← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بالذي، أو بشيء أنزله الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإنزال الله كتابا، أو نحو ذلك. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، عامله الفعل: ﴿يَكْفُرُوا،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾ في محل جر محذوف، التقدير: على إنزال، أو لتنزيل، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَغْياً﴾ لأنه مصدر، وذكرت لك: أنّ المفعول محذوف. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة هذا المحذوف. ﴿عَلى مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يُنَزِّلَ﴾. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ومفعوله محذوف، وهو العائد. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجملة: ﴿يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿فَباؤُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (باءوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِغَضَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: متلبسين بغضب. ﴿عَلى غَضَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿غَضَبٍ﴾)، وجملة: (به او): معطوفة على جملة: (بئس) لا محلّ لها مثلها. (﴿لِلْكافِرِينَ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، وهو أولى من العطف. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: آمنوا بما أنزل الله من القرآن على محمد ﷺ ، وصدّقوا به، واتبعوه. والكلام عن اليهود، وأمثالهم من أهل الكتاب. ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التّوراة، والإنجيل، ولا نقرّ إلا بذلك. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ أي: بما سواه، وبما بعده من الكتب، ويريدون عدم الاعتراف بالقرآن الّذي أنزل على محمد ﷺ . ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ:﴾ وهم يعلمون: أنّ القرآن نزل مصدقا لما معهم من التوراة، والإنجيل، فالحجّة قائمة بذلك، كما قال تعالى في الآية رقم [١٤٦]: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل عليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة الّتي بأيديكم، والحكم بها، وعدم نسخها؛ وأنتم تعلمون صدقهم؟! وقتلتموهم بغيا، وعنادا، واستكبارا على الله،

стр. 247

ورسله، فلستم تتّبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء، والتشهّي، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٧]: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. وهذا من مخاطبة الأبناء بما فعل الآباء، ففيه زيادة توبيخ، وتقريع، وتأنيب. (لم): كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف اللام الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر والاستخبار، ومن شواهدها الشعريّة قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟ وأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من الكتاب المذكور: [الطويل] علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت هذا؛ وقد ثبت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر، ومنه قول حسّان بن ثابت ﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان هذا؛ و (وراء) جاء هنا بمعنى: ما بعده، وبما سواه، ويأتي بمعنى: أمام، وقدّام، وخلف، ومن الأول قوله تعالى في سورة الكهف رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق يعقوب، وقال النابغة الذبياني: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للعبد مطلب أي: وليس بعد الله ﷻ ، وكذلك قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده، ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد-﵁: [الطويل] أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع وأيضا قول سوار بن المضرب السّعدي-وكان قد هرب من الحجّاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج-: [الطويل]

стр. 248

أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا ثبت بما تقدّم: أنه من الأضداد، وهو منصوب على الظّرفية المكانية، قال الأخفش، يقال: لقيته من وراء. فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف، تجعله اسما، وهو غير متمكّن، كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ،﴾ وأنشد قول الشاعر: [الطويل] إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن... لقاؤك إلا من وراء وراء الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف للتفريق، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: (﴿قِيلَ﴾)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه) وهذا لا غبار عليه، وقال ابن هشام في مغني اللبيب: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة؛ لما بيّنا؛ أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها يحكم لها بحكم المفرد، فيجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، أو فاعلا، أو نائب فاعل، ومثّل لذلك في شذور الذهب بقول النبيّ ﷺ : «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله». هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور. ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، والجملة: (﴿قِيلَ﴾) في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء أنزله. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَكْفُرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَكْفُرُونَ﴾): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَراءَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفتها، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وهو ضعيف، والأولى اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ويجب تقدير ضمير قبلها؛ لأن الجملة المضارعة الواقعة حالا لا تقترن بالواو، وإن اقترنت بالواو؛ فيجب تقدير الضمير، قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]

стр. 249

وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا ﴿وَهُوَ الْحَقُّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ الْحَقُّ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (ما) والعامل الفعل: (﴿يَكْفُرُونَ﴾)، والرابط الواو، والضمير. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها، ومثلها قول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟ ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً،﴾ وانظر الآية رقم [٤١] ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: قل: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم؛ فلم... (لم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الألف المحذوفة للفرق بين الخبر والاستخبار. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْبِياءَ:﴾ مفعول به وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَقْتُلُونَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿أَنْبِياءَ اللهِ﴾ وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الفعلية: (لم ﴿تَقْتُلُونَ﴾) في محل جزم جواب للشرط المقدر ب «إن» والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله؛ إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فلم تقتلون، ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرّتين، فحذف الشرط من الجملة الأولى، وبقي جوابه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ:﴾ وحذف الجواب من الثاني، وبقي شرطه، فقد حذف من كلّ واحدة ما أثبت في الأخرى. انتهى. جمل. ثم قال: والوجه الثاني أنّ (إن) نافية بمعنى «ما» أي: ما كنتم مؤمنين، لمنافاة ما صدر منكم للإيمان. انتهى. نقلا عن السمين. وهذا غير مسلم، والمعنى لا يؤيده. ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ:﴾ الخطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ ، والمراد آباؤهم. و (البينات) هي قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠١]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ﴾

стр. 250

(بينات:) وهي: العصا، واليد، والسنون، والدم، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات: التوراة لما فيها من الدّلالات. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: عبدتموه إلها، انظر الآية رقم [٥١]. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: لأنفسكم بهذا الاتخاذ، ولم تضروا أحدا من الناس؛ لأنه شرك وكفر. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعوله. ﴿مُوسى﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من موسى، التقدير: ملتبسا بالبينات، والجملة الفعلية: (﴿لَقَدْ..﴾.) جواب القسم لا محل لها، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٥]. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِجْلَ﴾ أي: اتخذتم العجل إلها من بعده، وإن اعتبرته مفعولا ثانيا، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٣] ففيها الكفاية. ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ:﴾ انظر الآية نفسها. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: اسمعوا سماع قبول، وطاعة، والتزام، وليس المراد سماع اللّفظ مجردا عمّا ذكر، ومنه قولهم في الصّلاة: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل، وأجاب، قال الشاعر: [الوافر] دعوت الله حتّى خفت ألاّ... يكون الله يسمع ما أقول أي: يقبل، وقال الراجز: [الرجز] والسّمع والطّاعة والتّسليم... خير وأعفى لبني تميم

стр. 251

﴿قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا:﴾ اختلف: هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللّسان نطقا، أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول، فيكون مجازا، كما قال الآخر: [الرجز] امتلأ الحوض وقال قطني... مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا احتجاج عليهم في قولهم في الآية رقم [٩١]: ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: حب العجل، والمعنى: جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه، ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم، وفي الحديث قال رسول الله ﷺ : «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيّ قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء». أخرجه مسلم، يقال: أشرب قلبه حبّ كذا، قال زهير بن أبي سلمى: [الكامل] فصحوت عنها بعد حبّ داخل... والحبّ تشربه فؤادك داء وإنما عبّر عن حبّ العجل بالشّرب دون الأكل؛ لأنّ شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتّى يصل إلى باطنها، والطّعام مجاور غير متغلغل فيها، وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين، فقال في زوجته عثمة، وكان قد عتب عليها في بعض الأمر، فطلّقها، وكان محبّا لها: [الوافر] تغلغل حبّ عثمة في فؤادي... فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب... ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها... أطير لو أنّ إنسانا يطير هذا ولا تنس ندامة الفرزدق حين طلق النّوار، فقال: [الوافر] ندمت ندامة الكسعيّ لمّا... غدت منّي مطلقة نوار وكانت جنّتي فخرجت منها... وأصبح لا يضيء لي النّهار وقال السّديّ، وابن جريج-رحمهما الله تعالى-: إنّ موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-برد العجل، وذرّاه في الماء، وقال لبني إسرائيل: اشربوا من ذلك الماء، فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذّهب على شفتيه. أما تذريته في البحر فقد دلّ عليه قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٩٧]: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ وأما شرب الماء، وظهور البرادة على الشفاه، فيردّه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ:﴾ بسبب كفرهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. هذا؛ وفيه استعارة مكنية، فقد شبه حبّ العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبه به، ورمز إليه من لوازمه، وهو الإشراب على طريق الاستعارة المكنية.

стр. 252

﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ الذي زعمتم في قولكم: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ فكيف تدعون الإيمان لأنفسكم، وقد فعلتم الأفاعيل، من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، بل وقتلكم إيّاهم، ثم كفركم بمحمد ﷺ خاتم الرّسل، وسيد الأنبياء المبعوث إلى النّاس أجمعين؟! الإعراب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٣] القريبة منك. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، ومفعول الفعلين محذوف لعلمه من المقام، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ مستأنفة لا محلّ لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر نشأ من الكلام السابق. ﴿وَأُشْرِبُوا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أُشْرِبُوا﴾): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: حبّ العجل المذكور بعدهما، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به ثان، وهو في الأصل مضاف إليه انظر الشرح. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (﴿أُشْرِبُوا﴾) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. وجملة: (﴿أُشْرِبُوا﴾): في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿قالُوا﴾ والرابط الواو، وهي على تقدير «قد» قبلها، والحالية أقوى من العطف على جملة: ﴿قالُوا﴾. وقيل: مستأنفة لا محل لها، وهو ضعيف. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٩٠] والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: المذموم عبادة العجل، وهذا المخصوص يجوز فيه ما ذكرته في الآية المذكورة من التقديم والتأخير، والجملة ﴿بِئْسَما﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ بِئْسَما:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩١] وما قيل فيها، والجواب محذوف تقديره: فلم قتلتم أنبياء الله؟ أو فلم كذّبتم الرسل، وكتمتم الحق... ؟ ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿إِنْ كانَتْ لَكُمُ..﴾. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: لمّا ادعت اليهود دعاوى باطلة، حكاها الله- -عنهم في كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ وقوله: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى،﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ كذّبهم الله؛ ، وألزمهم الحجّة، فقال: قل يا محمد: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ يعني: الجنّة؛ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

стр. 253

في أقوالكم؛ لأنّ من اعتقد أنّه من أهل الجنة، كان الموت أحبّ إليه، من الحياة الدنيا؛ لما يصير إليه من نعيم الجنة، ويزول عنه من أذى الدّنيا، كما قال الإمام عليّ-كرم الله وجهه-: لا أبالي أسقطت على الموت، أم سقط الموت عليّ؟ وقال عمار بن ياسر-﵁-بصفين: الآن ألقى الأحبة: محمدا، وحزبه. وقال ذلك بلال-﵁-عند احتضاره، وقال حذيفة-﵁-حين احتضر: [المتقارب] وجاء حبيب على فاقة... فلا أفلح اليوم من قد ندم ﴿خالِصَةً:﴾ مصدر، كالعافية، والعاقبة؛ بمعنى: الخلوص؛ أي: خاصّة بكم، لا يشارككم فيها أحد. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ فسلوا الله الموت، قال ابن عباس-﵄: لو تمنّى اليهود الموت؛ لماتوا، ولو تمنّوا الموت؛ لشرق أحدهم بريقه. وقال ابن جرير: وبلغنا أنّ النبي ﷺ قال: لو أن اليهود تمنوا الموت؛ لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النّار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ ، لرجعوا لا يجدون أهلا، ولا مالا. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (الجمعة) رقم [٦]: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ..﴾. إلخ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في دعواكم: أنّ الجنة لكم دون غيركم، وانظر التمنّي في الآية رقم [٧٨]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء تاء التأنيث. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿الدّارُ:﴾ اسم (كان) المؤخر، وهو على حذف مضاف؛ إذ التقدير: نعيم الدار، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفة ﴿الدّارُ﴾. ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿خالِصَةً﴾ و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خالِصَةً:﴾ حال من: ﴿الدّارُ الْآخِرَةُ،﴾ ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿خالِصَةً﴾. هذا وجه لإعراب هذه الجملة، وهناك وجه ثان، وهو: أن ﴿خالِصَةً:﴾ خبر: (كان)، و ﴿لَكُمُ﴾ متعلقان ب ﴿خالِصَةً﴾ أو ب (كان) عند من يجيز التعليق بها، و ﴿عِنْدَ﴾ متعلق ب ﴿خالِصَةً﴾. ووجه ثالث، وهو أنّ الخبر متعلق بالظرف: ﴿عِنْدَ،﴾ و ﴿خالِصَةً﴾ حال من الدار، والعامل فيها إمّا ﴿عِنْدَ﴾ أو ما يتعلق به، أو (كان) أو ﴿لَكُمُ﴾ على اعتبارهما متعلقين ب (كان). ﴿فَتَمَنَّوُا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة: (تمنوا ﴿الْمَوْتَ﴾) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لا تحل محلّ المفرد، وجملة: (﴿كانَتْ﴾) لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والشرط، ومدخوله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: كرر

стр. 254

الأمر تأكيدا لما في الجملة السّابقة، والغرض من ذلك إظهار كذب اليهود في فنّ آخر من أباطيلهم، وافتراءاتهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٩١] فالإعراب لا يتغيّر، والتقدير هنا: إن كنتم مؤمنين؛ فتمنوا الموت. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٩٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أي: الموت؛ لما يعلمون من مآلهم السّيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة. ﴿أَبَداً:﴾ الأبد: هو الزمان الطويل، الذي ليس له حدّ، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما فعلوا من الكفر بمحمد ﷺ ، وتحريف التوراة، ونسب إلى الأيدي جميع ما اقترفوه؛ لأن أكثر الأعمال تزاول باليد، ﴿عَلِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة. (الظالمين): الكافرين حيث ظلموا أنفسهم بالكفر، وقال: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ ولم يقل: بهم؛ إقامة للظاهر مقام المضمر، إشارة إلى أنهم غارقون بالظلم، والفساد، والطغيان، وفيه وعيد، وتهديد لا يخفيان. هذا؛ والحكمة في الإتيان ب (﴿لَنْ﴾) بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أبدا هنا وفي سورة الجمعة ب (لا) بقوله: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً:﴾ أنّ ادّعاءهم هنا أعظم من ادّعائهم هناك، فإنّهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنّة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، فناسب هنا التوكيد ب (﴿لَنْ﴾) المفيدة للنفي في الحاضر، والمستقبل، وأما هناك فاكتفى بالنفي. وقال الزمخشري: لا فارق بين (لا) و (لن) في أنّ كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في (لن) تأكيدا وتشديدا ليس في (لا) فأتى بلفظ التأكيد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أي في هذه الآية، ومرّة بغير لفظه في سورة الجمعة في: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً﴾. قال الشيخ: هذا رجوع عن مذهبه-وهو أن «لن» تقتضي النفي على التأبيد-إلى مذهب الجماعة، وهو أنّها لا تقتضيه. قلت: ليس فيه رجوع، غاية ما فيه: أنه سكت عنه، وتشريكه بين (لا) و (لن) في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص (لن) بمعنى آخر. جمل. نقلا عن السّمين. الإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال، ﴿يَتَمَنَّوْهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والأول أقوى. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء تاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته أيديهم، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، أي: بتقديم

стр. 255

أيديهم، وهو ضعيف كما ترى. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو فقط. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ:﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ولكلّ عاقل، والضمير المنصوب عائد على اليهود. ﴿أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ أي: فاليهود شديد والحرص على الحياة، ولا يتمنون الموت؛ لمعرفتهم بذنوبهم، وأنّه لا خير لهم عند الله. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرص من الذين أشركوا، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم عن الآخرة، وكذلك المجوس، والهندوس الذين يقولون بتناسخ الأرواح، ولا حساب، ولا جزاء. والغرض من ذلك توبيخ اليهود، وتقريعهم؛ لأنّهم يعلمون: أن الحريص الشّحيح لا يدخل الجنّة، والمشركون لا يعلمون ذلك، بل ولا يعتقدون بجنّة، ولا بنار. هذا؛ والفعل: «حرص» على الشيء، يحرص، إذا رغب فيه رغبة شديدة والحرص: الجشع، والطمع. ورجل حريص: شديد البخل، وشديد المحافظة على المال. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة من الشّقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدّنيا». وخذ قول الشّاعر: [الوافر] وذي حرص تراه يلمّ وفرا... لوارثه ويدفع عن حماه ككلب الصّيد يركض وهو طاو... فريسته ليأكلها سواه وقال آخر: [الكامل] اسعد بمالك في الحياة فإنّما... يبقى خلافك مصلح أو مفسد فإذا جمعت لمفسد لم يغنه... وأخو الصّلاح قليله يتزيّد وقال آخر: [البسيط] يفنى الحريص بجمع المال مدّته... وللحوادث والورّاث ما يدع كدودة القزّ ما تبنيه يهدمها... وغيرها بالّذي تبنيه ينتفع ﴿يَوَدُّ:﴾ يحب، ويتمنى. وأصله: يودد، والماضي: ودّ، والودّ: الحب، وهو بتثليث الواو، والودود: الكثير الحب. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ (أحد) أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة، والمكسورة: مثل قولهم: في وجوه: أجوه، وفي وسادة: إسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري

стр. 256

جلّ في علاه. فيقال: هو الواحد وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد: فيقال: أحد وعشرون، وواحد عشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا كما في هذه الآية، بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدار أحد، هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأحزاب)، وقال جلّ ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (الحاقة)، وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿يُعَمَّرُ:﴾ يعيش. ﴿أَلْفَ سَنَةٍ:﴾ كناية عن كثرة العدد، فليس المراد خصوص هذا العدد، وأصل ﴿سَنَةٍ:﴾ سنو، وتصغيرها سنيّة، وسنيهة، وجمعها: سنون بضم السين وكسرها، ويجمع على سنوات، وسنهات، السنة اثنا عشر شهرا، كما يطلق اسم الحول، والعام على هذه الأشهر. ﴿بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ:﴾ بمبعده، وفعله يكون لازما، ومتعديا، قال الشاعر في اللاّزم: [الطويل] خليليّ ما بال الدّجى يتزحزح... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح وقال ذو الرّمّة في المتعدّي: [البسيط] يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار وروى النّسائيّ عن أبي هريرة-﵁-قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النّار سبعين خريفا». هذا؛ واختلف في إرجاع الضمير على وجوه: أحدها: أنه عائد على (أحد) والثاني: أنه ضمير «التعمير» وقد دلّ عليه: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾. وقال الفارسي موافقا الكوفيين في قولهم: إنه ضمير الشأن: والبصريّون يأبون تفسيره بالمفرد، بل لا بدّ من جملة مصرّح بجزءيها، سالمة من حرف جرّ. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي: بما يعمل هؤلاء الذين ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. هذا؛ وقال العلماء: وصف الله- -نفسه بأنه ﴿بَصِيرٌ﴾ على معنى: عالم بخفيات الأمور، والبصير في كلام العرب: العالم بالشّيء، الخبير به. الإعراب: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، واللام واقعة في جواب القسم. (تجدنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به أوّل. ﴿أَحْرَصَ:﴾ مفعول به ثان، و (﴿أَحْرَصَ﴾) مضاف، والناس مضاف إليه. ﴿عَلى حَياةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿أَحْرَصَ﴾. هذا؛ ويجوز في اللغة: «أحرصي الناس» على حدّ: ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ في سورة (الأنعام) رقم [١٢٣] وانظر حاشية الجمل، وجملة (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه

стр. 257

كلام مستأنف. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف دلّ عليه ما قبله؛ إذ التقدير: وأحرص من الذين. وذكر أبو البقاء وجها آخر، وهو أنّه على الاستئناف، وفحواه: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر محذوف، التقدير: ومن الذين أشركوا قوم يودّ أحدهم، وهو وجه ضعيف. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ:﴾ مضارع، وفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجوز أن تكون حالا من الهاء في: (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) وقيل: مفسّرة للحرص، وهذا على تعليق الجار والمجرور ب ﴿أَحْرَصَ﴾ محذوفا، وأما على تعليقهما بمحذوف خبر مقدم؛ فالجملة في محل رفع صفة «قوم» المحذوف، والمعتبر مبتدأ مؤخرا. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يُعَمَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿أَحَدُهُمْ﴾. ﴿أَلْفَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿أَلْفَ﴾ مضاف، و ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، و ﴿لَوْ﴾ والفعل ﴿يُعَمَّرُ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو الاستئناف. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُزَحْزِحِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مزحزحه): خبر منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة فالضمير يكون مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله. ﴿أَنْ يُعَمَّرَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ أيضا، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل رفع فاعل: (مزحزحه)، وهذا على اعتبار الضمير عائدا على ﴿أَحَدُهُمْ﴾ وأما على اعتباره ضمير «التّعمير» فالمصدر المؤول بدل منه؛ بدل ظاهر من مضمر، والجملة الاسمية: (﴿ما هُوَ﴾) في محل نصب حال من ﴿أَحَدُهُمْ﴾ على الوجه الأول في الضمير، ومستأنفة لا محل لها على الوجه الثاني في الضمير، وهو أقوى من الحال. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾ متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ؛﴾ لأنه صيغة مبالغة، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الاسمية: (الله بصير) في محل نصب حال من الضمير المنصوب في (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) أو هي مستأنفة، وهو أولى.

стр. 258

﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ فيه خطاب للنبي ﷺ ولكلّ أحد. ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ:﴾ في (جبريل) عشر لغات. ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ:﴾ الضمير في (إنّه) يحتمل معنيين: الأول: فإنّ الله نزل جبريل على قلبك. والثاني: فإن جبريل ينزل بالقرآن على قلبك. وخصّ القلب بالذّكر؛ لأنه موضع العقل، والعلم، وتلقّي المعارف. ودلّت الآية على شرف جبريل ﵇، وذمّ معاديه. ﴿بِإِذْنِ اللهِ:﴾ بإرادته، وعلمه. ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب السابقة: التوراة، والإنجيل، والضّمير يعود إلى القرآن، ولم يتقدّم له ذكر لعلمه من المقام. ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خص المؤمنين؛ لأنّهم هم المنتفعون بالقرآن، بخلاف غيرهم من المنافقين، والفاسقين، والفاجرين. قال ابن عباس-﵄: سبب نزول الآية: أنّ عبد الله بن صوريا-حبر من أحبار اليهود-قال للنبي ﷺ : أيّ ملك يأتيك من السّماء؟ قال: «جبريل». قال: ذاك عدوّنا، ولو كان ميكائيل؛ لآمنا بك، واتّبعناك، إنّ جبريل ينزل بالعذاب، والشّدّة، والخسف، وإنّه عادانا مرارا، وأشدّ ذلك علينا: أن الله أنزل على نبيّنا: أنّ بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له: بختنصر، فلمّا كان زمنه؛ بعثنا إليه من يقتله، فلقيه ببابل غلاما مسكينا، فأخذه ليقتله، فدفع عنه جبريل، وقال: إن كان الله أمر بهلاككم، فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو؛ فعلى أيّ حقّ تقتله؟! فلمّا كبر ذلك الغلام، وقوي؛ غزانا، وخرّب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوّا. فأنزل الله هذه الآية. انتهى. خازن. وقيل: إنّ عمر-﵁-كان له أرض بأعلى المدينة، وكان ممرّه إليها على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم، ويسمع كلامهم، فقالوا له يوما: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل، قالوا: ذاك عدوّنا، يطلع محمدا على سرّنا، وهو صاحب كلّ عذاب، وخسف، وشدّة، وإنّ ميكائيل يجيء بالخصب، والسلامة. فقال لهم: تعرفون جبريل، وتنكرون محمدا ﷺ ، قالوا: نعم، فقال: أخبروني عن منزلة جبريل، وميكائيل من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل، فقال عمر-﵁: أشهد أنّ من كان عدوّا لأحد كان عدوّا للآخر، ومن كان عدوّا لهما كان عدوّا لله، ثم رجع عمر إلى النّبيّ ﷺ ، فوجد جبريل ﵇ قد سبقه بالوحي، فقرأ رسول الله ﷺ عليه هذه الآيات: وقال: لقد وافقك ربّك يا عمر! فقال-﵁: والله لقد رأيتني بعد ذلك في ديني أصلب من الحجر. خازن. بتصرف كبير. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم

стр. 259

فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿عَدُوًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿لِجِبْرِيلَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجرّ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: للتركيب المزجي، ولا وجه له؛ لأنّ الجزء الأول منه لم يبن على الفتح كما هو شرط التركيب المزجي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فليمت غيظا، ونحوه، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٨١] ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تفريع عمّا قبلها. (إنّه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿نَزَّلَهُ:﴾ فعل ماض والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أو إلى (جبريل) والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية مفرعة عمّا قبلها، وهي والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كانَ..﴾. كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قُلْ... :﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِإِذْنِ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل (نزل) المستتر؛ أي: نزله ملتبسا، أو مقرونا بإذن، و (إذن) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال من الضمير المنصوب. (﴿لِما﴾): متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً﴾ وانظر الآية رقم [٤١] ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، التقدير: للذي نزل بين، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف. و ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأن لفظه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على مصدقا منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَبُشْرى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالمصدرين على التنازع، أو بمحذوف صفة لهما. ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)﴾ الشرح: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ:﴾ جاء ذكر هذين الملكين بعد ذكر الملائكة، فهو من باب ذكر الخاصّ بعد العام للتشريف، والتعظيم، والتنويه بشأنهما، ورفعة قدرهما. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ فيه إيقاع الظاهر موقع الضمير؛ حيث لم يقل: فإنه عدو لهم؛ لتقرير ما تقدم من المعنى، وإعلام الكافرين بأن من عادى وليّا لله؛ فقد عادى الله، ومن عادى الله؛ فإنّ الله عدوّ له، ومن كان الله عدوّه؛ فقد خسر الدنيا والآخرة. ولا تنس مراعاة لفظ (﴿مَنْ﴾) بإرجاع اسم ﴿كانَ﴾ إليها، ومراعاة معناها بقوله: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾.

стр. 260

هذا؛ و (﴿جِبْرِيلَ﴾) و (﴿مِيكالَ﴾): ملكان كريمان، بل هما ملكان من الرؤساء العشرة الذين يجب على كلّ مسلم ومسلمة أن يعرف أسماءهم، وهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنكر، ونكير، ورقيب، وعتيد، ورضوان، ومالك، ولكلّ واحد منهم عمل موكول إليه، وتحت يده وأمره جنود من الملائكة يقومون بتنفيذ ذلك. و (﴿جِبْرِيلَ﴾) أعجمي، فلذلك لا يتصرف، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة، أشهرها، وأفصحها: جبريل، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسّان بن ثابت-﵁: [الوافر] وجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء والثانية: جبريل بفتح الجيم، الثالثة: جبرئيل، كما قرأ أهل الكوفة، وأنشدوا: [الطويل] شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة... مدى الدّهر إلا جبرئيل أمامها الرابعة: جبرألّ، الخامسة: جبرائيل. السادسة: جبرائل. السابعة: جبرائيل. الثامنة: جبرال، والتاسعة، والعاشرة: جبرين بكسر الجيم وفتحها، الحادية عشرة: جبرائين، الثانية عشرة: جبرأل، والثالثة عشرة: جبريل بصيغة المصغر، وقد قرئ باللغات الأربع الأولى، قال النّحاس: ويجمع جبريل على التّكسير: جباريل. ميكال: اسم أعجمي، والكلام فيه كالكلام في جبريل، وفيه سبع لغات: ميكال بوزن مفعال، وهي لغة أهل الحجاز فيه، قال كعب بن مالك-﵁: [البسيط] ويوم بدر لقيناكم لنا مدد... فيه مع النّصر ميكال وجبريل وقال آخر: [الكامل] عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمّد... وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا الثانية: ميكائل، الثالثة: ميكائيل، الرابعة: ميكئيل، الخامسة: ميكئل، السادسة: ميكاييل، السّابعة: ميكاءل، وقرئ بالستة ما عدا السّابعة. وحكى الماوردي عن ابن عباس-﵄: أن جبر بمعنى عبد، وميكا بمعنى عبيد، و «إيل» اسم من أسماء الله أي: بالعبرانية، فيكون معنى جبرئيل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله، قال: ولا نعلم لابن عباس مخالفا في ذلك. وانظر ما ذكرته في إسرافيل في الآية رقم [٤٠]. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وزاد بعض المفسرين: وإسرافيل معناه: عبد الرحمن. الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مَنْ﴾.

стр. 261

﴿عَدُوًّا﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوًّا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ:﴾ معطوفان على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ:﴾ معطوفان أيضا، وعلامة الجر فيهما الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعهما من الصّرف، للعلمية، والعجمية. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبرها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وقيل: جواب الشرط محذوف، كالآية السابقة، كما رأيت تقديره، والجملة الاسمية معطوفة على ذلك المحذوف، وخبر المبتدأ الذي هو مختلف فيه، كما رأيت فيما تقدم. هذا؛ واعتبار (﴿مَنْ﴾) موصولة في هذه الآية، وسابقتها رقم [٨١] ضعيف والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كانَ..﴾. إلخ فهي بمنزلة التوكيد للآية السابقة. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩)﴾ الشرح: المعنى أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالاّت على نبوّتك. وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمّنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم، وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم، وأواخرهم، وما بدّلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيّه محمد ﷺ ، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه، ولم يدعهم إلى تبديلها، وإنكارها إلا الحسد، والبغي. والآية الكريمة نزلت ردا على ابن صوريا، وغيره من أحبار اليهود الذين قالوا: ما أنزل في التوراة في شأن محمد ﷺ من شيء. ﴿وَما يَكْفُرُ بِها:﴾ بالآيات الموجودة في القرآن الكريم، وفي التوراة الصحيحة قبل التحريف، والتبديل. ﴿إِلاَّ الْفاسِقُونَ:﴾ الكافرون، والفاجرون الخارجون عن طاعة الله، وطاعة رسله. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة الآيات، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يَكْفُرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ فاعل. ﴿يَكْفُرُ:﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (﴿ما يَكْفُرُ﴾) في محل نصب حال من ﴿آياتٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وساغ ذلك؛ لأن ﴿آياتٍ﴾

стр. 262

وصفت، فتخصّصت، وقال في روح المعاني: الجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم. والأول أقوى فيما يظهر لي، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ الشرح: (﴿أَوَ﴾): الواو حرف عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، كما دخلت على الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وغيرها كثير، وكما دخلت على ثمّ كقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ﴾ هذا قول سيبويه، وقال الأخفش: زائدة. ومذهب الكسائي: أنها (﴿أَوَ﴾) تحركت الواو منها تسهيلا، وقرأها قوم: («أو») ساكنة الواو، فتجيء بمعنى «بل». وقال ابن عطية: وهذا تكلّف، والصحيح قول سيبويه. وانظر ما ذكرته في ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٤٤] فإنّه جيد. (﴿كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً﴾): انظر الآية رقم [٢٧] ففيها الكفاية، والمعنيّ في الآية: مالك بن الصّيف من أحبار اليهود، كان قد قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمّد، ولا ميثاق: فنزلت هذه الآية الكريمة، وكانوا يقولون قبل مبعث النبي ﷺ : لئن خرج محمّد لنؤمننّ به، ولنكوننّ معه على مشركي العرب، فلمّا بعث ﷺ ؛ كفروا به. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٩] فإنّه جيد، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النّبي ﷺ وبين اليهود، فنقضوها، كفعل قريظة، والنضير، وقينقاع، ودليله قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٦]: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ النبذ: الطرح، والإلقاء، ومنه: النبيذ، والمنبوذ، وقال أبو الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-: [الطويل] وخبّرني من كنت أرسلت إنّما... أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه فنبذته... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا وقال آخر: [الكامل] إنّ الّذين أمرتهم أن يعدلوا... نبذوا كتابك واستحلّوا المحرّما هذا؛ وسمّي اللّقيط منبوذا؛ لأنّه ينبذ على الطريق، وهو مثل يضرب لمن استخف بالشّيء، فلا يعمل به. تقول العرب: اجعل هذا خلفك، ودبرا منك، وتحت قدمك، أي: اتركه، وأعرض عنه. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ رقم [٩٢] من سورة (هود) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ أي بل أكثر اليهود لا يؤمنون الإيمان الصّادق بالله، ولا بالتّوراة، ولا بالرّسل، لذلك ينقضون العهود، والمواثيق. الإعراب: (﴿أَوَ﴾): الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف عطف على المعتمد. (﴿كُلَّما﴾): كلّ: ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما

стр. 263

ترابط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَهْداً:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف؛ إذ التقدير: عاهدوا الله عهدا، و (ما) والفعل: ﴿عاهَدُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت عهد، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللّذان سببا الظّرفية ل (كل). انظر مبحث: «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى (وقت) أيضا، والمدرّسون يقولون: أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب، والتّفصيل. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿كُلَّما﴾) لا محل لها، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المتعلّق المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿فَرِيقٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ والرابط: الضمير فقط، وقال ابن عطية: في محل نصب حال من الضمير في: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ انتهى جمل. و (﴿كُلَّما﴾) ومدخولها معطوف على الجملة الواقعة جوابا للقسم في الآية السابقة أو هو مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: اليهود ﴿رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ:﴾ هو محمّد ﷺ جاء مصدقا للتّوراة، وموافقا لها في أصول الدّين، ومقرّرا لنبوّة موسى، وهارون، ﵉. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ﴾ أي: طرح اليهود التوراة، وأعرضوا عنها، وعن العمل فيها؛ لأنها تدلّ على نبوّة محمّد ﷺ ، فجحدوا نبوّته، وأنكروا رسالته. قيل: إنّهم أدرجوها في الحرير، وحلوها بالذّهب، ولم يعملوا بما فيها، وكذلك المسلمون في هذه الأيام يتنافسون في تزويق المصحف، وتزيينه، والعمل بما فيه قليل، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّهم نبذوا كتاب الله، ورفضوه عن علم به، ومعرفة، وإنّما حملهم على ذلك عداوة النّبيّ ﷺ ، وحسدهم له، وحقدهم عليه، فشبّهوا بمن لا يعلم؛ إذ فعلوا فعل الجاهل. هذا؛ و (﴿الْكِتابَ﴾) في اللغة: الضمّ، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمي الكاتب: كاتبا؛ لأنه يضمّ الكلام بعضه إلى

стр. 264

بعض، ويجمعه، ويرتّبه. وفي الاصطلاح: اسم جملة مختصّة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، ورحم الله من يقول: [الطويل] لنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا فإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا وإنّي أتمثّل بقول آخر: [الخفيف] ما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغي سواه أنيسا إنّما الذّلّ في مخالطة النّا... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا ورحم الله من يقول: [الطويل] وقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني لعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني ورحم الله من يقول: [الوافر] كتابي فيه بستاني وروحي... ومنه سمير نفسي والنّديم يسالمني وكلّ النّاس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم ويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام النّاس إن فقد الكريم إذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم وبالجملة: فالكتاب هو نعم الذّخر، والعدّة، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك باللّيل طاعته بالنّهار، ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلّد على الأيّام ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك. الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جنّي، وجماعة، تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأوّل، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ رَسُولٌ:﴾ ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جرّ بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى

стр. 265

اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة ثانية، ﴿لَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقٌ﴾ وانظر الآية رقم [٤١]. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة جواب (لمّا) لا محلّ لها، و ﴿لَمّا﴾ ومدخولها معطوف على (﴿كُلَّما﴾) ومدخولها على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿كِتابَ﴾ مفعول به ل ﴿نَبَذَ،﴾ و ﴿كِتابَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَراءَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿نَبَذَ،﴾ و ﴿وَراءَ﴾ مضاف، و ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿فَرِيقٌ﴾ وساغ ذلك لتخصصه بالوصف، والرابط الضمير فقط، وصح ذلك؛ لأنّ ﴿فَرِيقٌ﴾ بمعنى القوم، أو الجماعة، أو هي في محل رفع صفة ثانية له. ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ أي: اليهود. ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ:﴾ تحدّث، وتروي، من التّلاوة بمعنى: القراءة، أو من التلاوة بمعنى الاتّباع، فصار له معنيان، القراءة، والاتّباع. ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ:﴾ على عهد سليمان. ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ:﴾ نقل المرحوم سليمان الجمل عن السّدي ما يلي: كانت الشياطين تسترق السمع، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت، وغيره، فيأتون الكهنة، ويخلطون بما يسمعون في كلّ كلمة سبعين كذبة، ويخبرونهم بها، فاكتتب الناس ذلك، وفشا في بني إسرائيل: أنّ الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمان في النّاس،

стр. 266

وجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيّه، وقال: لا أسمع أنّ أحدا يقول: إنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلمّا مات سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وذهب العلماء الذين يعرفون أمر سليمان، ودفنه الكتب، وخلف من بعدهم خلف، تمثّل لهم الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسيّ، فذهب معهم، وأراهم المكان، وأقام في ناحية، فقالوا: ادن، فقال: ولكنني هاهنا، فإن لم تجدوه؛ فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا، وأخرجوا تلك الكتب. فقال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ، والإنس، والشياطين، والطّيور، والرّياح وغير ذلك، ويحكم فيهم بهذا، ثمّ طار الشيطان، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك كان أكثر ما يوجد من السّحر في اليهود، فلمّا جاء سيدنا محمد ﷺ برأ الله سليمان من ذلك، وأنزل تكذيبا لمن زعم ذلك: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ..﴾. إلخ انتهى. ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أي: ما كان سليمان ساحرا، ولا كفر بتعلّمه السّحر. وفيه تنزيه سليمان عن السّحر ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أنّهم كفروا باتّخاذهم السّحر، وتعليمهم النّاس. هذا؛ والسّحر كل ما لطف ودقّ. يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدقّ عليه، ويخفى. قال الغزاليّ في الإحياء ما نصّه: السّحر نوع يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر، وبأمور حسابيّة في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشّخص المسحور، ويترصّد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفّظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشّياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشّخص المسحور. هذا؛ وسمّي الأكل في اللّيل سحورا؛ لأنه يقع خفيّا آخر اللّيل، والسّحر بفتح الحاء: الرّئة، وسميت بذلك لخفائها، ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، كما قال أبو جهل الخبيث يوم بدر لعتبة: انتفخ السّحر، أي انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة-﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري، ونحري. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ ابتلاء، واختبار من الله للنّاس، فمن تعلمه كفر، ومن تركه؛ فهو مؤمن، والفتنة: المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر: [المتقارب] وقد فتن النّاس في دينهم... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا هذا؛ والمعتمد: أنّ تعلّمه لدفع الضرر عن نفسه، وعن غيره، أو اتّخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار أحد. انتهى من أبي السعود بتصرف، وقد ذكر ذلك البخاريّ في باب الطّبّ، انظر القسطلاني في شرح البخاريّ.

стр. 267

هذا؛ وبعضهم يعتبر السّحر من الكبائر التي نهى الله عنها، ويرى تحريمه، من ذلك ما روي عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الإشراك بالله، والسّحر، وقتل النفس الّتي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». أخرجه البخاريّ، ومسلم، ويروى: «أكل الربا» بدل «الزنى». وأيضا ما روي عن جابر بن عبد الله-﵄-عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا، أو ساحرا، فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ ». رواه بإسناد جيّد قويّ. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما:﴾ من الملكين. ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ:﴾ بالسّحر. ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ:﴾ الرّجل، وضم الميم فيه لغة تقول: هذا مرء صالح، وهما مرءان، وجمعه رجال من غير لفظه، والمؤنثة: امرأة، والمثنى: امرأتان، وجمعها من غير لفظه نساء. ﴿وَما هُمْ﴾ أي: السّحرة ﴿بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بإرادته، وقضائه، لا بأمره؛ لأنّ الله لا يأمر بالفحشاء، ويقضي على الخلق بها. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ أي: في الغالب بسبب استعماله في إيذاء الناس. ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في الآخرة، إن أخذوا على استعماله دريهمات في الدّنيا؛ فلا قيمة لها بجانب الضّرر الذي يلحقهم في الآخرة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ:﴾ اختاره صنعة، أو استبدله بكتاب الله. ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ:﴾ من نصيب. ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: البديل الذي استبدلوا به من السّحر عوضا من الإيمان، ومتابعة الرّسول ﷺ ، ولو كان لهم علم بما وعظوا به؛ لاتّعظوا، وانتفعوا. وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أنّ العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم، كما ينفى عن الجاهلين، والحكمة من تعليم الملكين النّاس السّحر: أن السحر كثر في ذلك الزّمن واخترعوا فنونا غريبة من السّحر، وربما زعموا: أنّهم أنبياء، فبعث الله تعالى الملكين؛ ليعلما النّاس وجوه السحر؛ حتّى يتمكّنوا من التمييز بينه، وبين المعجزة، ويعرفوا: أنّ الذين يدّعون النّبوة كذبا إنّما هم سحرة، لا أنبياء. تنبيه: روى الترمذيّ عن جندب الأزديّ-﵁: أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «حدّ السّاحر ضربه بالسّيف». وقد روي من طرق متعدّدة: أن الوليد بن عقبة، كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرّجل، ثم يصيح به، فيرد إليه الرأس. فقال النّاس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب السّاحر يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرّجل سيفه، وضرب به عنق السّاحر، وقال: إن كان صادقا فليحيي نفسه، وتلا قول الله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد؛ إذ

стр. 268

لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثمّ أطلقه. روى الشّافعي، وأحمد بن حنبل عن عمرو بن دينار: أنّه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب-﵁: أن اقتلوا كلّ ساحر، وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. أخرجه البخاريّ في صحيحه. وصحّ: أنّ حفصة زوج النبيّ ﷺ سحرتها جارية لها، فأمرت بها، فقتلت. انتهى. مختصر ابن كثير. أقول: وما يفعله ضراب الشّيش، وآكلو الحيّات، والعقارب، والّذين يقتحمون النّار، ويفعلون ما يفعلون من الخزعبلات، والشّعوذات؛ فقتلهم جائز شرعا، بل واجب، ولكن اتقاء للفتن تركهم، والابتعاد عنهم أولى في هذه الأيام، وحسابهم على الله تعالى. هذا؛ وروى سفيان عن عمّار الدّهني: أنّ ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في است الحمار، ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السّيف فقتله، هذا هو جندب بن كعب الأزدي، ويقال: الجبلي، وهو الذي قال في حقّه النبي ﷺ : يكون في أمّتي رجل، يقال له: جندب، يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحقّ، والباطل، فكان يرونه جندبا هذا قاتل السّاحر، وهذه الرواية غير الرواية الأولى. هذا؛ وقال العلماء: لا ينكر أن يظهر على يد السّاحر خرق العادات، مما ليس في مقدور البشر من مرض، وتفريق، وحبّ، وبغض، وزوال عقل، وغير ذلك، قالوا: ولا يبعد في السّحر أن يستدقّ جسم الساحر؛ حتّى يتولج في الكوات الضّيقة، والجري على حبل، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وغير ذلك، ومع ذلك فلا يكون السّحر موجبا لذلك، ولا علّة لوقوعه، ولا يكون السّاحر مستقلاّ به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السّحر، كما يخلق الشّبع عند الأكل، والرّي عند شرب الماء. انتهى قرطبي. تنبيه: (بابل): المشهور: أنّه بلد من سواد العراق، سمّي بذلك لتبلبل الألسنة فيه، وذلك: أنّ الله أمر ريحا، فحشرت الخلق لهذه الأرض، فلم يدر أحد ما يقول الآخر، ثمّ فرقتهم الرّيح في البلاد يتكلّم كلّ واحد بلغة. والبلبلة: التّفرقة، وقيل: لمّا أهبط الله نوحا-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-بعد الطوفان بنى قرية، وسماها ثمانين، فأصبح ذات يوم، وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها: اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم على بعض. وقيل: سمّيت بذلك؛ لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمرود. انتهى سمين. والله أعلم بالحقيقة. وهاروت، وماروت سريانيان، ويجمعان على: هواريت، ومواريت، مثل: طواغيت، وهو جمع: طاغية، ويجمعان على: هوارية، وموارية، وهوار، وموار، وليسا مشتقين من الهرت، والمرت لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقّين كما ذكر؛ لانصرفا. تنبيه: لقد ذكر المفسّرون في هاروت، وماروت قصصا، وحكايات هي أقرب إلى الخرافات منها إلى الحقيقة، فأعرض عنها، وعن ذكرها لتفاهتها، واكتف بما ذكره البيضاوي،

стр. 269

رحمه الله تعالى، قال: هما ملكان أنزلا لتعليم السّحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزا بينه وبين المعجزة، وما روي أنّهما بشرين، وركب فيهما الشهوة، فتعرضا لامرأة يقال لها: زهرة، فحملتهما على المعصية، والشرك، ثمّ صعدت إلى السّماء بما تعلّمت منهما؛ فمحكيّ عن اليهود، ولعلّه من رموز الأوائل، وحلّه لا يخفى على ذوي البصائر. وقيل: هما رجلان سمّيا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيّده قراءة («الملكين») بالكسر! انتهى. وقال الجمل: وقيل: إنّهما أنزلا لتعليم السحر للتمييز بينه وبين المعجزة، لئلا يغترّ به الناس، وذلك: أنّ السحرة كثروا في ذلك الزمان، واستنبطوا أبوابا غريبة من السّحر وكانوا يدّعون النبوة، فبعث الله هذين الملكين؛ ليعلّما الناس أبواب السحر؛ حتّى تمكّنوا من معارضة أولئك الكذّابين، وإظهار النّاس على أمرهم. انتهى. هذا؛ وحديث هاروت، وماروت رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في صحيحه عن ابن عمر-﵄، عن النبيّ ﷺ وهو موجود في كتاب التّرغيب، والترهيب، في باب شرب الخمر، والله أعلم. هذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-بعد أن ذكر ما نسب إلى ابن عباس، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسّدي، والكلبيّ، ﵏ جميعا-: هذا كلّه ضعيف، وبعيد، ولا يصحّ منه شيء، فإنّه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. وقال جلّ ذكره: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ انتهى باختصار. الإعراب: (﴿اِتَّبَعُوا﴾): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اتبعوا الذي، أو شيئا تتلوه الشّياطين. ﴿عَلى مُلْكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وملك مضاف، و ﴿سُلَيْمانَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة عوضا عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون، وقيل: للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا..﴾. معطوفة على جملة: «نبذ» في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كَفَرَ سُلَيْمانُ:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من سليمان، والرابط: الواو، وإعادة لفظ ﴿سُلَيْمانَ﴾ للتعظيم، والتفخيم، وهو قائم مقام إضماره. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف استدراك يقرأ بالتّشديد، والتّخفيف. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ اسم (﴿لكِنَّ﴾) وهو مبتدأ على رفعه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف

стр. 270

خبر: ﴿الشَّياطِينُ﴾ على الوجهين، والجملة الاسمية ﴿وَلكِنَّ..﴾. معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿الشَّياطِينُ﴾ والعامل في الحال (﴿لكِنَّ﴾) لما فيها من رائحة الفعل. وقيل: هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿الشَّياطِينُ﴾. وقيل: هي بدل من جملة: ﴿كَفَرُوا﴾ أبدل الفعل من الفعل، وقيل: هي مستأنفة، وهو وجه ضعيف. ﴿وَما:﴾ معطوفة على السّحر، الذي هو مفعول ثان، وتحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السّكون في محل نصب. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، أو الرابط. ﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجرّ الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد ﴿بِبابِلَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿أُنْزِلَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ وهو أقوى، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿هارُوتَ:﴾ عطف بيان، أو بدل بعض من كل من الملكين، مجرور وعلامة جرّه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وما بعده معطوف عليه. هذا؛ وقال القرطبي: (﴿ما﴾) نفي، والواو للعطف على قوله: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشّياطين كفروا، يعلمون النّاس السّحر ببابل هاروت، وماروت. ثم قال: هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصحّ ما قيل فيها. انتهى. وهذا يعني: أنّ نائب فاعل ﴿أُنْزِلَ﴾ لا مرجع له، ويجب تقديره كما يلي: أو ما نزل على الملكين شيء، وهذا تكلف، وتعسف، كما هو واضح. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُعَلِّمانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف، التقدير: وما يعلمان السحر أحدا، منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ،﴾ والرابط الواو وألف الاثنين، وقيل: معطوفة على ما قبلها، وهو غير وجيه كما هو ظاهر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَقُولا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَقُولا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾. والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُعَلِّمانِ،﴾ ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نَحْنُ فِتْنَةٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: إذا

стр. 271

عرفت ما نقول؛ فلا... (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا». (﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾): فعل مضارع والواو فاعله. ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالاّن على التثنية. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُفَرِّقُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿الْمَرْءِ﴾ مضاف إليه. (﴿زَوْجِهِ﴾): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ..﴾. صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: (﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾) قال سيبويه: التقدير: فهم يتعلمون. قال: ومثله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقيل: هو معطوف على موضع (﴿ما يُعَلِّمانِ﴾) لأن قوله: ﴿وَما يُعَلِّمانِ﴾ وإن دخلت عليه ما النافية فمضمّنه الإيجاب في التعليم، وقال الفرّاء: هي مردودة على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ،﴾ ويكون: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ متصلة بقوله: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فيأتون، فيتعلمون، وهذا يعني: أنّ الجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (﴿ما﴾)، ﴿بِضارِّينَ:﴾ الباء: حرف صلة، (ضارين): خبر (﴿ما﴾) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وإن اعتبرت: (﴿ما﴾) مهملة تميمية؛ فالضمير مبتدأ، و (ضارين): خبره مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان ب (ضارّين) والهاء عائدة على: (﴿ما﴾) المكنى بها عن السحر. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به ل (ضارين) لأنه جمع اسم فاعل، فهو مجرور لفظا منصوب محلا، وفاعل (ضارين) مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، وصاحب الحال الضمير المستتر ب (ضارين) أو ﴿أَحَدٍ﴾ وجاز مجيء الحال منه لتقدّم النفي عليه، أو هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، و (إذن): مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ:﴾ معطوفة على جملة: (﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾) السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿ما:﴾ مفعول به، وتحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَضُرُّهُمْ:﴾ مضارع، ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ:﴾ معطوفة عليها. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا:﴾ الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية

стр. 272

جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وانظر الآية رقم [٦٥] ﴿لَمَنِ:﴾ اللام: لام الابتداء معلقة للفعل (علم) عن العمل لفظا. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِشْتَراهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر نفسه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يقول: متعلقان بمحذوف حال من ﴿خَلاقٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: نعت النكرة إذا تقدّم عليها؛ صار حالا. وهذا لا يجيزه كثير من النّحويين؛ لأن الحال هيئة فاعل أو مفعول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خَلاقٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿لَمَنِ﴾ في محل نصب سدّت مسد مفعولي: ﴿عَلِمُوا﴾ المعلّق عن العمل بسبب لام الابتداء. ﴿وَلَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم (بئس ﴿ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾): انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩٠] والمخصوص بالذّم محذوف، التقدير: هو علم السحر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله، لا محل له على الاعتبارين. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه. ﴿يُعَلِّمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كانوا يعلمون؛ ما تعلّموا، وانظر الآية التالية. ﴿وَلَوْ﴾ مدخولها كلام معترض في آخر الكلام، مفاده توكيد الذم لشرائهم. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ..﴾. أي: ولو أنّ اليهود، وغيرهم الذين يتعلّمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عقابه، فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله، واتّباع كتب الشياطين ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ أي: لأثابهم الله ثوابا أفضل ممّا شغلوا به أنفسهم من السحر الذي لا يعود عليهم إلا بالويل، والخسار والدمار. والمراد بالعنديّة المجاز عن إثابتهم. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية.

стр. 273

الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع. وفيه قولان: أحدهما: وهو قول سيبويه: أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف، التقدير: ولو إيمانهم ثابت، والثاني: وهو قول المبرّد في أنه في محل رفع بالفاعلية، رافعه محذوف، تقديره: ولو ثبت، أو حصل إيمانهم، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، هذا؛ وقال البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: والمعنى: لأثيبوا من عند الله ما هو خير، وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب (لو) لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة، واستقرارها، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية الآتية هي جواب (لو) وهو مفاد كلام أبي البقاء أيضا، وقال الجلال: جواب (﴿لَوْ﴾) محذوف دل عليه: ﴿لَمَثُوبَةٌ،﴾ واللام جواب قسم محذوف، ثم ابتدأ لمثوبة من عند الله خير، وتكون الجملة جواب القسم المقدر. وقال ابن هشام في المغني: والأولى أن يقدر الجواب محذوفا، أي: لكان خيرا لهم، أو أن يقدر (﴿لَوْ﴾) بمنزلة (ليت) في إفادة التمني، فلا تحتاج إلى جواب. أقول: وتبقى الجملة الاسمية جواب القسم المقدر، وتكون الجملة القسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب (مثوبة) أو بمحذوف صفة لها، و (عند) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (﴿لَوْ﴾)، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره مع تقدير المفعول كما يلي: لو كانوا يعلمون: أنه خير؛ لما آثروه. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ الشرح: سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا يا رسول الله! من المراعاة، أي: أرعنا سمعك، وفرّغه لكلامنا، وكانت هذه اللّفظة سبّا قبيحا بلغة اليهود اللؤماء، ومعناها عندهم: اسمع، لا سمعت. وقيل: من الرعونة، فإذا أرادوا أن يحمّقوا إنسانا؛ قالوا: راعنا، يعني: أحمق، فلمّا سمعت اليهود هذه الكلمة من المسلمين، قالوا فيما بينهم: كنا نسبّ محمدا سرّا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه، ويقولون: راعنا يا محمد! ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ-﵁-ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن سمعتها

стр. 274

من أحد منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه! فقالوا: أو ألستم تقولونها؟! فأنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله ﷺ . انتهى. خازن. هذا ومثل هذه الآية في مغزاها، ومعناها قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٦] ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾. ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ قال مجاهد: المعنى: فهمنا، وبين لنا. وقيل: المعنى انتظرنا، وتأنّ بنا. قال علقمة الفحل: [الطويل] فإنّكما إن تنظراني ساعة... من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب وقرأ الأعمش وغيره: («أنظرنا») بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى: أخّرنا، وأمهلنا حتى نفهم عنك، ونتلقّى منك، قال عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر] أبا هند فلا تعجل علينا... وأنظرنا نخبّرك اليقينا ﴿وَاسْمَعُوا:﴾ أي: ما تؤمرون به، وأطيعوا نهي الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ : راعنا؛ لئلا يتطرّق أحد إلى شتمه. وأمرهم بتوقيره، وتعظيمه، وأن يتخيّروا لخطابه ﷺ من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أدقّها، وإن سألوه؛ يسألوه بتبجيل، وتعظيم، ولين، ولا يخاطبوه بما يسرّ اليهود الخبثاء اللّؤماء. ففي الآية الكريمة دلالة على النّهي الشديد، والتّهديد، والوعيد على التشبّه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم؛ التي لم تشرع لنا، ولا نقرّ عليها. قال رسول الله ﷺ : «من تشبّه بقوم فهو منهم». أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن عمر، ﵄. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس منّا من تشبّه بغيرنا، لا تشبّهوا باليهود، ولا بالنصارى، فإنّ تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النّصارى الإشارة بالأكف». رواه الترمذي. تنبيه: نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن، وهذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليهم أن يتلقى المخاطبين. ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال، وإنما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي. الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من

стр. 275

المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أيّ) وانظر الآية رقم [٢١] وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿راعِنا:﴾ فعل صيغته أمر، وهو التماس هنا، مبني على حذف حرف العلة وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و (نا): مفعوله والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَقُولُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿اُنْظُرْنا:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت» و (نا) مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿اِسْمَعُوا﴾) معطوفة على جملة: (﴿قُولُوا﴾) لا محل لها مثلها. ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ انظر الآية السابقة رقم [٩٠]. ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿ما يَوَدُّ:﴾ ما يحبّ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ:﴾ المراد بأهل الكتاب: اليهود، والنصارى والمراد بالمشركين: عبدة الأوثان، وهذا يدلّ على أنّه يقال لليهود، والنصارى، كفار، هذا؛ و ﴿أَهْلِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزّوجة، وعلى الأتباع أيضا، والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ المراد بالخير، الوحي الذي ينزل بالقرآن، والهدى، هذا؛ والخير يكون بمعنى المال، كما في قوله تعالى في سورة (العاديات): ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ويكون بمعنى: الطعام، كما في قوله تعالى في حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٤]: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ،﴾ ويكون بمعنى: القوة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ويكون بمعنى: العبادة، والطّاعة، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ ويكون بمعنى المطر، قال الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٠٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت... لهم فلا زال عنها الخير مجدودا

стр. 276

﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ:﴾ نبوته، وتوفيقه، وهدايته. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: أنّ كل خير يناله عباده في دينهم، ودنياهم، فإنّه منه تعالى تفضّلا عليهم من غير استحقاق منهم لذلك، بل له الفضل، والمنّة على خلقه. انتهى خازن. هذا؛ وذكر الجمل: أنّ الفعل: «يختص» يستعمل متعديا، ولازما، فعلى الأول فاعله مستتر فيه، والموصول بصلته في محل نصب على المفعولية، والمعنى: والله يخصّ، وعلى الثاني الفاعل هو الموصول بصلته، والمعنى: والله يتميّز برحمته من يشاء الله تمييزه. انتهى. ولم أجده لغيره في كتب اللّغة، هذا؛ وهذه الجملة مذكورة في سورة (آل عمران) رقم [٧٤]. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَوَدُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الاسم الموصول و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿الْمُشْرِكِينَ:﴾ معطوف على ﴿أَهْلِ الْكِتابِ﴾ مجرور مثله، وجوّز النّحاس عطفه على الموصول، لكن لم يقرأ أحد بالواو والنّون، ﴿أَنْ يُنَزَّلَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خَيْرٍ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَوَدُّ﴾ وجملة: ﴿ما يَوَدُّ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٍ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَخْتَصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿بِرَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف المخاطب، والرابط الواو فقط. وقال صاحب روح المعاني: ابتدائية، ولا وجه له، وقيل: مستأنفة، وهو غير مسلم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي يشاؤه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿ذُو:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه من الأسماء الخمسة. و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه، ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة الفضل، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ ذُو﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال.

стр. 277

﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ الشرح: ﴿ما نَنْسَخْ:﴾ النّسخ في اللغة: إزالة الصّورة عن الشيء، وإثباتها في غيره، وفي الشرع: انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، فكان تبديلا في حقّنا، بيانا في حقّ صاحب الشّرع. وسبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا: إنّ محمدا يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا، ويرجع عنه غدا، ما يقول إلاّ من تلقاء نفسه، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ رقم [١٠١] من سورة (النّحل)، فأنزل الله ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فبيّن بهذه الآية وجه الحكمة في النّسخ، وأنّه من عنده لا من عند محمد ﷺ . هذا؛ وبعض المفسرين يقول: إن المشركين في مكّة هم الذين عابوا النّسخ، وطعنوا فيه. وهذا غير وجيه؛ لأن مكّة لم يحصل فيها نسخ، ولا تبديل، ولا تغيير، والسبب في ذلك: أنّ مكة لم تنزل فيها آيات الأحكام، ومهمّة الرسول ﷺ في مكة كانت مقصورة على التّوحيد، والإيمان بالبعث، والنشر، والحساب، والجزاء. واليهود أنكروا النّسخ كفرا، وعنادا، فإنه ليس في العقل ما يدلّ على امتناع النّسخ في أحكام الله تعالى، كما أنه يفعل ما يريد، ولا يسأل عما يفعل مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدّمة، وشرائعه الماضية، كما أحلّ لآدم ﵇ تزويج بناته من بنيه، ثمّ حرم ذلك بشريعة نوح، وكما أباح لنوح ﵇ بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثمّ نسخ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل، وبنيه، ثم حرّم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وهم يعترفون بذلك، ويصدفون عنه، عليهم لعائن الله في الدنيا والآخرة! هذا والنّسخ على أنواع: منها نسخ الأثقل إلى الأخف، كآية المصابرة المذكورة في سورة الأنفال رقم [٦٦]: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ فإنّها نسخت حكم ما قبلها، وكالذي كان على المؤمنين من نسخ قيام اللّيل، كما هو في آخر سورة المزمّل، ومنها نسخ الأخف إلى الأثقل، والأكمل في الثواب، والأجر، كالذي كان على المسلمين من صيام أيام معدودات في كلّ شهر، وصيام يوم عاشوراء، فنسخ ذلك بفريضة صيام رمضان، ونسخ المثل بمثله ثقلا وخفة، كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس، وصرفه إلى المسجد الحرام، وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى كما رأيت في سورة المجادلة رقم [١٢] ١٣ - وينسخ القرآن بالقرآن اتفاقا، وينسخ القرآن بالسّنة، كما في آية الوصية للأقربين رقم [١٨٠] الآتية، فإنها منسوخة بقول

стр. 278

النبي ﷺ : «لا وصيّة لوارث». والقرآن يجيزها للورثة، وهذا عند الجمهور، ما عدا الشافعي ﵁-فإنّه يرى نسخها بآية المواريث المذكورة في سورة النّساء. ثمّ النسخ في القرآن على وجوه: أحدها: ما رفع حكمه، وتلاوته، كما روي عن ابن أبي أمامة بن سهل-﵁: أنّ قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها إلا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾، فغدوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه: فقال رسول الله ﷺ : «تلك السّورة رفعت بتلاوتها وحكمها» أخرجه البغوي، بغير سند، وقيل: إنّ سورة الأحزاب، كانت مثل سورة البقرة، فرفع أكثرها تلاوة، وحكما. الوجه الثاني: ما رفع تلاوته، وبقي حكمه، مثل آية الرّجم. روي عن ابن عباس-﵄-قال: قال عمر بن الخطّاب-﵁-وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله بعث محمدا ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل عليه آية الرّجم، فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: لا نجد الرّجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإنّ الرّجم في كتاب الله حقّ على كلّ من زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف). أخرجه البخاريّ، ومسلم. هذا وآية الرّجم: (الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم.) هذا؛ وممّا نسخت تلاوته وبقي حكمه آية الرّضاع التي أخذ بها الشّافعي رحمه الله تعالى، ونصّها: (خمس رضعات يحرّمن). الوجه الثالث: ما رفع حكمه وثبت خطّه، وتلاوته، وهو كثير في القرآن الكريم، مثل آية الوصيّة المذكورة آنفا، وآية عدّة الوفاة بالحول، وهي رقم [٢٤٠] الآتية، فإنّها نسخت بآية أربعة أشهر وعشرا وهي رقم [٢٣٤] الآتية، وأيضا آية المصابرة المذكورة آنفا، ومثل ذلك كثير. ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ قرئ: («أو ننساها») فالأول من النّسيان، وهو ما رأيته عن أبي أمامة، والثاني: التأخير، والإرجاء. قاله مجاهد، وعطاء. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ أي: مما هو أنفع لكم، وأسهل عليكم، وأكثر لأجوركم، وليس معناه في أنّ آية خير من آية؛ لأنّ كلام الله تعالى كلّه خير ﴿أَوْ مِثْلِها﴾ في المنفعة، والأجر، والثّواب... ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ:﴾ هذا خطاب للنبيّ ﷺ ، ويشمل كلّ عاقل، وعالم. ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ فيه دليل على تسمية الله تعالى بالقدير، والقادر، والمقتدر، والقدير أبلغ في الوصف. والقدير، والقادر، والمقتدر بمعنى واحد، والاقتدار على الشيء: القدرة عليه، فالله قادر، مقتدر، قدير على كلّ ممكن يقبل الوجود، والعدم، فيجب على كل مكلّف أن يعلم: أنّ الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل، ويفعل ما يشاء على وفق علمه، واختياره. ويجب عليه أيضا أن يعلم: أنّ للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على ما تجري العادة،

стр. 279

وأنّه غير مستبد بقدرته وإنّما خصّ هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذّكر دون غيرها؛ لأنه تقدّم ذكر فعل مضمنه الوعيد، والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك. والله أعلم. الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم لفعل شرطه، وقيل: هي في محل نصب مفعول مطلق. أي نسخ ننسخ آية. ﴿نَنْسَخْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر تقديره نحن. ﴿مِنْ آيَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، وقال الجمل: متعلقان بمحذوف صفة لها، ولا وجه له. وقال أبو البقاء: زائدة، و ﴿آيَةٍ﴾ تمييز ل ﴿ما﴾ وليس بالقويّ، والجملة الفعلية: ﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ابتدائية لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نُنْسِها:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والفاعل: تقديره: «نحن»، و (ها) مفعول ثان، والأول محذوف؛ إذ التقدير: ننكسها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿نَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشّرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب (خير) أو بمحذوف صفة له. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مِثْلِها:﴾ معطوف على (خير)، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ:﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: ﴿تَعْلَمْ،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ الشرح: يرشد الله عباده في هذه الآية، إلى أنّه له التصرّف في خلقه بما يشاء، فله الخلق، والأمر، وهو المتصرّف فيهم، فكما خلقهم كما يشاء، يسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويوفّق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد، ولا معقّب لحكمه. ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ،﴾ ويختبر عباده بالنّسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها الله تعالى، ثمّ ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطّاعة كلّ الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في

стр. 280

تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا، وفي هذا ردّ عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم-لعنهم الله-في دعوى استحالة النسخ. وهذا الخطاب وإن كان للنبيّ ﷺ على وجه الخبر، وعظمته، فإنّه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوّة عيسى، ومحمد-عليهما الصّلاة والسّلام-لمجيئهما بما جاءا من عند الله بتغيير ما غيّر الله من حكم التّوراة، فأخبرهم الله: أنّ له تلك السموات والأرض وسلطانها، وأنّ الخلق أهل مملكته، وطاعته، وعليهم السّمع والطّاعة لأمره، ونهيه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السّابقة. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مُلْكُ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ:﴾ مستأنفة لا محل لها كالجملة السّابقة، فهي مقرّرة، ومؤكّدة لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، وقيل: متعلقان حال من: ﴿وَلِيٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليها صار حالا، وهو ضعيف؛ لأنّ كثيرا من النّحاة لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهَ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾ مجرور تبعا للفظه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم للتفخيم، والتعظيم. هذا؛ وأجاز الجمل اعتبار (﴿ما﴾) حجازية. وهذا على قول من يجيز تقديم خبرها؛ وهو ظرف، أو جار ومجرور على اسمها. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ الشرح: جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها؛ تبيّن لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعلّه أن يحرّم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: «إنّ أعظم المسلمين جرما من سأل عن

стр. 281

شيء لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته». وثبت في الصّحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وفي صحيح مسلم: «ذروني ما تركتكم: فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». وهذا إنّما قاله بعد ما أخبرهم: أنّ الله كتب عليهم الحجّ، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثا، ثم قال ﷺ : «لا، ولو قلت: نعم؛ لوجبت؛ ولو وجبت؛ لما استطعتم». ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم». ولهذا قال أنس بن مالك-﵁: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرّجل من أهل البادية، فيسأله؛ ونحن نسمع. وعن ابن عباس-﵄-قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلّها في القرآن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ و ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ و ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ يعني: هذا وأشباهه، رواه البزّار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ﵄. هذا؛ ويفيد: أنّ الخطاب للمؤمنين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فقد سأل بنو إسرائيل موسى أسئلة كثيرة كلّها تعنّت، وعناد، مثل قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ..﴾. إلخ وغير ذلك كثير. وقيل: السائل اليهود، فعن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حرملة، ووهب بن زيد: يا محمد! ائتنا بكتاب تنزله علينا نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك، ونصدقك. ويكون قوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾ مأخوذ من عموم بعثته ﷺ للخلق أجمعين، واليهود داخلون في هذا العموم بلا ريب، ولا شك، فصحّ توجيه الخطاب إليهم بهذا العموم، وأيضا سياق الكلام سابقا، ولاحقا في شأن اليهود. وقال النّسفي: روي: أن قريشا قالوا: يا محمد! اجعل لنا الصّفا ذهبا، ووسّع لنا أرض مكة، فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات، كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً﴾ وهذا لا وجه له؛ لأنّ سورة البقرة مدنيّة بالإجماع، وسؤال قريش هذه الأسئلة مذكور في سورة الإسراء، وغيرها من السّور المكيّة. ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ﴾ أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان، ويرضى بذلك. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد أخطأ الطّريق المستقيم إلى الجهل، والضلال، و ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ وسطه، وانظر معانيه الكثيرة فيما تقدم، هذا؛ و ﴿السَّبِيلِ:﴾ الطريق، يذكر، ويؤنث، بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، و: سبل بضم فسكون. هذا؛ بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [٢٦].

стр. 282

أقول: و «ضل» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام، ومصدره: الضّلال، ويأتي «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ رقم [٥٢] وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب، بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى في سورة الضّحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ وأضل، يضلّ غيره من الرّباعي ومصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، ومصدره: الضّلال، وهو الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم، وينبغي أن تعلم: أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأمّا الضّلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ رقم [٣٢] وقال الشاعر الحكيم: [البسيط] الطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب، أو هو حرف انتقال، وهي بمعنى: بل، وعليه فهي المنقطعة، لعدم تقدّم الاستفهام عليها. ﴿تُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَسْئَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿رَسُولَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و «أن» والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ﴾ مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿سُئِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة للتعذر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿سُئِلَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى﴾. ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، و (ما) المصدرية، والفعل ﴿سُئِلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إن تسألوا سؤالا مثل سؤال قوم موسى. وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التّركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم

стр. 283

على طريق الاتساع، فيكون التقدير: أن تسألوا رسولكم على مثل هذه الحالة؛ لأن حذف الموصول، وإبقاء الصّفة لا يجوز عند سيبويه إلا في مواضع معيّنة، وليس هذا منها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَبَدَّلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُفْرَ﴾ أي: مقابلا، أو مستبدلا بالإيمان. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به، وقال أبو البقاء: ظرف مكان، وهو مضاف، و ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه، وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مِنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٨١] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في نفر من اليهود، وذلك: أنّهم قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر-﵃-بعد وقعة أحد: لو كنتم على حقّ ما هربتم، فارجعا إلى ديننا، فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال عمار-﵁: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال: إنّي عاهدت الله ألا أكفر بمحمد ﷺ ما عشت! قالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة-﵁: أما أنا فقد رضيت بالله ربّا، وبمحمّد رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ثمّ إنهما أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك، فقال: «أصبتما الخير، وأفلحتما». انتهى خازن. ﴿وَدَّ:﴾ أحب، وتمنّى. ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً:﴾ لو يصيرونكم كفارا مثلهم. ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ:﴾ أي: من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب، ولا أمروا به، ولكن حملتهم نفوسهم الخبيثة على ذلك. ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ:﴾ يعني في التّوراة: أنّ قول محمد ﷺ ودينه حقّ، لا يشكّون في أمره، لكن كفروا حسدا، وبغيا. هذا؛ والحسد نوعان: مذموم، وممدوح، فالمذموم: أن يتمنّى العبد زوال نعمة الله عن الناس، وسواء تمنّى أن يستفيد من تلك النعمة أم لا. وهذا النّوع

стр. 284

هو الذي ذمّه الله في كتابه في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والحسد فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» أو قال: «العشب». أخرجه أبو داود، وغيره عن أبي هريرة-﵁، وانظر ما ذكرته في سورة (الفلق) وفي الآية رقم [٥٤] من سورة (النّساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: اتركوهم، وأعرضوا عنهم، فلا تؤاخذوهم، وكان هذا الأمر بالعفو، والصّفح قبل أن يؤمر بالقتال، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والسّدي: إنّها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بعقابه، وبعذابه، وهو القتل، والسبي لبني قريظة، والإجلاء، والنّفي لبني النّضير. قال ابن عباس-﵄: هو أمر الله بقتالهم. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٦]. الإعراب: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿كَثِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يَرُدُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿إِيمانِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كُفّاراً:﴾ مفعول به ثان، و ﴿لَوْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿وَدَّ،﴾ وبعضهم يعتبر ﴿لَوْ﴾ شرطية امتناعية، ويقدر لها جوابا كما يلي: لو يردونكم كفارا، لسروا، وفرحوا بذلك. والأوّل أقوى، وأتمّ معنى، كما اعتبر أبو البقاء: ﴿كُفّاراً﴾ حالا من كاف الخطاب، والمرجّح الأول. ﴿حَسَداً:﴾ مفعول لأجله، والعامل فيه: ﴿وَدَّ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ متعلقان ب ﴿حَسَداً﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿وَدَّ،﴾ والأول أقوى معنى وأتمّ سبكا، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿وَدَّ﴾. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعل، و ﴿ما﴾ والفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: بعد تبيين الحق لهم، وجملة: ﴿وَدَّ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْفُوا:﴾ الفاء: فيها أقوال، فبعضهم يعتبرها عاطفة جملة إنشائية على جملة خبرية، وابن هشام يعتبرها للسّببيّة المحضة، وأنا أعتبرها الفاء الفصيحة. (اعفوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا حصل من اليهود مثل هذه الأقوال؛ فاعفوا عنهم، واصفحوا. ومتعلّق الفعلين محذوف، التقدير: عنهم.

стр. 285

﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَأْتِيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ الشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ لمّا أمر الله المؤمنين بالعفو، والصفح عن اليهود؛ أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم من إقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة الواجبتين، ونبّه بذلك على سائر الواجبات. ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من طاعة، وعمل صالح، وقيل: أراد بالخير: المال؛ يعني: صدقة التطوّع؛ لأن الزّكاة تقدّم ذكرها، وجاء في الحديث: «إنّ العبد إذا مات؛ قال النّاس: ما خلّف؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟». وخرّج البخاريّ، ومسلم عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله! ما منّا أحد إلا ماله أحبّ إليه!. قال: «فإنّ ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». وجاء عن عمر-﵁: أنه مرّ ببقيع الغرقد، فقال: السّلام عليكم أهل القبور! أخبار ما عندنا؛ فإنّ نساءكم قد تزوّجت، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتف: يا بن الخطاب! أخبار ما عندنا: ما قدّمناه؛ وجدناه، وما أنفقناه؛ فقد ربحناه، وما خلّفناه؛ فقد خسرناه. ولقد أحسن من قال: [الكامل] قدّم لنفسك قبل موتك صالحا... واعمل فليس إلى الخلود سبيل وقال آخر: [الكامل] قدّم لنفسك توبة مرجوّة... قبل الممات وقبل حبس الألسن وقال أبو العتاهية الصّوفي رحمه الله تعالى: [الوافر] اسعد بمالك في حياتك إنّما... يبقى وراءك مصلح أو مفسد
следующие страницы →