← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

ويكون لهم آية بعد ما أماته الله مائة عام، قال: فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه، فمثلت له التوراة في صدره، فلما أتاهم، قال: أنا عزير، فكذبوه، وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة، فكتبها لهم من صدره، ثم إن رجلا منهم، قال: إن أبي حدثني، عن جدي: أن التوراة جعلت في خابية، ودفنت في كرم كذا، فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير، فلم يجدوه غادر حرفا، فقالوا: إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا لأنه ابنه، فعند ذلك، قالت اليهود: عزير ابن الله، وانظر الآية رقم [٢٥٨] (البقرة). وأما قول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ فكان السبب فيه: أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى ﵇، إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة، ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له: بولص، قد قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال بولص لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا، والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلنا النار، ودخلوا الجنة، فإني سأحتال، وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا، ثم عمد إلى فرس كان يقاتل عليه، فعرقبه، وأظهر الندامة والتوبة، ووضع التراب على رأسه، ثم أتى إلى النصارى، فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولص، فقد نوديت من السماء: أنه ليس لك توبة حتى تتنصر، وقد تبت وأتيتكم، فأدخلوه الكنيسة ونصروه، وأدخلوه بيتا منها، لم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، وقال: قد نوديت: أن الله قبل توبتك، فصدقوه، وأحبوه، وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال: اسم الواحد: نسطور، والآخر: يعقوب، والثالث: ملكان، فعلم نسطور: أن عيسى ومريم والإله ثلاثة، وعلم يعقوب: أن عيسى ليس بإنسان، ولكنه ابن الله، وعلم ملكان: أن عيسى هو الله ولم يزل، ولا يزال، فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد في الخلوة، وقال له: أنت خالصتي، وادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام، وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني سأذبح نفسي تقربا إلى عيسى، ثم ذهب إلى المذبح، وذبح نفسه، وتفرق أولئك الثلاثة، فذهب كل واحد إلى ناحية، وأظهر مقالته، ودعا الناس إليها، فتبعه على ذلك طوائف من الناس، فتفرقوا، واختلفوا، ووقع القتال بينهم، انتهى. خازن. ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي: يقولون ذلك بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه، وانظر الآية [٣٣] الآتية. ﴿يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يضاهي قولهم قول الذين.. إلخ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك لأن الجثث لا تقابل بالمصادر، كما رأيت في الآية [٢٠] ويقرأ الفعل بالهمز، وبدونه «(يضاهون)»، هذا؛ والمضاهاة: المشابهة، أو الموافقة، والمراد ب ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الأمم السابقة، وقيل من مشركي العرب، حيث قالوا: الملائكة بنات الله. ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: لعنهم الله، وقيل: هو دعاء عليهم بالإهلاك الذي سببه

стр. 2242

القتل. ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل، وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد. وانظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك، وانظر: ﴿الْيَهُودُ﴾ في الآية رقم [٢٠] المائدة، وانظر المسيح في الآية رقم [٤٥] آل عمران. و ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿وَقالَتِ﴾: (قالت): ماض، والتاء للتأنيث، وهي حرف لا محل له، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿الْيَهُودُ﴾: فاعله. ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، و ﴿اِبْنُ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية (قالت...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَقالَتِ النَّصارى..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قَوْلُهُمْ﴾: خبر المبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الهاء، والعامل فيه القول، وقيل: معنى الإشارة. ﴿يُضاهِؤُنَ﴾: فعل وفاعل، وانظر الشرح. ﴿قَوْلَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وبني قبل على الضم؛ لأنه مبهم، وقطع عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿يُضاهِؤُنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: المقصود منها الدعاء، وهي مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿أَنّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿أَنّى﴾ بمعنى (أين) للمكان كما هو أصل معناها، فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. تنبيه: رأيت أن (عزيرا) قد نون، وأن همزة ﴿اِبْنُ﴾ قد ثبتت، والسبب في ذلك أن التنوين والألف إنما تحذفان للتخفيف إذا وقعت كلمة ﴿اِبْنُ﴾ بين علمين، وكانت صفة للأول منهما، وهي هاهنا خبر عن الأول لا صفة له كما قد رأيت في الإعراب، هذا؛ ويقرأ بحذف تنوين ﴿عُزَيْرٌ﴾ ويبقى الإعراب كما هو، ويكون التنوين قد حذف لالتقاء الساكنين؛ إذ هو مشبه بحروف المد واللين، وتثبيت ألف ﴿اِبْنُ﴾ في الخط، وعليه جاء قول الأسود بن يعفر من بني نهشل، وهو الشاهد رقم (٥٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا... شعيث ابن سهم، أم شعيث ابن منقر

стр. 2243

حيث ثبتت ألف ﴿اِبْنُ﴾ في الجملتين الاسميتين، هذا؛ وأجاز أبو حاتم أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ اسما أعجميا لا ينصرف، وهو بعيد مردود؛ لأنه لو كان أعجميا لانصرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف، مثل لوط ونوح وهود ونحو ذلك، فصرفه في التصغير أولى، هذا؛ وقيل: إن ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ و ﴿اِبْنُ﴾ صفة له، فيحذف التنوين على هذا استخفافا، ولالتقاء الساكنين، ولأن الصفة والموصوف كاسم واحد، وتحذف ألف ﴿اِبْنُ﴾ حينئذ من الخط، ويكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: عزير ابن الله صاحبنا أو نبينا أو معبودنا، أو يكون خبرا لمبتدإ محذوف يقدر ما تقدم. انتهى. عكبري ومكي بتصرف كبير مني. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿أَحْبارَهُمْ﴾: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان. قاله الفراء، وهو الذي يحسن القول، وينظمه، ويتقنه بحسن البيان عنه، وهو العالم الفاهم، ولذا سمي عبد الله بن عباس-﵄-حبر الأمة، أي: عالمها. ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾: جمع: راهب، مأخوذ من الرهبنة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له، وعمله معه، وأنسه به، فاتخذ لنفسه صومعة يتعبد فيها، واعتزل الناس وانظر الآية رقم [٤٧] و [٨٥] من سورة (المائدة) إن أردت الزيادة ﴿أَرْباباً﴾: جمع: «رب» بمعنى: معبود. وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). ﴿دُونِ﴾: انظر الآية رقم [٣] منها. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾: هو لقب عيسى ﵇، وهو من الألقاب المشرفة، كالصديق، وأصله بالعبرية: مشيخا، ومعناه: المبارك، وفيه وجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى فاعل، فحول منه مبالغة، فقيل: لأنه مسيح الأرض بالسياحة، وقيل: لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: هو بمعنى مفعول؛ لأنه مسيح بالبركة، أو لأنه مسح القدم، أو لمسح وجهه بالملاحة، والثاني: أن وزنه مفعل من السياحة، وعلى هذا كله فهو منقول من الصفة. ﴿اِبْنَ مَرْيَمَ﴾: نسبه إلى أمه مع كون الرجال تنسب إلى آبائهم؛ لكونه لا أب له، ومريم ابنة عمران سمتها أمها صفة بذلك؛ لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها من كيد الشيطان؛ حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق ظنها بها، ألا ترى في الآية رقم [٣٦] من آل عمران، كيف أتبعت طلبها بالاستعاذة لها ولولدها من الشيطان الرجيم، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من آل عمران لبيان مكانتها عند الله. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (الأنعام). معنى الآية الكريمة: إن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم، ورهبانهم آلهة من دون الله، وليست عبادتهم لهم حقيقة، وإنما أطاعوهم في الكفر، والضلال، ومعصية الله تعالى، وذلك: أنهم أحلوا

стр. 2244

لهم أشياء، وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم، فأطاعوهم فيها، واتخذوهم كأرباب في التحليل والتحريم، فقد روى الترمذي، وأحمد، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبيّ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن!». فطرحته، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ حتى فرغ، فقلت: يا رسول الله! إنّا لسنا نعبدهم! فقال: «أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه». قلت: بلى! قال: «فتلك عبادتهم». قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: [المتقارب] وهل بدّل الدّين إلاّ الملوك... وأحبار سوء ورهبانها؟ لذا فإن كل إنسان يتبع إنسانا في كل زمان ومكان في تحليل أو تحريم ما لم يأذن به الله كمن اتخذه ربا. الإعراب: ﴿اِتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿أَحْبارَهُمْ﴾: مفعول به أول. و ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾: معطوف عليه، والهاء فيهما: في محل جر بالإضافة. ﴿أَرْباباً﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان ب ﴿أَرْباباً،﴾ أو بمحذوف صلة له، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾: معطوف على ﴿أَحْبارَهُمْ،﴾ التقدير: واتخذوا المسيح، وقد حذف المفعول الثاني لدلالة الأول عليه. ﴿اِبْنَ﴾: صفة (المسيح)، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُمِرُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿لِيَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلهاً﴾: مفعول به، ﴿واحِداً﴾: صفته. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف)، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿إِلهاً﴾. وقيل: مستأنفة مقررة للتوحيد، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُمِرُوا،﴾ واللام بمعنى الباء. تأمل. ﴿سُبْحانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله؛ فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها، وهذا عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى. ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بالمصدر، أو بفعله المحذوف، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذين أو عن شيء يشركون به،

стр. 2245

وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: تنزه الله عن شركهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أي: دلائله، وحججه، وبراهينه على توحيده، جعل البراهين بمنزلة النور؛ لما فيها من البيان، وقيل: المعنى نور الإسلام، أي: أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم، وانظر (أراد) في الآية رقم [٨٨] (الأعراف). ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: جمع فوه على الأصل؛ لأن الأصل في فم (فوه) مثل حوض وأحواض. ﴿وَيَأْبَى اللهُ﴾: انظر (تأبى) في الآية رقم [٩]. ﴿إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أي: أبى الله إلا إعلاء دينه، وإظهار كلمته، وإتمام الحق الذي بعث به نبيه ﷺ ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: كرهوا الإسلام وإعلاء كلمته، لا بد وأن يحصل ما تقدم ذكره، وقد كان ذلك يوم اختار الله، وهيأ لهذا الدين من حمل لواءه، وبذلوا في سبيله ما بذلوا، والتاريخ شاهد صدق على ذلك، حتى سطع نوره، وعمّ ربوع الدنيا. الإعراب: ﴿يُرِيدُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو: فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُطْفِؤُا﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿نُورَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَأْبَى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَيَأْبَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من إتمام نوره، والرابط: الواو، والمفعول المحذوف، هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية، فشرطها المذكور، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كره الكافرون ليتم نوره. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ أي: الله الذي بعث محمدا ﷺ بالنور والقرآن. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: دين الإسلام ليعليه على جميع الأديان بالحجج

стр. 2246

الدامغات، والبراهين الساطعات. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: هو مثل الآية السابقة وفيهما تغليب الرجال على النساء؛ إذ ما من شك: أن في النساء كافرات ومشركات، وهذا شيء معلوم لا ينكره مسلم، فامرأة أبي لهب كانت أضل من كثير من الرجال، وامرأة نوح وامرأة لوط كانتا أخبث وأضل، وانظر العكس في الآية [٤٥]. هذا؛ وقد قال البيضاوي، الآية الكريمة كالبيان لما تقدم، ولذلك كرر: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ غير أنه وضع ﴿الْمُشْرِكُونَ﴾ موضع ﴿الْكافِرُونَ﴾ للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الشرك بالله، والضمير في ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ للدين الحق، أو للرسول ﵊، واللام في ﴿الدِّينِ﴾ للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم. تنبيه: قال أبو هريرة والضحاك: هذا، أي: ما ذكر في الآية الكريمة عند نزول عيسى ﵇، وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، ولا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام، وأيد ذلك القرطبي، والصواب ما ذكرته في الآية السابقة. الإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْهُدى﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولَهُ،﴾ أي: مقرونا، أو ملتبسا بالهدى، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: معطوف على (الهدى)، والإضافة من إضافة الموصوف للصفة. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء: مفعول به، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿عَلَى الدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُلِّهِ﴾: توكيد ل ﴿الدِّينِ؛﴾ لأنه بمعنى جميع الأديان، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، والجمل الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نادى الله المؤمنين خاصة، ولفت أنظارهم إلى ذلك؛ لأنهم هم الذين ينتبهون، فينتفعون بذلك. ﴿الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ﴾: انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾: يأخذونها بالرشى في الأحكام، سمي أخذ المال أكلا لأنه الغرض الأعظم منه، وانظر: ﴿أَمْوالَ﴾ في الآية رقم [٢٨] الأنفال. و ﴿النّاسِ﴾: في الآية رقم [٨٢] (الأعراف).

стр. 2247

و ﴿بِالْباطِلِ﴾: في الآية رقم [١٣٩] (الأعراف)، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾: لقد اختلف في المراد بهؤلاء، فقال معاوية: هم الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به، وقال ابن عباس ﵄: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين؛ وذلك: أنه لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان، في الحرص، على أخذ الأموال بالباطل؛ حذر المسلمين من ذلك، وذكر وعيد من جمع المال، ومنع حقوق الله فيه. وقال أبو ذر الغفاري ﵁: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين، وكان الاختلاف في تفسير هذه الآية بين معاوية وأبي ذر سببا في إبعاد أبي ذر عن المدينة، إلى الرّبذة. ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾: لم يعد الضمير مثنى على الذهب والفضة، وفي ذلك أجوبة: الأول: قصد الأغلب والأعم، وهي الفضة، قاله ابن الأنباري، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ فأعاد الضمير للصلاة وللتجارة، فالصلاة أعم، والتجارة أهم-الثاني: أن الضمير للكنوز-الثالث: أن الضمير للأموال-الرابع: الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر، إذا فهم المعنى، قال ابن أحمر: [الطويل] رماني بأمر كنت منه ووالدي... بريئا، ومن أجل الطويّ رماني لم يقل: بريئين، والطوي: البئر. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾: انظر مثل هذه البشارة في الآية رقم [٤] وقد فسر النبي ﷺ البشارة في هذا العذاب بقوله: «بشّر الكنّازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم؛ حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه؛ حتى يخرج من حلمة ثدييه، فيتزلزل». أخرجه مسلم عن أبي ذر ﵁. الرضف، والحجارة، والنغض بفتح النون وضمها: أعلى الكتف، قال العلماء: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه؛ لتعذيب قلبه، وباطنه حين امتلأ بالفرح بكثرة المال والسرور في الدنيا، فعوقب بالهم والعذاب في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ والنغض بسكون الغين وبفتح النون وضمها. روى أبو داود عن ابن عباس-﵄-قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم». قال: فكبّر عمر ﵁، ثم قال له رسول الله ﷺ : «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة، إذا نظر إليها؛ سرّته، وإذا أمرها؛ أطاعته، وإذا غاب عنها؛ حفظته». وروى الترمذي وغيره عن ثوبان ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: قد ذم الله سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أي: المال خير حتى نكتسبه، فقال عمر ﵁: أنا أسأل لكم رسول الله ﷺ فسأله، فقال: «لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة تعين المرء على دينه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٠] من سورة (آل عمران).

стр. 2248

الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤]. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْأَحْبارِ﴾: متعلقان ب ﴿كَثِيراً﴾. و ﴿وَالرُّهْبانِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (يأكلون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمْوالَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِالْباطِلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمْوالَ النّاسِ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على جملة: ﴿لَيَأْكُلُونَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾: الفاء: زائدة. (بشرهم): أمر، وفاعله مستتر أنت، والهاء: مفعول به. ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة (عذاب)، هذا؛ وفي خبر المبتدأ وجهان: أحدهما أنه الجملة الفعلية: ﴿فَبَشِّرْهُمْ..﴾. إلخ وجاز دخول الفاء زائدة على الخبر؛ لأن المبتدأ أشبه الشرط في العموم؛ لكونه موصولا صلته فعل مستقبل، وهذا على قول من يجيز وقوع الخبر جملة إنشائية، والوجه الثاني: أن الخبر محذوف، التقدير: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ..﴾. إلخ عذابهم ما يتلى عليكم، ويكون الفعل المذكور، دالا على الخبر المحذوف، وهذا نظير ما قاله سيبويه في نحو قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. إلخ وقوله جل شأنه: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا..﴾. إلخ. والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة على تفسير معاوية، ومعطوفة على جملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ على تفسير أبي ذر الغفاري-﵃ أجمعين-. ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: يوم توقد النار ذات حمى شديدة عليها، وأصله تحمى بالنار، فجعل الإحماء للنار مبالغة، ثم حذفت النار، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، وانظر ما ذكرته في مرجع الضمير في الآية السابقة، وانظر شرح ﴿نارِ﴾ في الآية رقم [١٢] (الأعراف). ﴿فَتُكْوى بِها﴾: الكي: إلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق موضعه من الجلد. ﴿جِباهُهُمْ﴾: جمع جبهة،

стр. 2249

وهي مستوى ما بين الحاجب إلى الناصية. ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾: جمع جنب، والكي في الوجه، أشهر وأشنع، وفي الجنب والظهر آلم وأوجع، فلذلك خصّ الله الثلاثة بالذكر من بين سائر الأعضاء. هذا؛ وقد قال ابن عباس-﵄: لا يوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده، حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته. قال بعض العلماء: إنما خصت هذه الأعضاء بالكي؛ لأن الغني إذا أتاه السائل، فطلب منه شيئا، تبدو منه آثار الكراهية والمنع، فعند ذلك يقطب وجهه ويكلح، وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد جبينه، ثم إن كرر السائل الطلب؛ نأى بجانبه عنه، وتركه جانبا، ثم إن كرر الطلب، ولاه ظهره وأعرض عنه، وهي النهاية في الرد، الدال على كراهية الإعطاء والبذل. انتهى. خازن بتصرف كبير. ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: هذا ما ادخرتم، وجمعتم من الأموال لأنفسكم، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٨] (الأعراف). ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾: انظر مثل هذه الإذاقة في الآية رقم [١٤] الأنفال-وانظر إعلال مثل ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بقوله: ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف يدل عليه عذاب، أي: يعذبون، وقيل: تقدير المحذوف: اذكر يوم، هذا؛ وقال العكبري: وهو بدل من مثله محذوفا، فإن التقدير: فبشرهم بعذاب يوم أليم، فلما حذف المضاف؛ أقيم اليوم مقامه، وهو تعسف بارد، وتكلف لا داعي له. ﴿يُحْمى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْها﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فِي نارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿نارِ﴾: مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾: معطوفان على نائب الفاعل، والهاء في الكل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيء كنزتموه لأنفسكم، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية (يقال لهم هذا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَذُوقُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٩]. (ذوقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة مبنية على السكون في محل نصب

стр. 2250

مفعول به، وهي في الأصل مضاف إليه، التقدير: ذوقوا جزاء ما... إلخ. فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء: اسمه، وجملة: ﴿تَكْنِزُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو جزاء شيء كنتم تكنزونه، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: جزاء كونكم تكنزون، وجملة: (ذوقوا...) إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾: المراد بهذه الأشهر شهور العام الكامل، والسنة التامة، وهذه الشهور، منها القمرية، ومنها الشمسية، وعلى الشهور القمرية يعتمد المسلمون في صيامهم، وحجهم، وأعيادهم، وسائر أمورهم، وأحكامهم، وأيام هذه الشهور ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما، بينما أيام الشهور الشمسية تزيد عن الشهور القمرية عشرة، أو أكثر، فبسبب ذلك تكون السنة الشمسية ثابتة، بينما نرى السنة القمرية تدور بسبب نقصانها، فيقع الصوم والحج تارة في الصيف، وتارة في الشتاء. ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكمه الأبدي وتقديره الأزلي، ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه جميع أحوال الخلق، وما يأتون وما يذرون، وقيل: المعنى في حكم الله الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به. ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: إن هذا الحكم حكم به وقضاه يوم خلق السموات والأرض: أن السنة اثنا عشر شهرا. ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: من الشهور أربعة حرم، هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب، وإنما سميت حرما؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها، وتحرم القتال فيها، حتى لو أن أحدهم لقي قاتل أبيه، وأخيه في هذه الأشهر؛ فلا يهيجه. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم، دين إبراهيم، وإسماعيل ﵉، والعرب ورثوه منهما، وقيل: المعنى ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوي، فالدين هنا بمعنى الحساب، والأول أولى. ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بهتك حرمتها، وارتكاب المعاصي، والمنكرات فيها، وقيل: المراد جميع أشهر السنة، والمعتمد أن

стр. 2251

المراد الأشهر الحرم خاصة، فإن من عصى الله فيها يضاعف عقابه، كما أن العمل الصالح فيها يضاعف ثوابه، وهذا مبني على قاعدة، وهي أن الأعمال يضاعف ثوابها؛ إن كانت صالحة، ويضاعف عقابها، إن كانت سيئة، بالنسبة للزمان والمكان، والشخص الذي يعمل العمل، فالزمان المفضل على غيره يضاعف ثواب العمل فيه؛ إن كان صالحا، ويضاعف عقاب العمل فيه؛ إن كان سيئا، وقل مثل ذلك في المكان وفي الشخص، فصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والعمل السيئ بمائة ألف عمل سيئ. وخذ قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾. ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي: قاتلوا محيطين بهم ومجتمعين على قتالهم، كما يقاتلونكم مجتمعين عليكم، والمعنى: تعاونوا، وتناصروا على قتالهم، ولا تتفرقوا؛ فتفشلوا، وتذهب ريحكم، وقيل: معنى كافة أي: في جميع الشهور الحرم وغيرها، وعليه فالآية ناسخة لتحريم القتال في الأشهر الحرم، والصحيح: أن الآية الناسخة لذلك هي آية البقرة رقم [٢١٦]. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: بالنصر والتأييد، والمعونة على أعدائهم، لا المعية الحسية، وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الأنفال). بعد هذا فالشهور جمع شهر، وتجمع أيضا على: أشهر، وسمي الشهر شهرا لشهرته برؤية الهلال في أوله. ﴿كِتابِ﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٢] (الأعراف). ﴿يَوْمَ﴾: انظر الآية رقم [١٢٨] الأنعام. ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنعام. ﴿الدِّينُ﴾: انظر الآية رقم [١٦٢] منها. ﴿الْقَيِّمُ﴾: أصله القيوم، قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء. ﴿فَلا تَظْلِمُوا﴾: انظر الظلم في الآية رقم [١٤٦] الأنعام. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] (الأعراف). ﴿كَافَّةً﴾: هو مصدر مثل: عامة وخاصة، قال الزجاج: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافية، وعاقبه عاقبة، ولا يثنى ولا يجمع. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنفال. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: انظر الآية رقم [١] منها هذا؛ و ﴿كَافَّةً﴾ وما ذكر من المصادر لا يأتي إلا منصوبا، ولقد عيب على الزمخشري حيث أتى به مجرورا في مقدمة الكشاف، فقال: ولكافة المسلمين، وانظر الآية [١٢٣] الآتية. الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿عِدَّةَ﴾: اسمها، وهو مضاف، و ﴿الشُّهُورِ﴾: مضاف إليه. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿عِدَّةَ﴾ لأنه مصدر، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿اِثْنا﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه ملحق بالمثنى و ﴿عَشَرَ﴾ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب؛ لوقوعه موقع نون المثنى، ولا يصح أن يقال: إنه مضاف إليه؛ لتضمنه معنى العطف. ﴿شَهْراً﴾: تمييز مؤكد؛ لأنه لم يذكر للبيان؛ لأن

стр. 2252

الذات معروفة مما تقدم. ﴿فِي كِتابِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿اِثْنا عَشَرَ،﴾ التقدير: مسجلة، أو مكتوبة في كتاب الله. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿كِتابِ﴾ على اعتباره مصدرا، أو هو متعلق بما تعلق به ﴿فِي كِتابِ﴾ على اعتباره اسما. ﴿خَلَقَ﴾: ماض، وفاعله ضمير يعود إلى الله. ﴿السَّماواتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنْها﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَرْبَعَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿حُرُمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿اِثْنا عَشَرَ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿الدِّينُ﴾: خبره. ﴿الْقَيِّمُ﴾: صفة ﴿الدِّينُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٩]. (لا): ناهية. ﴿تَظْلِمُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِنَّ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلا تَظْلِمُوا..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، وتقدير الكلام: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فلا... إلخ، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقاتِلُوا﴾: أمر وفاعله، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو الجماعة، أو من المفعول به، وجملة: ﴿وَقاتِلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كَما﴾: الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو الجماعة، أو من الكاف، و (ما) المصدرية والمضارع بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: قاتلوا المشركين قتالا كائنا مثل قتالهم لكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): أمر وفاعله. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، و ﴿إِنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، والجملة الفعلية: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 2253

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ أي: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك: أنهم كانوا أصحاب حروب، وغارات، فإذا جاءهم شهر حرام؛ شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه، ويحرمون مكانه شهرا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من بين الشهور أربعة أشهر، فنظروا إلى عدد الشهور المحرمة، ولم ينظروا إلى أعيانها، هذا؛ ويقرأ «(النسيّ)» بقلب الهمزة ياء، وإدغامها في الياء، وقرئ: «(النّسي)» بحذفها، والنسى، والنساء ثلاثتها مصادر: نسأه: إذا أخره، ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه الله، فهو كفر آخر إلى إلى كفرهم، فقد أنكروا وجود البارئ تعالى، حيث قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ﴾ وأنكروا البعث، وأنكروا بعثة الرسول. ﴿يُضَلُّ بِهِ﴾ أي: بالنسيء، وقرئ: (يُضَلُّ) بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، وقرئ: «(يَضِلُّ)» أيضا. ﴿يُحِلُّونَهُ عاماً﴾: يحلون المحرم، أو غيره في عام، ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً﴾: يعيدون إليه حرمته في عام آخر. ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي: ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة المحرمة في كتاب الله تعالى. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾: يقرأ الفعل بالبناء للمعلوم وبالبناء للمجهول، والمعنى: زين لهم الشيطان، وحسن قبيح أعمالهم حتى رأوه حسنا، وقيل: الفاعل هو الله، والمعنى: خذلهم، وأضلهم حتى حسبوا القبيح حسنا. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾: انظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٠] و [٢٥] ففيهما الكفاية. تنبيه: لقد اختلف في أول من أحدث النسيء في العرب على أقوال كثيرة، والذي ذكره صاحب السيرة، وهو ابن إسحاق: أن أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله رجل يقال له: القلمّس، فكانت العرب، إذا فرغت من حجها، اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبا، فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة، ويحل المحرم عاما، ويجعل مكانه صفرا، ويحرمه عاما آخر ليواطئ عدة ما حرم الله، والقلمس من بني كنانة، وفي ذلك يقول شاعرهم: [الوافر] ومنّا ناسئ الشهر القلمّس وقال الكميت: [الوافر] ألسنا النّاسئين على معدّ... شهور الحلّ نجعلها حراما

стр. 2254

وقيل: أول من أحدث ذلك عمرو بن لحي الخزاعي، ثم كان بعده رجال، وآخر واحد منهم اسمه جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه النبي ﷺ . تنبيه: لقد ذكر في النسيء غير ما تقدم، وهو أنهم كانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، ثم يؤخرون التحريم إلى ربيع الأول، ثم إلى ربيع الآخر، وهكذا شهرا بعد شهر، حتى يستدير التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم في صفر عامين، وكذا باقي شهور السنة، فوافقت حجة أبي بكر ﵁ في السنة التاسعة قبل حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ في العام المقبل حجة الوداع، فوافقت ذا الحجة، فذلك قوله ﷺ : «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته». الحديث، أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطل النسيء. انتهى. قرطبي وخازن بتصرف كبير مني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿النَّسِيءُ﴾: مبتدأ. ﴿زِيادَةٌ﴾: خبره. ﴿فِي الْكُفْرِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿زِيادَةٌ،﴾ أو هما متعلقان به لأنه مصدر. ﴿يُضَلُّ﴾: فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، أو في محل رفع فاعل على قراءة «(يَضِل)» وهو مفعول به على قراءة «(يُضِل)» من الرباعي، فيكون الفاعل ضميرا عائدا إلى الله، أو الشيطان، كما جوز على هذه القراءة أن يكون الفاعل ﴿الَّذِينَ،﴾ والمفعول محذوفا، التقدير: يضل به الذين كفروا أتباعهم، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿يُضَلُّ بِهِ..﴾. إلخ تعليل لزيادة الكفر، أو هي في محل نصب حال من الكفر، والرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، والمعنى على الوجهين صحيح، وعلى الثاني أقوى. ﴿يُحِلُّونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للضلال، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿عاماً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿لِيُواطِؤُا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. ﴿عِدَّةَ﴾: مفعول به. ﴿إِنَّمَا﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عدة الذي، أو عدة شيء حرمه الله. ﴿فَيُحِلُّوا﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله... إلخ. ﴿ما حَرَّمَ اللهُ﴾ هو مثل سابقه، مع ملاحظة أن ﴿إِنَّمَا﴾ مفعول به. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ﴾:

стр. 2255

متعلقان بما قبلهما. ﴿سُوءُ﴾: نائب فاعل، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمعلوم، فهو مفعول به، والفاعل يعود إلى الله، وقيل: إلى الشيطان، و ﴿سُوءُ﴾: مضاف، و ﴿أَعْمالِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٠]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خص الله المؤمنين بهذا النداء، دون المنافقين، مع كونهم جميعا حصل منهم هذا التثاقل؛ لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بذلك دون المنافقين، فلذا سارعوا، وبادروا إلى الخروج مع الرسول ﷺ ، قيل: أصله قول، بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو، إلى القاف، بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف، وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء، لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: «قيل»، وانظر «القول» في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: اخرجوا إلى الجهاد، يقال: استنفر الإمام الناس: إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد، ودعاهم إليه، ومنه قول النبي ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا». والاسم: النفير. ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ أي: تثاقلتم، وتباطأتم عن الخروج إلى الحرب، ومعنى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وإنما استثقلوا ذلك الغزو والخروج إليه، لشدة الزمان، وضيق الوقت، وشدة الحر، وبعد المسافة، والحاجة إلى كثرة الاستعداد، من العدد، والزاد، وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة، وطيب ظلالها، وكان العدو كثيرا، فاستثقل المسلمون تلك الغزوة، فعاتبهم الله بهذه الآية. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: ركنتم إلى الدنيا ولذاتها، وأعرضتم عن نعيم الآخرة الدائم. ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي: فما الدنيا ولذاتها بجانب الآخرة ونعيمها إلا شيء تافه لا قيمة له، والسبب أن الدنيا فانية لا بقاء لها، وأن الآخرة باقية لا يطرأ عليها زوال وفناء، هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ «تثاقلتم» على الأصل، فإن الأول فيه قلب التاء ثاء، ثم أدغمت الثاء في الثاء، كما يقرأ: «(أثاقلتم)» بقطع الهمزة على الاستفهام. بعد هذا انظر شرح ﴿مَتاعُ﴾ في الآية رقم [٢٤] (الأعراف) وانظر شرح ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٢٩] الأنعام، والمراد بالآخرة الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث والحساب، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها.

стр. 2256

تنبيه: نزلت الآية الكريمة توبخ المسلمين لما تباطئوا عن الخروج مع الرسول ﷺ إلى الجهاد في غزوة تبوك، وكانت في السنة التاسعة في شهر رجب بعد فتح مكة، وبعد غزوة حنين، ومحاصرة الرسول ﷺ ومن معه لبني ثقيف في الطائف، وكان قد بلغ الرسول ﷺ استعداد الروم لغزو المدينة فندب المسلمين للخروج إليهم ومحاربتهم في بلادهم، ولم يكن النبي ﷺ يريد غزوة إلاّ ورّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فصرح للمسلمين بما يريد ليتأهبوا، فشق عليهم الخروج للأسباب التي ذكرتها، فلما نزلت الآية وما بعدها؛ هرع المسلمون للخروج وحث الرسول ﷺ المسلمين على التبرع وبذل المال في سبيل الله. وأول من تبرع أبو بكر ﵁، فجاء بجميع ماله، وجاء عمر بنصف ماله، وتبرع العباس، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وكرام الصحابة رضوان الله عليهم بمال كثير، وتخلف المنافقون عن الخروج، وعن بذل المال في سبيل الله، وأخذوا يعتذرون الأعذار الكاذبة، والسورة الكريمة من هذه الآية إلى آخرها تكشف لنا عن نفاق المنافقين، كما ستقف عليه عند شرح كل آية بعون الله وتوفيقه، ويفهم من هذا أن صدر السورة الكريمة من أولها إلى هنا متأخر في النزول عن هذه الآية إلى آخر السورة؛ لأن صدر السورة نزل في موسم الحج من السنة التاسعة للهجرة، وغزوة تبوك كانت في شهر رجب من السنة نفسها. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤]. ﴿ما﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿اِنْفِرُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿اِنْفِرُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وبعضهم يعتبرها في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على رأي: من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه». وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول، فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها هذا هو الإعراب الظاهر والمتبادر. هذا، وقال الجمل: الجملة الفعلية حال، وهذا يعني: أنها حال من كاف الخطاب، والعامل في الحال الاستفهام، وقال: إذا ظرف لهذه الحال مقدم عليها، والتقدير: أي: شيء ثبت لكم من الأعذار حال كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم: انفروا. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما

стр. 2257

قبلهما. الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (رضيتم): فعل وفاعل. ﴿بِالْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة (الحياة) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (الحياة الدنيا)، أي: بدلا من الآخرة، وجملة: ﴿أَرَضِيتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَتاعُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بِالْحَياةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿بِالْحَياةِ﴾. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَتاعُ الْحَياةِ﴾ التقدير: فما متاع الحياة الدنيا محسوبا في الآخرة، وقال الحوفي: إنه متعلق بخبر المبتدأ، وهو قليل، وهو أولى؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحاة، وعلى رأسهم سيبويه. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿فَما مَتاعُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ أي: إن لم تخرجوا أيها المؤمنون إلى ما ندبكم الرسول ﷺ إليه. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي: في الآخرة؛ لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة، وقيل: إن المراد به: القحط والجوع في الدنيا، هذا؛ و (عذاب) اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿أَلِيماً﴾: مؤلم، أي: موجع بكسر اللام، فهو اسم فاعل، وقال الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد (جدّ جدّه). انتهى. بتصرف. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ أي: خيرا منكم وأطوع، قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هم أبناء فارس، وقيل: هم أهل اليمن، ففيه وعيد، وتهديد للمؤمنين، وفيه تنبيه على أنه تعالى قد تكفل بنصره وإعزاز دينه، فإن هم نصروه؛ فلهم الفضل، والأجر، وإلا ينصره بغيرهم، وحصلت العتبى لهم. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾: الضمير راجع إلى الله، والمعنى: لا تضروا الله شيئا بتخلفكم؛ لأنه غني عن العالمين، وقيل: الضمير يعود إلى الرسول ﷺ ، والمعنى لا تضروه شيئا فإن الله ناصره على أعدائه، ولا يخذله، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فيقدر أن ينصر نبيه، ويعز دينه بأي سبب من الأسباب، بعد هذا انظر ﴿قَوْماً﴾ في الآية رقم [٣٢] (الأعراف). ﴿شَيْئاً﴾: انظر الآية رقم [٨٥] منها (غير): انظر الآية رقم [٢]. تنبيه: قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ وقال الجمهور: هذه الآية محكمة؛ لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول الله ﷺ ، فلم

стр. 2258

ينفروا، كما نقل عن ابن عباس-﵄. وعلى هذا فليست منسوخة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِلاّ﴾: هي «إن» الشرطية مدغمة في «لا» نافية. ﴿تَنْفِرُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾: مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿عَذاباً﴾: مفعول مطلق. ﴿أَلِيماً﴾: صفته. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾: معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، ويجوز في مثله الرفع والنصب، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة). وقد قرئ هناك بالرفع والنصب والجزم، ولكن هنا لم أطلع على غير قراءة الجزم، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿قَوْماً﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ﴾: صفة قوما، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضُرُّوهُ﴾: مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله... إلخ، والواو: فاعله، والهاء: مفعول به. ﴿شَيْئاً﴾: نائب مفعول مطلق، وقيل: مفعول به ثان، و «إن» الشرطية ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾: المعنى إذا لم تنصروا محمدا ﷺ على أعدائه، وذلك بالخروج معه إلى غزوة تبوك، فإن ليست على بابها من الشك، بل الكلام يفيد التحقيق، وصحة الوقوع، وتأكيده. ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾: أيده بنصره، وحفظه، ورعاه وقت أخرجه الذين كفروا من بلده مكة المكرمة، وأسند الإخراج إلى الذين كفروا؛ لأنهم سببه حيث تآمروا على قتله، أو حبسه فعند ذاك أذن الله له بالخروج. ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: أحد اثنين، وهذا كثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وهكذا، فإذا اختلف اللفظ، فقلت: رابع ثلاثة، وخامس أربعة، فالمعنى صير الثلاثة أربعة بنفسه، والأربعة خمسة. ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ أي: الرسول ﷺ ، وأبو بكر الصديق ﵁؛ الذي صحبه

стр. 2259

في طريق الهجرة، وقد كمنا في غار ثور ثلاثة أيام، هذا؛ ويجمع الغار على غيران، مثل تاج وتيجان، وقاع وقيعان، والغار أيضا: نبت طيب الريح، والغار أيضا: الجماعة، والغارة: الهجوم على الأعداء، وهي أيضا: النهب والسلب، والغاران: البطن والفرج، وألف الغار منقلبة عن واو؛ إذ الأصل (غور) وانظر: ﴿مَغاراتٍ﴾ في الآية رقم [٥٧] الآتية. ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾: إذ يقول محمد ﷺ لصاحبه الصديق: «لا تحزن». وكان هذا حين خاف أبو بكر ﵁ حيث رأى أقدام الكفار الباحثين عنهما على فم الغار، وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم مكان قدميه؛ لرآنا، فقال له الرسول ﷺ : «يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!». ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ أي: الحفظ والرعاية، ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: على النبي ﷺ أو على أبي بكر الصديق ﵁ الذي خاف على حبيبه من المشركين، والمراد بالسكينة الرحمة التي سكن إليها، واطمأن قلبه بها، وذهب عنه ما كان يساوره من القلق، وانظر سكينة بني إسرائيل في الآية رقم [٢٤٧] من سورة (البقرة). ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾: يعني الملائكة، أنزلهم الله ليحرسوا نبيه في الغار، أو ليعينوه على أعدائه يوم بدر والأحزاب وحنين، هذا؛ وقد أنبت الله على فم الغار شجرة سدت فمه، وأمر حمامتين فباضتا كذلك، وأمر العنكبوت أن تنسج خيوطها كذلك، فلما رأى المشركون ذلك استبعدوا أن يكون أحد دخل الغار منذ أيام. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: جعل كلمة الشرك هي الحقيرة المنحطة، ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ أي: كلمة التوحيد والإيمان هي المرتفع قدرها العالي شأنها إلى يوم القيامة. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [١٠] من سورة (الأنفال). بعد هذا انظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف) ﴿يَقُولُ﴾: انظر القول في الآية رقم [٥] منها ﴿لِصاحِبِهِ﴾: انظر الآية رقم [٣٦] منها ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنفال. ﴿كَلِمَةَ﴾: انظر الآية رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾: انظر مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فالله يتكفل به، أو تقديره: فسينصره الله، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: حرف تعليل، وجملة: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ تعليلية لا محل لها. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل نصره، وجملة: ﴿أَخْرَجَهُ الَّذِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿ثانِيَ﴾: حال من الضمير المنصوب، وقرئ بإسكان الياء إجراء للمنقوص مجرى المقصور بتقدير الحركات الثلاث على الياء، و ﴿ثانِيَ﴾: مضاف، و ﴿اِثْنَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بالمثنى. ﴿إِذْ﴾: بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، أي: هي متعلقة

стр. 2260

ب ﴿ثانِيَ﴾: ﴿هُما﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْغارِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِذْ﴾: بدل ثان من الأولى، وجملة: ﴿يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لا تَحْزَنْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ تعليل للنهي لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَرَوْها﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (جنود)، وجملة: (أيده...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَجَعَلَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كَلِمَةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿كَفَرُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿السُّفْلى﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَكَلِمَةُ﴾: الواو: حرف استئناف. (كلمة): مبتدأ، وقرئ بالنصب عطفا على مفعول (جعل) الأول، والرفع أبلغ لما فيه من الإشعار بأن كلمة الله عالية في نفسها، وإن فاق غيرها، فلا ثبات لتفوقه، و ﴿وَكَلِمَةُ﴾: مضاف، و ﴿اللهُ﴾: مضاف إليه. ﴿هِيَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْعُلْيا﴾: خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وإن اعتبرت ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل لا محل له، ف ﴿الْعُلْيا﴾ خبر ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها أيضا. ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ أي: اخرجوا إلى الحرب مع رسول الله ﷺ على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها، وعلى الصفة التي يثقل عليكم الجهاد فيها، وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة؛ فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيهما، فقيل: شبابا وشيوخا، وقيل: نشاطا وغير نشاط، وقيل: ركبانا ومشاة، وقيل: فقراء وأغنياء، وقيل: عزلا من السلاح

стр. 2261

ومسلحين، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: عزابا ومتزوجين. والصحيح أن هذا عام؛ لأن هذه الأحوال كلها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿خِفافاً وَثِقالاً﴾ والمعنى: على أي حال كنتم فيها. ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: أبذلوا أموالكم، وأرواحكم من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وانظر ما ذكرته في حق الجهاد في الآية رقم [٩٦] من سورة (النساء) وانظر شرح الأموال في الآية رقم [٢٨] الأنفال و ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ في الآية رقم [٩] (الأعراف). و ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٤٢] منها ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر في النفر والجهاد في سبيل الله. ﴿خَيْرٌ﴾: انظر الآية رقم [١٢] (الأعراف). ﴿تَعْلَمُونَ﴾: أنه خير لكم فلا تثاقلوا عن الخروج إلى الجهاد، وإخبار الله لا يكون إلا صدقا، فبادروا إلى ما يدعوكم إليه نبيكم ﷺ . وينبغي أن تلاحظ: أن الله جلت قدرته قدم في هذه الآية وغيرها الجهاد بالمال على النفس؛ لأن المال شقيق الروح، وقد يبذل الإنسان حياته وروحه في سبيل المال، وقد يهدر كرامته وشرفه في سبيله، وكثير من الناس، يسبب لهم المال العذاب الأليم في نار الجحيم؛ وذلك حينما لم يراقبوا الله تعالى في جمعه وإنفاقه. وكثير من الناس يبيعون الشرف والكرامة بدريهمات، وهو مشاهد في كل زمان ومكان. الإعراب: ﴿اِنْفِرُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿خِفافاً وَثِقالاً﴾: حالان من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والكاف: في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل: (جاهدوا)، و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ذلِكُمْ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، واللام: للبعد، والميم: علامة جمع الذكور. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿بِأَمْوالِكُمْ﴾: متعلقان بخير، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٤] ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول به محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: إن كنتم تعلمون فانفروا... إلخ. ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ أي: لو كان ما تدعوهم إليه غنيمة سهلة، قريبة التناول، لا تعب فيها، ولا عناء، والعرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، ومتاعها، وفي الحديث

стр. 2262

الشريف: «الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البرّ والفاجر». وانظر الآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال)، ﴿وَسَفَراً قاصِداً﴾ أي: قريبا سهلا. ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾: لخرجوا معك. ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: المسافة التي تقطع بمشقة؛ لأنه يشق على الإنسان سلوكها. وقرئ بكسر العين والشين. وكانوا يستعظمون غزو الروم؛ لذا تخلفوا لهذا السبب. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ أي: لو كان لنا قدرة في البدن، وقدرة على الراحلة، والزاد؛ لخرجنا معكم، ولما تخلفنا عنكم، وهذا من المعجزات؛ لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يوقعون أنفسهم في الهلاك بسبب الأيمان الكاذبة، وذلك دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها؛ لأنها تؤدي به إلى النار. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: في أيمانهم، وقولهم: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ؛﴾ لأنهم كانوا قادرين على الخروج. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. الإعراب: ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمها محذوف انظر تقديره في الشرح. ﴿عَرَضاً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿قَرِيباً﴾: صفته، وجملة: ﴿كانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾: اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (اتبعوك): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾. لا محل لها. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك لا محل له. ﴿بَعُدَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشُّقَّةُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها مثله، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾: الواو: حرف استئناف. (سيحلفون): فعل وفاعل والسين حرف استقبال لا محل له. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَوْ﴾: مثل سابقه. ﴿اِسْتَطَعْنا﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: الخروج، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف)، وقل في الجملة ما رأيته في مثلها. ﴿لَخَرَجْنا﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (خرجنا): فعل وفاعل. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ جواب القسم لا محل له، وحذف جواب ﴿لَوْ﴾ على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم ﴿يُهْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقيل: هي بدل من جملة: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ لأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس،

стр. 2263

وجملة: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، وهو معلق عن العمل بسبب لام الابتداء الداخلة على خبر: (إن). ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (كاذبون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو.. الخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ... ،﴾ في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾ المعلق عن العمل لفظا؛ ولذا كسرت همزة (إن)، ولولا لام الابتداء لفتحت همزة (إن)، وتأولت مع اسمها وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد المفعولين، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾: هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، وهو متضمن عتابا من الله تعالى له في إذنه لمن أذن له في التخلف عن الخروج معه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: في التخلف. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في اعتذارهم. ﴿وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: فيما يعتذرون به، قال ابن عباس-﵄: لم يكن رسول الله ﷺ يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت براءة. ﴿عَفَا﴾: انظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأعراف). ﴿لِمَ﴾: انظر الآية رقم [١٦٥] منها، هذا؛ ويقال: تبين الشيء وبان وأبان، واستبان كله بمعنى واحد، وهو لازم وقد يستعمل بعضها متعديا. قال قتادة، وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي ﷺ لم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه، وأخذه الفدية من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون، وتقرءون. تنبيه: استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء، وبيانه من وجهين: أحدهما أنه قال ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ والعفو يستدعي سابقة الذنب، والوجه الثاني: أنه قال: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وهذا استفهام معناه الإنكار. والجواب عن الأول: أنا لا نسلم: أن قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ يوجب صدور الذنب، بل نقول: إن ذلك يدل على المبالغة في التعظيم، والتوقير، فهم كما يقول الرجل لغيره

стр. 2264

إذا كان معظما له: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ رضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي؟ وعافاك الله، وغفر لك، كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام وافتتاحه، تدل على تعظيم المخاطب به، وهو وارد في الشعر العربي. والجواب عن الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الإنكار عليه، وبيانه إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أو لا، فإن كان قد صدر عنه الذنب بعد العفو لا يليق، وإن لم يكن قد صدر عنه ذنب؛ امتنع الإنكار عليه، فثبت بهذا أن الإنكار يمتنع في حقه ﷺ . انتهى. خازن بتصرف بسيط، وانظر الآية رقم [١٠٦] من سورة (النساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿عَفَا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿عَنْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر، وما: اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت ألفها بيانا للفرق بين الخبر، والاستخبار، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿أَذِنْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَتَبَيَّنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿لَكَ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة ﴿صَدَقُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: هلا تركتهم بلا إذن إلى أن يتبين، أي: إلى تبيين حالهم وشأنهم، ولا يجوز أن يتعلق ﴿حَتّى..﴾. إلخ ب ﴿أَذِنْتَ؛﴾ لأن ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية، أو لأجل التبيين، وهذا لا يعاتب عليه. ﴿وَتَعْلَمَ﴾: معطوف على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ منصوب مثله، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الْكاذِبِينَ﴾: مفعول به منصوب.. الخ، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: تعرف، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في الخروج إلى الجهاد، فإن المؤمنين الصادقين يبادرون إليه، ولا يوقفونه على الإذن فيه، فضلا عن الاستئذان في التخلف عنه، وإنما استأذنك المنافقون كراهة للجهاد، وجبنا عنه، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين يسارعون إلى أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ فيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء، بعد

стр. 2265

هذا انظر شرح: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في الآية رقم [٩] ﴿أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ انظر الآية رقم [٤٢] وفيه تغليب الرجال على النساء؛ إذ ما من شك أن في النساء متقيات مهتديات، هذا شيء معلوم لا ينكره مسلم، وانظر العكس في الآية رقم [٣٤]. الإعراب: ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾: مضارع، والكاف: مفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في الجهاد... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ وقيل: المصدر المؤول في محل جر بالإضافة، والمضاف محذوف، التقدير: كراهة الجهاد، وهذا المحذوف مفعول لأجله؛ وعليه يتغير المعنى عن التقدير الأول، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره. ﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ الشرح: بينت هذه الآية الكريمة: أن الذين استأذنوا الرسول ﷺ في التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وأن في قلوبهم شكا ونفاقا، فهم متحيرون لا هم مع الكفار، ولا هم مع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ وتخصيص الإيمان بالله واليوم الآخر في الذكر في هذه الآية الكريمة والتي قبلها للإشعار بأن الباعث على الجهاد، والوازع عنه، الإيمان، وعدم الإيمان بهما. هذا؛ والريب: الشك، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». رواه الإمام ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب-﵄-وأرضاهما. الإعراب: ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾: مضارع والكاف مفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَارْتابَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿فِي رَيْبِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ،

стр. 2266

والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾: إلى الجهاد والغزو معكم، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾: لتهيئوا بإعداد آلات السفر، وآلات القتال، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أي: كره خروجهم معكم، إلى الغزو، وملاقاة العدو. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: منعهم، وحبسهم عن الخروج معكم، وضعف رغبتهم في ذلك، والتثبيط: التوقيف عن الأمر، بالتزهيد فيه. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض، أو قاله الرسول ﷺ غضبا، أو قاله الشيطان لهم بالوسوسة. ﴿مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ أي: مع أولي الضرر، والعميان، والزمنى، والنسوان، والصبيان. الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَرادُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿الْخُرُوجَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَعَدُّوا﴾: اللام: واقعة في جواب (لو). (أعدوا): فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (لو). ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عُدَّةً﴾: مفعول به، وليس مصدرا، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجوز عطفه على الآية رقم [٤٣]. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَرِهَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على مفهوم جملة: ﴿أَرادُوا﴾ إذ المعنى: ما أرادوا الخروج؛ لأن الله كره ذلك منهم. ﴿اِنْبِعاثَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: (ثبطهم): ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى الله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ انظر الإعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٣٩] والجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً﴾ أي: لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الغزو ما زادوكم إلا شرا وفسادا، وبث الفتن فيما بينكم، وتوهين معنوياتكم، وأصل الخبال: اضطراب، ومرض يؤثر في العقل كالجنون، وأما الذي في قول النبي ﷺ : «من قفا مؤمنا بما ليس

стр. 2267

فيه وقفه الله في ردغة الخبال حتّى يجيء بالمخرج منه». فالمراد بالخبال: صديد أهل النار، والردغة: الطينة، وقفا قذف. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أي: لأسرعوا فيكم، وساروا بينكم بالنميمة، والأحاديث الكاذبة، والإيضاع: سرعة السير، من: وضع البعير وضعا: إذا أسرع، ففي الكلام استعارة تبعية تنبه لها. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يطلبون لكم الشر والإفساد، وتوهين العزائم، وذلك بقولهم: لقد جمع لكم العدو كذا وكذا، ولا طاقة لكم بهم، وإنكم ستهزمون، أو تقتلون. ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: من يسمع قولهم، ويؤثر فيهم ما يقولون لضعف إيمانهم، وخور عزيمتهم، وهذا قد يكون عمن لهم أقارب من المنافقين. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: هذا وعيد وتهديد للمنافقين؛ الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين. بعد هذا انظر: (زاد) في الآية رقم [٦٩] (الأعراف). و ﴿سَمّاعُونَ﴾: صيغة مبالغة، فالأصل: سامعون، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (المائدة). الإعراب: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾: انظر الآية السابقة لإعراب مثله. ﴿ما﴾: نافية. ﴿زادُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿خَبالاً﴾: مفعول به ثان، وقيل: المفعول الثاني محذوف، تقديره: شيئا، أو قوة، ونحو ذلك؛ وعليه ف ﴿خَبالاً﴾ مستثنى ب ﴿إِلاّ﴾ فقيل: متصل، وقيل: منقطع، وجملة: ﴿ما زادُوكُمْ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، واللام واقعة في جواب (لو) بسبب العطف. تأمل. ﴿خِلالَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف: في محل جر بالإضافة، والميم: حرف دال على جماعة الذكور. ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف: مفعول به أول، وهو في الأصل مجرور بحرف الجر بمحذوف، فلما حذف الجار، اتصل بالفعل، وانتصب به، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾. ﴿الْفِتْنَةَ﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، التقدير: حال كونهم باغين لكم ﴿الْفِتْنَةَ﴾. ﴿وَفِيكُمْ﴾: الواو: واو الحال. (فيكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سَمّاعُونَ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو.. الخ. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الكاف لوجود ضميرين فيها، وعلى الاعتبارين فهي حال متداخلة، وجوز اعتبارها مستأنفة أيضا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٤٥] إفراد وجملة، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لقد أرادوا لك الشر والفساد، وتشتيت أمرك، وتفريق أصحابك عنك من قبل هذه الغزوة، وذلك كان يوم أحد، فإن ابن أبيّ لعنه الله رجع

стр. 2268

بأصحابه من ثنيات الوداع بعد ما خرجوا مع رسول الله ﷺ لحرب قريش. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: دبروا لك المكايد، والحيل، ورددوا الآراء في إبطال أمرك، وتفريق أصحابك عنك، ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: التأييد والنصر الإلهي، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾: علا دين الله وانتصر. ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾: لما منّ الله به عليك من النصر المظفر، والعزة والسيادة، ورفعة الشأن، وعلو القدر فدخلوا في الإسلام ظاهرا، هذا؛ وفي الآية وسابقتها كشف لأسرار المنافقين، وهتك لأسرارهم، وما فيهما وما يذكر في غيرهما هو الذي جعل سورة (التوبة) جديرة بأن تسمى بالأسماء التي رأيتها في أولها، هذا؛ والفتنة تطلق على الشر والفساد، وعلى الشرك، وعلى الاختبار والابتلاء والامتحان مما رأيته سابقا. الإعراب: ﴿لَقَدِ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، ويقال: اللام لام الابتداء. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِبْتَغَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْفِتْنَةَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا..﴾. إلخ: لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام، وجملة: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة تقديرا: ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾: فعل وفاعل، و «أن» المضمرة والفعل ﴿جاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف؛ إذ التقدير: واستمروا على تقليب الأمور. أي: على خبثهم ومكرهم إلى مجيء أمر الله، وجملة: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في الغاية حكما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أي: من المنافقين من يقول: ائذن لي في القعود عن الجهاد، والتخلف عن الخروج معك، ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ أي: ولا توقعني في الفتنة، أي: العصيان والمخالفة، وفيه إشعار بأنه متخلف لا محالة، أذن له، أم لم يؤذن، أو بالفتنة بنساء الروم، لما روي أن الجد بن قيس أخي بني سلمى قال للرسول ﷺ ، حين قال له: «يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء؟!». فقال: يا رسول الله لقد عرف قومي: أني رجل مغرم بحب النساء، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذن لي

стр. 2269

في القعود، ولا تفتني بهن، وأعينك بمالي، ولم يكن به علة إلا النفاق، فأذن له. ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: في الإثم، والمعصية وقعوا، وهي النفاق، والتخلف عن النبي ﷺ ، وفي ﴿سَقَطُوا﴾ استعارة تبعية. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي: يوم القيامة تحيط بهم وتجمعهم فيها، وتحيط أيضا بالكافرات على مثال ما رأيت في الآية رقم [٣٤] و [٤٥]، وانظر إعلال ﴿مُحِيطٌ﴾ في الآية رقم [٤٧]، الأنفال، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف)، فقد اعتبر الله المنافقين كافرين، وانظر الآية رقم [٦٣]. هذا؛ و ﴿اِئْذَنْ﴾ أمر من: أذن، يأذن، والأمر بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام، قلت: ايذن بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائذن، ومثل ذلك قل في إعلال: أتى، يأتي، ائت. الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون (منهم) مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ،﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمْ﴾ يؤيد أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث، لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظة (منهم) بما هو مبتدأ، أعني لفظة (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون (منهم) مبتدأ، هذا؛ وليوث جمع ليث، وهو الأسد، (لا ترام): لا تقصد بشر، (قمشت): جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. ﴿يَقُولُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ ﴿اِئْذَنْ﴾: أمر، وفاعله: (أنت). ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿اِئْذَنْ لِي﴾: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ: صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿يَقُولُ﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية، ﴿تَفْتِنِّي﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، ونون الفعل الأصلية مدغمة في نون الوقاية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿فِي الْفِتْنَةِ﴾: متعلقان بما بعدهما.

стр. 2270

﴿سَقَطُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ﴾: اسمها، ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (محيطة): خبر (إن). ﴿بِالْكافِرِينَ﴾: متعلقان ب (محيطة)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ أي: إن يصبك يا محمد خير من نصر، وغنيمة؛ يحزن المنافقون، ويتمنون أن يكونوا معك في تلك الغزوة، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾: من هزيمة وشدة، كما حصل في غزوة أحد. ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا﴾ أي: احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالأمر الحزم؛ حيث لم نخرج للقتال. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾: يعرضوا عن محدثهم، وهم مسرورون بذلك، أو يعرضوا عن الرسول ﷺ ، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ بما صنعوا من التخلف، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٢٠] من سورة (آل عمران)، والآية رقم [٧٢] النساء، فهما تشبهان هذه الآية، هذا؛ وقد قابل الله هنا الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة، كما في الآية رقم [١٢٠] آل عمران؛ لأن الخطاب هنا للنبي ﷺ ، وهي في حقه مصيبة يثاب عليها، لا سيئة يعاتب عليها، كما في آل عمران، فإنها خطاب للمؤمنين، وانظر القول في الآية رقم [٥] (الأعراف). بعد هذا ف ﴿تُصِبْكَ،﴾ ماضيه: أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم يصيب، لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه يصيب: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء يصيبه: وقع عليه، وأصل يصيب: يؤصوب، أو يؤصيب، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أؤصيب الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار (يصوب، أو يصيب) ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء، أو الواو، وهي الكسرة إلى الصاد قبلها بعد سلب سكونها، فصار (يصيب، أو يصوب) ثم قلبت الواو في الثاني ياء لانكسار ما قبلها، ولما دخل الجازم صار (تصيب) فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار ﴿إِنْ تُصِبْكَ..﴾. إلخ وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك كما حذفت الهمزة الثانية من يؤمنون؛ لأن ماضيه آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]

стр. 2271

فإنه أهل لأن يؤكرما ولا تنس أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، ومصيبة، ومصاب، وقس على ذلك. تنبه لهذا، واحفظه. الإعراب: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ،﴾ ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا﴾: إعراب هاتين الجملتين مثل إعراب قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٠]، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿أَمْرَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾: (يتولوا): معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويجوز في مثله النصب والرفع، انظر الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة)، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بما قبلهما، وانظر الآية رقم [٤٩]، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: في محل نصب حال، من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من مكروه: لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا، أو علينا، وسجله في اللوح المحفوظ؛ لأن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، من خير وشر، فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروها نزل به، أو يجلب لنفسه نفعا، أراده لم يقدر له. ﴿مَوْلانا﴾: المولى يطلق، ويراد: به الإله المعبود بحق، كما يطلق على السيد، والعبد، والحليف، وابن العم، والنصير، والصاحب، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فليعتمدوا عليه لا على غيره، فهو الذي يحفظهم، ويرد عنهم كيد أعدائهم، وانظر إعلال (يصيب) في الآية السابقة. ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال). الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿لَنْ﴾: حرف نفي، ونصب واستقبال، ﴿يُصِيبَنا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ و (نا): مفعول به، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي، أو شيء كتبه الله لنا، من الخير، أو علينا من الشر. ﴿هُوَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مَوْلانا﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية تعليل للكلام السابق لا محل لها. ﴿وَعَلَى﴾: الواو: فيما أرى

стр. 2272

زائدة. (على الله): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الزائدة، والواو: عاطفة، اللام: لام الأمر. (يتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو.. الخ، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقد قال أبو البقاء: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إن فرحوا بتخلفهم، وشمتوا فيكم؛ فتوكلوا أنتم على الله، وإن اشتد الأمر؛ فتوكلوا، وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل تنتظرون بنا أيها المنافقين، والتربص: الانتظار والترقب. ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إما النصر والغنيمة، وإما الشهادة والمغفرة، وهي الغاية القصوى التي يهدف إليها المؤمن ويرغب فيها، ويدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «تكفّل الله-وفي رواية تضمّن الله-لمن خرج في سبيله، لا يخرج إلاّ جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن، أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر، أو غنيمة». أخرجاه في الصحيحين. هذا؛ والحسنيين تثنية: الحسنى، وهي مؤنث الأحسن، والجمع: الحسن، والحسنيات، ولا يجوز النطق به إلا معرفا. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أي: ننتظر ونترقب بكم إحدى السوءين: أولهما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بأن يهلككم، كما أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية. ﴿أَوْ بِأَيْدِينا﴾: الثانية بأن يسلطنا عليكم ويأذن لنا بقتالكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: وعيد، وتهديد، أي: انتظروا مواعيد الشيطان. ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾: منتظرون مواعيد الله، بالنصر والظفر والعزة والسيادة، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، بعد هذا انظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١]، ﴿بِعَذابٍ﴾: انظر الآية رقم [٤٠]، ﴿بِأَيْدِينا﴾: جمع يد، وانظر الآية رقم [١٠٨] من سورة (الأعراف)، وانظر ﴿الْحُسْنى﴾: في الآية رقم [١٨٠] منها أيضا، و [١١٠] من سورة (الإسراء). الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام إنكاري توبيخي، ومعناه النفي. ﴿تَرَبَّصُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِنا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، ﴿إِحْدَى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر،

стр. 2273

و ﴿إِحْدَى﴾: مضاف، و ﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى.. الخ، وجملة: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ هَلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَنَحْنُ﴾: الواو: واو الحال. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿نَتَرَبَّصُ بِكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ﴾ في محل نصب مفعول به، التقدير: نتربص بكم إصابة الله لكم بعذاب، والجملة الاسمية (نحن.. الخ) في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: متعلقان ﴿بِعَذابٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿بِأَيْدِينا﴾: معطوفان على قوله ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ والجر مقدر على الياء، و (الهاء) و (نا): كلاهما في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٩]، (تربصوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]، من سورة (الأعراف)، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بما بعده. والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿مُتَرَبِّصُونَ﴾: خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ، تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم، أو مكرهين بالإنفاق، بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق، فلن يقبل منكم ما تنفقونه، ونفي التقبل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، وأن لا يثابوا عليه، لأن هذا الإنفاق كان لغير وجه الله تعالى، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ﴾: هذا تعليل لعدم قبول نفقاتهم، وهذه الآية، وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي تعم كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة، انظر الآية رقم [٢٦٣]، من سورة (البقرة)، ففيها الدواء الشافي، علما بأن الآية الكريمة متعلقة بالجد بن قيس المذكور في الآية رقم [٥٠] وهي في معنى قوله تعالى: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ..﴾. إلخ. بعد هذا انظر (القول) في الآية رقم [٤] (الأعراف)، و (نفق) في الآية رقم [٣] الأنفال، وإعلال مثل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف)، و ﴿قَوْماً﴾ في الآية رقم [٣٢] منها، و ﴿فاسِقِينَ﴾: في الآية رقم [١٤٥] منها، ومعناه هنا: (كافرين)، وهو ما تبينه الآية التالية، وفيه تغليب الرجال على النساء كما رأيت في الآية رقم [٣٤] و [٤٥].

стр. 2274

الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿أَنْفِقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿طَوْعاً﴾: صفة مفعول مطلق محذوف، أو هو حال على تأويله ب «طائعين». ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿كَرْهاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب، ومعناه: الحال لا الاستقبال هنا. ﴿يُتَقَبَّلَ﴾: مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل محذوف؛ إذ التقدير: لن يتقبل منكم ما تنفقونه. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط: الضمير فقط. والتقدير: غير متقبل منكم إنفاقكم. ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم علامة جمع الذكور. ﴿قَوْماً﴾: خبر كان. ﴿فاسِقِينَ﴾: صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ﴾ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لعدم القبول لا محل لها. ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ..﴾. إلخ: أي: إن المانع من قبول نفقاتهم، وعدم إثابتهم عليها، هو كفرهم بالله ورسوله، هذا؛ ويقرأ «(يقبل)» بالتاء والياء، وبالبناء للمجهول؛ لأن النفقات مؤنث مجازي، وأيضا فصل بينها وبين الفعل، كما قرئ: «(يقبل)» بالبناء للمعلوم، ونصب نفقاتهم، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى﴾ أي: لا يأتون المسجد لأداء الصلاة إلا وهم كسالى متثاقلين، وإن كانوا في جماعة صلوا، وإن انفردوا في بيوتهم، أو غيرها لم يصلوا؛ لأنهم لا يرجون عليها ثوابا، ولا يخشون في تركها عقابا، وانظر الآية رقم [١٤٢] من سورة (النساء)، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾: وذلك لأنهم يعتقدون الإنفاق في سبيل الله مغرما، لا ثواب فيه، ومنعه مغنما، وانظر الصلاة والزكاة في الآية رقم [١٢]. تنبيه: أفادت الآية الكريمة وسابقتها أن أفعال الكافر إذا كانت برا، كصلة القرابة ونحوها، لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يطعم بها في الدنيا، دليله ما رواه مسلم عن عائشة-﵂، قالت قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهليّة يصل الرّحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». وروي عن أنس ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر؛ فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا؛ حتّى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها». وهذا نص، ثم قيل: هل

стр. 2275

بحكم هذا الوعد الصادق، لا بد أن يطعم الكافر، ويعطى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ وهذا هو الصحيح من القولين، والله أعلم. وتسمية ما يصدر من الكافر حسنة إنما هو بحسب ظن الكافر، وإلا فلا يصح منه قربة، لعدم شرطها المصحح لها، وهو الإيمان، أو سميت حسنة؛ لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرا، قولان أيضا. انتهى قرطبي. وما أحراك أن تنظر سورة (النور) رقم [٣٩] والفرقان رقم [٢٣] وسورة (إبراهيم) ﵇ [١٨]. أقول: ومعنى إطعام الكافر في الدنيا، إدرار الرزق عليه، ومده بالصحة والعافية، وسروره في هذه الدنيا، وراحة باله وهناءة عيشه وغير ذلك من نعيم الدنيا، وملذاتها، وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَما﴾: (ما): نافية. ﴿مَنَعَهُمْ﴾: ماض، والهاء: مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ﴾: في محل نصب مفعول به ثان، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: وما منعهم من قبول نفقاتهم. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل (منع) التقدير: إلا كفرهم، وعلى قراءة «(يقبل)» بالبناء للمعلوم، واعتبار الفاعل عائدا إلى الله فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لكفرهم بالله ورسوله. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَأْتُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿الصَّلاةَ﴾: مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كُسالى﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ أي: فلا تلتفت، ولا تنظر إلى ما نمدهم به من أموال، وبنين في هذه الدنيا، إنما هو استدراج لهم، والخطاب للنبي ﷺ ، ويشمل كل مؤمن،

стр. 2276

﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها..﴾. إلخ أي: بسبب ما يكابدون لجمعها، وحفظها من المصاعب، وما يرون فيها من المشاق، والشدائد، والمتاعب، فإن كثرة الأولاد والمال؛ تسبب للإنسان كثرة الهموم والمتاعب، ويزداد الحزن والغم؛ بسبب المصائب الواقعة فيهما، وإنما خص الكافر والمنافق بذكر هذا التعذيب مع كونه يحصل للمؤمن شيء من ذلك؛ لأن الكافر، والمنافق لا يعتقدان أن الآخرة لهما، وأنها ليس فيها ثواب، بخلاف المؤمن، فهو يؤمن بالآخرة، والثواب فيها، كما يؤمن بالجزاء الذي وعده الله للصابرين على البلاء، والمصائب. و ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾: والمعنى: أنهم يموتون على الكفر، فيكون عذابهم في الآخرة أشد، وأقسى من عذاب الدنيا، والزهوق: الخروج بصعوبة، وفعله من باب فتح، وقد يأتي من باب فرح. بعد هذا انظر (العجب) في الآية رقم [٦٣] (الأعراف). وشرح الأموال في الآية رقم [٢٨] الأنفال، ﴿يُرِيدُ﴾: انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥١] وشرحه في الآية رقم [٨٩] (الأعراف)، ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: انظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام). الإعراب: ﴿فَلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تُعْجِبْكَ﴾: مضارع مجزوم بلا الناهية، والكاف: مفعول به. ﴿أَمْوالُهُمْ﴾: فاعله. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): معطوفة على ما قبلها، ومعناها النهي لا النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، فهو داخل في الفاعلية، والهاء: فيهما في محل جر بالإضافة والميم: علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية: ﴿فَلا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: اللام: زائدة قائمة مقام «أن»، ويقال: «أن» مضمرة بعدها، (يعذبهم): مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد اللام، والهاء: مفعول به. ﴿بِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل (يعذب) وقيل: متعلقان بالفعل ﴿تُعْجِبْكَ﴾. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و «أن» المضمرة والفعل يعذب في تأويل مصدر في محل جر باللام لفظا، وهو في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿إِنَّما يُرِيدُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿وَتَزْهَقَ﴾: معطوف على (يعذب) منصوب مثله. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: فاعله، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: يقسم المنافقون بالله: إنهم من ملتكم، وإنهم مسلمون. ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾: نفي لإسلامهم، لكفر قلوبهم، وخبث نياتهم، ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾: يخافون منكم أن تظهروا على سرائرهم فتفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، لذلك يتظاهرون بالإسلام تقية ووقاية من بطشكم بهم.

стр. 2277

الإعراب: ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾: الواو: حرف استئناف، وجملة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ مع جوابها مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لَمِنْكُمْ﴾: اللام: هي المزحلقة. (منكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: جواب القسم لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية أو تميمية. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، على إعمالها أو في محل رفع مبتدأ على إهمالها. ﴿لَمِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ما)، أو في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾: في محل نصب حال من اسم (إنّ)، والرابط: الواو، والضمير، واعتبارها مستأنفة لا بأس به. ﴿وَلكِنَّهُمْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿يَفْرَقُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي: لو يجد هؤلاء المنافقون حصنا يتحصنون به، ويلجئون إليه، ﴿أَوْ مَغاراتٍ﴾: جمع مغارة وهي مكان يكون في جوف الأرض يختفي فيه من يريد الاستتار عن الأنظار، وانظر الغار في الآية رقم [٤١]، ﴿مُدَّخَلاً﴾: نفقا ومدخلا تحت الأرض يختبئون فيه، الأصل فيه متدخل، وقيل: مدتخل، فأدغمت الدال في التاء، وقرئ: و «(مُدخَلا)»، و «(مُدْخلا)» و «(مدّخّلا)»، ففيه ستّ قراءات. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ أي: لرجعوا إلى أحد المذكورات لو وجدوه، وتحرزوا به مع أن الثلاثة المذكورة شر الأمكنة، وأضيقها. ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: أي: يسرعون إلى ذلك لا يردهم شيء، كالفرس الجموح الذي لا يلوي على شيء، وقرئ: «(يجمزون)» من الجمز، وهو ضرب من السير أشد من العنق، وانظر إعلال «يجد» في الآية رقم [١٧] من سورة (الأعراف)، وإعلال (ولّوا) مثل إعلال (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] منها. الإعراب: ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ﴿يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿مَغاراتٍ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿مُدَّخَلاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَوَلَّوْا﴾: اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (ولوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿لَوْ،﴾ وجملة: ﴿يَجِدُونَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَهُمْ﴾: والواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني

стр. 2278

على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿يَجْمَحُونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي: المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات وتوزيعها، قال الجوهري: اللمز: العيب، وأصله: الإشارة بالعين، واللسان، ونحوهما، ورجل لمّاز ولمزة، أي: عياب، والهمز مثل اللمز، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ،﴾ و ﴿يَلْمِزُكَ﴾ قرئ بكسر الميم وضمها، كما قرئ: «(يلامزك)»، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها﴾ ما يريدون ويرغبون فيه. ﴿رَضُوا﴾ أي: بتلك القسمة، ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ أي: ما يريدونه. ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: يغضبون، ويعيبون على النبي ﷺ في قسمتها، هذا؛ وأصل ﴿أُعْطُوا﴾: أعطيوا وأصل ﴿رَضُوا﴾: رضيوا. فقل في إعلالهما: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم قلبت كسرة الطاء والضاد ضمة لمناسبة الواو. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، وهو أصل الخوارج، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم مالا إذ جاءه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله اعدل! فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟». فقال عمر بن الخطاب-﵁-دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدّث الناس: أنّي أقتل أصحابي، دعه فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، إنّ هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرميّة». وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين، يقال له: أبو الجواظ: لم تقسم بالسوية، فنزلت هذه الآية. الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٥٠]، ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أُعْطُوا﴾: ماض مبني للمجهول، مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو: نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: قسما: ﴿مِنْها﴾: متعلقان بهذا المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿رَضُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب ﴿إِذا﴾ الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل

стр. 2279

له ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ مثل إعراب سابقه. ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الأعراف). وإذا الفجائية هنا قائمة مقام فاء الجزاء في الربط على حد قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وتخلف الفاء إذا المفاجأة... كإن تجد إذا لنا مكافأة فإن الأصل في الآية. (فهم يسخطون)، وإن الشرطية ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، بعد هذا انظر ما ذكرته في ﴿وَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف) فإنه جيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: ولو أن المنافقين الذين عابوا عليك قسمتك الأموال رضوا بما قسم لهم الرسول ﷺ ، وأعطاهم من الغنيمة، وذكر الله للتعظيم، والتنبيه على أن ما فعله الرسول ﵊، كان بأمره تعالى. ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾: كافينا الله. ﴿سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيعطينا الرسول ﷺ بأمره تعالى من غنيمة أخرى أكثر مما أعطانا في هذه الغزوة، ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ أي: طامعون في جوده، وكرمه في أن يوسع علينا عن الصدقة، وعن غيرها من أموال الناس. ﴿حَسْبُنَا﴾: حسب: اسم ملازم للإضافة ك «قبل» و «بعد» ونحوهما، وتقطع هذه الأسماء عن الإضافة لفظا دون معنى، فتبنى على الضم، نحو قوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ونحو قبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلك، وهي بمعنى اسم الفاعل (كاف)، وتقع صفة للنكرة في حال الإضافة وعدمها، كمررت برجل حسبك من رجل، ورأيت رجلا حسب، وحالا من معرفة، كهذا عبد الله حسبك من رجل، ورأيت رجلا حسب، ومبتدأ، فتستعمل استعمال الأسماء الجامدة، نحو ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وقبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلك. الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿رَضُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: (آتاهم الله ورسوله إياه)، فهو المفعول الثاني كما ترى، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير:

стр. 2280

ولو حصل رضاهم، أو ثبت، ونحوه، وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: ولو رضاهم ثابت أو حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لكان خيرا لهم. ﴿حَسْبُنَا﴾: مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿سَيُؤْتِينَا﴾: السين: حرف استقبال. (يؤتينا): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): مفعول به أول. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على ﴿اللهُ،﴾ والمفعول الثاني محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿سَيُؤْتِينَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿راغِبُونَ..﴾. خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وقال الجمل: هاتان الجملتان ﴿سَيُؤْتِينَا..﴾. إلخ كالشرح لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ فلذلك لم يتعاطفا؛ لأنهما كالشيء الواحد، فشدة الاتصال منعت العطف. انتهى. عن كرخي، ويعود فحواه إلى مقول القول، كما ذكرته. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ الشرح: أعلم أن المنافقين لما عابوا النبي ﷺ في قسم الصدقات؛ بين الله في هذه الآية: أن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية، ومصرفها إليهم، ولا تعلق لرسول الله ﷺ بشيء منها، ولم يأخذ لنفسه منها شيئا، فعن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصّدقة، فقال له: «إنّ الله لم يرض بحكم نبيّ، ولا غيره في الصّدقات، حتى حكم فيها هو، فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك». أخرجه أبو داود. انتهى. خازن بتصرف. بعد هذا المراد بالصدقات: الزكوات الواجبة في جميع الأموال على اختلاف أنواعها، كما هو مبين في الفقه الإسلامي. ﴿لِلْفُقَراءِ﴾: جمع فقير، وأصله في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم؛ الذي لا يجد حاجته من المال؛ لأنه يشبه الذي انبتّ ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ
следующие страницы →