Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُعِيدُهُ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: جنات ونحوه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، وانظر الآية رقم [٩] لا محل لها مثلها.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلقان بالفعل يجزي، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾:
الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين). ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة:
﴿شَرابٌ﴾. ﴿وَعَذابٌ﴾: معطوف على ﴿شَرابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا﴾:
ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ﴾: في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَرابٌ،﴾ و ﴿وَعَذابٌ،﴾ أو بمحذوف حال منهما بعد وصفهما بما تقدم، والأول أقوى؛ لأنهما مرفوعان بالابتداء، هذا؛ وقيل: إن الذين معطوف على ما قبله، فهو منصوب مثله، وهو ضعيف.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أي: مضيئة، أو ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو هو جمع ضوء كسياط وسوط، وحياض وحوض، فالياء منقلبة عن واو لمناسبة الكسرة قبلها، هذا؛ والفعل (أضاء) يستعمل لازما ومتعديا، فمن الأول قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ وله مصدر آخر هو (الضوء) بضم الضاد وفتحها. ﴿وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ أي: ذا نور، وسمي نورا للمبالغة، وهو أعم من الضوء، وقيل: ما بالذات ضوء، وما بالعرض نور، وقد نبه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها، والقمر منيرا بعرض مقابلة الشمس، والاكتساب منها. وانظر الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أي: قدر له منازل. فلما حذف الجار اتصل الضمير بالفعل، والضمير يرجع إلى الشمس والقمر، والمعنى: قدر لهما منازل، أو قدر لسيرهما منازل، لا يجاوزانهما في السير، ولا يقصران عنها، وإنما وحد الضمير للإيجاز، أو اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر، فهو كقوله : ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية رقم [٦٢]
стр. 2382
من سورة (التوبة)، وقيل: يعود الضمير إلى القمر وحده؛ لأن سير القمر في المنازل أسرع، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين؛ لأن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشرع هي السنة القمرية لا الشمسية، ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] من سورة (الحجر) ففيها كبير فائدة. ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾:
لتعرفوا حساب الشهور والأيام والسنين، وزيادتها، ونقصانها.
وقال ابن عباس-﵄: لو جعل شمسين شمسا بالنهار، وشمسا بالليل، ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يعلم عدد السنين، وحساب الشهور، هذا؛ والسنين: جمع سنة، وهي الحول والعام. وأصلها سنة، أو سنو، وتصغيرها سنية وسنيهة وسنينة، وتجمع جمع المذكر السالم، سنون وسنين، وجمع المؤنث السالم سنوات وسنهات.
﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: ما أراد الله بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب، إظهارا لصنعته وحكمته، ودلالة على قدرته وعلمه، ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ فهذا هو الحق. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: تفصيل الآيات تبيينها، وتوضيحها ليستدل بها على قدرته تعالى لاختصاص الليل بظلامه، والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما، ولا إيجاب، هذا؛ ويقرأ: ﴿يُفَصِّلُ﴾ بياء المضارعة، والنون مع نصب الآيات، كما يقرأ بتاء المضارعة، ورفع الآيات، وخص القوم الذين يعلمون بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بالتأمل بتلك الآيات.
هذا؛ و (جعل) يأتي بمعنى: خلق وأنشأ.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-الفرق بين (خلق) و (جعل) الذي له مفعول واحد، أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين؛ ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس. انتهى.
الإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْقَمَرَ نُوراً﴾: معطوفان على مفعولي ﴿جَعَلَ،﴾ وقيل: يجوز اعتبار ﴿ضِياءً﴾ حالا، واعتبار ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى (خلق) نصب مفعولا واحدا، والتقدير: خلق الشمس ذات ضياء، فيكون تقدير: القمر ذا نور. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به على التوسع، و ﴿مَنازِلَ﴾: ظرف مكان، أو هو منصوب بنزع الخافض، وقيل: التقدير: قدره ذا منازل، فيكون الفعل (قدر) قد نصب مفعولين، وعلى اعتبار الضمير منصوبا بنزع الخافض، فيكون ﴿مَنازِلَ﴾ مفعولا به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في
стр. 2383
تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (قدّره). ﴿عَدَدَ﴾:
مفعول به، وهو مضاف، و ﴿السِّنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْحِسابَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿ما﴾: نافية. ﴿خَلَقَ﴾: ماض. ﴿اللهُ﴾: فاعل. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿إِلاّ﴾:
حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا ملتبسا بالحق. والجملة: ﴿ما خَلَقَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يُفَصِّلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ وعلى قراءة: «(نفصّل)» فالفاعل مستتر تقديره «نحن». ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب. وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. وعلى قراءة «(تفصّل)» بتاء المضارعة، فهو مبني للمجهول، و (الآيات) نائب فاعله. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل (يفصّل). ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم) وجملة: ﴿يُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة لا يأباه المعنى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾: اختلافهما بالذهاب والإياب، والزيادة والنقصان، وانظر شرح ﴿(السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿لَآياتٍ﴾: لدلالات، على قدرة الله تعالى، وانظر التقوى في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، وإنما خص سبحانه المتقين بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، فيعتبرون ويتبصرون، و (قوم) هنا يشمل الرجال المتقين والنساء المتقيات بلا ريب ولا شك، هذا؛ وفي (ما) تغليب ما لا يعقل على من يعقل.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي اخْتِلافِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، و ﴿اِخْتِلافِ﴾: مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿وَالنَّهارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿اِخْتِلافِ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وفي الذي خلقه الله في السموات والأرض. ﴿لَآياتٍ﴾: (اللام): لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات). ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: (يتقون الله) والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
стр. 2384
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾: لا يتوقعونه لإنكارهم للبعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها. هذا؛ وأصل الرجاء: الأمل في الشيء والطماعية فيه، وما في الآية بمعنى: لا يخالفون، أفاده القرطبي، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسال، أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل
وقيل: ﴿لا يَرْجُونَ﴾ هنا بمعنى يطمعون، ومنه قول سوّار بن المضرب السعدي، أحد بني سعد تميم، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [البسيط]
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا
وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف، إلا مع الجحد، أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً،﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿وَرَضُوا﴾: انظر الآية رقم [٥٨] (التوبة). ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾: سكنوا إلى الدنيا، وركنوا إليها وقصروا همهم على لذائذها وزخارفها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾: لا يتفكرون بهذه الآيات ولا يتدبرونها؛ لانهماكهم في جمع الدنيا وحطامها، وانصرافهم إلى شهواتها، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِقاءَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾: معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها أيضا. ﴿وَالَّذِينَ﴾:
معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ آياتِنا﴾: متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿غافِلُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.
стр. 2385
﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة. ﴿مَأْواهُمُ﴾: مقرهم ومصيرهم وانظر الآية رقم [٩٥] (التوبة). ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: يعملون من الكفر والأعمال الخبيثة، هذا؛ والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة، أو دفع مضرة، هذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يكسبه من دنياه لآخرته، ولكن الكافرون والفاسقون يكسبون في دنياهم ما يوردهم جهنم في الآخرة، وبئس المصير.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَأْواهُمُ﴾: مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية: ﴿مَأْواهُمُ النّارُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة ﴿بِما،﴾ والباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، دل عليه الكلام، أي: جوزوا بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، والعائد أو الرابط: محذوف، كما رأيت تقديره، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كسبهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره، هذا؛ ولا يصح اعتبار (ما) موصولة ولا موصوفة في الآية رقم [٤] كما رأيت هناك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ أي: يهديهم بسبب الإيمان إلى سلوك طريق يؤدي بهم إلى الجنة، أو يؤدي بهم لإدراك الحقائق، كما قال الرسول ﷺ : «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم». وقال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نورا يمشون به، وقال قتادة: بلغنا أن المؤمن إذا خرج من قبره يصور له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر بالضد فلا يزال به عمله حتى يدخله النار.
وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى أن الله يزيدهم هداية بخصائص، ولطائف، وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾:
стр. 2386
انظر الآية رقم [٧٢] التوبة ومعنى جريان الأنهار من تحتهم: أي: بين أيديهم ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور والنزهة والفرجة، هذا؛ وينبغي أن نلاحظ أن السعادة السرمدية في الآخرة، لا يكون سببها الإيمان وحده، بل لا بد من العمل الصالح ودليل ذلك عطف العمل الصالح على الإيمان في كثير من الآيات القرآنية، وقد أطلت الكلام على هذا في رسالتي (الحج والحجاج في هذا الزمن).
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ﴾: صفة لمفعول به محذوف، كما رأيت في الشرح منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يَهْدِيهِمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿رَبُّهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِإِيمانِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ،﴾ أو في نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي جَنّاتِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر آخر ل ﴿إِنَّ،﴾ أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أو من ﴿الْأَنْهارُ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل (يهدي)، أو ب ﴿تَجْرِي،﴾ و ﴿جَنّاتِ﴾:
مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿دَعْواهُمْ فِيها﴾ أي: دعاؤهم في هذه الجنات التسبيح والتقديس للملك الجليل، وقيل: ﴿دَعْواهُمْ﴾ بمعنى سؤالهم، وذلك أنه إذا أراد المؤمنون أن يسألوا شيئا من نعيم الجنة أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح. وقيل: هو نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاءوا، ثم سبحوا الله وقدسوه، هذا؛ و ﴿سُبْحانَكَ﴾ اسم مصدر. وقيل: مصدر مثل غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل (سبح) بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل:
معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]
قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر؟
стр. 2387
وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى على نبينا وعليه الصلاة والسّلام. ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال ذو النون-﵇: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ،﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به. ﴿اللهُمَّ﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٣٢] (الأنفال). ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام، أو تحييهم الملائكة بالسلام، أو هي تحية الله لهم، هذا؛ والتحية مصدر حياه الله بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وانعموا صباحا، أو مساء، ونحو ذلك، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم.
﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ..﴾. إلخ: أي: وآخر دعواهم على جميع اعتباراته وتفسيراته هو أن يحمدوا الله على ما أنعم به عليهم من صنوف النعم، وقرئ برفع (الحمد) ونصبه.
هذا؛ ويؤخذ من الآية الكريمة سنية بدء الطعام والشراب بتسبيح الله وتقديسه، وأفضل ذلك البسملة، وأن يختم طعامه وشرابه بالحمدلة.
الإعراب: ﴿دَعْواهُمْ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِيها﴾: متعلقان بدعواهم. ﴿سُبْحانَكَ﴾:
مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وعليه فالخبر هو نفس المبتدأ؛ لأن معنى دعائهم هو هذا اللفظ، مثل: (نطقي: حسبي الله)، وهذا عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والمعتمد الأول.
﴿اللهُمَّ﴾: منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب بيا النداء المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر، والجملة الندائية في محل نصب مفعول به للمصدر. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾:
مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، انظر الشرح.
﴿فِيها﴾: متعلقان بتحية لأنه مصدر. ﴿سَلامٌ﴾: خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿وَآخِرُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿دَعْواهُمْ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَنِ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿رَبِّ﴾: صفة، أو بدل من: (الله). و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿الْحَمْدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنِ،﴾ وعلى نصب: (الحمد)
стр. 2388
فهو اسمها، و ﴿لِلّهِ﴾ خبرها، وعلى الاعتبارين فهي واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر آخر... إلخ، هذا؛ وقيل: إن ﴿أَنِ﴾ مفسرة والجملة بعدها لا محل لها؛ لأنها تفسيرية، ولا وجه له؛ لأن المبتدأ يبقى بلا خبر، والجملة الاسمية: ﴿وَآخِرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ..﴾. إلخ: المعنى ولو يعجل الله للناس إجابة طلبهم ودعائهم في الشر بما لهم فيه مضرة ومكروه في نفس أو مال، كما يحبون أن يعجل لهم إجابة دعائهم بالخير؛ لأهلكوا وماتوا جميعا، ولكن الله لطيف بعباده، رحيم بخلقه. لا يعجل لهم إجابة دعائهم في الشر، وإن عجل لهم إجابة دعائهم في الخير، والمراد بأجلهم: أجل حياتهم في الدنيا. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ..﴾. إلخ: أي: فنترك الكافرين الذين لا يخافون لقاءنا يترددون ويتحيرون في متاهات ضلالهم، وكفرهم وعنادهم، إمهالا، لا إهمالا، واستدراجا لهم.
هذا؛ والعمه: التحير والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني، وفي المصباح، عمه عمها من باب تعب: إذا تردد، وتحير، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء: إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه، وهذا الفعل لم أر له ماضيا ولا أمرا، فيظهر أنه فعل جامد لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنه لم يستعمل، ولم يتداول.
بعد هذا فالتعجيل: تقديم الشيء عن وقته، والاستعجال طلب العجلة، وسأحدثك عن العجلة في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، إن شاء الله تعالى. ﴿لَقُضِيَ﴾: انظر الآية رقم [٤٤] الأنفال، هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، كما يقرأ «لقضينا»، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية رقم [٥٠].
تنبيه: نزلت الآية في أهل مكة حين طلبوا نزول العذاب، وانظر الآية رقم [٣٢] الأنفال، وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله، أو ولده إذا غضب... إلخ، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير؛ لقضي إليهم أجلهم-انتهى. فالآية ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس، يدعون في الخير، فيريدون تعجيل الإجابة، ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا. انتهى. قرطبي. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (الرعد)، أقول: وينبغي أن تذكر الآية قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ الإسراء [١١]، هذا؛ واختلف في هذا الدعاء، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّي
стр. 2389
سألت الله أن لا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه»، قال بعضهم: وقد يستجاب ذلك الدعاء، واحتج له بأحاديث تركتها اختصارا، منها حديث الذي لعن ناقته، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي اتخذت عندك عهدا، لن تخلفنيه، فإنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيّما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة، وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفّارة له يوم القيامة». متفق عليه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾: مضارع وفاعله، ومفعوله، ومتعلقه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾: في الكلام حذف، فإنّ التقدير:
ولو يعجل.. تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، فحذف (تعجيلا)، وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته، وأقام المضاف إليه مقامه، هذا مذهب الخليل وسيبويه، وقال الفراء والأخفش: الأصل كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب، أي: هو منصوب بنزع الخافض، والأول أولى، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِالْخَيْرِ﴾: متعلقان بالمصدر. ﴿لَقُضِيَ﴾:
اللام: واقعة في جواب (لو). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجَلُهُمْ﴾: نائب فاعله، وعلى القراءة الثانية، فهو مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره:
«هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقُضِيَ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وعلى قراءة «(لقضينا)» فهو فعل وفاعل، ويبقى ﴿أَجَلُهُمْ﴾ مفعول به. ﴿فَنَذَرُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ﴾:
اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾: صلة الموصول. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿فَنَذَرُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير، ولكن نمهلهم فنذر... إلخ، وهذا الكلام معطوف على (لو) ومدخولها لا محل لها مثله.
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ﴾: أصابه. ﴿الضُّرُّ﴾: الشدة والبؤس. هذا؛ والضر بضم الضاد:
خاص بما في النفس كمرض وهزال، وبفتح الضاد: شائع في كل ضرر ومصيبة. ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضجعا على جنبه. ﴿أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً﴾ أي: في جميع حالاته؛ لأن الإنسان
стр. 2390
لا يعدو هذه الحالات. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: أزلنا، ورفعنا عنه الشدة والبلاء. ﴿مَرَّ﴾:
استمر على كفره وعصيانه. ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي: كأنه لم يطلب منا رفع ضر أصابه، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، والضيق والفقر. ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ﴾ أي: كما زين لهذا الدعاء عند البلاء، والإعراض عند الرخاء؛ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي، وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله، ويجوز أن يكون من الشيطان.
هذا؛ والمسرف: هو المجاوز الحد في كل شيء، وإنما سمي الكافر مسرفا؛ لأنه أسرف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام، وأتلف ماله وضيعه في البحائر والسوائب، وما كانوا ينفقونه على الأصنام وخدامها. انتهى. خازن، هذا؛ ولا تنس أن في المسلمين مسرفين ومجرمين... إلخ.
قال القرطبي: وهذه صفة كثير من المسلمين، إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي، أقول: وقوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ يؤيد ما في هذه السورة.
هذا؛ والإنسان يطلق على الذكر والأنثى من بني آدم، ومثلها كلمة «شخص» قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ،﴾ ومعلوم أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة العصر، هذا؛ وإنسان العين هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد هذا؛ وجمع الإنسان:
الناس انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (يوسف) ﵇، هذا؛ وقائم، أصله قاوم؛ لأنه من قام يقوم، فقل في إعلاله: قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وقل مثله في إعلاله (بائع) من باع يبيع، فالأول واوي، وهذا يائي.
الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ﴾: ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح.
﴿دَعانا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ،﴾ و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿لِجَنْبِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، واللام بمعنى: على، التقدير: مضجعا على جنبه. ﴿قاعِداً أَوْ قائِماً﴾: معطوفان على الحال المحذوفة، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلَمّا﴾: (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن
стр. 2391
السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني، وجملة: ﴿كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لمّا): وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ومتعلقة بالجواب. ﴿مَرَّ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنه. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَدْعُنا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، و (نا): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿إِلى ضُرٍّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَسَّهُ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الضُّرُّ﴾. والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية صفة: ﴿الضُّرُّ﴾. وجملة: ﴿لَمْ يَدْعُنا..﴾.
إلخ في محل رفع خبر ﴿كَأَنْ﴾. والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ. في محل نصب حال من فاعل ﴿مَرَّ﴾ المستتر. و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل بعده، وتقدير الكلام: زين للمسرفين ما كانوا يعملون تزيينا كائنا مثل ذلك التزيين الذي فعله الذي أصابه الضر حين يتوجه إلى الله بالدعاء، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول.
﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قائِماً﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: زين للمسرفين الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿قائِماً﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع نائب فاعل، التقدير:
زين للمسرفين عملهم. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر كان.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾: خطاب لأهل مكة، وبيان لهم بأن الله أهلك من قبلهم من الأمم السابقة بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك، والخروج عن طاعة الله تعالى. ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والبراهين الساطعات. ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي: وما استقام لهم أن يؤمنوا لعدم استعدادهم، وخذلان الله لهم، وعلمه الأزلي بأنهم يموتون على الكفر، وبأنهم لو خيروا؛ لما اختاروا غير الكفر. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: انظر الإعراب لتقدير الكلام.
стр. 2392
-هذا؛ و ﴿الْقُرُونَ﴾ جمع قرن بفتح القاف وسكون الراء مائة سنة على الصحيح، وقيل:
ثمانون، وقيل: ثلاثون، ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب
وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل]
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل
-والقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظمية التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه إسكندر ذو القرنين، والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم:
سيدهم، ومن السيف: حده ونصله، وجمعه في كل ما تقدم قرون، هذا؛ وهو بكسر القاف وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة والعلم ونحوهما، والجمع على هذا أقران، وانظر الظلم في الآية رقم [٢٣]. ﴿وَجاءَتْهُمْ﴾: هذا الفعل يستعمل متعديا؛ إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية، ويستعمل لازما؛ إن كان بمعنى حضر وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.
أقول: وتفسير المجرمين بالمشركين والكافرين هو في الغالب، ولا تنس أن في المسلمين مجرمين، يقترفون الكبائر والمنكرات، ويفعلون الشنيع من السيئات، ولا سيما في هذا العصر الذي طغت فيه المادة، وران على قلوب أكثر المسلمين حب المال، والمنصب، والجاه، وغير ذلك، وانظر المزيد من ذلك في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة)، أو [١٣]، من سورة (إبراهيم) ﵊.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْقُرُونَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْقُرُونَ﴾ والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا﴾: ظرف بمعنى حين، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَهْلَكْنَا﴾.
﴿ظَلَمُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾: مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَجاءَتْهُمْ﴾: ماض، والتاء: للتأنيث، والهاء: مفعول به.
﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلقان بالفعل (جاء)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿وَجاءَتْهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و (قد) قبلها مقدرة، وجوز عطفها على جملة: ﴿ظَلَمُوا﴾
стр. 2393
فتكون في محل جر مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو: اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانُوا﴾. التقدير:
وما كانوا مريدين للإيمان، وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها ﴿كَذلِكَ﴾: الكاف: حرف تشبيه وجر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله الفعل بعده، التقدير: نجزي القوم.. جزاء كائنا مثل جزاء من سبقهم من الأمم. ﴿نَجْزِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْقَوْمَ﴾:
مفعول به أول. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: صفته منصوب... إلخ، والمفعول الثاني محذوف، تقديره:
العذاب، أو الهلاك ونحوه، وجملة: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: الخطاب لأهل مكة، كما في الآية السابقة، والمعنى جعلناكم سكانا في الأرض من بعد القرون المهلكة. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي: خيرا أو شرا، فنجازيكم بحسب أعمالكم، والنظر هنا بمعنى العلم، يريد: لنختبر أعمالكم، وهو سبحانه يعلم ما يكون، قبل أن يكون ففيه استعارة تمثيلية. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدّنيا حلوة خضرة وإنّ الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتّقوا الدّنيا، واحذروا فتنة النّساء» أخرجه مسلم.
هذا؛ و ﴿خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: بمعنى يخلف بعضكم بعضا، وهو جمع: خليفة، مثل كرائم وكريمة، وصحائف وصحيفة، هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة، وفي المصباح:
والخليفة أصله خليف بغير هاء؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة، ويقال: خليفة آخر بالتذكير، ومنهم من يقول: خليفة أخرى بالتأنيث، ويجمع باعتبار أصله على خلفاء، مثل شريف وشرفاء، وباعتبار اللفظ على خلائف.
الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿جَعَلْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، ﴿خَلائِفَ﴾:
مفعول به ثان. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿خَلائِفَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل جعلنا لا غير، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿لِنَنْظُرَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: في محل نصب مفعول به للفعل (ننظر) المعلق
стр. 2394
عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، و «أن» المضمرة والفعل: (ننظر) في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلْناكُمْ،﴾ وجملة: ﴿جَعَلْناكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا..﴾. إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾
الشرح: ﴿تُتْلى﴾: تقرأ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: على كفار قريش. ﴿آياتُنا﴾: آيات القرآن.
﴿تَبَيَّنَتِ﴾: واضحات لا لبس فيها، ولا إشكال. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ أي: لا يخافون يوم البعث والحساب، ولا يرجون الثواب، وهم أهل مكة، وانظر: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ في الآية رقم [٧]. ﴿اِئْتِ﴾: أمر من (أتى). وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر وأقبل، ومتعديا إن كان: بمعنى وصل وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ..﴾. إلخ هذا؛ وإعلال ﴿اِئْتِ﴾ مثل إعلال ﴿اِئْذَنْ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (التوبة)، ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: قال القرطبي: الفرق بين تبديله، والإتيان بغيره: أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه، وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه:
-أحدها: أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا، والوعيد وعدا، والحلال حراما، والحرام حلالا، قاله ابن جرير الطبري.
-الثاني: أنهم سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلتهم، وتسفيه أحلامهم، قاله ابن عيسى.
-الثالث: أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، قاله الزجاج.
﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي﴾: ما ينبغي ولا يصح لي. ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾: من قبل نفسي، أو من جهتي، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٩] من سورة (الأعراف)، وشرح ﴿تِلْقاءِ﴾ في الآية رقم [٤٧] منها. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد وعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي. ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾: أي: إن خالفت في تبديله، وتغييره، أو في ترك العمل به.
هذا؛ وانظر: «الخوف» و «التخوف» في الآية رقم [٥٥] من سورة (الأعراف)، أو الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد)، بعد هذا؛ ولا تنس أن في هذه الآية التفافا بالنسبة لما قبلها من الخطاب إلى الغيبة، وانظر الالتفاف في الآية رقم [٥٠] الآتية.
стр. 2395
الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: (إذا): انظر الآية رقم [١٢]، ﴿تُتْلى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا﴾:
نائب فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿تَبَيَّنَتِ..﴾.: حال من ﴿آياتُنا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿قالَ﴾: ماض، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾: صلة الموصول لا محل لها.
﴿اِئْتِ﴾: أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره «أنت». ﴿بِقُرْآنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرِ﴾: صفة قرآن، و ﴿غَيْرِ﴾: مضاف، و ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿اِئْتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له.
﴿بَدِّلْهُ﴾: أمر، والهاء: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَكُونُ﴾: مضارع ناقص. ﴿تُتْلى﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُ﴾ مقدم، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ في محل رفع اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿ما يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ تِلْقاءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿تِلْقاءِ﴾: مضاف، و ﴿نَفْسِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَتَّبِعُ﴾: مضارع وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ تقديره: «هو». ﴿إِلَيَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يُوحى إِلَيَّ﴾: صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ﴾:
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَخافُ..﴾. إلخ تعليل للنفي، وهي داخلة في مقول القول. ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿رَبِّي﴾:
مفعول به منصوب... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن عصيت ربي؛ فإني أخاف، و ﴿أَنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الفعل
стр. 2396
﴿أَخافُ﴾ ومفعوله، وهو ﴿عَذابَ﴾: لا محل له، و ﴿عَذابَ﴾: مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه.
﴿عَظِيمٍ﴾: صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ هذا؛ وإن اعتبرته صفة: ﴿عَذابَ،﴾ وهو مفاد كلام الخازن، فيكون مجرورا على الجوار، وحقه النصب، انظر الجر على الجوار في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك.
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: خطاب للنبي ﷺ . ﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾: ما قرأت القرآن عليكم، والخطاب لأهل مكة. ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾: ولا أعلمكم الله به على لساني، ويقرأ «(لأدراكم)» بلام التأكيد، أي: لو شاء الله ﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ،﴾ ولأعلمكم به على لسان غيري، والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري، وقرئ شاذا: «(ولا أدرؤكم ولا أدرأتكم)» بالهمزة فيها على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة، أو على أنه الدرء بمعنى الدفع، والمعنى: إن الأمر بمشيئة الله تعالى، لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه. انتهى. بيضاوي.
هذا، والفعل (درى) من أفعال اليقين، وقد ينصب مفعولين، والكثير المستعمل فيه أن يتعدى لواحد بالباء، نحو دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة التعدية، تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء كما في هذه الآية، قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول، والجملة الاسمية بعدها سدت مسد المفعولين. انتهى. والذي في الهمع والمغني، قيل:
-وهو الأوجه-: إن الجملة الاسمية سدت مسد المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في: «فكرت، أهذا صحيح أم لا؟» أي: فكرت بما ذكر.
انتهى. جرجاوي. فإن كان درى بمعنى ختل، أي: خدع كانت متعدية إلى واحد بنفسها، مثل:
دريت الصيد، أي: ختلته وخدعته، قال الأخطل التغلبي: [الطويل]
فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد، ولا يدري
أي: يصيد، ولا يختل، ومثله قول الآخر: [الطويل]
فإن كنت لا أدري الظّباء فإنّني... أدسّ لها تحت التّراب الدّواهيا
أي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: (حك)، مثل درى رأسه بالمدرى؛ أي: حكه به؛ فهي كذلك متعدية لواحد فقط.
стр. 2397
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: مقدارا من الزمان، وهو أربعون سنة من قبل نزول القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ، ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات، وبهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس العلوم، وأخبار الماضين، وفيه من الأحكام والآداب، ومكارم الأخلاق، والفصاحة والبلاغة، ما أعجز البلغاء والفصحاء، عن معارضته. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تتدبرون لعلكم تنتفعون بما فيه، وانظر العقل في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَلَوْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا﴾:
نافية، ﴿أَدْراكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول، والإعراب على القراءات الأخرى ظاهر إن شاء الله تعالى. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها مثله. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (قد) حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿لَبِثْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عُمُراً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عُمُراً،﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ..﴾. إلخ مستأنفة أو هي تعليلية لا محل لها. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم وأفسد ممن افترى على الله الكذب، وبدل كلامه، أو أضاف إليه شيئا مما لم ينزله، وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا أنكرتم القرآن، وافتريتم على الله الكذب، وقلتم ليس هذا كلامه، أو المعنى: افترى على الله الكذب؛ أي: جعل له شريكا، أو زعم أن له ولدا. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أي: بالقرآن، ففيه بيان: أن الكاذب على الله، والمكذب بآياته في الكفر سواء، وما أكثر الناس المكذبين بآيات القرآن في هذا
стр. 2398
الزمن، وهم يزعمون: أنهم مسلمون ومؤمنون، والله يشهد إنهم لكاذبون، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الأنعام)، فهذه الآية مثلها في جميع ألفاظها.
الإعراب: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنِ﴾:
متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ﴾ و (من) تحتمل الموصوفة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، وجملة: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾: معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾: لأن الأصنام جمادات، لا تقدر على نفع، ولا على ضر، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع، أو بدفع ضر. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المشركون. ﴿هؤُلاءِ﴾ أي: الأصنام. ﴿شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ أي: تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا، وفي الآخرة إن يكن بعث، وحشر، ونشر، و ﴿شُفَعاؤُنا﴾ واقع على ﴿ما،﴾ فقد راعى لفظها فيما بعدها، وراعى معناها بوقوع ﴿شُفَعاؤُنا﴾ عليها. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ..﴾. إلخ: أي: أتخبرون الله بأن له شريكا، أو ولدا، وهو لا يعلم بذلك، ففيه توبيخ، وتقريع لهؤلاء الكفرة المفترين على الله. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾:
نزه الله نفسه عن الشركاء والأضداد، والأولاد، وغير ذلك.
﴿وَتَعالى﴾: تعاظم شأنه، وهذا الفعل يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر، فهو ناقص التصرف. ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أي: معه من الأصنام والأضداد وغير ذلك، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء والتاء، وعلى الأول فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة.
الإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: الواو: حرف استئناف. (يعبدون): فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿يَعْبُدُونَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَضُرُّهُمْ﴾: مضارع، وفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والهاء: مفعول. والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو
стр. 2399
الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾: معطوفة على ما قبلها، وجملة:
﴿وَيَعْبُدُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿هؤُلاءِ﴾: الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء):
اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿شُفَعاؤُنا﴾: خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق باسم الفاعل، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَيَعْبُدُونَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. (تنبئون): فعل وفاعل. ﴿اللهِ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿بِما﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به ثان، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء لا يعلمه. ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو الضمير. ﴿وَلا﴾: (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾:
معطوفان على ما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿أَتُنَبِّئُونَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠]. ﴿وَتَعالى﴾:
ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب «عن»، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط:
محذوف؛ إذ التقدير: تعالى عن الذي، أو عن شيء يشركونه معه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب «عن»، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: تعالى الله وتنزه عن شركهم، والكلام ﴿سُبْحانَهُ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.
﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: مطبوعين على التوحيد بالفطرة، أو متفقين على الحق، وذلك في عهد آدم-﵇-إلى أن قتل قابيل أخاه هابيل، أو بعد الطوفان في زمن نوح ﵇، أو كانوا على الضلال، والكفر في فترة من الرسل. ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: باتباع الهوى والأباطيل، والشرك بعبادة غير الله، وهذا على القول الأول بسابقه، أو اختلفوا ببعثة الرسل، فتبعتهم طائفة، وأصرت أخرى على الكفر، وهذا على القول الثاني بسابقة، فيكون مثل قوله تعالى:
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ..﴾. إلخ. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾
стр. 2400
أي: بتأخير الحكم بينهم، أو العذاب، الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل والجزاء، وقيل: الكلمة هي قوله تعالى في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي». ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمجرمين، وإبقاء الموحدين.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿النّاسُ﴾:
اسم كان. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أُمَّةً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿واحِدَةً﴾: صفة (أمة)، وجملة:
﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، وجملة: ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْلا﴾:
(لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿كَلِمَةٌ﴾: مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ والجملة الفعلية صفة: ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
وخبر المبتدأ محذوف. ﴿لَقُضِيَ﴾: اللام واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِيما﴾:
متعلقان في محل رفع نائب فاعل: (قضي)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (في)، هذا؛ وعلى قراءة «(قَضى)» بالبناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله). والجار والمجرور ﴿فِيما﴾: متعلقان بالفعل (قضى)، وهما في محل نصب مفعول به.
﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: صلة (ما)، أو صفتها، وجملة: ﴿لَقُضِيَ..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الفعلية قبلها لا محل له مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: أهل مكة. ﴿لَوْلا﴾: هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾: على محمد ﷺ ، ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: معجزة غير معجزة القرآن، وانشقاق القمر، وغيرهما مما شاهدوه، وإنما يريدون مما اقترحوه: كجعل الجبال ذهبا، وكون بيت له من زخرف، وإحياء من مات من آبائهم، وقال الضحاك: عصا كعصا موسى. ﴿فَقُلْ﴾: الخطاب للرسول ﷺ . ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ أي: إن الذي سألتموه إنما هو من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾: ترقبوا نزول، أو ظهور ما اقترحتموه. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: قضاء الله فيما بيننا وبينكم بإظهار المحق على المبطل، وهو كقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١٠٢] الآتية.
الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَوْلا﴾:
حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةٌ﴾:
стр. 2401
نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٌ﴾. وجملة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء:
حرف استئناف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الْغَيْبُ﴾:
مبتدأ. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (انتظروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿فَانْتَظِرُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا؛ فانتظروا، وهذا الشرط المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أي: وإذا أنزلنا على الناس-وهم أهل مكة-. ﴿رَحْمَةً﴾ سعة في الرزق ورخاء في العيش من بعد نزول الجدب والقحط، وضيق العيش، ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ أي: تكذيب واستهزاء بآيات الله، وتدبير المكايد للرسول ﷺ ، هذا؛ والمكر: تدبير المكايد في الخفاء، وهو أيضا احتيال وخداع. ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي:
أشد عقابا، وأقدر على الجزاء والانتقام منكم، والله منزه عن المكر بالمعنى المتقدم، وإنما ذكر العقاب والانتقام بلفظ المكر للمشاكلة، وقد مر معنا كثير من هذا، انظر الآية رقم [٦٧] (التوبة) والآية رقم [٣٠] الأنفال، وغيرهما. ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أي: إن الحفظة الكرام الكاتبين-رضوان الله تعالى عليهم-يسجلون كيدكم ومكركم، ويحفظون عليكم الأعمال القبيحة السيئة إلى يوم القيامة؛ حتى تفتضحوا بها، ويجازيكم على مكركم أشد الجزاء، وأعظمه، وانظر الحفظة والكاتبين في الآية رقم [٦١] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [١١] من سورة (الرعد).
هذا؛ و ﴿تَمْكُرُونَ﴾ بالتاء فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٥٠] ويقرأ بالياء، وعليه فلا التفات، هذا؛ وفي قوله ﴿أَذَقْنَا﴾ استعارة تصريحية تبعية، فعبر عن لذة الخصب والرخاء بالإذاقة، كما عبر عن ألم العذاب والانتقام بها في كثير من الآيات.
تنبيه: روي: أنه حبس المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله تعالى رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك الضر، فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى الفساد والكفر، وتدبير المكايد، والخداع.
стр. 2402
الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿أَذَقْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به. ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان ب ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، و ﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و ﴿ضَرّاءَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾. ﴿إِذا﴾: للمفاجأة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦]، من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَكْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي آياتِنا﴾: متعلقان ب ﴿مَكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة:
﴿أَذَقْنَا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجواب (إذا)، ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾. ﴿قُلِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَسْرَعُ﴾:
خبره، ﴿مَكْراً﴾: تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رُسُلَنا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْتُبُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله ﴿ما تَمْكُرُونَ﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآية رقم [١٨] بلا فارق مع ملاحظة أن (ما) هناك مجرورة، وهنا منصوبة.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: الله هو الذي يسهل لكم السير في البر على ظهور الدواب، واليوم على الحديد والبخار كما هو مشاهد، وفي البحر على ظهور السفن والبواخر، هذا؛ و «البرّ» بفتح الباء: الأرض اليابسة غير البحر، وهو يضم الباء حب القمح، وبكسرها عمل الخير أيا كان، هذا؛ و (البحر): الماء الكثير، أو الملح، والجمع بحور وبحار وأبحر- انتهى. قاموس. هذا؛ وقرئ «(ينشركم)»: بالشين، أي: يبثكم ويفرقكم. فهو مثله. ﴿الْفُلْكِ﴾.
انظر الآية رقم [٣٧] من سورة (هود) وما بعدها. ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي: سارت السفن بركابها في البحر بريح لينة الهبوب. ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ أي: سروا بالريح الطيبة التي تسيّر البواخر بهدوء ورفق ولطف. وانظر الآية رقم [٥٨] الآتية. ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أي: فاجأت السفن، أو الريح الطيبة رياح شديدة الهبوب. ﴿وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾: أحاط بهم موج البحر من جميع الجهات. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: اعتقدوا: أن البلاء وأسباب الهلاك نزلت بهم من جميع الجهات. ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: سألوا الله وحده أن ينجيهم، وتركوا ما كانوا
стр. 2403
يعبدون، وفي هذا دليل على أن الخلق قد جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه، وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى رب الأرباب، ففي حالة الخوف والشدة والبلاء كل واحد يعود إلى الله بالالتجاء إليه، والاعتماد عليه حتى الملاحدة والدهريين في هذا العصر. ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا﴾ أي: من هذه الشدائد، وهذا البلاء، أي: يقولون ذلك.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي: العاملين بما يرضيك على نعمة النجاة من هذا البلاء، وانظر الشكر في الآية رقم [١١٢] التوبة. وفي قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم، وينكر عليهم، وانظر الالتفات في رقم [٥٠].
الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش تحتمل أن تكون متعلقة بالفعل ﴿يُسَيِّرُكُمْ،﴾ وهو ظاهر قول الزمخشري، وأن تكون متعلقة بمحذوف دل عليه السياق، التقدير: دام ذلك إلى وقت سيركم في البر والبحر. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء:
اسمه. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَجَرَيْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿بِرِيحٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من نون النسوة، التقدير:
ملتبسة بريح طيبة. ﴿وَفَرِحُوا﴾: فعل وفاعل. والألف للتفريق. ﴿بِها﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَجَرَيْنَ..﴾. إلخ و ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾: معطوفتان على جملة: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: فهما في محل جر مثلها. وجواز أن تكون الثانية حالا من الضمير في ﴿بِهِمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وتكون (قد): قبلها مقدرة. ﴿جاءَتْها﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والهاء: مفعول به.
﴿بِرِيحٍ﴾: فاعل. ﴿عاصِفٌ﴾: صفة: ﴿بِرِيحٍ﴾. وجملة: ﴿جاءَتْها..﴾. إلخ: جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾: لا محل لها مثله.
﴿مِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَوْجُ،﴾ و ﴿كُلِّ﴾:
مضاف، و ﴿مَكانٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَظَنُّوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿أُحِيطَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنوا) والجملة الفعلية معطوفة على جواب، ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. ﴿دَعَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية بدل من جملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ؛ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من واو الجماعة
стр. 2404
منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ﴾: متعلقان ب ﴿مُخْلِصِينَ﴾.
﴿الدِّينَ﴾: مفعول به ل ﴿مُخْلِصِينَ،﴾ ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة للقسم. إن: حرف شرط جازم.
﴿أَنْجَيْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ هذِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لَنَكُونَنَّ﴾: مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب القسم، واسمه مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (نكونن)، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وانظر الآية رقم [٤٢] التوبة، والكلام ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا مثل: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. التقدير: قائلين: لئن... إلخ.
﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾: خلصهم، وأنقذهم من الغرق والخطر الذي أحاط بهم إجابة لدعائهم. ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: عادوا إلى الفساد، والكفر، والضلال، والمعاصي بسرعة فائقة مبطلين ومعتدين، وقوله ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: احتراز عن دخول المسلمين بلاد الكفار، والاستيلاء عليها، وإن أدى ذلك إلى تخريب دورهم، وحرق زروعهم، وقلع أشجارهم، كما فعل رسول الله ﷺ ببعض الكفار الذين نكثوا العهود، وأخلفوا الوعود. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: هذا النداء يعم جميع بني آدم. ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾: إن وبال البغي والظلم راجع عليكم، أو على أمثالكم من جنسكم. ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا..﴾. أي: البغي منفعة الحياة الدنيا، لا تبقى، ويبقى عقابه، وما الحياة الدنيا إلا أيام قليلة، والعاقل لا يغتر بها. ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ..﴾. إلخ: أي: أن مرجعكم إلينا، وهذا يكون بالموت أولا، ثم بالبعث والحشر والنشر ثانيا، فنخبركم بما عملتموه في هذه الدنيا من خير أو شر، فنجازيكم ما تستحقونه من جزاء.
هذا؛ والبغي: هو الظلم والاعتداء على حق غيرك، وعواقبه ذميمة، ومآل الباغي وخيم، وعقابه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى والرمل والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]
لا يأمن الدّهر ذو بغي، ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغيا، ولا تنكث ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ،﴾ وقال أبو بكر الصديق ﵁:
стр. 2405
(ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه)، وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ أنه قال: «أسرع الخير صلة الرّحم، وأعجل الشرّ البغي، واليمين الفاجرة»، وعن ابن عباس-﵄-أنه قال:
(لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي) ورحم الله من يقول: [البسيط]
يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله
وكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين، حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]
والبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم
هذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن) وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي والسيئات، فيسبب لها الخلود في نار جهنم.
هذا؛ وقد وصف سبحانه في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٢]، ﴿أَنْجاهُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا.
﴿إِذا﴾: للمفاجأة. ﴿أَنْجاهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَبْغُونَ﴾:
فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿بِغَيْرِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿يَبْغُونَ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ..﴾. إلخ: جواب (لما) لا محل لها ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾:
انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف)، أو الآية رقم [٨٨] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فإنه جيد. و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿بَغْيُكُمْ﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَتاعَ﴾: بالرفع خبر المبتدأ وعليه فالجار والمجرور ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾:
متعلقان بالبغي؛ لأنه مصدر. وقيل: ﴿مَتاعَ﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك متاع، أو هو متاع، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، هذا؛ وعلى قراءة: ﴿مَتاعَ﴾
стр. 2406
بالنصب، فقيل: هو مفعول به للمصدر (بغي)، فيكون بمعنى: طلبكم متاع، وقيل: هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يمنعكم بذلك متاع، وقيل: هو مفعول لأجله، وعليه فالجار والمجرور: ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وقيل: متعلقان بالبغي، والخبر محذوف، تقديره: مذموم، أو منهي عنه، أو مكروه، ونحوه، وحسن الحذف لطول الكلام، و ﴿مَتاعَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ..﴾. إلخ: ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿إِلَيْنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾:
مضارع. والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: انظر إعراب: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فهو مثله، وذلك في الآية رقم [٨].
﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَالْأَنْعامُ﴾: يطلق هذا اللفظ في الأصل على المأكول من الحيوانات؛ ولكنه يشمل هنا المأكول وغيره، والذي يأكله الناس هو: الحبوب، والخضار، والفواكه، والذي تأكل الأنعام هو: الحشيش، والتبن، وبعض الحبوب، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى الماء النازل من السماء، ومعنى اختلاط النبات به: اشتباكه بسببه حتى خالط بعضه بعضا. ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ أي: تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة، كعروس أخذت من ألوان الثياب والزينة، وتزينت بها. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: أصله تزينت، ثم أدغمت التاء في الزاي، فسكن الأول، فدخلت ألف الوصل لأجل سكون أول الفعل، وإنما سكن الأول عند الإدغام؛ لأن كل حرف أدغمته فيما بعده، فلا بد من إسكان الأول أبدا، فلما أدغمت التاء في الزاي سكنت التاء، فاحتيج عند الابتداء إلى ألف الوصل، وله نظائر كثيرة في القرآن الكريم. انتهى. مكي.
هذا؛ وقرئ: «(أزينت)»، أي: جاءت بالزينة، و «(ازيايت)» و «(ازاينت)»، وقرئ: «(تزيّنت)» على الأصل، و «(ازّانت)»، و «(ازيأّنت)»، والإعراب لا يختلف على جميع القراءات. ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ﴾ أي: أيقنوا أنهم متمكنون من الدنيا، وقادرون على الانتفاع بلذائذها وشهواتها.
﴿أَتاها أَمْرُنا﴾: أتاها أمرنا وقضاؤنا بالإهلاك والفناء. ﴿حَصِيداً﴾: شبيها بما حصد من أصله،
стр. 2407
ولم يؤنث ﴿حَصِيداً؛﴾ لأنه فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد وغيره.
﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: لم تكن عامرة، من غنى بالمكان: إذا قام فيه، وعمره، والمغاني في اللغة المنازل التي يسكنها الناس، وقال قتادة: كأن لم تنعم. وقرئ الفعل ﴿تَغْنَ﴾ بالتاء والياء، هذا؛ و ﴿بِالْأَمْسِ﴾ يدل على زمن مضى قبل زمن التكلم لا على التعيين، فإن كان بدون (ال) فيكون مرادا به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، وفي هذا الاسم يلغز، فيقال: (ما الاسم الذي إذا عرّف نكّر، وإذا نكّر عرّف؟). ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي: الدلالات على قدرة الله تعالى، قد بيناها وفصلناها فصلا فصلا. ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في تلك الآيات، فينتفعون بذلك التفكير.
تنبيه: في الآية الكريمة تشبيه التمثيل، الذي هو منتزع من متعدد، فقد شبه الله الدنيا وبهجتها، وإقبالها على العبد، وركونه إليها في النبات الذي ينزل عليه المطر، وهذا النبات يقوى ويشتد، ويزهو يوما بعد يوم؛ ولكنه لا يلبث أن يصفر، ثم ييبس، ثم يكون هشيما وحطاما، كما ذكر سبحانه في الآية رقم [٤٥] من سورة (الكهف)، والآية رقم [٢٠] من سورة الحديد، وكذلك الدنيا مآلها إلى الهلاك والدمار، والفناء، هذا؛ وكذلك حياة الإنسان شبيهة بالنبات والزرع الذي ينزل عليه المطر، ومع الاختصار في الكلام خذ هاتين البيتين، ففيهما عبرة لأولي الألباب: [البسيط]
ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود
الإعراب: ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كَماءٍ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، هذا؛ والكوفي يعتبر الكاف اسما مبنيا على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وهي مضاف، و (ماء) مضاف إليه. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ماء. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، وجملة: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر صفة مثلها. ﴿مِمّا﴾:
متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَباتُ الْأَرْضِ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء يأكله الناس والأنعام. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء.
﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]، ﴿أَخَذَتِ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضِ﴾: فاعل. ﴿زُخْرُفَها﴾:
مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَخَذَتِ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: (ازينت): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَرْضِ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
стр. 2408
﴿وَظَنَّ﴾: ماض. ﴿أَهْلُها﴾: فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿قادِرُونَ﴾: خبر (أن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿عَلَيْها﴾: متعلقان ب ﴿قادِرُونَ،﴾ و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظن).
وجملة: ﴿وَظَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿أَتاها﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و (ها): مفعول به. ﴿أَمْرُنا﴾: فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلاً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿نَهاراً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة:
﴿أَتاها..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، هذا؛ والأخفش يعتبر: ﴿إِذا﴾: مجرورة ب ﴿حَتّى﴾ وهو غير مسلم له. وجملة: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيداً﴾:
معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَغْنَ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفاعل يعود إلى:
﴿الْأَرْضِ﴾. ﴿بِالْأَمْسِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿كَأَنْ﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو هي من تعدد المفعول الثاني. ﴿كَذلِكَ﴾: انظر إعراب هذا اللفظ، وتعليق مثله في الآية رقم [١٣] ﴿نُفَصِّلُ﴾:
مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: في محل جر صفة (قوم)، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها.
﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿دارِ السَّلامِ﴾: دار السلامة من الأذى والكدر، أو دار التحية؛ لأن أهلها ينالون من الله التحية والسّلام، وكذلك من الملائكة، وقال الحسن: إن السّلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم، كما قال تعالى في الآية رقم [١٠] ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾: يوفق ويثبت. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: المراد به: طريق الخير والهداية والنور.
قال الخازن: لما ذكر الله زهرة الحياة الدنيا، وأنها فانية زائلة لا محالة؛ دعا عباده إلى دار السّلام، والمعنى: أن من دخلها فقد سلم من المكاره، والآفات، كالموت، والمرض، والمصائب، والحزن، والغم، والتعب والنكد، وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم، ولا يصف إلا عظيما، وقد وصف الله الجنة في آيات كثيرة من كتابه. انتهى بتصرف كبير.
стр. 2409
وقال يحيى بن معاذ-رحمه الله تعالى-: يا بن آدم دعاك الله إلى دار السّلام. فانظر من أين تجيبه؟ فإن أجبته من دنياك؛ دخلتها، وإن أجبته من قبرك؛ منعتها. وقال ابن عباس-﵄: الجنان سبع: دار الجلال، ودار السّلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، انتهى قرطبي. والمشهور: أن الجنان ثمان، انظر الآية رقم [٢٣]، من سورة (الرعد)، وانظر الآية رقم [٤٥]، من سورة (الحجر) لدركات النار.
الإعراب: ﴿وَاللهُ﴾: (الله): مبتدأ. ﴿يَدْعُوا﴾: مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الله والمفعول محذوف، تقديره: عباده. ﴿إِلى دارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دارِ﴾: مضاف، و ﴿السَّلامِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَهْدِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى الله، ﴿مَنْ﴾: تحتمل الموصولة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: يهدي الذي، أو شخصا يشاؤه، أو يشاء هدايته، ﴿إِلى صِراطٍ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة صراط، وجملة: ﴿وَيَهْدِي..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: العمل، حيث قاموا بما أمرهم الله به، وابتعدوا عما نهاهم عنه. ﴿الْحُسْنى﴾: المثوبة الحسنى وهي الجنة. ونعمت المثوبة هي لمن آمن وعمل صالحا، وانظر الآية رقم [٥٢] التوبة، إن أردت الزيادة في الشرح. ﴿وَزِيادَةٌ﴾: اختلف المفسرون في هذه الزيادة، واعتمد أنها النظر إلى وجهه الكريم، وذلك لما يلي.
فعن صهيب الرومي-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﵎: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتتجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم ﵎». زاد في رواية: «ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» أخرجه مسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٢] من سورة (التوبة) والآية رقم [٣٨]، من سورة (النور) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿وَلا يَرْهَقُ﴾: قيل: معناه: ولا يلحق، وقيل: لا يعلو، وقيل: لا يغشى، والمعنى متقارب.
﴿وُجُوهَهُمْ﴾: جمع وجه، وخص سبحانه الوجوه بالذكر؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء الظاهرة،
стр. 2410
وفيه أكثر الحواس؛ ولأنه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع والخضوع. ﴿قَتَرٌ﴾: غبرة فيها سواد. ﴿ذِلَّةٌ﴾: هوان ومذلة، والمعنى: لا يصيبهم ما يصيب أهل النار من حزن، وكآبة، وسوء حال. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿الْجَنَّةِ﴾: انظر الآية رقم [٧٢]، من سورة (التوبة).
﴿خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يخرجون منها أبدا.
الإعراب: ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْحُسْنى﴾:
مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفة، والثاني: أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِلَّذِينَ﴾: وهذا لا يصح إلا بإضمار مبتدأ؛ لأن المضارع المنفي لا تسبقه واو الحال وإذا وقع مثل ذلك فهو على تقدير مبتدأ قبلها، فتكون الجملة اسمية، والثالث: أن الفعل في محل رفع عطفا على ﴿الْحُسْنى،﴾ فهو في محل رفع مثله، وهذا يعني تقدير (أن) المصدرية قبل الفعل: ﴿يَرْهَقُ؛﴾ ليصح جعله معه في محل رفع مبتدأ مخبرا عنه بالجار والمجرور، التقدير: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى،﴾ وأن لا يرهق، أي: وعدم رهقهم، فلما حذفت (أن) رفع الفعل المضارع؛ لأنه ليس من مواضع إضمار (أن) ناصبة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ والمثل «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه». ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا):
زائدة لتأكيد النفي. ﴿ذِلَّةٌ﴾: معطوف على ﴿قَتَرٌ﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿أَصْحابُ﴾:
مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وُجُوهَهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وُجُوهَهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ أو من ﴿الْجَنَّةِ﴾ نفسها، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، واعتبارها مستأنفة ضعيف.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿كَسَبُوا﴾: انظر الآية رقم [٨]. ﴿السَّيِّئاتِ﴾: جمع سيئة. ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي: ما من أحد يحفظهم ويمنعهم من غضب الله وانتقامه. ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ أي: كأنما ألبست وجوههم سوادا من الليل المظلم؛ وذلك لفرط سوادها
стр. 2411
وظلمتها، هذا؛ وقد قرئ ﴿قِطَعاً﴾ بفتح الطاء وسكونها، فالأول: جمع قطعة، والثاني: اسم ما قطع فسقط، وقال ابن السكيت: القطع: طائفة من الليل، انظر الآية رقم [٨١] من السورة الآتية. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾: مشاكلة، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال).
تنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اعلم أنه لمّا شرح الله أحوال المحسنين، وما أعدّ لهم من الكرامة؛ شرح في هذه الآية حال من أقدم على السيئات، والمراد بهم: الكفار والمقصود من التقييد بقوله: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات؛ لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها تفضلا، وتكرما، وأما السيئات؛ فإنه يجازى عليها بمثلها عدلا منه . انتهى بتصرف كبير مني. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ: قال سليمان الجمل: عبارة السمين: فيه سبعة أوجه: أحدها:
أن يكون ﴿وَالَّذِينَ﴾ عطفا على ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى،﴾ وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، فتعادل التقسيم، كقولك: في الدار زيد، والحجرة عمرو، وهذا يسميه النحويون عطفا على معمولي عاملين مختلفين وهذا يعني: أن الجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ..﴾.
إلخ أي: في التقدير متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿جَزاءُ﴾ مبتدأ مؤخر، وفي الظاهر ﴿جَزاءُ﴾ معطوف على ﴿الْحُسْنى﴾. تأمل.
الوجه الثاني: أن (الذين) مبتدأ أول، و ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مبتدأ ثان، وخبره: ﴿بِمِثْلِها،﴾ والباء:
فيه زائدة؛ أي: وجزاء سيئة مثلها.
الثالث: أن الباء: ليست زائدة، والتقدير مقدر بمثلها، أو مستقر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن الأول.
الرابع: أن خبر ﴿سَيِّئَةٍ﴾ محذوف، فقدره الحوفي بقوله: لهم جزاء سيئة، قال: ودل على تقدير (لهم) قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى﴾ حتى تتشاكل هذه بهذه، وقدره أبو البقاء: (جزاء سيئة بمثلها واقع) وهو وخبره أيضا خبر عن الأول، وعلى هذين التقديرين، فالباء: متعلقة بنفس جزاء؛ لأن هذه المادة تتعدى بالباء، فإن قلت: أين الرابط بين هذه الجملة والموصول الذي هو المبتدأ؟ قلت: على تقدير الحوفي هو الضمير المجرور باللام المقدر خبرا، وعلى تقدير أبي البقاء: هو محذوف تقديره: جزاء سيئة بمثلها واقع، نحو: السمين منوان بدرهم، وهو حذف مطرد لما عرفته غير مرة.
الخامس: أن يكون الخبر الجملة المنفية من قوله: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ؛﴾ وعليه يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بجملة اعتراض.
السادس: أن الخبر الجملة: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ..﴾. إلخ؛ وعليه يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراض.
стр. 2412
السابع: أن الخبر هو: الجملة من قوله ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ؛ وعليه يكون قد فصل بأربع جمل معترضة. وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاث جمل، فضلا عن أربع، انتهى. بتصرف.
هذا؛ وعلى اعتبار (الذين) معطوفا على ما قبله، فهو مبني على الفتح في محل جر، وعلى اعتبار مبتدأ فهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿كَسَبُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق.
﴿السَّيِّئاتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿جَزاءُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿سَيِّئَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِمِثْلِها﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وقيل: الباء زائدة، و (مثلها) مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه خبر، وقيل: ﴿بِمِثْلِها﴾ متعلقان ب ﴿جَزاءُ،﴾ والخبر محذوف، تقديره واقع، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، التقدير: لهم أو بهم حسب المعنى، وعليه فلا بد من تقدير مضاف قبل (الذين)، أي: وجزاء الذين كسبوا
إلخ، هذا؛ وقيل: إن التقدير: فلهم جزاء سيئة بمثلها، وهذا يعني أن (لهم) متعلقان بمحذوف خبر ﴿جَزاءُ﴾ مقدما في التقدير، وتبقى الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء بخبر المبتدأ في التقدير؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وجملة: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: قيل في محل نصب حال من واو الجماعة، ويضعفه اقتران الواو بها؛ لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿كَسَبُوا..﴾. إلخ: ويضعفه عطف المستقبل على الماضي، والأصح: أنها مستأنفة؛ على اعتبار ما قبلها خبرا عن الموصول، وعلى اعتبار (الذين...) إلخ: معطوفا على ما قبله، ومعترضة على اعتبار الموصول مبتدأ، خبره ما بعدها. ﴿ما لَهُمْ﴾: ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿عاصِمٍ﴾ بعدهما. ﴿عاصِمٍ﴾: مبتدأ مؤخر. ويجوز اعتباره فاعلا بالجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ لاعتماده على النفي، وهو في الحقيقة فاعل بفعل محذوف، التقدير: ما ثبت، أو ما يثبت لهم عاصم من الله، وعلى الاعتبارين فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو ﴿مِنَ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: (الذين)، أو هي معترضة لا محل لها، انظر الإعراب المتقدم. ﴿كَأَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أُغْشِيَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿وُجُوهُهُمْ﴾: نائب فاعل، والهاء:
في محل جر بالإضافة. ﴿قِطَعاً﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة:
﴿قِطَعاً﴾. ﴿مُظْلِماً﴾: صفة ثانية ل ﴿قِطَعاً،﴾ أو حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهذا على قراءة:
«(قطْعا)»، بسكون الطاء، وهو حال من الليل على قراءة: (قطعا) بفتح الطاء، وجملة: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ..﴾. إلخ: مثل جملة: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾: على الاعتبارين فيها ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾: انظر الآية السابقة ففيها الإعراب مستوفى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
стр. 2413
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾: نجمعهم جميعا؛ أي: المحسنين والمسيئين المذكورين فيما تقدم لموقف الحساب يوم القيامة، هذا؛ والحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد. ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: في الدنيا بعبادة الحجارة والأوثان، أو الشمس والقمر، وغير ذلك.
﴿مَكانَكُمْ﴾ أي: أثبتوا في مكانكم حتى تسألوا عما فعلتم في الدنيا، ففيه تهديد ووعيد للعابدين والمعبودين، ولا تنس أن المؤمنين يلزمون بالوقوف أيضا حتى يسألوا، ويحاسبوا، ولكن برفق ولطف. ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ أي: ما كنتم تعبدون من دون الله. وتشركونهم معه في التعظيم والتقديس. ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أي: فرقنا بينهم وبين هؤلاء المعبودين، وقطعنا ما بينهم من التواصل في الدنيا.
هذا؛ وقال أبو البقاء: عين الكلمة واو، لأنه من: زال يزول، وإنما قلبت ياء؛ لأن وزن الكلمة (فيعل) أي: زيولنا، مثل: بيطر وبيقر، فلما اجتمعت الواو والياء، والياء ساكنة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقيل: هو من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء، فيحتمل على هذا أن تكون فعلنا وفيعلنا. انتهى. هذا؛ وقرئ «زايلنا»، هذا؛ وقال الجلال: زيلنا:
ميزنا بينهم وبين المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ،﴾ وهذا يكون عند الوقوف للسؤال، حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة وبأهل النار إلى النار.
قال سليمان الجمل: وهذا التفسير بعيد من سابقه ولا حقه؛ إذ هما في الكلام على المشركين ومعبوداتهم، فالأولى القول الآخر الذي جرى عليه غيره كالبيضاوي والخازن، والخطيب. انتهى.
﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ أي: قالت الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا متبرءين منهم: ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ وإنما كانت الشياطين تأمركم بعبادتنا. فكانت عبادتكم لهم، هذا؛ وإن الله ينطق الحجارة والأوثان يوم القيامة، فتكون هذه المحاورة بين المشركين ومعبوداتهم.
هذا؛ وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة الذين عبدهم المشركون، وقيل: المراد بهم: الشياطين، والجميع ينطقون، وانظر الآية رقم [٣٤] الآتية.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ﴾: الواو: حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، و (يوم) مضاف، والجملة الفعلية: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ في محل جر بالإضافة. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من الضمير المنصوب، فهي حال مؤكدة.
﴿نَقُولُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مَكانَكُمْ﴾: اسم فعل أمر منقول عن
стр. 2414
الظرفية المكانية، وفاعله مستتر فيه وجوبا، هذا؛ وقيل: هو منصوب بفعل محذوف، التقدير:
الزموا مكانكم، والأول أولى بالاعتبار، والكاف حرف على الأول لا محل له، وفي محل جر بالإضافة على الثاني. ﴿أَنْتُمْ﴾: هذا الضمير توكيد للضمير المستتر في اسم الفعل على الأول، وتوكيد لواو الجماعة في الفعل (الزموا) على الثاني. ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾: معطوف على الضمير المستتر، أو على واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿مَكانَكُمْ..﴾. إلخ على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿نَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. فهي في محل جر مثلها. ﴿فَزَيَّلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنَهُمْ﴾:
ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ..﴾. إلخ:
معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء: اسمه. ﴿إِيّانا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩)﴾
الشرح: معنى الآية الكريمة قد علم الله وكفى به شهيدا أنا ما علمنا أنكم كنتم تعبدوننا، وما كنا عن عبادتكم إيانا من دون الله إلا غافلين، لا نعلم وما نشعر بذلك، انتهى. خازن.
هذا؛ والفعل (كفى) بمعنى اكتف، أو نكتفي، وهو جامد ملازم لهذه الصيغة، وتزاد الباء في فاعله كما في هذه الآية وهو لازم لا ينصب المفعول به، وغيرها كثير، وقد يأتي بمعنى:
(حسب) وهو بهذه الصيغة، وهو يكون قاصرا لا يتعدى بنفسه إلى المفعول به، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول سحيم بن وثيل الرياحي عبد بني الحسحاس: [الطويل]
عميرة ودّع، إن تجهّزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
هذا؛ وقد يأتي الفعل متصرفا بمعنى: يجزي ويغني، فيتعدى لواحد، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول الشاعر: [الوافر]
قليل منك يكفيني، ولكن... قليلك لا يقال له: قليل
ومثله ما إذا كان بمعنى: (وقى)، أو قام بكفايته في شأن من الشئون، وهذا يتعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.
الإعراب: ﴿فَكَفى﴾: الفاء: حرف عطف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ﴾: الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿شَهِيداً﴾: تمييز. ﴿بَيْنَنا﴾
стр. 2415
وَبَيْنَكُمْ: ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهِيداً،﴾ و (نا) والكاف: كلاهما في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية ﴿فَكَفى..﴾. إلخ، معطوفة على جملة: ﴿ما كُنْتُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنْ﴾: حرف مخفف من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون. و (نا): اسمه. ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾: متعلقان ب (غافلين) بعدهما، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لَغافِلِينَ﴾: اللام: هي الفارقة بين «إنّ» المهملة والعاملة، وهي لازمة في حال الإهمال. (غافلين): خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ كُنّا..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول مثل سابقتها.
﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام، أو في ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت. ﴿تَبْلُوا﴾:
تختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره، وقرئ: «(تتلو)» أي: تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها، وقرئ «(نبلو)» أي: نختبر كل نفس، أي: نفعل بها فعل المختبر لحالها، المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها، ويجوز أن يراد به: نصيب بالبلاء، أي: بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾: هذا الرد يكون يوم القيامة، وهو بمعنى الرجوع، ورجوعهم إلى الله ليحاسبهم على صنيع أعمالهم، ومعنى ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾: متولي أمورهم على الحقيقة، لا الذي اتخذوه وليّا باطلا من الأصنام وغيرها، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: غاب وذهب عنهم ما كانوا يكذبون في الدنيا من أن الأصنام التي يعبدونها تشفع لهم.
تنبيه: لا تناقض بين قوله تعالى هنا: ﴿مَوْلاهُمُ﴾ وبين قوله في سورة (محمد): ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ؛﴾ لأن ما هنا بمعنى المالك والقاهر، وهو مولاهم في الرزق، وإدرار النعم، وما هناك بمعنى: ليس بمولاهم في المعونة والنصرة، وغير ذلك، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿هُنالِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل بعده، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿تَبْلُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. ﴿كُلُّ﴾: فاعله على قراءته (تبلو) و (تتلو) وأما على قراءته بالنون، ف ﴿كُلُّ﴾ مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و ﴿كُلُّ﴾:
مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكره موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهذا على رفع ﴿كُلُّ،﴾ وفي محل نصب بدلا من ﴿كُلُّ﴾ على نصبها، وقيل: هي منصوبة على نزع الخافض، أي: بسبب ما أسلفت، انظر الشرح، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: الذي أو شيئا أسلفته. ﴿وَرُدُّوا﴾:
стр. 2416
ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَبْلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿إِلَى اللهِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَوْلاهُمُ﴾: بدل من (الله)، وقيل: صفة مجرورة وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقِّ﴾: بالجر بدل أو صفة ثانية، ويقرأ بالنصب، وهو مفعول مطلق مؤكد لما قبله، أو هو على تقدير فعل، أي: أعني الحق، ويجوز رفعه على القطع مما قبله، ويكون التقدير: مولاهم الحق، ولكن لم أر من قرأ به.
﴿وَضَلَّ﴾: ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بما قبلها. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ ، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المعاندين. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر النازل من السماء؛ إذ هو سبب للرزق. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي:
النبات والخارج من الأرض على جميع أنواعه وأشكاله، وانظر الآية رقم [٣] وسماء أصله:
(سماو). فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت همزة، هذا؛ و (السماء) يذكر ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك، قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في (رعيناه) بمعنى النبات، وهذا يسمى عند علماء البديع استخداما. هذا؛ وقد يراد بالسماء السحاب الذي ينزل منه المطر. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾: أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها، وسرعة انفعالها من أذى شيء، هذا؛ وقد وحد السمع دون الأبصار، لأمن اللبس؛ ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سمعا وسماعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية أو جمع، وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات البصر مختلفة. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ﴾
стр. 2417
الْحَيِّ: انظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام)، ففيها الكفاية. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: انظر الآية رقم [٣]، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ أي: أنهم يعترفون أن فاعل هذه الأشياء هو الله تعالى.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام وتقرير وتوبيخ مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: مضارع، والكاف في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماءِ﴾. ﴿أَمَّنْ﴾:
(أم): حرف عطف بمعنى (بل)، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾:
معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾:
معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء: حرف استئناف.
السين: حرف استقبال. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعل. ﴿اللهُ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿فَسَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣]، (قل):
أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف.
(لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾:
معطوفة على جملة محذوفة على رأي: الزمخشري ومن يوافقه، ولا جملة محذوفة على مذهب سيبويه والجمهور، وعلى المذهبين فالكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ:
لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا منهم فقل... إلخ، وهذا الشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أي: المتولي للأمور المذكورة في الآية السابقة، المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته؛ لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم، ودبر أموركم، لا ما أشركتم به. فماذا بعد الحق؟ أي: ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال. ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق، ولا يحيي ولا يميت. أو كيف تصرفون عن الإيمان بالله تعالى مع قيام البرهان، هذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود) ﵇.
стр. 2418
الإعراب: ﴿فَذلِكُمُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (ذلكم): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم: حرف دال على جماعة الذكور. ﴿اللهُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿رَبُّكُمُ﴾: بدل من ﴿اللهُ،﴾ أو صفة له، والكاف: في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.. ﴿الْحَقُّ﴾: بدل أو صفة مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿فَذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَماذا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣]، (ماذا): يجوز أن يكون اسما استفهاميا مركبا في محل رفع مبتدأ مبنيا على السكون في محل رفع. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَقُّ﴾:
مضاف إليه، هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) اسما استفهاميا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، وذا:
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَقُّ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الضَّلالُ﴾:
بدل من خبر المبتدأ، أو من الضمير المستتر فيه، والاستفهام بمعنى النفي. انتهى من قول السمين بتصرف كبير. هذا؛ وقال القرطبي: ذا صلة، وهذا يعني أنّ (ما): نافية، و ﴿بَعْدَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿الْحَقُّ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر.
﴿الضَّلالُ﴾: مبتدأ مؤخر، والمعنى: (ما بعد الحق إلا الضلال)؛ وهذا هو الذي يؤيده المعنى والواقع، لا ما قاله السمين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنّى﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال تقدم على عامله. ﴿تُصْرَفُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾
الشرح: معنى الآية الكريمة: كما ثبتت الربوبية لله، وثبت أنه ما بعد الحق إلا الضلال، وثبت انصرافهم عن الحق؛ ثبتت ووجبت كلمة الله وحكمه الأزلي على الفاسقين بعدم إيمانهم، وذلك؛ لأنهم لو تركوا وشأنهم لما اختاروا إلا الكفر والفساد في الأرض. هذا؛ وتقرأ ﴿كَلِمَةُ﴾ بالإفراد والجمع.
الإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: وجبت كلمة ربك على.. وجوبا ثابتا مثل ثبوت ربوبيته تعالى، وثبوت ما بعد الحق إلا الضلال، وانظر الآية رقم [١٣]، لتفصيل الإعراب. ﴿حَقَّتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث.
﴿كَلِمَةُ﴾: فاعل، و ﴿كَلِمَةُ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿فَسَقُوا﴾ صلة الموصول، ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة:
стр. 2419
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدل من: ﴿كَلِمَةُ،﴾ أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لعدم إيمانهم، أو المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي عدم إيمانهم، وقال الفراء: يجوز (إنهم) بالكسر على الاستئناف. انتهى قرطبي، ولم أر قراءة بالكسر.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ أي، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين المضلين: هل يوجد شيء من الأصنام التي تعبدونها من يقدر على أن ينشئ الخلق على غير مثال سبق، ثم يعيده بعد موته، وفنائه، وتفتت أجزائه، وتقطع أوصاله كهيئته أول مرة؟ فإن لم يجيبوا، وبالطبع هم عاجزون، فأجبهم بقولك: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: وإذا كان أحد لا يفعل ذلك، فكيف تصرفون عن الإيمان بالله، والامتثال لأوامره، واجتناب نواهيه؟! ﴿ثُمَّ﴾:
انظر الآية رقم [١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
تنبيه: أطلق الله سبحانه ﴿مِنْ﴾ على الأصنام، وهي لا تعقل، ولا تضر ولا تنفع، محاكاة لقولهم، ومجاراة لزعمهم: أنها تعقل، وتدرك ما يقال لها، كما عوملت معاملة جمع المذكر السالم في الآية رقم [١٩٣] (الأعراف). هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين:
أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة والتعظيم والتقديس، وثانيها: أنهم يشركونها في الأموال والأنعام والزروع، انظر الآية رقم [١٣٨] الأنعام وما بعدها، وإعلال (يعيد) مثل إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١] (التوبة)، وانظر ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٩٥] الأنعام ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام مفيد للتوبيخ والتقريع. ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَبْدَؤُا﴾:
مضارع وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ ﴿الْخَلْقَ..﴾.: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ مِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعراب:
﴿قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: واضح إن شاء الله تعالى، وجملة: ﴿قُلْ﴾: مع المقول مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿يُعِيدُهُ﴾: معطوفة على جملة: ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: فهي في محل رفع مثلها، وإعراب: ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾: مثل إعراب: ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ في الآية رقم [٣٢] إفرادا ومحلا.
стр. 2420
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: بنصب الحجج، وإرسال الرسل، والتوفيق للنظر والتدبر، و (هدى) كما يعدى ب «إلى» لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية، وأنها لم تتوجه نحوه، على سبيل الاتفاق؛ ولذلك عدي بها ما أسنده إلى الله، فإن لم يجيبوا، وبالطبع هم عاجزون؛ فأجبهم بقولك. ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ..﴾. إلخ أي: إن الله هو الذي يهدي إلى الحق، فهو أحق بالاتباع، لا هذه الأصنام، التي لا تهتدي إلا أن تهدى، ومثله حال أشراف شركائهم، كالملائكة، والمسيح، وعزير، وكل من عبد من دون الله، هذا؛ والفعل ﴿يَهْدِي﴾: يقرأ بست قراءات. ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: هذا توبيخ وتقريع وإنكار، أي: ما بالكم ترضون بعبادة من لا ينفع ولا يضر؟ مع أن العقول السليمة لا ترضى بذلك، ولا تقره!.
تنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-فإن قلت: الأصنام جماد لا تتصور هدايتها، ولا أن تهدي غيرها، فكيف قال: ﴿إِلاّ أَنْ يُهْدى؟﴾ قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال وجهين:
الأول: أن معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال من مكان إلى مكان، فيكون المعنى: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان آخر، إلا أن تحمل، وتنقل، فبين بهذا عجز الأصنام.
الثاني: أن ذكر الهداية في حق الأصنام على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة، وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل؛ عبر عنها بما يعبر به عمن يسمع ويعقل ويعلم.
الإعراب: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ، الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُتَّبَعَ﴾: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير بالاتباع، وإن شئت اعتبرت المصدر في محل رفع على البدل من (من)، وهو بدل الاشتمال، وأجاز أبو البقاء اعتبار المصدر المؤول مبتدأ مؤخرا، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبرا مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (من)، والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمَّنْ﴾: (أم): حرف عطف، وهي متصلة. (من): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَهِدِّي﴾: صلة الموصول لا محل لها، وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: أم الذي لا يهدي أحق أن يتبع، وهذا من تمام المعادل،
следующие страницы →