Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَبْلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿إِلَى اللهِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَوْلاهُمُ﴾: بدل من (الله)، وقيل: صفة مجرورة وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقِّ﴾: بالجر بدل أو صفة ثانية، ويقرأ بالنصب، وهو مفعول مطلق مؤكد لما قبله، أو هو على تقدير فعل، أي: أعني الحق، ويجوز رفعه على القطع مما قبله، ويكون التقدير: مولاهم الحق، ولكن لم أر من قرأ به.
﴿وَضَلَّ﴾: ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بما قبلها. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ ، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المعاندين. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر النازل من السماء؛ إذ هو سبب للرزق. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي:
النبات والخارج من الأرض على جميع أنواعه وأشكاله، وانظر الآية رقم [٣] وسماء أصله:
(سماو). فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت همزة، هذا؛ و (السماء) يذكر ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك، قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في (رعيناه) بمعنى النبات، وهذا يسمى عند علماء البديع استخداما. هذا؛ وقد يراد بالسماء السحاب الذي ينزل منه المطر. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾: أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها، وسرعة انفعالها من أذى شيء، هذا؛ وقد وحد السمع دون الأبصار، لأمن اللبس؛ ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سمعا وسماعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية أو جمع، وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات البصر مختلفة. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ﴾
стр. 2417
الْحَيِّ: انظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام)، ففيها الكفاية. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: انظر الآية رقم [٣]، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ أي: أنهم يعترفون أن فاعل هذه الأشياء هو الله تعالى.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام وتقرير وتوبيخ مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: مضارع، والكاف في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماءِ﴾. ﴿أَمَّنْ﴾:
(أم): حرف عطف بمعنى (بل)، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾:
معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾:
معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء: حرف استئناف.
السين: حرف استقبال. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعل. ﴿اللهُ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿فَسَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣]، (قل):
أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف.
(لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾:
معطوفة على جملة محذوفة على رأي: الزمخشري ومن يوافقه، ولا جملة محذوفة على مذهب سيبويه والجمهور، وعلى المذهبين فالكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ:
لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا منهم فقل... إلخ، وهذا الشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أي: المتولي للأمور المذكورة في الآية السابقة، المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته؛ لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم، ودبر أموركم، لا ما أشركتم به. فماذا بعد الحق؟ أي: ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال. ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق، ولا يحيي ولا يميت. أو كيف تصرفون عن الإيمان بالله تعالى مع قيام البرهان، هذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود) ﵇.
стр. 2418
الإعراب: ﴿فَذلِكُمُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (ذلكم): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم: حرف دال على جماعة الذكور. ﴿اللهُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿رَبُّكُمُ﴾: بدل من ﴿اللهُ،﴾ أو صفة له، والكاف: في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.. ﴿الْحَقُّ﴾: بدل أو صفة مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿فَذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَماذا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣]، (ماذا): يجوز أن يكون اسما استفهاميا مركبا في محل رفع مبتدأ مبنيا على السكون في محل رفع. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَقُّ﴾:
مضاف إليه، هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) اسما استفهاميا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، وذا:
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿الْحَقُّ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الضَّلالُ﴾:
بدل من خبر المبتدأ، أو من الضمير المستتر فيه، والاستفهام بمعنى النفي. انتهى من قول السمين بتصرف كبير. هذا؛ وقال القرطبي: ذا صلة، وهذا يعني أنّ (ما): نافية، و ﴿بَعْدَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿الْحَقُّ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر.
﴿الضَّلالُ﴾: مبتدأ مؤخر، والمعنى: (ما بعد الحق إلا الضلال)؛ وهذا هو الذي يؤيده المعنى والواقع، لا ما قاله السمين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنّى﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال تقدم على عامله. ﴿تُصْرَفُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾
الشرح: معنى الآية الكريمة: كما ثبتت الربوبية لله، وثبت أنه ما بعد الحق إلا الضلال، وثبت انصرافهم عن الحق؛ ثبتت ووجبت كلمة الله وحكمه الأزلي على الفاسقين بعدم إيمانهم، وذلك؛ لأنهم لو تركوا وشأنهم لما اختاروا إلا الكفر والفساد في الأرض. هذا؛ وتقرأ ﴿كَلِمَةُ﴾ بالإفراد والجمع.
الإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: وجبت كلمة ربك على.. وجوبا ثابتا مثل ثبوت ربوبيته تعالى، وثبوت ما بعد الحق إلا الضلال، وانظر الآية رقم [١٣]، لتفصيل الإعراب. ﴿حَقَّتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث.
﴿كَلِمَةُ﴾: فاعل، و ﴿كَلِمَةُ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿فَسَقُوا﴾ صلة الموصول، ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة:
стр. 2419
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدل من: ﴿كَلِمَةُ،﴾ أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لعدم إيمانهم، أو المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي عدم إيمانهم، وقال الفراء: يجوز (إنهم) بالكسر على الاستئناف. انتهى قرطبي، ولم أر قراءة بالكسر.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ أي، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين المضلين: هل يوجد شيء من الأصنام التي تعبدونها من يقدر على أن ينشئ الخلق على غير مثال سبق، ثم يعيده بعد موته، وفنائه، وتفتت أجزائه، وتقطع أوصاله كهيئته أول مرة؟ فإن لم يجيبوا، وبالطبع هم عاجزون، فأجبهم بقولك: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: وإذا كان أحد لا يفعل ذلك، فكيف تصرفون عن الإيمان بالله، والامتثال لأوامره، واجتناب نواهيه؟! ﴿ثُمَّ﴾:
انظر الآية رقم [١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
تنبيه: أطلق الله سبحانه ﴿مِنْ﴾ على الأصنام، وهي لا تعقل، ولا تضر ولا تنفع، محاكاة لقولهم، ومجاراة لزعمهم: أنها تعقل، وتدرك ما يقال لها، كما عوملت معاملة جمع المذكر السالم في الآية رقم [١٩٣] (الأعراف). هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين:
أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة والتعظيم والتقديس، وثانيها: أنهم يشركونها في الأموال والأنعام والزروع، انظر الآية رقم [١٣٨] الأنعام وما بعدها، وإعلال (يعيد) مثل إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١] (التوبة)، وانظر ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٩٥] الأنعام ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام مفيد للتوبيخ والتقريع. ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَبْدَؤُا﴾:
مضارع وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ ﴿الْخَلْقَ..﴾.: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ مِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعراب:
﴿قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: واضح إن شاء الله تعالى، وجملة: ﴿قُلْ﴾: مع المقول مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿يُعِيدُهُ﴾: معطوفة على جملة: ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: فهي في محل رفع مثلها، وإعراب: ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾: مثل إعراب: ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ في الآية رقم [٣٢] إفرادا ومحلا.
стр. 2420
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: بنصب الحجج، وإرسال الرسل، والتوفيق للنظر والتدبر، و (هدى) كما يعدى ب «إلى» لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية، وأنها لم تتوجه نحوه، على سبيل الاتفاق؛ ولذلك عدي بها ما أسنده إلى الله، فإن لم يجيبوا، وبالطبع هم عاجزون؛ فأجبهم بقولك. ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ..﴾. إلخ أي: إن الله هو الذي يهدي إلى الحق، فهو أحق بالاتباع، لا هذه الأصنام، التي لا تهتدي إلا أن تهدى، ومثله حال أشراف شركائهم، كالملائكة، والمسيح، وعزير، وكل من عبد من دون الله، هذا؛ والفعل ﴿يَهْدِي﴾: يقرأ بست قراءات. ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: هذا توبيخ وتقريع وإنكار، أي: ما بالكم ترضون بعبادة من لا ينفع ولا يضر؟ مع أن العقول السليمة لا ترضى بذلك، ولا تقره!.
تنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-فإن قلت: الأصنام جماد لا تتصور هدايتها، ولا أن تهدي غيرها، فكيف قال: ﴿إِلاّ أَنْ يُهْدى؟﴾ قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال وجهين:
الأول: أن معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال من مكان إلى مكان، فيكون المعنى: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان آخر، إلا أن تحمل، وتنقل، فبين بهذا عجز الأصنام.
الثاني: أن ذكر الهداية في حق الأصنام على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة، وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل؛ عبر عنها بما يعبر به عمن يسمع ويعقل ويعلم.
الإعراب: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ، الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُتَّبَعَ﴾: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير بالاتباع، وإن شئت اعتبرت المصدر في محل رفع على البدل من (من)، وهو بدل الاشتمال، وأجاز أبو البقاء اعتبار المصدر المؤول مبتدأ مؤخرا، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبرا مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (من)، والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمَّنْ﴾: (أم): حرف عطف، وهي متصلة. (من): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَهِدِّي﴾: صلة الموصول لا محل لها، وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: أم الذي لا يهدي أحق أن يتبع، وهذا من تمام المعادل،
стр. 2421
والمعنى يقضي: أن الخبر المقدر بعد الاستثناء. تأمل. ﴿إِلاّ﴾: حرف استثناء. ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَهْدِي﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من)، و ﴿أَنْ﴾ المضارع في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء، وهو في الأصل مجرور بحرف جر؛ فلما حذف الجار انتصب المصدر على الاستثناء المتصل، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: هي الفصيحة. (ما): اسم استفهام وتوبيخ مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم محذوف؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر في شأن شركائكم حاصلا وواقعا فما لكم تحكمون هذا الحكم الفاسد بعبادتهم، وتقديسهم وتعظيمهم؟! والشرط المقدر ومدخوله معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها بمنزلة التوكيد للجملة الاسمية المتضمنة للاستفهام التوبيخي.
﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: فيما يعتقدون. ﴿إِلاّ ظَنًّا﴾: مستندا إلى خيالات فارغة، وأقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، والمراد بالأكثر الجميع، أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر، ولا يرضى بالتقليد الصرف، هذا؛ وأصل (الظن) استعماله في الطرف الراجح، وهنا قد استعمل في الطرف الموهوم فضلا عن المرجوح، والظن الذي يتبعه المشركون هو: أن الأصنام تشفع لهم. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾: أي إن الظن لا يقوم مقام العلم والحقيقة، ولا ينفع صاحبه شيئا، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في أصول الدين وقواعده واجب، والاكتفاء بالظن والتقليد غير جائز. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾: فيه تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الذين قلدوا آباءهم بعبادة الأصنام، وأعرضوا عن الحق والبرهان.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَتَّبِعُ﴾: مضارع. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: فاعل والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ظَنًّا﴾: مفعول به. والجملة الفعلية: ﴿وَما يَتَّبِعُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الظَّنَّ﴾: اسمها. ﴿إِلاّ﴾:
نافية. ﴿يُغْنِي﴾: مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الظَّنَّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال من شيئا كان صفة له... إلخ. ﴿شَيْئاً﴾: مفعول مطلق، أو هو مفعول به على تفسير ﴿يُغْنِي﴾ ب «يدفع»،
стр. 2422
والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الظَّنَّ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وأيضا الاسمية ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ:
مستأنفة لا محل لها أيضا، والجار والمجرور ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾. وتفصيل الإعراب مثل ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الآية رقم [٨]، ومثل ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآية رقم [١٨].
﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: إن هذا القرآن جاء به محمد ﷺ لم يكن اختلافا اختلقه محمد، وذلك أن كفار قريش زعموا: أن محمدا ﷺ أتى بهذا القرآن من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق. ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولكن الله أنزل هذا القرآن مصدقا لما قبله من الكتب التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل، ومحمد ﷺ كان أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجتمع بأحد من العلماء المعاصرين له من يهود ونصارى. هذا؛ و ﴿تَصْدِيقَ﴾ يقرأ بالرفع والنصب. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ أي: وتبيين ما في الكتب المتقدمة من العقائد، والشرائع، والحلال، والحرام، والفرائض والأحكام، وفيه إيحاء: أن هذا القرآن حوى جميع ما في الكتب التي سبقته، وزادها تفصيلا وإيضاحا. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك في هذا القرآن.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿هذَا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنُ﴾:
بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال: صفة، ولا أسلمه؛ لأنه غير مشتق. ﴿كانَ﴾:
حرف مصدري ونصب. ﴿يُفْتَرى﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الْقُرْآنُ﴾. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، و ﴿كانَ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ أي: افتراء، والمصدر يحول إلى اسم المفعول، التقدير:
مفترى، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف.
(لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿تَصْدِيقَ﴾: بالنصب خبر ل «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير: ولكن كان تصديق، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف، التقدير: ولكن أنزله الله تصديق. أو هو معطوف على خبر ﴿كانَ﴾ الأولى، وقيل: هو مفعول مطلق لفعل محذوف.
التقدير: ولكن يصدق تصديق، وهو بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ولكن هو تصديق، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها، و ﴿تَصْدِيقَ﴾: مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله،
стр. 2423
وفاعله محذوف. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و ﴿يَدَيْهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأن لفظه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَفْصِيلَ﴾: معطوف على ﴿تَصْدِيقَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، و (تفصيل) مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿رَيْبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: في محل نصب حال من الكتاب، أو هي مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان على رفع ﴿تَصْدِيقَ،﴾ وخبر ثان ل «كان» المحذوفة على نصب ﴿تَصْدِيقَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال ثانية. أو هما متعلقان ب ﴿تَصْدِيقَ﴾ أو ب (تفصيل) وتكون المسألة من باب التنازع، أو هما متعلقان بالفعل المقدر، و ﴿رَبِّ﴾: مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي: أيقول المشركون افترى محمد ﷺ القرآن واختلقه من تلقاء نفسه. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن كان الأمر كما تقولون وتدعون؛ فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن شبيهة به في الفصاحة، والبلاغة، وحسن النظم، فأنتم عرب فصحاء بلغاء. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: استعينوا على إتيان سورة مثل هذا القرآن بمن تريدون من غير الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم إن محمدا ﷺ اختلق القرآن، وافتراه.
تنبيه: قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى: مراتب تحدي رسول الله ﷺ بالقرآن أربعة:
أولها: أنه تحداهم بكل القرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ..﴾. إلخ الآية رقم [٨٨] من سورة (الإسراء).
ثانيها: أنه تحداهم بعشر سور، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
ثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة، كما في هذه الآية، والآية رقم [٢٣] من سورة (البقرة).
رابعها: أنه تحداهم بحديث مثله، قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٤] من سورة الطور، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله في إثبات: أن القرآن معجز، ثم إن الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما..﴾. إلخ الآية التالية. انتهى بتصرف.
стр. 2424
تنبيه: ومعنى قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: فأتوا بسورة مع إنسان أمي مثل محمد ﷺ يساويه في الفصاحة والبلاغة مع كونه لم يقرأ ولم يكتب، ومعنى ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ هنا، أي: بسورة تساوي سور القرآن في الفصاحة والبلاغة، انتهى خازن بتصرف كبير. وبذلك يظهر لك وجه ذكر ﴿مَنِ﴾ هناك، وعدم ذكرها هنا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف، وهي متضمنة معنى همزة الاستفهام؛ لأنها متصلة بما قبلها.
﴿يَقُولُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اِفْتَراهُ﴾: ماض، والهاء مفعوله، وفاعله يعود إلى غير مذكور، لكنه مفهوم من المقام؛ إذ المراد به النبي محمد ﷺ ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قُلْ﴾:
أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَأْتُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر انظر الشرح. ﴿فَأْتُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِسُورَةٍ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِثْلِهِ﴾: صفة سورة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
(ائتوا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط المقدر انظر الشرح، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. (ادعوا): أمر، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف. إذ التقدير: ادعوا لمساعدتكم. ﴿مَنِ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: استطعتم دعوته. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل (ادعوا) أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المحذوف العائد على ﴿مَنِ،﴾ و ﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم فيها. و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: (ادعوا...) إلخ معطوفة على جملة:
(ائتوا...) إلخ فهي في محل جزم مثلها ثم هي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
﴿صادِقِينَ﴾: خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: إن كنتم صادقين في قولكم؛ فأتوا بسورة مثل هذا القرآن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: كذب المشركون بما في القرآن من ذكر الجنة والنار، والحشر والصراط والميزان، والجنة والنار وغير ذلك، مما لم يعلموا منه شيئا؛ لأنهم
стр. 2425
كانوا ينكرون ذلك. ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: ولم يأتهم بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله به في القرآن من الانتقام الشديد، والأخذ السريع؛ حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب، والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ، ومعجز من جهة المعنى، وهم قد كذبوا به قبل أن يتأملوا لفظه، وقبل أن يتدبروا معناه، واستمرار النفي ب (لمّا) يفيد أنه قد ظهر لهم فيما بعد إعجازه لكثرة ما تحداهم به، ومع ذلك بقوا مصرين على الكفر تمردا وعنادا، وهذا كان قبل الهجرة، ولكن بعد الهجرة تفهموا معناه، وتدبروا آياته؛ لذا فقد آمن منهم خلق كثير، ولا سيما بعد معاهدة الحديبية التي فتحت الباب على مصراعيه للتفاهم بين المسلمين وبين المشركين.
﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما كذب هؤلاء بالقرآن كذبت الأمم الماضية أنبياءهم فيما وعدوهم، أو توعدوهم به. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة من ظلم من الأمم السابقة، فعاقبة من كذبك تكون مثل عاقبة هؤلاء، ففيه تسلية للنبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، ليعتبر من يعتبر.
الإعراب: ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وانتقال. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق. ﴿بِما﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. ﴿وَلَمّا﴾: الواو: واو الحال. (لما): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَأْتِهِمْ﴾: مضارع مجزوم ب (لما)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة ب ﴿كَذَّبُوا﴾ والرابط: الواو، والضمير، وجوز عطفها على جملة الصلة، والحالية أقوى. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله الفعل الذي بعده، التقدير: كذب الذين من قبلهم تكذيبا كائنا مثل تكذيب كفار قريش للقرآن الكريم، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٣]، ﴿كَذَّبَ﴾: ماض.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَانْظُرْ﴾: الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية رقم [٣]، (انظر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان، تقدم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، ﴿عاقِبَةُ﴾:
اسمها، وهو مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة:
﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبلهما، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة (انظر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فانظر، وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له.
стр. 2426
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أي: من أهل مكة من يصدق بالقرآن الكريم، ويعترف بأحقيته.
ومنهم من لا يصدق به، ولا يعترف بأحقيته، وهذا؛ وعد من العلي القدير، وبشارة منه لنبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بأن من قومه من يؤمن بالله، كيف لا؟ وقد أنجز الله من وعد؛ حيث آمن أكثر قريش وأكثر العرب، ثم حملوا لواء الإسلام، فنشروا تعاليمه في كل مكان، وقد مات منهم على الكفر من قدر الله له ذلك في الأزل، كأبي جهل، وأبي طالب، وأبي لهب، وأمثالهم وهؤلاء لو تركوا وشأنهم لما اختاروا غير الكفر؛ فلذا قدره لهم وقضاه عليهم. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: المعادين المصرين على الكفر، الذين سجل الله لهم الشقاوة والتعاسة في قديم الأزل.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: الواو: حرف استئناف، (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة:
﴿يُؤْمِنُ بِهِ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها هذا هو الإعراب الظاهر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] التوبة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإعراب ما بعدها مثلها، ولا فرق بينهما في الإيجاب والنفي. ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ﴾: خبره، وهو بمعنى عالم، وليس على بابه؛ لأنه لا أحد يشرك الله في علمه بحقيقة الفاسدين المفسدين. وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾:
متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، ويكون الرابط: الواو، والضمير المقدر ب (منهم)، أي: المفسدين منهم.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي: وإن كذبك قومك يا محمد، ولم يؤمنوا بما جئتهم به من الهدى والنور. ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي: قل لهم: لي عملي الذي أعمله فأجزى به، وهو الطاعة لا غير فأثاب عليها. ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: وهو الشرك، والضلال، والفساد، فتعاقبون عليه، وتحاسبون به. ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ..﴾. إلخ، أي: فأنتم لا تسألون عن عملي وأنتم بريئون منه، وأنا بريء من عملكم، ولا أسأل عما تعملون، وما أشبه معنى هذه الآية بالآية رقم [٣٥] من سورة (هود).
تنبيه: في هذه الآية الكريمة قطع لأواصر القرابة، وصرم للصداقة يوم القيامة بين المؤمنين والكافرين، وهذا قد نطق فيه القرآن ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
стр. 2427
الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كَذَّبُوكَ﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف: مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَمَلِي﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ: في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿بَرِيئُونَ﴾: خبر مرفوع، علامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَرِيئُونَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: أعمله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها، بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من عملي، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ توكيد لما أفادته لام الاختصاص من عدم تعدي أجر العمل إلى غير عامله، أي: لا تؤاخذون بعملي، لا أؤاخذ بعملكم، انتهى. نقلا من أبي السعود.
أقول: وهذا حلّ معنى، لا حلّ إعراب، لذا فالجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وإعراب هذه مثلها، ومثل إعراب: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآية رقم [١٨]، وجملة: ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثلها بلا فارق، والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: ومن المشركين الذين يستمعون إليك حين تقرأ القرآن، ولكنهم لا ينتفعون بهذا السماع؛ لأنهم لم يعملوا عقولهم وقلوبهم، وذلك لشدة بغضهم، وعدوانهم لك، وكراهيتهم للحق والنور، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٢٥] من سورة الأنعام، فإنك تجد ما يسرك. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: استفهام نفي وإنكار، أي: أتقدر على إسماعهم؟. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم، وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام: فهم المعنى المقصود منه؛ ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستماع العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مولعة بمعارضة الوهم، ومشايعة الإلف
стр. 2428
والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم، والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم، غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق. انتهى. جمل البيضاوي.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في الآية رقم [٤٠] والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: حرف استفهام.
الفاء: حرف عطف. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُسْمِعُ﴾:
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصُّمَّ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَفَأَنْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَعْقِلُونَ..﴾.: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة؛ وعليه تكون الجملة الاسمية معترضة لا محل لها، أو في محل نصب حال من الضم، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ أي: ومن المشركين الذين ينظرون إليك، ويعاينون دلائل نبوتك. ولكن لا يصدقونك. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي: أتقدر على هدايتهم إذا لم يفتح الله بصائرهم للإيمان، ويوفقهم للهدى. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ أي: وإن انضم إلى عمى البصر عمى البصيرة، فإن المقصود من الإبصار والاستبصار الاعتبار والتدبر، والعمدة في ذلك البصيرة، فإن عميت فلا ينتفع ابن آدم بالمواعظ والنصائح، قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ،﴾ ولذا نرى كثيرا من فاقدي البصر ينتفعون بما يسمعون، ويوجد عندهم تدبر وتفكر بما يملى عليهم؛ لأن بصائرهم أي: قلوبهم واعية.
والمراد بالآيتين الكريمتين تسلية النبي ﷺ بسبب ما يلقى من قومه من عناء، أي: كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع، ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به فكذلك لا تقدر أن توفق قومك للإيمان، وقد حكم الله عليهم أن لا يؤمنوا.
تنبيه: راعى سبحانه معنى ﴿مَنْ﴾ بقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ولفظها بقوله ﴿يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ومثلها الآية رقم [٤٠] واعتبرهم صما لا يسمعون مع كونهم لهم آذان يسمعون بها؛ إذ المعنى:
لا يسمعون سماع قبول وتعقل، واعتبرهم عميا لا يبصرون مع كونهم لهم عيون يبصرون؛ إذ المعنى لا يبصرون طريق الهدى والرشاد، وانظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، وإعراب الآية الكريمة مثل سابقتها بلا فارق.
стр. 2429
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾
الشرح: قال العلماء في شرح هذه الآية: لما حكم الله على أهل الشقوة بالشقاوة لقضائه وقدره السابق فيهم؛ أخبر في هذه الآية: أن تقدير الشقاوة عليهم ما كان ظلما منه، تعالت حكمته؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالما، وإنما قال: ﴿وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب، وإن كان قد سبق قضاء الله وقدره فيهم. انتهى خازن. وفي الآية دليل على أن للعبد كسبا، وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣].
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَظْلِمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به. ﴿شَيْئاً﴾: نائب مفعول مطلق، وجوز اعتباره مفعولا ثانيا على تضمين ﴿لا يَظْلِمُ﴾: معنى لا ينتقص: وجملة: ﴿لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿وَلكِنَّ﴾: (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿النّاسَ﴾: اسمها. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به مقدم. ﴿يَظْلِمُونَ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، وعلى تخفيفها ف ﴿النّاسَ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ﴾ «نحشرهم»: انظر الآية رقم [٢٨] والفعل يقرأ بالياء والنون، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود). ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، أو في القبور لهول ما يرون، والمراد بهم الكفار، وأما المؤمنون فلم يستقلوا لبثهم في الدنيا؛ لأنهم انتفعوا فيها بالعمل الصالح، وهم في مأمن من الهول والفزع. ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، وهذا أول ما ينشرون، ثم ينقطع التعارف، وهذا التعارف توبيخ وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني، وحملتني على الكفر، وليس تعارف مودة وعطف وشفقة، وأثبت القرطبي هذا التعارف بين الكافرين، واستدل بقوله تعالى:
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ وغير ذلك ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾ أي: خسروا جنة عرضها السموات والأرض بسبب تكذيبهم بالبعث والحشر والنشور، ثم قيل: يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله بعد أن دل على البعث والنشور، وقيل: خسروا في حال لقاء الله؛ لأن الخسران
стр. 2430
إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة، ولا تنفع توبة. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: إلى ما ينفعهم، ويصلح حالهم، وينجيهم من الخسار الذي وقعوا فيه في ذلك اليوم المعلوم.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٢٨]، ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنهم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم، ﴿يَلْبَثُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ساعَةً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنَ النَّهارِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ساعة، وجملة: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا..﴾. إلخ: في محل رفع خبر ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ لَمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وقيل: في محل نصب صفة: (يوم)، وقيل: في محل نصب صفة مصدر محذوف، التقدير: حشرا كأن، والمعتمد الأول. ﴿يَتَعارَفُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال أخرى من الضمير المنصوب، أو من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وهذه الحال مقدرة، أي: حال كونهم مقدرين التعارف، لا أنهم متعارفون بالفعل، هذا؛ وجوز اعتبار الظرف. (يوم): متعلقان به، التقدير: يتعارفون بينهم يوم يحشرهم، فتكون الجملة الفعلية مستأنفة، والمعنى على الأول أقوى، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعله، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قائلين: قد خسر... إلخ، هذا المقدر حال من مفعول ﴿يَحْشُرُهُمْ،﴾ أو حال من فاعل: ﴿يَتَعارَفُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: معطوفة على جملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي معطوفة على ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ، فلا محل لها مثلها أيضا.
﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾: نبصرك يا محمد في حياتك. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: القتل أو الأسر، وقد حقق الله ذلك يوم بدر حيث قتل من قتل، وأسر من أسر. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: قبل أن ترى تحقيق ما نعدهم به من العذاب في الدنيا. ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم في الآخرة، فإنك ترى عذابهم. ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ أي: الله رقيب حاضر وعالم بكل ما يفعله هؤلاء المشركون من تكذيبك ومحاربتك، لا يعزب عن علمه شيء.
الإعراب: ﴿وَإِمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (إما): أصلها: (إن ما) ف: «إن» حرف شرط جازم، و (ما): زائدة مدغمة فيها. ﴿نُرِيَنَّكَ﴾: مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد
стр. 2431
الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿بَعْضَ﴾: مفعول به ثان، و ﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: نعدهموه، وجملة: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾.
إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾:
معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿فَإِلَيْنا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط، (إلينا):
متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، هذا في الإعراب؛ وأما في المعنى فجواب: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾. إلخ محذوف. التقدير: فذاك ظاهر، والجملة الاسمية جواب شرط محذوف، التقدير: وإما نتوفينك قبل نزول العذاب بهم فلا يفوتهم، بل ننزله بهم في الآخرة، وهو ما استفيد من الجملة الاسمية: ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾: وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد) ففيها فضل بيان ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿شَهِيدٌ﴾:
خبره، ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿إِمّا﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿شَهِيدٌ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: على الذي، أو على شيء يفعلونه، وعلى اعتبار ﴿إِمّا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿شَهِيدٌ﴾ التقدير: شهيد على فعلهم.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ أي: لكل أمة من الأمم السابقة بعث إليها رسول يدعوهم إلى الله، وإلى طاعته، وإلى الإيمان به. ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ أي: فإذا جاءهم رسولهم، وبلغهم ما أرسل به إليهم؛ كذبه قوم وصدقه آخرون. ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: حكم بينهم بالعدل، وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما: أنه في الدنيا، فيهلك الله الكافرين، وينجي المؤمنون ورسلهم، ويكون ذلك عدلا منه تعالى لا ظلما.
القول الثاني: أن وقت القضاء يكون في الآخرة، فيدخل الله الرسل وأتباعهم الجنة، ويدخل الكافرين والمجرمين النار، ويكون ذلك عدلا منه تعالى لا ظلما. وهم ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾:
بزيادة شيء من سيئاتهم، ولا نقص شيء من حسناتهم.
الإعراب: ﴿وَلِكُلِّ﴾: الواو: حرف استئناف. (لكلّ): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (كل) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿رَسُولٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة
стр. 2432
لا محل لها. الفاء: حرف تفريع، (إذا): انظر الآية رقم [١٢]، والجملة الفعلية: ﴿جاءَ رَسُولُهُمْ﴾: في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ومفعول ﴿جاءَ﴾ محذوف، التقدير: فإذا جاءهم رسولهم. ﴿قُضِيَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. و (إذا) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له مثله. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿لا﴾: نافية. ﴿يُظْلَمُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ. والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: يقول كفار قريش. ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي: الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب، وقيل: قيام الساعة، وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب، والاستبعاد والاستهزاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك، أو يكون المعنى إن كنتم صادقين أنت وأتباعك يا محمد.
الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: الواو: حرف استئناف، (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْوَعْدُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: انظر الآية رقم [٣٨] لإعراب هذه الجملة.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ لما استعجل كفار مكة العذاب، أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفار: إني لا أقدر على جلب نفع لنفسي، ولا دفع ضر عنها إلا بمشيئة الله. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ..﴾. إلخ، أي: لهلاك كل أمة وقت معلوم في علمه ، إذا جاء وقت انقضاء أجلهم فلا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا، ولا يتقدمون ساعة أيضا، وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك.
стр. 2433
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لِنَفْسِي﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والياء في محل جر بالإضافة، هذا؛ وجوز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من ﴿ضَرًّا،﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿ضَرًّا﴾: مفعول به. الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَفْعاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي أو شيئا شاءه الله، وجملة: ﴿لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها.
﴿لِكُلِّ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجَلٌ﴾: مبتدأ مؤخر، و (كل) مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]، ﴿جاءَ﴾: ماض. ﴿أَجَلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا،﴾ (لا): نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿ساعَةً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للرسول ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني، قال سليمان الجمل:
استعمال (أرأيت) في الإخبار مجاز، أي: أخبروني عن حالتكم العجيبة، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب. ﴿أَتاكُمْ﴾: انظر في الآية رقم [١٥] ﴿عَذابُهُ﴾: عذاب الله. ﴿بَياتاً﴾: ليلا، وهو في الأصل مصدر (بات)، وأما مصدر (بيت)، فهو تبييت، فالأول: مثل سلام، والثاني مثل تسليم.
﴿نَهاراً﴾ أي: في النهار، وقال سبحانه في الآية رقم [٩٨] (الأعراف). ﴿ضُحًى﴾ وهو وقت ارتفاع الشمس واشتداد حرارتها، والناس في هذا الوقت يكونون منشغلين بطلب المعاش. ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: استفهام معناه التهويل والتعظيم، أي: ما أعظم ما يستعجلون به، كما يقال لمن يطلب أمرا، يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك؟! والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى العذاب، أو إلى الله، هذا؛ وقد وضع المجرمون موضع الضمير للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد، لا أن يستعجلوه، وقد حصل في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة.
стр. 2434
تنبيه: في الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، كما يكون من الغيبة إلى التكلم، ومنهما إلى الخطاب، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، وقد نبهت على ذلك فيما مضى، كما أنبه عليه في محاله إن شاء الله تعالى، وله فوائد كثيرة: منها نظرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فائدته العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام.
(رأيتم): فعل وفاعل، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَتاكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به، ﴿عَذابُهُ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَياتاً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿نَهاراً﴾: معطوف على ﴿بَياتاً،﴾ وجملة: ﴿أَتاكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: تندموا على الاستعجال أو تعرفوا خطأكم، ويجوز أن يكون الجواب الجملة الاستفهامية، وحذفت منه الفاء الرابطة للجواب. ﴿ماذا،﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وقد حذف العائد؛ إذ التقدير: ما الذي يستعجله... إلخ، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ماذا،﴾ كله اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده في محل رفع خبره، والرابط محذوف، كما رأيت تقديره، والهاء في: ﴿مِنْهُ﴾ عائدة على الوجهين على العذاب، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مفعولا مقدما للفعل بعده، فهو وجه سائغ، ويكون الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ عائدا على الله. و ﴿مِنْهُ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب الذي رأيت تقديره فيما سبق، أو هو متعلق بالفعل قبله على اعتبار ﴿ماذا﴾ مفعولا مقدما. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
تنبيه: بقي أن تعرف أن الفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، وأن الثاني اكثر ما يكون جملة استفهام ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبر، كقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ والمعنى:
أخبرني عن زيد ما صنع، إذا تقرر هذا فالمفعول الأول هنا محذوف، ولا يصح أن تقع جملة الشرط موقعه، والمسألة من باب التنازع، تنازع (أرأيتم) و (أتاك). قوله ﴿عَذابُهُ﴾ وإعمال الثاني هو المختار على مذهب البصريين، وهو الذي ورد به السماع أكثر من إعمال الأول، فلما أعمل
стр. 2435
الثاني حذف من الأول، ولم يضمر؛ لأن إضماره يختص بالشعر، أو قليل في الكلام على اختلاف النحويين في ذلك. انتهى جمل بتصرف بسيط.
أقول: إني أرى: أن الفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جملة الاستفهام عليه، وأن الجملة: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ..﴾. إلخ على جميع وجوه الإعراب التي رأيتها فيها قد سدت مسد المفعولين، وما بينهما كلام معترض لا محل له أعطى الكلام تأكيدا وتسديدا، ولا حاجة إلى هذا التكلف والتعسف، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.
﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: المعنى: إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارا آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، وهذا على أن الكلام مرتبط بما قبله، أو المعنى: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب، ثم يقال لكم إذا حل: الآن آمنتم به، وهو أوجه من الأول. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: تطلبون العذاب استهزاء، وتكذيبا.
أما (الآن): فهي كلمة ملازمة للظرفية غالبا، مبنية على الفتح دائما، لتضمنها معنى الإشارة وألفها منقلبة عن واو، لقولهم في معناها الأوان، وقيل: عن ياء؛ لأنه من آن يئين: إذا قرب، وقيل: أصله أوان قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد، وقيل: حذفت الألف، وغيرت الواو، إلى الألف، كما قالوا: راح ورواح، استعملوه مرة على فعل، ومرة على فعال، كزمن وزمان، وقد جاءت ﴿آلْآنَ﴾ بهمزتين:
الأولى: همزة الاستفهام، والثانية: همزة (ال) المعرفة، وإذا اجتمعت هاتان الهمزتان وجب في الثانية أحد أمرين: تسهيلها من غير ألف بينها وبين الأولى، وإبدالها مدّا بقدر ثلاث ألفات على حد قول ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]
وايمن همز ال كذا ويبدل... مدّا في الاستفهام، أو يسهّل
وقد وقع في القرآن الكريم من هذا القبيل ستة مواضع: اثنان في الأنعام، وهما ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مرتين، وثلاثة في هذه السورة لفظ ﴿آلْآنَ﴾ هنا وفيما سيأتي الآية رقم [٩١] ولفظ ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في الآية رقم [٥٨]، وواحد في النمل ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ الآية رقم [٥٩]، ولولا المد في هذه الكلمات لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد مد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام والخبر؛ لأنه لولا المد لتوهم أنه خبر لا استفهام.
الإعراب: ﴿أَثُمَّ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقرير. (ثم): حرف عطف. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]، ﴿ما﴾: زائدة مفيدة للتوكيد. ﴿وَقَعَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود
стр. 2436
إلى ﴿عَذابُهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح المشهور.
﴿آمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله، وانظر الشرح. ﴿آلْآنَ﴾:
ظرف زمان متعلق بفعل محذوف مع متعلق آخر. التقدير: فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال لكم:
﴿آلْآنَ،﴾ ولا تنس أن همزة الاستفهام مفيدة للتوبيخ والتقريع والتأنيب، وهذا الكلام كله يحتمل العطف على جواب ﴿إِذا،﴾ ويحتمل الاستئناف، ولا محل له على الاعتبارين، ﴿وَقَدْ﴾: الواو:
واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة (تستعجلون به): في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ضمير الخطاب الذي رأيت تقديره، والرابط: الواو، والضمير.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ قِيلَ..﴾. إلخ أي: يقال للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر: ذوقوا العذاب الأليم في نار الجحيم خالدين فيه أبدا، ولا تجزون وتعاقبون إلا بسبب الذي كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر ومخالفة أوامر الله تعالى، والقائل لهم ذلك هم خزنة جهنم.
الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿قِيلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿ظَلَمُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿ذُوقُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْخُلْدِ﴾: مضاف إليه، وجملة:
﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نائب فاعل، وهذا على رأي: من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول (يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه)؛ وعليه فالجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل ﴿قِيلَ،﴾ و ﴿قِيلَ﴾: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول، وعليه فجملة ﴿ذُوقُوا﴾: في محل نصب مقول القول، فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (يقال) التي رأيت تقديرها في الآية السابقة. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه النفي. ﴿تُجْزَوْنَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع
إلخ، والواو نائب فاعله وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:
انظر إعراب مثل هذه الكلمة في الآية رقم [٨] والجار والمجرور ﴿بِما﴾ على جميع الوجوه المعتبرة في (ما) متعلقان بالفعل ﴿تُجْزَوْنَ،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية:
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، وساغ ذلك؛ لأن الاستفهام معناه النفي كما رأيت، أو هي في محل نصب مقول القول.
стр. 2437
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: يستخبرونك يا محمد عن قيام الساعة، وعن وقوع العذاب بهم.
﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي: أواقع ما تعدنا به حقا؟! ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ أي: قل أقسم بربي إن العذاب واقع بكم، وإن الساعة لا ريب فيها. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين من العذاب، أو ما أنتم بمعجزين الله تعالى بأن لا يقدر على تعذيبكم، قال البيضاوي: السائل هو حيي بن أخطب اليهودي لمّا قدم مكة.
الإعراب: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: الواو: حرف استئناف. يستنبئونك: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿أَحَقٌّ﴾: الهمزة استفهام معلق لما قبله عن العمل.
(حق): مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ب (حق) سد مسد خبره، ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ مؤخرا، و (حق): خبرا مقدما، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها المعلق عن العمل لفظا، والجملة الفعلية: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِي﴾: حرف جواب مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَرَبِّي﴾: الواو: حرف قسم وجر. (ربي): مقسم به مجرور بالواو، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير:
أقسم بربي. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَحَقٌّ﴾: اللام: هي المزحلقة.
(حق): خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: جواب القسم لا محل لها. والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: نافية حجازية تعمل عمل (ليس). ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ما.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر ما مجرور لفظا، منصوب محلا، وإن اعتبرت (ما) نافية مهملة، فيكون ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي تحتمل العطف على جواب القسم، والاستئناف ولا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أي: بالشرك والخروج عن طاعة الله تعالى، أو بالتعدي على حقوق الغير. ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾: كل ما في الأرض من أموال وخزائن. ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي:
قدمته فداء من العذاب، ولكنه لا يقبل منها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ﴾
стр. 2438
﴿يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾: لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحسبوه من فظاعة الأمر وهوله، فلم يقدروا أن ينطقوا، وقيل: أسروا الندامة: أخلصوها؛ لأن إخفاءها إخلاصها، أو لأنه يقال: سر الشيء لخالصته من حيث إنها تخفى، ويضمن بها، وقيل: (أسروا) أظهروا، فالكلمة من الأضداد، ويدل عليه: أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر، وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها، وذكر المبرد فيه وجها ثالثا: أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها:
سرار، والندامة: الحسرة لوقوع شيء، أو فوت شيء، وأصلها: اللزوم، ومنه النديم؛ لأنه يلازم المجالس. انتهى قرطبي. وأسروا وما بعده حكاية ما يكون في الآخرة، وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية رقم [١١٦] (المائدة)، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾: انظر الآية رقم [٤٧] لشرح هذه الكلمات.
قال البيضاوي: ليس تكريرا، أي: إن هذا الكلام ليس تكرارا لما في الآية رقم [٤٧]؛ لأن الأول: قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم، والثاني: مجازاة المشركين على الشرك، أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين، والضمير إنما يتناولهم لدلالة الظلم عليهم. انتهى.
الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾:
حرف مشبه بالفعل. ﴿لِكُلِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدم، و (كل): مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾:
مضاف إليه. ﴿ظَلَمَتْ﴾: ماض، والتاء: للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿نَفْسٍ،﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت ظلم كل نفس، ونحوه، وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير:
ولو ظلم كل نفس ثابت، أو واقع، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَتْ﴾: اللام: واقعة في جواب (لو).
(افتدت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ،﴾ تقديره: «هي»، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
(أسروا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النَّدامَةَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾: مستأنفة لا محل لها. ﴿لَمّا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، وحركت بالضمة لالتقاء
стр. 2439
الساكنين، وإنما حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت؛ لنجحت)، وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك، وانظر إعلاله في الآية رقم [٣٥] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَمّا﴾ مثل (لما) في الآية رقم [١٢] فيكون جوابها محذوفا لدلالة ما قبله عليه، والأول أقوى. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٤٧]، وجملة: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿رَأَوُا الْعَذابَ﴾ فتكون داخلة في حيز ﴿لَمّا،﴾ والضمائر كلها عائدة على ﴿لِكُلِّ نَفْسٍ،﴾ وقال بعضهم، إنها عائدة على الظالمين والمظلومين، وقال آخرون: إنها عائدة على الرؤساء والأتباع.
﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ..﴾. إلخ: أي: إن كل شيء موجود في السموات والأرض لله، ملك له لا يشركه فيه غيره، وما يملكه العبد في هذه الدنيا ظاهرا إنما هو على وجه الوكالة، فهنيئا لمن أحسن الوكالة، وقام بحقوقها كاملة، وويل ثم ويل، ثم ويل لمن قصر في حقوق الوكالة، أو خان فيها، ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي: ما وعد به على لسان نبيه ﷺ ، من ثواب المطيع المنيب، وعقاب العاصي المفسد حق لا ريب فيه. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس لا يعلمون ذلك لقصور عقولهم، واستيلاء الغفلة عليهم يفترون ما يفترون، ويفعلون ما يفعلون ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾.
بعد هذا ﴿ما﴾ تستعمل لغير العاقل، و ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ منهم العاقل وغير العاقل، فغلب غير العاقل على العاقل هنا كما يغلب العاقل على غير العاقل في غير هذه الآية كما في الآية رقم [٦٦]، ونحوها ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: انظر الآية رقم [٣]. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعرفون.
الإعراب: ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿ما﴾:
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوفة على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ..﴾.
إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وجملة: ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾: مؤكدة لما قبلها، وإعرابها لا خفاء فيه. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل معناه الاستدراك.
стр. 2440
﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر لكن، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: الذي يملك السموات والأرض، وما بينهما قادر على الإحياء والإماتة في الدنيا، فهو يقدر عليها في الآخرة بلا ريب، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: في الآخرة بالبعث والنشور للحساب والجزاء، وانظر (رجع) في الآية رقم [٨٣] التوبة.
الإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُحيِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف، التقدير: يحيي الأموات، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ يُحْيِ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بالفعل بعدهما.
﴿تُرْجَعُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل (يميت) المستتر، فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: قيل: أراد بالناس قريشا، وقيل: هو جميع الناس، وهو الأصح والمعتمد. ﴿جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال الخليل: الموعظة التذكير بالخير فيما يرق له القلب، وقيل: الموعظة ما يدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والقرآن داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق. ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ أي: إن القرآن يشفي ما في القلوب من داء الجهل، وذلك؛ لأن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة، والعقائد الفاسدة، والجهالات المهلكة، فالقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأن فيه الوعظ والزجر، والتخويف، والترغيب، والترهيب، والتحذير والتذكير، فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية جميعها، وإنما خص الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب وغلافه، وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: رشد وبيان، وهداية من الضلالة، ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن، وانتفع به، هذا؛ وقد خص سبحانه المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وبتعاليمه، هذا؛ وقد أطلق سبحانه لفظ الموعظة والشفاء، والهدى والرحمة على القرآن، وانظر الآية رقم [٢٠٣] (الأعراف)، تجد ما يسرك.
стр. 2441
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. و (ها): حرف تنبيه لا محل له. وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ﴾: بدل من أي، أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٨٨]، من سورة (يوسف) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ففيها بحث جيد. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْكُمْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾:
فاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿مَوْعِظَةٌ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل (جاء) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿النّاسُ،﴾ والعامل في الحال أداة النداء؛ لما فيها من معنى الفعل كما رأيت. ﴿وَشِفاءٌ﴾: معطوف على ﴿مَوْعِظَةٌ﴾. ﴿لِما﴾:
متعلقان ب (شفاء)؛ لأنه مصدر. ﴿فِي الصُّدُورِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾: معطوفان على ما قبلهما، وعلامة رفع (هدى) ضمة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب (هدى) أو ب (رحمة) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني لدلالة صفة الأول، أو بالعكس.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: قال أبو سعيد الخدري، وابن عباس-﵄: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. ﴿فَبِذلِكَ﴾: الإشارة إلى الفضل والرحمة، والعرب تأتي بذلك للواحد والاثنين والجمع، قال تعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: بين المسنة والصغيرة، فاسم الإشارة قام مقام الاثنين. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾: يقرأ بالياء والتاء. ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: فضل الله ورحمته أفضل بكثير من الذي يجمعون من حطام الدنيا الفاني، والمؤمن ينبغي أن يفرح بفضل الله ورحمته فرحا عظيما، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من هداه الله للإسلام، وعلّمه القرآن، ثمّ شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه».
ثم تلا هذه الآية، فهنيئا لمن عمل بفضل الله ورحمته بالمعنيين المتقدمين.
بعد هذا؛ فالفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية الدنيوية، وقد ذم الله الفرح في مواضع، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح لم يكن ذمّا لقوله تعالى في حق الشهداء ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال سبحانه هنا ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر. وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِفَضْلِ﴾: متعلقان بفعل محذوف يدل عليه ما بعده، التقدير: ليفرحوا بفضل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، و (فضل) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة
стр. 2442
المصدر لفاعله. ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿فَبِذلِكَ﴾: الفاء: هي زائدة. (بذلك):
جار ومجرور بدل مما قبلهما. واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له، وتعليقهما بالفعل بعدهما أقوى معنى، وعليه فالفاء الزائدة هي المقرونة بالفعل. تأمل. والفاء العاطفة هي المقرونة باسم الإشارة. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾: الفاء: حرف عطف. (ليفرحوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة ومؤكدة لها، وهي في محل نصب مقول القول مثلها، وهناك أقوال وتأويلات في إعراب هذه الجملة ضربت عنها صفحا. ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء يجمعونه، واعتبار (ما) مصدرية ضعيف معنى، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ..﴾. إلخ تعليل للأمر، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: هو مثل الآية السابقة. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: انظر الآية رقم [٥٠]، ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: جعل الرزق منزلا؛ لأنه مقدر في السماء محصل بأسباب منها، انتهى.
بيضاوي. وقال القرطبي: أنزل بمعنى: خلق، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ،﴾ فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الذي في الأرض من الرزق، إنما هو بما ينزل من السماء من مطر. انتهى. وانظر ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿جَعَلَ﴾ في الآية رقم [٥]، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً﴾: قال مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقال الضحاك: هو قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ انتهى. وانظر الآية رقم [١٣٦] من سورة (الأنعام) ﴿آللهُ﴾: انظر الآية رقم [٥١]، ﴿أَذِنَ لَكُمْ﴾ أي: في التحريم والتحليل، فتقولون ذلك بحكمه. ﴿أَمْ﴾:
بمعنى بل. ﴿تَفْتَرُونَ﴾: تكذبون على الله في ادعائكم أن الله تعالى أمرنا بهذا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام.
(رأيتم): فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ والعائد محذوف، التقدير:
أنزله الله. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من
стр. 2443
الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿فَجَعَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَراماً﴾: مفعول به. ﴿وَحَلالاً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿فَجَعَلْتُمْ..﴾. إلخ: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آللهُ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (الله): مبتدأ، وجملة: ﴿أَذِنَ لَكُمْ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾:
في محل نصب مفعول به ثان للفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ والعائد من هذه الجملة على المفعول الأول محذوف، تقديره: الله أذن لكم فيه؛ واعترض على هذا بأن قوله: ﴿قُلْ﴾ يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولا ثانيا، وأجيب عنه بأنه كرر توكيدا، وعلى هذا فليست الجملة الاسمية مقولة ل ﴿قُلْ﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف بمعنى (بل). ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ..﴾. معطوفة على جملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مقدم، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم أيضا، وهي حينئذ معلقة ل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ عن العمل، وإليه ذهب الحوفي والزمخشري، ويجوز أن تكون: ﴿ما﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ خبره، والعائد محذوف كما تقدم، وهذه الجملة الاستفهامية معلقة ل ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ والظاهر من هذه الأوجه هو الوجه الأول؛ لأن فيه إبقاء (أرأيت) على بابها من تعديتها إلى مفعولين وأنها مؤثرة في أولهما، بخلاف جعل ﴿ما﴾ استفهامية، فإنها معلقة ل (أرأيت)، وسادة مسد المفعولين. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني.
﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي:، أيّ: شيء يظنه المفترون على الله الكذب في يوم القيامة، أيظنون أن الله لا يؤاخذهم، ولا يجازيهم على أعمالهم القبيحة من شرك، وما يتبعه من أعمال خبيثة، فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع، والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب. ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾: حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم بالرسل، وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام، وتمييز النافع من الضار. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾: الله على ذلك الفضل والإحسان، كيف وقد قال سبحانه في آية آخرى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.
هذا؛ ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾: هذا
стр. 2444
الفعل يتعدى بنفسه وبحرف الجر، تقول: شكرت الله وشكرت له، كما تقول: نصحت زيدا، ونصحت له، وانظر الشكر في الآية رقم [١١٢]، التوبة، هذا؛ ومن أسماء الله تعالى الشكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة، نعما في الآخرة غير محدودة.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظَنُّ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿ظَنُّ﴾: مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أنه لا يعاقبهم، وانظر الشرح، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالمصدر ﴿ظَنُّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَما ظَنُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها. ﴿لَذُو﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، واللام هي المزحلقة، و (ذو) مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ﴾: متعلقان ب ﴿فَضْلٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن):
حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: لا تكون في عبادة أو غيرها؛ إلا والرب مطلع عليك. والشأن: الحال، والخطب، والأمر، وجمعه: شئون. ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾: وما تحدث من شأن من الشئون فيتلى من أجله القرآن، فيعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى، وقال الطبري: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من كتاب الله تعالى. ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ولأمته معه، وقيل: المراد كفار قريش. ﴿إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ أي: شاهدين لأعمالكم، وذلك؛ لأن الله تعالى شاهد على كل شيء وعالم بكل شيء؛ لأنه لا محدث، ولا خالق، ولا موجود إلا الله تعالى، فكل ما يدخل في الوجود من أحوال العباد، وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في عمله، وهو شاهد عليه. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: تخوضون فيه وتندفعون:
والمعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب، هذا؛ والفعل هنا من: أفاض الرباعي، وانظره من:
стр. 2445
(فاض) الثلاثي في الآية رقم [٩٢] التوبة، ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: ولا يبعد عنه، ولا يغيب عن علمه، ويقرأ الفعل بضم الزاي وكسرها.
﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾: وزن ذرة، والمثقال: الوزن، والذرة: النملة الصغيرة الحمراء، وهي خفيفة الوزن جدا. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾: قدم سبحانه ذكر الأرض هنا على السماء بينما قدم ذكر السماء في سورة (سبأ) على الأرض؛ لأنه ذكر سبحانه هنا شهادته على أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ثم وصل ذلك بقوله ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ فلهذا حسن تقديم الأرض على السماء هنا. انتهى. خازن بتصرف. وانظر الآية رقم [٣] وإعلال (سماء) في الآية رقم [٣١].
﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ أي: من الذرة، وهذا؛ ويقرأ ﴿أَصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبَرَ﴾ بالرفع والنصب. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾: المراد به اللوح المحفوظ.
هذا؛ ونقل القرطبي والجمل عن الجرجاني قوله ﴿إِلاّ﴾ بمعنى واو النسق، أي: وهو في كتاب مبين، وسلمه القرطبي، وقال الجمل: وهذا الوجه فيه تعسف، وهو وجيه، هذا؛ و (مبين) اسم فاعل من (أبان) الرباعي أصله (مبين) بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي بائن، وأصله باين، وإعلاله مثل إعلال قائم في الآية رقم [١٢]، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود)، وفي الآية الكريمة التفات تنبه له.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَكُونُ﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي شَأْنٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَما تَتْلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْهُ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على اعتبار الضمير عائدا إلى ﴿شَأْنٍ﴾ و (من) مفيدة للتعليل، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿قُرْآنٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا على اعتبار الضمير عائدا على الله تعالى. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿قُرْآنٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهناك من يقول إن ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ جار ومجرور بدل من قوله ﴿مِنْهُ﴾ وجملة: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿عَمَلٍ﴾: مفعول به... إلخ، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾:
متعلقان ب ﴿شُهُوداً؛﴾ لأنه جمع شاهد. ﴿شُهُوداً﴾: خبر كان. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿شُهُوداً﴾ أيضا، وجملة: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية، ﴿يَعْزُبُ﴾:
стр. 2446
مضارع، ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿مِثْقالِ﴾: فاعل ﴿يَعْزُبُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره... إلخ، و ﴿مِثْقالِ﴾: مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَرَّةٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِثْقالِ ذَرَّةٍ،﴾ وساغ ذلك لتخصصه بالإضافة، ﴿وَلا﴾: (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ﴾:
معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف، (لا): صلة. ﴿أَصْغَرَ﴾: بالنصب معطوف على لفظ ﴿مِثْقالِ﴾ مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿مِنْ ذلِكَ﴾: متعلقان ب ﴿أَصْغَرَ﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، هذا؛ وعلى قراءة ﴿أَصْغَرَ،﴾ بالرفع معطوف على محل ﴿مِثْقالِ،﴾ ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾: معطوف على ما قبله على القراءتين. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له. هذا؛ وقال الزجاج: ويجوز الرفع على الابتداء، وخبره ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو غير مسلم له، ﴿فِي كِتابٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، واعتبرهما أبو البقاء متعلقين بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ألا وهو في كتاب (أقول: والأجود تقدير: ألا كل ذلك في كتاب). وعليهما فالجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وانظر قول الجرجاني في الشرح. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿كِتابٍ﴾.
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿أَوْلِياءَ اللهِ﴾: الذين يتولونه بالطاعة، ويتولاهم بالكرامة، وقال ابن عباس وابن جبير-﵄: هم الذين يذكر الله برؤيتهم، وقال علي بن أبي طالب ﵁:
أولياء الله: قوم صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الجوع، يبس الشفاه من الذوى، وقال عمر بن الخطاب ﵁، في هذه الآية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ من عباد الله عبادا، ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى». قيل: يا رسول الله خبّرنا من هم، وما أعمالهم، فلعلّنا نحبّهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله إنّ وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس».
ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ..﴾. إلخ. وهناك أقوال كثيرة وكلها تدور حول طاعة الله وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الآخرة عند الفزع الأكبر، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: على ما فاتهم من الدنيا لما عوضهم إياه من خير لا ينفد، ونعيم سرمدي لا يزول،
стр. 2447
ولا يتغير. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾: هذا إشعار بأن ولاية الله للعبد، وولاية العبد لله لا تكون بالإيمان وحده، بل لا بد من اقترانه بالتقوى؛ التي هي: فعل المأمورات على اختلاف أنواعها، وترك المنهيات بجميع صنوفها، وألوانها.
الإعراب: ﴿أَلا﴾: انظر الآية رقم [٥٥]، ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوْلِياءَ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه يحتمل أن يكون من إضافة الوصف لفاعله، أو لمفعوله. ﴿أَلا﴾: نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال ليس؛ لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ﴾: مبتدأ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف تقديره: حاصل أو موجود والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو هي زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ..﴾. إلخ، ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، خبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾: أو هو في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار (أعني)، أو صفة لأولياء بعد الخبر، وقيل: يجوز أن يكون في موضع جر بدلا من الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ وهذا أضعف الأقوال. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿لَهُمُ﴾: لأولياء الله. ﴿الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: لقد اختلف في هذه البشرى لأولياء الله. فعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى:
﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ قال: «هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن، أو ترى له». أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لم يبق بعدي من النّبوّة، إلاّ المبشّرات، قالوا: وما المبشرات؟، قال: الرؤيا الصالحة». أخرجه البخاري. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اقترب الزّمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من النبوة». أخرجه البخاري. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] و [٤٣] من سورة (يوسف) ﵇.
стр. 2448
وقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله عند الموت، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ وأيضا قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ،﴾ وقيل: هي الثناء الحسن، ويدل على ذلك ما جاء عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ : «أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن؟». أخرجه مسلم، وقال الحسن: هي ما بشر الله به المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ يعني: لا خلف لوعد الله الذي وعد به أولياءه على طاعته في كتابه، وعلى ألسنة رسله، ولا تغيير لذلك الوعد. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبُشْرى﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ «الذين» على وجه مر ذكره، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان ب ﴿الْبُشْرى؛﴾ لأنه مصدر، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْبُشْرى،﴾ وكثير لا يجيزون وقوع الحال من المبتدأ. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور... إلخ. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿تَبْدِيلَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِكَلِماتِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ وانظر إعراب: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في الآية رقم [٣٧]، ففيها الكفاية، و (كلمات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا تَبْدِيلَ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لا محل له.
﴿الْفَوْزُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثانيا ف ﴿الْفَوْزُ﴾ خبره، والجملة الاسمية خبر ذلك، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ معترضة في آخر الكلام كالتي قبلها لتحقيق المبشر به، وتعظيم شأنه، وليس من شرط الاعتراض أن يقع بعده كلام يتصل به. وإن اعتبرت الجملتين مستأنفتين؛ فلا محل لهما أيضا.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: لا يهمك، ولا يغمك، ولا يخوفك كفرهم، وتهديدهم ووعيدهم، والخطاب للنبي ﷺ ، هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والمعنى واحد، والأول من باب فرح وطرب، وهي لغة قريش، والرباعي لغة تميم، وهو متعدّ على اللغتين، مثل سلكه وأسلكه. انتهى. مختار بتصرف.
стр. 2449
﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ أي: إن القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصرك يا محمد على أعدائك، ومعينك ومانعك من الاعتداء عليك، ولا منافاة بين ما هاهنا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ؛﴾ لأن عزة الرسول ﷺ وعزة المؤمنين بإعزاز الله إياهم، فثبت بذلك أن العزة لله جميعا، وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، هذا؛ ويقرأ بكسر همزة ﴿إِنَّ﴾ وفتحها، ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾: لأقوال المشركين سماع انتقام. ﴿الْعَلِيمُ﴾:
بجميع أفعالهم، فيجازيهم بها ما يستحقون من جزاء، ولا تنس أن في الكلام تعزية وتسلية للنبي ﷺ . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿يَحْزُنْكَ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والكاف مفعول به، ﴿قَوْلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْعِزَّةَ﴾: اسمها.
﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ ﴿جَمِيعاً﴾: حال من ﴿الْعِزَّةَ،﴾ وهي حال مؤكدة، ويجوز اعتباره توكيدا ل ﴿الْعِزَّةَ،﴾ ولم يؤنث؛ لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لشبهه بالمصادر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، أو هي مستأنفة لا محل لها، ولا يتوهم متوهم: أن الجملة من مقول المشركين، فيحصل في الكلام تناقض؛ ولذا فالوقف على قولهم واجب، ومثل هذه الآية آية سورة (يس)، هذا؛ وعلى قراءة فتح همزة «(أنّ)» تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف تعليل محذوف؛ وعليه فلا يجب الوقف على ﴿قَوْلُهُمْ﴾.
تأمل، وتدبر. وجملة: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ معترضة أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من الملائكة والثقلين، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف المخلوقات عبيدا لله، لا يصلح أحد منهم للألوهية والربوبية، فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون ندا لله ولا شريكا له، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ﴾ أي: شركاء على الحقيقة، وإن كانوا يسمونها شركاء، بل يظنون: أنها تنفعهم وتشفع لهم، والحقيقة: أنها لا تنفع ولا تشفع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾: وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على حق، وأن أصنامهم ستشفع لهم وتنفعهم، أو هم يتبعون جهالتهم وآراءهم الفاسدة، فإن الظن قد يطلق على ما يقابل العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾: يكذبون على الله فيما ينسبونه إليه كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأصنام وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر، والسوائب، وغير ذلك، أو المعنى: أنهم يقدرون أنهم على
стр. 2450
شيء معتد به، هذا؛ وحقيقة الخرص ما يقال عن ظن وتخمين، ومنه: خرص التمر، والعنب على شجرهما، وهو معروف في مبحث الزكاة في الفقه الإسلامي.
الإعراب: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٥٥]. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَتَّبِعُ﴾: مضارع.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ،﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿شُرَكاءَ﴾: مفعول ﴿يَتَّبِعُ،﴾ ومفعول: ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف تقديره: (يدعون من دون الله أصناما): هذا؛ وجوز اعتبار (ما) استفهامية مفعولا مقدما للفعل بعدها، هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) موصولة معطوفة على (من) كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم، كما أجيز اعتبارها موصولة أيضا في محل رفع مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، والخبر محذوف أيضا، وتقدير الكلام: والذي يتبعه الذين يدعون من دون الله باطل لا أصل له. انتهى. جمل نقلا من هنا وهناك وقد تصرفت فيه. والجملة الفعلية أو الاسمية مستأنفة على ثلاثة أوجه ومعطوفة على اعتبار (ما) مبتدأ. تأمل جيدا. ﴿إِنَّ﴾: حرف نفي. ﴿يَتَّبِعُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿أَلا﴾: حرف حصر.
﴿الظَّنَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف عطف.
(إن): حرف نفي. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَلا﴾: حرف حصر، وجملة: ﴿يَخْرُصُونَ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومؤكدة لها لا محل لها مثلها.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: مع أزواجكم، وأولادكم، ليزول التعب، والكلال، والسكون: الهدوء بعد اضطراب واستقرار بعد حركة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي: مضيئا لتهتدوا به في قضاء حوائجكم، والمبصر: الذي يبصر، والنهار يبصر فيه، وإنما قال: ﴿مُبْصِراً﴾ تجوزا، وتوسعا على عادة العرب في قولهم: ليل قائم، ونهار صائم، وقال قطرب: يقال: أظلم الليل، أي: صار ذا ظلمة، وأضاء النهار، وأبصر، أي: صار ذا ضياء، وبصر. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي: علامات ودلالات على قدرة الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: سماع تدبر، وتعقل، واعتبار، فيعلمون بذلك: أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الإله المعبود، المنفرد بالوحدانية في الوجود.
هذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على (ليال)، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل وأهال، والليل الشرعي من غروب
стр. 2451
الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من غروبها إلى طلوعها، هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]
لولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر
وفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدم في نهاية الليل، إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَسْكُنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالنَّهارَ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلَ،﴾ ﴿مُبْصِراً﴾: حال إن كان جعل بمعنى خلق وأبدع، ومفعول ثان إن كان بمعنى: صير، وحذف مقابله بعد الفعل ﴿جَعَلَ﴾ كما حذف مقابل ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ من بعده ليدل كل على المحذوف من مقابله، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتسعوا فيه لمعاشكم، فحذف (مظلما) لدلالة: ﴿مُبْصِراً﴾ عليه، وحذف (لتسعوا) لدلالة: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ عليه، وهذا يسمى احتباكا، وهو أفصح كلام. انتهى. جمل بتصرف. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر إن تقدم على اسمها. ﴿لَآياتٍ﴾: اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش، ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾: يعني به قولهم: الملائكة بنات الله وهذه الآية مكية، فلا تشمل قول النصارى: عيسى ابن الله، ولا قول اليهود: عزير ابن الله، انظر
стр. 2452
الآية رقم [٣٠] التوبة لحكاية قول الفريقين. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠]، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾:
غير محتاج للولد، والنصير، والمساعد، والولد مسبب عن الحاجة، فقد نزه الله نفسه عن الصاحبة، والأولاد، ثم أخبر بفناء المطلق، وأن له كل ما يوجد في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، وانظر الآية رقم [٥٥] و [٦٦]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾: ما عندكم حجة وبرهان على ما تدعونه من اتخاذ الولد لله، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود). ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: فيه توبيخ وتقريع على اختلافهم الكذب على الله، وعلى جهلهم الفادح، وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من دليل قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تعليل للتنزيه لا محل لها. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٥]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى (ما).
﴿عِنْدَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بِهذا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿سُلْطانٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وحرف التنبيه مقحم بين الجار والمجرور، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿سُلْطانٍ﴾ فاعلا بالظرف لاعتماده على النفي، وعند التأمل يظهر لك: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: ما ثبت عندكم سلطان بهذا. ﴿أَتَقُولُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وإنكار. (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مقول القول، وصح ذلك؛ لأنها كناية عن كلام كثير، أو لأن الفعل بمعنى (تفترون). ﴿لا﴾: نافية.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾. أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف.
إذ التقدير: الذي أو شيئا لا تعلمونه، والجملة الفعلية: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 2453
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾: خطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾: بإضافة الشريك إليه، وباتخاذ الولد له. ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾: لا يسعدون، وإن اغتروا بطول السلامة، والبقاء في النعمة، ثم لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة، وانظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة)، فإعلال ﴿يُفْلِحُونَ﴾ مثله، وانظر المفلحون في الآية رقم [٨٨] منها.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾: في محل رفع خبر:
﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿مَتاعٌ﴾: انتفاع وتلذذ، وتمتع واستمع بكذا انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور، أي: ما يغر ويخدع، ولا يغر إلا ضعفاء النفوس والإيمان، وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة؟! ﴿فِي الدُّنْيا﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾: رجوعهم، وهذا يكون يوم القيامة يوم البعث والنشور للحساب والجزاء، ﴿نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: نعذبهم العذاب الشديد في جهنم، وانظر ﴿فَذُوقُوهُ﴾: في الآية رقم [١٤] الأنفال. ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي:
يعذبون بسبب كفرهم، وجحودهم نعمة الله عليهم في الدنيا، وافترائهم الكذب على الله تعالى.
الإعراب: ﴿مَتاعٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك متاع، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: لهم متاع، والجملة الاسمية مستأنفة على الاعتبارين. ﴿فِي الدُّنْيا﴾: متعلقان ب ﴿مَتاعٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿إِلَيْنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿نُذِيقُهُمُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به ثان. ﴿الشَّدِيدَ﴾: صفته، وجملة: ﴿نُذِيقُهُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ انظر
стр. 2454
إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤] والجار والمجرور بعد التأويل متعلقان بالفعل: (نذيق)، وانظر الشرح يتضح لك التقدير.
﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: اقرأ يا محمد على قومك خبر نوح مع قومه. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾: حين قال نوح لقومه الذين بعث إليهم داعيا ومنذرا. ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ﴾ أي: إن كان عظم وشق عليكم طول مقامي بينكم، وذلك؛ لأنه ﵊. أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى، ويذكرهم بآيات الله، ويقدم لهم المواعظ، والنصح، والإرشاد، فلم يزدادوا إلا عتوا، ونفورا. ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾:
اعتمدت وفوضت أمري إليه، فهو حسبي، وثقتي، وملجئي، وملاذي.
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾: ما أشبه هذا القول بقول هود ﵇: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾: يقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا، وقال تعالى حكاية عن قول فرعون وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا،﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة:
(يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان)، هذا هو الأكثر والمستعمل، وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ انظرها برقم [٦٠] من سورة (طه)؛ تجد ما يسرك حيث تجدها مؤولة؛ لذا فإن التقدير في الآية: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ،﴾ وادعوا شركاءكم مع العلم: أنه قد قرئ برفع «شركاؤكم» وانظر الإعراب. ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: لا يكن ما أجمعتم عليه من كيدي أمرا مستورا، بل اجعلوه ظاهرا مكشوفا، أو المعنى: لا يكن حالكم عليكم غما إذا أهلكتموني، وتخلصتم من ثقل مقامي بينكم، وتذكيري لكم، هذا؛ والغمة أيضا:
الكربة، والغم: الكرب، وانظر (الهم) في الآية رقم [١٣] (التوبة). ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾: امضوا بما في أنفسكم من مكروه، وما توعدوني به من قتل، وطرد، وافرغوا منه. ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ أي:
لا تؤخروني ولا تمهلوني.
وهذا الكلام من نوح ﵇ على طريق التعجيز لهم، فقد أخبر الله تعالى عنه: أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنه كان واثقا بنصره إياه، غير خائف من كيدهم، علما منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر، وأن مكرهم لا يصل إليه. انتهى. خازن.
стр. 2455
الإعراب: ﴿وَاتْلُ﴾: (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَبَأَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾: مضاف إليه. ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق ب ﴿نَبَأَ،﴾ أو هي بدل من ﴿نَبَأَ﴾ فهي مبنية على السكون في محل نصب على الوجهين، وجملة: ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿يا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، انظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود) ﵇، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾:
ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿كَبُرَ﴾: ماض. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَقامِي﴾: تنازعه الفعلان قبله، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وإذا عمل فيه أحدهما؛ فيعمل الثاني في ضميره، وعلى الوجهين فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة: ﴿كَبُرَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿وَتَذْكِيرِي﴾: معطوف على ما قبله مرفوع مثله... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بالمصدر (تذكيري)، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَعَلَى﴾: الفاء: حرف اعتراض، وقال أو البقاء، واقعة في جواب الشرط، ولا وجه له.
﴿فَعَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. والجملة الفعلية معترضة بين فعل الشرط وجوابه. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أجمعوا): أمر مبني على حذف النون. والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية في محل جواب الشرط.
وهي معطوفة على ما قبلها على قول أبي البقاء. وجزم السفاقسي بأن جواب الشرط محذوف، التقدير: فافعلوا ما شئتم؛ وعليه فالجملتان معترضتان. تأمل. ﴿أَمْرَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾: فيه أوجه: أحدها: أنه معطوف على ما قبله. بتقدير حذف مضاف. أي: وأمر شركائكم. والثاني: أنه معطوف بدون تقدير مضاف. الثالث: أنه مفعول به بفعل محذوف، تقديره: وادعوا شركاءكم. الرابع: أنه مفعول معه؛ أي: مع شركائكم، هذا؛ وقرئ «(شركاؤكم)» بالرفع، وفيه تخريجان: أحدهما أنه معطوف على واو الجماعة وجاز ذلك للفصل بالمفعول به. والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: (وشركاؤكم فليجمعوا أمرهم)، وشذت فرقة فقرأت: «(وشركائكم)» بالجر، ووجهت على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرورا على حاله، فتقديره: وأمر شركائكم، والكوفي يعطفه على الضمير من غير إعادة الجار، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿يَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، ﴿أَمْرَكُمْ﴾: اسم ﴿يَكُنْ،﴾ والكاف في محل
следующие страницы →