Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
ووعدت عليه الجنة، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿وَعْداً﴾ أي: مذكورا وكائنا في التوراة، وعليه يكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكورا في جميع كتب الله المنزلة، انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني. ﴿وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: معطوفان على ﴿التَّوْراةِ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو:
حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي، كما رأيت في الشرح، فهو مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْفى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿أَوْفى﴾.
الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٢٨]. (استبشروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.
﴿بِبَيْعِكُمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: (بيعكم)، وجملة:
﴿بايَعْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول، والعائد: الضمير المجرور بالباء. ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٠] مع فارق بسيط، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿التّائِبُونَ﴾: من ذنوبهم صغائر كانت أم كبائر، وانظر شروط التوبة في الآية رقم [١٠٢]. ﴿الْعابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى. ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل:
العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود.
﴿الْحامِدُونَ﴾: لنعماء الله، أو لما نابهم من السراء والضراء، هذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري، على وجه التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابله نعمة أم لا؟ فالأول:
كمن يحسن إليك، والثاني: كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان، التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل]
أفادتكم النّعماء مني ثلاثة... يدي ولساني، والضّمير المحجّبا
ومما هو جدير بالذكر أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. ﴿السّائِحُونَ﴾:
الصائمون، أي: الذين يديمون الصيام في جميع الشهور والفصول.
стр. 2347
روى الطبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سياحة أمّتي الصّيام».
شبه الصيام بالسياحة من حيث إنه يعوق عن الشهوات، أو لأنه رياضة نفسانية، يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، أو ﴿السّائِحُونَ﴾ للجهاد، أو لطلب العلم. ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أي: يديمونها في صلاة الفرض والنوافل على اختلاف أنواعها ومراتبها. ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بفعل الخير من إيمان بالله وامتثال أوامره. ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: من كفر بالله، ومخالفة أوامره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١]، ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ أي:
القائمون بأداء جميع ما أمر الله به، المنتهون والمبتعدون عن كل ما نهى الله عنه، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: القائمين بما ذكر، أو الموصوفين بتلك الصفات العظيمة، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، فكأنه قال: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام، وتعبير الكلام. انتهى.
بيضاوي.
تنبيه: اختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل هي متصلة بما قبلها، أو منفصلة عنها، فقال الفراء: استؤنف لفظ التائبون بالرفع لتمام الآية الأولى، وانقطاع الكلام، وقال الزجاج:
﴿التّائِبُونَ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، والمعنى: التائبون إلى الله العابدون... إلخ لهم الجنة أيضا، وإن لم يجاهدوا، غير معاندين، ولا قاصدين بترك الجهاد، وهذا؛ وجه حسن، فكأنه وعد بالجنة جميع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٥] من سورة (النساء)، ومن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا بالمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، فيكون رفع ﴿التّائِبُونَ﴾ على المدح، يعني المؤمنين المذكورين في قوله ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى..﴾. إلخ، انتهى. خازن.
أقول: ويؤيد هذا قراءة «(التائبين، العابدين...)» إلخ بالياء نصبا على المدح بفعل محذوف، أو جرا صفة للمؤمنين.
تنبيه: واختلف العلماء في الواو في قوله ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ فقيل: دخلت في صفة الناهين، كما دخلت في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾. فذكر بعضها بالواو، والبعض بدونها، وهذا سائغ معتاد في الكلام، ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة، وقيل: دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف، فلا يكاد يذكر واحدا منهما مفردا، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ من سورة التحريم، ودخلت في ﴿وَالْحافِظُونَ﴾ لقربه من المعطوف، وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له، وقيل: هي واو الثمانية؛ لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] وكذلك قالوا في آية التحريم، وآية الزمر: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها،﴾ وفي آية الكهف: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾
стр. 2348
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى:
﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ وأنكرها أبو علي. انتهى. قرطبي بتصرف بسيط.
أقول: وممن أشبع الكلام في هذه الواو ابن هشام-طيب الله ثراه-في مغنيه، وسأنقل لك كلامه عند شرح وإعراب آية الكهف إن شاء السميع العليم، العلي القدير، رقم [٢٢].
خاتمة: قال الجمل: حاصل ما ذكر أوصاف تسعة، الستة الأولى تتعلق بمعاملة الخالق، والسابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والتاسع يعم القبيلين، انتهى. وانظر (بشر) في الآية رقم [٣].
الإعراب: ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ: هذه الأسماء أخبار متعددة لمبتدإ محذوف، التقدير: هم التائبون، وهذا عند من يرى: أن الآية متعلقة بما قبلها، ومرتبطة بها تمام الارتباط، أو هي مبتدءات متعددة، والخبر محذوف، التقدير: ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ، من أهل الجنة، وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة عما قبلها، وليست شرطا في المجاهد، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿الْآمِرُونَ﴾ خبرا لما ذكر، وهو ضعيف، كما نقل عن السمين اعتبار ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ بدلا من الواو في ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ وهو ضعيف أيضا، كما نقل عنه أيضا اعتبار ﴿التّائِبُونَ﴾ مبتدأ، والعابدون خبرا عنه، وما بعده أوصاف له، وهو ضعيف أيضا، هذا؛ ولا يجوز اعتبار ما بعد ﴿التّائِبُونَ﴾ أوصافا له؛ لأنه هو نفسه صفة، والصفة لا توصف، وانظر ما ذكرته في الشرح عن القراءة بالياء، ولا تنس أن في كل واحد من هذه الأسماء ضميرا مستترا، هو فاعله، ﴿وَالنّاهُونَ﴾: معطوف على ﴿التّائِبُونَ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو عطف جملة على جملة، إن قدرت له مبتدأ، أو خبرا محذوفين. ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلقان ب (الناهون). ﴿وَالْحافِظُونَ﴾: معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات. ﴿لِحُدُودِ﴾: متعلقان ب (الحافظون)، و (حدود) مضاف، و ﴿اللهِ﴾:
مضاف إليه، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مستأنفة لا محل لها.
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾
الشرح: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لا يصح، ولا ينبغي ولا يجوز، وقال أهل المعاني: ﴿ما كانَ﴾: في القرآن يأتي على وجهين: على النفي، نحو قوله تعالى: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ والآخر على النهي كقوله تعالى:
﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ وقوله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ..﴾. إلخ. انتهى.
قرطبي. ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين ماتوا على الشرك،
стр. 2349
وانظر (استغفروا) في الآية رقم [٨٠]، ﴿وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾: أصحاب قرابات، آباء، أو أمهات... إلخ، وانظر شرح ﴿أُولِي﴾ في الآية رقم [٧٥]، من سورة (الأنفال)، ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾: ظهر لهم واتضح، وانظر الآية رقم [٤٣]، ﴿الْجَحِيمِ﴾: النار الشديدة.
روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه-﵄، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: «يا عمّ، قل: لا إله إلاّ الله كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن المغيرة: أترغب يا أبا طالب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل الرسول العظيم يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال لهم أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال ﷺ : «أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه». فأنزل الله الآية الكريمة، وأنزل في شدة حرصه ﷺ على إسلام أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾.
هذا؛ وقد استبعد بعضهم نزول هذه الآية في شأن أبي طالب، وذلك لأن وفاته كانت في مكة أول الإسلام، وهذه السورة آخر ما نزل من القرآن في المدينة المنورة، وأجيب بأنه لما نزلت الآية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي..﴾. إلخ في مكة، وفي حياة أبي طالب، فقال ﵊ ما تقدم في الحديث، فيحتمل أنه ﷺ كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية، فمنع من الاستغفار، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. انتهى. خازن بتصرف كبير.
وهناك أحاديث كثيرة تبين أن أبا طالب خالد في النار، ولكن يخفف عنه العذاب بسبب ما صنع مع رسول الله ﷺ من ذبّ عنه، وحماية له، فخذ هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﵊، وذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، تغلي منه أمّ دماغه»، وفي رواية «يغلي منه دماغه من حرارة نعليه». متفق عليه.
تنبيه: وقيل: لما فتح الرسول ﷺ مكة المكرمة، خرج إلى الأبواء، فزار قبر أمه، ثم قام مستعبرا، فقال: «إنّي استأذنت ربّي، في زيارة قبر أمّي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي، وأنزل عليّ الآيتين». رواه أبو هريرة وغيره مع اختلاف في بعض الألفاظ.
وقال قتادة: قال النبي ﷺ : «لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله الآية، وروى الطبراني بسنده عنه، قال: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا نبي الله! إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال ﵊: «بلى والله لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه».
فأنزل الله الآية.
стр. 2350
بعد ذلك أقول: إن المعتمد أن أبويه ﷺ ، قد ماتا قبل البعثة، وهما من أهل الفترة، وهما داخلان تحت قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً،﴾ فهما ناجيان إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾: في محل رفع اسم كان مؤخر. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال.
(لو): وصلية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿أُولِي﴾: خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السّالم و ﴿أُولِي﴾:
مضاف، و ﴿قُرْبى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ، في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى، وأقوى من اعتبار (لو) امتناعية، جوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَسْتَغْفِرُوا،﴾ ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليها. ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿تَبَيَّنَ،﴾ وجملة:
﴿تَبَيَّنَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، هذا؛ وإن اعتبرت الفاعل عائدا على ﴿ما﴾ فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف والمعنى عليه أقوى.
﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾
الشرح: روى النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لهما، وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم ﵇ لأبويه، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له فنزلت ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ..﴾. إلخ والمعنى:
لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل ﵇ لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة وعدها إياه.
قال ابن عباس-﵄: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله، ويخلع الأنداد، فلما مات على كفر علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له، وهذا يفيد: أن الواعد أبوه، والموعود إبراهيم ﵇، وقيل: الواعد إبراهيم، أي: وعد أباه بأن يستغفر له، فلما
стр. 2351
مات مشركا تبرأ منه، ودل على هذا الوعد قوله تعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾.
انتهى. قرطبي.
تنبيه: مما تقدم يؤخذ منه جواز الاستغفار للأحياء، وطلب التوفيق لهم، بالإيمان، كما يستدل به على أن حالة المرء يحكم عليها عند الموت، فإن مات على الإيمان حكم له به، وإن مات على الكفر حكم له به، وربك أعلم بباطن حاله. انتهى.
بعد هذا فإبراهيم معناه في السريانية: أب رحيم، وفيه سبع لغات انظرها في التفاسير.
﴿مَوْعِدَةٍ﴾: مصدر ميمي من (وعد)، وكسرت عينه؛ لأنه مثال واوي، وتكسر عينه في المضارع.
﴿تَبَيَّنَ﴾: انظر الآية رقم [٤٣]، ﴿عَدُوٌّ﴾: انظر الآية رقم [٢٢] (الأعراف)، ﴿لَأَوّاهٌ﴾: خاشع متضرع، وقيل: كثير الدعاء، وقيل: تواب، وقيل: رحيم بعباد الله، وقيل: موقن، وقيل: كثير التأوه، وكان ﵊ يكثر أن يقول: أوه من النار، قبل أن ينفع أوه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: معلم الخير للناس، وقيل: غير ذلك، ﴿حَلِيمٌ﴾: كثير الحلم، وهو الذي يصفح عن الذنوب، ويصبر على الأذى، وقيل: الذي لم يعاقب أحدا قط إلا في الله، ولم ينتصر لأحد إلا الله، وكان إبراهيم ﵊ كذلك، هذا؛ ومن أسماء الله تعالى (الحليم)، وفسر بحقه تعالى بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.
﴿اِسْتِغْفارُ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿لِأَبِيهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بالمصدر ﴿اِسْتِغْفارُ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.
﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَعَدَها﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم، أو إلى أبيه، انظر الشرح، والهاء: مفعول به أول، ﴿إِيّاهُ﴾: ضمير نصب منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَعَدَها إِيّاهُ﴾ في محل جر صفة:
﴿مَوْعِدَةٍ﴾. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ أو من (أبيه) فالمعنى لا يأباه، والرابط: الضمير على الاعتبارين. ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٧٧]، ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض. ﴿لَهُ﴾: متعلقان به. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر أن. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾. أو بمحذوف صفة له، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها، ﴿تَبَرَّأَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية جواب
стр. 2352
(لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿إِبْراهِيمَ﴾: اسمها. ﴿لَأَوّاهٌ﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿كانَ..﴾. إلخ تعليل أو مستأنفة لا محل لها.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ أي: ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوب قوم بعد الهدى، ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾ فلا يمتثلون أوامره، فعند ذلك يستحقون الضلالة. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
تنبيه: لقد اختلف في سبب نزول الآية الكريمة على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نزلت في جماعة من المسلمين، كانوا قد ماتوا قبل النهي عن الاستغفار للمشركين، فلما منعوا من ذلك، وقع في قلوب المؤمنين خوف على من مات على ذلك.
الثاني أنها نزلت فيمن شرب الخمر قبل علمه بالتحريم.
الثالث: أنها نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس زمنا، ولم يعلم بتحويل القبلة إلى الكعبة، وذلك أن قوما قدموا إلى النبي ﷺ ، وأسلموا قبل تحريم الخمر، وصرف القبلة إلى الكعبة، ورجعوا إلى قومهم، وهم على ذلك، ثم حرمت الخمر، وصرفت القبلة إلى الكعبة، ولا علم لهم بذلك، ثم قدموا بعد ذلك إلى المدينة، فوجدوا الخمر قد حرمت، والقبلة قد صرفت إلى الكعبة، فقالوا: يا رسول الله! قد كنت على دين، ونحن على غيره، ونحن على ضلال، فأنزل الله الآية الكريمة، والمعنى: ما كان الله ليبطل عمل قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يبين الناسخ.
انتهى. خازن بتصرف.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف، (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لِيُضِلَّ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود. والفاعل يعود إلى الله، ﴿قَوْماً﴾: مفعول به. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه. وقيل: هي بمعنى «أن» المصدرية. ﴿هَداهُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف. والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾.
والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى الوجه الثاني فيها تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه. التقدير: بعد هداية الله لهم، و «أن» المضمرة والفعل (يضل) في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود،
стр. 2353
والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: ما كان الله مريدا لإضلال قوم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿يُبَيِّنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. والفاعل يعود إلى الله. ﴿لَهُمْ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: حتى يبين لهم الذي أو شيئا يتقونه، و «أن» المضمرة والفعل: ﴿يُبَيِّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يضل). ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾:
اسمها. ﴿بِكُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدها، و ﴿بِكُلِّ﴾: مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه.
﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الاسمية: ﴿كانَ اللهُ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)﴾
الشرح: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: فهو يتصرف فيهما كيف يشاء. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾:
الإحياء. يكون بالخلق والإيجاد الظاهرين، ويكون الإحياء بالإيمان على سبيل الاستعارة التبعية، وقل مثله في الإماتة، وانظر الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام). تجد ما يسرك. ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾: انظر الآية رقم [٧٤].
قال البيضاوي: لما منعهم عن الاستغفار للمشركين، وإن كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري منهم رأسا، بين لهم أن الله مالك كل موجود، ومتولي أمره، والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية، ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا بقلوبهم إليه، ويتبرءوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويتركون سواه. انتهى. بتصرف بسيط.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها، ﴿اللهَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه. و ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يُحْيِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور في ﴿اللهَ﴾. وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة على الوجهين المعتبرين فيها ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٧٤] والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
стр. 2354
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ تابَ﴾: لقد تجاوز وعفا وصفح. ﴿النَّبِيِّ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠]، ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: المراد بها وقت غزوة تبوك، حيث كانوا في عسرة وضيق، حتى كان العشرة من الرجال يتعاقبون ظهر البعير الواحد، وكان الرجلان يقتسمان تمرة واحدة، واشتد بهم العطش في سفرهم حتى شربوا ما في فرث الحيوانات من الماء، ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾: ويقرأ: «(من بعد ما كادت تزيغ قلوب فريق منهم)»، واختلف في معنى «(تزيغ)»، فقيل: تتلف بالجهد، والمشقة والشدة، وقال ابن عباس-﵄: أي: تميل عن الحق في الممانعة والنصرة، وقيل: من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان، ثم لحقوا به: وقيل: همّوا بالقفول، فتاب الله عليهم، وأمرهم به، وثبتهم على الحق والإيمان. انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر ما ذكرته بشأن غزوة تبوك في الآية رقم [٣٩] ففيه الكفاية. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾: تكرير للتأكيد، وتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. ﴿رَؤُفٌ﴾ أي: بالعباد؛ حيث فتح لهم باب التوبة. والاعتذار، وكلفهم بالعبادات والجهاد، فعرضهم لثواب الغزاة والشهداء، هذا؛ والرأفة أشد الرحمة، و ﴿رَؤُفٌ﴾ صيغة مبالغة، فالله أرأف بعباده من الوالدة بولدها، ومن رأفته: أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المتقطع، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها وعدها. وهي معلومة عند ذوي الألباب، ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من الرحمة.
تنبيه: لقد اختلف في هذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين والأنصار على أقوال كثيرة، أعتمد منها ما قاله ابن عباس-﵄: أنها كانت على النبي ﷺ ؛ لأجل إذنه للمنافقين في القعود عن الجهاد، ودليله الآية رقم [٤٣].
تنبيه،، وفائدة: «كاد» و «يكاد»: فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف النفي؛ دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في الآية رقم [٧١] من سورة (البقرة)، وإذا لم يدخل عليها حرف نفي لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منهما واوي العين، فيكاد وزنه: يكود ك «يعلم»، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم قال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقبلت ألفا، فصار: «يكاد»، بوزن يخاف، وكاد أصله كود بكسر الواو كخوف، ومصدره الكود كالخوف، وهذا في «كاد» الناقصة، وأما «كاد»
стр. 2355
التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي ك «باع»، ومصدره الكيد كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ..﴾. ومن الثاني قوله تعالى:
﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً،﴾ ومعنى الأول المقاربة، ومعنى الثاني المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة: قد تأتي (كاد) بمعنى أراد، قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكاشف، وجعل منه قول الأفواه الأودي: [البسيط]
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
أي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]
كدنا وكدت وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا وأردت، دليله (تلك خير إرادة).
تنبيه: شاع على الألسن أن نفي «كاد» إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل]
أنحويّ هذا العصر، ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود
فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك، صاحب الألفية بقوله: [الطويل]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه، انظر الشاهد [١١٢٧]، من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك.
قال رحمه الله تعالى. والتحقيق: أنها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل، لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قال تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنه لا يضيء. وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب
стр. 2356
إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي وغيره، وذهب قوم، منهم ابن جني، إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء، لآية ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١]. البقرة، فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب أنها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً،﴾ انتهى.
وقال ابن هشام في مغنية: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.
الإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال، وجملة: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾:
ابتدائية، أو هي جواب قسم محذوف، لا محل لها على الوجهين. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة للاسمين قبله، أو هو بدل منهما، ويجوز نصبه على القطع والمدح بفعل محذوف، وجملة: ﴿اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: صلة الموصول، لا محل لها، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل اتبعوه. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كادَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿يَزِيغُ﴾:
مضارع. ﴿قُلُوبُ﴾: تنازعه الفعلان قبله. فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا له، ولا بد من الإضمار في أحدهما على اختلاف بين البصريين والكوفيين، وقيل: اسم (كاد) ضمير الشأن. وقيل: اسمها مضمر، التقدير: من بعد ما كاد القوم، وعلى جميع الوجوه فجملة ﴿يَزِيغُ﴾ أو (تزيغ) ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ في محل نصب خبر كاد وانظر الآية رقم [١٣٧] (الأعراف).
و ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،﴾ وجملة: ﴿ما كادَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿فَرِيقٍ﴾. أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿تابَ عَلَيْهِمْ﴾: معطوفة على جملة: ﴿لَقَدْ تابَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها، ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما على التنازع، ﴿رَؤُفٌ﴾: خبر إن. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، والله أعلم.
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾
الشرح: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي: وتاب الله على الثلاثة، وهم المذكورون في الآية رقم [١٠٦]، و ﴿خُلِّفُوا﴾ أي: تخلفوا عن غزوة تبوك، وقيل: تخلفوا عن التوبة، أي: أخر
стр. 2357
أمرهم، وهم المرجون لأمر الله، وقيل: المعنى تركوا أو أخروا عن المنافقين، فلم يحكم فيهم بشيء. ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أي: بما اتسعت؛ لأنهم كانوا مهجورين، لا يعاملون، ولا يكلمون، وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: ضاقت صدورهم بالهم والوحشة، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة.
﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ﴾ أي: تيقنوا أن لا ملجأ يلجئون إليه في الصفح عنهم، وقبول التوبة منهم إلا إلى الله، ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا..﴾. إلخ فبدأ بالتوبة منه، أي: قبولها، ترغيبا لهم ولأهل المعاصي في الرجوع إليه، وانظر الآية رقم [١٠٤] لشرح ﴿التَّوّابُ،﴾ وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والفضل والإحسان، وأنه لا يجب عليه سبحانه شيء.
قال أبو زيد رحمه الله تعالى: غلطت في أربعة أشياء، في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أحبه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو رضي عني، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وظننت أني أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾. وظننت أني أتوب، فإذا هو قد تاب علي، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا..﴾ ..
بعد هذا فإني أذكر لك ما حدّث به كعب بن مالك ﵁ عن نفسه، وعن صاحبيه، وقد روى حديثه البخاري، ومسلم، وغيرهما.
قال: ﵁-وهذا الحديث رواه عنه ابنه عبد الله-﵃ أجمعين-: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ . والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة.
والله، ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، -يريد بذلك الديوان-قال كعب. فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار، والظلال، فأنا إليها أصعر-أميل-ليجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي
стр. 2358
أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، ولم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، وأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت، ولم أقض شيئا.
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدّر لي ذلك، وطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلا مغموضا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم في تبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟». فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عطفيه.
فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك، فرأى رجلا مبيضا يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ :
«كن أبا خيثمة». فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، الآية رقم [٧٩] قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثّي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد ظل قادما راح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبّح رسول الله ﷺ قادما».
وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: (تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟) قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله ، والله ما كان لي من عذر، ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك!».، فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني، فقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ ، بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأكذب نفسي، قال:
ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما ما قيل لك، قال، قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي.
стр. 2359
قال: فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا فيهما أسوة، قال: فمضيت حتى ذكروهما لي، قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال:
فاجتنبنا الناس، أو قال: تغيّروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم، وأجلدهم، فكنت أخرج، فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم، فأقول في نفسي، هل حرك شفتيه بردّ السّلام، أم لا؟
ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي؛ نظر إليّ، فإذا التفت نحوه؛ أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين، مشيت، حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه، فو الله ما ردّ علي السّلام!.
فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت، فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أن أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول:
من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني، فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته، فإذا فيه، أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
قال: فقلت حين قرأتها، وهذه أيضا من البلاء، فتيمّمت بها التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، وإذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ .
فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك، قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء، وو الله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ ، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا استأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها؟ وأنا رجل شاب.
قال: فلبثت عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحالة التي ذكر الله منا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى
стр. 2360
على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجدا، وعلمت أن قد جاء فرج، قال: وأذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته.
والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أيمم رسول الله ﷺ ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة، ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلنا المسجد، فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرق وجهه من السرور، قال: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك».
قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله! أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله». وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال:
فلما جلست بين يديه؛ قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك». فقلت: فإني أمسك سهمي الذي لي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فو الله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي، قال:
فأنزل الله : ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ..﴾. إلخ الآيات.
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين نزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٩٥ و ٩٦]، قال كعب: كنا خلّفنا أيّها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وليس الذي ذكره ما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه، إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن خلف له، واعتذر إليه، وقبل منه. انتهى. قرطبي، وخازن، والترغيب والترهيب للحافظ المنذري بحروفه.
стр. 2361
تنبيه: رويت لك الحديث بتمامه لما فيه من العبر والعظات التي تؤخذ منه، وما يتذكر إلا أولو الألباب، وليتضح معنى الآية الكريمة وتفسيرها تمام الإيضاح، فإن هناك من يفسرها على غير وجهها الصحيح، فيضل عن طريق الحق والصواب، ولعلك تدرك معي فضل الصدق في الحديث، وما يؤول إليه أمره من النجاة في الدنيا والآخرة، وانظر الكذب وما يؤول إليه أمره من الهلاك في الدنيا والآخرة في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل).
الإعراب: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ﴾: معطوفان على قوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ..﴾. إلخ فإن التقدير: وتاب الله على الثلاثة. ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه ما جاز بسابقه. ﴿خُلِّفُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [٨٦]. ﴿ضاقَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضُ﴾: فاعل، وجملة: ﴿ضاقَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر، و (ما) المصدرية والفعل ﴿رَحُبَتْ﴾:
في تأويل مصدر في محل جر بالباء التقدير: برحبها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها. ﴿أَنْ﴾:
حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لا﴾:
نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿مَلْجَأَ﴾: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿مِنَ اللهِ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَلْجَأَ،﴾ وعليه فخبر ﴿لا﴾ محذوف، التقدير: موجود، ونحوه، والأول: على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا،﴾ والثاني: على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿إِلَيْهِ﴾: بدل من قوله ﴿مِنَ اللهِ﴾ وقيل: استثناء من مقدر، أي: لا ملجأ لأحد، ولا اعتماد على أحد إلا إليه تعالى انتهى. سمين. و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنوا)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ، معطوفة على جملة: ﴿ضاقَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف، تقديره: رحمهم الله تعالى، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿حَتّى﴾ لا محل له، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن أبا الحسن الأخفش يعتبر ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي: لا يوافقه عليه أحد من النحويين، وجملة: ﴿تابَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ المحذوف، ﴿لِيَتُوبُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٤] وهي مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
стр. 2362
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ (١١٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾: خافوه فيما لا يرضاه، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١] من سورة (الأعراف)، وزيادته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وانظر ﴿اِتَّقُوا﴾ في الآية رقم [١] منها. ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله، نية وقولا وعملا، وقرئ: «(من الصادقين)» أي: في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد به الثلاثة المذكورون في الآية السابقة، ومن نهج نهجهم وسار على طريقهم، وقيل: غيرهم على أقوال كثيرة.
تنبيه: روي: أن أبا بكر ﵁ احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة، وذلك أن الأنصار قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فقال ﵁، يا معشر الأنصار! إن الله يقول في كتابه ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ.﴾. إلى قوله ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (الحشر)، من هم، قالت الأنصار: أنتم هم، فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ الآية، فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، نحن الأمراء، وأنتم الوزراء. انتهى. خازن.
وقال القرطبي-رحمه الله تعالى: حق من فهم عن الله، وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار، قال ﷺ : «عليكم بالصّدق، فإن الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا». والكذب على الضد من ذلك، قال ﷺ : «إيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٣] وجملة:
﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ﴿وَكُونُوا﴾: أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا،﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كانوا)، و ﴿مَعَ﴾:
مضاف، و ﴿الصّادِقِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَكُونُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 2363
﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾
الشرح: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ..﴾. إلخ: أي: ما صح، أو: لا يصح، ولا ينبغي، وهذا خبر، ومعناه أمر، انظر الآية رقم [١١٣] -وانظر ﴿حَوْلَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٠١]، ﴿الْأَعْرابِ﴾:
انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه، ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والمشقات والمصاعب، وانظر الفعل (يرغب) في الآية رقم [١٢٧] من سورة (النساء)، ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى ما دل عليه قوله: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ من النهي عن التخلف. ﴿لا يُصِيبُهُمْ﴾ أي: في سفرهم وغزواتهم، وانظر إعلاله في الآية رقم [٥١] ﴿ظَمَأٌ﴾: عطش. ﴿نَصَبٌ﴾: تعب. ﴿مَخْمَصَةٌ﴾: جوع شديد. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في طاعته، ومن أجل إعلاء كلمته. ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾ أي: لا يضعون قدما على الأرض يكون ذلك القدم سببا لغيظ الكفار وغمهم وحزنهم. ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً﴾ أي:
أسرا أو قتلا، أو هزيمة، أو غنيمة منهم، أو نحو ذلك قليلا كان أو كثيرا، ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أي: إلا كتب وسجل لهم بذلك ثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم، وقبله منهم.
﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: انظر الآية رقم [٩١].
قال الخازن: وفي الآية دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه، وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، ومن قصد معصية الله كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته وسكونه كلها سيئات إلا أن يغفرها الله بفضله وكرمه. انتهى.
قال البيضاوي: روي: أن أبا خيثمة ﵁ ذهب إلى بستانه، بعد ذهاب رسول الله ﷺ ، وسفره إلى تبوك، وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب، والماء البارد، فنظر، فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضج والريح، ما هذا بخير، فقام، فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، فمد رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال:
كن أبا خيثمة، فكان هو، ففرح به رسول الله ﷺ ، واستغفر له. انتهى.
الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِأَهْلِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، و ﴿لِأَهْلِ﴾: مضاف، و ﴿الْمَدِينَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَمَنْ﴾: اسم
стр. 2364
موصول، أو نكرة موصولة بمعنى أناس مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (أهل).
﴿حَوْلَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (من) أو صفتها، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف.. (لا): نافية، أو ناهية. ﴿يَرْغَبُوا﴾: منصوب. إذا اعتبرته معطوفا على ما قبله. ومجزوم إذا اعتبرت (لا) ناهية، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل: ﴿يَرْغَبُوا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿نَصَبٌ﴾ و ﴿مَخْمَصَةٌ﴾:
معطوفان على ﴿ظَمَأٌ،﴾ و (لا) زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بأحد الأسماء الثلاثة، على التنازع، أو بمحذوف صفة له، و ﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلا﴾:
الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿يَطَؤُنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَوْطِئاً﴾: مفعول به إن كان اسم مكان، ومفعول مطلق إن كان مصدرا ميميا بمعنى وطأ، وجملة: ﴿يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾: في محل نصب صفة له، وجملة: ﴿وَلا يَطَؤُنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، و ﴿نَيْلاً﴾ مفعول مطلق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كُتِبَ﴾: ماض مبني للمجهول.
﴿لَهُمْ بِهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَمَلٌ﴾: نائب فاعل. ﴿صالِحٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: انظر إعراب: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى..﴾. إلخ في الآية رقم [٩٦] فهي مثلها، والجملة الاسمية هنا تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾
الشرح: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾: واو الجماعة عائدة على الذين نهوا عن التخلف من أهل المدينة والأعراب والذين رغبوا في الجهاد بما ذكر لهم من الأجر العظيم والثواب العميم، وانظر (نفق) في الآية رقم [٣]، من سورة (الأنفال)، ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾: ولو ثمرة. ﴿كَبِيرَةً﴾: كنفقة عثمان
стр. 2365
وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهما في غزوة تبوك. ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً﴾ أي: في مسيرهم مقبلين، أو مدبرين فيه، ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ أي: كتب الله لهم آثارهم وخطاهم، وثواب نفقاتهم. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: ليثيبهم، ويكافئهم مكافأة أعظم بكثير مما كانوا يفعلونه في هذه الدنيا، وهذه المكافأة تكون في الآخرة، وانظر جزى في الآية رقم [٢٧].
هذا؛ والوادي: هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السبيل، ويجمع على: أودية وأوديات، وأوادية وأوداء وأوداة قال جرير: [الوافر]
عرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم
ولم أعثر على وديان مع أنه كثير مستعمل، هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع (واد) على (أودية): وجمع فاعل على أفعلة، شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه أن فاعلا قد جاء بمعنى: فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة: كجريب وأجربة كذلك فاعل. انتهى.
تنبيه: الآية الكريمة وسابقتها تحثان على الجهاد وتبينان أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله، والنبي ﷺ قد بين ذلك في أحاديثه الشريفة أحسن بيان، فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرّوحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها». وفي رواية: «وما فيها». متفق عليه.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرج إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والّذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل».
متفق عليه، واللفظ هنا لمسلم، وللبخاري بمعناه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٦] -النساء، وانظر رباط الخيل في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال).
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿يُنْفِقُونَ﴾:
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلهن. ﴿نَفَقَةً﴾: مفعول به.
﴿صَغِيرَةً﴾: صفة: ﴿نَفَقَةً﴾. ﴿وَلا﴾: مثل سابقتها. ﴿كَبِيرَةً﴾: معطوف على ﴿صَغِيرَةً﴾.
وجملة: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا ﴿إِلاّ كُتِبَ﴾
стр. 2366
﴿لَهُمْ﴾: انظر مثل هذه الجملة ومحلها في الآية السابقة ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ما يفهم من الإنفاق وقطع الوادي، ويقدره المفسرون (إلا كتب لهم ذلك) أي: ثواب ما ذكر من الأمرين. تأمل. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول به ثان، وهو مضاف، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾: في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: أحسن الذي، أو شيء كانوا يعملونه، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿كُتِبَ﴾.
﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: ما صح ولا ينبغي أن يخرج جميع المؤمنين للجهاد في كل غزوة، أو سرية، وانظر انفروا و (النفير) في الآية رقم [٣٩]، ﴿كَافَّةً﴾ و (عامة) وجميعا الكل بمعنى واحد، وكافة وعامة لا تضافان، ولا تدخلهما ال، ولا تكونان إلا منصوبتين على الحال نصبا لازما. وانظر الآية رقم [٣٦]. ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾: فهلا خرج للجهاد من كل قبيلة، أو أهل قرية طائفة، والفرقة أقل من الفريق، وانظر ﴿طائِفَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٧]، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾: ليتعلموا أحكام الدين وشرائعه، وانظر (فقه) في الآية رقم [١٧٩] (الأعراف). ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾: ليعلموا قومهم ما تعلموه من أحكام الدين وشرائعه إذا رجعوا إليهم من غزوهم وجهادهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾:
لعلهم يخافون عقاب الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!.
تنبيه: في هذه الآية عدة أمور:
-الأول: إن هذه الآية نسخت الآية السابقة، والآية رقم [٣٩] وقال ابن عباس-﵄: هذه الآية مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها بالنهي عن تخلف واحد فيما إذا خرج النبي ﷺ بنفسه للجهاد.
-الثاني: لقد اختلف في الضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا،﴾ و ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ فقال مجاهد وقتادة: هو للمقيمين مع النبي ﷺ ؛ وعليه فهناك محذوف، كما تقف عليه في الإعراب، وقال الحسن: هما
стр. 2367
للفرقة النافرة للجهاد، ويكون المعنى: ليتبصروا، ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على الأعداء ونصرة الدين. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ من الكفار. ﴿إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه والمؤمنين، ويوشك أن ينزل بهم، ما نزل بأصحابهم الكفار، قال القرطبي: قول مجاهد وقتادة أبين. انتهى بتصرف.
-الثالث: الآية الكريمة تحث على طلب العلم، والتفقه في الدين، وطلب العلم ينقسم على قسمين: فرض عين، وذلك كتعلم أحكام الصلاة والصيام، والحج والزكاة؛ إذ كل مكلف من ذكر، أو أنثى بأداء هذه العبادات يجب عليه وجوبا عينيا أن يعرف أحكام العبادة التي يقوم بأدائها، وإذا قصر في ذلك يكون آثما قطعا، وهذا ما أفاده قول الرسول ﷺ : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم». رواه أنس بن مالك ﵁، والثاني: فرض كفاية، وذلك كعلم المواريث، والنكاح، والأقضية والشاهدات، وإقامة الحدود، والفصل في الخصومات؛ إذ لا يجب أن يتعلمه جميع الناس، فتضيع أحوالهم، وتبطل معايشهم، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين من غير تعيين، ويرجع إليهم الباقون في حال ما يعرض لهم من قضايا دينهم ودنياهم.
-الأمر الرابع: طلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها أي: عمل، والأحاديث الشريفة المرغبة في طلب العلم كثيرة مشهورة مسطورة، يعرفها من يريد الاطلاع عليها.
-الأمر الخامس: نزلت الآية الكريمة لما نزل في المتخلفين ما نزل من التوبيخ والتقريع، كما رأيت فيما مضى، وتسابق المؤمنون إلى الغزو، وانقطعوا عن النفقة في أمور الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.
﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِيَنْفِرُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَوْلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿نَفَرَ﴾: ماض. ﴿مِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿فِرْقَةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿طائِفَةٌ﴾. كان صفة لها، فلما قدم عليها صار حالا. ﴿طائِفَةٌ﴾: فاعل ﴿نَفَرَ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل... إلخ. و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل،
стр. 2368
والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وبقي باقي الفرقة للتفقه في الدين، وهذا على قول قتادة ومجاهد. وهما متعلقان بالفعل ﴿نَفَرَ﴾ على قول الحسن؛ والأول أحق بالاعتبار كما رأيت في الشرح. ﴿فِي الدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب والتأويل. ﴿إِذا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، فهو مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ مفيدة للتعليل لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا..﴾. إلخ: هذا النداء للمؤمنين، فقد أمروا بقتال الكفار الأقرب فالأقرب في الدار والنسب، كما أمر رسول الله ﷺ أولا بإنذار عشيرته الأقربين، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح، وقيل: هم يهود المدينة، كقريظة، والنضير، وخيبر، وإذا عرفت أنه قد قضي على قبائل اليهود في غزوة خيبر، وغزوة الخندق، وقد كانتا قبل نزول هذه السورة بعامين، أو أكثر عرفت: أنه لا اعتبار لهذا القول، وقيل: المراد بهؤلاء الروم؛ لأنهم كانوا في الشام، وهي أقرب إلى المدينة من العراق بلاد الفرس، وانظر الآية رقم [٢٩].
﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي: شدة، وقوة، وحمية، وصبرا في القتال، وقرئ بتثليث الغين وسكون اللام. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: بالنصر والتأييد، والمعونة على أعدائهم، لا المعية الحسية، فإنها مستحيلة قطعا، وخابت الوثنية.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٢٣].
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَلُونَكُمْ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنَ الْكُفّارِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.
﴿وَلْيَجِدُوا﴾: مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ. والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قاتِلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ﴿فِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿غِلْظَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، ﴿غِلْظَةً﴾: مفعول به، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣٦] وهي معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 2369
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: من سور القرآن، وانظر شرح ﴿سُورَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٤]، ﴿فَمِنْهُمْ﴾: من المنافقين، ولم يتقدم لهم ذكر، وإنما فهم من المقام. ﴿مَنْ يَقُولُ﴾:
يقول ذلك استهزاء وسخرية. ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً﴾ أي: يقول بعض المنافقين لبعض هذا الكلام، أو يقوله للمؤمنين. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً﴾: انظر زيادة الإيمان في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال). تجد ما يسرك. ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون بنزول السورة؛ لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم عند ربهم.
الإعراب: الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٨٦]. ﴿ما﴾: زائدة للتوكيد.
﴿أُنْزِلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٤٩]، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَيُّكُمْ﴾: اسم استفهام مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿زادَتْهُ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به أول. ﴿هذِهِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِيماناً﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿زادَتْهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ ويقرأ بنصب ﴿أَيُّكُمْ﴾ على أنه منصوب بفعل محذوف، يقدر مؤخرا، فتكون الجملة: ﴿زادَتْهُ..﴾. إلخ مفسرة للمحذوفة، والكلام كله على القراءتين في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (أما): أداة شرط وتفصيل وتوكيد.
أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فالذين آمنوا... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب (مهما) و (يك) من شيء، فصار أما الذين آمنوا فزادتهم.
وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.
وأما كونها أداة توكيد، فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾:
مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَزادَتْهُمْ﴾: الفاء: واقعة في جواب أما، وجملة: ﴿فَزادَتْهُمْ إِيماناً﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وهي في الوقت نفسه جواب (أما)، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة عما قبلها ومستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: الواو:
стр. 2370
واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾:
في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)﴾
الشرح: ﴿مَرَضٌ﴾: كفر. وانظر مرض القلب في الآية [٤٩] من سورة (الأنفال).
﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: كفرا إلى كفرهم، وذلك أنهم كلما جحدوا نزول سورة، أو استهزءوا، ازدادوا كفرا مع كفرهم الأول، وسمي الكفر رجسا؛ لأنه أقبح الأشياء، وأصل الرجس في اللغة: الشيء المستقذر. ﴿وَماتُوا﴾ أي: المنافقون. ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ أي: جاحدون لما أنزل الله .
تنبيه: الآية السابقة ذكرت: أن الإيمان يزيد بنزول الآيات والتصديق بها وهذه الآية ذكرت: أن الكفر والنفاق يزيد أيضا بجحود الآيات، وعدم التصديق بها، فهذا من باب المقابلة، وقد رأيت فيما سبق: أن الله جلت قدرته يقارن بين الإيمان والكفر، وبين الجنة والنار، وبين الحسنات والسيئات.
قال الإمام علي ﵁، وكرم الله وجهه: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان عظما، ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب، وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. انتهى خازن.
الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية السابقة. ﴿إِلَى رِجْسِهِمْ﴾:
متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجْساً﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾
الشرح: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ أي: المنافقون، وقرئ: «(أو لا ترون)» خطابا للمؤمنين، وقرئ: «(أو لم يروا)» كما قرئ: «(أو لا ترى)» خطابا للرسول ﷺ . ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يبتلون. ﴿فِي كُلِّ عامٍ﴾
стр. 2371
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أي: بالأمراض والشدائد، وقيل: بالغزو والجهاد مع رسول الله ﷺ ، فيعاينون ما يظهر على يديه من الآيات، والمعجزات، وقيل: إنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم في كل عام مرة أو مرتين، هذا؛ والعام والسنة والحول بمعنى واحد. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ أي: من نفاقهم، بل هم مصرون عليه، ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: يتعظون ويعتبرون بما يرون ويشاهدون من صدق وعد الله بالنصر، والظفر للمسلمين على أعدائهم.
الإعراب: ﴿أَوَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. الواو: حرف عطف، (لا): نافية.
﴿يَرَوْنَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿يُفْتَنُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله. ﴿فِي كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿عامٍ﴾:
مضاف إليه. ﴿مَرَّةً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. هذا؛ وبعضهم يعتبره نائب مفعول مطلق بمعنى فتنة أو فتنتين. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يُفْتَنُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يرون)، أو مفعوله إن كان بصريا، وجملة: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على كلام محذوف، كما رأيت في الآية رقم [٦٤] من سورة (الأعراف)، وجملة: ﴿لا يَتُوبُونَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يُفْتَنُونَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا﴾: نافية، أو هي زائدة لتأكيد النفي.
﴿أَنَّهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾: انظر الآية رقم [١٢٤]. ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾: تغامزوا بالعيون إنكارا لإنزال السورة التي فيها فضيحتهم، وكشف سرائرهم، أو سخرية، واستهزاء، أو غيظا لما فيها من عيوبهم. ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: هل يبصركم أحد إذا قمتم وخرجتم من عند محمد ﷺ ، فإن لم يرهم أحد؛ ذهبوا، وإن رآهم أحد؛ قعدوا، وذكر في سورة (النور): أنهم يتسللون لواذا. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾: ثم خرجوا من مجالسهم التي يسمعون فيها ما يكرهون. ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾: عن الإيمان والهدى، وهذه الجملة تحتمل الإخبار والدعاء عليهم. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي: صرفهم الله عن الإيمان بسبب عدم فهمهم، وعدم تدبرهم لآيات الله، فلم ينتفعوا بها.
стр. 2372
تنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن الله هو مصرف القلوب، وقالبها ومقلبها، وفيها رد على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم، وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم واختيارهم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٢٤]. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿يَراكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ﴾: حرف جر وصلة. ﴿أَحَدٍ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: في محل نصب مقول القول، التقدير: وقالوا هل... إلخ، وهذه الجملة معطوفة على جواب إذا لا محل لها مثله، وجملة: ﴿اِنْصَرَفُوا﴾ معطوفة أيضا على جواب إذا لا محل لها أيضا. ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾: في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿صَرَفَ﴾.
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: هذا الخطاب للعرب الذين امتن الله عليهم برسالة محمد ﷺ ، وقال الزجاج: خطاب لجميع العالم. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: من جنسكم عربي تعرفون حسبه ونسبه، أو من جنسكم بشر، والأول أولى بالاعتبار، هذا؛ وقرئ: «(من أنفَسكم)» بفتح الفاء، أي: من أشرفكم، وانظر شرح ﴿رَسُولٌ﴾ في الآية رقم [٧٤] وشرح «النّفس» في الآية [٩] من سورة (الأعراف). ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه عنتكم، ولقاؤكم المكروه، والعنت المشقة والعناء. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على إيمانكم، وصلاح أحوالكم في الدنيا والآخرة، والحرص: المحافظة الشديدة على الشيء، والخوف عليه أن يضيع أو يتلف. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾: انظر ﴿رَؤُفٌ﴾ في الآية رقم [١١٧] وقد قدم الأبلغ منهما مع كونهما صيغتي مبالغة؛ لأن الرأفة شدة الرحمة.
قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه، إلا للنبي ﷺ ، فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ،﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.
أقول: وينبغي الانتباه للاتصاف بالاسمين بين الخالق والمخلوق، فرأفته ورحمته عامة لجميع الناس، لذا فقد أكدت الجملة الاسمية ب (إنّ) ولام التوكيد، بينما رحمته ﷺ ، ورأفته خاصة بالمؤمنين، وهي خالية من أدوات التوكيد.
стр. 2373
وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز، حريص بالمؤمنين رءوف رحيم، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ لا يهمه إلا شأنكم، وهو قائم بالشفاعة لكم، فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة. انتهى.
الإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ﴾: ماض والكاف مفعول به. ﴿رَسُولٌ﴾:
فاعل. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَسُولٌ﴾. والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿عَزِيزٌ﴾ صفة: ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَنِتُّمْ﴾: فعل وفاعل، و ﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ب ﴿عَزِيزٌ،﴾ هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة فاعلا ب ﴿عَزِيزٌ،﴾ والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: عزيز عليه الذي عنتموه، والأول أقوى. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان ب ﴿عَزِيزٌ،﴾ هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ خبرا مقدما، و ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ على الوجهين مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:
﴿رَسُولٌ،﴾ وأجاز مكي اعتبار ﴿عَزِيزٌ﴾ مبتدأ، و ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ فاعلا ب ﴿عَزِيزٌ﴾ سد مسد خبره، والجملة صفة: ﴿رَسُولٌ،﴾ ولا وجه له البتة؛ لأن ﴿عَزِيزٌ﴾ لم يعتمد على نفي أو شبهة، ﴿حَرِيصٌ﴾: صفة ل ﴿رَسُولٌ،﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿حَرِيصٌ﴾.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب ﴿رَؤُفٌ،﴾ وقيل: متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، ﴿رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾: صفتان ل ﴿رَسُولٌ،﴾ وفيهما وفي ﴿حَرِيصٌ﴾ ضمير مستتر هو الفاعل بهن.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أعرض الكفار والمنافقون عن تصديقك، والإيمان بك، يا محمد! ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾: كافي الله، فهو يكفيني شركم، وينصرني عليكم. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي:
لا موجود سواه، ولا معبود غيره. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت، وإليه فوضت أموري، واستسلمت لحكمه وقضائه وقدره. ﴿الْعَرْشِ﴾: إنما خصه سبحانه بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل ما دونه في الذكر، أو خصه بالذكر تشريفا له، كما قال: بيت الله، وانظر ما ذكرته في آية الكرسي والآية [٥٤] من سورة (الأعراف). هذا؛ وقد قرئ بجر (العظيم) ورفعه.
روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ..﴾.
إلخ آخر القرآن نزولا، وفي رواية عنه، قال: أحدث القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ..﴾. إلخ.
стр. 2374
الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿حَسْبِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة ﴿اللهُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة (قل...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد.
﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿إِلهَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ﴾:
فيه ثلاثة أوجه. أحدها: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيها: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها:
كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، وتكون من جملة مقول القول. تأمل.
﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من الحالية. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿وَهُوَ﴾: مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ﴾:
صفة: ﴿الْعَرْشِ﴾ على جره، وصفة: ﴿رَبُّ﴾ على رفعه، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ رَبُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور بعلى، والرابط: الواو، والضمير، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
انتهت سورة (التوبة) بعون الله وتوفيقه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
стр. 2375
سورة يونس
سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
وهي مكية إلا ثلاث آيات، وهي قوله : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ..﴾. إلخ الآية رقم [٩٤، ٩٥، ٩٦].
قاله ابن عباس-﵄، وقيل: غير ذلك، وهي مائة وتسع آيات، وألف وثمانمائة، واثنتان وثلاثون كلمة. وتسعة آلاف وتسعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. وانظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وألف سلام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١)﴾
الشرح: ﴿الر﴾: قال ابن عباس والضحاك-﵄-معناه (أنا الله أرى)، وقال ابن عباس-﵄-في رواية أخرى عنه: ﴿الر،﴾ و ﴿حم،﴾ و ﴿ن﴾ حروف متقطعة، مجموعها (الرحمن)، وبه قال سعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله. وقال النحاس:
ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول؛ لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وأنشد قول لقيم بن أوس أحد بني ربيعة بن مالك لامرأته، وهو الشاهد رقم (١٨١١) من شواهد همع الهوامع المخطوط لديّ، وأسأل الله التوفيق لطبعه: [الرجز]
إن شئت أشرفنا كلانا فدعا... الله جهدا ربّه، فأسمعا
بالخير خيرات، وإن شرّا فعا... ولا أريد الشرّ إلاّ أن تعا
إذ المعنى: إن شئت صعدت أنا وأنت مكانا عاليا، ودعونا الله جهدنا، وسألنا أن يعامل كلا منا بما يستحق: المحسن يجزيه بإحسانه، والمسيء يجزيه بإساءته، ولا أريد الشر والدعاء به، إلا أن ترغبي فيه، وتأبى المعروف والخير.
هذا وقال الحسن وعكرمة: ﴿الر﴾ قسم، وقال سعيد عن قتادة: ﴿الر﴾ اسم للسورة، وقال مجاهد: هي فواتح السور، وقال محمد بن زيد: هي تنبيه، وكذا حروف التهجي. انتهى قرطبي، وخازن بتصرف كبير مني، وانظر: ما ذكرته في أول سورة (البقرة) إن أردت الزيادة.
стр. 2376
﴿تِلْكَ﴾: الإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة، أو القرآن، وإنما أدخلت اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والسورة الكريمة، أو القرآن الكريم في متناول اليد؛ وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل والشرف، وعلو المكانة؛ فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. ﴿آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾: المحكم بالحلال، والحرام، والحدود، والأحكام، فهو فعيل بمعنى: مفعول، وقيل: هو بمعنى الحاكم، فهو: فعيل بمعنى: فاعل؛ لأن القرآن حاكم يميز بين الحق والباطل، ويفصل بين الحلال والحرام، وقيل: هو بمعنى المحكوم فيه، أي: حكم الله فيه بالعدل والإحسان، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه.
الإعراب: ﴿الر﴾: في إعراب هذا اللفظ وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه ﴿الر﴾. أو هو مبتدأ خبره ما بعده. الثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلن، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير: التزمت الله، أي: اليمين به، الثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم أو أحلف ب ﴿الر،﴾ وضعف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك، أي: حذف الجار، وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَكِيمِ﴾: صفة: ﴿الْكِتابِ،﴾ وفاعله، أو نائب فاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، أو هي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ أو اتل... إلخ، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ ﴿الر﴾ على وجه مر ذكره.
﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾
الشرح: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا يحق لهم أن يعجبوا من إرسال رسول منهم للناس، والمراد بالناس: أهل مكة، وانظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف)، وانظر العجب في الآية رقم [٦٣] منها. ﴿رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ أي: من بعض رجالهم، لكنه ليس من عظمائهم، والمراد به: سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، هذا؛ وقرئ شاذا برفع «(عجب)». ﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾: خوفهم عقاب الله وانتقامه منهم، إن هم أصروا على الكفر، ومخالفة أوامر الله تعالى. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بشرهم برضا الله، ورضوانه، وجنة عرضها الأرض والسموات، هذا؛ وعمم سبحانه
стр. 2377
الإنذار لجميع الناس؛ لأنه قل أن يوجد فيهم من لا يستحق الإنذار والتخويف، وخصص البشارة بالمؤمنين؛ إذ لا يستحق الكافرون والفاجرون والفاسقون أن يبشروا بخير. ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾:
اختلف في معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ اختلافا كثيرا، فقيل: منزلة رفيعة، قال ذو الرمة: [الطويل]
لنا قدم، لا ينكر النّاس أنّها... مع الحسب العاديّ طمّت على البحر
وقال مقاتل: أعمالا صالحة قدّموها، قال الوضاح اليشكري: [المنسرح]
صلّ لذي العرش، واتّخذ قدما... تنجيك يوم العثار والزّلل
وقيل: إنه كناية عن السعي في العمل الصالح، فكنى عنه بالقدم، كما يكنى عن الإنعام باليد، وعن الثناء باللسان، قال حسان ﵁: [الطويل]
لنا القدم العليا إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع
وقال ابن الاعرابي: القدم: التقدم في الشرف، قال العجاج: [الرجز]
زلّ بنو العوّام عن آل الحكم... وتركوا الملك لملك ذي قدم
وقيل: هو ولد صالح قدموه، وقال الحسن وقتادة: هو محمد ﷺ ، فإنه شفيع مطاع يتقدمهم، كما قال: «أنا فرطكم على الحوض». وقد سئل ﷺ ، فقال: «هي شفاعتي توسّلون بي إلى ربّكم». ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: الإضافة إضافة تشريف وتكريم، ﴿لَساحِرٌ﴾: ويقرأ: «(سِحر)» فالأول وصف للرسول ﷺ ، وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا يقدر أحد من البشر أن يحصل مثلها، والثاني: وصف للقرآن الكريم، وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور، وكانوا ينكرون ذلك، وانظر شرح السحر في الآية رقم [١٠٩] (الأعراف).
الإعراب: ﴿أَكانَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وإنكار. (كان): فعل ماض ناقص.
﴿لِلنّاسِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿عَجَباً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة «نعت النكرة إذا تقدم عليها، صار حالا»، وقيل: متعلقان ب (كان). وقيل: متعلقان ب ﴿عَجَباً﴾ لأنه مصدر، وهو ضعيف. ﴿عَجَباً﴾: خبر (كان) مقدم. ﴿كانَ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿أَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلى رَجُلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٍ﴾. و ﴿كانَ﴾ والفعل ﴿أَوْحَيْنا﴾: في تأويل مصدر في محل رفع اسم (كان) مؤخر، هذا؛ وعلى قراءة رفع: «(عجب)» فهو اسم (كان)، والمصدر المؤول خبرها وفيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة، وهو ضعيف، ﴿كانَ﴾: مفسرة. ﴿أَنْذِرِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿النّاسَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء، هذا؛ وقيل: إن ﴿كانَ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والأول أقوى. ﴿وَبَشِّرِ﴾: أمر، وفاعله «أنت». ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾
стр. 2378
مع المتعلق صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر أن تقدم على اسمها. ﴿قَدَمَ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿قَدَمَ﴾: مضاف، و ﴿صِدْقٍ﴾: مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى الصفة ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾:
مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿كانَ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (بشر).
التقدير: بشر... إلخ، بكونهم لهم قدم... إلخ. ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿الْكافِرُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾: الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لَساحِرٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (ساحر):
خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مُبِينٌ..﴾.: صفته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾: خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها، وتقدم وجودها؛ ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وانظر ﴿خَلَقَ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾: انظر الآية رقم [٥٤] (الأعراف)، ففيها الكفاية، وانظر ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] منها. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يقضيه ويقدره وحده، لا يشركه في تدبير خلقه أحد، وقيل: معناه أنه ، يدبر أحوال الخلق، وأحوال ملكوت السموات والأرض، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته.
﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة، إلا من بعد أن يأذن الله له في الشفاعة، وانظر آية الكرسي، وانظر الشفاعة في الآية رقم [٥٣] (الأعراف). ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية لا يشركه أحد في شيء من ذلك. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: وحدوه، وانظر العبادة في الآية رقم [١١٢]، التوبة، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: تتفكرون أدنى تفكر، فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدونه من الأوثان وغيرها،
стр. 2379
وأصل الفعل: تتذكرون فحذفت إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم وفي الكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمُ﴾: اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الَّذِي﴾:
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، وجملة:
﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿اِسْتَوى﴾ المستتر، والرابط: رجوع الفاعل إليه. أو هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾.
أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شَفِيعٍ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿إِذْنِهِ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكُمُ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ﴾: خبره.
﴿رَبَّكُمُ﴾: بدل مما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا فاعبدوه. (اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، وجملة (اعبدوه) لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع، الفاء: حرف عطف. (لا):
نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني في الفاء، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِلَيْهِ﴾: إلى الله. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: رجوعكم إلى الله. وهذا يكون بالموت أولا، ثم بالبعث والحشر والنشور ثانيا. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ أي: وعد على هذا الرجوع وعدا صادقا،
стр. 2380
لا خلف فيه. فاستعدوا للقائه، وقرئ شاذا برفع المصدرين. ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أي: من النطفة المذرة. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: يوم القيامة بعد موته، وإهلاكه، وتناثر جميع أجزائه، وقرئ شاذا بفتح همزة «أنه»، وإعلال ﴿يُعِيدُهُ﴾ مثل إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١]، من سورة (التوبة). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بعدله ، أو بعدالتهم، وقيامهم على العدل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، وهو الأوجه لمقابلته بما بعده. انتهى. بيضاوي بتصرف. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: ماء حار قد انتهى حره. ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (التوبة)، ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم.
قال البيضاوي: فإن معناه: ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم، وعذاب أليم بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه؛ ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم، وشؤم أفعالهم. انتهى.
وقال القرطبي: وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم، فاحتج عليهم بهذا، فقال: من قدر على الابتداء، قدر على الإعادة بعد الإفناء، أو بعد تفريق الأجزاء. انتهى.
الإعراب: ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من الكاف والميم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعْدَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، مؤكد لنفسه؛ لأن قوله ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعد من الله، والجملة الفعلية الناجمة في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بقوله ﴿إِلَيْهِ﴾ وتكون (قد) قبلها مقدرة، أو هي مستأنفة لا محل لها، و ﴿وَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، مؤكد لغيره، وهو ما دل عليه وعد الله، والجملة الفعلية الناتجة مثل سابقتها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية تعليل أو مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وعلى فتح همزة (أنه) تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير لكونه يبدأ الخلق، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر ﴿وَعْدَ﴾ هذا؛ وعلى قراءة المصدرين بالرفع فهما مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية يقال فيها ما قلته باعتبار الفعلية في الجملتين الناتجتين. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف.
وجملة: ﴿يُعِيدُهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِيَجْزِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل
стр. 2381
مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُعِيدُهُ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: جنات ونحوه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، وانظر الآية رقم [٩] لا محل لها مثلها.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلقان بالفعل يجزي، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾:
الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين). ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة:
﴿شَرابٌ﴾. ﴿وَعَذابٌ﴾: معطوف على ﴿شَرابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا﴾:
ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ﴾: في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَرابٌ،﴾ و ﴿وَعَذابٌ،﴾ أو بمحذوف حال منهما بعد وصفهما بما تقدم، والأول أقوى؛ لأنهما مرفوعان بالابتداء، هذا؛ وقيل: إن الذين معطوف على ما قبله، فهو منصوب مثله، وهو ضعيف.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أي: مضيئة، أو ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو هو جمع ضوء كسياط وسوط، وحياض وحوض، فالياء منقلبة عن واو لمناسبة الكسرة قبلها، هذا؛ والفعل (أضاء) يستعمل لازما ومتعديا، فمن الأول قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ وله مصدر آخر هو (الضوء) بضم الضاد وفتحها. ﴿وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ أي: ذا نور، وسمي نورا للمبالغة، وهو أعم من الضوء، وقيل: ما بالذات ضوء، وما بالعرض نور، وقد نبه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها، والقمر منيرا بعرض مقابلة الشمس، والاكتساب منها. وانظر الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أي: قدر له منازل. فلما حذف الجار اتصل الضمير بالفعل، والضمير يرجع إلى الشمس والقمر، والمعنى: قدر لهما منازل، أو قدر لسيرهما منازل، لا يجاوزانهما في السير، ولا يقصران عنها، وإنما وحد الضمير للإيجاز، أو اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر، فهو كقوله : ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية رقم [٦٢]
стр. 2382
من سورة (التوبة)، وقيل: يعود الضمير إلى القمر وحده؛ لأن سير القمر في المنازل أسرع، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين؛ لأن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشرع هي السنة القمرية لا الشمسية، ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] من سورة (الحجر) ففيها كبير فائدة. ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾:
لتعرفوا حساب الشهور والأيام والسنين، وزيادتها، ونقصانها.
وقال ابن عباس-﵄: لو جعل شمسين شمسا بالنهار، وشمسا بالليل، ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يعلم عدد السنين، وحساب الشهور، هذا؛ والسنين: جمع سنة، وهي الحول والعام. وأصلها سنة، أو سنو، وتصغيرها سنية وسنيهة وسنينة، وتجمع جمع المذكر السالم، سنون وسنين، وجمع المؤنث السالم سنوات وسنهات.
﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: ما أراد الله بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب، إظهارا لصنعته وحكمته، ودلالة على قدرته وعلمه، ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ فهذا هو الحق. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: تفصيل الآيات تبيينها، وتوضيحها ليستدل بها على قدرته تعالى لاختصاص الليل بظلامه، والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما، ولا إيجاب، هذا؛ ويقرأ: ﴿يُفَصِّلُ﴾ بياء المضارعة، والنون مع نصب الآيات، كما يقرأ بتاء المضارعة، ورفع الآيات، وخص القوم الذين يعلمون بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بالتأمل بتلك الآيات.
هذا؛ و (جعل) يأتي بمعنى: خلق وأنشأ.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-الفرق بين (خلق) و (جعل) الذي له مفعول واحد، أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين؛ ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس. انتهى.
الإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْقَمَرَ نُوراً﴾: معطوفان على مفعولي ﴿جَعَلَ،﴾ وقيل: يجوز اعتبار ﴿ضِياءً﴾ حالا، واعتبار ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى (خلق) نصب مفعولا واحدا، والتقدير: خلق الشمس ذات ضياء، فيكون تقدير: القمر ذا نور. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به على التوسع، و ﴿مَنازِلَ﴾: ظرف مكان، أو هو منصوب بنزع الخافض، وقيل: التقدير: قدره ذا منازل، فيكون الفعل (قدر) قد نصب مفعولين، وعلى اعتبار الضمير منصوبا بنزع الخافض، فيكون ﴿مَنازِلَ﴾ مفعولا به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في
стр. 2383
تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (قدّره). ﴿عَدَدَ﴾:
مفعول به، وهو مضاف، و ﴿السِّنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْحِسابَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿ما﴾: نافية. ﴿خَلَقَ﴾: ماض. ﴿اللهُ﴾: فاعل. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿إِلاّ﴾:
حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا ملتبسا بالحق. والجملة: ﴿ما خَلَقَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يُفَصِّلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ وعلى قراءة: «(نفصّل)» فالفاعل مستتر تقديره «نحن». ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب. وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. وعلى قراءة «(تفصّل)» بتاء المضارعة، فهو مبني للمجهول، و (الآيات) نائب فاعله. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل (يفصّل). ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم) وجملة: ﴿يُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة لا يأباه المعنى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾: اختلافهما بالذهاب والإياب، والزيادة والنقصان، وانظر شرح ﴿(السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿لَآياتٍ﴾: لدلالات، على قدرة الله تعالى، وانظر التقوى في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، وإنما خص سبحانه المتقين بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، فيعتبرون ويتبصرون، و (قوم) هنا يشمل الرجال المتقين والنساء المتقيات بلا ريب ولا شك، هذا؛ وفي (ما) تغليب ما لا يعقل على من يعقل.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي اخْتِلافِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، و ﴿اِخْتِلافِ﴾: مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿وَالنَّهارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿اِخْتِلافِ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وفي الذي خلقه الله في السموات والأرض. ﴿لَآياتٍ﴾: (اللام): لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات). ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: (يتقون الله) والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
стр. 2384
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾: لا يتوقعونه لإنكارهم للبعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها. هذا؛ وأصل الرجاء: الأمل في الشيء والطماعية فيه، وما في الآية بمعنى: لا يخالفون، أفاده القرطبي، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسال، أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل
وقيل: ﴿لا يَرْجُونَ﴾ هنا بمعنى يطمعون، ومنه قول سوّار بن المضرب السعدي، أحد بني سعد تميم، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [البسيط]
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا
وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف، إلا مع الجحد، أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً،﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿وَرَضُوا﴾: انظر الآية رقم [٥٨] (التوبة). ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾: سكنوا إلى الدنيا، وركنوا إليها وقصروا همهم على لذائذها وزخارفها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾: لا يتفكرون بهذه الآيات ولا يتدبرونها؛ لانهماكهم في جمع الدنيا وحطامها، وانصرافهم إلى شهواتها، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِقاءَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾: معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها أيضا. ﴿وَالَّذِينَ﴾:
معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ آياتِنا﴾: متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿غافِلُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.
стр. 2385
﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة. ﴿مَأْواهُمُ﴾: مقرهم ومصيرهم وانظر الآية رقم [٩٥] (التوبة). ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: يعملون من الكفر والأعمال الخبيثة، هذا؛ والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة، أو دفع مضرة، هذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يكسبه من دنياه لآخرته، ولكن الكافرون والفاسقون يكسبون في دنياهم ما يوردهم جهنم في الآخرة، وبئس المصير.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَأْواهُمُ﴾: مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية: ﴿مَأْواهُمُ النّارُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة ﴿بِما،﴾ والباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، دل عليه الكلام، أي: جوزوا بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، والعائد أو الرابط: محذوف، كما رأيت تقديره، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كسبهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره، هذا؛ ولا يصح اعتبار (ما) موصولة ولا موصوفة في الآية رقم [٤] كما رأيت هناك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ أي: يهديهم بسبب الإيمان إلى سلوك طريق يؤدي بهم إلى الجنة، أو يؤدي بهم لإدراك الحقائق، كما قال الرسول ﷺ : «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم». وقال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نورا يمشون به، وقال قتادة: بلغنا أن المؤمن إذا خرج من قبره يصور له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر بالضد فلا يزال به عمله حتى يدخله النار.
وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى أن الله يزيدهم هداية بخصائص، ولطائف، وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾:
следующие страницы →