← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)﴾ الشرح: ﴿فَسِيحُوا﴾: سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب، ولا سلب، ولا قتل، ولا أسر. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ لأن الآية نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر؛ لأن التبليغ كان يوم النحر، كما ستعرفه، وانظر شرح الأشهر في الآية رقم [٣٧]. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أي: اعتقدوا وتيقنوا: أنكم لا تعجزون الله، ولا تفوتونه، واعتقدوا أن الله مذل الكافرين بالقتل والأسر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وانظر شرح ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف)، هذا؛ و ﴿غَيْرُ﴾ اسم شديد الإبهام، ولا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو الفتح خلاف، وإن أردت الزيادة فانظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب». تنبيه: لقد اختلف العلماء في هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فقال مجاهد: هذا التأجيل من الله للمشركين، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر حطه إليها، ومن كان عهده بغير أجل معلوم محدود حدّه بها، ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله، يقتل حيث أدرك، ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان، وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر في السنة التاسعة للهجرة على المعتمد. وكان النبي ﷺ قد أراد الحج، فقيل له: إن المشركين يحضرون، ويطوفون بالبيت عراة، فقال: «لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك». فبعث أبا بكر-﵁-في تلك السنة أميرا على الحج، ثم بعد مسيره بأيام نزلت الآيات من أول سورة براءة، فبعث بها مع علي بن أبي طالب-﵁-على ناقته العضباء ليقرأ الآيات على الناس، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى، وعرفة: أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، فلما قرب علي ﵁ سمع أبو بكر ﵁ الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ ، فلما لحقه، قال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، فلما كان يوم التروية، خطب أبو بكر الناس، وعلمهم مناسكهم، ووقف علي يوم النحر عند جمرة العقبة، وقال: يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم. قالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم الآيات من أول سورة براءة ثلاثين أو أربعين، ثم قال: أمرت بأربع:

стр. 2207

أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد، فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر، وهذا يخالف ما روي عن مجاهد. تنبيه: بعث النبيّ ﷺ عليا ﵁ ليبلغ ما ذكر، ليس عزلا لأبي بكر ﵁ عن إمارة الحج ذلك العام، ولا دليل فيه على فضل علي على أبي بكر-﵄، وإنما كان هذا البعث والتولي جاريا على عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد، أو نقضه إلا سيد القبيلة وعظيمها، أو رجل من أقاربه، وكان علي ﵁ أقرب الناس إلى النبي ﷺ ، فبعثه الرسول لهذا السبب، ولئلا يقولوا: هذا على خلاف ما نعرفه عن عادتنا في عهد العهود ونقضها انتهى. بيضاوي وخازن بتصرف كبير. هذا؛ ولا تنس أن في الكلام التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، وأيضا من خطاب إلى خطاب آخر، انظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام) فإنه جيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿فَسِيحُوا﴾: الفاء: حرف استئناف. (سيحوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مقولة لقول محذوف، إذ التقدير: قل لهم: سيحوا... إلخ، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَرْبَعَةَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿أَرْبَعَةَ﴾: مضاف، و ﴿أَشْهُرٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: إعرابه مثل سابقه. ﴿أَنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿غَيْرُ﴾: خبر (أن)، وهو مضاف، و ﴿مُعْجِزِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿مُعْجِزِي﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (اعلموا)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا المصدر المؤول من ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، هذا؛ و ﴿مُخْزِي﴾ خبر (أن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه... إلخ، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَذانٌ﴾: إعلام، والأذان، من الإيذان، كالأمان من الإيمان، والعطاء من

стр. 2208

الإعطاء. ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] (الأنفال). ﴿النّاسِ﴾: انظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف). ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يوم عيد الأضحى؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله أو المراد به يوم عرفة؛ لأن الوقوف فيها أهم أركان الحج وأفعاله، ووصف الحج بالأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيده عيد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عزّ المسلمين، وذلّ المشركين كما رأيت في الآية السابقة. ﴿بَرِيءٌ﴾: انظر شرح براءة في الآية رقم [١]. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين اتخذوا معه إلها آخر من حجر، أو شخص، أو حيوان، وغير ذلك. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ أي: هو بريء أيضا من المشركين، وعهودهم. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفر، والغدر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: فالتوبة خير لكم، وانظر شرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف). ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: عن التوبة من الكفر، وأعرضتم عن الإيمان بالله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أصل البشارة أن تكون بما يسر المخبر به، وقد تستعمل بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء، وهو ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (النحل)، إن أردت الزيادة، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). وفي الكلام التفات كما ترى. الإعراب: ﴿وَأَذانٌ﴾: الواو: حرف عطف. (أذان): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذا أذان: أو قل: الآيات الآتي ذكرها (أذان). ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: (أذان)، أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر. و ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى النّاسِ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله، و ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَجِّ﴾: مضاف إليه. ﴿الْأَكْبَرِ﴾: صفة ﴿الْحَجِّ،﴾ هذا؛ وقيل: إن يوم متعلق بصفة: (أذان) المحذوفة، ولا يحسن أن يتعلق ب (أذان)؛ لأنه وصف، فخرج عن حكم الفعل، وقيل: متعلق ب ﴿مُخْزِي،﴾ وفيه بعد، هذا؛ ويجوز اعتبار (أذان) مبتدأ، و ﴿إِلَى النّاسِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، و ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بالخبر المحذوف أيضا، وعلى الاعتبارين في (أذان) فالجملة الاسمية معطوفة على قوله ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ لا محل لها، الأولى بالابتداء، والثانية بالاتباع، هذا؛ والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف مقدر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: (أذان) على الوجه الأول فيه، ومتعلقان بمحذوف خبره على الوجه الثاني فيه، وينبغي أن تلاحظ: أن الصفة قد تعددت وهي شبه جملة على الوجه الأول، وأن الخبر قد تعدد، وهو شبه جملة على الوجه الثاني، هذا؛ وقرئ بكسر همزة: «(إنّ)»، فتكون الجملة تعليلا لما تقدم أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.

стр. 2209

﴿وَرَسُولِهِ﴾: (رسوله): بالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو معطوف على الضمير المستتر في: بريء، وما بينهما يجري مجرى التوكيد؛ فلذا ساغ العطف، والثاني: هو مبتدأ محذوف خبره، التقدير: ورسوله بريء أيضا، والثالث: هو معطوف على محل اسم (أنّ)، وهو عند المحققين غير جائز؛ لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة، وقرئ بالنصب من وجهين: أحدهما: العطف على اسم (أنّ)، وثانيهما: على أنه مفعول معه، والواو بمعنى مع، وقرئ شاذا بالجر على إرادة القسم، وحذف جوابه لفهم المعنى. وقيل: على الجوار، كما أنهم نعتوا أو أكدوا على الجوار، كما رأيت في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة). ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿فَإِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُبْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له من الإعراب، وما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثله، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: إعراب هذه الجملة مثل الآية رقم [٢]. ﴿وَبَشِّرِ﴾: أمر، وفاعله أنت. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفته، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، والعطف لا يؤيده المعنى. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ..﴾. إلخ: المراد بهؤلاء بنو ضمرة-حي من كنانة-فقد أمر الله رسوله والمؤمنين بإتمام عهدهم، إلى تمام مدته، وكان قد بقي من ذلك تسعة أشهر، والسبب فيه أن هؤلاء القوم لم ينقضوا العهد، ولم يعاونوا أحدا على الرسول ﷺ ، وإذا كان ذلك واقعا منهم؛ فلا يعاملون معاملة الناكثين: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ،﴾ انظر هذا الحب في الآية رقم [٥٩] الأنفال، هذا؛ وقرئ «(ينقضوكم)» بالضاد، أي: لم ينقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، هذا؛ وانظر ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ في الآية رقم [٣]. «ينقضوكم»: انظر (زاد) في الآية رقم [٦٩] الأعراف. ﴿شَيْئاً﴾: انظر الآية رقم [٨٥] (الأعراف). ﴿أَحَداً﴾: انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف). ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال). ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف).

стр. 2210

الإعراب: ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من المشركين، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، إذ التقدير: عاهدتموهم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَنْقُصُوكُمْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿شَيْئاً﴾: مفعول به ثان، وقيل: نائب مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَتِمُّوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. ﴿فَأَتِمُّوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَهْدَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿إِلى مُدَّتِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال مما قبلهما، التقدير: ممتدا إلى مدتهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَتِمُّوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم فأتموا إلخ، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، واعتبار: ﴿فَأَتِمُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء من الكلام المتقدم، والإعراب الأول أقوى وأولى. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل لما أمروا به من وفاء العهود، وإتمام المدة للذين لم ينقضوا العهود. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ الشرح: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: إذا انتهت، وانقضت الأشهر الحرم، وقد اختلف في الأشهر الحرم، فقيل: هم خمسون يوما منها عشرون من شهر ذي الحجة والمحرم، والمعتمد: أنها أربعة أشهر، وهي المدة التي ضربها الله للمشركين فيما رأيت، وسميت حرما مع كون صفر وربيع ليسا من الحرم لتحريم قتل المشركين فيها، ومنحهم فرصة التأمل، والتفكر لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويدخلون في دين الله أفواجا، وهذا هو الذي حصل بعدئذ. هذا؛ والانسلاخ في الأصل: الكشط، والنزع، ومنه سلخت جلد الشاة، فانسلخ، فقد استعير الانسلاخ لمضي الأشهر وانقضائها، كما استعير في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ للإزالة،

стр. 2211

وكشف النهار من الليل وإيضاحه. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان يستثنى منهم الأطفال، والشيوخ، والغرض من ذلك تطهير الجزيرة العربية من عبادة الأوثان، وأما الكفرة من يهود ونصارى فيقرون بالجزية، كما فعل الرسول ﷺ بأهل خيبر وغيرهم، و ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في محل أو حرم، ولو في جوف الكعبة. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: خذوهم أسرى. ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾: احبسوهم، أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: كل طريق، والمرصد في الأصل: الموضع الذي يرقب فيه العدو، وهو هنا اسم مكان. ﴿فَإِنْ تابُوا﴾: عن الشرك، ورجعوا إلى الإيمان. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: فدعوهم، ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك، وفيه دليل على أن تارك الصلاة، ومانع الزكاة، لا يخلى سبيله. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفور لمن تاب ورجع عن الشرك إلى الإيمان؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. ﴿رَحِيمٌ﴾: بأهل طاعته وأوليائه. هذا؛ والأشهر جمع: شهر، ويجمع أيضا على شهور، وسمي الشهر شهرا لشهرته برؤية القمر في أوله. ﴿حَيْثُ﴾: انظر الآية رقم [٢٧] الأعراف. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٥] (الأعراف). ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾: أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وركوعها وسجودها وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى ولا يقال: أقام الصلاة، هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء والتضرع، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها أركان، وشروط، ومبطلات، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها الاستغفار، ومن الله على عباده: الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ والزكاة في اللغة: التطهير، والإصلاح، والنماء، وفي الاصطلاح: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وتدفع لأشخاص مخصوصين مذكورين في الآية رقم [٦١] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] الآتية. ﴿سَبِيلَهُمْ﴾: انظر [١٤٢] من سورة (الأعراف). ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: صيغتا مبالغة. تنبيه: قال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين، والصبر على أذى الأعداء. الإعراب: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿الْحُرُمُ﴾: صفة ﴿الْأَشْهُرُ﴾. ﴿فَاقْتُلُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب (إذا). اقتلوا: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]

стр. 2212

(الأعراف). ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ فتولدت واو الإشباع، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿فَاقْتُلُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وإعرابه مثل إعراب: ﴿فَاقْتُلُوا..﴾. إلخ، والجملة معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله، وأيضا جملة: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ﴾ معطوفتان على جواب (إذا) لا محل لهما مثله. ﴿كُلَّ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: على كل، و ﴿كُلَّ﴾: مضاف، و ﴿مَرْصَدٍ﴾: مضاف إليه ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ في الآية رقم [٤] وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على جملة فعل الشرط لا محل لهما مثلها، وجملة: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و ﴿فَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ أي: وإن استأمنك يا محمد أحد المشركين الذين أمرت بقتالهم، وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، ليسمع كلام الله الذي أنزل عليك، وهو القرآن، فأجره حتى يسمع كلام الله، ويعرف ما له من الثواب إن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الكفر، ثم أبلغه مأمنه؛ أي: إن لم يسلم أوصله إلى الموضع الذي يأمن فيه، وهو دار قومه، وإن قاتلك بعد ذلك وقدرت عليه؛ فاقتله. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾: ما الإيمان، وما حقيقة ما تدعوهم إليه، فلا بد من أمانهم، ريثما يسمعون ويتدبرون، قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة، أي: باق حكمها. هذا، وانظر شرح ﴿أَحَدٌ﴾ في الآية رقم [٨٠] من سورة (الأعراف). ﴿يَسْمَعَ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠] منها. ﴿كَلامَ اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١٤٤] منها. ﴿قَوْمٌ﴾: انظر الآية رقم [٣٢] منها. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعرفون، وانظر الآية رقم [٦١] (الأنفال). الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَحَدٌ﴾.

стр. 2213

﴿اِسْتَجارَكَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: هو يعود إلى ﴿أَحَدٌ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها، وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون فيجيزون أن يكون ﴿أَحَدٌ﴾ فاعلا مقدما بالفعل بعده. انظر الشاهد [٩٩٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك. ﴿فَأَجِرْهُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أجره): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَسْمَعَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿كَلامَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل أجره. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَبْلِغْهُ﴾: فعل ومفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿مَأْمَنَهُ﴾: مفعول به ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ،﴾ و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ الشرح: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾: استبعاد أن يكون للمشركين عهد وأمان من الله ورسوله، ولا ينكثون؛ لأن قلوبهم تغلي حقدا وحسدا، وهم مطبوعون على خلف الوعود، ونقض العهود، وهذا هو الذي حصل من المشركين فقد نقض كفار قريش العهد الذي أبرموه مع الرسول ﷺ في الحديبية، نقضوه بإعانة بني بكر حلفائهم على بني خزاعة حلفاء الرسول ﷺ . ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾: وهم بنو ضمرة، فهم ثابتون على عهدهم، ووفائهم، ﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: ما داموا محافظين على عهودهم، ومواثيقهم فأتموا إليهم المدة المبرمة بينكم وبينهم، وهو ما أفادته الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يخافون الله، فيفون بالوعود، ويتممون العهود التي يبرمونها، وانظر الآية رقم [٥٩] الأنفال. ﴿عَهْدٌ﴾: انظر الآية رقم [١٠٢] من سورة (الأعراف). ووصف الله الكعبة ب ﴿الْحَرامِ﴾ تنويها بشأنها، ورفعة لقدرها، وتعظيما لحرمتها.

стр. 2214

الإعراب: ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام، واستبعاد، مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿يَكُونُ﴾ تقدم عليها وعلى اسمها، أو خبر: ﴿يَكُونُ﴾ الجار والمجرور: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أو الخبر متعلق الظرف: ﴿عِنْدَ﴾ وهو على الاعتبارين الأولين متعلق بمحذوف صفة: ﴿عَهْدٌ،﴾ أو هو متعلق به؛ لأنه مصدر، أو هو متعلق بالفعل ﴿يَكُونُ،﴾ و ﴿كَيْفَ﴾ على الاعتبارين الآخرين في محل نصب حال من عهد، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تاما، فيكون ﴿عَهْدٌ﴾ فاعلا به، و ﴿كَيْفَ﴾ حالا منه، والظرف والجار والمجرور متعلقان بالفعل، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء، أو هي حرف حصر. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في محل نصب على الاستثناء من المشركين. الثاني: أنه في محل جر بدل من المشركين. والثالث: أنه في محل رفع مبتدأ؛ وعليه فالاستثناء منقطع، وهو بمعنى: لكن الذين، والجملة الفعلية بعد الموصول صلته، والعائد محذوف، التقدير: عاهدتموهم. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ﴾: صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿فَمَا﴾: الفاء: حرف تفريع، أو هي زائدة. (ما): ظرفية مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بفعل الأمر الآتي، التقدير: فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا حصل منهم ثبات على العهد ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ،﴾ و ﴿اِسْتَقامُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (استقيموا) أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] الأعراف، والشرط المقدر ومدخوله معطوف على ما قبله، هذا؛ وجوز اعتبار (ما) اسم شرط جازما. وفي محلها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الظرف الزماني، التقدير: أيّ زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم، والثاني: أنها في محل رفع بالابتداء، وفي الخبر الاختلاف الذي رأيته في الآية رقم [١٣] الأنفال، ويحتاج الكلام إلى تقدير رابط، أي: أيّ زمان استقاموا لكم فيه، هذا؛ والجملة الشرطية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه رأيته فيه، وتكون الفاء زائدة؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥] وهي مفيدة للتعليل. ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)﴾ الشرح: ﴿كَيْفَ﴾: فالفعل بعده محذوف؛ إذ الأصل: كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله ورسوله؟! ومثل هذه الآية قول كعب الغنوي في مرثية أخيه مع صاحبيه: [الطويل]

стр. 2215

لعمر أبي إنّ البعيد الّذي مضى... وإنّ الّذي يأتي غدا لقريب وخبّر تماني أنّما الموت بالقرى... فكيف، وهاتا هضبة وقليب؟ إذ التقدير: فكيف مات أخي في هذا الموضع، وهو برية، فقد أعاد سبحانه التعجب من أن يكون لهم عهد مع خبث أعمالهم. ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾: معناه وإن يغلبوكم ويتمكنوا من قتلكم لا يراعوا فيكم إلاّ ولا ذمة، هذا؛ والإلّ: القرابة، أو الرحم، وقال قتادة: هو الحلف، وبمعنى القرابة، قال حسان ﵁: [الوافر] لعمرك إنّ إلّك من قريش... كإلّ السّقب من رأل النّعام الإلّ: القرابة، والسقب: حوار الناقة، والرأل: ولد النعام، يريد: أنه لا قرابة بينك وبينهم، كما أنه لا قرابة بين السقب وولد النعام. ﴿ذِمَّةً﴾: عهدا أو حقا، هذا؛ وقيل: الإلّ: الإله، ومنه قول أبي بكر ﵁ لما سمع كلام مسيلمة الكذاب: إن هذا الكلام لم يخرج من إلّ، أي: من الله، وعلى هذا القول يكون معنى الآية: لا يرقبون الله فيكم، ولا يحفظونه، ولا يراعونه، وفي القاموس: الإل بالكسر العهد، والحلف، وموضع، والجؤار، والقرابة والمعدن، والحقد، والعداوة، والربوبية، واسم الله تعالى، والرضا، والأمان، والجزع عند المصيبة. انتهى. فظهر لك: أنه يستعمل في الأضداد. ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أي: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وذلك بوعد الإيمان والطاعة، والوفاء بالعهد، وهم يبطنون الكفر والمعاداة بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليكم، هذا؛ و (تأبى) من الإباء، وهو الامتناع، أو أشده، وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، كما في الآية رقم [٣٣] الآتية، هذا؛ ويكون متعديا إذا كان بمعنى كره، ولازما إن كان بمعنى امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي والإيجاب؛ لأنه بمعنى لا يقبل إلا... إلخ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾: مارقون خارجون عن طاعة الله متمردون، لا عقيدة تردعهم، ولا مروءة تزجرهم، وانظر الآية رقم [٤٥] (الأعراف). وكل كافر فاسق. الإعراب: ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الحال عامله وصاحبه محذوفان. انظر الشرح. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: واو الحال، (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَظْهَرُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْقُبُوا﴾: جواب الشرط مجزوم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِيكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاًّ﴾: مفعول به. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿ذِمَّةً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَرْقُبُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا

стр. 2216

الفجائية، و (إن) ومدخولها في محل نصب حال من الضمير الموجود في الجملة المحذوفة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَأْبى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩)﴾ الشرح: ﴿اِشْتَرَوْا﴾: استبدلوا، والاشتراء: استبدال عين مرئية بعوض معلوم، فقد استعاره لإعراض الكفار عن الإيمان، ورضاهم بالكفر. ﴿بِآياتِ اللهِ﴾: المراد بها: القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، وانظر الآية رقم [٩] (الأعراف). ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: عوضا يسيرا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، وقيل: نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ بسبب أكلة أطعمهم إياها أبو سفيان، وطلب منهم ذلك فأجابوه، هذا؛ والدنيا كلها ثمن قليل بجانب الآخرة. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: منعوا الناس من الدخول في دين الإسلام، وانظر ﴿يَصُدُّونَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿ساءَ﴾: يجوز فيه أن يكون على بابه من التصرف والتعدي، ومفعوله محذوف، أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم، وأن يكون جاريا مجرى بئس، فيحول إلى فعل بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم، محذوفا كما تقرر غير مرة. انتهى جمل نقلا عن السمين. وانظر مثل إعلال ﴿اِشْتَرَوْا﴾ في الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿اِشْتَرَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿بِآياتِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ثَمَناً﴾: مفعول به. ﴿قَلِيلاً﴾: صفته، وجملة: ﴿اِشْتَرَوْا..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿ساءَ﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه وجوبا فسره التمييز، وهو ﴿ما﴾ فإنها نكرة موصوفة بمعنى شيئا مبنية على السكون في محل نصب، والجملة بعدها صفتها، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا كانوا يعملونه، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير:

стр. 2217

المذموم عملهم، وهذا الإعراب على اعتبار الفعل جامدا، وأما على اعتباره متصرفا، فمفعوله محذوف، التقدير: ساءهم، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ساءهم الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿ساءَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾ الشرح: المعنى إن هؤلاء المشركين لا يراعون في مؤمن عهدا، ولا ذمة، ولا قرابة، فمن قدروا عليه قتلوه، وأولئك هم المتجاوزون حدود الله بنقض العهود، والكفر، وتحليل ما حرم الله ورسوله، وليس في الكلام تكرير لأن الأول يشمل المشركين والكافرين، والثاني يخص اليهود الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، حيث باعوا حجج الله وبيانه بطلب الرئاسة، وجمع حطام الدنيا الفاني. الإعراب: ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْقُبُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾: متعلقان به. ﴿إِلاًّ﴾: مفعول به. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿ذِمَّةً﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، والاستئناف ممكن. الواو: واو الحال. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُعْتَدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا، و ﴿الْمُعْتَدُونَ﴾: خبره، فتكون الجملة الاسمية خبر (أولئك)، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية فهي في محل نصب حال مثلها، وإن اعتبرتها حالا ثانية من واو الجماعة في الآية السابقة؛ فلست مفندا، والاستئناف ممكن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ أي: عن الكفر، وآمنوا بالله ورسوله. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾: انظر الآية رقم [٦]. ﴿الدِّينِ﴾: انظر الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأنعام). ﴿وَنُفَصِّلُ﴾

стр. 2218

الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: نبين حجج أدلتنا، ونوضح بيان آياتنا لمن يعلم ذلك، ويفهمه، والعلم هنا بمعنى المعرفة، انظر الآية رقم [٦١] الأنفال. هذا؛ وخصّ الله الذين يعلمون بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالبيان والتوضيح، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] (الأعراف). تنبيه: قال ابن عباس-﵄: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، وقال ابن مسعود ﵁: أمرتم بالصلاة، والزكاة، فمن لم يزك؛ فلا صلاة له، وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق الله بينهما، وأبى أن يقبل الصلاة، إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه، يعني بذلك ما ذكره أبو بكر ﵁ في حق من منع الزكاة، وهو قوله: «والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما» يعني: الصلاة والزكاة. انتهى. خازن. ومن القرطبي: وفي حديث أن النبي ﷺ ، قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله ولا أطيع الرّسول، والله يقول ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ ومن فرق بين شكر الله وشكر والديه، والله يقول ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. انتهى. وانظر جزاء مانعي الزكاة في الآية رقم [٣٥] و [٣٦] الآتيتين، وانظر شرح الصلاة والزكاة في رقم [٥]. الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. إن: حرف شرط جازم. ﴿تابُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿فَإِخْوانُكُمْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إخوانكم): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهم إخوانكم، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَنُفَصِّلُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل مضارع وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿لِقَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿وَنُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي: إن نقض الكفار ما بايعوا عليه من الأيمان، والوفاء بالعهود، فالنكث: النقض، وهو في الأصل في كل ما فتل، ثم حل، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾ لذا فقد استعير النقض للأيمان

стр. 2219

والعهود استعارة، وانظر الآية رقم [١٠٢] الأعراف. ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾: عابوا دينكم بصريح التكذيب، وتقبيح الأحكام، أو قدحوا في أصوله وقواعده، هذا؛ ومضارع طعن: يطعن، بضم عين المضارع في كل ما هو حسي كيطعن في الرمح ونحوه، وأما المعنوي كيطعن في النسب أو في الدين فهو بفتح العين، وأجاز الفراء فتح العين فيه في جميع تصرفاته ومعانيه لمكان حرف الحلق، أي: فهو من الباب الثالث لوجود حرف الحلق فيه، وهو العين. هذا؛ والطعن المعنوي استعارة من الحسي كما هو ظاهر، ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: فقاتلوهم، فوضع الاسم الظاهر مكان الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة، والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل. وما نقله الخازن عن ابن عباس-﵄-من أن الآية نزلت في زعماء قريش يبعده أن نزولها في السنة التاسعة، وكانت شوكة قريش في تلك السنة قد قضي عليها، فلم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم بعد فتح مكة، فعلى هذا يكون كل من نقض العهد، وتبعه غيره في ذلك يكون من أئمة الكفر. ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي: لا عهود لهم بمعنى: لا وفاء لهم بالعهود والمواثيق، وقرئ بكسر الهمزة بمعنى: لا دين لهم ولا تصديق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، والمراد به: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، واليمين أيضا اليد اليمنى، وتجمع أيضا على أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: عن كفرهم ومعاداتهم للإسلام وأهله، والمعنى: ليكن غرضكم، وغايتكم من قتالهم انتهاءهم عما هم عليه؛ لا مجرد إيذائهم، كما هو شأن المؤذين، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٥٨] الأنفال. هذا؛ وأئمة جمع: إمام، وهو من يقتدى به في فعل الخير، وقد يكون قدوة في الشر، فهنيئا للأول، وويل للثاني، والمراد به هنا: زعماء الكفار ورؤساؤهم، وأصله أأممة مثل: خباء وأخبية، فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة، وأدغمت في الميم الأخرى، فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل، ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها المنقولة إليها، ولا يجوز هنا أن تجعل بين بين، كما جعلت همزة أإذا؛ لأن الكسرة هنا منقولة، وهناك أصلية، ولو خففت الهمزة الثانية هنا على القياس، لكانت ألفا؛ لانفتاح ما قبلها، ولكن ترك ذلك لتتحرك حركة الميم في الأصل، وفيها ثلاث قراءات مشهورة. تنبيه: استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين؛ إذ هو كافر، والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله، واستقامة فروعه، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ عليه القتل. انتهى. قرطبي. أقول: سواء أكان من المسلمين أم من الكافرين يقتل، واختلفوا إذا سبه، ثم أسلم تقية من القتل، فقيل: يسقط بإسلامه قتله؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب، قال الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ وقيل: لا يسقط الإسلام قتله.

стр. 2220

الإعراب: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و ﴿عَهْدِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَقاتِلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَئِمَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْكُفْرِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿فَقاتِلُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَيْمانَهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا﴾: نافية للجنس. ﴿أَيْمانَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح... إلخ، وانظر إعراب: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال) لبقية الإعراب، والجملة الاسمية: ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿أَيْمانَهُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر بالقتال. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٦] الأنفال، وهي تعليل أيضا للقتل. ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾: فيه توبيخ، وفيه حض على قتال المشركين الذين نقضوا العهود التي أبرموها مع الرسول ﷺ في الحديبية على أن لا يعاونوا عليهم، فعاونوا حلفاءهم بني بكر على حلفاء الرسول بني خزاعة. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ أي: من مكة، وذلك كان يوم تآمروا في دار الندوة، كما رأيت في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال)، و ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: وذلك كان يوم بدر؛ لأن النبي ﷺ خرج للعير، ولما أحرزوا عيرهم كان يمكنهم الانصراف والرجوع إلى مكة، فأبوا إلا الوصول إلى بدر، وشرب الخمر فيها، كما رأيت في الآية رقم [٤٨] الأنفال، ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: أتخافونهم، فتتركوا قتالهم. ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ أي: أحق بالخوف منه، وفي آية (المائدة): ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ هذا؛ والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، هذا؛ وقد يأتي الفعل (خشي) بمعنى (علم) القلبية، قال الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا: بعد ما تقدم انظر: ﴿قَوْماً﴾ في الآية رقم [٣٢] (الأعراف). و ﴿نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾

стр. 2221

في الآية السابقة. ﴿أَوَّلَ﴾: انظر الآية رقم [١٤٢] (الأعراف)، وانظر إعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٥] الأعراف. فإعلال ﴿تَخْشَوْهُ﴾ مثله. ﴿كُنْتُمْ﴾: انظر إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف فهو مثله، ومعنى ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بوعد الله ووعيده، وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] من سورة (الأعراف). هذا؛ و ﴿وَهَمُّوا﴾ قصدوا وأرادوا، والهم: العزم على الشيء وقصده. هذا؛ والهم أيضا: الحزن، ومثله الغم، ويفرق بينهما بأن الأول الحزن لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأن الأول: يطرد النوم، ويسبب الأرق، والثاني: يجلب النوم، ويسبب الهدوء والسكون، والهموم والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشيب، وهزل جسمه، روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «الهمّ نصف الهرم». وقال أبو الطيب المتنبي: [البسيط] والهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ، فيهرم تنبيه: هذا؛ وقيل: إن المراد بالذين نكثوا العهد اليهود، وهذا دأبهم، فقد نقضوا عهد الرسول ﷺ مرارا كما هو معلوم ومشهور، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ من المدينة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ الآية رقم [٧٦] من سورة (الإسراء)، ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالمعاداة، أو المقاتلة؛ لأن النبي ﷺ بدأهم بالدعوة، وإلزام الحجة بالكتاب، والتحدي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة، فما يمنعكم أيها المسلمون أن تعارضوهم وتصادموهم؟ وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، وإذا علمت: أن السورة نزلت في السنة التاسعة، بعد ما نقض اليهود العهد قبيلة قبيلة ثبت لك هذا. كما يمكن أن يراد بالآيتين قبائل العرب التي بقيت على كفرها بعد فتح مكة، وقيل: المراد الفرس والروم، وهذا ضعيف، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَلا﴾: حرف تحضيض، متضمن معنى التوبيخ. ﴿تُقاتِلُونَ﴾: فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿قَوْماً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَوْماً،﴾ وجملة: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، و (إخراج) مضاف، و ﴿الرَّسُولِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَدَؤُكُمْ﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والكاف مفعول به، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) ﴿أَوَّلَ﴾: ظرف زمان، وهو مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿بَدَؤُكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (تخشونهم): مضارع وفاعله

стр. 2222

ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاللهُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿أَحَقُّ﴾: خبره. ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعله، والهاء: مفعوله، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ب (خشيتكم)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول في محل رفع بدل اشتمال من المبتدأ، كما جوز اعتباره مبتدأ ثانيا مؤخرا، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. والجملة الاسمية: ﴿فَاللهُ أَحَقُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ لأنه سبقه ما هو جواب في المعنى. إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فاخشوا الله وحده. ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾: أمر للمؤمنين بالقتال، بعد بيان موجبه، والتوبيخ على تركه، والوعيد عليه. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي: بالقتل والأسر. فهو وعد من العزيز الحكيم بأن ينصر المؤمنين، ويمكنهم من رقاب المشركين. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾: ويذلهم بما تقدم، وينزل بهم الذل والهوان، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: يعني بني خزاعة، وقيل: بطونا من اليمن وسبأ، قدموا مكة، فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدا، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: أبشروا فإن الفرج قريب. انتهى. بيضاوي. هذا؛ وقال الخازن: ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه الله منه، فإنه يفرح بذلك، ويعظم سروره، ويصير ذلك سببا لقوة اليقين، وثبات العزيمة. انتهى. أقول: ﴿وَيَشْفِ﴾ استعارة تصريحية؛ لأن الشفاء في الحقيقة إنما هو للأجسام، واستعماله لشفاء القلوب من غيظها استعارة. ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٠٨] (الأعراف). الإعراب: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾: فعل أمر مبني على حذف النون؛ والواو فاعله، والهاء مفعوله، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف. ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تقاتلوهم يعذبهم، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وجملة: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.

стр. 2223

﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾: معطوف على جواب الطلب مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ..﴾. إلخ معطوفتان عليها لا محل لهما مثلها، والإعراب ظاهر إن شاء الله تعالى. ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب بني خزاعة بما نالوه من بني بكر بمساعدة قريش. ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يهدي الله من يشاء إلى الإسلام فيوفقه للتوبة من الشرك، كما فعل بأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر، فأسلموا يوم فتح مكة. ﴿عَلِيمٌ﴾: بما كان وما سيكون، ويعلم من سبقت له العناية الأزلية بالسعادة الأبدية، فيوفقه لعملها. ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يفعل إلا ما فيه حكمة، أو على وفقها. ﴿يَشاءُ﴾: انظر الآية رقم [٨٩] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ هذه الجملة معطوفة على جملة جواب الطلب لا محل لها مثلها، وهي مثلها في الإعراب. ﴿وَيَتُوبُ﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿وَيَتُوبُ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقرئ بنصب يتوب على إضمار (أن) بعد واو المعية؛ وعليه تؤول مع الفعل بمصدر معطوف بواو المعية على مصدر متصيد من الأفعال السابقة، ويكون تقدير الكلام: إن تقاتلوا المشركين؛ يكن لهم تعذيب بأيديكم، وخزي لهم، ونصر لكم عليهم، وشفاء لصدور قوم مؤمنين، وتوبة لمن يشاء الله له الخير والسعادة. ﴿عَلى مَنْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مَنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، والحالية ضعيفة هنا. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ ظننتم: خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، وقيل: هو للمنافقين، وانظر (حسب) في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأنفال). ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ أي: من غير أن تبتلوا وتختبروا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب.

стр. 2224

﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: قال البيضاوي: نفى العلم، وأراد نفي المعلوم للمبالغة، فإنه كالبرهان عليه، من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه، وقال الخازن نقلا عن الفخر الرازي: أراد بالعلم المعلوم؛ لأن وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله، لا جرم جعل علم الله بوجوده كفاية عن وجود. انتهى، ومثله الآية [١٦٦] و [١٦٧] من سورة (آل عمران). ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: معطوف على ما قبله، وهو داخل في حكمه، وما قيل فيه. ﴿وَلِيجَةً﴾: قال الفراء: هي البطانة من المشركين يتخذونهم، يفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة: وليجة، يعني: خيانة، وقال الضحاك: خديعة، وقال عطاء: أولياء، المعنى: لا تتخذوا المشركين أولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه، فهو وليجة، والرجل يكون في القوم، وليس منهم فهو وليجة من: الولوج. انتهى. خازن، وما أحراك أن تنظر ﴿بِطانَةً﴾ في الآية رقم [١١٨] من آل عمران وسبب نزول تلك الآية فإنه جيد. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم. هذا؛ وبطانة، ووليجة تكونان للمفرد وغيره من مذكر ومؤنث. ﴿دُونِ﴾: انظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). و ﴿اللهُ﴾ و ﴿رَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال). الإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف، وهي بمعنى (بل) التي للإضراب. ﴿حَسِبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] الأعراف. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي حسب، والواو: نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: أن تتركوا بدون تكليفكم بالقتال الذي كرهتموه. ﴿وَلَمّا﴾: الواو: واو الحال. (لما): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَعْلَمِ﴾: مضارع مجزوم ب (لما)، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، واكتفى ﴿يَعْلَمِ﴾ به لأنه بمعنى يعرف، وجملة: ﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بمن، وجملة: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ فتكون من جملة الصلة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني إن كان متعديا لمفعولين، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿وَلِيجَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» إن كان الفعل متعديا لمفعول واحد، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهُ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿رَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف على ما قبله مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه

стр. 2225

جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿وَلِيجَةً﴾: مفعول به. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، هذا؛ وتحتمل (ما) المصدرية، فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿ما كانَ﴾: ما صح ولا استقام. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: هم عبدة الأوثان. ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾: أن يبنوا المساجد، ويشيدوها، ويقوموا بمصالحها، أو بما يلزم لها من ترميم ونحوه، والمراد جميع المساجد في جميع بقاع الأرض، أو المراد المسجد الحرام، وجمع لأنه قبلة جميع المساجد، وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويؤيده قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ويعقوب: «(المسجد)» بالإفراد. ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: وذلك بإظهار الشرك بعبادة الحجارة، وتكذيب الرسول ﷺ ، والطواف بالكعبة عراة، وغير ذلك. ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾: ذهب ثوابها ضياعا، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾. ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يبرحون منها أبدا، وانظر الآية رقم [٥٥] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وانظر ﴿مَسْجِدٍ﴾ في الآية رقم [٢٩] (الأعراف)، ويقرأ ﴿يَعْمُرُوا﴾ من الثلاثي ومن الرباعي. ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] (الأعراف). ﴿بِالْكُفْرِ﴾: انظر الآية رقم [٦٦] (الأعراف). ﴿النّارِ﴾: انظر الآية رقم [١٢] منها أيضا. تنبيه: روي: أن جماعة من رؤساء كفار قريش أسروا يوم بدر، ومنهم العباس عم رسول الله ﷺ ، فأقبل عليهم نفر من الصحابة يعيرونهم بالشرك، وجعل علي ﵁ يوبخ عمه العباس بسبب قتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم، فقال العباس-﵁-ما لكم تذكرون مساوينا، وتكتمون محاسننا؟ فقيل له: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم أفضل منكم، نحن نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت الآية الكريمة وما بعدها، فقد أوجب الله على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده، فمن كان كافرا بالله، فليس له أن يعمر مساجد الله. الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَعْمُرُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر.

стр. 2226

﴿مَساجِدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿شاهِدِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿شاهِدِينَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْكُفْرِ﴾: متعلقان ب ﴿شاهِدِينَ﴾ أيضا. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حَبِطَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ،﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَفِي النّارِ﴾: متعلقان ب ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما. ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾: مبتدأ. ﴿خالِدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم. ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: بعد أن بين الله سبحانه في الآية السابقة: أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين في هذه الآية من هو المستحق لعمارة المساجد، وهم الجامعون للكمالات العلمية والعملية، ويدخل في عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر فيها، ودراسة العلم، وصيانتها عما لم تبن له، كالبيع والشراء، وحديث الدنيا، وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان ثواب عمارها، وزوارها. فعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من بنى لله مسجدا صغيرا، كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة». أخرجه الترمذي، وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الرّجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، فإنّ الله يقول: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذي. ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾: انظر الآية رقم [٥]. ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ أي: في أبواب الدين، فإن الخشية عن المحاذير جبلية، لا يكاد العاقل يتمالك عنها. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبي: إن قيل: ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله، وما زال المؤمنون، والأنبياء يخشون الأعداء، قيل له: المعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد، فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان، ويخشونها، ويرجونها، وانظر (خشي) في الآية رقم [١٤]. ﴿فَعَسى أُولئِكَ﴾: فعسى من الله لا تفيد الترجي، وإنما هي للوجوب، وانظر (الترجي) في الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال). ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: الموفقين لما يحبه الله ويرضاه، هذا؛ واليوم الآخر، هو آخر أيام الدنيا، فيه الحشر، والنشر والحساب، إلى دخول أهل الجنة الجنة، وإلى دخول أهل النار النار، هذا؛ ولم يذكر الإيمان بالرسول؛ لأن تلك الأعمال لا تقبل، إلا ممن آمن به وصدقه.

стр. 2227

الإعراب: ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿يَعْمُرُ﴾: مضارع. ﴿مَساجِدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على ما قبلهما على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلَمْ﴾: الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَخْشَ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿وَلَمْ يَخْشَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿آمَنَ،﴾ وما عطف عليه، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَعَسى﴾: الفاء: حرف استئناف. (عسى): ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (عسى)، والكاف حرف خطاب. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ و ﴿أَنْ يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر: (عسى)، وجملة: ﴿فَعَسى أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾: في الكلام محذوف، التقدير: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج مثل من آمن بالله، وجاهد في سبيله؟! أو التقدير: أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن؟! وإنما وجب تقدير المحذوف؛ لأن المصادر لا تشبه بالجثث، أي: الأشخاص؛ لأن السقاية مصدر كالسعاية، والحماية، فجعل الاسم بموضع المصدر؛ إذ علم معناه، مثل: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير، وقرئ «(سقاة)» و «(عمرة)» جمع ساق، وعامر، وأصل سقاة: (سقية) تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وانظر شرح ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ في الآية رقم [٨]. ﴿آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٢] الأنفال. ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله، وجاهدوا في سبيله بحال من سقى الحاج وعمّر المسجد الحرام، وهو مقيم على شركه وكفره؛ لأن الله لا يقبل عملا صالحا إلا مع الإيمان به. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفق الذين ظلموا بأنفسهم بالكفر والمعاصي، وظلموا غيرهم بالاعتداء على حقوقهم، وحرماتهم، وسبق في علم الله الأزلي: أنهم من أهل النار، ولو تركوا وشأنهم، لما اختاروا غير ذلك. ﴿الظّالِمِينَ﴾:

стр. 2228

انظر الآية رقم [١٤٦] (الأنعام). بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] بشأن نزول هذه الآيات. الإعراب: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جعلتم): فعل وفاعل. ﴿سِقايَةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحاجِّ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: سقايتكم الحاج. ﴿وَعِمارَةَ﴾: معطوف على ﴿سِقايَةَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله... إلخ وفاعله محذوف. ﴿الْحَرامِ﴾: صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على اللفظ. ﴿كَمَنْ﴾: الكاف: اسم بمعنى مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان ل (جعل)، والكاف: مضاف، و (من) مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ صفة (من)، أو صلتها، والعائد، أو الرابط: رجوع فاعل (آمن) عليها. وجملة: ﴿وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من المفعول الأول، والأول أقوى. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَهْدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ﴾: صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: هي تعليل لنفي المساواة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾: ما أحراك أن تنظر شرح هذه الكلمات بالتفصيل في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال). ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾: إن الموصوفين بالصفات المذكورة أرفع درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، وإنما لمن يذكر القسم المرجوح لبيان فضل القسم الراجح على من سواهم، والمراد بالدرجة: المنزلة والرفعة عند الله، هذا؛ وقد قال القرطبي: وليس للكافرين درجة عند الله، حتى يقال: المؤمن أعظم درجة، والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسقي، فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم، وإن كان التقدير خطأ. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾: أي: بالثواب العظيم، ونيل الحسنى عند الله دون الكافرين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة

стр. 2229

الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ معطوفتان على جملة: ﴿آمَنُوا﴾ لا محل لهما مثلها. ﴿أَعْظَمُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿دَرَجَةً﴾: تمييز. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿أَعْظَمُ،﴾ أو هو متعلق بمحذوف صفة: ﴿دَرَجَةً،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾ الشرح: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ أي: يبشر الذين آمنوا... إلخ، وانظر الآية رقم [٤]. ﴿رَبُّهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ﴾: وهذا من أعظم البشارات؛ لأن الرحمة والرضوان من الله على العبد نهاية مقصوده. ﴿وَجَنّاتٍ﴾: جمع جنة، وانظر الآية رقم [٤٠] (الأعراف). ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: دائم لا ينقطع، والنعيم: لين العيش، ورغده، ومقيم أصله: مؤقوم، انظر إعلاله في الآية رقم [٣] الأنفال والآية رقم [٦٩]، هذا؛ ويقرأ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بالتشديد والتخفيف. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات. الإيمان والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث، بدأ: بالرحمة في مقابلة الإيمان؛ لتوقفها عليه، وثنى: بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان، في مقابلة الجهاد بالنفس والمال، ثم ثلث: بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها؛ بدلهم دارا عظيمة دائمة، وهي الجنات. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: مضارع، والهاء مفعوله. ﴿رَبُّهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بمحذوف صفة رحمة، أو هما متعلقان بها. ﴿وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ﴾: معطوفان على (رحمة). ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان ب ﴿مُقِيمٌ﴾ بعدهما. ﴿نَعِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُقِيمٌ﴾: صفة ﴿نَعِيمٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ فِيها..﴾. إلخ في محل جر صفة (جنّات)، وجملة: ﴿يُبَشِّرُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. وأجل، وأكرم. ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿خالِدِينَ﴾: مقيمين لا يبرحون منها. ﴿فِيها﴾: في الجنات. ﴿أَبَداً﴾: الأبد: هو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر

стр. 2230

العمر، هذا؛ وقيد سبحانه الخلود بالأبد حتى لا يفهم منه المكث الطويل. ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لمن آمن به وبرسوله، وعمل بطاعته وجاهد في سبيله. الإعراب: ﴿خالِدِينَ﴾: حال من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً﴾: ظرف زمان متعلق به أيضا. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية: ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: ظاهر هذه الآية: أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وروت فرقة: أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة، ورفض بلاد الكفرة، فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب. انتهى. قرطبي. أقول: خصوص السبب لا يمنع التعميم أبدا، وأحكام القرآن أغلبها نزل في سبب، وهي باقية إلى يوم القيامة بلا ريب وبلا شك. ولم يذكر الأبناء في هذه الآية؛ لأنهم تبع للآباء في الأغلب. ﴿أَوْلِياءَ﴾ أي: بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم، وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، وانظر الآية [٣] (الأعراف). ﴿اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ﴾: أحبوا واختاروا الكفر على الإيمان، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). و ﴿الْإِيمانِ﴾ في الآية رقم [١] منها. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾: يعني: ومن يختار المقام معهم على الهجرة والجهاد، فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله، واختيار الكفار على المؤمنين، وقال ابن عباس: هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك، هذا؛ والرضا بالمعصية معصية أيضا، ولا تنس مراعاة لفظ (من) في الفاعل، ومعناها في الإشارة. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في المهاجرين، فإنهم لما أمروا بالهجرة، قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا، وإخواننا، وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وبقينا ضائعين. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض

стр. 2231

عن المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٨] (الأعراف) ففيها بحث جيد، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آباءَكُمْ﴾: مفعول به أول. ﴿وَإِخْوانَكُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف: في محل جر بالإضافة، والميم: علامة جمع الذكور. ﴿أَوْلِياءَ﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنِ﴾: حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَحَبُّوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْكُفْرَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَى الْإِيمانِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُفْرَ،﴾ التقدير: مفضلا على الإيمان، وجملة: ﴿اِسْتَحَبُّوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. التقدير: إن استحبوا فلا تتخذوهم.. إلخ. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّهُمْ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والهاء مفعوله، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿فَأُولئِكَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا ما تقدم. ﴿إِنْ كانَ آباؤُكُمْ..﴾. إلخ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله، أي: لأجلهما. ﴿وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: من أجل إعلاء دينه، وإعزاز نبيه، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا وترقبوا، فهو تهديد ووعيد. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: بقضائه وقدره، أي: ما أعده للمتخلفين عن الهجرة، والمخالفين لأوامره وأوامر نبيه. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾: انظر الآية رقم [٢٠].

стр. 2232

تنبيه: بين الله جلت قدرته: أنه يجب تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليما، وأخبر: أنه إن كانت رعاية المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله، فأنتم مهددون بما تستحقون من الانتقام. (آباء وأبناء): أصلها آباو، وأبناو تبعا لأصل مفردهما، فقل في إعلالهما: تحركت الواو وانفتح ما قبلهما فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، ﴿وَأَزْواجُكُمْ﴾: جمع زوج، وانظر الآية رقم [١٩] (الأعراف). ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: وقرئ «عشيراتكم»، و «عشائركم»، أي: بالجمع، هذا؛ والعشيرة: أقرباء الإنسان الذين يعيشون معه، ويعاشرونه. ومن الجدير بالذكر: أن العشيرة آخر طبقة من الطبقات السبع التي عليها العرب، وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ، والفصيلة والعشيرة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة والعائلة لما يشمل الزوج والزوجة وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وأخيرا سمع قول العلي القدير: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. ﴿وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾: اكتسبتموها، واقترف الذنب: عمله، وانظر ﴿وَأَمْوالٌ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنفال). ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾: تخافون عدم نفادها وعدم بيعها، ومن الغريب ما نقله القرطبي عن ابن المبارك، أنه قال: هي البنات، والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا، قال الشاعر: [المتقارب] كسدن من الفقر في قومهنّ... وقد زادهنّ مقامي كسودا أقول: لم يذكر الشاعر التجارة، وإنما ذكر الكساد وحده، وهو لا يتضمن معنى التجارة لا من قريب، ولا من بعيد. ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أي: تعبتم في بنائها، وتجدون فيها راحتكم، وسروركم. ﴿أَحَبَّ﴾: أفعل تفضيل، أصله: أحبب، فنقلت فتحة الباء الأولى، إلى الحاء بعد سلب سكونها، ثم أدغمت الباء في الباء، وقد يقال فيه: حب، انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك. ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنفال والآية رقم [١٢] بعد هذا خذ قول الرسول ﷺ : «لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتّى يحبّ في الله، ويبغض في الله، حتى يحبّ في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه». انتهى. كشاف. ﴿الْفاسِقِينَ﴾ أي: الذين يخالفون أوامر الله ورسوله، وانظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف). ومعنى ﴿لا يَهْدِي﴾ لا يوفق إلى الإيمان، ولا إلى العمل الصالح، وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا وشأنهم لما

стр. 2233

اختاروا غير الفسوق والعصيان، والكفر والضلال، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). وانظر (خشي) في الآية رقم [١٤]. الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ﴿آباؤُكُمْ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ وما بعده معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم: علامة جمع الذكور. ﴿اِقْتَرَفْتُمُوها﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع صفة (أموال)، وجملة: ﴿تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ في محل رفع صفة: (تجارة)، وجملة: ﴿تَرْضَوْنَها﴾ في محل رفع صفة (مساكن). ﴿أَحَبَّ﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلق ب ﴿أَحَبَّ﴾. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَجِهادٍ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (جهاد)، أو هما متعلقان به لأنه مصدر، وجملة: ﴿فَتَرَبَّصُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَأْتِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿بِأَمْرِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تربصوا)، وجملة: ﴿كانَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي..﴾. إلخ. انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٠] إفرادا وجملة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾: هذا خطاب للصحابة الكرام، وتذكير لهم بنعم الله عليهم، وانظر مثله في الآية رقم [١٢٣] من سورة (آل عمران). ﴿مَواطِنَ﴾: جمع موطن، وهو اسم مكان، والمراد: غزوات الرسول ﷺ ، وسراياه التي حصلت في تلك المواطن. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ أي: وموطن يوم حنين، أو يقدر: في أيام مواطن حنين، وذلك ليتناسب المتعاطفان، وحنين: اسم واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾: انظر العجب في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك. ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ أي: لم تنفعكم الكثرة في هذه الحرب نفعا ما. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ﴾

стр. 2234

الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي: برحبها: بسعتها، لا تجدون فيها مقرّا تطمئن إليه نفوسكم، من شدة الرعب، خذ قول الشاعر: [الطويل] كأنّ بلاد الله، وهي عريضة... على الخائف الطّلوب كفّة حابل هذا؛ و (الرحب) بالضم: السعة، وهو بفتح الراء الواسع، والفعل (رحب) من باب ظرف. ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: منهزمين أعطيتم ظهوركم لأعدائكم. تنبيه: الآية الكريمة، وما بعدها متعلقتان بغزوة حنين، وقد حصلت هذه الحرب مع قبيلة هوازن، وساعدهم بنو ثقيف بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وتسليم مقاليدها للرسول ﷺ ، فإن قبيلة هوازن لما سمعوا بذلك؛ حشدوا جموعهم مع حلفائهم، وظنوا أنهم يقضون على الرسول العظيم، وعلى أصحابه أجمعين لتكون السيطرة لهم على مكة، بعد قريش الذين استسلموا، وكان أميرهم وصاحب رأيهم دريد بن الصمة، فولوا مكانه شابا هو مالك بن عوف النصري، فساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم، ونساءهم، وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي به نفوسهم، ويشد عزيمتهم. فلما سمع القائد العظيم ﷺ بقدومهم، ندب أصحابه لملاقاتهم قبل هجومهم على مكة، وكانت عدة المسلمين عشرة آلاف، وخرج من أهل مكة معه ألفان، ممن أسلموا، حديثا، وممن بقوا على شركهم بموجب معاهدة مع الرسول ﷺ ، ولما خرج الجيش الخضم من مكة، قال رجل من الأنصار، يقال له: سلمة بن سلامة بن رقيش: لن نغلب اليوم من قلة، فساء رسول الله ﷺ كلامه، زلق بعض المفسرين فنسب الكلمة إلى رسول الله، وبعضهم نسبها إلى أبي بكر، وحاشاهما من ذلك. وكانت قبيلة هوازن قد كمنت في مضيق يقع بين جبلين، فلما اندفع المسلمون إلى المضيق، رشقهم الكفار بالنبل، فدهش المسلمون، وانجفلوا هاربين، لا يلوون على شيء، وثبت الرسول ﷺ ، وهو راكب على بغلته، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وثبت معه رجال قليلون يدافعون عنه، مثل أبي بكر وعمر وعلي والعباس، وأولاده، وابن أخيه أبو سفيان بن الحارث، الذي كان آخذا بزمام بغلة رسول الله ﷺ ، وغيرهم. فقال الرسول ﷺ : «يا عباس! ناد أصحاب السمرة». وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية، فنادى العباس، وكان رجلا صيتا، ويروى من شدة صوته: أنه أغير يوما على مكة، فنادى: وا صباحاه! فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها، فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة؟ قال: فو الله لكأنهم بقر عطفوا على أولادها، فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! فاقتتلوا مع الكفار، ثم أخذ رسول الله ﷺ كفا من حصى، فرمى بهن وجوه الكفار، وقال: «شاهت الوجوه». ثم قال: «انهزموا ورب محمد». فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك، وانظر

стр. 2235

الآية رقم [١٧] من سورة (الأنفال). وقال سعيد بن جبير ﵁: حدثنا رجل من المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا مع أصحاب رسول الله ﷺ ، لم يقفوا لنا حلبة شاة، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء؛ تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها-يعني الملائكة-هذا؛ وقد قتل أيمن بن أم أيمن، وكان من الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين انهزم المسلمون، وقد قال العباس ﵁ فيما بعد: [الطويل] نصرنا رسول الله في الحرب تسعة... وقد فرّ من قد فرّ عنه، وأقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه... بما مسّه في الله لا يتوجّع الإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام ابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله لقد. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَصَرَكُمُ اللهُ﴾: ماض ومفعوله، وفاعله، والجمل الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿فِي مَواطِنَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿كَثِيرَةٍ﴾: صفة ﴿مَواطِنَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: معطوف على الجار والمجرور قبله، التقدير: ونصركم يوم حنين، وصرف ﴿حُنَيْنٍ﴾ لأنه اسم مذكر، وهي لغة القرآن، ومن العرب من لا يصرفه؛ لأنه يعتبره اسما للبقعة، خذ قول حسان ﵁ في مدح الأنصار. [الكامل] نصروا نبيّهم، وشدّوا أزره... بحنين يوم تواكل الأبطال ﴿إِذْ﴾: ظرف بدل من (يوم) مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَعْجَبَتْكُمْ﴾: ماض، والتاء: للتأنيث، والكاف: مفعول به. ﴿كَثْرَتُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَلَمْ﴾: حرف جازم. ﴿تُغْنِ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والفاعل يعود إلى ﴿كَثْرَتُكُمْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئاً﴾: مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِما﴾: (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: برحبها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (ضاقت). ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿وَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف). ﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال مؤكدة للفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.

стр. 2236

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف). ﴿سَكِينَتَهُ﴾: رحمته التي سكنوا بها، حتى اجترءوا على قتال المشركين، بعد أن ولوا مدبرين، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾: وهم الملائكة يقوون المؤمنين، ويثبتونهم في القتال، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأنفال)، ويلقون الرعب في قلوب المشركين من حيث لا يرونهم، ومن غير قتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر على الراجح. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتل والسبي والأسر، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنكى، هذا؛ والجزاء المجازاة، والمكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني ما في الآية الكريمة، فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، هذا؛ والفعل: (جزى يجزي) ينصب مفعولين، هذا؛ وانظر سكينة بني إسرائيل في الآية رقم [٢٤٧] من سورة (البقرة). الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، عطفت جملة: ﴿أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ على الجمل قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿لَمْ تَرَوْها﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، وها: مفعوله، والفعل بصري اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة جنودا، وجملة: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿وَذلِكَ﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء.. إلخ، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية (ذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ..﴾. إلخ: وذلك بالتوفيق للإسلام، كما فعل بمن بقي من هوازن، وانظر (شاء) في الآية رقم [٨٩] (الأعراف) ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾: لمن تاب وأناب. ﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده لا يعاجلهم العقوبة.

стр. 2237

تنبيه: روي: أن ناسا من هوازن، جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، وأعلنوا إسلامهم، وقالوا: يا رسول الله! أنت خير الناس وأبرهم، وقد سبي أولادنا وأهلونا، وأخذت أموالنا-وكان قد سبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى-فقال ﷺ : «اختاروا إما سباياكم، وإما أموالكم». فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقام رسول الله ﷺ ، وقال: «إن هؤلاء جاءوا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده سبي، وطابت نفسه أن يرده، فشأنه، ومن لا؛ فليعطنا، وليكن قرضا علينا، حتى نصيب شيئا، فنعطيه مكانه». فقالوا: رضينا، وسلمنا، فقال: «إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم، فليرفعوا إلينا». فرفعوا: أنهم قد رضوا، وأتت النبي ﷺ أخته الشيماء من الرضاعة، وهي بنت حليمة السعدية-﵂ التي أرضعته ﷺ -فأكرمها وأحسن وفادتها». الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، عطفت جملة: ﴿يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ﴾ على ما قبلها من جمل، و ﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلى مَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل يتوب، و ﴿مِنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، العائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شخص يشاؤه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خصّ الله المؤمنين بهذا النداء، ليتنبهوا للمشركين، ولما وصفهم الله به. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: فهذا يعم جميع الكفار من مشركين، ويهود ونصارى، وهذه النجاسة هي نجاسة الباطن، أي: العقيدة، أو لأنه يجب أن يجتنبوا كما يجتنب النجس، أو لأنهم لا يتطهرون، ولا يتجنبون النجاسات، فهم ملابسون لها غالبا، أو لأنهم يجنبون ولا يغتسلون. وعن ابن عباس-﵄: أن أعيانهم نجسة كالكلاب، وبه أخذ الشيعة، لذا فإذا شرب كافر، أو أكل في وعائهم، فيكسرونه، فلا يطهر بالغسل، وأما أهل السنة، فقد قالوا بالقول الأول، وحبس ثمامة في المسجد قبل أن يسلم يدحض قول الشيعة، ويؤيد أهل السنة، هذا؛ وقرئ: ﴿نَجَسٌ﴾ بفتح النون والجيم، كما قرئ بكسر النون وسكون الجيم، وهو يوصف به

стр. 2238

المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا: نهى سبحانه عن اقترابهم المسجد الحرام، وهو أبلغ في النهي من دخولهم فيه. هذا؛ ويلحق بالمسجد الحرام جميع أرض الحرم المحيطة بمكة من جميع جهاتها، وقال الإمام مالك: يمنعون من دخول جميع مساجد المسلمين، والمراد ب: ﴿عامِهِمْ﴾ العام التاسع للهجرة الذي حج فيه أبو بكر ﵁، وهو العام الذي وقع فيه الأذان، كما رأيت في الآية رقم [٣] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: العيلة: الفقر، وكان المسلمون يتعاملون مع المشركين بالتجارة، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله، وقد حقق ذلك، ففتح عليهم باب الجزية من أهل الذمة، كما أغناهم بالخصب، ولم يلبث العرب أن آمنوا جميعا، ودخلوا في دين الله أفواجا، والتعليق بالمشيئة، إنما هو للتبرك، وقال البيضاوي: قيده بالمشيئة ليقطع الآمال إليه تعالى، ولينبه على أنه المتفضل في ذلك، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [١٦] وانظر المسجد الحرام في الآية رقم [٨]. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤] ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الْمُشْرِكُونَ﴾: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر... إلخ. ﴿نَجَسٌ﴾: خبر المبتدأ ﴿فَلا﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فلا.. إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَقْرَبُوا﴾: مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿الْمَسْجِدَ﴾: مفعول به. ﴿الْحَرامَ﴾: صفة المسجد. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿عامِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿عامِهِمْ﴾ والهاء: حرف تنبيه. ﴿وَإِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿عَيْلَةً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال. ﴿يُغْنِيكُمُ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿شاءَ﴾: ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الله، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.

стр. 2239

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: هذا أمر للنبي ﷺ وأصحابه الغر الميامين بمقاتلة الكفار من أهل الكتاب، وعدم إيمانهم بالله هو أنهم يصفونه بصفات لا تليق به من اتخاذ الولد وغير ذلك، وعدم إيمانهم باليوم الآخر هو اعتقادهم بعثة الأرواح دون الأجسام، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها، ولا يشربون، ولا ينكحون. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: كالخمر، والخنزير، ونحوهما، وقيل: معناه: لا يحرمون ما حرّم الله في القرآن، ولا ما حرم رسوله في السنة، وقيل: معناه لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما، وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم. ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يعتقدون صحة الإسلام الذي هو دين الحق، الثابت الناسخ لجميع الأديان، ومبطلها. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾: بيان للذين لا يؤمنون، وهم اليهود والنصارى، الذين أعطوا التوراة، والإنجيل. ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ أي: حتى يدفعوا الجزية المقررة عليهم، وسميت جزية للاجتزاء بها في حقن دمائهم، وحفظ أموالهم، وحقوقهم، ومعنى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قهر، وغلبة، يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس: أعطى عن يد. ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾: ذليلون حقيرون، وقال الإمام الشافعي ﵁: الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم، علما بأنها تسقط بالإسلام. تنبيه: مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب، ويؤيده أن عمر ﵁ لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر، وأنه قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وذلك لأن لهم شبهة كتاب فألحقوا بالكتابيين، وأما سائر الكفرة من الوثنيين؛ فلا تؤخذ منهم بل يقتلون، وعند الإمام مالك: تؤخذ من كل كافر إلا المرتد. بعد هذا انظر الشرح ﴿بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في الآية رقم [١٩] و ﴿اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال) ﴿حَرَّمَ﴾: انظر الآية رقم [١٤٥] الأنعام، ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾: انظر ما تقدم، وانظر ﴿دِيناً﴾ في الآية رقم [١٦١] الأنعام و ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣] (الأعراف) ﴿أُوتُوا﴾: أصله (أوتيوا)، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فصار ﴿أُوتُوا﴾ ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. ﴿الْكِتابَ﴾: انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأعراف). ﴿يَدٍ﴾: انظر الآية رقم [١٠٧] منها أيضا. تنبيه: قال مجاهد نزلت الآية الكريمة حين أمر النبي ﷺ بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم، فكانت أول جزية أصابها

стр. 2240

أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين، وينبغي أن تعلم أن الكلام على مشركي العرب قد تم عند الآية السابقة، وهي الآيات التي بعث بها النبي ﷺ عليّا ابن عمه ليقرأها على الناس يوم الحج الأكبر كما قد رأيت سابقا. الإعراب: ﴿قاتِلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿بِالْيَوْمِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و ﴿لا﴾: زائدة لتأكيد النفي، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حرمه الله ورسوله، وجملة: ﴿وَلا يَدِينُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿دِينَ﴾: مفعول مطلق، أو هو مفعول به على تفسير (يدينون): يعتقدون، و ﴿دِينَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾: مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿أُوتُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿الْكِتابَ﴾: مفعول به ثان. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُعْطُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول الأول محذوف؛ إذ التقدير: حتى يعطوكم. ﴿الْجِزْيَةَ﴾: مفعول به ثان، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (قاتلوا). ﴿عَنْ يَدٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾: وقد اختلف في سبب قولهم هذا، فأكتفي بما قاله الكلبي: إن بختنصر لما غزا بيت المقدس بعد سليمان ﵇، وظهر على بني إسرائيل، وقتل من قرأ التوراة، كان عزيز إذ ذاك صغيرا، فلم يقتله لصغره فلما رجع بنوا إسرائيل إلى بيت المقدس، وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله لهم عزيرا ليجدد لهم ما في التوراة،

стр. 2241

ويكون لهم آية بعد ما أماته الله مائة عام، قال: فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه، فمثلت له التوراة في صدره، فلما أتاهم، قال: أنا عزير، فكذبوه، وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة، فكتبها لهم من صدره، ثم إن رجلا منهم، قال: إن أبي حدثني، عن جدي: أن التوراة جعلت في خابية، ودفنت في كرم كذا، فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير، فلم يجدوه غادر حرفا، فقالوا: إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا لأنه ابنه، فعند ذلك، قالت اليهود: عزير ابن الله، وانظر الآية رقم [٢٥٨] (البقرة). وأما قول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ فكان السبب فيه: أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى ﵇، إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة، ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له: بولص، قد قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال بولص لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا، والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلنا النار، ودخلوا الجنة، فإني سأحتال، وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا، ثم عمد إلى فرس كان يقاتل عليه، فعرقبه، وأظهر الندامة والتوبة، ووضع التراب على رأسه، ثم أتى إلى النصارى، فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولص، فقد نوديت من السماء: أنه ليس لك توبة حتى تتنصر، وقد تبت وأتيتكم، فأدخلوه الكنيسة ونصروه، وأدخلوه بيتا منها، لم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، وقال: قد نوديت: أن الله قبل توبتك، فصدقوه، وأحبوه، وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال: اسم الواحد: نسطور، والآخر: يعقوب، والثالث: ملكان، فعلم نسطور: أن عيسى ومريم والإله ثلاثة، وعلم يعقوب: أن عيسى ليس بإنسان، ولكنه ابن الله، وعلم ملكان: أن عيسى هو الله ولم يزل، ولا يزال، فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد في الخلوة، وقال له: أنت خالصتي، وادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام، وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني سأذبح نفسي تقربا إلى عيسى، ثم ذهب إلى المذبح، وذبح نفسه، وتفرق أولئك الثلاثة، فذهب كل واحد إلى ناحية، وأظهر مقالته، ودعا الناس إليها، فتبعه على ذلك طوائف من الناس، فتفرقوا، واختلفوا، ووقع القتال بينهم، انتهى. خازن. ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي: يقولون ذلك بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه، وانظر الآية [٣٣] الآتية. ﴿يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يضاهي قولهم قول الذين.. إلخ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك لأن الجثث لا تقابل بالمصادر، كما رأيت في الآية [٢٠] ويقرأ الفعل بالهمز، وبدونه «(يضاهون)»، هذا؛ والمضاهاة: المشابهة، أو الموافقة، والمراد ب ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الأمم السابقة، وقيل من مشركي العرب، حيث قالوا: الملائكة بنات الله. ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: لعنهم الله، وقيل: هو دعاء عليهم بالإهلاك الذي سببه

стр. 2242

القتل. ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل، وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد. وانظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك، وانظر: ﴿الْيَهُودُ﴾ في الآية رقم [٢٠] المائدة، وانظر المسيح في الآية رقم [٤٥] آل عمران. و ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿وَقالَتِ﴾: (قالت): ماض، والتاء للتأنيث، وهي حرف لا محل له، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿الْيَهُودُ﴾: فاعله. ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، و ﴿اِبْنُ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية (قالت...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَقالَتِ النَّصارى..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قَوْلُهُمْ﴾: خبر المبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الهاء، والعامل فيه القول، وقيل: معنى الإشارة. ﴿يُضاهِؤُنَ﴾: فعل وفاعل، وانظر الشرح. ﴿قَوْلَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وبني قبل على الضم؛ لأنه مبهم، وقطع عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿يُضاهِؤُنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: المقصود منها الدعاء، وهي مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿أَنّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿أَنّى﴾ بمعنى (أين) للمكان كما هو أصل معناها، فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. تنبيه: رأيت أن (عزيرا) قد نون، وأن همزة ﴿اِبْنُ﴾ قد ثبتت، والسبب في ذلك أن التنوين والألف إنما تحذفان للتخفيف إذا وقعت كلمة ﴿اِبْنُ﴾ بين علمين، وكانت صفة للأول منهما، وهي هاهنا خبر عن الأول لا صفة له كما قد رأيت في الإعراب، هذا؛ ويقرأ بحذف تنوين ﴿عُزَيْرٌ﴾ ويبقى الإعراب كما هو، ويكون التنوين قد حذف لالتقاء الساكنين؛ إذ هو مشبه بحروف المد واللين، وتثبيت ألف ﴿اِبْنُ﴾ في الخط، وعليه جاء قول الأسود بن يعفر من بني نهشل، وهو الشاهد رقم (٥٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا... شعيث ابن سهم، أم شعيث ابن منقر

стр. 2243

حيث ثبتت ألف ﴿اِبْنُ﴾ في الجملتين الاسميتين، هذا؛ وأجاز أبو حاتم أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ اسما أعجميا لا ينصرف، وهو بعيد مردود؛ لأنه لو كان أعجميا لانصرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف، مثل لوط ونوح وهود ونحو ذلك، فصرفه في التصغير أولى، هذا؛ وقيل: إن ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ و ﴿اِبْنُ﴾ صفة له، فيحذف التنوين على هذا استخفافا، ولالتقاء الساكنين، ولأن الصفة والموصوف كاسم واحد، وتحذف ألف ﴿اِبْنُ﴾ حينئذ من الخط، ويكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: عزير ابن الله صاحبنا أو نبينا أو معبودنا، أو يكون خبرا لمبتدإ محذوف يقدر ما تقدم. انتهى. عكبري ومكي بتصرف كبير مني. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿أَحْبارَهُمْ﴾: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان. قاله الفراء، وهو الذي يحسن القول، وينظمه، ويتقنه بحسن البيان عنه، وهو العالم الفاهم، ولذا سمي عبد الله بن عباس-﵄-حبر الأمة، أي: عالمها. ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾: جمع: راهب، مأخوذ من الرهبنة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له، وعمله معه، وأنسه به، فاتخذ لنفسه صومعة يتعبد فيها، واعتزل الناس وانظر الآية رقم [٤٧] و [٨٥] من سورة (المائدة) إن أردت الزيادة ﴿أَرْباباً﴾: جمع: «رب» بمعنى: معبود. وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). ﴿دُونِ﴾: انظر الآية رقم [٣] منها. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾: هو لقب عيسى ﵇، وهو من الألقاب المشرفة، كالصديق، وأصله بالعبرية: مشيخا، ومعناه: المبارك، وفيه وجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى فاعل، فحول منه مبالغة، فقيل: لأنه مسيح الأرض بالسياحة، وقيل: لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: هو بمعنى مفعول؛ لأنه مسيح بالبركة، أو لأنه مسح القدم، أو لمسح وجهه بالملاحة، والثاني: أن وزنه مفعل من السياحة، وعلى هذا كله فهو منقول من الصفة. ﴿اِبْنَ مَرْيَمَ﴾: نسبه إلى أمه مع كون الرجال تنسب إلى آبائهم؛ لكونه لا أب له، ومريم ابنة عمران سمتها أمها صفة بذلك؛ لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها من كيد الشيطان؛ حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق ظنها بها، ألا ترى في الآية رقم [٣٦] من آل عمران، كيف أتبعت طلبها بالاستعاذة لها ولولدها من الشيطان الرجيم، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من آل عمران لبيان مكانتها عند الله. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (الأنعام). معنى الآية الكريمة: إن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم، ورهبانهم آلهة من دون الله، وليست عبادتهم لهم حقيقة، وإنما أطاعوهم في الكفر، والضلال، ومعصية الله تعالى، وذلك: أنهم أحلوا

стр. 2244

لهم أشياء، وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم، فأطاعوهم فيها، واتخذوهم كأرباب في التحليل والتحريم، فقد روى الترمذي، وأحمد، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبيّ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن!». فطرحته، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ حتى فرغ، فقلت: يا رسول الله! إنّا لسنا نعبدهم! فقال: «أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه». قلت: بلى! قال: «فتلك عبادتهم». قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: [المتقارب] وهل بدّل الدّين إلاّ الملوك... وأحبار سوء ورهبانها؟ لذا فإن كل إنسان يتبع إنسانا في كل زمان ومكان في تحليل أو تحريم ما لم يأذن به الله كمن اتخذه ربا. الإعراب: ﴿اِتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿أَحْبارَهُمْ﴾: مفعول به أول. و ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾: معطوف عليه، والهاء فيهما: في محل جر بالإضافة. ﴿أَرْباباً﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان ب ﴿أَرْباباً،﴾ أو بمحذوف صلة له، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾: معطوف على ﴿أَحْبارَهُمْ،﴾ التقدير: واتخذوا المسيح، وقد حذف المفعول الثاني لدلالة الأول عليه. ﴿اِبْنَ﴾: صفة (المسيح)، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُمِرُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿لِيَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلهاً﴾: مفعول به، ﴿واحِداً﴾: صفته. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف)، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿إِلهاً﴾. وقيل: مستأنفة مقررة للتوحيد، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُمِرُوا،﴾ واللام بمعنى الباء. تأمل. ﴿سُبْحانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله؛ فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها، وهذا عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى. ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بالمصدر، أو بفعله المحذوف، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذين أو عن شيء يشركون به،

стр. 2245

وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: تنزه الله عن شركهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أي: دلائله، وحججه، وبراهينه على توحيده، جعل البراهين بمنزلة النور؛ لما فيها من البيان، وقيل: المعنى نور الإسلام، أي: أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم، وانظر (أراد) في الآية رقم [٨٨] (الأعراف). ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: جمع فوه على الأصل؛ لأن الأصل في فم (فوه) مثل حوض وأحواض. ﴿وَيَأْبَى اللهُ﴾: انظر (تأبى) في الآية رقم [٩]. ﴿إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أي: أبى الله إلا إعلاء دينه، وإظهار كلمته، وإتمام الحق الذي بعث به نبيه ﷺ ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: كرهوا الإسلام وإعلاء كلمته، لا بد وأن يحصل ما تقدم ذكره، وقد كان ذلك يوم اختار الله، وهيأ لهذا الدين من حمل لواءه، وبذلوا في سبيله ما بذلوا، والتاريخ شاهد صدق على ذلك، حتى سطع نوره، وعمّ ربوع الدنيا. الإعراب: ﴿يُرِيدُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو: فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُطْفِؤُا﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿نُورَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَأْبَى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَيَأْبَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من إتمام نوره، والرابط: الواو، والمفعول المحذوف، هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية، فشرطها المذكور، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كره الكافرون ليتم نوره. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ أي: الله الذي بعث محمدا ﷺ بالنور والقرآن. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: دين الإسلام ليعليه على جميع الأديان بالحجج
следующие страницы →