Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها..﴾. إلخ أي: بسبب ما يكابدون لجمعها، وحفظها من المصاعب، وما يرون فيها من المشاق، والشدائد، والمتاعب، فإن كثرة الأولاد والمال؛ تسبب للإنسان كثرة الهموم والمتاعب، ويزداد الحزن والغم؛ بسبب المصائب الواقعة فيهما، وإنما خص الكافر والمنافق بذكر هذا التعذيب مع كونه يحصل للمؤمن شيء من ذلك؛ لأن الكافر، والمنافق لا يعتقدان أن الآخرة لهما، وأنها ليس فيها ثواب، بخلاف المؤمن، فهو يؤمن بالآخرة، والثواب فيها، كما يؤمن بالجزاء الذي وعده الله للصابرين على البلاء، والمصائب. و ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾: والمعنى: أنهم يموتون على الكفر، فيكون عذابهم في الآخرة أشد، وأقسى من عذاب الدنيا، والزهوق: الخروج بصعوبة، وفعله من باب فتح، وقد يأتي من باب فرح. بعد هذا انظر (العجب) في الآية رقم [٦٣] (الأعراف). وشرح الأموال في الآية رقم [٢٨] الأنفال، ﴿يُرِيدُ﴾: انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥١] وشرحه في الآية رقم [٨٩] (الأعراف)، ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: انظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿فَلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تُعْجِبْكَ﴾: مضارع مجزوم بلا الناهية، والكاف: مفعول به. ﴿أَمْوالُهُمْ﴾: فاعله. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا):
معطوفة على ما قبلها، ومعناها النهي لا النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، فهو داخل في الفاعلية، والهاء: فيهما في محل جر بالإضافة والميم: علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية: ﴿فَلا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: اللام: زائدة قائمة مقام «أن»، ويقال: «أن» مضمرة بعدها، (يعذبهم):
مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد اللام، والهاء: مفعول به. ﴿بِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل (يعذب) وقيل: متعلقان بالفعل ﴿تُعْجِبْكَ﴾. ﴿الدُّنْيا﴾:
صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و «أن» المضمرة والفعل يعذب في تأويل مصدر في محل جر باللام لفظا، وهو في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿إِنَّما يُرِيدُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿وَتَزْهَقَ﴾: معطوف على (يعذب) منصوب مثله. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: فاعله، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: يقسم المنافقون بالله: إنهم من ملتكم، وإنهم مسلمون. ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾: نفي لإسلامهم، لكفر قلوبهم، وخبث نياتهم، ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾: يخافون منكم أن تظهروا على سرائرهم فتفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، لذلك يتظاهرون بالإسلام تقية ووقاية من بطشكم بهم.
стр. 2277
الإعراب: ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾: الواو: حرف استئناف، وجملة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ مع جوابها مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لَمِنْكُمْ﴾: اللام: هي المزحلقة. (منكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: جواب القسم لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية أو تميمية. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، على إعمالها أو في محل رفع مبتدأ على إهمالها. ﴿لَمِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ما)، أو في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾: في محل نصب حال من اسم (إنّ)، والرابط: الواو، والضمير، واعتبارها مستأنفة لا بأس به. ﴿وَلكِنَّهُمْ﴾: الواو: حرف عطف.
(لكنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿يَفْرَقُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي: لو يجد هؤلاء المنافقون حصنا يتحصنون به، ويلجئون إليه، ﴿أَوْ مَغاراتٍ﴾: جمع مغارة وهي مكان يكون في جوف الأرض يختفي فيه من يريد الاستتار عن الأنظار، وانظر الغار في الآية رقم [٤١]، ﴿مُدَّخَلاً﴾: نفقا ومدخلا تحت الأرض يختبئون فيه، الأصل فيه متدخل، وقيل: مدتخل، فأدغمت الدال في التاء، وقرئ: و «(مُدخَلا)»، و «(مُدْخلا)» و «(مدّخّلا)»، ففيه ستّ قراءات. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ أي: لرجعوا إلى أحد المذكورات لو وجدوه، وتحرزوا به مع أن الثلاثة المذكورة شر الأمكنة، وأضيقها. ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: أي:
يسرعون إلى ذلك لا يردهم شيء، كالفرس الجموح الذي لا يلوي على شيء، وقرئ:
«(يجمزون)» من الجمز، وهو ضرب من السير أشد من العنق، وانظر إعلال «يجد» في الآية رقم [١٧] من سورة (الأعراف)، وإعلال (ولّوا) مثل إعلال (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] منها.
الإعراب: ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ﴿يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿مَغاراتٍ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿مُدَّخَلاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَوَلَّوْا﴾: اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (ولوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿لَوْ،﴾ وجملة:
﴿يَجِدُونَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَهُمْ﴾: والواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني
стр. 2278
على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿يَجْمَحُونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي: المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات وتوزيعها، قال الجوهري: اللمز: العيب، وأصله: الإشارة بالعين، واللسان، ونحوهما، ورجل لمّاز ولمزة، أي: عياب، والهمز مثل اللمز، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ،﴾ و ﴿يَلْمِزُكَ﴾ قرئ بكسر الميم وضمها، كما قرئ: «(يلامزك)»، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها﴾ ما يريدون ويرغبون فيه.
﴿رَضُوا﴾ أي: بتلك القسمة، ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ أي: ما يريدونه. ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾:
يغضبون، ويعيبون على النبي ﷺ في قسمتها، هذا؛ وأصل ﴿أُعْطُوا﴾: أعطيوا وأصل ﴿رَضُوا﴾:
رضيوا. فقل في إعلالهما: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم قلبت كسرة الطاء والضاد ضمة لمناسبة الواو.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، وهو أصل الخوارج، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم مالا إذ جاءه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله اعدل! فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟». فقال عمر بن الخطاب-﵁-دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدّث الناس: أنّي أقتل أصحابي، دعه فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، إنّ هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرميّة». وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين، يقال له: أبو الجواظ: لم تقسم بالسوية، فنزلت هذه الآية.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٥٠]، ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أُعْطُوا﴾: ماض مبني للمجهول، مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو: نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: قسما: ﴿مِنْها﴾: متعلقان بهذا المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿رَضُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب ﴿إِذا﴾ الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل
стр. 2279
له ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ مثل إعراب سابقه. ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الأعراف). وإذا الفجائية هنا قائمة مقام فاء الجزاء في الربط على حد قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
وتخلف الفاء إذا المفاجأة... كإن تجد إذا لنا مكافأة
فإن الأصل في الآية. (فهم يسخطون)، وإن الشرطية ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، بعد هذا انظر ما ذكرته في ﴿وَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف) فإنه جيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: ولو أن المنافقين الذين عابوا عليك قسمتك الأموال رضوا بما قسم لهم الرسول ﷺ ، وأعطاهم من الغنيمة، وذكر الله للتعظيم، والتنبيه على أن ما فعله الرسول ﵊، كان بأمره تعالى. ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾:
كافينا الله. ﴿سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيعطينا الرسول ﷺ بأمره تعالى من غنيمة أخرى أكثر مما أعطانا في هذه الغزوة، ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ أي: طامعون في جوده، وكرمه في أن يوسع علينا عن الصدقة، وعن غيرها من أموال الناس.
﴿حَسْبُنَا﴾: حسب: اسم ملازم للإضافة ك «قبل» و «بعد» ونحوهما، وتقطع هذه الأسماء عن الإضافة لفظا دون معنى، فتبنى على الضم، نحو قوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ونحو قبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلك، وهي بمعنى اسم الفاعل (كاف)، وتقع صفة للنكرة في حال الإضافة وعدمها، كمررت برجل حسبك من رجل، ورأيت رجلا حسب، وحالا من معرفة، كهذا عبد الله حسبك من رجل، ورأيت رجلا حسب، ومبتدأ، فتستعمل استعمال الأسماء الجامدة، نحو ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وقبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلك.
الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿رَضُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق.
﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: (آتاهم الله ورسوله إياه)، فهو المفعول الثاني كما ترى، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير:
стр. 2280
ولو حصل رضاهم، أو ثبت، ونحوه، وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: ولو رضاهم ثابت أو حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لكان خيرا لهم. ﴿حَسْبُنَا﴾: مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿رَضُوا..﴾.
إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿سَيُؤْتِينَا﴾: السين: حرف استقبال. (يؤتينا): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): مفعول به أول. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على ﴿اللهُ،﴾ والمفعول الثاني محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿سَيُؤْتِينَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بما بعدهما.
﴿راغِبُونَ..﴾. خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وقال الجمل: هاتان الجملتان ﴿سَيُؤْتِينَا..﴾. إلخ كالشرح لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ فلذلك لم يتعاطفا؛ لأنهما كالشيء الواحد، فشدة الاتصال منعت العطف. انتهى. عن كرخي، ويعود فحواه إلى مقول القول، كما ذكرته.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾
الشرح: أعلم أن المنافقين لما عابوا النبي ﷺ في قسم الصدقات؛ بين الله في هذه الآية: أن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية، ومصرفها إليهم، ولا تعلق لرسول الله ﷺ بشيء منها، ولم يأخذ لنفسه منها شيئا، فعن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصّدقة، فقال له: «إنّ الله لم يرض بحكم نبيّ، ولا غيره في الصّدقات، حتى حكم فيها هو، فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك». أخرجه أبو داود. انتهى. خازن بتصرف.
بعد هذا المراد بالصدقات: الزكوات الواجبة في جميع الأموال على اختلاف أنواعها، كما هو مبين في الفقه الإسلامي.
﴿لِلْفُقَراءِ﴾: جمع فقير، وأصله في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم؛ الذي لا يجد حاجته من المال؛ لأنه يشبه الذي انبتّ ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ
стр. 2281
حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ..﴾. إلخ فسماهم مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتجرون فيها، وينقلون بضائع للناس من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». رواه الترمذي، فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير، لما تعوذ من الفقر، وسأل المسكنة.
﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾: هم السعاة الذين يتولون جباية الصدقات، وقبضها من أهلها، ووضعها في جهتها، فيعطون من مال الزكاة بقدر أجورهم، سواء أكانوا فقراء، أم أغنياء، ولا يجوز أن يكونوا من بني هاشم، ولا من بني المطلب.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: هم قوم أسلموا، ونيتهم ضعيفة، لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، وقد أعطى الرسول ﷺ من غنائم هوازن: عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، والعباس بن مرداس السلمي، فقد أعطاهم ﷺ لتقوى رغبتهم في الإسلام، ومن المؤلفة قوم أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام، وهم أشراف في أقوامهم، مثل: عدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر، فأعطاهم ﷺ ، تألفا لقومهم، وترغيبا لأمثالهم في الإسلام.
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي: وفي فك الرقاب، ويكون بأمور: بمعاونة المكاتبين على تحرير أنفسهم من الرق، وهذا لا وجود له اليوم، وقيل: بشراء العبيد وإعتاقهم، ويكون بفك الأسرى من يد الكفار، وهذا لا ينعدم في كل زمان ومكان.
﴿وَالْغارِمِينَ﴾: جمع غارم، وهم قسمان: قسم ادّانوا لأنفسهم في غير معصية، فيعطون بقدر ديونهم إذا لم يجدوا وفاء، وقسم ادّانوا في المعروف، وإصلاح ذات البين، كأن تحمل أحدهم دية قتيل، أو قتلى لتسكين الفتنة، وقطع دابر الشر، فيعطون من مال الصدقات ما يقضي ديونهم، وإن كانوا أغنياء، أما من كان دينه في معصية فلا يعطى من الصدقات شيئا.
﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: وفي النفقة في سبيل الله، والمراد به: الغزاة، فلهم سهم من مال الصدقات، فيعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد. وإن كانوا أغنياء، وأجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله إلى جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد، وغير ذلك، والقول الأول هو المعتمد لإجماع الجمهور عليه.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: المسافر من بلد يعطى من مال الصدقات ما يكفيه لمئونة سفره حتى يصل بلده، وهذا إذا لم يكن معه مال يوصله إلى مقصده، وإن كان له مال كثير في بلده، وانظر شرح (سبيل) في الآية رقم [١٤٢] (الأعراف).
стр. 2282
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي: هذه الأحكام المذكورة في هذه الآية فريضة واجبة من الله، أو المعنى فرض الله هذه الأشياء فريضة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمصالح عباده. ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما فرض لهم، لا يدخل في تدبيره وحكمه نقض ولا خلل.
تنبيه: يجب أن تفهم أن لجر الأصناف الأربعة الأول باللام، وجر الأربعة الأخر ب (في) فرقا، وتفسيره بأن اللام تفيد الملك، فنصيب الأول يسلم إليهم، وهم أحرار فيه يفعلون فيه ما يشاءون، وأما نصيب القسم الثاني فيجب أن يوضع في الجهة التي استحق الصنف بها هذا السهم، فنصيب الرقاب يجب أن يصرف في فك رقابهم، وتحريرها من الرق، ونصيب الغارمين يجب أن يصرف في وفاء ديونهم، ونصيب الجهاد، والغزاة يجب أن يشترى به ما يحتاجون إليه من أهبة الحرب، ونصيب ابن السبيل يجب أن يصرف في أجرة سفره، وما يحتاجه من طعام وغيره في هذا السفر؛ وهذا يعني أنهم لا يسلمون نصيبهم إلا إذا صرفوه في الجهة التي استحقوا بها هذا المال، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الصَّدَقاتُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْفُقَراءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ﴾: معطوفان على الفقراء، فهما مجروران مثله، وعلامة الجر فيهما الياء نيابة عن الكسرة.. الخ. ﴿عَلَيْها﴾: متعلقان بالعاملين؛ لأنه جمع عامل، فهو اسم فاعل. لذا ففيه ضمير مستتر هو فاعله، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: نائب فاعله، وقيل: هو فاعل، وهذا على اعتبار فعله لازما. ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾: معطوفان على ﴿لِلْفُقَراءِ﴾. ﴿وَالْغارِمِينَ﴾: معطوف على ما قبله مجرور مثله... إلخ. ﴿وَفِي سَبِيلِ﴾:
معطوفة على ﴿وَفِي الرِّقابِ،﴾ و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَابْنِ﴾: معطوف على ما قبله، و (ابن) مضاف، و ﴿السَّبِيلِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَرِيضَةً﴾: مفعول مطلق عامله محذوف، انظر تقديره في الشرح، وعلى قراءته بالرفع فهو خبر لمبتدإ محذوف. انظر التقدير في الشرح.
﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿فَرِيضَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام لا محل لها.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: من المنافقين جماعة يؤذون النبي ﷺ ، ويعيبونه، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ذلك،
стр. 2283
فيقع بنا، وينتقم منا، فقال الجلاس بن سويد، وهو من المنافقين، بل نقول: ما شئنا، ثم نأتيه، وننكر ما قلنا، ونحلف، فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أذن، يسمع كل ما يقال له، ويقبله، وقيل: إن قائل ذلك يقال له نبتل بن الحارث، وكان مشوه الخلقة، وقد قال فيه النبي ﷺ : «من أحبّ أن ينظر إلى الشّيطان، فلينظر إلى نبتل بن الحارث». ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو أذن خير، لا أذن شر، أي: يسمع الخير، لا يسمع الشر، فالمراد بالأذن صاحبها، فعبر بالجزء عن الكل، كما سمي الجاسوس عينا، وقرئ بضم الذال وسكونها، كما قرئ برفع «(أذنٌ)» وتنوينه وعدمه. ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾: يصدق بوجوده، ويعترف بربوبيته. ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: ويصدق المؤمنين، ويطمئن لعلمه بإيمانهم، وصلاح نياتهم وضمائرهم. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي:
وهو رحمة للمؤمنين حيث يقبل الظاهر منهم، ولا يكشف سرائرهم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ أي: بقول أو بفعل. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في جهنم، وبئس المصير، هذا؛ و ﴿أُذُنٌ﴾ يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وانظر شرح ﴿النَّبِيَّ﴾ في الآية رقم [١] الأنفال، وانظر (القول) في الآية رقم [٥] (الأعراف). وانظر الإيمان في الآية رقم [٢١] منها، ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠] وقرئ (رحمة) بالرفع والنصب والجر.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمُ﴾: الواو: حرف استئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر. وانظر الآية رقم [٥٠]، وجملة: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: صلة الموصول لا محل لها. (يقولون): مضارع مرفوع.. الخ. والواو:
فاعله، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أُذُنٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، التقدير:
هو أذن. وهو مضاف، و ﴿خَيْرٍ﴾: مضاف إليه، هذا؛ وعلى قراءة التنوين، ورفع (خير) فهو صفة ﴿أُذُنٌ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان ب: ﴿خَيْرٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ في محل رفع صفة: ﴿أُذُنٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه، أو بعد إضافته، وقال الجمل: هي تفسير ل ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ،﴾ وجملة: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، واللام: زائدة في المفعول به، لتفرق بين (يؤمن) بمعنى: يصدق، و (يؤمن) بمعنى: يثبت الأمان، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: بالرفع عطفا على ﴿أُذُنٌ،﴾ وبالجر على ﴿خَيْرٍ،﴾ وبالنصب، على أنه مفعول لأجله، عامله دل عليه ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أي: يأذن لكم رحمة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان ب (رحمة)، أو بمحذوف صفتها، وجملة:
﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو:
حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾:
стр. 2284
مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾: الضمير مراد به النبي ﷺ ، وجمع معه الصحابة تشريفا، وتكريما لهم. ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾: اختلفوا في معنى الضمير إلى ماذا يعود، فقيل: الضمير عائد على (الله) تعالى؛ لأن رضا الله في رضا رسوله ﷺ ، والمعنى: والله ورسوله أحق أن يرضوه بالتوبة والإخلاص، وقيل: معناه: والله أحق أن يرضوه، وكذلك رسوله، ومذهب سيبويه أن التقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وقيل غير ذلك، ومذهب سيبويه أولى بالاعتبار معنى وإعرابا، وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (المائدة). ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: حقا وصدقا فليرضوا الله ورسوله.
تنبيه: قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، فيهم غلام من الأنصار، يدعى عامر بن قيس، فحقروه، ثم تكلموا، فقالوا: إن كان ما يقول محمد حقّا لنحن شرّ من الحمير، فغضب الغلام، وقال: والله إنما يقول حق، وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي ﷺ ، وأخبره بمقالهم، فدعاهم، وسألهم، فأنكروا. وحلفوا أن عامرا كاذب، وحلف عامر: أنهم كذبة، فصدقهم النبي ﷺ ، فجعل عامر يدعو، ويقول: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله الآية الكريمة.
وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله ﷺ أتوه يعتذرون، ويحلفون، فأنزل الله هذه الآية.
الإعراب: ﴿يَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والكاف: مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعلوا ذلك لإرضائكم، وهذه الجملة جواب ﴿يَحْلِفُونَ﴾ لا محل لها، وقيل: اللام واقعة في جواب القسم، وكسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون، وهذا القول عزاه ابن هشام في مغنيه لأبي الحسن الأخفش، وقال: وافقه أبو علي الفارسي على ذلك، وقد أورد الآية الكريمة، والآية رقم [١١٣] من سورة (الأنعام)، تأييدا للشاهد [٣٧٩]، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»،
стр. 2285
وجملة: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ..﴾. إلخ مع جوابها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاللهُ﴾: الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ورسوله: مبتدأ ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر عن الأول، وخبر الثاني يدل عليه لدلالة الأول عليه، أو هو خبر عن الثاني، وخبر الأول محذوف لدلالة خبر الثاني محذوف، وقيل: هو خبر عن الاسمين، ويكون إفراد الضمير في ﴿يُرْضُوهُ﴾ للإيذان بأن رضا النبي ﷺ مندرج تحت رضاه ، وإرضاؤه ﵊ إرضاء له تعالى، ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ إعراب هذا؛ وتأويله وتعليقه مثل ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ في الآية رقم [١٤] بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو: اسمه، والألف للتفريق، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كانوا.. فليرضوهما، و ﴿أَنْ﴾ ومدخولها كلام معترض في آخر الكلام، لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ..﴾. إلخ. أي: ألم يعلم المنافقون أن الحال والشأن من يخالف ويعاند، ويخاصم الله ورسوله فإنه يستحق الخلود في نار جهنم، والخلود في جهنم أعظم خزي، وأكبر نكال، وهو الفضيحة الكبرى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. هذا؛ وقرئ ﴿يَعْلَمُوا﴾ بالياء والتاء، و ﴿يُحادِدِ﴾: فعل مضاعف يجوز فيه الفك والإدغام عربية، ولكن لم يذكر له قراءة بالإدغام، والخلود: طول المكث، وعدم الخروج، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة حرف استفهام وتقرير وتوبيخ هنا. (لم): حرف نفي وقلب وجزم، ﴿يَعْلَمُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: ضمير الحال والشأن اسمها.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿يُحادِدِ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر يعود إلى من تقديره: «هو». ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿فَأَنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط، (أن):
حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أنّ) تقدم على اسمها. ﴿نارَ﴾: اسمها
стр. 2286
مؤخر، وهو مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمية، ﴿خالِداً﴾: حال من الضمير المجرور باللام، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِداً،﴾ و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، فالخلود في جهنم ثابت لهم، أو في رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
فالواجب خلودهم في جهنم، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنّ)» فتكون الجملة الاسمية تامة، ولا تحتاج إلى تقدير محذوف، وعلى الوجهين: فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٢٤]، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿يَعْلَمُوا﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا الإعراب هو الذي أعتمده، وهناك أقوال وتأويلات، وتكلفات لا وجه لها أعرضت عنها، ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل لها. ﴿الْخِزْيُ﴾:
خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفته، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ﴾: يخافون ويخشون. ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المؤمنين.
﴿تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾: تخبر المؤمنين بما في قلوب المنافقين، فتهتك أستارهم، وتكشف نواياتهم الخبيثة، ولذا سميت هذه السورة: الفاضحة، والمخزية، والمبعثرة، والمثيرة، كما رأيت في أولها، ويجوز أن تكون الضمائر كلها عائدة على المنافقين، فإن النازل فيهم كالنازل عليهم، من حيث إنه مقروء، ومحتج به عليهم، وقيل: إن الكلام خبر في معنى الأمر، أي: ليحذر المنافقون، وقال السدي: قال بعض المنافقين: والله وددت لو أني قدمت، فجلدت مائة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزلت الآية الكريمة. ﴿قُلِ اسْتَهْزِؤُا﴾: أمر تهديد ووعيد، كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ،﴾ ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ﴾: مظهر للناس ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾: ما تخافون ظهوره وبروزه.
بعد هذا ف ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ جمع: منافق، وقد سمي المنافق منافقا، أخذا من نافقاء اليربوع، وهو حجره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. انتهى جمل.
هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وما أكثرهم في هذا الزمن، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له:
نفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه، قال
стр. 2287
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنه قد يجر إلى نفاق العقيدة، فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وغير ذلك كثير. ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٠١] (الأعراف).
﴿اِسْتَهْزِؤُا﴾: الاستهزاء بالشيء السخرية منه، والاستخفاف به، وهو مذموم، وصاحبه مطرود من رحمة الله تعالى، وانظر ما تفيده سورة (الحجرات)؛ إن كنت من أهل القرآن، وانظر عدد المنافقين والمنافقات في الآية رقم [٦٨] الآتية.
﴿سُورَةٌ﴾: هي الطائفة من القرآن، التي أقلها ثلاث آيات، منقولة من سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواه سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأن السّور كالمراتب والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول والقصر، والفضل والشرف، وثواب القراءة، قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة؟ ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
والحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة، منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا، ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله؛ ومن ثم جزأ القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا، وأخماسا، ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة؛ اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة وخاتمة فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه حديث أنس ﵁ (كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا) أي: عظم، ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة، مترجمة السور، وبوب المصنفون في كل فن من كتبهم، أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى. نسفي في غير هذه السورة بتصرف كبير مني.
الإعراب: ﴿يَحْذَرُ﴾: مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب، ﴿تُنَزَّلَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعل، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُنَزَّلَ﴾ في محل نصب مفعول به. وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من تنزيل سورة، والأول أقوى؛ لأن ﴿يَحْذَرُ﴾ متعد، ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى سورة، والهاء:
مفعول به. ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة ما، أو بمحذوف صفتها، والتقدير: بالذي استقر في قلوبهم، أو بشيء كائن في قلوبهم، وجملة: ﴿تُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿سُورَةٌ،﴾ وجملة: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ..﴾.
стр. 2288
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلِ﴾: أمر وفاعله: (أنت). ﴿اِسْتَهْزِؤُا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مُخْرِجٌ﴾:
خبره، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «هو». ﴿بِما﴾: موصولة، أو موصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿مُخْرِجٌ﴾. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: مخرج الذي، أو شيئا تحذرونه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾.
إلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥)﴾
الشرح: روي: أن ركب المنافقين مروا على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه على قولهم هذا، فدعاهم، فقال: «قلتم كذا، وكذا» فقالوا: لا والله! ما كنا في شيء من أمرك، وأمر أصحابك، ولكن كنا في شيء، مما يخوض فيه الركب، ليقصر بعضنا على بعض السفر.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا، أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر؛ لا خلاف فيه بين الأئمة، فإن التحقيق أخو العلم، والحق، والهزل أخو الباطل والجهل. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأصل الخوض: الدخول في الماء، ثم استعمل في كل دخول فيه ضر وأذى للناس على طريق الاستعارة التبعية.
وفي الآية توبيخ وتقريع للمنافقين، وإنكار عليهم، والمعنى: كيف تقدمون على إيقاع الاستهزاء بالله؟! يعني: بفرائض الله وحدوده، وأحكامه، والمراد بآيات الله كتابه، وبرسوله محمد ﷺ ، وانظر الاستهزاء في الآية السابقة.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: حرف استئناف، اللام: موطئة لقسم محذوف، (إن): حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: عن استهزائهم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، (يقولن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون: للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم
стр. 2289
عليه، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣]، ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة، ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه، وجملة: ﴿نَخُوضُ﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿وَنَلْعَبُ﴾:
معطوفة على ما قبلها، والجملة ﴿إِنَّما كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والكلام و ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله أنت. ﴿أَبِاللهِ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. (بالله): متعلقان بالفعل ﴿تَسْتَهْزِؤُنَ﴾. ﴿وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء: اسمها، وجملة: ﴿تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿أَبِاللهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أي: عن الاستهزاء الذي حصل منكم، والاعتذار: التنصل من الذنب، والاعتذار يمحو الموجدة من قلب الإنسان. ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾: قد ظهر كفركم بسبب إيذاء الرسول ﷺ والطعن فيه، بعد أن أظهرتم الإيمان. ونطقتم بكلمة الإسلام. ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾: بسبب توبتهم وإخلاصهم، أو لتجنبهم الإيذاء والاستهزاء، ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾: مصرين على النفاق، والإيذاء والاستهزاء، وقرئ: (نعف) و (نعذب) بالنون، والياء، هذا؛ و ﴿طائِفَةٍ﴾ الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل فريق ورهط وجماعة، وجمعها طوائف، هذا؛ وقد أطلق لفظ ﴿طائِفَةٍ﴾ هنا على الواحد، وعلى الاثنين؛ لأن مجموع الطائفتين كانوا ثلاثة.
قال محمد بن إسحاق: الذي عفي عنه، أي: وهو الطائفة الأولى، رجل واحد، وهو مخاشن، وقيل: مخشي، وقيل: جحيش بن حميّر الأشجعي، يقال: هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا للآخرين، أي: الطائفة الثانية، وكان ينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر منها الجلود، وتخفق منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
الإعراب: ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَعْتَذِرُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ تعليل للنهي لا محل لها، وهو أقوى من اعتبارها حالا، ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾: إعراب هذه الجملة واضح إن شاء الله، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٤٠]
стр. 2290
والفاعل على قراءة النون مستتر تقديره: «نحن»، وعلى قراءة الفعلين بالياء فالفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، ويقرأ «(يعف)» بالبناء للمجهول، فيكون ﴿عَنْ طائِفَةٍ﴾ متعلقان بمحذوف نائب فاعل، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة طائفة ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾:
الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾:
في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نُعَذِّبْ،﴾ وجملة: ﴿لا تَعْتَذِرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ﴾: انظر الآية رقم [٦٥]، ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إنهم على أمر واحد، ودين واحد، مجتمعون على الشر، والأعمال الخبيثة، كما يقول الإنسان لغيره: أنا منك، وأنت مني. هذا؛ وكان المنافقون ثلاثمائة، والمنافقات مائة، وذكر المنافقات إشارة لكثرة النفاق فيهم، حتى عمّ نساءهم. انتهى. جمل. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾: يأمرون بالكفر، والمعاصي، ومخالفة الرسول ﷺ ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: عن الإيمان بالله، وتصديق الرسول الكريم، وعن الطاعة والإحسان. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكون عن إنفاق الأموال في الجهاد، وجميع وجوه الخير، وقبض اليد كناية عن الشح والبخل، وانظر الآية رقم [٧٢] لشرح المنكر والمعروف، وشرح (اليد) في الآية رقم [١٠٨] (الأعراف). ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: أغفلوا ذكر الله، وتركوا طاعته فتركهم من فضله ولطفه، وقال الخازن: معناه أنهم تركوا أمره حتى صاروا بمنزلة الناسين له، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه، ورحمته، فخرج على مزاوجة الكلام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أقول: ومثل هذا يسمى في فن البلاغة مشاكله، انظر الآية رقم [١٤٢] النساء، ورقم [٣٠] (الأنفال). وانظر إعلال مثل ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٥٩]. هذا؛ والنسيان: مصدر نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين: أحدهما ترك الشيء عن ذهول وغفلة، والثاني: الترك عن تعمد وقصد، وعليه ما هنا، أي: قصد المنافقون ترك ذكر الله، ومن الأول قوله تعالى حكاية عن قول فتى موسى ﵊: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله، وانظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: مبتدأ مرفوع... إلخ، ﴿وَالْمُنافِقاتُ﴾: معطوف على ما قبله.
﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر
стр. 2291
المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول، والجملة الاسمية: ﴿الْمُنافِقُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقول بعضهم: إن ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل مما قبله، و ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ لا وجه له. ﴿يَأْمُرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو: فاعله، ﴿بِالْمُنْكَرِ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾: مستأنفة لا محل أو هي في محل رفع خبر ثالث، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط الضمير فقط، وما بعدها معطوف عليها. على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿نَسُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾: في الآية رقم [٥] (الأعراف)، ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ ف «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: معطوفة عليها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُنْفِقِينَ﴾: اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على السكون مبتدأ. ﴿الْفاسِقُونَ﴾: خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ هذا؛ وإن اعتبرت ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ضمير فصل لا محل له ف ﴿الْفاسِقُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها.
﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ: انظر ﴿وَعَدَ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأعراف)، ﴿الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾: انظر الآية رقم [٦٥] والآية السابقة. والخلود في نار جهنم: طول المكث وعدم الخروج. ﴿حَسْبُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٦٠]، ﴿وَلَعَنَهُمُ﴾: انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك، ﴿عَذابٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠]، و ﴿مُقِيمٌ﴾: أصله (مؤقوم) لأنه من أقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو لمناسبة الكسرة، وأما حذف الهمزة، فانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥١] هذا؛ وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بمعنى ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ قالوا في الثاني: إنه نوع آخر من العذاب المقيم سوى الصلي بالنار، ثم يأتي إشكال آخر، وهو قوله: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾: وذلك يمنع ضم شيء آخر إلى عذاب النار، وأجيب عنه بأن معناه: هي حسبهم في الإيلام، ولا يمتنع حصول نوع آخر من العذاب من غير جنس
стр. 2292
النار كالزمهرير، ولسع العقارب، وأكل الضريع، والزقوم، وشرب الحميم، والصديد، وغير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: قدم الله ذكر المنافقين والمنافقات على الكفار، ومثله في الآية الأخيرة من سورة (الأحزاب) ليبين لنا: أن النفاق أخبث من الكفر، وعذاب المنافقين أشد من عذاب الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء)، وشرحها جيد.
الإعراب: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿الْمُنْفِقِينَ﴾: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿وَالْمُنافِقاتِ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة... إلخ. ﴿وَالْكُفّارَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿نارَ﴾: مفعول به ثان، و ﴿نارَ﴾:
مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه... إلخ. ﴿خالِدِينَ﴾: حال ممن تقدم، والعامل محذوف؛ إذ التقدير: يصلونها خالدين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. وفاعله مستتر فيه، ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: ﴿وَعَدَ اللهُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وهي جملة: ﴿وَعَدَ اللهُ..﴾. إلخ، وجملة: ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: حالكم وشأنكم أيها المنافقون كحال من سبقكم من الأمم في الأفعال السابقة، هي الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي، وعدم الإنفاق في وجوه الخير. ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، وذلك كقوم هود وقوم صالح، وغيرهما، وانظر شرح: ﴿أَمْوالاً﴾ في الآية رقم [٢٨] الأنفال، والآية رقم [٥٦]، ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾: تمتعوا، وتلذذوا بنصيبهم، وحظهم الذي منحوه في هذه الدنيا، وهو كثرة الأموال، والأولاد، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا..﴾. إلخ: أي: تمتعتم وتلذذتم بنصيبكم من الدنيا تمتعا كائنا مثل تمتع من سبقكم من الأمم بنصيبهم. ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ أي:
وخضتم في الباطل، والكفر، والضلال، والعناد خوضا كائنا مثل خوض الذين كانوا قبلكم.
وذكرت لك في الآية رقم [٦٥] أن ﴿نَخُوضُ﴾ استعارة تبعية بالفعل، هذا؛ وقد قيل: إن (الذي)
стр. 2293
حرف مصدري، ولذا قدر الجلال الكلام: (كخوضهم) وهو مذهب ضعيف لبعض النحاة لا يعتد به، والصواب: أنه موصول اسمي مراد به الجمع، حذفت نونه تخفيفا، والدليل على ذلك جمع الضمير العائد عليه، ومثله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً﴾ في الآية رقم [١٧] البقرة، ومثله في الآيتين قول الأشهب ابن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم (٣٤٦)، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٨] والآية رقم [٥٥] تجد ما يسرك، وينبغي أن تعلم: أن الإشارة للمنافقين، ولمن شبهوا بهم من الكفار. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾: انظر هذا الخسران في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الأعراف) فإنه جيد.
بعد هذا ينبغي أن تعلم أن قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بعد التكلم في الغيبة في الآيتين السابقتين التفافا من الغيبة إلى الخطاب، وما أحراك أن تنظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام)، وفي الآية التالية التفات من الخطاب إلى الغيبة.
الإعراب: ﴿كَالَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أنتم كالذين، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: وعدكم وعدا كائنا مثل وعد الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، مبني على الضم، والواو: اسمه والألف للتفريق، ﴿أَشَدَّ﴾: خبر كان، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿قُوَّةً﴾: تمييز. ﴿وَأَكْثَرَ﴾: معطوف على ﴿أَشَدَّ،﴾ ﴿أَمْوالاً﴾: تمييز، ﴿وَأَوْلاداً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا﴾:
الفاء: حرف عطف. (استمتعوا): فعل وفاعل. ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكاف، في محل جر بالإضافة، والميم: في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كَمَا﴾: الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾: ماض وفاعله. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿اِسْتَمْتَعَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: استمتعتم بخلاقكم استمتاعا كائنا مثل استمتاع الذين من قبلكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في
стр. 2294
مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم.
وانظر الآية رقم [٣٧]، ﴿وَخُضْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿كَالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: خضتم خوضا كائنا مثل خوض الذين خاضوا من قبلكم، وجملة: ﴿وَخُضْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الدُّنْيا﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوفة على ما قبلها ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ألم يأت هؤلاء المنافقين والكفار، هذا؛ وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] (الأعراف)، ﴿نَبَأُ﴾: انظر الآية رقم [١٠١] منها، ﴿قَوْمِ﴾:
انظر الآية رقم [٣٢] منها، ﴿نُوحٍ﴾: انظر الآية رقم [٥٩] منها، ﴿وَعادٍ﴾: انظر الآية رقم [٦٥] منها، ﴿وَثَمُودَ﴾: انظر الآية رقم [٧٣] منها، ﴿إِبْراهِيمَ﴾: انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام)، ﴿وَأَصْحابِ مَدْيَنَ﴾: هم قوم شعيب، وانظر الآية رقم [٨٥] (الأعراف)، وانظر ﴿وَأَصْحابِ﴾ في الآية رقم [٣٥] منها، ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ أي: المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها، وهي مدائن قوم لوط، انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف)، وما بعدها، وقيل: المراد جميع قرى المكذبين المتمردين، وائتفاكهن: انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر، وقرئ في (النجم): ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ بالإفراد على إرادة الجنس، وإنما ذكر هذه الطوائف الستة؛ لأن آثارهم باقية، وبلادهم بالشام والعراق واليمن، وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليهم، ويعرفون أخبارهم.
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الباهرات، والحجج الواضحات الدالة على صدقهم، فكذبوهم، وخالفوا أمرنا، كما فعلتم أيها المنافقون والكفار، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم. ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بتعجيل العقوبة لهم، أو ما كان الله ليهلكهم بلا جرم، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: حيث عرضوها للعقاب بسبب الكفر، وارتكاب المعاصي والمنكرات. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] (الأعراف)، ﴿يَظْلِمُونَ﴾: انظر الظلم في الآية رقم [١٤٦] (الأنعام).
стр. 2295
الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف جازم. ﴿يَأْتِهِمْ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء: مفعول به. ﴿نَبَأُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿قَوْمِ﴾: بدل من الذين، و ﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَعادٍ﴾: معطوف على ﴿نُوحٍ﴾.
﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف عليه أيضا مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم للقبيلة، و ﴿قَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، ومثله قل في ﴿مَدْيَنَ،﴾ ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾: معطوف على ما قبله، والأصل: أصحاب المؤتفكات.
﴿أَتَتْهُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في الأول: في محل نصب مفعول به، وفي الثاني: في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿أَتَتْهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف عطف. (ما):
نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء: مفعول به، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: ما كان الله مريدا لظلمهم، وهذه الجملة معطوفة على كلام محذوف، التقدير: فكذبوهم فأهلكوا. ﴿فَما..﴾. إلخ: وهذا الكلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.
﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف، (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو: اسمه، والألف للتفريق، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به مقدم، والهاء:
في محل جر بالإضافة، ﴿يَظْلِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] (الأعراف) وزيادته في الآية رقم [٢] الأنفال، ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: في الموالاة في الدين، وتوحيد الكلمة، والمعاونة على البر والتقوى، والمناصرة على الأعداء، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالإيمان بالله،
стр. 2296
ورسوله، واتباع أوامرهما، واجتناب نواهيهما، و ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما استحسنه الشرع والعقل والفطرة السليمة. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: عن الشرك، ومخالفة أوامر الله ورسوله، و ﴿الْمُنْكَرِ﴾ ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: انظر الآية رقم [٦] وانظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١]، ﴿الزَّكاةَ﴾: انظر الآية [٦] و [١٢]. ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾:
فيما يأمران به، وفيما ينهيان عنه. وانظر الآية رقم [١٢]، ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر، ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾: هذا وعد من الكريم، ومن أوفى بعهده من الله؟ أي: لا أحد. ﴿عَزِيزٌ﴾: قوي غالب على كل شيء، لا يمتنع عليه ما يريده. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأشياء في مواضعها، وقدم ﴿عَزِيزٌ﴾ لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
تنبيه: لما وصف الله المنافقين في الآية السابقة، بالأعمال الخبيثة، والأحوال الفاسدة، ثم ذكر بعده ما أعد لهم من أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة؛ عقبه بذكر أوصاف المؤمنين، وأعمالهم الحسنة، وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة. هذا؛ ولما كان نفاق الاتباع وكفرهم إنما حصل بتقليد المتبوعين، وحصل بمقتضى الطبيعة، قال فيهم:
﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ولما كانت الموافقة الحاصلة بين المؤمنين بتسديد الله وتوفيقه، وهدايته، لا بمقتضى الطبيعة، وهوى النفس، وصفهم الله جل شأنه بأن ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ انتهى. خازن بتصرف.
الإعراب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦٨] فهو مثله بلا فارق. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿سَيَرْحَمُهُمُ﴾: السين: حرف استقبال، ووعد. (يرحمهم الله): فعل مضارع، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها.
﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿جَنّاتٍ﴾: جمع جنة، وهي البستان من النخل والشجر الكثير المتكاثف، الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسميت دار الثواب جنة؛ لما فيها من النعيم الذي لا ينفد، وجمع الجنة على جنات يدل على جنان كثيرة، مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان، وفي كثير من الآيات: لهم: فاللام: للملك، وهي تدل
стр. 2297
على أنهم استحقوا الجنات بسبب أعمالهم الصالحة. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وانظر ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ في الآية رقم [٩] من سورة (يونس) ﵇، ﴿الْأَنْهارُ﴾: جمع: نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن ما بين أنهار الجنة، وأنهار الدنيا فرق عظيم، هذا؛ ويجمع النهر على أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تفتح وتسكن، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾:
مقيمين في تلك الجنات لا يخرجون منها أبدا. ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾: تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش، وفي الحديث الشريف عن النبي ﷺ : «إنّها قصور من اللّؤلؤ والزّبرجد، والياقوت الأحمر». ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾: إقامة، وخلود، ويقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه:
المعدن، أي: الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله الّتي لم ترها عين قطّ ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء ﵁. ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: إن رضوان الله الذي ينزله عليهم أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم الجنة. ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدم ذكره من نعيم الجنة والرضوان.
تنبيه: أما وصف أهل الجنة فبينه سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق بقوله: «أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك» رواه مسلم عن جابر بن عبد الله-﵄.
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «إنّ الله ﵎ يقول لأهل الجنّة: يا أهل الجنّة، فيقولون: لبّيك ربّنا وسعديك، والخير كلّه في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا يا ربّنا؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». متفق عليه، وانظر ما ذكرته عن أبي زيد في الآية رقم [١١٩] وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
تنبيه: ذكر الله في الآيات المتقدمة المنافقين والمنافقات وصفاتهم، وما أعد لهم من العذاب المقيم في نار الجحيم، ثم ذكر في هاتين الآيتين المؤمنين والمؤمنات، وصفاتهم، وما أعد لهم من النعيم المقيم في دار الخلود، وذلك من باب المقابلة، وانظر الآية رقم [٤١ و ٤٢] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات، ومحل الجملة في الآية رقم [٦٩]، ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل
стр. 2298
﴿تَجْرِي﴾. والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ﴾: حال من المؤمنين والمؤمنات منصوب... إلخ. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ وفاعله ضمير مستتر؛ لأنه اسم فاعل. ﴿وَمَساكِنَ﴾ معطوف على جنات. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفته. ﴿فِي جَنّاتِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل (مساكن). أو بمحذوف حال منه بعد وصفها ب ﴿طَيِّبَةً،﴾ و ﴿جَنّاتٍ﴾: مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَرِضْوانٌ﴾: الواو: حرف استئناف. (رضوان): مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ﴾:
متعلقان بمحذوف صفته، وهذه الصفة هي التي سوغت الابتداء به. ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. إعراب هذه الجملة مثل إعراب:
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] بلا فارق.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: هذا النداء موجه للنبي ﷺ ، وتدخل فيه أمته من بعده، هذا؛ و ﴿النَّبِيُّ﴾ مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، انظر الآية رقم [١٠١] من سورة (الأعراف). وقيل: بل هو مأخوذ من النبوة، وهو الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق، وهو يقرأ بالهمز وبدونه، والنبي ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ولم يؤمر بتبليغه، وإن أمر بالتبليغ، فهو رسول، وانظر عددهم، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] النساء، والآية رقم [٨٦] الأنعام. ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ﴾: بالسيف. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾: وجاهد المنافقين بإقامة الحجة عليهم، وزجرهم، وإقامة الحدود عليهم، واكفهرار الوجه لهم، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾:
شدد عليهم ما ذكر؛ حتى ترهبهم، وتدخل الرعب في قلوبهم. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مقرهم بعد الموت جهنم، وانظر الفرق بين (مأوى ومثوى) في الآية رقم [١٥١] من آل عمران، ﴿وَبِئْسَ﴾:
انظر الآية رقم [٤١]، الأنفال. ﴿الْمَصِيرُ﴾: المرجع والمآل، هذا؛ وقد قال الزمخشري رحمه الله تعالى: وكل من وقف منه على فساد في العقيدة، فهذا الحكم ثابت فيه، يجاهد الحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [٢٤]، والآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف)، فإنه جيد، ﴿جاهِدِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْكُفّارَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾:
معطوف على ما قبله، منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿جاهِدِ..﴾. إلخ، لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. وجملة: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها.
стр. 2299
﴿وَمَأْواهُمْ﴾: الواو: واو الحال، (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: فعل وفاعل، والمخصوص بالذم محذوف؛ إذ التقدير: المذمومة جهنم، والجملة الفعلية: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)﴾
الشرح: لقد وردت روايات كثيرة بسبب نزول الآية، وأكتفي بذكر ما يلي:
أقام الرسول ﷺ في غزوة تبوك شهرين، ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، فيسمع من معه منهم، منهم الجلاّس بن سويد، فقال الجلاس: والله لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا وأشرافنا لنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري ﵁ للجلاس: أجل والله إن محمدا لصادق، وأنت شر من الحمير! فلما رجع الرسول ﷺ إلى المدينة، أتاه عامر، فأخبره بما قال الجلاس، فاستحضره الرسول الكريم، فقال الجلاس: كذب عليّ عامر يا رسول الله! فأمرهما النبي العظيم أن يحلفا عند المنبر، فحلفا، الجلاس على النفي، وعامر على الإثبات، ثم رفع عامر يده إلى السماء، فقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال رسول الله ﷺ والمؤمنون: «آمين». فنزل جبريل ﵇ قبل أن يتفرقا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ،﴾ فقام الجلاّس، فقال:
يا رسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته، وأنا أستغفر الله، وأتوب إليه، فقبل رسول الله ﷺ ذلك منه، فتاب، وحسنت توبته.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾: إنما جمع الضمير مع كون الحالف واحدا؛ لأن جميع المنافقين كانوا يقولون مقالة الجلاس، ويحلفون بالله وهم كاذبون، ﴿ما قالُوا﴾ أي: ما ذكر عن الجلاس.
﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: وهي كلمة الجلاس: (إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير)، وقد أطلقت الكلمة على هذه الكلمات كلها، انظر الآية رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك. وانظر ﴿وَكَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾: أظهروا كلمة الكفر بعد إظهار الإسلام، وهي ما تفوهوا به من كلمات، مثل كلمة
стр. 2300
الجلاس وغيره. ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ أي: من قتل الرسول ﷺ وكانوا خمسة عشر رجلا تآمروا في طريق عودتهم من غزوة تبوك أن يدفعوه عن ظهر راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ بذلك، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل عمارا وحذيفة وغيرهما فصدوهم، وأبعدوهم عنه ﷺ ، وقيل غير ذلك. ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ما أنكروا على الرسول شيئا إلا بسبب تفضل الله عليهم بالغنى، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ وهجرته في ضنك من العيش، فعملوا بضد الواجب عليهم، حيث وضعوا النقمة موضع الشكر، والاعتراف بالنعمة، فهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا، فهو كقول النابغة الذبياني: [الطويل]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب
وهذا من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، هذا؛ والفعل (نقم) يأتي من باب ضرب ومن باب فهم، وانظر الآية رقم [٦٢] المائدة. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾: يرجعوا عن نفاقهم، وهذا الذي حمل الجلاس ﵁ على التوبة، هذا؛ وانظر التوبة وشروطها في الآية رقم [١٧] من سورة (النساء)، ﴿يَكُ﴾: انظر الآية رقم [٥٤]، الأنفال، ﴿خَيْراً﴾: انظر الآية رقم [١٢] (الأعراف). ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن الإيمان والتوبة، ويصروا على النفاق والكفر.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا﴾: بالخزي والفضيحة والإذلال. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: يعذبهم في الآخرة بالنار، وانظر ﴿عَذاباً﴾ في الآية رقم [٤٠]. ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾: الولي هو الذي يتولى شئون غيره، والنصير المعين والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه، وانظر (همّوا) في الآية رقم [١٣].
الإعراب: ﴿يَحْلِفُونَ﴾: مضارع وفاعله. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: نافية.
﴿قالُوا﴾: فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم ﴿يَحْلِفُونَ،﴾ والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم.
﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف: للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَلِمَةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْكُفْرِ﴾:
مضاف إليه. وجملة: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله.
﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: هموا بالذي، أو بشيء لم ينالوه.
﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿نَقَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، واعتبارها مستأنفة
стр. 2301
ممكن. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿أَغْناهُمُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، وهو في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ والهاء: مفعول به. ﴿بِاللهِ﴾: فاعله.
و ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل (أغنى)، والضمير عائد على ﴿بِاللهِ،﴾ وهو في محل جر بالإضافة، (أن) المصدرية، والفعل:
(أغنى) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَقَمُوا﴾ التقدير: إلا بسبب إغناء الله لهم. وقال أبو البقاء: المصدر المؤول مفعول ﴿نَقَمُوا﴾ وقيل: هو مفعول من أجله والمفعول به محذوف. انتهى. وقول أبي البقاء هذا يجري في الآية رقم [١٢٦] (الأعراف)، وليس في هذه الآية. تأمل. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع، واستئناف، (إن) حرف شرط جازم، ﴿يَتُوبُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿يَكُ﴾: مضارع ناقص، جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود على التوب المفهوم من ﴿يَتُوبُوا،﴾ ﴿خَيْراً﴾: خبره، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿خَيْراً؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، وجملة: ﴿يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ولا يصعب عليك بعد هذا إعراب: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ﴾ وهو معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿عَذاباً﴾: مفعول مطلق، ﴿أَلِيماً﴾: صفته، ﴿فِي الدُّنْيا﴾: متعلقان باسم المصدر، أو بالفعل (يعذب)، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيا﴾ مجرور مثله. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لَهُمْ﴾ وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿وَلِيٍّ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ، وهو غير مسلم؛ لأن كثيرين لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ﴾: معطوف على لفظ ﴿وَلِيٍّ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: ومن المنافقين. ﴿عاهَدَ اللهَ﴾: أعطى عهدا وميثاقا لله ولرسوله، وانظر العهد في الآية رقم [١٠٢] (الأعراف). ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾: لئن رزقنا وأعطانا مالا، ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾: لنخرجن الزكاة الواجبة ولنبذلن المال في جميع وجوه الخير والإحسان.
стр. 2302
﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾: ولنعملن في ذلك المال ما يعمله الصالحون بأموالهم من صلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران... إلخ.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة، وما بعدها في ثعلبة بن حاطب، أحد المنافقين في عهد النبي ﷺ ، كان ثعلبة فقيرا، وكان يحضر الصلوات الخمس مع النبي ﷺ ، ويحضر مواعظه وإرشاداته، لذا كان يطلق عليه حمامة المسجد.
قال ذات يوم للنبي ﷺ : ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه». ثم عاد ثانيا: فقال النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون مثل نبيّ الله، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت». ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق، لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه! فدعا له النبي ﷺ ، فاتخذ غنما، فنمت كما تنمي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويصلي سائر الصلوات في غنمه، ثم نمت وكثرت، فتباعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة. ثم كثرت، حتى تباعد عن المدينة، حتى صار لا يشهد جمعة، ولا جماعة، فقال الرسول ﷺ : «يا ويح ثعلبة!». ثلاثا، فلما أنزل الله آية الصدقة بعث النبي ﷺ رجلين يأخذان الزكاة من المسلمين، وقال لهما: «مرا بثعلبة، وبفلان، رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما».
فأتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرءاه كتاب رسول الله، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي، فانطلقا إلى السلمي، فأخذ خيار غنمه، وإبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأياها، قالا: ما هذه عليك، قال: خذاها، فإن نفسي بذلك طيبة، فمرا على الناس، وأخذا الصدقات.
ثم رجعا إلى ثعلبة، فسألاه زكاة ماله، فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي، فرجعا إلى المدينة، فلما رآهما رسول الله ﷺ ، قال قبل أن يتكلما:
«يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة!». فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والسلمي، فدعا للسلمي بخير، فأنزل الله الآية، وما بعدها إلى قوله: ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ،﴾ وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة! لقد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة، وأخذ معه غنيمات حتى أتى سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق، فسأله أن يقبل منه ما أتى به.
فقال: «إنّ الله منعني أن أقبل منك صدقتك». فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له رسول الله ﷺ : «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني». فرجع إلى غنمه خائبا، فلما قبض
стр. 2303
رسول الله ﷺ أتى أبا بكر ﵁، فقال: اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ، فأنا لا أقبلها! فلما قبض أبو بكر، وتولى عمر ﵁ الخلافة جاءه ثعلبة بصدقته، وطلب قبولها، فقال له: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، فأنا لا أقبلها، فلما تولى عثمان ﵁ الخلافة جاءه بها، فلم يقبلها، وهلك في خلافته. انتهى. قرطبي وخازن بتصرف.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٥٠] والجملة الاسمية الناتجة منه مستأنفة لا محل لها ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة لقسم محذوف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿آتانا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، و (نا): مفعول به أول، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، (نصدقن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وانظر الآية رقم [٤٣]، والكلام بمجموعه جواب للقسم المفهوم من ﴿عاهَدَ﴾ وقال أبو البقاء: فيه وجهان: أحدهما: تقديره: عاهد، فقال: ﴿لَئِنْ آتانا،﴾ والثاني: أن يكون ﴿عاهَدَ﴾ بمعنى «قال»؛ إذ العهد قول، وهذا يعني: أن الكلام على الوجه الأول في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وعلى الثاني: أنه مفعول به ل ﴿عاهَدَ،﴾ وغير مسلم له الوجهان، وأما الجمل فقال: جملة: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ جواب القسم ﴿عاهَدَ،﴾ ولا يمتنع الجمع بين القسم، واللام الموطئة، وهو مردود أيضا، وإعراب: (لنكونن) مثل إعراب سابقه، ولكنه ناقص، فاسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾: متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: فلما أعطاهم، ورزقهم، وأغناهم من خزائنه التي لا تنفد، ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾: منعوا حق الله فيه، ولم يفوا بما عاهدوا الله ورسوله عليه: ﴿وَتَوَلَّوْا﴾:
أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله. ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: هم قوم شأنهم، وعادتهم الإعراض عن طاعة الله ورسوله.
تنبيه: جمع الضمير مع كون المنزل بشأنه واحدا، وهو ثعلبة؛ لأن جميع المنافقين مثل ثعلبة، يخلفون الوعود، وينكثون العهود، ويكذبون، ويخونون، وقيل: نزلت الآيات في ثعلبة
стр. 2304
ومعتب بن قشير وغيرهما وكلهم عاهدوا الله على القيام بحقوق المال؛ إن هم كثر مالهم، واستغنوا.
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني، وجملة: ﴿آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها، ولا محل لها على اعتبار (لما) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ومتعلقة بالجواب، ﴿بَخِلُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب:
﴿قالُوا﴾: في الآية رقم [٥] (الأعراف)، ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية:
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال مؤكدة؛ لأن التولي والإعراض بمعنى واحد.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقا، وسوء اعتقاد في قلوبهم، ويجوز أن يكون الفاعل عائدا على البخل المفهوم من ﴿بَخِلُوا﴾ ويكون المعنى: أورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم، وانظر (النفاق) في الآية رقم [٦٤]، ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: يلقون الله بالموت، أو يلقون جزاء بخلهم، وانظر إعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٥] (الأعراف)، وانظر شرح ﴿يَوْمِ﴾ في الآية رقم [١٢٨] (الأنعام)، ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ أي: بأن يقوموا بحقوق المال على الوجه الكامل، وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] (الأعراف)، ولكنهم لم يفوا بما وعدوا كما رأيت. ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي: بسبب كذبهم على الله ورسوله.
الإعراب: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً﴾: ماض ومفعولاه، وانظر مرجع الفاعل في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿إِلى يَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾: مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر، ما:
مصدرية. ﴿أَخْلَفُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ﴾: مفعول به أول. ﴿بِما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان،
стр. 2305
والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أخلفوا الذي، أو شيئا وعدوه به. وأجاز الجمل اعتبار ﴿بِما﴾ مصدرية، وقدر: بسبب إخلافهم الله الوعد، فيبقى (وعد): بلا مفعول ثان، و ﴿بِما﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب إخلافهم الله... إلخ. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أعقب)، وساغ تعدد المتعلق، لاختلاف الجار، وإعراب: ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿بِما أَخْلَفُوا﴾ بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، أجل، وأكرم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون: أن الله يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من النفاق، ويعلم ما يتناجون به فيما بينهم، والمعنى: يعلم الله جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها، هذا؛ والنجوى هو الخفي من الكلام يكون بين القوم، وانظر (العلم) والمعرفة في الآية رقم [٦١] الأنفال، ﴿عَلاّمُ﴾: صيغة مبالغة، ﴿الْغُيُوبِ﴾: جمع غيب، وهو كل ما غاب عن أعين المخلوقات، وفي الآية توبيخ، وتقريع للمنافقين الذين يعدون، ولا يوفون، ويعهدون، وينقضون، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَعْلَمُوا﴾:
مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ﴾: اسمها، ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.
﴿سِرَّهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة. ﴿وَنَجْواهُمْ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي ﴿يَعْلَمُوا﴾ على اعتباره من المعرفة، أو من العلم، والمصدر المؤول من ﴿وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ﴾ معطوف على ما قبله، و ﴿عَلاّمُ﴾: مضاف، و ﴿الْغُيُوبِ﴾: مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿يَلْمِزُونَ﴾: يعيبون، وانظر الآية رقم [٥٩]، ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: أصله المتطوعين، أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، والتطوع: التبرع بالشيء، وهو ما ليس بفرض،
стр. 2306
ومنه تطوع الصيام، والحج، والصلاة. ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي: التبرع في المال. ﴿لا يَجِدُونَ﴾:
انظر إعلاله في الآية رقم [١٧] (الأعراف). ﴿إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾: إلا قدرتهم وطاقتهم. وهو بضم الجيم، وهي لغة أهل الحجاز، وبالفتح لغيرهم. وقيل: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، وانظر الآية رقم [١٠٩] (الأنعام). ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾: يسخروا: يهزأ المنافقون من المؤمنين المتصدقين.
﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: عاقبهم الله وجازاهم على سخريتهم، وذكر لفظ ﴿سَخِرَ﴾ مشاكلة لما صدر منهم، وانظر الآية رقم [٦٨]، ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠].
تنبيه: روي: أن النبي ﷺ حث على الصدقة في غزوة تبوك، أي: وقت الخروج لها، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال له: «بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت» فبارك الله له في ماله، حتى إنه خلف امرأتين يوم مات، فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي العجلاني يومئذ بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لعيالي، وأتيتك بالآخر، فأمر الرسول ﷺ أن ينثره في الصدقات، ﵃ وأرضاهم أجمعين، فلمزهم المنافقون، فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وإن الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل، ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقة، فأنزل الله ﵎ الآية الكريمة، هذا؛ وسخر بمعنى: هزئ، وانظر الآية رقم [٦٥].
الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، خبره جملة:
﴿سَخِرَ..﴾. إلخ أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو في محل جر بدل من الضمير المتصل ب ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ وقيل: في محل رفع خبر المبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو أضعفها، وأقواها الأول. ﴿يَلْمِزُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: مفعول به منصوب... إلخ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿الْمُطَّوِّعِينَ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، والأول أقوى. ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَلْمِزُونَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ،﴾ وجملة: ﴿لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ معطوفة على جملة:
﴿يَلْمِزُونَ﴾ لا محل لها مثلها، وجوز أبو البقاء اعتبارها خبرا للمبتدإ (الذين) على وجه مر ذكره، ولا وجه له، وإنما الخبر جملة: ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ وهي مستأنفة على الأوجه الأخر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
стр. 2307
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)﴾
الشرح: روي: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي كان من المؤمنين المخلصين، فسأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له، ففعل، فنزلت، فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «ولأزيدن على السبعين». فنزل قوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ وذلك لأنه ﷺ فهم من السبعين العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فجوز أن يكون ذلك حدا، يخالف حكم ما وراءه، فبين الله له: أن المراد به التكثير، دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة، والسبعين، والسبعمائة، ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره، ولهذا كبر ﷺ ، لما صلى على عمه الحمزة ﵁ سبعين تكبيرة، ولأن آحاد السبعين سبعة، وهو عدد شريف، فإن السموات سبع، والأرضون سبع، والأيام سبع، والأقاليم سبع، والبحار سبع، والنجوم السيارة سبع، فلهذا خص الله السبعين بالذكر للمبالغة في اليأس من طمع المغفرة لهم.
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: هذا أمر، ومعناه الخبر بدليل ما بعده، والمراد بهذا الكلام التساوي بين الاستغفار وعدمه في الإفادة، والمعنى: أطلب لهم المغفرة، أو لا تطلبها، فالسين والتاء للطلب، والفعل يتعدى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف جر، نحو استغفرت الله من ذنبي، وما في الآية من ذلك، وقد يحذف حرف الجر، فيصل إلى الثاني بنفسه، كقول الشاعر: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصية... ربّ العباد إليه الوجه والقبل
وانظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (يونس). ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: إشارة إلى أن اليأس من المغفرة، وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا، ولا تقصير في واجبك يا محمد، بل لعدم صلاحيتهم لغفران الذنوب بسبب الكفر الصارف عنها، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾. انظر شرح مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٠] وانظر شرح ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف)، والمراد بهم هنا: الكافرون، والتعبير عن الكافرين بالفاسقين والمجرمين، والظالمين، والمعتدين، والمسرفين، وغير ذلك كثير في القرآن الكريم، ويتهددهم بالعذاب الأليم ويتوعدهم بالعقاب الشديد، هذا؛ وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات فهل يتوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ والحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكره، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ وانظر الآية رقم [١٣] من سورة (يونس) ﵇.
стр. 2308
الإعراب: ﴿اِسْتَغْفِرْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، ﴿لَهُمْ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف.
﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَسْتَغْفِرْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها، والكلام خبر كما ذكرته في الشرح، وإن كان لفظه إنشاء. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَسْتَغْفِرْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف أيضا، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به. ﴿سَبْعِينَ﴾: نائب مفعول مطلق، أو هو ظرف زمان، منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مَرَّةً﴾: تمييز، وجملة: ﴿تَسْتَغْفِرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَغْفِرَ﴾: مضارع منصوب ب (لن). ﴿اللهُ﴾: فاعله، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُمْ﴾:
متعلقان به، وجملة: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام: للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر، (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق: ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان به. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٠] والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾
الشرح: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ أي: فرح المتخلفون من المنافقين عن غزوة تبوك والخروج مع رسول الله ﷺ ، بقعودهم في المدينة، والمخلف: المتروك، أي: خلفهم الله وثبط هممهم، أو خلفهم رسول الله والمؤمنون لما علموا تثاقلهم. قولان، هذا؛ وقرئ: «(خلف رسول الله)»، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال). ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ أي: قال المنافقون بعضهم لبعض:
لا تخرجوا مع رسول الله في غزوة تبوك لأن الوقت وقت حر، وقد رد الله عليهم بما قاله
стр. 2309
لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾: والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اختاروا الراحة والقعود على الجهاد والخروج معك: إن نار جهنم التي هي موعدهم في الآخرة بسبب تخلفهم أشد حرا من حر الدنيا. ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾: انظر ﴿يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، وانظر (الفرح) في الآية رقم [٥٨] من سورة (يونس)، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿فَرِحَ﴾: ماض. ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿خِلافَ﴾: ظرف مكان متعلق بالمصدر، وقيل: ظرف زمان، هذا؛ وجوز اعتباره مفعولا مطلقا، عامله محذوف، مدلول عليه ب (مقعدهم)، ومفعولا لأجله، أي: فرح المنافقون لأجل مخالفتهم رسول الله ﷺ ، وأعتمد الاعتبار الأول، و ﴿خِلافَ﴾: مضاف، و ﴿رَسُولِ﴾: مضاف إليه، و ﴿رَسُولِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَكَرِهُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُجاهِدُوا﴾ في محل نصب مفعول به، ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم: حرف دال على جماعة الذكور. ﴿فِي سَبِيلِ﴾:
متعلقان بالفعل ﴿يُجاهِدُوا،﴾ و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ..﴾.
إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَرِحَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع، وجملة: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿نارُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية. ﴿أَشَدُّ﴾: خبر المبتدأ.
﴿حَرًّا﴾: تمييز، والجملة الاسمية: ﴿نارُ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْقَهُونَ﴾: مع مفعوله المحذوف في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، وتقدير الكلام: (لو كانوا يفقهون أن مآلهم إليها، أو أنها كيف هي؛ ما اختاروها لأنفسهم بإيثار الراحة على طاعة الله ورسوله بالخروج إلى غزوة تبوك)، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً﴾ أي: فليضحك المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قليلا في الدنيا الفانية. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾ أي: في الآخرة مكان ضحكهم في الدنيا، وهذا؛ وإن ورد بصيغة الأمر، إلا أن معناه الإخبار، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾
стр. 2310
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: إن ذلك البكاء في الآخرة معاقبة لهم على ضحكهم، وأعمالهم الخبيثة في الدنيا، وانظر (جزاء) في الآية رقم [٢٦] هذا؛ وقد كان بعض المسلمين لا يضحك في الدنيا، من شدة الخوف، وإن كان عبدا صالحا.
وهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أنّي كنت شجرة تعضد». أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ﵁، وكان الصحابة يضحكون، إلا أن الإكثار منه مذموم منهي عنه، وهو من فعل السفهاء والبطالة، وإن كثرته تميت القلب، وأما البكاء من خوف الله وعقابه فمحمود، فقد روى البغوي، وابن ماجة عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيّها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا أن تبكوا، فتباكوا، فإنّ أهل النار يبكون حتّى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدّماء، فتفرغ العيون، فلو أنّ سفنا أجريت فيها لجرت».
تنبيه: البكاء بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد: إسالة الدمع مع رفعه، قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت، قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁: [الوافر]
بكت عيني، وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء، ولا العويل
الإعراب: ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾: الفاء: حرف استئناف. (ليضحكوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَلِيلاً﴾: صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ضحكا قليلا، أو هو صفة لزمان محذوف، التقدير: زمانا قليلا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾: مثلها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿جَزاءً﴾: مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق، عامله محذوف، وقيل: عامله ما قبله على المعنى. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿جَزاءً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط. محذوف؛ إذ التقدير: جزاء بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، وعلى المصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم الأعمال الخبيثة في الدنيا، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جَزاءً،﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾: فإن ردك الله يا محمد إلى المدينة من غزوة تبوك، وفيها جماعة من المنافقين وكانوا اثني عشر رجلا، فإن المقيمين في المدينة، لم يكونوا
стр. 2311
منافقين؛ فلذا قال سبحانه ﴿مِنْهُمْ﴾. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ..﴾. إلخ، أي: طلب المنافقون الخروج معك إلى غزاة ثانية بعد غزوة تبوك. ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ أي: إلى غزوة أخرى، أو إلى أي:
سفر كان، وهو كقوله تعالى في سورة (الفتح): ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾. ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في غزوة تبوك. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ أي: مع المتخلفين عن الجهاد لعدم استعدادهم ولياقتهم للقتال من صبيان ونساء وشيوخ، وانظر الآية رقم [٨٨] وقرئ «(الخلفين)» وقيل: المعنى مع المخالفين أوامر الله ورسوله، وعلى الأول فيه تغليب الرجال على النساء مع أنهن الأكثر في المدينة حين خروج الرسول ﷺ إلى غزوة تبوك ورجوعه منها، وفي الآية دليل قاطع على وجوب مقاطعة أهل البدع، والضلال، والنفاق، وذوي الأعمال الفاسدة والمجرمين.
هذا؛ و (رجع) يستعمل متعديا كما في الآية، ولازما كما في قولك: رجع زيد من عمله، ﴿طائِفَةٍ﴾: انظر الآية رقم [٦٧]، ﴿أَبَداً﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿عَدُوًّا﴾: انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿رَجَعَكَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف: في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ﴾:
فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿إِلى طائِفَةٍ﴾: متعلقان بالفعل: (رجع). ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٍ﴾.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلْخُرُوجِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنْ﴾:
حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿تَخْرُجُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعِيَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَداً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾:
معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها، ﴿رَضِيتُمْ﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). ﴿أَوَّلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿أَوَّلَ﴾: مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لنفي الخروج لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَاقْعُدُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (اقعدوا): فعل أمر مبني على حذف
стр. 2312
النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْخالِفِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿فَاقْعُدُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير:
وإذا كنتم رضيتم بالقعود فاقعدوا... إلخ، وهذا الشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله لا محل له على الوجهين.
﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾: المراد بها صلاة الجنازة، وانظر الآية رقم [٦]، ﴿أَحَدٍ﴾: انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف)، ﴿أَبَداً﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾:
ولا تقف على قبره للدفن، أو الزيارة، ﴿كَفَرُوا﴾: انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف)، ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٤]، ورقم [١] من سورة (الأنفال)، ومما ينبغي التنبيه له أن الفسق أدنى حالا من الكفر، وهو داخل فيه، ولما كان المنافقون أخبث من المشركين والكافرين، وصفهم الله بالفسق بعد وصفهم بالكفر، زيادة في التشنيع عليهم.
تنبيه: هناك روايات مختلفة في سبب نزول الآية الكريمة أذكر منها ما يلي: لما توفي رأس المنافقين ابن أبي جاء ابنه عبد الله ﵁، وكان من الصالحين المخلصين، فطلب من الرسول ﷺ ، أن يصلي عليه وسأله قميصه ليكفنه فيه، فأجابه الرسول ﷺ إلى ما طلب، فأعطاه قميصه ليكفنه فيه، ولما قام الرسول الكريم ليصلي عليه، تعلق به الفاروق عمر ﵁، وقال: يا رسول الله! كيف تصلي عليه وقد قال في يوم كذا: كذا، وفي يوم كذا: كذا؟ فقال سيد الخلق، وحبيب الحق: «خيرني ربي، وقال: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ»﴾. فذهب فصلى عليه، ثم لم يلبث حتى نزلت الآية الكريمة موافقة رأي: عمر ﵁، وهذه إحدى الموافقات له ﵁، وانظر الآية رقم [٩٤]، من سورة (المائدة)، والأرقام المحال عليها هناك.
تنبيه: السبب في صلاة الرسول الكريم على ابن أبيّ تطييب خاطر ابنه، فقد عرفت: أنه من كرام الصحابة المخلصين، والسبب في إعطائه القميص ليكفنه فيه لأن الضنة به مخلة بالكرم، أو لأنه أعطاه لابن أبي، مكافأة له لأنه كان قد أعطى العباس عم النبي ﷺ قميصه يوم بدر، يوم وقع أسيرا في يد المسلمين، وسلب ثوبه، فرآه النبي ﵊، فأشفق عليه، فطلب له قميصا، فما وجد له قميص يقادره إلا قميص ابن أبي لتقاربهما في طول القامة، فأراد سيد الخلق، وحبيب الحق مكافأته في الدنيا، ورفع المنة عنه.
стр. 2313
هذا؛ وقد قيل: إن ابن أبيّ طلب الرسول ﷺ ، وهو مريض ليأتيه، فأتاه فلما دخل عليه قال له: أهلكك حب اليهود، فقال: يا نبي الله! إني لم أبعث إليك لتؤنبني، ولكن بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله قميصه أن يكفن فيه، فأعطاه إياه، واستغفر له، فمات فكفنه في قميصه، ونفث في جلده، ودلاه في قبره، فأنزل الله الآية، وهذه رواية ضعيفة بلا شك؛ لأنها إن صحت تعتبر توبة من ابن أبي، والله يقبل التائبين.
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُصَلِّ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى أَحَدٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ﴾. ﴿ماتَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهي على التقدير قد قبلها، ﴿أَبَداً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تُصَلِّ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، وجملة:
﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء:
اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: في محل رفع خبرها، وجملة: ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها.
﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)﴾
تقدمت هذه الآية بحروفها برقم [٥٦] مع اختلاف بسيط، فلا حاجة إلى شرحها وإعرابها، وتكريرها للتأكيد والأمر حقيق به، فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مغتبطة بها، ولأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب، لا ينساه، ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم، يفتقر إلى فضل عناية، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه، ويجوز أن تكون هذه الآية في فريق غير الأول. انتهى بيضاوي وكشاف بتصرف.
﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ..﴾. إلخ: يحتمل أن يراد بالسورة بعضها؛ لأن إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة، فعلى هذا المراد بالسورة: سورة براءة؛
стр. 2314
لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان، والأمر بالجهاد، وانظر شرح ﴿سُورَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٥]، ﴿اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: استأذنك ذو الغنى واليسار في القعود عن الجهاد، وعدم الخروج إليه، وخص ذوي اليسار بالذكر؛ لأن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد، ولأن العاجز عن ذلك لا يحتاج إلى الاستئذان، وانظر شرح: ﴿أُولُوا﴾ في الآية رقم [٧٥] الأنفال، ﴿ذَرْنا﴾: اتركنا، وانظر الآية رقم [٧٠] (الأعراف)، ﴿الْقاعِدِينَ﴾: من النساء والصبيان، وقيل: مع الشيوخ والمرضى، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين، وقيل: رؤساؤهم وكبراؤهم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: الواو: حرف استئناف، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُنْزِلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء: للتأنيث. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعله. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب، أو هي مفسرة؛ لأن: (أنزل) متضمن معنى القول دون حروفه، ﴿آمِنُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان به، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بالإيمان، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُنْزِلَتْ،﴾ وعلى اعتبارها مفسرة، فالجملة الفعلية لا محل لها عند الجمهور، والشلوبين يقول:
بحسب ما تفسره، وجملة: ﴿أُنْزِلَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾: معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.
﴿اِسْتَأْذَنَكَ﴾: ماض، ومفعوله. ﴿أُولُوا﴾: فاعله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿أُولُوا﴾: مضاف، و ﴿الطَّوْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولُوا الطَّوْلِ،﴾ وجملة: ﴿اِسْتَأْذَنَكَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب: ﴿ذَرْنا﴾: أمر، ونا: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم بجواب الأمر، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿نَكُنْ،﴾ و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْقاعِدِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام ﴿ذَرْنا نَكُنْ﴾ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) عطف تفسيري لا محل لها مثله.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿رَضُوا﴾ أي: رضي المنافقين، وانظر إعلال ﴿رَضُوا﴾ في الآية رقم [٥٩]، ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ أي: مع النساء والصبيان، وأصحاب الأعذار من الرجال، وقد يقال
стр. 2315
للرجل: خالفة وخالف أيضا إذا كان غير نجيب، يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم، قال النحاس: وأصله من خلف اللّبن، يخلف: إذا حمض من طول مكثه. وخلف فم الصائم: إذا تغير فمه، ومنه: خلف سوء، وقد فسر قوله: ﴿مَعَ الْخالِفِينَ﴾ مع الفاسدين. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾:
ختم عليها؛ إذا الطبع: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى إليها، والطبع: السجية، والخلق الذي جبل عليه الإنسان. ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يعلمون ما في الجهاد، وموافقة الرسول ﷺ من السعادة السرمدية، وما في التخلف عن الجهاد ومخالفة الرسول الكريم من الشقاوة الأبدية، وانظر ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف).
تنبيه: على تفسير ﴿الْخَوالِفِ﴾ بالرجال ذوي الأعذار فيه شذوذ؛ لأن (فواعل) لا يكون جمعا ل «فاعل» إلا إذا كان فيه واحد من ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون اسما، نحو: كاهل وكواهل، وعاتق وعواتق.
وثانيها: أن يكون صفة لمؤنث عاقل، نحو: حائض، وحوائض، وطائف، وطوائف، أو صفة لمؤنث غير عاقل، نحو: ناقة حاسر، وحواسر.
وثالثها: أن يكون صفة لمذكر غير عاقل، نحو: فرس صاهل، وأفراس صواهل.
هذا؛ وقد شذ جمع عشرة ألفاظ من أوصاف العاقلين، فجاءت مجموعة هذا الجمع من غير أن تستحقه قياسا، وهي: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وغائب وغوائب، وشاهد وشواهد، وحاسر وحواسر، وحاجب وحواجب، وخاطئ وخواطئ، وحاج وحواج، ورافد وروافد، وناكس ونواكس، لكنه حسنه في كل ذلك انتفاء الشركة بينه وبين المؤنث؛ لأنهم يقولون: امرأة فارسة... إلخ، فبعد بهذا عن الصفة، فهو كالاسم؛ إذ الفرق بين المؤنث والمذكر بالتاء، إنما يكون في الصفات، وما في الآية الكريمة يمكن أن يكون من ذلك الحسن؛ لأنه يقال: للمذكر خالف، والمؤنث: خالفة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿رَضُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿بِأَنْ﴾: الباء: حرف جر، (أن):
حرف ناصب. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو:
اسمه، والألف للتفريق. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿يَكُونُوا،﴾ و ﴿مَعَ﴾:
مضاف، و ﴿الْخَوالِفِ﴾: مضاف إليه، و (أن) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿وَطُبِعَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَطُبِعَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع
следующие страницы →