← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

منافقين؛ فلذا قال سبحانه ﴿مِنْهُمْ﴾. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ..﴾. إلخ، أي: طلب المنافقون الخروج معك إلى غزاة ثانية بعد غزوة تبوك. ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ أي: إلى غزوة أخرى، أو إلى أي: سفر كان، وهو كقوله تعالى في سورة (الفتح): ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾. ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في غزوة تبوك. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ أي: مع المتخلفين عن الجهاد لعدم استعدادهم ولياقتهم للقتال من صبيان ونساء وشيوخ، وانظر الآية رقم [٨٨] وقرئ «(الخلفين)» وقيل: المعنى مع المخالفين أوامر الله ورسوله، وعلى الأول فيه تغليب الرجال على النساء مع أنهن الأكثر في المدينة حين خروج الرسول ﷺ إلى غزوة تبوك ورجوعه منها، وفي الآية دليل قاطع على وجوب مقاطعة أهل البدع، والضلال، والنفاق، وذوي الأعمال الفاسدة والمجرمين. هذا؛ و (رجع) يستعمل متعديا كما في الآية، ولازما كما في قولك: رجع زيد من عمله، ﴿طائِفَةٍ﴾: انظر الآية رقم [٦٧]، ﴿أَبَداً﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿عَدُوًّا﴾: انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿رَجَعَكَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف: في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿إِلى طائِفَةٍ﴾: متعلقان بالفعل: (رجع). ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٍ﴾. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلْخُرُوجِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿تَخْرُجُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعِيَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَداً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾: معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها، ﴿رَضِيتُمْ﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). ﴿أَوَّلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿أَوَّلَ﴾: مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لنفي الخروج لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَاقْعُدُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (اقعدوا): فعل أمر مبني على حذف

стр. 2312

النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْخالِفِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿فَاقْعُدُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير: وإذا كنتم رضيتم بالقعود فاقعدوا... إلخ، وهذا الشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله لا محل له على الوجهين. ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾: المراد بها صلاة الجنازة، وانظر الآية رقم [٦]، ﴿أَحَدٍ﴾: انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف)، ﴿أَبَداً﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾: ولا تقف على قبره للدفن، أو الزيارة، ﴿كَفَرُوا﴾: انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف)، ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٤]، ورقم [١] من سورة (الأنفال)، ومما ينبغي التنبيه له أن الفسق أدنى حالا من الكفر، وهو داخل فيه، ولما كان المنافقون أخبث من المشركين والكافرين، وصفهم الله بالفسق بعد وصفهم بالكفر، زيادة في التشنيع عليهم. تنبيه: هناك روايات مختلفة في سبب نزول الآية الكريمة أذكر منها ما يلي: لما توفي رأس المنافقين ابن أبي جاء ابنه عبد الله ﵁، وكان من الصالحين المخلصين، فطلب من الرسول ﷺ ، أن يصلي عليه وسأله قميصه ليكفنه فيه، فأجابه الرسول ﷺ إلى ما طلب، فأعطاه قميصه ليكفنه فيه، ولما قام الرسول الكريم ليصلي عليه، تعلق به الفاروق عمر ﵁، وقال: يا رسول الله! كيف تصلي عليه وقد قال في يوم كذا: كذا، وفي يوم كذا: كذا؟ فقال سيد الخلق، وحبيب الحق: «خيرني ربي، وقال: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ»﴾. فذهب فصلى عليه، ثم لم يلبث حتى نزلت الآية الكريمة موافقة رأي: عمر ﵁، وهذه إحدى الموافقات له ﵁، وانظر الآية رقم [٩٤]، من سورة (المائدة)، والأرقام المحال عليها هناك. تنبيه: السبب في صلاة الرسول الكريم على ابن أبيّ تطييب خاطر ابنه، فقد عرفت: أنه من كرام الصحابة المخلصين، والسبب في إعطائه القميص ليكفنه فيه لأن الضنة به مخلة بالكرم، أو لأنه أعطاه لابن أبي، مكافأة له لأنه كان قد أعطى العباس عم النبي ﷺ قميصه يوم بدر، يوم وقع أسيرا في يد المسلمين، وسلب ثوبه، فرآه النبي ﵊، فأشفق عليه، فطلب له قميصا، فما وجد له قميص يقادره إلا قميص ابن أبي لتقاربهما في طول القامة، فأراد سيد الخلق، وحبيب الحق مكافأته في الدنيا، ورفع المنة عنه.

стр. 2313

هذا؛ وقد قيل: إن ابن أبيّ طلب الرسول ﷺ ، وهو مريض ليأتيه، فأتاه فلما دخل عليه قال له: أهلكك حب اليهود، فقال: يا نبي الله! إني لم أبعث إليك لتؤنبني، ولكن بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله قميصه أن يكفن فيه، فأعطاه إياه، واستغفر له، فمات فكفنه في قميصه، ونفث في جلده، ودلاه في قبره، فأنزل الله الآية، وهذه رواية ضعيفة بلا شك؛ لأنها إن صحت تعتبر توبة من ابن أبي، والله يقبل التائبين. الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُصَلِّ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى أَحَدٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ﴾. ﴿ماتَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهي على التقدير قد قبلها، ﴿أَبَداً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تُصَلِّ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: في محل رفع خبرها، وجملة: ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها. ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)﴾ تقدمت هذه الآية بحروفها برقم [٥٦] مع اختلاف بسيط، فلا حاجة إلى شرحها وإعرابها، وتكريرها للتأكيد والأمر حقيق به، فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مغتبطة بها، ولأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب، لا ينساه، ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم، يفتقر إلى فضل عناية، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه، ويجوز أن تكون هذه الآية في فريق غير الأول. انتهى بيضاوي وكشاف بتصرف. ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ..﴾. إلخ: يحتمل أن يراد بالسورة بعضها؛ لأن إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة، فعلى هذا المراد بالسورة: سورة براءة؛

стр. 2314

لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان، والأمر بالجهاد، وانظر شرح ﴿سُورَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٥]، ﴿اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: استأذنك ذو الغنى واليسار في القعود عن الجهاد، وعدم الخروج إليه، وخص ذوي اليسار بالذكر؛ لأن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد، ولأن العاجز عن ذلك لا يحتاج إلى الاستئذان، وانظر شرح: ﴿أُولُوا﴾ في الآية رقم [٧٥] الأنفال، ﴿ذَرْنا﴾: اتركنا، وانظر الآية رقم [٧٠] (الأعراف)، ﴿الْقاعِدِينَ﴾: من النساء والصبيان، وقيل: مع الشيوخ والمرضى، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين، وقيل: رؤساؤهم وكبراؤهم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: الواو: حرف استئناف، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُنْزِلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء: للتأنيث. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعله. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب، أو هي مفسرة؛ لأن: (أنزل) متضمن معنى القول دون حروفه، ﴿آمِنُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان به، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بالإيمان، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُنْزِلَتْ،﴾ وعلى اعتبارها مفسرة، فالجملة الفعلية لا محل لها عند الجمهور، والشلوبين يقول: بحسب ما تفسره، وجملة: ﴿أُنْزِلَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾: معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. ﴿اِسْتَأْذَنَكَ﴾: ماض، ومفعوله. ﴿أُولُوا﴾: فاعله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿أُولُوا﴾: مضاف، و ﴿الطَّوْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولُوا الطَّوْلِ،﴾ وجملة: ﴿اِسْتَأْذَنَكَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب: ﴿ذَرْنا﴾: أمر، ونا: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم بجواب الأمر، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿نَكُنْ،﴾ و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْقاعِدِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام ﴿ذَرْنا نَكُنْ﴾ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) عطف تفسيري لا محل لها مثله. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿رَضُوا﴾ أي: رضي المنافقين، وانظر إعلال ﴿رَضُوا﴾ في الآية رقم [٥٩]، ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ أي: مع النساء والصبيان، وأصحاب الأعذار من الرجال، وقد يقال

стр. 2315

للرجل: خالفة وخالف أيضا إذا كان غير نجيب، يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم، قال النحاس: وأصله من خلف اللّبن، يخلف: إذا حمض من طول مكثه. وخلف فم الصائم: إذا تغير فمه، ومنه: خلف سوء، وقد فسر قوله: ﴿مَعَ الْخالِفِينَ﴾ مع الفاسدين. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: ختم عليها؛ إذا الطبع: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى إليها، والطبع: السجية، والخلق الذي جبل عليه الإنسان. ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يعلمون ما في الجهاد، وموافقة الرسول ﷺ من السعادة السرمدية، وما في التخلف عن الجهاد ومخالفة الرسول الكريم من الشقاوة الأبدية، وانظر ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف). تنبيه: على تفسير ﴿الْخَوالِفِ﴾ بالرجال ذوي الأعذار فيه شذوذ؛ لأن (فواعل) لا يكون جمعا ل «فاعل» إلا إذا كان فيه واحد من ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون اسما، نحو: كاهل وكواهل، وعاتق وعواتق. وثانيها: أن يكون صفة لمؤنث عاقل، نحو: حائض، وحوائض، وطائف، وطوائف، أو صفة لمؤنث غير عاقل، نحو: ناقة حاسر، وحواسر. وثالثها: أن يكون صفة لمذكر غير عاقل، نحو: فرس صاهل، وأفراس صواهل. هذا؛ وقد شذ جمع عشرة ألفاظ من أوصاف العاقلين، فجاءت مجموعة هذا الجمع من غير أن تستحقه قياسا، وهي: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وغائب وغوائب، وشاهد وشواهد، وحاسر وحواسر، وحاجب وحواجب، وخاطئ وخواطئ، وحاج وحواج، ورافد وروافد، وناكس ونواكس، لكنه حسنه في كل ذلك انتفاء الشركة بينه وبين المؤنث؛ لأنهم يقولون: امرأة فارسة... إلخ، فبعد بهذا عن الصفة، فهو كالاسم؛ إذ الفرق بين المؤنث والمذكر بالتاء، إنما يكون في الصفات، وما في الآية الكريمة يمكن أن يكون من ذلك الحسن؛ لأنه يقال: للمذكر خالف، والمؤنث: خالفة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿رَضُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿بِأَنْ﴾: الباء: حرف جر، (أن): حرف ناصب. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: اسمه، والألف للتفريق. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿يَكُونُوا،﴾ و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْخَوالِفِ﴾: مضاف إليه، و (أن) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿وَطُبِعَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَطُبِعَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع

стр. 2316

مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَفْقَهُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ..﴾. إلخ أي: أن تخلف المنافقون عن الجهاد وجبنوا؛ فقد جاهد من هو خير منهم، محمد ﷺ والمؤمنون معه. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ أي: الرسول والمؤمنون الذين جاهدوا معه لهم خيرات الدنيا، والآخرة ومنافعهما: النصر، والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: المراد بالخيرات: الحور العين لقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جمع: خيرة تخفيف خيّرة. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بالجنة الناجون من النار، من أفلح الرجل فاز ببغيته ومراده، هذا؛ والفلاح: اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصله: المؤفلحون، انظر الآية رقم [٥١] لإعلاله، وانظر تقديم المال على النفس في الآية رقم [٤٢] والآيات المحال عليها. الإعراب: ﴿لكِنِ﴾: حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿الرَّسُولُ﴾: مبتدأ. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق، ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿آمَنُوا،﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا مَعَهُ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿الْخَيْراتُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي مؤكدة لمضمونها، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١]. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿أَعَدَّ اللهُ﴾: هيأ لهم، وانظر شرح باقي الكلمات في الآية رقم [٧٣]، ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: إشارة إلى ما يناله المؤمنون المجاهدون في الآخرة من الأجر العظيم والثواب الكريم. الإعراب: ﴿أَعَدَّ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٧٣] والجملة الفعلية: ﴿أَعَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام:

стр. 2317

للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره، ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾ الشرح: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾: المراد بهؤلاء: بنو أسد، أو بنو غطفان استأذنوا الرسول ﷺ في التخلف عن الخروج معه لغزوة تبوك، معتذرين بالجهد وكثرة العيال، وقيل: هم قوم عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك؛ أغارت طيئ على أهالينا ومواشينا، والمعذرة إما من عذر في الأمر: إذا قصر فيه، موهما: أن له عذرا، ولا عذر له، أو من اعتذر: إذا مهد العذر، بإدغام التاء في الذال، ونقل حركتها إلى العين، وقرئ: المعذرون بوجوه كثيرة، هذا؛ والاعتذار في كلام العرب على قسمين، يقال: اعتذر إذا كذب في عذره، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ،﴾ فرد الله عليهم بقوله ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ فدل ذلك على فساد عذرهم، وكذبهم فيه، ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح، ومنه قول لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل] إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا، فقد اعتذر ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: تخلف جماعة عن الجهاد، ولم يعتذروا، وهم يدعون الإيمان بالله ورسوله، وهم كاذبون في هذا الادعاء، والفعل يقرأ بالتخفيف والتشديد. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ﴾ ... ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا بالقتل والذل والخزي والعار، وفي الآخرة في النار، وبئس القرار. ﴿الْأَعْرابِ﴾: جمع أعرابي، وهو من يسكن البادية وهو ما في القاموس، وقيل: الأعراب اسم جنس، وأعرابي نسبة إلى الأعراب. انتهى. مختار الصحاح، هذا؛ والعرب أهل الأمصار، وهو أيضا اسم جنس، والنسبة إليهم عربي، فالأعرابي على الأول مفرد الأعراب، ونسبة إليهم، والعربي على الثاني مفرد العرب، ونسبة إلى العرب. ﴿كَذَبُوا﴾: من التكذيب مشددا مخففا، هذا؛ ويأتي مخففا بمعنى: وجب، وخدع، وأغرى، ويعد من الجوامد التي لا تتصرف، انظر الشاهد (٢٨) من كتابنا فتح رب البرية تجد ما يسرك. ﴿سَيُصِيبُ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٥١]. الإعراب: ﴿وَجاءَ﴾: (جاء): ماض. ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾. ﴿لِيُؤْذَنَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب (أن) مضمرة بعد لام التعليل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف نائب فاعل، و (أن) المضمرة والفعل

стр. 2318

المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَجاءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ﴾: معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ﴾ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل يصيب، و ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به تقدم على الفاعل. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة: ﴿عَذابٌ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ الشرح: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ ... ﴿حَرَجٌ﴾: فقد نفى الله الإثم والمؤاخذة عن هؤلاء إذا تخلفوا عن الخروج للجهاد بسبب أعذارهم، وهذا بعد أن ذكر الله المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد، واعتذروا بأعذار كاذبة، والمراد بالضعفاء: النساء، والصبيان، والشيوخ، ومن في جسمه نحف وهزال، وإن كان شابا. ﴿الْمَرْضى﴾: جمع مريض، ويدخل فيهم أهل العمى، والعرج، وكل موصوف بمرض يمنعه من الجهاد، والسفر للغزو. ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾: المراد بهم: الفقراء العاجزون عن أهبة الغزو والسفر للجهاد. ﴿حَرَجٌ﴾: إثم ومؤاخذة. ﴿نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾: النصيحة لله: إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابه، والبعد من مساخطه، والنصيحة لرسوله، والتصديق بنبوته، والتزام طاعته، في أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، والتخلق بأخلاقه، وغير ذلك، هذا؛ ومن النصح لله ورسوله: أنهم إذا أقاموا في بلدهم؛ احترزوا عن إفشاء الأراجيف، وإثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى الغزو، وقاموا بمصالح بيوتهم. وانظر الآية رقم [٧٩] من سورة (الأعراف). ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾: ليس على من أحسن العمل، وأخلص النية وتخلف عن الجهاد بعذر إثم ومؤاخذة، بل يؤجر على حسن العمل، وإخلاص النية، ولو كان في بيته. فقد روى أبو داود عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلاّ وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حسبهم العذر»؛ أي: وهم يتمنون أن يكونوا معكم. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: صيغتا مبالغة من غفر، ورحم. تأمل. الإعراب: ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص. ﴿عَلَى الضُّعَفاءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿وَلا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَى الْمَرْضى﴾: جار ومجرور معطوفان على ما

стр. 2319

قبلهما، ومثلها ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ،﴾ (لا): نافية، ﴿يَجِدُونَ﴾: مضارع وفاعله. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، وعائدها وعائد ﴿الَّذِينَ﴾ محذوف، التقدير: ولا على الذين لا يجدون الذي أو شيئا ينفقونه. ﴿حَرَجٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿إِذا﴾: ظرف زمان متعلق بمضمون الكلام السابق قبله، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية حجازية، أو هي مهملة. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿ما،﴾ تقدم اسمها على إعمالها، أو متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ على إهمالها. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ﴾: اسم ﴿ما﴾ مؤخر، أو هو مبتدأ مؤخر (على إهمالها) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وأيضا جملة: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا..﴾. إلخ أي: ليس عليهم حرج؛ أي: إثم ومؤاخذة. ﴿أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. وهم البكاءون، وكانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف أتوا رسول الله ﷺ . وقالوا: يا رسول الله إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة، والنعال المخصوفة نغز معك، ﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً﴾: فحمل العباس منهم اثنين، وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه، وهو ألف، وحمل يامين بن عمرو النصري اثنين، وقيل: البكاءون ثلاثة من بني مقرن: معقل، وسويد، والنعمان، وقيل: هم الأشعريون أبو موسى وأصحابه، فلما تولوا يبكون دعاهم الرسول ﷺ ، وأعطاهم ذودا من الإبل، وكان قد وافق مجيئهم غضبا من الرسول العظيم، فقال: «والله لا أحملكم، ولا أجد ما أحملكم عليه». فلما أعطاهم، قال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: «إنّي إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلاّ أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني». أقول: وهذا هو المشهور، وحديث الأشعريين مذكور في البخاري. بعد هذا انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] (الأعراف) وإعلاله في الآية رقم [١٣٨] منها، ﴿قُلْتَ﴾: انظر إعلاله في الآية [١١] منها، ﴿أَجِدُ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [١٧] منها، ﴿تَوَلَّوْا﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٧٩] منها، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [١١٦] منها،

стр. 2320

﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: انظر الآية رقم [٨٦] المائدة، تجد ما يسرك وهو من الثلاثي هنا وفي المائدة، وانظره من الرباعي في الآية رقم [٥٠] من سورة (الأعراف)، ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾: انظر الآية رقم [٣] (الأنفال). الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف، (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: معطوفان على قوله ﴿عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ أو على ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ في الآية السابقة، و «حرج» أو «سبيل» محذوف، ويجب تقديره بعد إذا ومدخولها ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿ما﴾: زائدة، ﴿أَتَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء: مفعول به، و (أن) المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لا﴾: نافية، ﴿أَجِدُ﴾: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور ب ﴿عَلَى﴾ وجملة: ﴿لا أَجِدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الكاف في ﴿أَتَوْكَ﴾ وبعضهم يعتبرها جواب ﴿إِذا،﴾ وعلى الحالية يجب تقدير قد قبلها، هذا؛ وقد قيل: هي معطوفة على جملة: ﴿أَتَوْكَ..﴾. إلخ بعاطف محذوف، التقدير: و ﴿قُلْتَ،﴾ وهذا ضعيف. ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ على اعتبار جملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ حالا أو معطوفة، ومستأنفة على اعتبار جملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا،﴾ و ﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول كلام لا محل له. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿تَفِيضُ﴾: مضارع والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى (أعينهم)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿حَزَناً﴾: مفعول لأجله، وقيل: هو مفعول مطلق في موضع الحال، ولا وجه له. ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿يَجِدُوا﴾: منصوب ب (أن) ... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: أن لا يجدوا الذي، أو شيئا ينفقونه، و (أن) المصدرية والفعل ﴿يَجِدُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من عدم وجدان الذي... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَفِيضُ،﴾ ويجوز تعليقهما ب ﴿حَزَناً؛﴾ لأنه مصدر، فيكون علة للعلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 2321

﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ: إنما الإثم والمؤاخذة، واستحقاق العقوبة للذين يستأذنونك يا محمد في التخلف عن الخروج للجهاد، وهم أصحاء أقوياء أغنياء، والمراد بهم المنافقون. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ..﴾. إلخ: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٨٨] وانظر ﴿السَّبِيلُ﴾ في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿السَّبِيلُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ..﴾. إلخ: ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٨٧]. وقد تكرر لزيادة التوبيخ والتشنيع على المنافقين المتخاذلين، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ: تحتمل الاستئناف، والحال، فتكون (قد) قبلها مقدرة، وما بعدها معطوف عليها على الاعتبارين. ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: انظر الاعتذار في الآية رقم [٩٤] والخطاب للرسول ﷺ وأصحابه، فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضا، لا إليه فقط، وتخصيص الخطاب في قوله ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ حيث لم يقل: قولوا؛ لأن الجواب وظيفته ﷺ فقط، وأما الاعتذار، فكان له، وللمؤمنين. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، والمعتذرون كانوا بضعة وثمانين من المنافقين، فلما رجع ﷺ من غزوة تبوك، جاءوا يعتذرون إليه بالباطل. ﴿إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من غزوة تبوك إلى المدينة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم، أو لن نثق بكم. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾: أعلمنا الله بالوحي إلى نبيه ﷺ بعض أخباركم. وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد، وانظر الآية رقم [١٠١]. من سورة (الأعراف). ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾: أتتوبون عن الكفر، أم تثبتون عليه؟ وكأنه استتابة وإمهال للتوبة. انتهى. بيضاوي، وانظر إعلال (ترى) في الآية رقم [١٤٣] (الأعراف). ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: الغيبة

стр. 2322

والحضور، ومقتضى القياس: ثم تردون إليه، فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم، لا يعزب عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما..﴾. إلخ: فيخبركم بكل شيء عملتموه في دنياكم، ويجازيكم به. الإعراب: ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِذا﴾: ظرف زمان متعلق به أيضا مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَجَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿يَعْتَذِرُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية. وعلامة جزمه حذف النون.. الخ، والواو: فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾: تعليل للنهي لا محل لها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَبَّأَنَا﴾: ماض، و (نا): مفعول به أول، والثاني محذوف، التقدير: قد نبأنا الله أخبارا من أخباركم. وقيل: هذا الفعل تعدى لثلاثة مفاعيل، الأول والثاني ما ذكر، والثالث محذوف، التقدير: أخبارا من أخباركم مثبتة. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما وقد دلا على المفعول الثاني المحذوف. وجملة: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا..﴾. إلخ: تعليل آخر للنهي، وقيل: تعليل للتعليل. ﴿وَسَيَرَى﴾: الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال، ومعناه التأكيد والوقوع والاستمرار، (يرى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. وهو بمعنى (يعلم)، وقد نصب مفعولين، الأول: ﴿عَمَلَكُمْ﴾. الثاني: محذوف، تقديره: واقعا، أو حاصلا. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف عليه. وجملة: ﴿وَسَيَرَى..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿تُرَدُّونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله. ﴿إِلى عالِمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿عالِمِ﴾: مضاف. ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالشَّهادَةِ﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿تُرَدُّونَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). والكاف: مفعوله الأول ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، ﴿بِما﴾: (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، وتقدير الكلام؛ فينبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعلمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بعملكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ و ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها، والميم: علامة جمع الذكور، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر كان.

стр. 2323

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ الشرح: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: سيحلف المنافقون بالله لكم إذا رجعتم من سفركم هذا: أنهم لم يقدروا على الخروج معكم إلى غزوة تبوك بسبب الفقر، أو المرض ونحو ذلك لتصفحوا عنهم، ولا تعاتبوهم بسبب تخلفهم عنكم. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: فاتركوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، ولا تكلموهم، ولا تجالسوهم؛ لأنهم رجس، بواطنهم خبيثة وأعمالهم قبيحة. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مآلهم ومقرهم، ومنزلهم ومكانهم. قال الجوهري: المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلا، أو نهارا، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا وإواء، ومنه قوله تعالى: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾ وآويته أنا إيواء، وأويته إذا أنزلته بك بمعنى. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: الإعراض عنهم وإهانتهم في الدنيا، ومعاقبتهم في نار جهنم في الآخرة إن ذلك بسبب ما كانوا يعملونه من النفاق، والمكر والخداع، وسوء الأعمال، وانظر (جزاء) في الآية رقم [٣٦]. الإعراب: ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾: السين: حرف استقبال. وهي تفيد تحقق الوقوع؛ لأنه من قول العليم الخبير. (يحلفون): فعل وفاعل. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان به أيضا. ﴿إِذَا﴾: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله أيضا، وجملة: ﴿اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾: في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿لِتُعْرِضُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: إنهم ما قدروا على الخروج، وهذا الكلام المقدر جواب القسم (يحلفون)، وقدر معطوفا على هذا الجواب: وفعلوا أو وقالوا ذلك للإعراض عنهم. وهذا لينسجم المعنى مع التعليق، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] منقولا عن ابن هشام. ﴿فَأَعْرِضُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٨]، (أعرضوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾: لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل. والهاء: اسمها. ﴿رِجْسٌ﴾: خبرها، والجملة الاسمية تعليل للإعراض عنهم. ﴿وَمَأْواهُمْ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٨٢] وجملة: ﴿سَيَحْلِفُونَ..﴾. إلخ بدل من جملة: ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾ في الآية السابقة، أو هي مفسرة لها.

стр. 2324

﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)﴾ الشرح: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾: يحلف لكم المنافقون إذا رجعتم من سفركم هذا: إنهم ما قدروا على الخروج معكم إلى غزوة تبوك بسبب الفقر ونحوه؛ لإرضائكم. فتدوموا على مودتهم، وحسن معاملتهم. ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أي: بسبب أيمانهم، وتصدقوهم.. ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى..﴾. إلخ، والمعنى: إن رضاكم لا يستلزم رضا الله. ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا بسخط الله وبصدد عقابه، أو المعنى إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم؛ لا يمكنهم أن يلبسوا على الله. فلا يهتك سترهم، ولا ينزل الهوان بهم، والمقصود من الآية: النهي عن الرضى عنهم، والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض عنهم، وعدم الالتفات إليهم. انتهى. بيضاوي بتصرف. الإعراب: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ..﴾.: انظر الإعراب، وتقدير الجواب في الآية السابقة. والجملة الفعلية: ﴿يَحْلِفُونَ..﴾. إلخ بدل مما قبلها في الآية السابقة. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لِتَرْضَوْا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْضى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْفاسِقِينَ﴾: صفة القوم مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ. في محل جزم جواب الشرط، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يتبين لك أن الجواب محذوف، التقدير: فإن ترضوا عنهم، فإن رضاكم لا ينفعهم شيئا، وعليه فالجملة الاسمية مفيدة للتعليل، وإن ومدخولها كلام مستأنف مفرع عما قبله لا محل له. ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾ الشرح: ﴿الْأَعْرابُ﴾: انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً﴾: من أهل الحضر، لتوحشهم، وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم، وقلة استماعهم لآيات القرآن، وأحاديث سيد الأنام ﷺ . ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ..﴾. إلخ: أي: هم أحق بعدم معرفة ما أنزل الله على

стр. 2325

نبيه ﷺ من شرائع وأحكام، وتبيين الحلال والحرام، والسبب في ذلك هو بعدهم عن مجالس أهل العلم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بحال كل واحد من أهل الحضر والبادية. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأمور مواضعها، فيعاقب المسيء من أهل الحضر والمدر، ويثيب المحسن منهما، وانظر النفاق في الآية رقم [٦٤]. تنبيه: وجود الكفر والنفاق عند سكان البادية بسبب بعدهم عن الوعظ والإرشاد، ومجالس أهل العلم، لا ينفي أن يوجد في الحضر من هو أفسق وأفسد منهم، والسبب هو بعدهم عن العلم وأهله، فقد رأينا من بلغ من العمر الستين والسبعين، وهو لا يحسن الوضوء، ولا يعرف شيئا من مبطلات الصلاة وغير ذلك، ومتجره على باب مسجد من المساجد، وذلك بسبب انصرافه إلى الدنيا وجمع حطامها الفاني حتى جعلته حمارا يسعى في مصالحها، ويجهل معرفة ما هو من ضروريات دينه، كما رأينا كثيرا من الأعراب قد سكنوا المدن وتوالدوا فيها، فزادوا كفرا ونفاقا على من لا يزال مقيما في البادية، وأضيف: أن الوعظ والإرشاد في هذه الأيام موجود، بل ومنتشر في كل مكان في البادية وغيرها، وذلك بواسطة الإذاعات الإسلامية التي يوجد فيها، ومن تتبع ذلك من إذاعة إلى إذاعة لا يكون بعيدا عن الوعظ والإرشاد، بل هو موجود في بيته أينما حل، وأينما ارتحل، ويمكنني أن أقول، إن الأثير في هذه الأيام إنما هو في خدمة الإسلام، ونشر تعاليمه، ولم تستفد ديانة من الديانات من الأثير ما استفاده الإسلام، فكيف إذا وجهت الإذاعات توجيها قويما، ونشرت سيرة الرسول ﷺ ، وسيرة صحابته، والتابعين لهم بإحسان؟ الإعراب: ﴿الْأَعْرابُ﴾: مبتدأ. ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿كُفْراً﴾: تمييز. ﴿وَنِفاقاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَأَجْدَرُ﴾: معطوف على أشد ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿يَعْلَمُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن»، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ. والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حُدُودَ﴾: مفعول به، واكتفى بمفعول واحد؛ لأن الفعل هنا من المعرفة، و ﴿حُدُودَ﴾: مضاف، و ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، تقدير الكلام: حدود الذي أو الشيء أنزله الله على رسوله. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: مستأنفة لا محل لها. وانظر الشرح لتأويل المصدر وتعليقه. ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾: يعد ويحسبه. ﴿ما يُنْفِقُ مَغْرَماً﴾: ما يصرفه في سبيل الله، ويتصدق به غرامة وخسرانا؛ لأنه لا يحتسبه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابا، وإنما ينفقه رياء وتقية من غضب المسلمين. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾: ينتظر ويترقب، والتربص والانتظار

стр. 2326

والترقب بمعنى و ﴿الدَّوائِرَ﴾ جمع دائرة، والمراد: تقلب الزمان وصروفه التي تأتي مرة بالخير، ومرة بالشر، والمراد هنا الثاني، فهم يتمنون موت الرسول ﷺ ، أو غلبة المشركين على المسلمين. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: بل ينقلب عليهم الزمان. ويدور الشر والسوء، والبلاء والحزن بهم، ولا يرون في محمد ﷺ وأصحابه ودينه إلا ما يسوؤهم. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوالهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بما يخفون في ضمائرهم من النفاق والغش، وإرادة السوء للمؤمنين، و ﴿سَمِيعٌ﴾ و ﴿عَلِيمٌ﴾ صيغتا مبالغة، هذا؛ وقد نزلت الآية في أعراب أسد، وغطفان، وتميم. بعد هذا انظر شرح: ﴿الْأَعْرابِ﴾ في الآية رقم [٩٠] و ﴿السَّوْءِ﴾ يقرأ بضم السين وفتحها، فالأول: بمعنى المكروه والشر، والهزيمة والبلاء والضرر، والثاني: بمعنى الفساد والرداءة، وانظر الآية رقم [٧٣] (الأعراف). وانظر ﴿يُنْفِقُ﴾ في الآية [٣] الأنفال. الإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠]، ﴿يَتَّخِذُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف التقدير: الذي، أو شيئا ينفقه. ﴿مَغْرَماً﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿يَتَّخِذُ..﴾. إلخ: صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾: معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دائِرَةُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّوْءِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة أيضا لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ﴾: انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾: يصدق ويعتقد بوجود الله تعالى، وينزهه عما لا يليق به من صفات النقصان. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يعتقد بوجود اليوم الذي يحاسب الله فيه العباد. انظر الآية رقم [١٩]. ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: يعد ويحسب ما ينفقه في سبيل الله، ويتصدق به قربات يتقرب بها إلى رضوان الله وعفوه وإحسانه، وهذا عكس ما في الآية السابقة. ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ أي: دعواته للمتصدقين؛ لأنه ﵊ كان يدعو لهم ويستغفر لهم، وانظر الآية رقم [٦]، ﴿أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ﴾

стр. 2327

لَهُمْ: فهذه شهادة من العزيز الحكيم بصحة معتقدهم، وتصديق لرجائهم. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: فهذا وعد من الله تعالى. ولن يخلف وعده بأن يدخلهم جنته يوم القيامة، وعبر برحمته عن الجنة؛ لأنها هي الرحمة الحقيقية. وأية رحمة بعدها إذا لم يدخلها الإنسان؟! ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾: لأوليائه. ﴿رَحِيمٌ﴾: بأهل طاعته، فهما صيغتا مبالغة، هذا؛ ويقرأ: ﴿قُرْبَةٌ﴾ بضم القاف مع ضم الراء وسكونها، وتجمع على قربات بضم القاف، وتثليث الراء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٢] الأنعام. تجد ما يسرك ويثلج صدرك. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في نفر من بني مقرن من قبيلة مزينة قاله مجاهد، وقال الكلبي: هم أسلم، وغفار، وجهينة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر لها، أما إني لم أقلها ولكنّ الله قالها». متفق عليه، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «قريش والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم وأشجع، وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله». متفق عليه. الإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾: إعراب هذا الكلام مثل ما قبله في الآية السابقة. ﴿قُرُباتٍ﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿قُرُباتٍ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿بِاللهِ﴾: مضاف إليه. هذا؛ وقيل بتعليق الظرف بالفعل (يتخذ) كما قيل بتعليقه ب: ﴿قُرُباتٍ﴾ نفسه، ﴿وَصَلَواتِ﴾: معطوف على ﴿ما يُنْفِقُ﴾ فهو منصوب. وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، التقدير: ويتخذ صلوات الرسول قربات. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح. يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّها﴾: حرف مشبه بالفعل. و (ها): اسمها. ﴿قُرْبَةٌ﴾: خبرها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿قُرْبَةٌ﴾. أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّها..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ﴾ السين: حرف استقبال مفيد للتأكيد وتحقيق الوقوع. ﴿(سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ)﴾: فعل ومفعول به، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: الذين سبقوا إلى الإسلام، وتسابقوا في الخيرات وفي وجوه البر والإحسان. ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ﴾ أي: الذين هاجروا من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة،

стр. 2328

فرارا بدينهم، وتركوا ديارهم وأموالهم. ﴿وَالْأَنْصارِ﴾ أي: الذين نصروا الرسول ﷺ ، وبذلوا أرواحهم وأموالهم في طريقه، وفي سبيل إعزاز دينه ونشر شريعته، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾ أي: بالعمل الصالح، وبذل المال والروح في سبيل الله، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات؛ إذ لم يكونوا معصومين، ﴿﵃﴾: هذا؛ والأنصار اسم إسلامي، لم يعرف من قبل، قيل لأنس بن مالك ﵁، أرأيت قول الناس لكم: الأنصار، اسم سماكم الله به، أم كنتم تدعون به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن. ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: انظر الآية رقم [١١٩] المائدة. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ﴾ ... ﴿الْعَظِيمُ﴾: انظر الآية رقم [٧٢] و [١١١]. تنبيه: لقد اختلف في السابقين الأولين، فقيل: هم من صلى إلى القبلتين، وقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وقيل: هم أهل بدر، وقيل: هم أهل غزوة أحد، واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة، فهو من الأولين من غير خلاف بينهم. أما الأفضلية فأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، وهم: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله التيمي، وسعيد بن عمرو بن زيد بن نفيل، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، رضوان الله عليهم أجمعين. وقد اختلف في أولهم إسلاما، والمتفق عليهم، والمرضي عند الجميع أن أول من أسلم من الرجال: أبو بكر الصديق، ومن النساء: خديجة الكبرى، ومن الصبيان: علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد: بلال الحبشي رضوان الله عليهم أجمعين، هذا؛ والصحابي هو من اجتمع بالنبي ﷺ مسلما، ومن آمن به، ولم يجتمع به في حياته، فهو تابعي كالنجاشي ملك الحبشة ﵁، وأما التابعي فهو من اجتمع بالصحابة، ولو واحدا منهم، وأما من اجتمع بالنبي ﷺ في حياته، وهو غير مؤمن، ثم آمن بعد وفاته، فهو تابعي، لا صحابي ككعب الأحبار، وأمثاله. الإعراب: ﴿وَالسّابِقُونَ﴾: قال أبو البقاء: يجوز أن يكون معطوفا على قوله ﴿مَنْ يُؤْمِنُ﴾ تقديره: ومنهم السابقون، ويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الخبر ثلاثة أوجه: أحدهما ﴿الْأَوَّلُونَ،﴾ والمعنى والسابقون إلى الهجرة وغيرها الأولون من أهل الملة، أو السابقون إلى الجنة الأولون إلى الهجرة، والثاني: الخبر ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ والمعنى فيه الإعلام بأن السابقين من هذه الأمة هم من المهاجرين والأنصار، والثالث: أن الخبر ﴿﵃﴾ والأنصار: بالجر عطفا على ﴿الْمُهاجِرِينَ﴾ ويقرأ بالرفع عطفا على السابقون. أو هو مبتدأ، والخبر جملة: ﴿﵃﴾: وذلك على الوجهين الأولين في خبر السابقون. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على

стр. 2329

الفتح في محل رفع معطوف على الأنصار. ﴿اِتَّبَعُوهُمْ﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِإِحْسانٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿رَضِيَ اللهُ﴾: فعل وفاعله. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (السابقون)، أو في محل رفع خبر (الأنصار). على نحو ما رأيت فيما سبق. وجملة: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، وجملة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾: معطوفة على ما قبله، وانظر الإعراب في الآية رقم [٦٣]. فهو مثله بلا فارق. ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿حَوْلَكُمْ﴾: ظرف مكان، وهو لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا. يقال: قد قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله وحياله، أي: بإزائه وإزاءه. ﴿الْأَعْرابِ﴾: انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿مُنافِقُونَ﴾: انظر الآية رقم [٦٤]. ﴿أَهْلِ﴾: انظر الآية رقم [٨٣] (الأعراف). ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾: تمرنوا على النفاق، وأصروا عليه، ولم يتوبوا منه، وأبوا غيره. ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾: لا تعرفهم، هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق. ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي: نعرفهم. وانظر العلم والمعرفة في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال). وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف). ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: الأولى: الفضيحة وكشف الأسرار في الدنيا، والثانية بعذاب القبر، وقيل: الأولى أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، والثانية عذاب القبر، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾: هو الخلود في جهنم وبئس المصير. ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف). ﴿عَذابٍ﴾: انظر الآية رقم [٣٩] هذا؛ ومعنى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ أي: يوجد منافقون من أهل المدينة، أي: من الأوس والخزرج. الإعراب: ﴿وَمِمَّنْ﴾: (ممن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حَوْلَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف. ﴿مُنافِقُونَ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ أَهْلِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم،

стр. 2330

و ﴿أَهْلِ﴾: مضاف، و ﴿الْمَدِينَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿مَرَدُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة لمبتدإ مؤخر محذوف، التقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا... إلخ. وقيل: الجملة الفعلية صفة ﴿مُنافِقُونَ،﴾ والمبتدأ المؤخر محذوف. التقدير: ومن أهل المدينة مثل ذلك، والأول أقوى، وأتم معنى. ﴿عَلَى النِّفاقِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ..﴾. إلخ. معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْلَمُهُمْ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية للمبتدإ المحذوف. أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. التقدير: غير معلومين لك. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محل لها. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾: السين: حرف استقبال مفيد للتوكيد وتحقق الوقوع. (نعذبهم): مضارع، وفاعله نحن، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُرَدُّونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو: نائب فاعله. ﴿إِلى عَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة عذاب. ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: هؤلاء جماعة من أهل المدينة، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك، واختلفوا في عددهم، فقيل: كانوا عشرة، منهم أبو لبابة، وقيل: كانوا خمسة منهم أبو لبابة، وقالوا: أنكون من الضلال، ومع النساء، ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء؟! فلما قرب الرسول من المدينة وهو راجع من سفره، قالوا: والله لنوثقن أنفسنا بالسواري. فلا نطلقها، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فربطوا أنفسهم في سواري المسجد، فمر بهم ﵊ في المسجد، فرآهم، فقال: «من هؤلاء» فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم، حتى تكون أنت الذي تطلقهم، وترضى عنهم، فقال: «وأنا أقسم بالله، لا أطلقهم، ولا أعذرهم، حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين». فأنزل الله هذه الآية، فأرسل إليهم ﷺ ، فأطلقهم، وعذرهم، فلما أطلقوا، قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، خذها، فتصدق بها عنا، وطهرنا، واستغفر لنا،

стр. 2331

فقال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا»، فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ..﴾. إلخ الآية التالية، وانظر قصة أبي لبابة في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأنفال). ﴿اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: أقروا بذنبهم، وفيه لطيفة، وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم، من المنافقين، وهل يكون مجرد الاعتراف بالذنب توبة؟ كلا، لا يكون؛ لأن التوبة النصوح المقبولة، يجب أن تتوافر فيها ثلاثة أمور، إن كانت من حق الله تعالى: الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان، وإن كانت من حق العباد يجب رد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإذا لم يرد المظالم لأهلها، لا تقبل توبته، وإن تاب ألف توبة. ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾: العمل الصالح: هو الاعتراف بالذنب وتوبتهم منه، وقيل: هو الخروج مع رسول الله ﷺ في سائر الغزوات، والعمل السيئ: هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك، وقيل: إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة، والسيئ بضده، وعليه تكون الآية في حق جميع المسلمين، والحمل على العموم أولى؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، فقد روى الطبراني عن أبي عثمان، قال: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. ولا تنس أن قوله: ﴿خَلَطُوا..﴾. إلخ إنما هو استعارة تبعية بالفعل لأن الخلط يكون في المحسوسات: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: فعسى هنا للتأكيد لتحقيق الوقوع إن شاء الله تعالى، وهو ما يفيده قوله جل شأنه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. الإعراب: ﴿وَآخَرُونَ﴾: معطوف على منافقون، أو على (قوم) المحذوف، وتقدير الكلام: وممن حولكم آخرون، أو ومن أهل المدينة آخرون، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما يأتي، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿اِعْتَرَفُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِعْتَرَفُوا..﴾. إلخ في محل رفع صفة (آخرون)، وجملة: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً﴾ في محل رفع خبر (آخرون)، على اعتباره مبتدأ، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة على اعتباره معطوفا على ما قبله، والرابط: الضمير فقط، و (قد) قبلها مقدرة. ﴿وَآخَرَ﴾: معطوف على ﴿عَمَلاً﴾. ﴿سَيِّئاً﴾: صفته. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ﴾: اسمه، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسَى،﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، وجملة: ﴿عَسَى اللهُ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ (آخرون): واعتبار جملة: ﴿خَلَطُوا..﴾. إلخ حالا، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للرجاء. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 2332

﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ الشرح: ﴿خُذْ﴾: أمر للنبي ﷺ بأن يأخذ من أموال المذكورين في الآية السابقة صدقة، فأخذ ثلث أموالهم، وهذه الصدقة صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم؛ لأن الصدقة الواجبة، أي: الزكاة، لا يؤخذ فيها ثلث المال، ويؤخذ منه أن كل من أتى ذنبا يسن له بصدقة كفارة لذنبه، ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: من الذنوب، ويحتمل أنه خطاب للرسول ﷺ ، وأن الفاعل يعود إلى صدقة. ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾: تنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: ادع لهم بالمغفرة، ولذا يسن في حق كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة، فيقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، كما يسن في حق كل من تصدّق عليه، أن يدعو للمتصدق بالبركة والمغفرة ونحو ذلك. ﴿إِنَّ صَلاتَكَ﴾: وقرئ «(صلواتك)». ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾: تسكن بها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾: لأقوالهم واعترافهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بندامتهم ونياتهم. بعد هذا انظر شرح (المال) في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنفال)، وانظر شرح (الصلاة) ومعناها في الآية رقم [٥]. الإعراب: ﴿خُذْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿صَدَقَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿صَدَقَةً﴾: مفعول به. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾: مضارع والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء: مفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿خُذْ﴾ المستتر، وعلى اعتبار الفاعل عائدا على ﴿صَدَقَةً،﴾ فالجملة الفعلية صفة لها، وحذف الرابط لدلالة ما بعده عليه، وجملة: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿خُذْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهذا على اعتبار جملة: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ صفة: ﴿صَدَقَةً﴾ وأما على اعتبارها حالا من فاعل ﴿خُذْ﴾ المستتر، فهي معطوفة عليها، هذا؛ وقيل بعطفها عليها على الوجهين المعتبرين فيها، كما قيل باستئنافهما. (صلّ): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خُذْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿صَلاتَكَ﴾: اسمها، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿سَكَنٌ﴾: خبرها. ﴿أَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿سَكَنٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها.

стр. 2333

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ أي: الذين تابوا وقبلت توبتهم، فيكون الاستفهام للتقرير والتبشير، أو الذين لم يتوبوا من المتخلفين عن غزوة تبوك، فيكون الاستفهام للتخصيص والترغيب في التوبة، وذلك أنه لما نزلت توبة التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين، هؤلاء كانوا بالأمس مثلنا، لا يكلمون، ولا يجالسون، فما بالهم اليوم، فأنزل الله الآية الكريمة ترغيبا لهم في التوبة، ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾: هو مثل (من عباده) لأن معنى (عن) و (من) متقاربان، هذا؛ و ﴿عِبادِهِ﴾ جمع عبد، هو الإنسان من بني آدم، حرا كان أو رقيقا، ويقال: للمملوك، قن، وله جموع كثيرة، وأشهرها عبيد وعباد، والإضافة في الآية ونحوها إضافة تشريف، ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: يتقبلها، ويثيب عليها، وإنما ذكر لفظ الأخذ، ترغيبا في بذل الصدقة، وإعطائها للفقراء، ولما كان سبحانه هو المثيب عليها أسند الأخذ إلى نفسه، وإن كان الفقير هو الآخذ لها، وفي ذلك أذكر أحاديث شريفة لتزداد إيمانا فوق إيمانك بهذا. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تصدّق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيّب-ولا يقبل الله إلا الطيّب-إلاّ أخذها الرّحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن، حتّى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله». متفق عليه، وروى الترمذي، عن أبي هريرة أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يقبل الصّدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره؛ حتى إنّ اللقمة لتصير مثل أحد». وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ و ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ وروي: «إنّ الصّدقة لتقع في كفّ الرّحمن، قبل أن تقع في كفّ السائل، فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه، أو فصيله، والله يضاعف لمن يشاء». قال العلماء رحمهم الله تعالى في تأويل هذه الأحاديث: إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها، كما كنى سبحانه بنفسه الكريمة المقدسة، عن المريض تعطفا عليه بقوله في الحديث القدسي: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني... إلخ». الحديث، وخص اليمين والكف بالذكر؛ لأن كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه، أو يوضع له فيه، فخرج على ما يوفونه، والله منزه عن الجارحة. ﴿التَّوّابُ﴾: كثير قبول التوبة من عباده، أو الرجاع على عباده بالرحمة، وتوبة العبد رجوعه عن المعصية إلى الطاعة، وقرع باب ربه بالتوبة والإنابة، ﴿الرَّحِيمُ﴾: انظر (البسملة) في أول سورة (يوسف) ﵇. الإعراب: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة مع سبك المصدر في الآية رقم [٧٨]. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ﴾

стр. 2334

عِبادِهِ: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل يعلم، وجملة: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿التَّوّابُ﴾: خبره. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان. والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، فيكون ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾. خبرين ل (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله. وجملة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿وَقُلِ﴾: خطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ ، ﴿اِعْمَلُوا﴾: خطاب لجميع الناس. ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾: فإنه لا يخفى عليه سبحانه، سواء أكان خيرا، أم شرا؟ ففيه ترغيب عظيم للمطيعين، ووعيد عظيم للعاصين المذنبين، ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: وسيرى الرسول والمؤمنون أعمالكم: أما رؤية الرسول ﷺ ، فباطلاع الله إياه على سرهم وعلانيتهم، وأما رؤية المؤمنين فيما يرون من أعمالهم الظاهرة، فيتسبب عن هذا محبتهم للصالحين، وبغضهم للفاسدين المفسدين، وانظر إعلال (يرى) في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف)، ﴿وَسَتُرَدُّونَ..﴾. إلخ، انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٩٤] ففيها الكفاية. قال الرسول ﷺ : «لو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء لا باب لها، ولا كوة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». وكوة بفتح الكاف، وجمعها كواء، وبضم الكاف لغة، وجمعها كوى. الإعراب: ﴿وَقُلِ﴾: (قل): أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اِعْمَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَسَيَرَى﴾: الفاء: حرف تعليل. السين: حرف استقبال مفيد للتأكيد وتحقق الوقوع. (يرى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿عَمَلَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، وقد اكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بصري، وجملة: ﴿فَسَيَرَى..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي داخلة في مقول القول، ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: معطوفان على لفظ الجلالة ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام، إفرادا وجملا في الآية رقم [٩٤] وهو داخل في مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

стр. 2335

﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾ الشرح: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾ أي: وآخرون من المتخلفين عن غزوة تبوك مؤخرون وموقوف أمرهم لحكم الله تعالى فيهم، و ﴿مُرْجَوْنَ﴾ من: أرجيته، أي: أخرته، ويقرأ بالهمزة «مرجئون» من أرجأته، أي: أخرته أيضا، وهذا كقراءتهم في الأحزاب: «(ترجئ)» بالهمز، وبدونه، وهما لغتان، يقال: أرجأته، وأرجيته كأعطيته، ويحتمل أن يكونا أصليين بنفسهما، وأن تكون الياء بدلا من الهمزة؛ لأنه قد عهد تحقيقها إلى الياء كثيرا، كقرأت وقريت، وتوضأت وتوضيت. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وانظر ﴿أَرْجِهْ﴾ في الآية رقم [١١١] من سورة (الأعراف). ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿إِمّا﴾ هاهنا للشك، والله سبحانه عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون، أي: ليكن أمرهم عندكم على الرجاء؛ لأنه ليس للعباد أكثر من هذا. انتهى. قرطبي. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: مر معنا كثير من هذا، وقرئ: «(والله غفور رحيم)» هذا؛ والآية نزلت في الثلاثة الذين يجيء ذكرهم في الآية رقم [١١٨]. قال بعض المفسرين: إن الله ﵎ قسم المتخلفين عن غزوة تبوك إلى ثلاثة أقسام: أولهم: المنافقون، وهم الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه. والقسم الثاني: التائبون، وهم الذين سارعوا إلى التوبة، بعد ما اعترفوا بذنوبهم، وهم أبو لبابة وأصحابه، فقبل الله توبتهم. والقسم الثالث: موقوفون ومؤخرون إلى أن يحكم الله فيهم، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾. والفرق بين القسم الثاني والثالث، أن القسم الثاني: سارعوا إلى التوبة والندم، فقبل الله توبتهم، والقسم الثالث: توقفوا ولم يسارعوا إلى التوبة، فأخر الله أمرهم، وهذه الآية نزلت في الثلاثة الذين تخلفوا، وهم (كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع)، انتهى خازن بتصرف. ويلغز فيهم، فيقال: أول أسمائهم مكة، وآخر أسمائهم عكة. (إما) الثانية عاطفة عند أكثرهم، وزعم يونس والفارسي وابن كيسان: أنها غير عاطفة كالأولى، ووافقهم ابن مالك لملازمتها غالبا الواو العاطفة، ونقل ابن عصفور الإجماع على أن الثانية غير عاطفة كالأولى. ول «إما» خمسة معان: أحدها: الشك، نحو: «جاءني إمّا زيد وإما عمرو»، إذا لم تعلم الجائي منهما.

стр. 2336

والثاني: الإبهام، وهو ما في الآية الكريمة. والثالث: التخيير، نحو قوله تعالى: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والآية رقم [١١٥] من سورة (الأعراف). والرابع: الإباحة، نحو: (تعلم إما فقها، وإما نحوا). والخامس: التفصيل، نحو قوله تعالى: ﴿إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً،﴾ انتهى. مغني اللبيب باختصار. أقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني المذكورة. الإعراب: ﴿وَآخَرُونَ﴾: (آخرون): معطوف على مثله في الآية رقم [١٠٢]. والتقدير: ومنهم آخرون، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي. ﴿مُرْجَوْنَ﴾: صفته، وعلامة الرفع فيهما الواو نيابة عن الضمة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان، ﴿لِأَمْرِ﴾: متعلقان ب ﴿مُرْجَوْنَ،﴾ و (أمر) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِمّا﴾: أداة شرط وتفصيل، وهي هنا مفيدة للإبهام. ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (آخرون) على اعتباره مبتدأ، أو خبر ثان على اعتبار ﴿مُرْجَوْنَ﴾ خبرا أول، أو هي في محل نصب حال. على اعتبار (آخرون) معطوفا على سابقه. ﴿وَإِمّا﴾: الواو: حرف عطف. (إما): حرف عطف، أو هي معطوفة على ما قبلها على نحو ما رأيت، وجملة: ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. فعلى الأول: التقدير: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ،﴾ إما العذاب، وإما التوبة، وعلى الثاني: وممن حولكم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ إما معذبين، وإما متوبا عليهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة، فيها وعد للمحسنين، ووعيد للمسيئين. تنبيه: الإعراب المتقدم هو الظاهر، وهو منقول عن السمين، وأرى أن الفعل: ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾ مبتدأ خبره محذوف، ومثله ما بعده، التقدير: إما العذاب واقع بهم، وإما التوبة حاصلة لهم، والجملة الاسمية الأولى، يقال فيها ما تقدم ذكره، والثانية معطوفة عليها، والذي حملني على هذا؛ وقوع الاسم بعد ﴿إِمّا﴾ غالبا، إما صراحة كقول تأبط شرا: [الطويل] هما خطّتا إمّا إسار ومنّة... وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر أو تأويلا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ وكما في الآية رقم [١١٥] من سورة (الأعراف)، وغيرهما كثير، وبقي أن تعلم: أن المضارع ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾ حل محل المصدر لأنه على تقدير أن قبله، على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً..﴾. إلخ والمثل العربي: (تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه)، خذ هذا وافهمه فإنه جيد، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.

стр. 2337

﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧)﴾ الشرح: قال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف بنوا مسجد قباء، وبعثوا للنبي ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فقالوا: نبني مسجدا، ونبعث إلى النبي ﷺ ، يأتينا، فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، فأتوا النبي ﷺ ، وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله! قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلة، والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال ﷺ : «إني على سفر، وحال شغل، فلو قدمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه». فلما رجع ﵊ من تبوك، أتوه، وقد فرغوا منه، وصلوا فيه الجمعة والسبت، والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه، ويأتيهم، فنزلت الآية الكريمة، وما بعدها، فدعا النبي ﷺ مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة، فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله، فاهدموه وأحرقوه». فخرجوا مسرعين، فأحرقوا المسجد وهدموه، واتخذ مكانه كناسة، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا من رؤساء المنافقين، قال عكرمة ﵀: سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية، فقال: أبشر بها، سارية في عنقك من نار جهنم. بعد هذا انظر شرح (مسجدا) في الآية رقم [٢٩] من سورة (الأعراف). ﴿ضِراراً﴾ أي: للمؤمنين، روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر، ولا ضرار، من ضارّ ضرّ الله به، ومن شاقّ شاقّ الله عليه». قال بعض العلماء: الضرر الذي لك به منفعة، وعلى جارك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة، وقيل: هما بمعنى واحد، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد، هذا؛ وقد قال العلماء: وكل مسجد بني على ضرار، أو رياء، أو سمعة، فهو في حكم مسجد الضرار، لا تجوز الصلاة فيه. ﴿وَكُفْراً﴾ أي: بالله ورسوله، أو بنوه تقوية للكفر، ومكيدة للإسلام والمسلمين، ﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بين جماعة المؤمنين في مسجد واحد، وهذا دليل على أن الحكمة من صلاة الجماعة تأليف القلوب، وجمع الكلمة على الطاعة، وتوحيد الصفوف أمام المصاعب التي تنوب المسلمين، ولكن أكثر المسلمين لا يفقهون هذا. ﴿وَإِرْصاداً﴾: ترقبا، وانتظارا ﴿لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل بناء مسجد الضرار، والمراد به أبو عامر الراهب، سمي

стр. 2338

بذلك لأنه كان قد تنصر قبل الإسلام، وترهب، ولبس المسوح، فلما قدم الرسول ﷺ المدينة، قال له أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به، فقال: «جئت بالحنيفيّة السمحة دين إبراهيم». قال أبو عامر: أنا عليها، فقال له النبي ﷺ : «إنك لست عليها». قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها، فقال النبي ﷺ : «ما فعلت، ولكن جئت بها بيضاء نقيّة». فقال: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي ﷺ : «آمين». وسماه أبا عامر الفاسق، فلما كان يوم أحد؛ قال للنبي ﷺ ، لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل وكذلك إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر بهم، وأرسل إلى المنافقين في المدينة، أن أعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر، فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة. فبنوا مسجد الضرار، إلى جانب مسجد قباء، ومات الخبيث بقنسرين كافرا، وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة ﵁، فنعم الولد، وبئس الأب! ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أي: يحلف المنافقون بالله ما أردنا إلا الخصلة الحسنى، وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين، وانظر الآية رقم [٥٢] والمحال عليها. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: في إيمانهم وقولهم: ما أردنا إلا الحسنى، ويعلم خبثهم، وما انطووا عليه من شر وفساد، وسوء أعمال. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ﴿وَآخَرُونَ﴾ في الآية السابقة، التقدير: ومنهم الذين... إلخ، فهو عطف جملة اسمية على مثلها، هذا؛ ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، التقدير: يعذبون ونحوه، هذا؛ ويقرأ بدون واو، فهو مبتدأ، ويكون خبره جملة: ﴿لا تَقُمْ﴾ وقال النحاس: يكون خبره ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ..﴾. إلخ، وقال أبو البقاء: الخبر ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ..﴾. إلخ، وفيه بعد شديد، هذا؛ وقال الزمخشري: منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، أي: فيكون على الذم، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا مَسْجِداً﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿ضِراراً﴾: مفعول لأجله، وقيل: مفعول ثان للفعل قبله، وقيل: حال، وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، ومتعلقه محذوف، التقدير: ضرارا لإخوانهم. ﴿وَكُفْراً﴾: معطوف عليه على جميع الوجوه المعتبرة فيه، ومتعلقه محذوف التقدير: كفرا بالله وبرسوله. ﴿وَتَفْرِيقاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، أو بمحذوف صفة، و ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَإِرْصاداً﴾: معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيهن. ﴿لِمَنْ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها.

стр. 2339

﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل ﴿حارَبَ﴾. و ﴿قَبْلُ﴾: مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، أي: من قبل بناء مسجد الضرار. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء، مفيدة للتوكيد. (يحلفن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَرَدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الْحُسْنى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ أَرَدْنا..﴾. إلخ: جواب (يحلفنّ) لا محل لها من الإعراب. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٤٢]، وما ذكرته من التعليق، وكسر همزة (إنّ) فيها. ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ الشرح: ﴿لا تَقُمْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ . فيه: في مسجد الضرار المذكور في الآية السابقة، والمعنى: لا تصل فيه. ﴿أَبَداً﴾: انظر الآية رقم [٢٢]، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾: المراد به مسجد قباء، أسسه النبي ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة؛ لأنه الأوفق لما ذكر في الآية السابقة، أو هو مسجد الرسول ﷺ في المدينة، لقول أبي سعيد الخدري ﵁: سألت رسول الله ﷺ عنه، فقال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة». ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي: من أيام وجوده وبنائه، هذا؛ وقيل: (من) هنا بمعنى (منذ) على حد قول زهير بن أبي سلمى: [الكامل] لمن الدّيار بقنّة الحجر... أقوين من حجج، ومن دهر أي: منذ حجج، ومنذ دهر، وقد دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن ﴿مِنْ﴾ لا يجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ، وانظر شرح ﴿أَوَّلِ﴾ في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف)، ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: أولى وأجدر بأن تقوم فيه للصلاة، والضمير يعود إلى المسجد المذكور، ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ أي: من المعاصي والخصال المذمومة، طلبا لمرضاة الله تعالى، وقيل: من الجنابة، فلا ينامون عليها، والضمير يعود إلى مسجد قباء، ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: يرضى عنهم، ويدنيهم من جنابه تعالى، إدناء المحب حبيبه. قيل: لما نزلت الآية الكريمة مشى رسول الله ﷺ ، ومعه المهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال ﵊: «أمؤمنون أنتم؟». فسكتوا، فأعادها، فقال عمر ﵁: إنهم مؤمنون، وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء؟». قالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟». قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في

стр. 2340

الرّخاء؟». قالوا: نعم، قال: «مؤمنون وربّ الكعبة». فجلس، ثم قال: «يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون عند الوضوء، وعند الغائط؟». فقالوا: يا رسول الله! نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا عليهم ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. عن سهل بن حنيف ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج حتّى يأتي هذا المسجد، مسجد قباء، فيصلّي، كان له كعدل عمرة». أخرجه النسائي، وعن أسد بن ظهير ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة». أخرجه الترمذي. الإعراب: ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَقُمْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر، تقديره «أنت»، ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَبَداً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين): على وجه مر ذكره، أو هي مستأنفة لا محل لها ﴿لَمَسْجِدٌ﴾: اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، مسجد: مبتدأ. ﴿أُسِّسَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى مسجد، والجملة الفعلية في محل رفع صفة (مسجد)، ﴿عَلَى التَّقْوى﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْ أَوَّلِ﴾: متعلقان به أيضا، و ﴿أَوَّلِ﴾: مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَحَقُّ،﴾ التقدير: أحق بالقيام فيه، والجملة الاسمية: ﴿لَمَسْجِدٌ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي جواب للقسم المحذوف، ولا محل لها على الاعتبارين، ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِجالٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿يُحِبُّونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا..﴾. في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُحِبُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿رِجالٌ﴾. والجملة الاسمية: ﴿فِيهِ رِجالٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها صفة ثانية ل: (مسجد)، واعتبارها حالا من الهاء في ﴿فِيهِ﴾ والأول أقوى. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُطَّهِّرِينَ﴾: مفعول به منصوب... إلخ، وجملة: ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠٩)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنْ﴾: في مثل هذا كلام كثير ذكرته عند ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف)، ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾: يقرأ الفعل بالبناء للفاعل، وبالبناء للمجهول، ورفع بنيانه، وقرئ «(أسَسُ، وأساس، وأسّ، وآساسُ)» كلها بالرفع، وخفض ما بعده على الإضافة. ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ﴾: على طاعة الله، والخوف منه، ومن عقابه، ويقرأ ﴿تَقْوى﴾ بالتنوين وعدمه، وانظر

стр. 2341

الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، ﴿وَرِضْوانٍ﴾ أي: وابتغاء رضوانه تعالى. ﴿خَيْرٌ﴾: انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، ﴿عَلى شَفا﴾: طرف وحرف، أصله شفو بدليل تثنيته: شفوان، فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ﴿جُرُفٍ﴾: بضم الجيم مع ضم الراء وتسكينها، انظر ما ذكرته في ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأعراف)، وال ﴿جُرُفٍ﴾ ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء. ﴿هارٍ﴾: ساقط متداع منهار، وفي أصله وإعلاله ثلاثة أقوال: أحدها وهو المشهور: أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه، وذلك: أن أصله: هاور، أو هاير، فقدمت اللام، وهي الراء على العين، وهي الواو أو الياء، فصار كغاز ورام، فأعلّ إعلال الاسم المنقوص. القول الثاني: أن عينه حذفت اعتباطا، أي: لغير موجب؛ وعليه فتجري وجوه الإعراب على لامه، فيقال: هذا هار، ورأيت هارا، ومررت بهار. القول الثالث: أنه لا قلب فيه، ولا حذف، وأن أصله هور، أو هير بوزن كتف، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله، فقلب ألفا، وعلى هذا فتجري وجوه الإعراب أيضا كالذي قبله، وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف، اللذين هما على خلاف الأصل. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف كبير مني. ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: فسقط الجرف بمعنى أوقع الجرف البنيان في نار جهنم، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: انظر معنى هذه الجملة، وما يتعلق بها في الآية رقم [٢٤] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] تجد ما يسرك. تنبيه: هذه الآية ضرب مثل لهم، أي: من أسس بنيانه، أي: دينه وطاعته وتقواه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق، وبين أن بناء الكافر والمنافق كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. انتهى. تنبيه: في الآية الكريمة دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى، والقصد لوجهه الكريم، فهو الذي يبقى، ويسعد به صاحبه، ويصعد إلى الله، ويقبله، ويرفع صاحبه درجات في عليين. انتهى. تنبيه: لقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ هل هو حقيقة أو مجاز على قولين: الأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي ﷺ حين أرسل إلى مسجد الضرار، فهدم، رؤي الدخان يخرج منه، وقال بعضهم: كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل، فيخرجها سوداء

стр. 2342

محترقة، وذكر أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار، فيخرج منه دخان، وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا: ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ،﴾ وقال جابر بن عبد الله-﵄: أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ . أقول: وفي الآية دليل على وجود جهنم في الدنيا، انتهى. والثاني أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم، فكأنه انهار إليه، وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والظاهر الأول؛ إذ لا إحالة في ذلك، والله أعلم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني. أقول: وعلى القول الثاني، فالكلام جار على الاستعارة المكنية، شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء تشبيها مضمرا في النفس، وأسس بنيانه تخييل، فهو مستعمل في معناه الحقيقي، أو هو استعارة تمثيلية لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى شيئا محكما مؤسسا يستوطنه، ويتحصن فيه، وقيل: غير ذلك. الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام تقريري. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف على محذوف، كما رأيت في الآية رقم [٦٥] (الأعراف). (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾: ماض، وفاعله مستتر ومفعوله، أو هو ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. وإن اعتبرت (من) نكرة موصوفة فهي صفتها، وعلى القراءات الأخر. ف (أسّ...) إلخ. مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿بُنْيانَهُ﴾: مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى تَقْوى﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَسَّسَ،﴾ على اعتبارها فعلا، ومتعلقان بمحذوف خبره على القراءات الأخر، وعليه فالجملة الاسمية صلة (من) أو صفتها، وعلى جميع الاعتبارات فالعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة. ﴿تَقْوى﴾. أو هما متعلقان به. وهو أولى. ﴿وَرِضْوانٍ﴾: معطوف على ﴿تَقْوى،﴾ ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ (من) والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على محذوف، لا محل لها على الوجهين. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف. ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾: فهذه الجملة مثل سابقتها على جميع الاعتبارات التابعة للقراءات. ﴿عَلى شَفا﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَسَّسَ﴾. أو هما متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، على القراءات الأخر، والجملة الفعلية أو الاسمية صلة ﴿فَمَنْ﴾ أو صفتها، والرابط أو العائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (من) محذوف. تقديره: خير. والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، و ﴿شَفا﴾: مضاف، و ﴿جُرُفٍ﴾: مضاف إليه. ﴿هارٍ﴾: صفة: ﴿جُرُفٍ﴾. وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿فَانْهارَ﴾: الفاء: حرف عطف. (انهار): ماض، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿جُرُفٍ﴾. أو إلى «البنيان». أو إلى «الأساس» اعتبارات. ﴿بِهِ﴾: متعلقان

стр. 2343

بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء تعود إلى (من) الباني، أو إلى «البنيان»، أو إلى «الأساس» اعتبارات أيضا. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها على الاعتبارين، ﴿فِي نارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿نارِ﴾: مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [١٩]. ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ الشرح: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: والمعنى: أن ذلك المسجد الذي بناه المنافقون-وهو مسجد الضرار-صار سببا لحصول الشك والريبة في قلوب المنافقين؛ لأنهم فرحوا ببنائه يوم بنوه، فلما أمر رسول الله بهدمه شق ذلك عليهم، وازدادوا غما وحزنا، وبغضا له ﷺ ، وقيل: إنهم كانوا يظنون أنهم محسنون في بنائه، كما حبب العجل إلى بني إسرائيل، فلما أمر ﵊ بهدمه وتحريقه بقوا شاكين، وقيل: معنى ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ شكا ونفاقا، وقيل: معناه: حسرة وندامة، وقيل: معناه: حزازة وغيظا، ﴿إِلاّ﴾: وقرئ: «(إلى)» ﴿تَقَطَّعَ﴾: قرئ بالبناء للمعلوم والمجهول، مع تشديد الطاء وتخفيفها، كما قرئ: «(نقطع)»: بالتشديد والتخفيف أيضا، وقرئ: «(يقطع)» بالتشديد والتخفيف أيضا، و (تقطّع) بالبناء للمعلوم محذوف منه إحدى التاءين على حد قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ وقد اختلف في تقطيع قلوبهم. فقال ابن عباس-﵄: أي: تنصدع قلوبهم فيموتوا، وقاله قتادة، والضحاك، ومجاهد أيضا، وقال سفيان: إلا أن يتوبوا، وقال عكرمة: إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم، والمعنى إن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى أن يموتوا، وتتقطع قلوبهم في قبورهم قطعا قطعا، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾: بأحوالهم وأعمالهم، وأعمال جميع عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما حكم به عليهم. الإعراب: ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَزالُ﴾: مضارع ناقص. ﴿بُنْيانُهُمُ﴾: اسمه، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿بُنْيانُهُمُ﴾. ﴿بَنَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: (بنوه)، ﴿رِيبَةً﴾: خبر ﴿لا يَزالُ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِيبَةً﴾. ﴿إِلاّ﴾: حرف استثناء، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تَقَطَّعَ﴾ في محل نصب على الاستثناء من عموم الأزمنة، والتقدير: لا يزال بنيانهم الذي بنوه ريبة في وقت من الأوقات، إلا وقت تقطيع

стр. 2344

قلوبهم، أو من عموم الأحوال، أي: في كل حال إلا حال تقطيعها، وينبغي أن تعلم أن الفاعل تقديره: أنت، أو نحن، أو هو، وأن ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ نائب فاعل، أو هو مفعول به وذلك على حسب القراءات التي رأيتها، وجملة: ﴿لا يَزالُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقد رأيت فيما سبق اعتبارها خبرا في بعض الحالات، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: هذا تمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بدل أنفسهم وأموالهم في سبيله على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين، وأموالهم، وجعل الثمن، الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ﴿الْجَنَّةَ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: هذا بيان لتلك المبايعة، ولذلك الشراء. ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾: أعداء الله. ﴿وَيُقْتَلُونَ﴾: في سبيل الله، ولإعلاء كلمته، ويقرأ الفعلان عكسا، والمعنى لا يتغير. ﴿وَعْداً عَلَيْهِ﴾ أي: تفضلا منه تعالى وليس بواجب عليه، وإن أوهم اللفظ ذلك. ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ أي: لا أحد أوفى بوعده منه تعالى؛ لأن إخلاف الوعد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا، فكيف بأكرم الأكرمين، ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن منه وأبلغ. انتهى. نسفي. وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأعراف)، والعهد في الآية رقم [١٠٢]، منها. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ..﴾. إلخ: أي: افرحوا بذلك البيع، وأظهروا السرور به حتى يظهر على بشرة وجوهكم ذلك. ﴿وَذلِكَ﴾ أي: البيع. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: لأنه رابح، ولا فوز أعظم منه، وقد حقق لكم أعظم المطالب. ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام، يذكر ويؤنث فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب، وهو مشتق من النجل، وهو الأصل، كأنه أصل الدين، يرجع إليه، ويؤتم به، والتوراة مشتقة من ورى الزند، وهو ما يخرج منه من الضياء من ناره، فكأنها ضياء، يستضاء بها في الدين، والقرآن مشتق من قريت الماء في الحوض، إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد مكي، هذا؛ وهو في اللغة

стр. 2345

مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء، قرآنا، أي: جمعته، وبمعنى القراءة يقال: قرأت الكتاب قراءة وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرى، والتي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو، وذلك حين اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة-﵁: يا رسول الله! اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي ﷺ : «أشترط لربّي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأموالكم». قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: «الجنّة». قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت الآية، ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة سيد الخلق، وحبيب الحق، ﷺ ، إلى يوم القيامة، وما اشترطه الرسول ﷺ لنفسه إنما هو من باب التعليم، كيف لا؟ وهو يعلم أنه ممنوع من الكفار، وهو منصور، ودينه يعلو على جميع الأديان. الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿اِشْتَرى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَأَمْوالَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله. والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَمْوالَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) مقدم. ﴿الْجَنَّةَ﴾: اسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: باستحقاقهم الجنة. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿اِشْتَرى،﴾ وجملة: ﴿اِشْتَرى..﴾. إلخ: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها، ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان به، و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهَ﴾: مضاف إليه. ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾: إعرابهما مثل سابقهما، والواو؛ فاعل أحدهما، ونائب فاعل الآخر، وحذف مفعول المبني للمعلوم للعلم به مثل السابق، والجملتان معطوفتان على ما قبلهما لا محل لهما مثلها. ﴿وَعْداً﴾: مفعول مطلق، لفعل محذوف. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان ب ﴿وَعْداً﴾. أو بمحذوف صفة له. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق، عامله محذوف مثل سابقه. فهما مؤكدان لمعنى الكلام السابق، وتقدير الكلام: وعدهم الله ذلك وعدا، وحق ذلك ﴿حَقًّا،﴾ وقال أبو البقاء: ﴿حَقًّا﴾ صفة: ﴿وَعْداً،﴾ والأول أقوى وآكد، والكلام كله مستأنف لا محل له، ﴿فِي التَّوْراةِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿اِشْتَرى﴾. وعلى هذا فتكون كل أمة قد أمرت بالجهاد،

стр. 2346

ووعدت عليه الجنة، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿وَعْداً﴾ أي: مذكورا وكائنا في التوراة، وعليه يكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكورا في جميع كتب الله المنزلة، انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني. ﴿وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: معطوفان على ﴿التَّوْراةِ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي، كما رأيت في الشرح، فهو مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْفى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿أَوْفى﴾. الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٢٨]. (استبشروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: (بيعكم)، وجملة: ﴿بايَعْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول، والعائد: الضمير المجرور بالباء. ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٠] مع فارق بسيط، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ الشرح: ﴿التّائِبُونَ﴾: من ذنوبهم صغائر كانت أم كبائر، وانظر شروط التوبة في الآية رقم [١٠٢]. ﴿الْعابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى. ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿الْحامِدُونَ﴾: لنعماء الله، أو لما نابهم من السراء والضراء، هذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري، على وجه التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابله نعمة أم لا؟ فالأول: كمن يحسن إليك، والثاني: كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان، التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل] أفادتكم النّعماء مني ثلاثة... يدي ولساني، والضّمير المحجّبا ومما هو جدير بالذكر أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. ﴿السّائِحُونَ﴾: الصائمون، أي: الذين يديمون الصيام في جميع الشهور والفصول.

стр. 2347

روى الطبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سياحة أمّتي الصّيام». شبه الصيام بالسياحة من حيث إنه يعوق عن الشهوات، أو لأنه رياضة نفسانية، يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، أو ﴿السّائِحُونَ﴾ للجهاد، أو لطلب العلم. ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أي: يديمونها في صلاة الفرض والنوافل على اختلاف أنواعها ومراتبها. ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بفعل الخير من إيمان بالله وامتثال أوامره. ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: من كفر بالله، ومخالفة أوامره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١]، ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ أي: القائمون بأداء جميع ما أمر الله به، المنتهون والمبتعدون عن كل ما نهى الله عنه، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: القائمين بما ذكر، أو الموصوفين بتلك الصفات العظيمة، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، فكأنه قال: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام، وتعبير الكلام. انتهى. بيضاوي. تنبيه: اختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل هي متصلة بما قبلها، أو منفصلة عنها، فقال الفراء: استؤنف لفظ التائبون بالرفع لتمام الآية الأولى، وانقطاع الكلام، وقال الزجاج: ﴿التّائِبُونَ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، والمعنى: التائبون إلى الله العابدون... إلخ لهم الجنة أيضا، وإن لم يجاهدوا، غير معاندين، ولا قاصدين بترك الجهاد، وهذا؛ وجه حسن، فكأنه وعد بالجنة جميع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٥] من سورة (النساء)، ومن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا بالمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، فيكون رفع ﴿التّائِبُونَ﴾ على المدح، يعني المؤمنين المذكورين في قوله ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى..﴾. إلخ، انتهى. خازن. أقول: ويؤيد هذا قراءة «(التائبين، العابدين...)» إلخ بالياء نصبا على المدح بفعل محذوف، أو جرا صفة للمؤمنين. تنبيه: واختلف العلماء في الواو في قوله ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ فقيل: دخلت في صفة الناهين، كما دخلت في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾. فذكر بعضها بالواو، والبعض بدونها، وهذا سائغ معتاد في الكلام، ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة، وقيل: دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف، فلا يكاد يذكر واحدا منهما مفردا، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ من سورة التحريم، ودخلت في ﴿وَالْحافِظُونَ﴾ لقربه من المعطوف، وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له، وقيل: هي واو الثمانية؛ لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] وكذلك قالوا في آية التحريم، وآية الزمر: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها،﴾ وفي آية الكهف: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾

стр. 2348

وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ وأنكرها أبو علي. انتهى. قرطبي بتصرف بسيط. أقول: وممن أشبع الكلام في هذه الواو ابن هشام-طيب الله ثراه-في مغنيه، وسأنقل لك كلامه عند شرح وإعراب آية الكهف إن شاء السميع العليم، العلي القدير، رقم [٢٢]. خاتمة: قال الجمل: حاصل ما ذكر أوصاف تسعة، الستة الأولى تتعلق بمعاملة الخالق، والسابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والتاسع يعم القبيلين، انتهى. وانظر (بشر) في الآية رقم [٣]. الإعراب: ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ: هذه الأسماء أخبار متعددة لمبتدإ محذوف، التقدير: هم التائبون، وهذا عند من يرى: أن الآية متعلقة بما قبلها، ومرتبطة بها تمام الارتباط، أو هي مبتدءات متعددة، والخبر محذوف، التقدير: ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ، من أهل الجنة، وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة عما قبلها، وليست شرطا في المجاهد، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿الْآمِرُونَ﴾ خبرا لما ذكر، وهو ضعيف، كما نقل عن السمين اعتبار ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ بدلا من الواو في ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ وهو ضعيف أيضا، كما نقل عنه أيضا اعتبار ﴿التّائِبُونَ﴾ مبتدأ، والعابدون خبرا عنه، وما بعده أوصاف له، وهو ضعيف أيضا، هذا؛ ولا يجوز اعتبار ما بعد ﴿التّائِبُونَ﴾ أوصافا له؛ لأنه هو نفسه صفة، والصفة لا توصف، وانظر ما ذكرته في الشرح عن القراءة بالياء، ولا تنس أن في كل واحد من هذه الأسماء ضميرا مستترا، هو فاعله، ﴿وَالنّاهُونَ﴾: معطوف على ﴿التّائِبُونَ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو عطف جملة على جملة، إن قدرت له مبتدأ، أو خبرا محذوفين. ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلقان ب (الناهون). ﴿وَالْحافِظُونَ﴾: معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات. ﴿لِحُدُودِ﴾: متعلقان ب (الحافظون)، و (حدود) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مستأنفة لا محل لها. ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ الشرح: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لا يصح، ولا ينبغي ولا يجوز، وقال أهل المعاني: ﴿ما كانَ﴾: في القرآن يأتي على وجهين: على النفي، نحو قوله تعالى: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ والآخر على النهي كقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ وقوله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي. ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين ماتوا على الشرك،

стр. 2349

وانظر (استغفروا) في الآية رقم [٨٠]، ﴿وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾: أصحاب قرابات، آباء، أو أمهات... إلخ، وانظر شرح ﴿أُولِي﴾ في الآية رقم [٧٥]، من سورة (الأنفال)، ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾: ظهر لهم واتضح، وانظر الآية رقم [٤٣]، ﴿الْجَحِيمِ﴾: النار الشديدة. روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه-﵄، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: «يا عمّ، قل: لا إله إلاّ الله كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن المغيرة: أترغب يا أبا طالب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل الرسول العظيم يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال لهم أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال ﷺ : «أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه». فأنزل الله الآية الكريمة، وأنزل في شدة حرصه ﷺ على إسلام أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾. هذا؛ وقد استبعد بعضهم نزول هذه الآية في شأن أبي طالب، وذلك لأن وفاته كانت في مكة أول الإسلام، وهذه السورة آخر ما نزل من القرآن في المدينة المنورة، وأجيب بأنه لما نزلت الآية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي..﴾. إلخ في مكة، وفي حياة أبي طالب، فقال ﵊ ما تقدم في الحديث، فيحتمل أنه ﷺ كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية، فمنع من الاستغفار، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. انتهى. خازن بتصرف كبير. وهناك أحاديث كثيرة تبين أن أبا طالب خالد في النار، ولكن يخفف عنه العذاب بسبب ما صنع مع رسول الله ﷺ من ذبّ عنه، وحماية له، فخذ هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﵊، وذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، تغلي منه أمّ دماغه»، وفي رواية «يغلي منه دماغه من حرارة نعليه». متفق عليه. تنبيه: وقيل: لما فتح الرسول ﷺ مكة المكرمة، خرج إلى الأبواء، فزار قبر أمه، ثم قام مستعبرا، فقال: «إنّي استأذنت ربّي، في زيارة قبر أمّي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي، وأنزل عليّ الآيتين». رواه أبو هريرة وغيره مع اختلاف في بعض الألفاظ. وقال قتادة: قال النبي ﷺ : «لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله الآية، وروى الطبراني بسنده عنه، قال: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا نبي الله! إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال ﵊: «بلى والله لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله الآية.

стр. 2350

بعد ذلك أقول: إن المعتمد أن أبويه ﷺ ، قد ماتا قبل البعثة، وهما من أهل الفترة، وهما داخلان تحت قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً،﴾ فهما ناجيان إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾: في محل رفع اسم كان مؤخر. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أُولِي﴾: خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السّالم و ﴿أُولِي﴾: مضاف، و ﴿قُرْبى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ، في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى، وأقوى من اعتبار (لو) امتناعية، جوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَسْتَغْفِرُوا،﴾ ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليها. ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿تَبَيَّنَ،﴾ وجملة: ﴿تَبَيَّنَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، هذا؛ وإن اعتبرت الفاعل عائدا على ﴿ما﴾ فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف والمعنى عليه أقوى. ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ الشرح: روى النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لهما، وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم ﵇ لأبويه، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له فنزلت ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ..﴾. إلخ والمعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل ﵇ لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة وعدها إياه. قال ابن عباس-﵄: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله، ويخلع الأنداد، فلما مات على كفر علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له، وهذا يفيد: أن الواعد أبوه، والموعود إبراهيم ﵇، وقيل: الواعد إبراهيم، أي: وعد أباه بأن يستغفر له، فلما
следующие страницы →