كلّ شيء يلهو به الرّجل باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّه من الحقّ».
стр. 2184
هذا؛ و ﴿رِباطِ الْخَيْلِ﴾ اقتناؤها، وربطها للغزو، وفي سبيل الله، هذا؛ ويقرأ: «(ربط)» بضم الراء والباء، وسكون الباء، أيضا على أنه جمع رباط، ورباط الخيل هو من جملة القوة، وإنما خصها الله بالذكر تنويها بفضلها وشرفها، كما خص جبريل وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة في الآية رقم [٩٨] (البقرة). هذا؛ والخيل اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده فرس وحصان، وانظر الآية رقم [١٤٤] الأنعام. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾: تخوفون، والضمير عائد على ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أو ل ﴿رِباطِ الْخَيْلِ﴾. ﴿عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾: اليهود وقريش وكفار العرب، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأعراف) لشرح عدو. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: يعني الفرس والروم، وقيل: المراد كل من لا تعرف عداوته، ولا بأس به، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أي: لا تعرفونهم بأعيانهم، والله يعرفهم. هذا؛ والفرق بين العلم والمعرفة: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني والنسب. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: تتصدقوا به، وقيل: تنفقوه على أنفسكم، أو خيلكم في أوقات الحرب، ولا بأس به، انظر (نفق) في الآية رقم [٣] و ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥] (الأعراف) و (دون) في الآية رقم [٣] (الأعراف). ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في طريق كل خير أمر الله به من جهاد وغيره، وانظر شرح ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٤١] الأعراف. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: تقبضون أجره في الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وكذلك الخلف في الدنيا والبركة في ما يبقى بأيديكم من هذا المال تحقيقا لوعد الله ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص ثوابكم وأجركم، وانظر الظلم، والبغي في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿وَأَعِدُّوا﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (أعدوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف.
﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي أو شيئا استطعتموه. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَا﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَا﴾ نفسها.
﴿وَمِنْ رِباطِ﴾: معطوفان على: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ و ﴿رِباطِ﴾: مضاف، و ﴿الْخَيْلِ﴾: مضاف إليه.
﴿تُرْهِبُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَدُوَّ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تُرْهِبُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿مَا﴾ لأن في الجملة ضميرين يعود أحدهما إلى الواو، والثاني إلى: ﴿مَا﴾. ﴿وَآخَرِينَ﴾: معطوف على ﴿عَدُوَّ اللهِ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آخرين)، والهاء في محل جر
стр. 2185
بالإضافة، وجملة: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ في محل نصب صفة ثانية ل (آخرين)، أو في محل نصب حال منه؛ بعد وصفه بما تقدم، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم اليقيني، وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: لا تعلمونهم فازعين أو محاربين، وهو تكلف لا داعي له. ﴿اللهِ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُهُمْ﴾: فعل ومفعوله، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف.
﴿مَا﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو مبتدأ، فيكون المفعول محذوفا. ﴿تُنْفِقُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية على اعتبار (ما) مفعولا مقدما. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَا،﴾ أو ﴿مِنْ﴾ المفعول المحذوف، ومن بيان لما أبهم في (ما). ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿تُنْفِقُوا،﴾ و ﴿سَبِيلِ﴾:
مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿يُوَفَّ﴾: مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى شيء، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ وخبر (ما)، على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٣] والجملة الاسمية، أو الفعلية الشرطية على اعتبار (ما) مفعولا مقدما مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تُظْلَمُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾: مالوا، أي: المشركون، وغيرهم من يهود ونصارى، أو: الذين نبذ إليهم عهدهم. فهو من باب دخل، وفتح. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمهادنة، قرئ بفتح السين وكسرها، كما في الآية رقم [٢٠٧] البقرة. وإن كان هناك بمعنى الإسلام. ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾:
يقرأ بفتح النون وضمها تبعا لمضارعه، هذا؛ وأنث الضمير العائد إلى السلم لحملها على نقيضها، وهو الحرب والعداوة، قال العباس بن مرداس السلمي الصحابي من أبيات يخاطب بها أبا خراشة خفاف بن ندبة-﵄: [البسيط]
السّلم تأخذ منها ما رضيت به... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾: فوض أمورك إليه، واعتمد عليه في كل شئونك، واستسلم لحكمه وقضائه وقدره. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: انظر الآية رقم [٥٤] و [١٧] من هذه السورة.
стр. 2186
تنبيه: اختلف في حكم هذه الآية، هل هو منسوخ أم لا؟ فقال قتادة وعكرمة والحسن: حكمها منسوخ بآية السيف، وقالوا: نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وقيل: إن حكمها غير منسوخ لكن الآية تتضمن الأمر بالصلح، إذا كان فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين، فإن رأى الإمام أن يصالح أعداءه من الكفار، وفيه قوة، فلا يجوز أن يهادنهم أكثر من سنة، وإن كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله ﷺ .
والمعتمد: أنه يجوز المهادنة مع قوة المسلمين، وشدة شكيمتهم، فقد هادن الرسول ﷺ أهل خيبر، وهادن الضمري في غزوة الأبواء، وهادن أكيدر سيد بني كندة، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرحناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة، فقد صالح أصحاب رسول الله ﷺ في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جَنَحُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، الواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِلسَّلْمِ،﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاجْنَحْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اجنح): أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:
«أنت». ﴿لَها﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وجملة:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ معطوفة على جملة جواب الشرط، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: الأول اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل. والثاني: اعتباره ضمير فصل لا محل له من الإعراب. وعلى هذين الوجهين فالسميع خبر إن. الثالث: اعتباره مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، و ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ أي: الكفار. ﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾: بأن يظهروا لك السلم والمهادنة، ويبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح لما طلبوا ظاهرا، وما عليك من نياتهم الفاسدة، وما أحراك أن تنظر الخداع
стр. 2187
والمخادعة في الآية رقم [٩] البقرة والآية رقم [١٤٢] النساء، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ أي: كافيك بنصره ومعونته. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وخذ قول جرير في هجاء: [الكامل]
إنّي وجدت من المكارم حسبكم... أن تلبسوا خزّ الثّياب وتشبعوا
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: شد أزرك، وقواك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك بالمؤمنين من الأنصار، قال النعمان بن بشير ﵁: نزلت في مدح الأنصار. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج بعد أن كانوا أعداء، وحرب بعاث دامت بينهم أربعين سنة، وكان تآلف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من معجزات النبي ﷺ ؛ لأن أحدهم، كان يلطم اللطمة، فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وأكبر دليل على ذلك حرب بعاث بين الأوس والخزرج، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وحرب البسوس بين بني بكر وبني تغلب، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وآية المجادلة الأخيرة أكبر دليل على ذلك.
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: هذا بيان من الله : أنه هو الذي ألف بين قلوب العرب، وأن القلوب بيده يصرفها كيف يشاء ويريد، ولو أن منفقا أنفق جميع الأموال الموجودة في الأرض بسبيل تأليف قلوب العرب؛ لما أمكنه ذلك، إلا أن يشاء الله ويريد ذلك بقدرته وحكمته البالغة. إنه عزيز حكيم، انظر الآية رقم [١٠] و [٥٠]. هذا؛ وبين ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، هذا؛ والبين: الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق والبعاد، قول كعب بن زهير ﵁ في قصيدة البردة: [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
الإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾: هو مثل: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ في الآية السابقة، و ﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به لفعل الإرادة، وقد صرح به لأنه شيء مستغرب، انظر الآية رقم [٨٩] (الأعراف). ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.
﴿حَسْبَكَ﴾: اسم إن، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله.
﴿اللهَ﴾: خبر (إن)، وهو في المعنى فاعل بالمصدر، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط في الظاهر، وعند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط محذوف، تقديره: فصالحهم، ولا تخف من كيدهم؛ وعليه فجملة: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ تعليل لهذا المحذوف، وانظر الشرح. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿أَيَّدَكَ﴾: ماض والفاعل يعود إلى الذي تقديره: «هو»، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿بِنَصْرِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله،
стр. 2188
ومفعوله محذوف، التقدير: بنصره إياك. ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَلَّفَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و ﴿قُلُوبِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَلَّفَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْفَقْتَ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب:
﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الأعراف). ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وإن اعتبرتها موصوفة أيضا؛ فلست مفندا. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة (ما)، أو بمحذوف صفتها. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من ﴿ما﴾ مؤكدة. ﴿ما﴾: نافية.
﴿أَلَّفْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و ﴿قُلُوبِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما أَلَّفْتَ..﴾. إلخ جواب لولا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ﴾: اسمها. وجملة: ﴿أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ في محل رفع خبر ﴿لكِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ اللهَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب لو، لا محل لها مثله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تعليل لما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [١] ﴿حَسْبُكَ﴾: كافيك، وانظر الآية السابقة. ﴿اللهُ﴾:
انظر الآية رقم [١] ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: المعنى: حسبك الله، وحسبك المهاجرون والأنصار، وقيل: المعنى كافيك الله، وكافي من تبعك.
تنبيه: قال الخازن: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس-﵄: أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب ﵁، قال سعيد بن جبير: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا، وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية، فعلى هذا القول تكون الآية مكية، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله ﷺ ، وقيل: إنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال؛ فعلى هذا القول أراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إلى غزوة بدر، وقيل: أراد به الأنصار، وتكون الآية نزلت بالمدينة، وقيل: أراد جميع المهاجرين والأنصار. انتهى، هذا؛ وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] الأعراف وزيادته في الآية [٢].
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النَّبِيُّ﴾: بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٧] من سورة
стр. 2189
(الأعراف) ففيها بحث جيد. ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾: مبتدأ وخبر، وانظر الآية السابقة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَمَنِ﴾: الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون فيه ثلاثة أوجه:
الأول: النصب فمن وجهين، إما أن يكون مفعولا معه، أو مفعولا به على تقدير فعل:
(يحسب)، وهو الصحيح لأنه لا يعمل في المفعول معه، إلا ما كان من جنس ما يعمل في المفعول به، ويكون العطف من قبيل الجملة الفعلية على الاسمية.
الثاني: الجر إما بالعطف على الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، من غير إعادة الجار، وهو جائز عند يونس، والأخفش، والكوفيين، وهو اختيار ابن مالك، أو على إضمار حسب أخرى، وهو الصواب عند ابن هشام، وأيضا هو مذهب أكثر البصريين القائلين بمنع العطف في الصورة المذكورة، وأجاز السيوطي أن تكون الواو واو القسم.
الثالث: الرفع بالعطف على الاسم المرفوع بتقدير المضاف، أي: وحسب من اتبعك، ثم حذفت حسب، وخلفها المضاف إليه. وقيل: ﴿وَمَنِ﴾: معطوف على ﴿اللهُ،﴾ وهو لا يحسن معنى، كما لا يحسن قولهم: ما شاء الله وشئنا، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير:
وحسبك من اتبعك، وقيل: هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
فإن قوله: (والضحاك) يروى بنصب الكاف وجرها ورفعها، وهذا هو الشاهد رقم [٩٦٧] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿اِتَّبَعَكَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى من، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و ﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم في (من).
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [١] ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ﴾: حثهم وحضهم عليه، هذا؛ والحرض الهلاك والضعف والهزال بسبب هم وغم، قال تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾.
والحض، والتحريض: الحث على الشيء بكثرة تزيينه وتسهيله للإنسان، ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾
стр. 2190
صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ: قال القرطبي: لفظه خبر ضمنه وعد بشرط. انتهى؛ لأن معناه: إن يصبر منكم عشرون في القتال ويثبتوا في الميدان يغلبوا مائتين من أعدائهم بعون الله وتأييده، وإنما حسن هذا التكليف؛ لأن الله وعدهم بالنصر، ومن تكفل الله له بالنصر سهل عليه الثبات مع الأعداء، هذا؛ وقرئ «(حرص)» بالصاد من الحرص... ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يفهمون، فهم جهلة بالله واليوم الآخر، لا يثبتون في المعارك ثبات المؤمنين، رجاء الثواب، ورفيع الدرجات قتلوا أو قتلوا، لا يستحقون من الله إلا الخزي والخذلان والهوان، هذا؛ وانظر ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، فإنه جيد.
فائدة: قال سليمان الجمل: وقعت مادة الكون هنا خمس مرات، آخرها قوله: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ وحاصل ما يتعلق بها من القراءات: أن الأول، والرابع بالياء التحتية لا غير، وأن الثاني، والثالث، والخامس بالياء والتاء.
فائدة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: عشرون، وثلاثون، وأربعون، كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح أول ثلاثين، وما بعده، إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر أول اثنان، والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون، كما قيل: ستة وتسعة. انتهى. احفظه فإنه جيد.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿حَرِّضِ﴾: أمر، وفاعله أنت مستتر فيه.
﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَلَى الْقِتالِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
﴿حَرِّضِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ﴾: مضارع ناقص فعل الشرط. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمه. ﴿عِشْرُونَ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿تَصْبِرُونَ﴾: صفة ﴿عِشْرُونَ﴾ مرفوع مثله، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿يَكُنْ﴾ تامّا، فالجار والمجرور ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِشْرُونَ﴾ كان صفة، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، وعلى الوجهين فالجملة فعلية، وهي لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَغْلِبُوا﴾: مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿مِائَتَيْنِ﴾: مفعول به منصوب... إلخ، هذا؛ وأرى: أن الجملة الشرطية ﴿إِنْ﴾
стр. 2191
يَكُنْ... إلخ في محل نصب مقولة لقول محذوف، التقدير: وقل لهم: إن يكن... إلخ، وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿حَرِّضِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه، وهو معطوف عليه. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَلْفاً،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، هذا؛ ولا تنس أنه قد وصف عشرون في الجملة الأولى ب ﴿تَصْبِرُونَ،﴾ ولم يصف ﴿مِائَةٌ﴾ في الجملة الثانية، وأثبت سبحانه في الثانية قيدا، وهو قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وحذفه من الأولى، فحذف من كل منهما ما أثبته في الآخر، ويسمى مثل هذا في فن البلاغة احتباكا. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قَوْمٌ﴾:
خبرها، وجملة: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿يَغْلِبُوا﴾ في الموضعين، أفاده الجمل، وهذا يعني أنه على التنازع، وأرى أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك بأنهم... إلخ، وله مثل كثيرة في كتاب الله تعالى، انظر الآية رقم [٦١] المائدة و [٨٥] منها وغيرهما كثير؛ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٦٦)﴾
الشرح: عن ابن عباس-﵄-قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ كتب على المؤمنين ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين، أي: من مقابلتهم في ساحة الحرب، ثم نزلت ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ فكتب أن لا يفر مائة من مائتين، وفي رواية أخرى عنه، قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ..﴾. إلخ شق ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ﴾ فظاهر هذا أن الآية الثانية ناسخة لما تقدم، ولما خفف الله عنهم من العدة نقص عنهم من الصبر بقدر ما خفف عنهم. انتهى. خازن بتصرف كبير، هذا؛ وعلم ليس على ظاهره، فعلم الله بضعفهم قديم أزلي.
أقول: الآيتان يطلق عليهما آيات المصابرة، وأن الثانية ناسخة للأولى، وهذا النسخ من الأشد إلى الأخف، ويفهم من لفظ: (شق ذلك على المسلمين): أن الثانية متأخرة عن الأولى في النزول.
﴿الْآنَ﴾: هذه الكلمة ملازمة للظرفية غالبا، مبنية على الفتح دائما لتضمنها معنى الإشارة، وألفها منقلبة عن واو لقولهم في معناها: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من آن يئين: إذا قرب،
стр. 2192
وقيل: أصله: (أوان) قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد، والسواد، وقيل: حذفت الألف، وغيرت الواو إلى الألف، كما قالوا: راح ورواح، استعملوه مرة على فعل، ومرة على فعال كزمن وزمان. ﴿ضَعْفاً﴾ أي: في البدن، لا في الدين، ويقرأ بفتح الضاد، وضمها. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: انظر الآية رقم [٤٧].
الإعراب: ﴿الْآنَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل بعده مبني على الفتح في محل نصب، وجملة:
﴿خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، و ﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (علم)، والجملة الفعلية ﴿وَعَلِمَ أَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ..﴾. إلخ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة، مع ما فيها من الاحتباك الذي ذكرته فيها، والكلام كله مفرع عما قبله ومستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿بِإِذْنِ﴾: متعلقان بأحد الفعلين ﴿يَغْلِبُوا﴾ على التنازع، ولا يتأتى هنا ما ذكرته بقوله ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ إلا على ضعف، و (إذن) مضاف، و ﴿اللهُ﴾: مضاف إليه. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾:
انظر إعراب ما يشبهها في الآية رقم [٤٧] وهي مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة، فالمعنى لا يأباه، والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه.
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ..﴾. إلخ: لا ينبغي ولا يحق لنبي أو ما صح، ولا استقام له، وقرئ: «(ما كان للنبي)» أن يأخذ الفداء من أسرى يقعون في يده حتى يكثر القتل في المشركين، وبذلك يذل الكفر ويقهر، ويعز الإسلام، وينتصر، وانظر الآية رقم [١١٤] سورة (التوبة)، هذا؛ وانظر شرح ﴿لِنَبِيٍّ﴾ في الآية رقم [١]. و ﴿أَسْرى﴾ جمع أسير، ويجمع على أسارى بضم الهمزة وفتحها، والأول أقوى وقد قرئ بذلك، وانظر الآية رقم [٨٥] من سورة (البقرة)، والإثخان كثرة القتل، والمبالغة فيه من الثخانة، وهي: الغلظ والكثافة، وقيل: الإثخان: القوة، والشدة.
﴿تُرِيدُونَ﴾: خطاب للنبي ﷺ . ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾: حطامها الفاني، وإنما سمى سبحانه منافع الدنيا عرضا؛ لأنه لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض، ثم تزول بخلاف منافع الآخرة، فإنها دائمة لا انقطاع لها، و ﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والراء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء ناحية الشيء من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء:
النفس، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد وغيره طيبة كانت أو خبيثة، يقال: فلان طيب العرض، أو منتن العرض، وانظر شرح: ﴿الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام). ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي: ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام ورفعه
стр. 2193
شأن أهله. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾: قوي لا يقهر، يغلب أولياءه على أعدائه. ﴿حَكِيمٌ﴾: يصنع ما فيه حكمة، ويعلم ما يليق بكل حال، ويخصه بها، كما أمر بالإثخان، ومنع الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن أو أخذ الفداء حين صارت الغلبة والشوكة للمؤمنين.
روي أن النبي ﷺ أتي يوم بدر بسبعين أسيرا، فيهم العباس عمه، وعقيل ابن عمه، فاستشار فيهم أصحابه، فكان رأيهم مختلفا، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! قومك، وأهلك فاستبقهم، لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر ﵁:
يا رسول الله اضرب أعناقهم؛ فإنهم أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء، مكني من فلان نسيب له، ومكن حمزة، وعليا من أخويهما، فلنضرب أعناقهم.
وقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله! انظر واديا كثير الحطب، فأضرمه عليهم، فمال الرسول ﷺ إلى رأي: أبي بكر ﵁، وقال: «إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حيث قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثل عيسى، حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ ومثل موسى حيث قال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ»﴾. ثم قال: «أنتم عالة، فلا ينفلتنّ أحد إلا بفداء أو ضربة عنق». فأخذ الفداء، ولم يقتل سوى النضر بن الحارث الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٣١] فنزلت الآية الكريمة والتي بعدها، فدخل عمر ﵁ المسجد فوجد الرسول ﷺ وأبا بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله! أخبرني، فإن أجد بكاء بكيت، وإلا تباكيت، فقال: «ابك على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة».
لشجرة قريبة منه، وكانت قد نزلت الآية الكريمة والتي بعدها. وينبغي أن تعلم أن هذه الآية وافقت رأي: عمر ﵁، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (المائدة).
تنبيه: في الآية الكريمة التفات من الغيبة في قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ..﴾. إلخ إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام). هذا؛ وقد قرئ شاذا بجر ﴿الْآخِرَةَ﴾ وذلك على تقدير مضاف، إذ التقدير (والله يريد عرض الآخرة) فلما حذف المضاف بقي المضاف إليه على جره، ومثل الآية الكريمة قول عدي بن زيد العبادي: [المتقارب]
أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا؟
الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِنَبِيٍّ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ واسمه محذوف يفهم من المقام، التقدير: ما كان لنبي أخذ الفداء، انظر الشرح يظهر لك ذلك جليا. ﴿كانَ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب
стр. 2194
ب ﴿كانَ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَسْرى﴾: اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿كانَ﴾ والمضارع الناقص في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من كون أسرى له والجار والمجرور متعلقان باسم ﴿كانَ﴾ الذي رأيت تقديره، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وانظر إعراب الآية رقم [١٦١] من آل عمران. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُثْخِنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى: (نبي). ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة ويثخن في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو باسمها الذي رأيت تقديره، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾: لقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على أقوال كثيرة: الأول: لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أنه لا يعاقب المخطئ في اجتهاده، الثاني: لولا حكم من الله... في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون. الثالث:
لولا حكم من الله... في أنه لا يعذب أهل بدر. الرابع: لولا حكم من الله... في أن الفدية ستحل لهم. الخامس: لولا حكم من الله... في أن الله لا يعذب المسلمين ومحمد ﷺ فيهم.
السادس: لولا حكم من الله... في أنه سبحانه قضى محو الصغائر باجتناب الكبائر. هذا؛ وانظر شرح: ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٢] الأعراف. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾: لأصابكم، ونزل بكم. ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ أي: من الفداء. ﴿عَذابٌ﴾: انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (الأعراف).
تنبيه: روي: أن النبي ﷺ قال: «لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ».
وذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان، وانظر ما ذكرته عن عبد الله بن رواحة في الآية السابقة ﵃ أجمعين.
تنبيه: ما في الآيتين الكريمتين عتاب له ﷺ على ترك الأولى، إذ كان الأولى له تدارك كثرة القتل فيهم لا الفداء، وليس عتابا على ترك محرم تنزيها لمنصب النبوة عن ذلك. انتهى. جمل نقلا عن كرخي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦] النساء فإنه جيد جدا، وأيضا الآية رقم [٤٤] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿كِتابٌ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿كِتابٌ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿سَبَقَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿كِتابٌ،﴾
стр. 2195
والجملة الفعلية صفة: ﴿كِتابٌ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود، وقيل: تقديره تدارككم. اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْلا﴾. مسكم: ماض، والكاف مفعوله. ﴿فِيما﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (في)، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، إذ التقدير: في الذي، أو في شيء أخذتموه. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل (مسّكم). ﴿عَظِيمٌ..﴾.: صفته، والجملة الاسمية: ﴿كِتابٌ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وجملة: ﴿لَمَسَّكُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْلا﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْلا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿فَكُلُوا..﴾. إلخ، المعنى: فقد أحلت لكم الغنائم، وأخذ الفداء فكلوا... روي:
أنه لما نزلت الآية السابقة كف أصحاب رسول الله ﷺ أيديهم عما أخذوا من الفداء، فنزلت هذه الآية التي تحل الغنائم لهذه الأمة، وكانت قبل ذلك حراما على جميع الأمم الماضية، فعن جابر بن عبد الله-﵄: أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي:
نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليتيمّم وليصلّ، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة». رواه البخاري وغيره.
هذا؛ ومن معناها التبعيض، أي: كلوا بعض ما غنمتم؛ فإن الغنيمة ليست كلها للغانمين، انظر الآية التي قسمت الغنائم برقم [٤٢] تجد ما يسرك. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: خافوا الله أن تعودوا، وأن تفعلوا شيئا من قبل أنفسكم قبل أن تؤمروا به. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: قد غفر لكم ما أقدمتم عليه من الذنب، ورحمكم، ومعنى ﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ أي: خاليا من العتاب والعقاب، هذا؛ وانظر: ﴿وَاتَّقُوا﴾ في الآية رقم [١].
الإعراب: ﴿فَكُلُوا﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الفاء الفصيحة على ما رأيت في الشرح، إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فكلوا. كلوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. والألف للتفريق. ﴿مِمّا غَنِمْتُمْ﴾: إعراب هذا مثل إعراب: ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ في الآية السابقة بلا فارق. ﴿حَلالاً﴾: حال من ما، أو من الضمير المحذوف العائد عليها، وقيل: هو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: أكلا حلالا. ﴿طَيِّباً﴾: صفة ﴿حَلالاً،﴾ وانظر الآية رقم [١٦٨] من سورة (البقرة). ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وقيل: معترضة بين التعليل وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمعلل، وهو الأمر ﴿فَكُلُوا..﴾. إلخ.
стр. 2196
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ أي: من وقع أسيرا في قبضة أيديكم يوم بدر، هذا؛ وانظر شرح ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨] الأعراف.
و ﴿الْأَسْرى﴾ في الآية رقم [٦٧]. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾: إيمانا وإخلاصا. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾: يخلف عليكم أفضل وأعظم من الفداء الذي أخذه الرسول ﷺ منكم.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ما سلف منكم قبل الإيمان. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾: لمن آمن وتاب من كفره، ومعاصيه. ﴿رَحِيمٌ﴾: بأهل طاعته، وهما اسما مبالغة من غفر ورحم، هذا؛ وانظر ﴿خَيْراً﴾ في الآية رقم [١٢] الأعراف فإنه جيد.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في العباس عم رسول الله ﷺ ، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين خرجوا من مكة إلى بدر، وكان قد خرج؛ ومعه عشرون أوقية من ذهب، ليطعم بها إذا جاءت نوبته، فكانت نوبته يوم الوقعة ببدر، فأراد أن يطعم ذلك اليوم، فاقتتلوا، لم يطعم شيئا، وبقيت العشرون أوقية معه، فلما أسر أخذت منه، فكلم رسول الله ﷺ أن يجعل العشرين أوقية من فدائه، فأبى، وقال: «أما شيء خرجت به لتستعين به على حربنا، فلا أتركه لك!». وكلفه فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد! تتركني أتكفف قريشا، ما بقيت، فقال له الرسول ﷺ : «فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة؟ وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث، فهذا لك، ولعبد الله، ولعبيد الله، وللفضل، وقثم-يعني بنيه-». فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: «أخبرني به ربي». قال العباس-﵁-أشهد أنك لصادق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله! لم يطلع عليه أحد إلا الله، وأمر ابني أخيه عقيلا ونوفلا فأسلما، ثم بعد ذلك قال العباس-﵁: فأبدلني الله خيرا مما أخذ مني عشرين عبدا، كلهم تاجر يضرب بمال كثير، أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي . انتهى. خازن.
هذا؛ والآية تشير إلى: أن العباس ﵁ كان مسلما، وهو المعتمد، وأن النبي ﷺ كان قد أمره بالبقاء في مكة، عينا له، فكان يخبره بما يتآمر به أهل مكة ضد الإسلام والمسلمين، فبقي في مكة حتى قبيل فتحها.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٦٤]. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلها. ﴿فِي أَيْدِيكُمْ﴾: جار
стр. 2197
ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْأَسْرى﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿فِي أَيْدِيكُمْ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ إعرابه ظاهر إن شاء الله تعالى، وانظر الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ في الآية رقم [٦٢]. ﴿يُؤْتِكُمْ﴾:
مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿خَيْراً﴾: مفعول به ثان.
﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿خَيْراً،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بمن. ﴿أُخِذَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُؤْتِكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَيَغْفِرْ﴾: مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، ويجوز في مثله النصب على إضمار (أن)، والرفع على الاستئناف، وإضمار مبتدأ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٥] النساء. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾: يعني الأسرى. ﴿خِيانَتَكَ﴾: نقض ما عاهدوك عليه. ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ﴾: بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ في الأزل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل موقعة بدر. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: بالقتل والأسر، فإن أعادوا الخيانة؛ فسيمكنك منهم أيضا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
لا يخفى عليه شيء من أفعال عباده، ويضع الأمور مواضعها على مقتضى ما تقتضيه الحكمة، هذا؛ وأصل خيانتك: خوانتك؛ لأنه من: خان يخون، وهو أجوف واوي، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ووقوع الألف بعدها.
الإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ انظر الآية رقم [٦٢] وما بعدها. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خانُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: مبني على الضم في محل جر لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿فَقَدْ خانُوا..﴾. إلخ في محل جزم، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط محذوف، التقدير: وإن يريدوا خيانتك فلا يضرونك شيئا، وقدره الجلال
стр. 2198
فليتوقعوا مثل ذلك؛ إن عادوا والأول أولى؛ وعليه، فالجملة الفعلية ﴿فَقَدْ خانُوا..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف. ﴿فَأَمْكَنَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: انظر مثلها في الآية السابقة إعرابا ومحلا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: المراد بهم المؤمنون السابقون من أهل مكة الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم تركوا أوطانهم وأموالهم، وهاجروا إلى المدينة المنورة، ثم بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة نبيه ﷺ ، ولا أتكلم عن الهجرة والجهاد في سبيل الله بأكثر مما ذكرته في الآية رقم [٨٩] النساء و [٩٦] منها، ففيهما الكفاية. ﴿آمَنُوا﴾: انظر الآية رقم [٢] الأعراف ورقم [٣]. ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] الأعراف. ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾: دين الله الذي ارتضاه لنفسه ولأمة محمد ﷺ وانظر الآية رقم [٤٥] الأعراف، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾: المراد بهم الأنصار أهل المدينة الذين آووا النبي ﷺ والمهاجرين الذين أتوهم من أهل مكة، فأسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، هذا؛ وإعلال: ﴿آوَوْا﴾ مثل إعلال (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] (الأعراف). ﴿أُولئِكَ﴾: إشارة إلى المهاجرين والأنصار معا. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: في العون والنصرة دون أقربائهم من الكفار.
وقال ابن عباس-﵄: في الميراث. انتهى. وتأويله: أن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة، دون أقربائهم وذوي أرحامهم، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة، وانقطعت الهجرة، فتوارثوا بالأرحام حيثما كانوا، فصار ذلك منسوخا بالآية الأخيرة، وهي رقم [٧٥] وهذا التوارث حصل بعد أن آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، حيث جعل مع كل أنصاري مهاجرا، فكان الأنصاري يعطف على المهاجري عطف الأب على ابنه والأخ على أخيه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا..﴾. إلخ:
فقد قطع الله الميراث والتوارث بين المهاجرين، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا،﴾ انظر الآية رقم [٩٧] (النساء) وما بعدها تجد ما يسرك، هذا؛ والولاية هنا بمعنى: الميراث، ويجيء بمعنى النصرة
стр. 2199
والمعاونة، وهو بفتح الواو، وقرئ بكسرها، والفتح أحسن وأبين، وقد تطلق الولاية بفتح الواو وكسرها أيضا على الإمارة والرئاسة، هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥] (الأعراف).
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: إن طلب منكم أيها المهاجرون الذين لم يهاجروا معاونتهم بنفس أو بمال فأعينوهم على المشركين، ولا سيما إن كانوا مستضعفين لا يقدرون على الهجرة، كما رأيت في الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) وما بعدها. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: فيجب عليكم نصرهم إلا إذا استنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم عهود ومهادنة عدم اعتداء، فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تنتهي مدته. ﴿الدِّينِ﴾:
انظر الآية رقم [١٦٢] الأنعام. ﴿مِيثاقٌ﴾: انظر إعلال ﴿الْمِيعادِ﴾ في الآية رقم [٤٢] فهو مثله.
﴿وَاللهُ﴾: انظر الآية رقم [١].
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿آمَنُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿وَجاهَدُوا،﴾ و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. و ﴿الَّذِينَ﴾:
معطوف على ما قبله. ﴿آوَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، الواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة: ﴿وَنَصَرُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له.
﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ﴾: خبره، وهو مضاف، و ﴿بَعْضٍ﴾:
مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿بَعْضُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو استئنافية لا محل لها. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، والجملة بعده صلته. ﴿وَلَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم.
﴿يُهاجِرُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقهما بمحذوف حال من المبتدأ المؤخر لا يجيزه كثير من النحاة. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ
стр. 2200
معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿ما﴾ النافية لأن فيها رائحة الفعل (انتفى). ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ انظر إعراب: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ في الآية رقم [٦٢] فهو مثله إفرادا، وجملا. ﴿فَعَلَيْكُمُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(عليكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿النَّصْرُ﴾: مبتدأ مؤخر، ولو قيل: عليكم: اسم فعل أمر، و (النصر) بالنصب مفعول به، فهو مقبول معنى وإعرابا، ولكن لم أطلع على قراءة بنصبه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ﴾:
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٤٠].
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: في الميراث والمؤازرة والمعاونة، وهو بمفهومه يدل على منع التوارث والتآزر بينهم وبين المسلمين، والآية الكريمة نصت بأن الكفر ملة واحدة مهما اختلفت أنواعه وألوانه، وهو بجميع أصنافه حرب على المسلمين في كل عصر وزمان، والتاريخ شاهد صدق على ما أقول، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف).
﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ أي: إن لم تفعلوا ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولي بعضكم بعضا حتى في التوارث، وقطع الصلة والمودة بينكم وبين الكفار. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾: تقع في الأرض فتنة عظيمة، وهي ظهور الكفر وتقويته، وضعف شوكة المسلمين، وذلك فساد للدين، وقرئ: «(كثير)» بالثاء. هذا؛ والضمير في ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ عاد على معنى الكلام السابق دون لفظه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة:
﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بَعْضٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة لا محل
стр. 2201
لها مثلها. ﴿إِلاّ﴾: (إن): حرف شرط جازم. (لا): نافية. ﴿تَفْعَلُوهُ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تَكُنْ﴾: مضارع تام جواب الشرط. ﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿وَفَسادٌ﴾: معطوف على ﴿فِتْنَةٌ﴾. ﴿كَبِيرٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿تَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿وَنَصَرُوا﴾: انظر شرحه مفصلا في الآية رقم [٧٢]. ﴿أُولئِكَ هُمُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤] لشرح هذا الكلام.
وأنقل لك ما ذكره البيضاوي بحروفه، قال رحمه الله تعالى: لما قسم الله المؤمنين ثلاثة أقسام؛ بين أن الكاملين في الإيمان، منهم الذين حققوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد، وبذل المال، ونصرة الحق، ووعد لهم الموعد الكريم، فقال ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تبعة له، ولا منة فيه.
تنبيه: لا تكرار في الكلام؛ لأن الله ذكر في الآية الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضا، ثم ذكر في هذه الآية ما منّ به عليهم من المغفرة والرزق الكريم، وقيل: إعادة الشيء مرة بعد مرة أخرى تدل على مزيد الاهتمام به، فلما ذكرهم أولا، ثم أعاد ذكرهم دل ذلك على تعظيم شأنهم، وعلو درجاتهم، وهذا هو الشرف العظيم. انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى ﴿وَنَصَرُوا﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٧٢].
﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤] وهي اسمية في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لَهُمْ﴾:
جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾:
معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾: لقد اختلف في قوله ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ فقيل: من بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان، وهي الهجرة الثانية، وقيل: من بعد نزول هذه الآية، وقيل: من بعد
стр. 2202
غزوة بدر، والأصح أن المراد به أهل الهجرة الثانية؛ لأنها بعد الهجرة الأولى؛ لأن الهجرة انقطعت بعد فتح مكة؛ لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح، ويدل عليه قول النبي ﷺ «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة» وقال الحسن: الهجرة غير منقطعة، ويجاب عن هذا بأن المراد منه الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدينة، فأما من كان من المؤمنين في بلد يخاف على إظهار دينه من كثرة الكفار وغلبتهم، وجب عليه أن يهاجر إلى بلد لا يخاف فيه على إظهار دينه.
انتهى. خازن.
﴿فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ أي: صاروا من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار، وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم، ولكن لا يخفى أن مرتبة السابقين أعلى وأشرف من مرتبة المتأخرين.
﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى..﴾. إلخ: ذكرت لك في الآية رقم [٧٢] أن هذه الآية ناسخة للتوارث بالأخوة الإسلامية والهجرة، وقد استدل بها أيضا على توريث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة، والمراد بكتاب الله: اللوح المحفوظ، وقيل: المراد: القرآن الكريم، وهو ما ذكر في سورة (النساء) من المواريث.
﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: حيث فصل وبين جلت قدرته ما فيه حكمة ومنفعة لعباده، وهو أعلم بمراده وأسرار كتابه. هذا؛ وانظر شرح ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٢] الأعراف. ﴿شَيْءٍ﴾:
انظر الآية رقم [٨٥] منها. ﴿وَأُولُوا﴾: أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده (ذي) المضاف إن كان مجرورا، و (ذا) المضاف إن كان منصوبا، و (ذو) المضاف إن كان مرفوعا.
﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١].
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وبني بعده على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا﴾ معطوفتان على جملة الصلة لا محل لها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. الفاء: زائدة في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له.
﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَأُولُوا﴾: (أولو):
مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و (أولو) مضاف، و ﴿الْأَرْحامِ﴾: مضاف إليه. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة.
﴿أَوْلى﴾: خبر المبتدأ، مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِبَعْضٍ﴾: متعلقان ب ﴿أَوْلى﴾. ﴿فِي كِتابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿أَوْلى،﴾ و ﴿كِتابِ﴾:
стр. 2203
مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها من جمل اسمية لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها. ﴿بِكُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
تمت سورة (الأنفال) بحمد الله وتوفيقه.
تفسيرا وإعرابا والحمد لله رب العالمين.
стр. 2204
سورة التّوبة
وهي مدنية، قال ابن الجوزي: إلا آيتين في آخرها ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ فإنها نزلت بمكة، وهي آخر سور القرآن الكريم نزولا، وهي: مائة وتسع وعشرون آية، وأربعة آلاف، وثمان وسبعون كلمة، وعشرة آلاف وأربعمائة، وثمان وثمانون حرفا، ولهذه السورة أسماء عشرة: سورة (التوبة) وسورة براءة، وهذان الاسمان مشهوران والمقشقشة قاله ابن عمر، سميت بذلك؛ لأنها تقشقش من النفاق، أي: تبرئ منه، والمبعثرة؛ لأنها تبعثر عن أخبار المنافقين، وتبحث عنها وتثيرها، والفاضحة، قاله ابن عباس؛ لأنها فضحت المنافقين، وسورة العذاب، قاله حذيفة ﵁، والمخزية؛ لأن فيها خزي المنافقين، والمدمدمة سميت بذلك؛ لأن فيها هلاك المنافقين، والمشردة، سميت بذلك؛ لأنها شردت جموع المنافقين، وفرقتهم، والمثيرة، سميت بذلك؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين، وكشفت أحوالهم، وهتكت أستارهم. انتهى خازن. وزيد المنكلة، والمنقرة، والحافرة، والبحوث، وغير ذلك.
عن سعيد بن جبير ﵁، قال: قلت لابن عباس-﵄: سورة (التوبة) قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول، ومنهم، ومنهم... حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة (الأنفال)، قال: نزلت في بدر، قال: قلت: سورة (الحشر)، قال: بل سورة بني النضير. أخرجاه في الصحيحين. انتهى. خازن.
تنبيه: لقد اختلف بسبب ترك التسمية في أول هذه السورة الكريمة، وها أنا ذا أنقل لك ما كتبه الخازن في هذا الصدد: فعن محمد بن الحنفية-﵄-قال: قلت لأبي، يعني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لم لم تكتبوا في براءة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟﴾ قال:
يا بني إن براءة نزلت بالسيف، وإن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين، وقال المبرد: لم تفتح هذه السورة الشريفة ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؛﴾ لأن التسمية افتتاح للخير، وأول هذه السورة وعيد، ونقض عهود، فلذلك لم تفتح بالتسمية.
وسئل أبي بن كعب-﵁-عن هذا، فقال: إنها نزلت في آخر القرآن، وكان رسول الله ﷺ يأمر في كل سورة بكتابة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ ولم يأمر في براءة بذلك، فضمت إلى الأنفال لشبهها بها، وقيل: إن الصحابة اختلفوا في أن سورة (الأنفال)،
стр. 2205
وسورة براءة هل هما سورة واحدة، أو سورتان، فقال بعضهم: سورة واحدة لأنهما نزلتا في القتال، ومجموعهما معا مائتان وثمانون آية، فكانت هي السورة السابعة من السبع الطوال، وقال بعضهم: هما سورتان، فلما حصل هذا الاختلاف بين الصحابة تركوا بينهما فرجة، تنبيها على قول من يقول: إنهما سورتان، ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ وتنبيها على قول من يقول: هما سورة واحدة. انتهى. خازن.
وقيل: كان النبي ﷺ إذا نزلت عليه سورة، أو آية بين موضعها، وتوفي؛ ولم يبين موضعها، وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال، وتناسبها؛ لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذها، فضمت إليها. انتهى. بيضاوي.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾
الشرح: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: أصل البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، فأنا بريء منه، أي: انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيننا علقة، وقيل: معناه التباعد مما تكره مجاورته، وانظر شرح ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال).
﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: إلى الذين عاهدهم رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان المتولي للعقود، وأصحابه جميعهم راضون بذلك، فكأنهم عاقدوا، وعاهدوا فنسب العقد إليهم، وكانت هذه البراءة بعد أن نكث المشركون، ما عاهدوا عليه النبي ﷺ ، فإنهم نكثوا إلا أناسا منهم: بنو ضمرة وبنو كنانة، فأمرهم الله بنبذ العهد، إلى الناكثين، وإمهال من لم ينكث من المشركين أربعة أشهر، وهو نص الآية التالية.
الإعراب: ﴿بَراءَةٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه براءة. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿بَراءَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: عاهدتموهم. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿بَراءَةٌ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها كما رأيت، هذا؛ وقرئ بنصب: (براءة) على تقدير: اسمعوا، أو التزموا براءة، ففيه معنى الإغراء.
стр. 2206
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)﴾
الشرح: ﴿فَسِيحُوا﴾: سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب، ولا سلب، ولا قتل، ولا أسر. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ لأن الآية نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر؛ لأن التبليغ كان يوم النحر، كما ستعرفه، وانظر شرح الأشهر في الآية رقم [٣٧]. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أي: اعتقدوا وتيقنوا: أنكم لا تعجزون الله، ولا تفوتونه، واعتقدوا أن الله مذل الكافرين بالقتل والأسر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وانظر شرح ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف)، هذا؛ و ﴿غَيْرُ﴾ اسم شديد الإبهام، ولا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو الفتح خلاف، وإن أردت الزيادة فانظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
تنبيه: لقد اختلف العلماء في هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فقال مجاهد: هذا التأجيل من الله للمشركين، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر حطه إليها، ومن كان عهده بغير أجل معلوم محدود حدّه بها، ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله، يقتل حيث أدرك، ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان، وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر في السنة التاسعة للهجرة على المعتمد.
وكان النبي ﷺ قد أراد الحج، فقيل له: إن المشركين يحضرون، ويطوفون بالبيت عراة، فقال: «لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك». فبعث أبا بكر-﵁-في تلك السنة أميرا على الحج، ثم بعد مسيره بأيام نزلت الآيات من أول سورة براءة، فبعث بها مع علي بن أبي طالب-﵁-على ناقته العضباء ليقرأ الآيات على الناس، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى، وعرفة: أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، فلما قرب علي ﵁ سمع أبو بكر ﵁ الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ ، فلما لحقه، قال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، فلما كان يوم التروية، خطب أبو بكر الناس، وعلمهم مناسكهم، ووقف علي يوم النحر عند جمرة العقبة، وقال: يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم.
قالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم الآيات من أول سورة براءة ثلاثين أو أربعين، ثم قال: أمرت بأربع:
стр. 2207
أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد، فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر، وهذا يخالف ما روي عن مجاهد.
تنبيه: بعث النبيّ ﷺ عليا ﵁ ليبلغ ما ذكر، ليس عزلا لأبي بكر ﵁ عن إمارة الحج ذلك العام، ولا دليل فيه على فضل علي على أبي بكر-﵄، وإنما كان هذا البعث والتولي جاريا على عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد، أو نقضه إلا سيد القبيلة وعظيمها، أو رجل من أقاربه، وكان علي ﵁ أقرب الناس إلى النبي ﷺ ، فبعثه الرسول لهذا السبب، ولئلا يقولوا: هذا على خلاف ما نعرفه عن عادتنا في عهد العهود ونقضها انتهى. بيضاوي وخازن بتصرف كبير. هذا؛ ولا تنس أن في الكلام التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، وأيضا من خطاب إلى خطاب آخر، انظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام) فإنه جيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿فَسِيحُوا﴾: الفاء: حرف استئناف. (سيحوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مقولة لقول محذوف، إذ التقدير: قل لهم:
سيحوا... إلخ، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما.
﴿أَرْبَعَةَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿أَرْبَعَةَ﴾: مضاف، و ﴿أَشْهُرٍ﴾: مضاف إليه.
﴿وَاعْلَمُوا﴾: إعرابه مثل سابقه. ﴿أَنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿غَيْرُ﴾: خبر (أن)، وهو مضاف، و ﴿مُعْجِزِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿مُعْجِزِي﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (اعلموا)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا المصدر المؤول من ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، هذا؛ و ﴿مُخْزِي﴾ خبر (أن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه... إلخ، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾
الشرح: ﴿وَأَذانٌ﴾: إعلام، والأذان، من الإيذان، كالأمان من الإيمان، والعطاء من
стр. 2208
الإعطاء. ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] (الأنفال). ﴿النّاسِ﴾: انظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف). ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يوم عيد الأضحى؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله أو المراد به يوم عرفة؛ لأن الوقوف فيها أهم أركان الحج وأفعاله، ووصف الحج بالأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيده عيد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عزّ المسلمين، وذلّ المشركين كما رأيت في الآية السابقة.
﴿بَرِيءٌ﴾: انظر شرح براءة في الآية رقم [١]. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين اتخذوا معه إلها آخر من حجر، أو شخص، أو حيوان، وغير ذلك.
﴿وَرَسُولِهِ﴾ أي: هو بريء أيضا من المشركين، وعهودهم. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفر، والغدر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: فالتوبة خير لكم، وانظر شرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف). ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: عن التوبة من الكفر، وأعرضتم عن الإيمان بالله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أصل البشارة أن تكون بما يسر المخبر به، وقد تستعمل بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء، وهو ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (النحل)، إن أردت الزيادة، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). وفي الكلام التفات كما ترى.
الإعراب: ﴿وَأَذانٌ﴾: الواو: حرف عطف. (أذان): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذا أذان: أو قل: الآيات الآتي ذكرها (أذان). ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: (أذان)، أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر. و ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى النّاسِ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله، و ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَجِّ﴾: مضاف إليه. ﴿الْأَكْبَرِ﴾: صفة ﴿الْحَجِّ،﴾ هذا؛ وقيل: إن يوم متعلق بصفة: (أذان) المحذوفة، ولا يحسن أن يتعلق ب (أذان)؛ لأنه وصف، فخرج عن حكم الفعل، وقيل: متعلق ب ﴿مُخْزِي،﴾ وفيه بعد، هذا؛ ويجوز اعتبار (أذان) مبتدأ، و ﴿إِلَى النّاسِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، و ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بالخبر المحذوف أيضا، وعلى الاعتبارين في (أذان) فالجملة الاسمية معطوفة على قوله ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ لا محل لها، الأولى بالابتداء، والثانية بالاتباع، هذا؛ والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف مقدر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: (أذان) على الوجه الأول فيه، ومتعلقان بمحذوف خبره على الوجه الثاني فيه، وينبغي أن تلاحظ: أن الصفة قد تعددت وهي شبه جملة على الوجه الأول، وأن الخبر قد تعدد، وهو شبه جملة على الوجه الثاني، هذا؛ وقرئ بكسر همزة: «(إنّ)»، فتكون الجملة تعليلا لما تقدم أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
стр. 2209
﴿وَرَسُولِهِ﴾: (رسوله): بالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو معطوف على الضمير المستتر في: بريء، وما بينهما يجري مجرى التوكيد؛ فلذا ساغ العطف، والثاني: هو مبتدأ محذوف خبره، التقدير: ورسوله بريء أيضا، والثالث: هو معطوف على محل اسم (أنّ)، وهو عند المحققين غير جائز؛ لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة، وقرئ بالنصب من وجهين: أحدهما: العطف على اسم (أنّ)، وثانيهما: على أنه مفعول معه، والواو بمعنى مع، وقرئ شاذا بالجر على إرادة القسم، وحذف جوابه لفهم المعنى. وقيل: على الجوار، كما أنهم نعتوا أو أكدوا على الجوار، كما رأيت في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة). ﴿فَإِنْ﴾:
الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿فَإِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُبْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له من الإعراب، وما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثله، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: إعراب هذه الجملة مثل الآية رقم [٢]. ﴿وَبَشِّرِ﴾: أمر، وفاعله أنت. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾:
صفته، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، والعطف لا يؤيده المعنى.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ..﴾. إلخ: المراد بهؤلاء بنو ضمرة-حي من كنانة-فقد أمر الله رسوله والمؤمنين بإتمام عهدهم، إلى تمام مدته، وكان قد بقي من ذلك تسعة أشهر، والسبب فيه أن هؤلاء القوم لم ينقضوا العهد، ولم يعاونوا أحدا على الرسول ﷺ ، وإذا كان ذلك واقعا منهم؛ فلا يعاملون معاملة الناكثين: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ،﴾ انظر هذا الحب في الآية رقم [٥٩] الأنفال، هذا؛ وقرئ «(ينقضوكم)» بالضاد، أي: لم ينقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، هذا؛ وانظر ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ في الآية رقم [٣]. «ينقضوكم»: انظر (زاد) في الآية رقم [٦٩] الأعراف. ﴿شَيْئاً﴾: انظر الآية رقم [٨٥] (الأعراف). ﴿أَحَداً﴾: انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف). ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال). ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف).
стр. 2210
الإعراب: ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من المشركين، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، إذ التقدير: عاهدتموهم
﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لَمْ﴾:
حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَنْقُصُوكُمْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿شَيْئاً﴾: مفعول به ثان، وقيل: نائب مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَتِمُّوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. ﴿فَأَتِمُّوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَهْدَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿إِلى مُدَّتِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال مما قبلهما، التقدير: ممتدا إلى مدتهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَتِمُّوا..﴾.
إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم فأتموا
إلخ، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، واعتبار: ﴿فَأَتِمُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء من الكلام المتقدم، والإعراب الأول أقوى وأولى.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل لما أمروا به من وفاء العهود، وإتمام المدة للذين لم ينقضوا العهود. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
الشرح: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: إذا انتهت، وانقضت الأشهر الحرم، وقد اختلف في الأشهر الحرم، فقيل: هم خمسون يوما منها عشرون من شهر ذي الحجة والمحرم، والمعتمد:
أنها أربعة أشهر، وهي المدة التي ضربها الله للمشركين فيما رأيت، وسميت حرما مع كون صفر وربيع ليسا من الحرم لتحريم قتل المشركين فيها، ومنحهم فرصة التأمل، والتفكر لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويدخلون في دين الله أفواجا، وهذا هو الذي حصل بعدئذ. هذا؛ والانسلاخ في الأصل: الكشط، والنزع، ومنه سلخت جلد الشاة، فانسلخ، فقد استعير الانسلاخ لمضي الأشهر وانقضائها، كما استعير في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ للإزالة،
следующие страницы →