← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من غروبها إلى طلوعها، هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر وفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدم في نهاية الليل، إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر] إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَسْكُنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالنَّهارَ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلَ،﴾ ﴿مُبْصِراً﴾: حال إن كان جعل بمعنى خلق وأبدع، ومفعول ثان إن كان بمعنى: صير، وحذف مقابله بعد الفعل ﴿جَعَلَ﴾ كما حذف مقابل ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ من بعده ليدل كل على المحذوف من مقابله، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتسعوا فيه لمعاشكم، فحذف (مظلما) لدلالة: ﴿مُبْصِراً﴾ عليه، وحذف (لتسعوا) لدلالة: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ عليه، وهذا يسمى احتباكا، وهو أفصح كلام. انتهى. جمل بتصرف. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر إن تقدم على اسمها. ﴿لَآياتٍ﴾: اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش، ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾: يعني به قولهم: الملائكة بنات الله وهذه الآية مكية، فلا تشمل قول النصارى: عيسى ابن الله، ولا قول اليهود: عزير ابن الله، انظر

стр. 2452

الآية رقم [٣٠] التوبة لحكاية قول الفريقين. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠]، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾: غير محتاج للولد، والنصير، والمساعد، والولد مسبب عن الحاجة، فقد نزه الله نفسه عن الصاحبة، والأولاد، ثم أخبر بفناء المطلق، وأن له كل ما يوجد في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، وانظر الآية رقم [٥٥] و [٦٦]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾: ما عندكم حجة وبرهان على ما تدعونه من اتخاذ الولد لله، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود). ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: فيه توبيخ وتقريع على اختلافهم الكذب على الله، وعلى جهلهم الفادح، وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من دليل قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تعليل للتنزيه لا محل لها. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٥]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى (ما). ﴿عِنْدَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بِهذا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿سُلْطانٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وحرف التنبيه مقحم بين الجار والمجرور، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿سُلْطانٍ﴾ فاعلا بالظرف لاعتماده على النفي، وعند التأمل يظهر لك: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: ما ثبت عندكم سلطان بهذا. ﴿أَتَقُولُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وإنكار. (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مقول القول، وصح ذلك؛ لأنها كناية عن كلام كثير، أو لأن الفعل بمعنى (تفترون). ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾. أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف. إذ التقدير: الذي أو شيئا لا تعلمونه، والجملة الفعلية: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 2453

﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾: خطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾: بإضافة الشريك إليه، وباتخاذ الولد له. ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾: لا يسعدون، وإن اغتروا بطول السلامة، والبقاء في النعمة، ثم لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة، وانظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة)، فإعلال ﴿يُفْلِحُونَ﴾ مثله، وانظر المفلحون في الآية رقم [٨٨] منها. الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾: في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿مَتاعٌ﴾: انتفاع وتلذذ، وتمتع واستمع بكذا انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور، أي: ما يغر ويخدع، ولا يغر إلا ضعفاء النفوس والإيمان، وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة؟! ﴿فِي الدُّنْيا﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾: رجوعهم، وهذا يكون يوم القيامة يوم البعث والنشور للحساب والجزاء، ﴿نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: نعذبهم العذاب الشديد في جهنم، وانظر ﴿فَذُوقُوهُ﴾: في الآية رقم [١٤] الأنفال. ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: يعذبون بسبب كفرهم، وجحودهم نعمة الله عليهم في الدنيا، وافترائهم الكذب على الله تعالى. الإعراب: ﴿مَتاعٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك متاع، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: لهم متاع، والجملة الاسمية مستأنفة على الاعتبارين. ﴿فِي الدُّنْيا﴾: متعلقان ب ﴿مَتاعٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿إِلَيْنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿نُذِيقُهُمُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به ثان. ﴿الشَّدِيدَ﴾: صفته، وجملة: ﴿نُذِيقُهُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ انظر

стр. 2454

إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤] والجار والمجرور بعد التأويل متعلقان بالفعل: (نذيق)، وانظر الشرح يتضح لك التقدير. ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾ الشرح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: اقرأ يا محمد على قومك خبر نوح مع قومه. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾: حين قال نوح لقومه الذين بعث إليهم داعيا ومنذرا. ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ﴾ أي: إن كان عظم وشق عليكم طول مقامي بينكم، وذلك؛ لأنه ﵊. أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى، ويذكرهم بآيات الله، ويقدم لهم المواعظ، والنصح، والإرشاد، فلم يزدادوا إلا عتوا، ونفورا. ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾: اعتمدت وفوضت أمري إليه، فهو حسبي، وثقتي، وملجئي، وملاذي. ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾: ما أشبه هذا القول بقول هود ﵇: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾: يقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا، وقال تعالى حكاية عن قول فرعون وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا،﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة: (يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان)، هذا هو الأكثر والمستعمل، وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ انظرها برقم [٦٠] من سورة (طه)؛ تجد ما يسرك حيث تجدها مؤولة؛ لذا فإن التقدير في الآية: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ،﴾ وادعوا شركاءكم مع العلم: أنه قد قرئ برفع «شركاؤكم» وانظر الإعراب. ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: لا يكن ما أجمعتم عليه من كيدي أمرا مستورا، بل اجعلوه ظاهرا مكشوفا، أو المعنى: لا يكن حالكم عليكم غما إذا أهلكتموني، وتخلصتم من ثقل مقامي بينكم، وتذكيري لكم، هذا؛ والغمة أيضا: الكربة، والغم: الكرب، وانظر (الهم) في الآية رقم [١٣] (التوبة). ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾: امضوا بما في أنفسكم من مكروه، وما توعدوني به من قتل، وطرد، وافرغوا منه. ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ أي: لا تؤخروني ولا تمهلوني. وهذا الكلام من نوح ﵇ على طريق التعجيز لهم، فقد أخبر الله تعالى عنه: أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنه كان واثقا بنصره إياه، غير خائف من كيدهم، علما منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر، وأن مكرهم لا يصل إليه. انتهى. خازن.

стр. 2455

الإعراب: ﴿وَاتْلُ﴾: (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَبَأَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾: مضاف إليه. ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق ب ﴿نَبَأَ،﴾ أو هي بدل من ﴿نَبَأَ﴾ فهي مبنية على السكون في محل نصب على الوجهين، وجملة: ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، انظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود) ﵇، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿كَبُرَ﴾: ماض. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَقامِي﴾: تنازعه الفعلان قبله، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وإذا عمل فيه أحدهما؛ فيعمل الثاني في ضميره، وعلى الوجهين فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة: ﴿كَبُرَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾: معطوف على ما قبله مرفوع مثله... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بالمصدر (تذكيري)، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَعَلَى﴾: الفاء: حرف اعتراض، وقال أو البقاء، واقعة في جواب الشرط، ولا وجه له. ﴿فَعَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. والجملة الفعلية معترضة بين فعل الشرط وجوابه. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أجمعوا): أمر مبني على حذف النون. والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية في محل جواب الشرط. وهي معطوفة على ما قبلها على قول أبي البقاء. وجزم السفاقسي بأن جواب الشرط محذوف، التقدير: فافعلوا ما شئتم؛ وعليه فالجملتان معترضتان. تأمل. ﴿أَمْرَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾: فيه أوجه: أحدها: أنه معطوف على ما قبله. بتقدير حذف مضاف. أي: وأمر شركائكم. والثاني: أنه معطوف بدون تقدير مضاف. الثالث: أنه مفعول به بفعل محذوف، تقديره: وادعوا شركاءكم. الرابع: أنه مفعول معه؛ أي: مع شركائكم، هذا؛ وقرئ «(شركاؤكم)» بالرفع، وفيه تخريجان: أحدهما أنه معطوف على واو الجماعة وجاز ذلك للفصل بالمفعول به. والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: (وشركاؤكم فليجمعوا أمرهم)، وشذت فرقة فقرأت: «(وشركائكم)» بالجر، ووجهت على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرورا على حاله، فتقديره: وأمر شركائكم، والكوفي يعطفه على الضمير من غير إعادة الجار، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿يَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، ﴿أَمْرَكُمْ﴾: اسم ﴿يَكُنْ،﴾ والكاف في محل

стр. 2456

جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿غُمَّةً﴾ بعدهما. ﴿غُمَّةً﴾: خبر ﴿يَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية ﴿لا يَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ﴿إِنْ﴾ ومدخولها، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿اُقْضُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة أيضا فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُنْظِرُونِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: فإن أعرضتم عما جئتكم به. ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: من عوض على تبليغ الرسالة ووعظي، وتذكيري بآيات الله. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾: لا أطلب منكم أجرا إنما أجري على الله. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: إني أمرت بدين الإسلام، وأنا ماض فيه، غير تارك له، سواء أقبلتموه، أم لم تقبلوه؟ الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، أي: فلا ضرر عليّ. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿مِنْ﴾: حرف جر زائد. ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف، و ﴿فَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف وهو من مقول نوح ﵇. ﴿فَإِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف في محل خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُمِرْتُ﴾: ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، وتاء الفاعل نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فَإِنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب ﴿فَإِنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُونَ،﴾ و ﴿فَإِنْ﴾ والمضارع الناقص في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان لأمر؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر، كما هو معروف، فإن قدرت المصدر مجرورا بحرف محذوف، فيكون الجار والمجرور

стр. 2457

متعلقين بالفعل (أمرت)، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿وَأُمِرْتُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها لا محل لها على الوجهين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: كذبوا نوحا، وأصروا على تكذيبه، بعد ما ألزمهم الحجة، وبيّن لهم: أن إعراضهم عنه، وعن دعوته، إنما هو لعنادهم، وتمردهم. ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ أي: من الغرق. ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: من المؤمنين، وكانوا ثمانين. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: في السفينة التي صنعها، وانظر الآية رقم [٣٧] من سورة (هود)، وما بعدها، ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾: انظر الآية رقم [١٤]. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾: بالطوفان، كما ستقف عليه في الآية رقم [٤٠]، من سورة (هود)، وما بعدها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فانظر يا محمد، أو يا أيها الإنسان كيف كان آخر ونتيجة من أنذرتهم الرسل، فلم يؤمنوا، ولم يقبلوا ذلك، فيه تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذب الرسول ﷺ ، وتعزية وتسلية. تنبيه: ذكر الله تعالى في هذه السورة قصة نوح ﵊ موجزة، وانظرها في سورة (الأعراف)، وفي سورة (هود) بأوسع وأبسط من هذه السورة. الإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: (كذبوه): فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، أو هما متعلقان بالفعل: (نجينا)، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾: معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وكذلك ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ﴾: معطوفة أيضا، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾: صلة الموصول لا محل لها ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٣٩] فهي مثلها بلا فارق. ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾: أرسلنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد نوح. ﴿رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ﴾: لم يذكر الله من كان بعد نوح من الرسل، وذكر في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود): هودا، وصالحا، وإبراهيم، ولوطا، وشعيبا وغيرهم. ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾: فجاء الرسل أقوامهم بالدلالات

стр. 2458

الواضحات والمعجزات الباهرات؛ التي تدل على صدقهم. ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فما صح وما استقام لهؤلاء الأقوام أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله لهم بسبب تعودهم على تكذيب الحق، وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن: إن أولئك الأقوام جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب. ولم يزجرهم ما جاءتهم به الرسل، ولم يرجعوا عما هم فيه من الكفر والتكذيب. انتهى. فالواو في ﴿كانُوا﴾ و (يؤمنوا) ضمير القوم، والواو في ﴿كَذَّبُوا﴾ عائدة على قوم نوح، والضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدة على نوح. ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾: نختم على قلوب المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب، فلا يؤمنوا؛ لانهماكهم في الضلال، واتباع المألوف، وفيه دليل على أن الأفعال واقعة بقدر الله تعالى وللعبد كسب فيها، وقد ذكرت ذلك مرارا فيما تقدم. الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رُسُلاً﴾: مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلاً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَجاؤُهُمْ﴾: ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع. (ما): نافية. ﴿كانُوا﴾: ماض، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، التقدير: ما كانوا مريدين للإيمان. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِهِ﴾ صلة الموصول، أو صفة النكرة الموصوفة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالباء، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) و ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نطبع على قلوب المعتدين طبعا كائنا مثل الطبع الذي طبعناه على قلوب قوم نوح، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل لها، وانظر الآية رقم [١٣] ﴿نَطْبَعُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلى قُلُوبِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿قُلُوبِ﴾: مضاف، و ﴿الْمُعْتَدِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 2459

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هؤلاء الرسل. ﴿مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف)، ﴿بِآياتِنا﴾: بمعجزاتنا التسع، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٣] (الأعراف) وما بعدها. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: عن اتباعهما وقبول الحق الذي جاءا به. ﴿وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾: معتادين الإجرام، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم، واجترءوا على ردها. الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُوسى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿وَهارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسى،﴾ ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾: متعلقان بالفعل ﴿بَعَثْنا﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بالفعل: ﴿بَعَثْنا،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَكانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْماً﴾: خبر (كان). ﴿مُجْرِمِينَ﴾: صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا﴾: يريد فرعون وقومه، أي: فلما جاء فرعون وقومه الحق الذي جاء به موسى من عند الله، وعرفوه بتظاهرات المعجزات الباهرة المزيحة للشك والريبة. ﴿قالُوا إِنَّ هذا..﴾. إلخ: أي: قال فرعون وملؤه: إن هذا الذي جاء به موسى سحر مبين يعرفه كل أحد. الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٢] وجملة: ﴿جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾: متعلقان بالفعل جاء، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَسِحْرٌ﴾: اللام: هي المزحلقة (سحر): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ..﴾.: صفته،

стр. 2460

والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾: إنه سحر، فحذف المحكي بالقول لدلالة ما قبله عليه، وقيل لدلالة ما بعده عليه. ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾: ﴿هذا﴾ استفهام إنكاري وتوبيخي، أي: إنه ليس بسحر، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ لأن السحر تمويه، وتخييل، وصاحب ذلك لا ينجح، ولا يفلح أبدا. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿مُوسى﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَتَقُولُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لِلْحَقِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا﴾: ظرفية بمعنى حين مبنية على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (تقولون) أيضا. ﴿جاءَكُمْ﴾: ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الحق) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، ومقول: (تقولون) محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَسِحْرٌ﴾: الهمزة: حرف استفهام توبيخي أيضا. (سحر): خبر مقدم. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية من مقول موسى أيضا. ﴿وَلا﴾: الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يُفْلِحُ﴾: مضارع. ﴿السّاحِرُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط. ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: فرعون وملؤه لموسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام. ﴿أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾: لتصرفنا وتلوينا، واللفت، والفتل بمعنى واحد، وفعلاهما من باب (ضرب). ﴿عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾: قال الخازن: من الدين، وقال غيره: من عبادة الأصنام وهو الأصح، وهذا يدل على أن قوم فرعون كانوا يعبدون الأوثان مع عبادة فرعون، فإنه كان يصنع لهم الأصنام، ويأمرهم بعبادتها، ويقول لهم: أنا ربكم الأعلى. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الملك في أرض مصر، وأطلق الكبرياء على الملك؛ لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا، ولاتصاف الملوك

стр. 2461

بالكبر والتكبر على الناس باستعبادهم وإذلالهم، والخطاب في ﴿لَكُمَا﴾ لموسى وهارون. ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدقين فيما جئتما به، هذا؛ ويقرأ ﴿وَتَكُونَ﴾ بالياء والتاء. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَجِئْتَنا﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جئتنا): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَلْفِتَنا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَمّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب «عن»، وجملة: ﴿وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلا ب (على) التقدير: عن الذي، أو عن شيء وجدنا... إلخ. (تكون): مضارع ناقص معطوف على تلفتنا منصوب مثله. ﴿لَكُمَا﴾: متعلقان بمحذوف خبر (تكون) مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الْكِبْرِياءُ﴾: اسم (كان) مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بنفس ﴿الْكِبْرِياءُ،﴾ أو بمحذوف حال منه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿لَكُمَا،﴾ أو هما متعلقان بالفعل (تكون)، أو بمحذوف خبر ثان له. انتهى. أبو البقاء بتصرف مني. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل (ليس). ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿لَكُمَا﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء: حرف جر صلة. (مؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجر اللفظي، والنصب المحلي قام مقامهما الياء نيابة عن الكسرة أو الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فالمعنى لا يأباه، والرابط: الواو، والضمير، ثم هي تعود في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي..﴾. إلخ: إنما قال فرعون هذا حين رأى معجزة العصا، واليد البيضاء، واعتقد أنهما سحر، فأراد أن يعارض معجزة موسى على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام بأنواع من التلبيس ليظهر أن ما أتى به موسى سحر. الإعراب: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل ماض وفاعله. ﴿اِئْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِكُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿ساحِرٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ساحر، وجملة: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.

стр. 2462

﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾: حضر سحرة فرعون الذين جاءوا لمناظرة موسى ﵇. ﴿أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي: اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم، وقد طلب السحرة من فرعون أجرا إن هم غلبوا موسى ﵇، انظر الآية رقم [١١٣] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: (لمّا): انظر الآية رقم [١٢] ﴿جاءَ السَّحَرَةُ﴾: فعل وفاعل، وانظر محل مثلها في الآية رقم [٧٦] ﴿أَلْقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فَلَمّا﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة ﴿فَلَمّا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ألقوا الذي، أو شيئا أنتم ملقونه، وجملة: ﴿أَلْقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقال الجمل: عطف على محذوف، أي: فأتوا بالسحرة، فلما جاء السحرة... إلخ، ولا داعي له. ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا﴾ أي: ما معهم من الحبال والعصي، وانظر الآية رقم [١١٦] (الأعراف) ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي: الذي جئتم به هو السحر الباطل، وهذا على سبيل التوبيخ لهم. ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: سيمحقه، أو سيظهر بطلانه، ويفضح صاحبه. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: لا يثبته ولا يقويه، وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه، لا حقيقة له، هذا؛ وفي الآية تحذير من الفساد، وسلوك طرق الشر، ومن سلك طريق الشر؛ فالله يكله إلى شيطانه يتلاعب به كيف يشاء، فالله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ بخلاف من اهتدى وسلك طريق الخير، فإنه يجد توفيقا من الله إلى الخير، وعونا عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿أَلْقَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية انظر ما قيل في مثلها في الآية رقم [٧٦]. ﴿قالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا): ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلَمّا﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ،

стр. 2463

﴿جِئْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿السِّحْرُ﴾: خبر المبتدأ، هذا؛ ويقرأ بالاستفهام، فعلى هذا تكون: ﴿فَلَمّا﴾ استفهاما، وفي موضعها وجهان: أحدهما نصب بفعل محذوف موضعه بعد ﴿فَلَمّا﴾ تقديره: أي: شيء أتيتم به، وجئتم به يفسر المحذوف، فعلى هذا في قوله ﴿السِّحْرُ﴾ وجهان: أحدهما: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: أهو السحر. والثاني: أن يكون الخبر محذوفا، أي: السحر هو، والثاني موضعها رفع بالابتداء، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾: الخبر، و ﴿السِّحْرُ﴾ فيه وجهان: أحدهما ما تقدم من الوجهين، والثاني: هو بدل من موضع ﴿فَلَمّا﴾ كما تقول: ما عندك؟ أدينار أم درهم؟ ويقرأ على لفظ الخبر، وفيه وجهان: أحدهما: استفهام أيضا في المعنى، وحذفت الهمزة للعلم بها، والثاني: هو خبر في المعنى، فعلى هذا تكون ﴿فَلَمّا﴾ بمعنى (الذي) و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ صلتها و ﴿السِّحْرُ﴾ خبرها، ويجوز أن تكون ﴿فَلَمّا﴾ استفهاما، والسحر خبر مبتدأ محذوف. انتهى. عكبري بحروفه. هذا؛ وأجاز الفراء نصب السحر ب ﴿جِئْتُمْ،﴾ وتكون ﴿فَلَمّا﴾ للشرط، و ﴿جِئْتُمْ﴾ في موضع جزم ب ﴿فَلَمّا،﴾ والفاء محذوفة، التقدير: فإن الله سيبطله، وهذا القول لم يوافق الفراء عليه أحد من النحاة؛ لأن حذف الفاء من جواب الشرط لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، والقرآن لا يخرج على الضرورة، والجملة: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾: السين: حرف استقبال. (يبطله): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ﴾: يثبته، ويبينه، ويوضحه، ويقويه، ويعليه. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾: بأوامره وحججه وبراهينه، وقرئ: «بكلمته»، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: تحقيق ما ذكر، والمراد ب: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ فرعون وملؤه، وانظر الآية رقم [١٣]. الإعراب: ﴿وَيُحِقُّ﴾: (يحق): مضارع. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على خبر (إنّ). ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ﴾: ماض. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ولو كره المجرمون ذلك، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من: ﴿الْحَقَّ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وانظر الآية رقم [٨] الأنفال، ﴿بِكَلِماتِهِ﴾: متعلقان بالفعل (يحق)، والهاء في محل جر بالإضافة.

стр. 2464

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: لقد اختلف في مرجع الضمير، فقيل: إنه يرجع إلى موسى، وأراد بهم قوم موسى، هلك الآباء وبقي الأبناء الذين نجوا من قتل فرعون فآمنوا بموسى، وقال ابن عباس-﵄: الضمير يعود إلى فرعون، يعني من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون الذي ذكر بإسهاب في سورة (غافر)، وخازن فرعون، وامرأته آسية، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه، وقيل: هم أقوام آباؤهم من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية، كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا في بلاد اليمن وبلاد العرب: الأبناء؛ لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم، قاله الفراء، وعلى هذا فالضمير في قومه يعود إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات، وإلى فرعون، إذا كانوا من القبط. هذا؛ والذرية: نسل الإنسان وقد تكثر، وانظر الآية رقم [١٧٢] (الأعراف). ﴿عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ أي: مع خوف من فرعون؛ لأنه كان مسلطا عليهم عاتيا. ﴿وَمَلائِهِمْ﴾: واختلف في مرجع الضمير أيضا، فقيل: هو عائد على الذرية، ولم يؤنث؛ لأن الذرية قوم، فهو مذكر في المعنى، وقيل: هو عائد على القوم، وقيل: هو عائد على فرعون، وإنما جمع لوجهين: أحدهما: أن فرعون لما كان عظيما عندهم عاد عليه الضمير بلفظ الجمع، كما يقول العظيم: نحن نأمر، والثاني: أن فرعون صار اسما لأتباعه، كما أن ثمود وعادا اسمان للقبيلتين وقيل: الضمير يعود على محذوف، تقديره: من آل فرعون وملئهم، أي: ملأ الآل، وهذا عندنا غلط؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير، انتهى. عكبري بتصرف. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بالتعذيب والانتقام، فوحد الفاعل؛ لأن قوم فرعون وملأه كانوا على مراده وتابعين له. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لعات متجبر متكبر في أرض مصر. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المتجاوزين الحد؛ لأنه عبد فادعى الربوبية، وأكثر القتل والتعذيب في بني إسرائيل. قال الخازن: لما ذكر الله ما أتى به موسى ﵇ من المعجزات العظيمة الباهرة؛ أخبر الله أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، وإنما ذكر الله هذا تسلية لنبيه محمد ﷺ ؛ لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به، واستمرارهم على الكفر والتكذيب. الإعراب: ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿آمَنَ﴾: ماض. ﴿لِمُوسى﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾: فاعل. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف

стр. 2465

صفة: ﴿ذُرِّيَّةٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى خَوْفٍ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿آمَنَ﴾. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: متعلقان ب ﴿خَوْفٍ،﴾ ﴿وَمَلائِهِمْ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ أو في محل نصب مفعول به للمصدر ﴿خَوْفٍ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿وَإِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: اسم (إن). ﴿لَعالٍ﴾: اللام: هي المزحلقة، (عال): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان ب (عال)، وجملة: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، وإعادة ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بلفظه ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ وهذه الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ: أي: ثقوا بالله، واعتمدوا عليه، وسلموا الأمر إليه، فإنه ناصر أولياءه ومهلك أعداءه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين، ومستسلمين لأمره، وقضائه وقدره، وفي الآية دليل على أن التوكل على الله، والتفويض لأمره من كمال الإيمان، وإن من كان يؤمن بالله؛ فلا يتوكل إلا على الله، لا على غيره. الإعراب: ﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل ماض وفاعله. والجملة الندائية: ﴿يا قَوْمِ﴾ في محل نصب مقول القول، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود). ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. والتاء اسمه، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾: في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَلَيْهِ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: الإعراب واضح إن شاء الله تعالى، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. قال القرطبي: كرر الشرط تأكيدا، وقال البيضاوي: وليس هذا من تعلق الحكم بشرطين، فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل، فإنه المقتضي له، والمشروط بالإسلام حصوله، فإنه لا يوجد مع التخليط، ونظيره: إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت.

стр. 2466

قال سليمان الجمل: ومحصله: أن المعلق على الأول وجوب التوكل، وعلى الاستسلام وجود التوكل، وعلى هذا فجواب الثاني محذوف كما يقتضيه صنيع الكازروني، ونصه، فالمعنى إن كنتم آمنتم؛ وجب عليكم التوكل، وإن كنتم مسلمين؛ توكلتم عليه. انتهى. ﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿فَقالُوا﴾ أي: قال قوم موسى. ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي: أسلمنا أمورنا إلى الله، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره، وإنما قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا مسلمين. ﴿رَبَّنا﴾: انظر الآية رقم [٤٥] من سورة (هود). ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا تنصر الفراعنة علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى: لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا: لو كانوا على حق لم نسلط عليهم فيفتنوا. وقال أبو مجلز وأبو الضحاك: يعني لا تظهرهم علينا، فيروا أنهم خير منا، فيزدادوا طغيانا وكفرا. انتهى. قرطبي. وانظر البغي في الآية [٢٣]. الإعراب: ﴿فَقالُوا﴾: (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿تَوَكَّلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿رَبَّنا﴾: منادى حذف منه حرف النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لا﴾: دعائية جازمة. ﴿تَجْعَلْنا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به أول. ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿لِلْقَوْمِ﴾: متعلقان ب ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿الظّالِمِينَ﴾: صفة (القوم) مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿تَجْعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أي: خلصنا، وأنقذنا بفضلك وكرمك من أيدي قوم فرعون الكافرين؛ لأنهم كانوا يستعبدونهم، ويستخدمونهم بالأعمال الشاقة، قال البيضاوي: وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي، ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته. وانظر (كفروا) في الآية رقم [١٩] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 2467

الإعراب: ﴿وَنَجِّنا﴾: (نجنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل: (نجنا). ﴿الْكافِرِينَ﴾: صفة القوم مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَنَجِّنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا﴾: اتخذا: يقال: بوأت زيدا مكانا، وبوأت لزيد مكانا، فالأول بمعنى: أنزلت زيدا مكانا، والثاني بمعنى: اتخذت لزيد مكانا، والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه: بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁، وانظر: ﴿تُبَوِّئُ﴾ في الآية رقم [١٢١] (آل عمران) و ﴿بَوَّأْنا﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحج)، و ﴿تَبَوَّؤُا﴾ في الآية رقم [٩] من سورة (الحشر)، و [٩٣] الآتية، والآية رقم [٧٣] من سورة (الأعراف). ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾: يسكنون فيها، أو يتعبدون فيها، قال كثير من المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم ومعابدهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل الله موسى إلى فرعون، أمر بمعابدهم فخرجت، ومنعوا الصلاة فيها. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: مصلى تصلون فيها مختفين من كيد فرعون وملئه لتأمنوا على أنفسكم، فأمروا بالصبر واتخاذ المعابد في البيوت، والمداومة على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا..﴾. إلخ الآية رقم [١٢٨] -من سورة (الأعراف) -وقيل: المعنى: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا، وقيل: المعنى اجعلوا مساجدكم إلى القبلة، أي: إلى بيت المقدس، وقيل: الكعبة، والأول أولى بالاعتبار. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: أدوها كاملة في تلك البيوت. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: الخطاب لمحمد ﷺ ، والأظهر: أنه لموسى ﵇، أي: بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم، وقد حقق الله ما وعد به، وهو يشمل كل مؤمن إلى يوم القيامة. قال البيضاوي رحمه الله تعالى: وإنما ثنى الضمير أولا؛ لأن التبوؤ للقوم، واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رءوس القوم بتشاور، ثم جمع؛ لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم وحد؛ لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة. انتهى.

стр. 2468

الإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾: الواو: حرف عطف. (أوحينا): فعل وفاعل. ﴿إِلى مُوسى﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَخِيهِ﴾: معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ﴾: حرف تفسير. ﴿تَبَوَّءا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعله. ﴿لِقَوْمِكُما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به أول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿بُيُوتاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» هذا؛ وأجيز اعتبار اللام الجارة زائدة، فيكون (قومكما) مجرورا لفظا، منصوبا حالا، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿بِمِصْرَ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَبَوَّءا،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، هذا؛ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من ﴿بُيُوتاً،﴾ كان صفة له... إلخ، أو بمحذوف حال من: (قومكما)، أو بمحذوف حال من ألف الاثنين، وفيه ضعف. انتهى. عكبري بتصرف بسيط. ﴿بُيُوتاً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿تَبَوَّءا..﴾. إلخ تفسير ل: (أوحينا) لا محل لها، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ل (أوحينا)، التقدير: أوحينا إليهما التبوؤ، والأول أقوى وأعرف؛ لأن ﴿أَنْ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالوا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَاجْعَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بُيُوتَكُمْ﴾: مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قِبْلَةً﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَاجْعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة أيضا، وكذلك جملة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة، وتحتمل الاستئناف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا..﴾. إلخ: قال سليمان الجمل رحمه الله تعالى: لما أتى موسى بالمعجزات الباهرات، ورأى القوم يصرون على الكفر والعناد؛ أخذ في الدعاء عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولا سبب إقدام الغير على الجرائم، التي هي سبب في الدعاء عليه، ولما كان سبب كفرهم، وعنادهم هو حب الدنيا وزينتها؛ قدم هذه المقدمة، فقال: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ..﴾. إلخ. انتهى. منقولا من كرخي وغيره. هذا؛ والزينة عبارة عما يتزين به كاللباس، وأثاث البيوت الفاخرة، والأشياء الجميلة، والمال: ما زاد على هذه الأشياء. انتهى. خازن.

стр. 2469

وقال ابن عباس-﵄: كان من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها ذهب وفضة، وزبرجد، وياقوت. ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: يقرأ الفعل بضم الياء وفتحها، والمعنى أعطيتهم النعم المذكورة ليشكروها، ويتبعوا دينك، فكان عاقبة أمرهم: أنهم كفروها وضلوا عن سواء السبيل، وقيل: هو دعاء عليهم بالإضلال بما عرف من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غير ما حصل منهم، وقيل: المعنى: ربنا إنك جعلت هذه النعم سببا لضلالهم؛ لأنهم بطروا وطغوا في الأرض، واستكبروا عن الإيمان. ﴿اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾: الطمس: إزالة الشيء بالمحو، والمعنى: أزل صور أموالهم وهيئاتها، قال قتادة: بلغنا أن أموالهم، وحروثهم، وزروعهم، وجواهرهم صارت حجارة، وقيل غير ذلك. ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: اطبع عليها وقسها حتى لا تلين، ولا تنشرح للإيمان. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾: فلا يحصل منهم إيمان حتى يبصروا بأعينهم العذاب الموجع المؤلم، وهو الغرق، ولكن لم ينفعهم الإيمان شيئا حين شاهدوا العذاب، كما ستعرفه قريبا. هذا؛ وكان موسى يدعو، وأخوه هارون يؤمن على دعائه، عليهما الصلاة والسّلام. تنبيه: قد يشكل على القارئ كيف دعا موسى ﵇ على قومه بما رأيت، ووظيفة الرسل استدعاء قومهم إلى الإيمان، وترغيبهم فيه، والجواب: أن موسى ﵇ إنما دعا عليهم بإذن الله، وإعلام منه تعالى: أنه ليس فيهم من يؤمن، ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله، دليله قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ وعند ذلك دعا على قومه فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، ﴿رَبَّنا﴾: منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿آتَيْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به أول ﴿وَمَلَأَهُ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿زِينَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿وَأَمْوالاً﴾: معطوف على ﴿زِينَةً﴾. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿آتَيْتَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿زِينَةً وَأَمْوالاً﴾. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿آتَيْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها أيضا. ﴿رَبَّنا﴾: توكيد للسابق. ﴿لِيُضِلُّوا﴾: لقد اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل فيها: إنها لام العاقبة، والصيرورة، وهو قول الخليل وسيبويه، وقيل: هي لام التعليل، وقيل: هي لام أجل، أي: أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك، وعلى هذه الأقوال الثلاثة فالفعل منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان

стр. 2470

بالفعل: ﴿آتَيْتَ،﴾ وقيل: اللام لام الأمر، فهو دعاء عليهم بلفظ الأمر، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال، وليكونوا ضلالا، وإليه ذهب الحسن البصري، وبه قال ابن هشام في «مغني اللبيب»؛ وعليه فالفعل مجزوم لا منصوب، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبَّنا﴾: توكيد لما تقدم: ﴿اِطْمِسْ﴾: فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى أَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية من مقول موسى أيضا، ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فلها حكمها محلا وإعرابا. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ فهذا يحتمل النصب والجزم، فالنصب من وجهين: أحدهما عطفه على ﴿لِيُضِلُّوا،﴾ والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله: ﴿اِطْمِسْ﴾ و (لا) نافية على الوجهين، والفاء على الأول: حرف عطف، وعلى الثاني: للسببية، وأما الجزم على أن (لا) ناهية، ومعناها الدعاء، كقولك: لا تعذبني يا رب، وعلامة النصب والجزم حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النصب يؤول الفعل مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف على ما قبله. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَرَوُا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به. ﴿الْأَلِيمَ﴾: صفة العذاب، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُؤْمِنُوا،﴾ التقدير: فلا يؤمنوا إلى رؤية العذاب بأعينهم. ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ أي: قال الله تعالى لموسى وهارون: قد استجبت لكما فيما دعوتماني، وهو ما ذكر في الآية السابقة، والخطاب جاء بلفظ المثنى؛ لأن هارون كان يؤمن على دعاء موسى، وقيل: دعا معه بدليل قول موسى ﵇ ﴿رَبَّنا﴾ هذا؛ وقرئ: «(أجبت دعوتكما)» و «(دعواتكما)». ﴿فَاسْتَقِيما﴾: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله، وتبيين الحجج والبراهين، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن وواقع، ولكن في وقته. روي: أن فرعون مكث في قومه متجبرا متغطرسا بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلك هو وقومه. ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: طريق الجهلة في الاستعمال، أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله، فإنه تعالى منجز وعده لأوليائه، ومحقق وعيده لأعدائه، هذا؛ ويقرأ «(تتبعان)» بتشديد النون وتخفيفها. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى «الله». ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُجِيبَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء حرف لا محل له. ﴿دَعْوَتُكُما﴾: نائب فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وعلى قراءة: «(أجبت)» فهو فعل وفاعل، و «(دعوتَكما)» بالنصب مفعول به، وجملة: ﴿قَدْ﴾

стр. 2471

أُجِيبَتْ... إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاسْتَقِيما﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣] (استقيما): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان قد استجيبت دعوتكما فاستقيما، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: ناهية. ﴿تَتَّبِعانِّ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، وألف الاثنين فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وهي في محل نصب مقول القول، وعلى القراءة الثانية ف (لا) نافية، والمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والجملة الفعلية محتملة لوجهين: أحدهما: الاستئناف. والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنتما لا تتبعان، والجملة الاسمية في هذه في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الواو، والضمير. ﴿سَبِيلَ﴾: مفعول به، و ﴿سَبِيلَ﴾: مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ الشرح: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي: وقطعنا ببني إسرائيل، وعبرناهم إياه؛ حتى جاوزوه وعبروه. والمراد به البحر الأحمر. وقرئ: «جوزنا». ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾: لحقهم وأدركهم. ﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾: باغين، ومعتدين، وقيل: طلبا للاستعلاء بغير حق. ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: ناله ووصله. ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾: فلم يقبل منه هذا الإيمان؛ لأنه عند معاينة العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ وقيل: إنه قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده بها الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف له بالربوبية، لا جرم لم ينفعه ما قال في ذلك الوقت. ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادين لما يريده رب موسى. تنبيه: قال أهل التفسير: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى من مصر، وهم ستمائة ألف، وكان ذلك في مدة أربعمائة سنة، وذلك: أنه لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر، ويسر لهم أسباب الخروج، وكان فرعون غافلا عنهم، فلما سمع بخروجهم خرج بجنوده في طلبهم، فلما أدركهم، قالوا لموسى: أين المخلص والمخرج، والبحر أمامنا، وفرعون وراءنا، وقد كنا نلقى

стр. 2472

من فرعون البلاء العظيم؟ فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف الله عن وجه الأرض، وأيبس لهم البحر، فلحقهم فرعون، وكان على حصان أدهم، وخلفه عسكره، ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر، ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل ﵇ على فرس أنثى، وقال له: تقدم، وهو لا يعرفه، ثم نزل في طريق من طرق البحر المفتوحة، فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر، وهمّ أولهم بالخروج، انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق، فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدس جبريل ﵇ في فمه طين البحر، وروى الترمذي عن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ قال: «لمّا أغرق الله فرعون، قال، آمنت أنّه لا إله إلاّ الّذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، فأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرّحمة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وسترى في سورة (طه) والشعراء وغيرهما مزيدا من ذلك إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿وَجاوَزْنا﴾: (جاوزنا): فعل وفاعل، وانظر الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﴿بِبَنِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به أول، و (بني) مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾: مضاف إليه. ﴿الْبَحْرَ﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجاوَزْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿فِرْعَوْنُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَجُنُودُهُ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَغْياً﴾: مفعول لأجله. ﴿وَعَدْواً﴾: معطوف على ما قبله، أو هما منصوبان على أنهما مصدران في موضع الحال، التقدير: باغين ومعتدين. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿أَدْرَكَهُ﴾: ماض ومفعوله. ﴿الْغَرَقُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿آمَنْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿إِلهَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره موجود. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر لا محل له. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. وثانيها: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّهُ،﴾ و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء المحذوفة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: آمنت بكونه لا إله... إلخ، هذا؛ وقرئ بكسر همزة: «(إنه)» وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف لا محل له، وقيل: إنه

стр. 2473

بدل من ﴿آمَنْتُ﴾ على وجه التفسير له. انتهى. بيضاوي بتصرف. وجملة: ﴿آمَنْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقال الأخفش: ﴿إِذا﴾ متعلقة ب ﴿حَتّى،﴾ وهو غير مسلم له. ﴿آمَنْتُ﴾: ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَنُوا﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنُوا﴾: مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ..﴾.: مضاف إليه مجرور.. إلخ، وجملة: ﴿آمَنْتُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَأَنَا﴾: الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، الجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿آلْآنَ﴾ أي: أتؤمن الآن وتتوب من الكفر؛ وقد أضعت التوبة في وقتها، وآثرت دنياك الفانية، على الآخرة الباقية! والمخاطب لفرعون بهذا الكلام هو جبريل. وقيل: ميكائيل ﵉، وقيل: إن القائل لذلك هو الله تعالى، عرّف فرعون قبح صنعه، وما كان عليه من الفساد في الأرض، والأول أشهر، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة عن جبريل. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: عصيت الله، وخالفت أوامره، قبل ذلك طوال حياتك. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: في الأرض الضالين المضلين الناس عن توحيد الله تعالى، وانظر شرح ﴿آلْآنَ﴾ في الآية [٥١]. الإعراب: ﴿آلْآنَ﴾: الهمزة حرف استفهام، وتوبيخ، وإنكار. (الآن): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَقَدْ﴾: الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَصَيْتَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، انظر الشرح. ﴿قَبْلُ﴾: ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (تؤمن) المقدر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَكُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكُنْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾: نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافيا على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض، ليراك بنو إسرائيل، هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد

стр. 2474

الجيم وتخفيفها، كما قرئ بالحاء: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ أي: نلقيك بناحية الساحل. ﴿بِبَدَنِكَ﴾: بجسدك الذي لا روح فيه، وقيل: معناه بدرعك، وكانت درعه من لؤلؤ منظوم، وقيل: كانت من الذهب، وكان يعرف بها، والبدن: الدرع القصيرة، قاله أبو عبيدة، وأنشد للأعشى: [المتقارب] وبيضاء كالنّهي موضونة... لها قونس فوق جيب البدن البيضاء: الدرع، والنهي بالفتح والكسر: الغدير، وكل موضع يجتمع فيه الماء، والموضونة المنسوجة، والقونس: أعلى بيضة في الحديد، والبدن: الدرع القوية وجيبها تحتها، وقال كعب بن مالك ﵁: [الوافر] ترى الأبدان فيها مسبغات... على الأبطال، واليلب الحصينا أراد بالأبدان: الدروع، واليلب: الترس، وقيل: جلود يخرز بعضها إلى بعض تلبس على الرءوس خاصة، وهو اسم جنس، الواحد: يلبة، ورد هذا التفسير الأخفش. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي: لمن بعدك علامة على قدرة الله القاهر الذي أذلك وأخزاك، وعبرة وعظة لبني إسرائيل؛ لأنهم خيل إليهم: أنه لا يهلك لعظمته عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب هيبة منه حتى كذبوا موسى ﵇ حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على طريقهم في الساحل، فعرفوه، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا، وقيل: المعنى لمن يأتي بعدك من الجبابرة إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدوك عبرة ونكالا، فيعرفون: أن الإنسان مهما بلغ من عظم الشأن، وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الألوهية. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ غيره به. هذا؛ والقائل هو الله تعالى، وهو يؤيده ما قيل في الآية السابقة. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿نُنَجِّيكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِبَدَنِكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: عاريا عن الروح ببدنك فقط، ونحو ذلك، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ﴾: متعلقان بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان صفة له، فما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿خَلْفَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿آيَةً﴾: خبر تكون، و «أن» المضمرة والفعل تكون في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً﴾: اسم (إنّ). ﴿مِنَ النّاسِ﴾: متعلقان ب ﴿كَثِيراً﴾. ﴿عَنْ آياتِنا﴾: متعلقان بما بعدهما. و (نا): في محل جر بالإضافة.

стр. 2475

﴿لَغافِلُونَ﴾: خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية (إن...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو فقط، وانظر الشاهد [٨٤٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو قول امرئ القيس: [الطويل] وقد أغتدي والطّير في وكناتها... بمنجرد قيد الأوابد هيكل ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا﴾: أنزلنا، وانظر الآية رقم [٨٧] ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منزلا صالحا، وهو الشام ومصر بعد هلاك فرعون وجنوده، وإنما وصف المكان بالصدق؛ لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا، أضافته إلى الصدق، تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق. ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾: من اللذائذ من فواكه وخضار وغير ذلك. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: فما اختلفوا في أمر دينهم، إلا من بعد ما قرءوا التوراة، وعلموا أحكامها، أو: ما اختلفوا في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته، وتظاهر معجزاته، وذلك: أنهم كانوا قبل مبعثه مقرين به، مجمعين على نبوته غير مختلفين فيه، لما يجدونه مكتوبا عندهم، فلما بعثه الله؛ اختلفوا فيه، فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وكفر به أكثرهم بغيا، وحسدا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ: أي: يحكم ويفصل بينهم، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، فيدخل من آمن بمحمد ﷺ الجنة، ويدخل من كفر به، وجحد نبوته النار. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم بالله. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَوَّأْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿بَنِي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾: مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مُبَوَّأَ﴾: يحتمل أن يكون مصدرا ميميّا، وأن يكون اسم مكان؛ فعلى الأول هو مفعول مطلق، وعلى الثاني هو مفعول ثان للفعل: ﴿بَوَّأْنا،﴾ و ﴿مُبَوَّأَ﴾: مضاف، و ﴿صِدْقٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَرَزَقْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني. ﴿فَمَا﴾: الفاء: حرف استئناف. ما: نافية. ﴿اِخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة. ﴿جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: ماض، ومفعوله، وفاعله، و «أن» المضمرة

стр. 2476

والفعل جاء في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ﴾: اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْضِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، ﴿الْقِيامَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿فِيما﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقْضِي﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب (في). ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ أي: من آيات القرآن المشتملة على القصص والأحكام والمواعظ وذلك على سبيل الفرض والتقدير؛ إذ محال أن يشك النبي ﷺ بنبوته، أو فيما أوحي إليه. وقال القرطبي: الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد غيره، أي: لست في شك، ولكن غيرك في شك، قال أبو عمر محمد بن عبد الله الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان: معنى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ أي: قل: يا محمد للكافر. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ،﴾ وإني أعتمد الأول، وهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ هو على سبيل الفرض والتقدير أيضا، ومعاذ الله أن يشرك النبي المعظم ﷺ . ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: فاسأل علماء اليهود والنصارى، الذين آمنوا بك وبرسالتك، فإن ما أنزل إليك محقق عندهم، ثابت في كتبهم، على نحو ما أنزل إليك، فقال النبي ﷺ : «لا أشكّ ولا أسأل». ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن ما نزل إليك إنما هو الحق الثابت الذي لا شك فيه. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين فيما أنزل إليك من ربك، فاثبت على ما أنت عليه. هذا؛ والشك في اللغة خلاف اليقين، والشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان، لوجود أمارتين، أو لعدم الأمارة، والشك ضرب من الجهل. الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، و (ما): تحتمل

стр. 2477

الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء أنزلناه إليك. وجملة: ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَسْئَلِ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اسأل): أمر، وفاعله: (أنت). ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في ﴿الَّذِينَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَسْئَلِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكَ الْحَقُّ﴾: ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾ والقسم المقدر وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَكُونَنَّ﴾: مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب (لا) الناهية، ونون التوكيد حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونَنَّ،﴾ وجملة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا فلا تكونن إلخ، وهذا الشرط المقدر، ومدخوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥)﴾ الشرح: يقال في هذه الآية ما قيل في الآية السابقة من الفرض والتقدير، وما قاله القرطبي أيضا. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: واعلم أن هذا كله على ما تقدم من أن ظاهره خطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره ممن عنده شك، وارتياب، فإن النبي ﷺ لم يشك، ولم يرتب، ولم يكذب بآيات الله، فثبت بهذا أن المراد به غيره، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. انتهى. وقال الزمخشري في الكشاف: ويجوز أن يكون هذا على طريق التهييج، والإلهاب، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٨٦ و ٨٧] من سورة (القصص). الإعراب: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ﴾: إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَتَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد فاء السببية، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر تكون، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و «أن» المضمرة

стр. 2478

والفعل تكون في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك تكذيب بآيات الله فخسران في الدنيا والآخرة. تأمل، وتدبر. ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)﴾ الشرح: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ أي: هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها على ممر العصور تابت عن الكفر، وأخلصت الإيمان قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر

стр. 2479

توبتها كما أخر فرعون إيمانه وتوبته إلى أن حل به العذاب، فلم ينفعه إيمانه، وأداة التحضيض معناها النفي، أي: لم يقع ذلك في غابر الزمن. ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ أي: فهؤلاء نفعهم الإيمان عند مشاهدة العذاب، وهو ما أفاده قوله تعالى: ﴿لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا..﴾. إلخ، فهم مستثنون من حكم عام، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿الْخِزْيِ﴾: أي: المذل المخزي. ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾: تركناهم يتمتعون في هذه الدنيا ويتلذذون فيها إلى انقضاء آجالهم التي قدرها لهم العزيز الحكيم. تنبيه: ذكر يونس ﵇ باسمه في القرآن الكريم أربع مرات في سورة (النساء) الآية [١٦٣] والأنعام الآية رقم [٨٦] وما نحن بصدد شرحها، وفي سورة (الصافات) الآية رقم [١٣٩] وما بعدها، وذكر بوصفه في سورة (الأنبياء) في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً..﴾. إلخ الآية رقم [٨٧] وذكر بوصفه أيضا في سورة (القلم)، في قوله تعالى لرسول الله ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ولم يعلم من نسبه في كتب التفسير والحديث إلا أنه (يونس بن متى) ويقول أهل الكتاب: إنه يونان بن أمتاي، والظاهر من أمره: أنه من بني إسرائيل، ويوجد ببلد اسمه: حلحول، وبقرب مدينة الخليل بفلسطين قبر يقال: إنه قبر يونس، وبمكان غير بعيد عنه قبر آخر، يقال: إنه قبر متى. انتهى. من قصص الأنبياء للمرحوم عبد الوهاب النجار، وسترى مزيدا لذلك في سورة (الأنبياء) والصافات إن شاء الله تعالى. هذا؛ ونون يونس فيها ثلاث لغات، وانظر ما ذكرته مزيدا على ذلك في الآية [٤] من سورة (يوسف). أما قصة يونس مع قومه، فأسردها لك على ما ذكره عبد الله بن مسعود، وسعيد بن جبير، ووهب وغيرهم-﵃ أجمعين-، قالوا: إن قوم يونس-﵇-كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل كفر وشرك، فأرسل الله إليهم يونس ﵇-يدعوهم إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأصنام، فدعاهم، فأبوا عليه، قيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا قط، فانظروا فإن بات فيكم الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا: أن العذاب مصبحكم، فلما كان جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، فكان فوق رءوسهم، قال ابن عباس-﵄: إن العذاب كان قد أهبط على قوم يونس-﵇-حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلمّا دعوا؛ كشف الله عنهم ذلك، وقال مقاتل: قدر ميل. وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر، وقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم، واسودت أسطحتهم،

стр. 2480

فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم يونس-﵇-فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم، ونسائهم، وصبيانهم، ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا التوحيد، والتوبة، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب، فحن البعض إلى البعض، فحن الأولاد إلى الأمهات، والأمهات إلى الأولاد، وعلت الأصوات وعجّوا إلى الله، وتضرّعوا إليه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، وتابوا إلى الله، وأخلصوا النية، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب، بعد ما أظلهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة. قال ابن مسعود ﵁: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم؛ حتى إن كان الرجل ليأتي إلى الحجر، وقد وضع أساس بنيانه عليه، فيقلعه، فيرده إلى صاحبه. وروى الطبراني بسنده عن أبي الجلد جيلان، قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: إنه قد نزل بنا العذاب، فما ترى؟! قال: قولوا: يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت! فقالوها، فكشف الله عنهم العذاب، ومتّعوا إلى حين. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت، وجلّت، وأنت أعظم وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، قال: وخرج يونس-﵇-ينتظر العذاب، فلم ير شيئا، فقيل له: ارجع إلى قومك، قال: وكيف أرجع إلى قومي، فيجدوني كذابا، وكان من كذب ولا بينة له قتل، فانصرف عنهم مغاضبا، فالتقمه الحوت، وستأتي القصة في سورة (الأنبياء)، و (الصافات) إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿فَلَوْلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض معناه هنا التوبيخ والتنديم، والنفي. ﴿كانَتْ﴾: ماض تام، والتاء للتأنيث. ﴿قَرْيَةٌ﴾: فاعله. ﴿آمَنَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى قرية، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿قَرْيَةٌ﴾. ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها﴾: ماض ومفعوله وفاعله، و (ها): في محل جر بالإضافة، الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل صفة مثلها. ﴿إِلاّ﴾: أداء استثناء. ﴿قَوْمَ﴾: منصوب على الاستثناء المنقطع من قرية، وقيل: على الاستثناء المتصل على تقدير الكلام: فلولا كان أهل القرية آمنوا.. إلخ، وقال الزمخشري: وقرئ بالرفع على البدل. هكذا روى عن الجرمي، والكسائي، قال القرطبي: ومن أحسن ما قيل في الرفع، ما قاله أبو إسحاق الزجاج، قال: يكون المعنى غير قوم يونس، فلما جاء ب ﴿إِلاّ﴾ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب (غير)، كما قال حضرمي بن عامر الأسدي: [الوافر] وكلّ أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان

стр. 2481

وعليه يكون الإعراب كما يلي: ﴿إِلاّ﴾: اسم بمعنى (غير) صفة ل ﴿قَرْيَةٌ﴾ ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، وهو مضاف، و ﴿قَوْمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاّ﴾ التي هي على صورة الحرف، وانظر الشاهد رقم [١١٣] و [١١٤] و [١١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، و ﴿قَوْمَ﴾: مضاف، و ﴿يُونُسَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿لَمّا﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار: ﴿لَمّا﴾ حرفا، وفي محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿كَشَفْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، و ﴿عَذابَ﴾: مضاف، و ﴿الْخِزْيِ﴾: مضاف إليه. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان ب (عذاب)؛ لأنه مصدر، أو اسم مصدر. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة، وقيل: مضاف إليه، وهو ضعيف وجملة: ﴿كَشَفْنا..﴾. إلخ جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل لها، و ﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل نصب حال من ﴿قَوْمَ يُونُسَ،﴾ والرابط: الضمير وهو أولى وأقوى من الاستئناف. ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب لما لا محل لها مثله. ﴿إِلى حِينٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ الشرح: المعنى: يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد. ﴿لَآمَنَ﴾ بك، وصدقك. ﴿مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ ولكنه لم يشأ أن يصدقك، ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، وشاء الكفر ممن علم أنه يختار الكفر لو ترك وشأنه، وقد كان النبي ﷺ يحرص أن يؤمن به جميع الناس، ويتابعوه على الهدى. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ..﴾. إلخ: أي: ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه، أو تحرص عليه، إنما إيمان المؤمن، وإضلال الكافر، بمشيئة الله، وقضائه وقدره. الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ﴾: ماض. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَآمَنَ﴾: اللام: واقعة في جواب (لو). (آمن): ماض. ﴿لَآمَنَ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿كُلُّهُمْ﴾: توكيد ل ﴿لَآمَنَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من ﴿لَآمَنَ﴾ مفيدة للتوكيد، فهي توكيد بعد توكيد، وجملة: ﴿لَآمَنَ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها،

стр. 2482

ولو ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف على محذوف، أو هي حرف استئناف. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُكْرِهُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وأجاز السمين اعتبار الضمير فاعلا بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وعليه فالجملة الفعلية مفسرة لا محل لها، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة محذوفة. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى لام التعليل. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر يكونوا منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و «أن» المضمرة والفعل ﴿يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكْرِهُ﴾. ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: وما كان ينبغي لنفس خلقها الله تعالى أن تؤمن، وتصدق إلا بقضاء الله لها بالإيمان، فإن هدايتها إلى الله، وهو الهادي المضل، ومعنى بإذن الله: بإرادته، وتوفيقه، وهدايته، ومشيئته. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: السخط، والعذاب، والانتقام، وقرئ: «(نجعل)» بالنون. ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: لا يفهمون أمر الله فيما أمر، ونهيه فيما نهى عنه، أو المعنى: لا يتدبرون ما صنع الله في هذا الكون من آيات تدل على قدرته تعالى، ولا يستعملون عقولهم بالنظر في البراهين، والحجج التي نزل بها القرآن الكريم، ودعاهم إلى النظر فيها، وقرئ: «(الرّجز)» بالزاي. الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِنَفْسٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُؤْمِنَ﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تُؤْمِنَ﴾ المستتر، التقدير: أن تؤمن إلا مأذونا لها، هذا؛ وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وعليه يكون ﴿لِنَفْسٍ﴾ متعلقين ب ﴿كانَ،﴾ و (إذن) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَجْعَلُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الرِّجْسَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة:

стр. 2483

﴿وَيَجْعَلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فيأذن لبعضهم في الإيمان، ويجعل والمضارع في المعطوف والمعطوف عليه بمعنى الماضي، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿قُلِ﴾: خطاب للنبي ﷺ . ﴿اُنْظُرُوا ماذا..﴾. إلخ: هذا أمر لكفار مكة؛ لينظروا نظر اعتبار وتدبر وتفكر في الذي خلقه الله في السموات والأرض من آيات تدل على قدرة الصانع الحكيم، من شمس وقمر، وجبال وأشجار، وأنهار وبحار، فكل ذلك آيات دالة على وحدانيته تعالى، كما قال الشاعر: [المتقارب] وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ..﴾. إلخ: أي: لا تنفع الآيات، ولا تجدي الرسل قوما سبق في علم الله الأزلي: أنهم لا يؤمنون بالله، حيث قدر الله عليهم الشقاء الأبدي في نار الجحيم، ولو تركهم وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر المؤدي إلى النار، وبئس القرار. الإعراب: ﴿قُلِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اُنْظُرُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماذا﴾: ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿ماذا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل ﴿اُنْظُرُوا﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، هذا؛ وقيل: إن ﴿ماذا﴾ كله اسم مركب، وهو موصول في محل نصب مفعول به، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صلته، والأول أقوى؛ لأن اسم الاستفهام له الصدارة، فلا يعمل فيه ما قبله بمفرده، وجملة: ﴿اُنْظُرُوا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿تُغْنِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْآياتُ﴾: فاعله. ﴿وَالنُّذُرُ﴾: معطوف على ﴿الْآياتُ﴾. ﴿عَنْ قَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ المنفية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما تُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، وانظر الآية رقم [٩٢] أو هي معترضة في آخر الكلام لا محل لها، هذا؛ وجوز اعتبار (ما) اسم استفهام مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى. تأمل، وتدبر.

стр. 2484

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ما ينتظر أهل مكة إلا مثل ما فعل الله بالأمم السابقة قبلهم من العذاب، والانتقام، والمراد بأيام الذين خلوا من قبلهم: وقائع الله في قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم؛ إذ العرب تسمي العذاب: أياما، والنعم: أياما، كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ ففيه تهديد، ووعيد لهم؛ إذا لم يؤمنوا. ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي..﴾. إلخ: أي: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين: ترقبوا هلاكي، أو ترقبوا نزول العذاب بكم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: إني أترقب هلاككم، ونزول العذاب بكم، ثم بين جلت قدرته وتعالت حكمته أنه إذا نزل بهم العذاب أنجى الله رسوله والمؤمنين معه من ذلك العذاب، وانظر الآية رقم [٢٠] وانظر شرح (اليوم) في الآية رقم [٣] من سورة (هود). الإعراب: ﴿فَهَلْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْتَظِرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مِثْلَ﴾: مفعول به، و ﴿مِثْلَ﴾: مضاف، و ﴿أَيّامِ﴾: مضاف إليه، و ﴿أَيّامِ﴾: مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿خَلَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها إعرابا، ومرتبطة بما قبلها معنى. ﴿قُلْ﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات ومحلها في الآية رقم [٢٠] وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بعد إهلاك الأمم المكذبة لرسلها ننجي الرسل، وأتباعهم المؤمنين، وتلك من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أنجينا الرسل والمؤمنين، والكلام على حكاية الحال الماضية. ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كما أنجينا رسلنا السابقين وأتباعهم ننجيك يا محمد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ﴾ وصدقوك من الهلاك والعذاب، هذا؛ وقرئ: «(ننجي)» الأول بالتشديد، وأما الثاني فيقرأ بالتشديد والتخفيف.

стр. 2485

تنبيه: قال بعض المتكلمين: المراد بقوله ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ الوجوب؛ لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب واجب، وأجيب عن هذا بأنه حق واجب من حيث الوعد والحكم؛ لا لأنه واجب بسبب الاستحقاق؛ لأنه قد ثبت: أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿نُنَجِّي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿رُسُلَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول معطوف على ﴿رُسُلَنا﴾ فهو مبني على الفتح في محل نصب، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف لا محل لها صلة الموصول. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: ننجي المؤمنين إنجاء كائنا مثل ذلك الإنجاء؛ الذي نجينا الرسل، ومن آمن معهم، هذا؛ وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر، أو الحال كذلك أفاده ابن عطية وأبو البقاء، والأول أولى وأقوى. ﴿حَقًّا﴾: فيه أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا بفعل مقدر، أي: حق ذلك حقا. والثاني: أن يكون بدلا من المحذوف النائب عنه الكاف، تقديره: الحاصل ذلك حقا. والثالث أن يكون ﴿كَذلِكَ﴾ و ﴿حَقًّا﴾ منصوبين ب ﴿نُنْجِ﴾ الذي بعدهما. والرابع: أن يكون ﴿كَذلِكَ﴾ منصوبا ب ﴿نُنَجِّي﴾ الأول، و ﴿حَقًّا﴾ ب (ننج) الثاني، وقال الزمخشري: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين، و ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعتراض، يعني: وحق ذلك علينا حقا. انتهى. جمل. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان ب ﴿حَقًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وإعراب: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا خفاء فيه، والجملة الفعلية مع متعلقاتها مستأنفة لا محل لها، والوقف على «آمنوا» جيد. ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: المراد بالناس: أهل مكة، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم، فشكوا في أمرك، ولم يصدقوك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ أي: الذي أدعوكم إليه، وهو التوحيد وعبادة الله، ونبذ عبادة الأصنام، فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه؛ لأنه دين إبراهيم ﵇، وأنتم من ذريته. ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: إن أصررتم على ما أنتم عليه من الكفر؛ فأنا بريء منكم، ومن معبوداتكم التي تعبدونها من دون الله. ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾: فهذا خلاصة ديني اعتقادا، وعملا، فأعرضوها على العقل السليم، وانظروا فيها بعين الإنصاف والحق؛ لتعلموا صحتها. وإنما ذكر (التوفي) للتهديد

стр. 2486

والوعيد، وهو يتضمن أيضا الخلق والإيجاد، والموت والإفناء، ثم الإحياء بعد الموت للحساب، وما يتبعه. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدقين، بما دل عليه العقل ونطق به الوحي، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٧٢]. ﴿وَأُمِرْتُ﴾: هذا الفعل يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: (استغفر)، و (اختار)، و (كنى)، و (سمّى)، و (دعا)، و (صدق)، و (زوج)، و (كال)، و (وزن)، وانظر (استغفر) في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة). وقد تحذف الهمزة من أوله في الأمر، انظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿دِينِي﴾: الدين: اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، والدين أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ والدين الحساب والجزاء، ومنه: يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس-﵄، قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ألا له الخلق والأمر، هذا؛ والدين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ﴾: بدل من (أي)، أو عطف بيان عليها، وقيل: صفة لها، وهو منصوب محلا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وانظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مِنْ دِينِي﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿أَعْبُدُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول،

стр. 2487

و ﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ..﴾.: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَلا أَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿أَعْبُدُ اللهَ﴾: مضارع، وفاعله مستتر ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب الشرط، فهي في محل جزم مثله. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٢] فهي مثلها بلا فارق، إفرادا وجملا. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أي: وأمرت بالاستقامة في الدين، والاشتداد فيه بامتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قل في تفسير هذه الجملة مثل ما في الآية رقم [٩٥/ ٩٤]. الإعراب: ﴿وَأَنْ﴾: (أن): حرف مصدري، ويؤول مع فعل الأمر: ﴿أَقِمْ﴾ بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجار والمجرور معطوفان على المصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَكُونَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، والمجرور محلا بحرف جر محذوف على أحد الاعتبارين فيهما، ولا يضر اختلاف الفعلين بالمضارعية، والأمرية؛ لاستيفاء الغرض بالفعلين المسبوقين مع (أن). ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَنِيفاً﴾: حال من الدين، أو من الفاعل، أو من المفعول ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٩٥] وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿أَقِمْ..﴾. إلخ فهي خاضعة لتأويلها مع (أن) بمصدر مثلها. هذا؛ وقد قدر الجلال الكلام «وقيل لي: أن أقم...» إلخ وهذا يعني: أنه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، لا أنه معطوف على الكلام السابق، وفي السمين ما نصه: قوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ يجوز أن يكون على إضمار فعل، أي: وأوحي إلي أن أقم، ثم لك في (أن) وجهان: أحدهما: أن تكون تفسيرية لتلك الجملة المقدرة، وفيه نظر؛ إذ المفسر لا يجوز حذفه، والثاني: أن تكون مصدرية، فتكون هي وما في حيزها في محل رفع بذلك الفعل المقدر. انتهى. جمل.

стр. 2488

﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾: ولا تعبد من دون الله شيئا. ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾: إن عبدته ودعوته. ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن عصيته، وتركت عبادته. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ أي: ما نهيتك عنه، فعبدت غيري، أو طلبت النفع، ودفع الضر من غيري. ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لنفسك؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها، انظر: البغي في الآية رقم [٢٣] وقل في هذه الآية ما رأيته في الآية رقم [٩٥/ ٩٤] من الفرض، والتقدير. الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَدْعُ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُكَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَلا تَدْعُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَقِمْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿فَعَلْتَ﴾: إعرابه مثل كنتم في الآية السابقة إفرادا وجملة. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها: ﴿إِذاً﴾: حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ الشرح: ﴿يَمْسَسْكَ﴾: يصبك، وانظر (لمس) و (مس) في الآية رقم [٧] من سورة (الأنعام). ﴿بِضُرٍّ﴾: مرض وفقر ونحوهما. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾: فلا يقدر على كشفه إلا الله تعالى. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: صحة، وغنى، ونحوهما. ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا مانع، ولا دافع لما يريده من الخير لك، ولغيرك. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالخير، وبالضر أيضا، وأفرد الضمير اكتفاء برجوعه إلى الخير، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (التوبة) ﴿يَشاءُ﴾: إصابته بالخير، أو بالشر. ﴿الْغَفُورُ﴾: لذنوب عباده وخطاياهم، فهو صيغة مبالغة. ﴿الرَّحِيمُ﴾: بأوليائه في الدنيا والآخرة، فتعرضوا لرحمته وفضله بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية، وانظر إعلال: ﴿يُصِيبُ﴾ في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة).

стр. 2489

تنبيه: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير، لا استحقاق لهم عليه، ولم يستثن؛ لأن مراد الله لا يمكن رده. انتهى. وقوله: لم يستثن، أي: مع الإرادة كما استثنى مع المس؛ لأن إرادة الله قديمة، بخلاف مس الضر، فإنه صفة فعل. الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكَ﴾: فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿بِضُرٍّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَمْسَسْكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس، تعمل عمل إن. ﴿كاشِفَ﴾: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اللهُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا). ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿هُوَ﴾: انظر مثله في الآية رقم [٩٠] والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. وإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿يُصِيبُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يشاء إصابته. ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُصِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ فلست مفندا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تحتمل الحالية من فاعل: ﴿يُصِيبُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وتحتمل الاستئناف، والاعتراض في آخر الكلام لا محل لها على الوجهين الأخيرين. ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٤]. ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: المراد به: النبي محمد ﷺ ، أو الإسلام، أو القرآن. ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أي: صدق محمد ﷺ ، واهتدى بهديه، وسار على نهجه. ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: لخلاص نفسه من العذاب الأبدي. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: أعرض عن الحق المذكور، واتبع الأصنام والأوثان. ﴿فَإِنَّما﴾

стр. 2490

يَضِلُّ عَلَيْها أي: فإن وبال ضلاله يرجع على نفسه بالوبال، والخزي، والنكال. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ أحفظ أعمالكم، وليس أمركم موكولا إلي، وإنما أنا رسول بشير ونذير، وانظر مثلها في سورة (هود) رقم [٨٥]. قال ابن عباس-﵄: هذه الآية منسوخة بآية السيف. الإعراب: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٤]. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الناس، والعامل: (يا) لما فيها من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَمَنِ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى﴾: ماض مبني على الفتح المقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿فَإِنَّما﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنما: كافة ومكفوفة. ﴿يَهْتَدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: (إنما...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ صلته، وجملة: (إنما...) إلخ خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها وهي معطوفة عليها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم: (ما). ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِوَكِيلٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، والأول أقوى. ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ أي: اتبع يا محمد ما يأتيك من تعاليم بواسطة جبريل ﵇. ﴿وَاصْبِرْ﴾ أي: على أذى قومك، وتحمل أذيتهم. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي: بالنصر
следующие страницы →