Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
والوعيد، وهو يتضمن أيضا الخلق والإيجاد، والموت والإفناء، ثم الإحياء بعد الموت للحساب، وما يتبعه. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدقين، بما دل عليه العقل ونطق به الوحي، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٧٢].
﴿وَأُمِرْتُ﴾: هذا الفعل يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: (استغفر)، و (اختار)، و (كنى)، و (سمّى)، و (دعا)، و (صدق)، و (زوج)، و (كال)، و (وزن)، وانظر (استغفر) في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة). وقد تحذف الهمزة من أوله في الأمر، انظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿دِينِي﴾: الدين: اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، والدين أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ والدين الحساب والجزاء، ومنه: يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس-﵄، قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ألا له الخلق والأمر، هذا؛ والدين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ﴾: بدل من (أي)، أو عطف بيان عليها، وقيل: صفة لها، وهو منصوب محلا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وانظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مِنْ دِينِي﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿أَعْبُدُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول،
стр. 2487
و ﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ..﴾.: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَلا أَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف.
(لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿أَعْبُدُ اللهَ﴾: مضارع، وفاعله مستتر ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب الشرط، فهي في محل جزم مثله. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٢] فهي مثلها بلا فارق، إفرادا وجملا.
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أي: وأمرت بالاستقامة في الدين، والاشتداد فيه بامتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قل في تفسير هذه الجملة مثل ما في الآية رقم [٩٥/ ٩٤].
الإعراب: ﴿وَأَنْ﴾: (أن): حرف مصدري، ويؤول مع فعل الأمر: ﴿أَقِمْ﴾ بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجار والمجرور معطوفان على المصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَكُونَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، والمجرور محلا بحرف جر محذوف على أحد الاعتبارين فيهما، ولا يضر اختلاف الفعلين بالمضارعية، والأمرية؛ لاستيفاء الغرض بالفعلين المسبوقين مع (أن). ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَنِيفاً﴾: حال من الدين، أو من الفاعل، أو من المفعول ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٩٥] وهذه الجملة معطوفة على جملة:
﴿أَقِمْ..﴾. إلخ فهي خاضعة لتأويلها مع (أن) بمصدر مثلها.
هذا؛ وقد قدر الجلال الكلام «وقيل لي: أن أقم...» إلخ وهذا يعني: أنه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، لا أنه معطوف على الكلام السابق، وفي السمين ما نصه:
قوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ يجوز أن يكون على إضمار فعل، أي: وأوحي إلي أن أقم، ثم لك في (أن) وجهان: أحدهما: أن تكون تفسيرية لتلك الجملة المقدرة، وفيه نظر؛ إذ المفسر لا يجوز حذفه، والثاني: أن تكون مصدرية، فتكون هي وما في حيزها في محل رفع بذلك الفعل المقدر. انتهى. جمل.
стр. 2488
﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾: ولا تعبد من دون الله شيئا. ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾: إن عبدته ودعوته. ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن عصيته، وتركت عبادته. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ أي: ما نهيتك عنه، فعبدت غيري، أو طلبت النفع، ودفع الضر من غيري. ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لنفسك؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها، انظر: البغي في الآية رقم [٢٣] وقل في هذه الآية ما رأيته في الآية رقم [٩٥/ ٩٤] من الفرض، والتقدير.
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَدْعُ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُكَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَلا تَدْعُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَقِمْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿فَعَلْتَ﴾: إعرابه مثل كنتم في الآية السابقة إفرادا وجملة. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها: ﴿إِذاً﴾: حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿يَمْسَسْكَ﴾: يصبك، وانظر (لمس) و (مس) في الآية رقم [٧] من سورة (الأنعام). ﴿بِضُرٍّ﴾: مرض وفقر ونحوهما. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾: فلا يقدر على كشفه إلا الله تعالى. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: صحة، وغنى، ونحوهما. ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا مانع، ولا دافع لما يريده من الخير لك، ولغيرك. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالخير، وبالضر أيضا، وأفرد الضمير اكتفاء برجوعه إلى الخير، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (التوبة) ﴿يَشاءُ﴾: إصابته بالخير، أو بالشر. ﴿الْغَفُورُ﴾: لذنوب عباده وخطاياهم، فهو صيغة مبالغة. ﴿الرَّحِيمُ﴾: بأوليائه في الدنيا والآخرة، فتعرضوا لرحمته وفضله بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية، وانظر إعلال: ﴿يُصِيبُ﴾ في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة).
стр. 2489
تنبيه: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير، لا استحقاق لهم عليه، ولم يستثن؛ لأن مراد الله لا يمكن رده. انتهى. وقوله: لم يستثن، أي: مع الإرادة كما استثنى مع المس؛ لأن إرادة الله قديمة، بخلاف مس الضر، فإنه صفة فعل.
الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكَ﴾: فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿بِضُرٍّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَمْسَسْكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس، تعمل عمل إن.
﴿كاشِفَ﴾: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اللهُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا). ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿هُوَ﴾: انظر مثله في الآية رقم [٩٠] والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
وإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿يُصِيبُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يشاء إصابته.
﴿مِنْ عِبادِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُصِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ فلست مفندا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تحتمل الحالية من فاعل: ﴿يُصِيبُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وتحتمل الاستئناف، والاعتراض في آخر الكلام لا محل لها على الوجهين الأخيرين.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٤]. ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: المراد به: النبي محمد ﷺ ، أو الإسلام، أو القرآن. ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أي: صدق محمد ﷺ ، واهتدى بهديه، وسار على نهجه. ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: لخلاص نفسه من العذاب الأبدي. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: أعرض عن الحق المذكور، واتبع الأصنام والأوثان. ﴿فَإِنَّما﴾
стр. 2490
يَضِلُّ عَلَيْها أي: فإن وبال ضلاله يرجع على نفسه بالوبال، والخزي، والنكال. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ أحفظ أعمالكم، وليس أمركم موكولا إلي، وإنما أنا رسول بشير ونذير، وانظر مثلها في سورة (هود) رقم [٨٥].
قال ابن عباس-﵄: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
الإعراب: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٤]. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الناس، والعامل: (يا) لما فيها من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَمَنِ﴾:
الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿اِهْتَدى﴾: ماض مبني على الفتح المقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿فَإِنَّما﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنما: كافة ومكفوفة. ﴿يَهْتَدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: (إنما...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ صلته، وجملة: (إنما...) إلخ خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها وهي معطوفة عليها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس.
﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم: (ما). ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِوَكِيلٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:
﴿وَما أَنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، والأول أقوى.
﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ أي: اتبع يا محمد ما يأتيك من تعاليم بواسطة جبريل ﵇. ﴿وَاصْبِرْ﴾ أي: على أذى قومك، وتحمل أذيتهم. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي: بالنصر
стр. 2491
عليهم، وإظهار دينك. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾: لأنه جلت حكمته، وعلت كلمته لا يحكم إلا بالحق، ولا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر.
تنبيه: قيل: الآية منسوخة بآية القتال، وقيل: ليست منسوخة، ومعنى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ أي: على الطاعة، وعن المعصية، وقال ابن عباس-﵁: لما نزلت الآية جمع النبي ﷺ الأنصار، ولم يجمع معهم غيرهم، فقال: «إنّكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض». وعن أنس بن مالك-﵁-بمثل ذلك، ثم قال أنس: فلم يصبروا، فأمرهم بالصبر، كما أمره الله تعالى، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان-﵄: [الوافر]
ألا أبلغ معاوية بن حرب... أمير المؤمنين نثا كلامي
بأنّا صابرون ومنظروكم... إلى يوم التّغابن والخصام
الإعراب: ﴿وَاتَّبِعْ﴾: (اتبع): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره:
«هو» يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها، وجملة (اتبع...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: (اصبر) مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة، وهي بمعنى: إلى أن. ﴿يَحْكُمَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» المضمرة. ﴿اللهُ﴾: فاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (اصبر)، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.
انتهت سورة (يونس) بعون الله وتوفيقه.
والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
стр. 2492
سورة هود
على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام
هي مكية في قول ابن عباس-﵄، وبه قال الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وابن زيد، وقتادة-﵃ أجمعين-إلا آية رقم [١١٥] وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ..﴾. إلخ وقيل غير ذلك.
وهي مائة وثلاث وعشرون آية، وألف وستمائة كلمة، وتسعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفا. وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله قد شبت، قال: «شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون؟ وإذا الشّمس كوّرت». أخرجه الترمذي، وقال:
«حديث حسن غريب» وفي رواية غيره: قال: قلت: يا رسول الله عجّل إليك الشّيب، قال:
«شيّبتني هود، وأخواتها: الحاقّة، والواقعة وعمّ يتساءلون؟ وهل أتاك حديث الغاشية».
قال بعض العلماء: سبب شيبه ﷺ من هذه السور المذكورة في الحديث؛ لما فيها من ذكر القيامة والبعث، والحساب، والجنة والنار، والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ انتهى. خازن. وانظر شرح الاستعاذة والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
تنبيه: قال أبو جعفر النحاس: يقال: هذه هود بغير تنوين على أنه اسم للسورة؛ لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف، وهذا قول الخليل وسيبويه، وعيسى بن عمر يقول: هذه هود بالتنوين على أنه اسم للسورة، وكذا إن سمي امرأة بزيد؛ لأنه لما سكن وسطه خفف فصرف، فإن أردت الحذف، أي: حذف لفظ السورة صرفت على قول الجميع، فقلت: هذه هود، وأنت تريد سورة (هود)، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-والدليل على هذا أنك تقول: هذه الرحمن، فلولا أنك تريد هذه سورة الرحمن، ما قلت: هذه، يعني تأنيث اسم الإشارة. انتهى. قرطبي بتصرف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾
الشرح: ﴿الر﴾: انظر شرح هذه اللفظ في أول سورة (يونس). ﴿كِتابٌ﴾: المراد به القرآن الكريم. ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾: نظمت نظما محكما لا يعتريه اختلال من جهة اللفظ والمعنى. أو
стр. 2493
منعت من الفساد، والنسخ لم ينسخها كتاب، كما نسخت هي الكتب، والشرائع القديمة، أو أحكمت بالحجج، والدلائل. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بالفرائد من العقائد، والأحكام، والمواعظ والإخبار عن المغيبات، والقصص. ﴿مِنْ لَدُنْ﴾: من عند. ﴿حَكِيمٍ﴾ أي: محكم للأمور.
﴿خَبِيرٍ﴾: بكل كائن، وغير كائن.
تنبيه: فقد عم سبحانه الآيات هنا بالإحكام، وخص بعضها في قوله ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ الآية رقم [٧] من سورة (آل عمران)، والمراد هنا: الإحكام العام بحيث لا يتطرق إلى آياته التناقض والفساد، والمراد بالخاص: أن بعض آياته منسوخة بآيات منه أيضا لم ينسخها غيره، وذكر سبحانه في الآية رقم [٧] -من سورة (آل عمران) -أن منه آيات متشابهات، والمراد بها الحروف المقطعة في أوائل السور، ومنه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥)﴾ و ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ وغير ذلك، وانظر ما ذكرته في الآية المذكورة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ و (كتاب) في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض ويجمعه ويرتبه، وفي الاصطلاح:
اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول، ومسائل غالبا، والآيات جمع: آية، وهي تطلق على معان كثيرة الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ،﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في «مغني اللبيب» وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و (لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، هذا؛ و (ثمّ) هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.
من لدن: بمعنى من عند، وفيها إحدى عشرة لغة. أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان أو مكان، وقلما يفارقها (من) الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا (حيث)، ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحض (لدن) في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده ولا لدك.
الإعراب: ﴿الر﴾: انظر إعراب هذا اللفظ في الآية رقم [١] -من سورة (يونس) - ﴿كِتابٌ﴾:
خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذا كتاب، أو هو خبر المبتدأ: ﴿الر﴾ على بعض الوجوه
стр. 2494
المعتبرة فيه هناك. ﴿أُحْكِمَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿آياتُهُ﴾: نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿فُصِّلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى آياته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مِنْ﴾: حرف جر. ﴿لَدُنْ﴾: اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿كِتابٌ،﴾ أو بمحذوف خبر ثان للمبتدإ المحذوف، أو هما متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع. انتهى. جمل. نقلا عن السمين.
-أقول: ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من كتاب بعد وصفه بما تقدم، أو بمحذوف حال من نائب فاعل أحد الفعلين السابقين، و ﴿لَدُنْ﴾: مضاف، و ﴿حَكِيمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿خَبِيرٍ﴾: بدل من ﴿حَكِيمٍ،﴾ ولا يجوز اعتباره صفة له؛ لأنه اسم من أسماء الله الحسنى.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾
الشرح: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أي: أحكمت آيات القرآن، وفصلت؛ لتعبدوا الله، ولا تضلوا بعبادة غيره. ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إنني لكم مرسل من الله. ﴿نَذِيرٌ﴾:
أنذركم وأخوفكم عقاب الله إن ثبتم على الكفر، ولم ترجعوا عنه. ﴿وَبَشِيرٌ﴾: أبشركم بالثواب الجزيل والخير العميم؛ إن أطعتم الله، وامتثلتم أوامره، واهتديتم بهدي رسوله، وأخذتم بتعاليم كتابه. هذا؛ وانظر العبادة في الآية رقم [١١٣] -من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب واستقبال. (لا): نافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَلاّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، قال الكسائي والفراء: بأن (لا...) إلخ، أي: بعدم، وقال الزجاج: التقدير: لئلا.. إلخ، والجار والمجرور على الاعتبارين متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع، هذا؛ وجوز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و (لا) ناهية جازمة للفعل بعدها، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، وتؤول مع اسمها المحذوف وخبرها المذكور بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف على نحو ما رأيت آنفا، هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول على الوجهين في (أن) أن يكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو أن لا تعبدوا.. إلخ، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: في الكتاب أن لا تعبدوا، كما جوز اعتباره بدلا من آياته، وأقول: جوز اعتبار (أن) مفسرة؛ لأن في
стр. 2495
تفصيل الآيات وإحكامها معنى القول، وعليه ف (لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، والجملة الفعلية مفسرة للإحكام والتفصيل لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره، وهو المعتبر عندي، والتفسير أظهر الأقوال عند السمين؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار. انتهى. جمل بتصرف كبير مني. ﴿إِنَّنِي﴾: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ مِنْهُ﴾: كلاهما جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَذِيرٌ﴾ أو ب (بشير)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر (إن). ﴿وَبَشِيرٌ﴾: معطوف عليه، وقدم الإنذار لأن التخويف أهم؛ إذ يحصل به الانزجار، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. والقول ومقوله كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾
الشرح: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: لقد اختلف في بيان الفرق بين الاستغفار والتوبة، فقيل: معناه اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم ارجعوا إليه؛ لأن الاستغفار: هو طلب الغفر، وهو الستر، والتوبة: الرجوع عما كان فيه من شرك ومعصية إلى خلاف ذلك، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة، وقيل: معناه: استغفروا ربكم لسالف ذنوبكم، ثم توبوا إليه في المستقبل، وقيل: اطلبوا مغفرة الله بالإيمان. ﴿ثُمَّ﴾ توسلوا إليه بالتوبة، وأيضا التبرؤ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله والرغبة فيما عنده، وقال الفرّاء: ثم هنا بمعنى الواو؛ لأن الاستغفار، والتوبة بمعنى واحد، فذكرهما للتأكيد، انتهى. خازن. وقد ذكرت لك شروط التوبة النصوح في الآية رقم [١٧] -من سورة (النساء) -. ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً﴾: قال القرطبي: هذه ثمرة الاستغفار، والتوبة؛ أي: يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب، كما فعل بمن أهلك قبلكم. انتهى. وانظر الآية رقم [٧٠] -من سورة (يونس)، لشرح المتاع، وانظر الآية رقم [٥٢] -الآتية. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى الموت ووقت انقضاء آجالكم، وانظر إعلال (هدى) في الآية رقم [٩١] -من سورة (الأنعام) -فهو مثله. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: ويعط كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره، وثوابه في الآخرة.
قال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا؛ زادته حسناته درجات في الآخرة؛ لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال. انتهى. وعليه فالمراد بقوله: ﴿فَضْلَهُ﴾ عفوه، وغفرانه، وجنته. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: يحتمل أن يكونوا ماضيا بمعنى: أعرضوا، وأن يكون مضارعا حذف منه إحدى التاءين، بمعنى: تعرضوا، هذا؛ والإعراض، والتولي، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم،
стр. 2496
ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات، والطاعات اتساعا، ومجازا. ﴿فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ عذاب يوم القيامة، وهو يوم الأهوال والشدائد.
بعد هذا انظر (استغفر) و (أمر) في الآية رقم [١٠٦] سورة (التوبة) وإعلال ﴿تَوَلَّوْا﴾ كما يلي، أصله: تولّيوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على اللام، ويقال في إعلاله أيضا: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (تولّاوا) فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على ذلك المحذوف، وقل مثل ذلك في إعلال كل فعل معتل الآخر بالألف أسند لواو الجماعة سواء أكان مضارعا أم ماضيا؟ مثل سعى، يسعى، ونحوه.
﴿رَبَّكُمْ﴾: المراد به هنا: خالقكم، ورازقكم، ومحييكم، ومميتكم.. إلخ، هذا؛ و (الرب) يطلق ويراد به: السيد والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ، وأيضا قوله: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي:
مالكها، ومتولي شئونها، كما يراد به: المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره ويجعل في الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة ونحو ذلك، والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵊-لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر.
﴿عَذابَ﴾: انظر الآية رقم [٣٩] من سورة (التوبة). ﴿يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: المراد به هنا يوم القيامة، وما فيه من الأهوال، والحساب، والجزاء.. إلخ، هذا؛ واليوم في الدنيا هو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر، إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل والنهار معا، كما رأيت في الآية رقم [٦٧] -من سورة (يونس) -وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيام، وأصله:
стр. 2497
أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه ونقمه، كما في الآية رقم [١٠٢] -من سورة (يونس) -ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.
الإعراب: ﴿وَأَنِ﴾: (أن): معطوفة على مثلها في الآية السابقة على جميع الاعتبارات فيها.
﴿اِسْتَغْفِرُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، وقل في (أن) والفعل ما رأيته في الآية السابقة. ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿تُوبُوا﴾: أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضم لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في قولك: (توبا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: (توبي) والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وفي سابقتها. ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تستغفروا وتتوبوا... يمتعكم، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿مَتاعاً﴾: مفعول مطلق. ﴿حَسَناً﴾: صفته. ﴿إِلى أَجَلٍ﴾: متعلقان بالفعل، أو بالمصدر الميمي. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَيُؤْتِ﴾: معطوف على يمتعكم مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ربكم تقديره: «هو». ﴿كُلَّ﴾: مفعول به أول، وهو مضاف، و ﴿ذِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾: مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾:
مضاف إليه. ﴿فَضْلَهُ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُؤْتِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَأَنِ﴾: الواو: حرف استئناف (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل جزم فعل الشرط، وإن كان مضارعا فهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنِّي﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ﴾:
стр. 2498
متعلقان ب ﴿أَخافُ﴾. ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿كَبِيرٍ﴾:
صفة: ﴿يَوْمٍ﴾ كذا قيل، والصواب: أنه صفة: ﴿عَذابَ،﴾ فهو منصوب، وجر على الجوار، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار قبله، وانظر الجر على الجوار في الآية رقم [٧] -من سورة (المائدة) -وجملة:
﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي أَخافُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة، فيثيب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فهو يعذب الكافرين أشد العذاب.
هذا؛ و (شيء) في اللغة عبارة عن كل شيء موجود، إما حسّا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو: قلت شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إن وزنه: شياء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزان: لفعاء، كما قلبوا أدؤر، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع أشياء: أشايا.
الإعراب: ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والكاف: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَهُوَ﴾: الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾
الشرح: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي: يطوون صدورهم على عداوة الرسول ﷺ والمسلمين، ويقرأ: ﴿يَثْنُونَ﴾ بقراءات متعددة، وقال ابن عباس-﵄: يخفون ما في صدورهم من الشحناء، والعداوة، ويظهرون خلافه، والضمير في:
стр. 2499
﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى الله، أو إلى الرسول ﷺ . ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أي: يغطون رءوسهم بثيابهم، ظنّا منهم بأن الله لا يراهم. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي: لا يخفى على الله شيء من أمرهم، سواء أسروه، أم جهروا به. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بأسرار ذات الصدور، أو بالقلوب وأحوالها، وانظر ﴿بِذاتِ﴾ في الآية رقم [١] -من سورة (الأنفال).
تنبيه: قال ابن عباس-﵄: نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، وكان يلقى رسول الله ﷺ بما يحب، وينطوي بقلبه على ما يكره. انتهى.
وانظر ما ذكرته في الأخنس في الآية رقم [٢٠٤] من سورة (البقرة)، وقيل: نزلت في المنافقين، وهو بعيد؛ لأن السورة مكية كما رأيت، والمنافقون كانوا في المدينة، وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته، ويرخى ستره، ويحني ظهره، ويتغشى بثوبه، ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. انتهى. خازن بتصرف.
الإعراب: ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.
﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَثْنُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.
﴿صُدُورَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَثْنُونَ﴾ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها. ﴿لِيَسْتَخْفُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بالفعل ﴿يَثْنُونَ﴾. ﴿أَلا﴾: مثل سابقتها. ﴿حِينَ﴾: ظرف زمان منصوب متعلق بفعل محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: ألا يستخفون حين، أو هو متعلق بالفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ بعده، ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ثِيابَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿يَسْتَغْشُونَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع بمعنى يعرف. ﴿ما﴾:
تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير:
يعلم الذي أو شيئا يسرونه، وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سرهم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. وإعراب: ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ مثل سابقه.
﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل اسمها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها. ﴿بِذاتِ﴾:
متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ؛﴾ لأنه مبالغة اسم الفاعل لذا فاعله مستتر فيه، و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 2500
﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾: الدابة: اسم لكل حيوان يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، ووحش، وهوام، وغير ذلك؛ فلذا يطلق لفظ «دابة» على الذكر والأنثى مما ذكر، وفي العرف يطلق لفظ الدابة على ذوات الأربع من الحيوان، وانظر الآية [٥٦] الآتية.
﴿إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾: غذاؤها، ومعاشها؛ لتكفله إياها تفضلا ورحمة، فهو إلى مشيئته إن شاء رزق، وإن شاء لم يرزق. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها﴾: أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام، أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل، وقيل: مستقرها في الجنة، أو في النار، ومستودعها في القبر، يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار:
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ و ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً،﴾ ﴿كُلٌّ﴾: كل واحد من الدواب وأحوالها.
﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مذكور في اللوح المحفوظ.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وكأنه أريد بالآية بيان كونه عالما بالمعلومات كلها، وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها، تقريرا للتوحيد، وبيانا لما سبق من الوعد والوعيد.
بعد هذا ﴿مُبِينٍ﴾: اسم فاعل من أبان الرباعي، أصله مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي بائن أصله باين، وإعلاله مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [١٢] -من سورة (يونس) -وهذا؛ و ﴿وَيَعْلَمُ﴾ بمعنى يعرف، وانظر الآية رقم [٦١] - من سورة (الأنفال)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ﴾:
مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة دابة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقُها﴾: مبتدأ مؤخر، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَيَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وقل مثله في الذي بعده. ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ: معطوفة على جملة: ﴿عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ فهي في محل رفع
стр. 2501
مثلها. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ والمضاف إليه محذوف، انظر الشرح. ﴿فِي كِتابٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة كتاب، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾: انظر الآية رقم [٥٤] -من سورة (الأعراف) -ففيها الكفاية لذوي الدراية. ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ أي: قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن حائل بينهما، لا أنه كان موضوعا على سطح الماء، قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى، ثم خلق الريح، فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، وانظر شرح العرش في الآية رقم [٥٤] من سورة (الأعراف)، أو رقم [٢] من سورة (الرعد).
قال بعض العلماء: وفي خلق جميع الأشياء، وجعلها على الماء ما يدل على كمال القدرة؛ لان البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس على أرض صلبة لم يثبت، فكيف بهذا الخلق العظيم، وهو العرش والسموات والأرض على الماء، فهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى، وعن عبد الله بن عمرو-﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء». أخرجه مسلم.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: ليعاملكم معاملة المختبر لأحوالكم كيف تعملون، فإن ما خلقه الله في السموات والأرض أسباب، ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل، وأمارات تستدلون بها، وتستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثكم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له.
هذا؛ وقرئ: «(أنكم)» بفتح الهمزة على تضمين ﴿قُلْتَ﴾ معنى: ذكرت، أو أن يكون (أنّ) بمعنى (علّ)، أي: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾: علكم مبعوثون، بمعنى توقعوا بعثكم، ولا تبتوا بإنكاره؛ لعدّوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره. انتهى. بيضاوي.
-أقول: ومجيء «أن» بمعنى: «علّ» وارد في الكلام العربي، كقول بعض العرب: ائت السوق أنّك تشتري لنا شيئا، حكاه الخليل رحمه الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٩] -من سورة (الأنعام).
стр. 2502
فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن النبي ﷺ تلا: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً،﴾ قال:
«أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله».
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ أي: ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك: لتبعثن بعد الموت من قبوركم للحساب والجزاء؛ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: يعنون القرآن الكريم، أي: ما هو إلا كالسحر في الخديعة والبطلان، وقرئ: «(إلا ساحر)» يعنون الرسول ﷺ .
بعد هذا انظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١] -من سورة (يونس) - ﴿أَيّامٍ﴾:
انظر الآية رقم [٣] ﴿الْماءِ﴾: أصله: موه، بفتح الميم والواو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ماه) فلما اجتمعت الألف والهاء-وكلاهما خفي-قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره على مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار وديار، وقيمة وقيم، ومثله قولهم:
سوط وسياط، وحوض وحياض، وثوب وثياب، وثور وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. ﴿الْمَوْتِ﴾: هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح.
الإعراب: ﴿وَهُوَ﴾: الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَلَقَ﴾:
ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿السَّماواتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿فِي سِتَّةِ﴾:
متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ،﴾ و ﴿سِتَّةِ﴾: مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَكانَ﴾: ماض ناقص. ﴿عَرْشُهُ﴾: اسمه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْماءِ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به أول، ﴿أَيُّكُمْ﴾: اسم استفهام معلق للفعل قبله عن العمل، مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنُ﴾: خبره. ﴿عَمَلاً﴾: تمييز، والجملة الاسمية:
﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ في محل نصب مفعول به ثان، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾. الواو: حرف استئناف (لئن) اللام:
موطئة للقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قُلْتَ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل
стр. 2503
الشرط، والتاء فاعله. ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿مَبْعُوثُونَ﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ونائب فاعله مستتر فيه تقديره: «أنتم». ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان ب ﴿مَبْعُوثُونَ،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و ﴿الْمَوْتِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿كانَ﴾ حرف نفي بمعنى (ما).
﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.
﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿سِحْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ..﴾.: صفته، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: إلى مدة محدودة، هذا؛ والأمة:
الجماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾.
والأمة: الطريقة، والملة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ أي: أي شيء يمنع العذاب، ويحبسه عنا؟! وقالوا: هذا إما تكذيبا للعذاب لتأخره عنهم، أو استعجالا، واستهزاء. ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ أي: حين ينزل بهم العذاب لا يستطيع أحد أن يدفعه عنهم، وقد حق الله ذلك فيهم في غزوة بدر. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي: ونزل بهم وأحاط، وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا لوقوعه، ومبالغة في التهديد والوعيد. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي: العذاب الذي كانوا يستعجلونه، فوضع ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ موضع يستعجلون؛ لأن استعجالهم كان استهزاء.
стр. 2504
هذا؛ وقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»: وقوله تعالى: ﴿أَخَّرْنا،﴾ ﴿فَاكْتُبْنا،﴾ ﴿إِنّا،﴾ ﴿نَحْنُ،﴾ ﴿نَقْصٍ..﴾. إلخ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده. فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، مع أنه ليس له شريك ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى. أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الكافرون والملحدون، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم به العبد، فيقول: أخذنا وأعطينا... إلخ وليس معه أحد.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿ما﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْبِسُهُ﴾: مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (ما)، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة. ﴿أَلا﴾: انظر مثلها في الآية رقم [٥] ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿مَصْرُوفاً﴾ بعده، وفيه دليل على جواز تقديم خبر ﴿لَيْسَ﴾ عليها؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بصحة تقديم العامل.
﴿يَأْتِيهِمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الْعَذابَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لَيْسَ﴾:
ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿الْعَذابَ﴾ أيضا. ﴿مَصْرُوفاً﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾.
﴿عَنْهُمُ﴾: متعلقان ب ﴿مَصْرُوفاً،﴾ ونائب فاعله مستتر فيه تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الْعَذابَ،﴾ هذا؛ وأجيز تعليق: ﴿يَوْمَ﴾ بفعل محذوف دل عليه الكلام، أي: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، وليس بالقوي، والكلام ﴿أَلا يَوْمَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿وَحاقَ﴾: ماض. ﴿بِهِمْ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾: مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل (حاق)، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم، وجملة: ﴿وَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 2505
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أي: رخاء وسعة في الرزق والعيش، وصحة وعافية. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ﴾: سلبنا ذلك كله، وأصابته المصائب، فاجتاحته، وذهبت بنعمته.
﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ أي: يشتد حزنه ويقطع رجاءه، وأمله من رحمة الله، وذلك لقلة صبره، وعدم ثقته بالله.
هذا؛ وانظر ﴿فَذُوقُوهُ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال). ﴿الْإِنْسانَ﴾: انظر الآية رقم [١٢] من سورة (يونس). ﴿لَيَؤُسٌ﴾: انظر الآية رقم [٨٧] من سورة (يوسف). ﴿كَفُورٌ﴾:
جحود قنوط من رحمة الله، هذا؛ والكفر ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا. إذا جحدها وأنكرها، وكفر الشيء: غطاه، وستره، وسمي الكافر: كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁ في معلقته: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ﴾: انظر إعراب مثل هذا في الآية رقم [٧] ﴿مِنّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿رَحْمَةً،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٣] ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿نَزَعْناها﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ جواب القسم لا محل لها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧] فهو مثله.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ أي: أنعمنا على الإنسان، وبسطنا عليه في الرزق، وشفيناه من مرض وسقم. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أي: يقول الذي أصابه الخير، والسعة، والصحة، والعافية: ذهبت الشدائد، والمصائب، والعسر، والضيق، والسقم، والمرض عني، وإنما يقول الإنسان الكافر ذلك غرة بالله وجراءة عليه؛ لأنه لم يضف الأشياء والأحداث إلى الله، وإنما أضافها إلى العوائد، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: إنه أشر بطر، والفرح: لذة تحصل في القلب بنيل
стр. 2506
المراد والمشتهى، والفخر: هو التطاول على الناس بتعداد المناقب والمآثر، وذلك منهي عنه وانظر: (الفرح) في الآية رقم [٥٨] من سورة (يونس) وانظر (نا) في الآية رقم [٨].
هذا؛ والضراء ومثلها البأساء: الفقر الشديد، وعن الأزهري: البأساء في الأموال كالفقر، والضراء في الأنفس كالمرض ونحوه، والضراء لا تكون إلا ممدودة بخلاف البأساء، فإنها تقصر والنعماء تقصر، فيقال: النعمى بضم النون بوزن الرجعى-هذا؛ و (فرح) و (فخور) صيغتا مبالغة يستوي فيهما المذكر والمؤنث. ﴿مَسَّتْهُ﴾: أصابته.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ انظر إعراب مثل هذا في الآية رقم [٧] ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿نَعْماءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿ضَرّاءَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿مَسَّتْهُ﴾: ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ تقديره هي، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: انظر الآية رقم [٧] للإعراب ومحل الجملة. ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾:
فعل وفاعل، ولم يؤنث الفعل؛ لأن السيئات مؤنث مجازي، فيجوز التذكير، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَنِّي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفَرِحٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (فرح): خبر أول. ﴿فَخُورٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: على الضراء، إيمانا بالله تعالى، واستسلاما لقضائه. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها، وذلك شكر الله على آلائه: سابقها ولاحقها. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: وهو الجنة التي عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وقد وصفها بأجر كبير، لما احتوت عليه من النعيم الأبدي ودفع التكاليف فيها، والأمن من عذاب الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء، قال الفراء: متصل؛ لأنه استثناء من الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل المؤمن والكافر، وقال الأخفش: هو استثناء منقطع؛ إذ المراد بالإنسان شخص معين، هذا؛ وجوز اعتباره مبنيا على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿صَبَرُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن
стр. 2507
تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال اختصارا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة (عملوا) معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار ﴿الَّذِينَ﴾ منصوبا على الاستثناء، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهو منقطع بلا ريب. (أجر): معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿كَبِيرٌ﴾: صفته.
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾
الشرح: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: لعلك يا محمد تترك بعض ما يوحى إليك من ربك أن تبلغه إلى الناس. ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي:
ويضيق صدرك بما يوحى إليك، فلا تبلغهم إياه، وذلك أن كفار مكة قالوا: ائت بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا، فهمّ النبي ﷺ أن يترك ذكر آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله الآية الكريمة. وقيل:
إنهم لما قالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ همّ أن يدع سب آلهتهم، فنزلت الآية، ﴿أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: مال كثير من ذهب. يستغني به، وينفقه على أتباعه الفقراء، وعلى غيرهم يستجلب به القلوب كما يفعل الملوك، والعظماء. ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أي: من الملائكة يصدقه، ويشهد له، وقائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي، وإنك تجد ذلك مفصلا في سورة (الإسراء) و (الفرقان).
والمعنى: أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : إن كنت صادقا في قولك بأنك رسول الله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء، وأنت عزيز عنده مع أنك فقير؛ فهلا أنزل عليك ما تستغني به أنت وأصحابك، وهلا أنزل عليك ملكا من السماء يشهد لك بالرسالة والنبوة، فبين الله له: أنه نذير مقصور على الرسالة، وذلك بقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ مخوف تخوف بالعقاب، من عصى الله وخالف أوامره، وكذلك تبشر بالثواب من آمن بك، وامتثل أمر الله فيما أمر ونهى، وحذف (بشير) اكتفاء ب ﴿نَذِيرٌ،﴾ وكثيرا ما يذكر معه كما في الآية [٢] ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾:
حافظ يحفظ أعمالهم وأقوالهم، فيجازيهم عليها يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر. بعد هذا إعلال (ضائق) مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [١٢] من سورة (يونس) ﵇.
стр. 2508
الإعراب: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (لعلك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿تارِكٌ﴾: خبر (لعلّ)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَعْضَ﴾:
مفعول به ل ﴿تارِكٌ،﴾ و ﴿بَعْضَ﴾: مضاف، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿يُوحى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد أو الرابط. ﴿إِلَيْكَ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. (ضائق): معطوف على ﴿تارِكٌ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلقان ب (ضائق). ﴿صَدْرُكَ﴾: فاعل ب (ضائق)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿يَقُولُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ..﴾. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَنْزٌ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿جاءَ﴾: ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَلَكٌ﴾: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الكوفيين، وهناك حرف نفي محذوف، وتقدير الكلام: لئلا يقولوا وهو عند البصريين على حذف مضاف؛ إذ التقدير: مخافة، وكراهية قولهم: لولا... إلخ، فعلى الأول الجار والمجرور متعلقان ب (ضائق)، وعلى الثاني «مخافة» مفعول لأجله عامله (ضائق)، ومثل الآية الكريمة قول عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته، وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا
والجملة الاسمية: (لعلك...) إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة.
﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤]، وهي معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)﴾
الشرح: انظر شرح هذه الآية وإعرابها في الآية رقم [٣٨] من سورة (يونس)، فلا حاجة إلى المزيد على ما ذكرته هناك، وأذكر هنا ما قاله الخازن رحمه الله تعالى، فإن قلت: قد تحداهم بأن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك وعجزوا، فكيف قال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ ومن عجز عن سورة واحدة، فهو عن العشر أعجز؟! قلت: قال بعضهم: إن سورة
стр. 2509
(هود) نزلت قبل يونس، وإنه تحداهم أولا بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم بسورة (يونس)، وأنكر المبرد هذا القول، وقال: إن سورة (يونس) نزلت أولا. قال: ومعنى قوله في سورة (يونس): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ يعني مثله في الإخبار عن الغيب، والأحكام، والوعيد، وقوله في سورة (هود): ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ يعني في مجرد الفصاحة والبلاغة من غير خبر عن غيب، ولا ذكر حكم، ولا وعد ولا وعيد. انتهى. بحروفه.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾
الشرح: قال الخازن رحمه الله تعالى: اعلم أنه لما اشتملت الآية المتقدمة على أمرين وخطابين: أحدهما: أمر، وخطاب للنبي ﷺ ، وهو قوله : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ والثاني: أمر وخطاب للكفار، وهو قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ثم أتبعه بقوله ﵎: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لعجزهم عنها، واحتمل أن يكون المراد: أنّ من يدعون من دون الله لم يستجيبوا للكفار في المعارضة، فلهذا اختلف المفسرون في معنى الآية على قولين:
-أحدهما: أنه خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين؛ وذلك أن النبي ﷺ والمؤمنين معه كانوا يتحدون الكفار بالمعارضة ليتبين عجزهم، فلما عجزوا عن المعارضة، قال الله لنبيه والمؤمنين. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ فيما دعوتموهم إليه من المعارضة وعجزوا عنه؛ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ أي: اثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقينا وثباتا؛ لأنهم كانوا عالمين بأنه منزل من عند الله، وقيل: الخطاب للنبي ﷺ وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما له ﷺ .
-القول الثاني أن الكلام خطاب مع الكفار، وذلك أنه لما قال في الآية المتقدمة: ﴿وَادْعُوا..﴾. إلخ؛ قال في هذه الآية: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيها الكفار، ولم يعينوكم؛ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما..﴾. إلخ. انتهى. بتصرف.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: فيه معنى الأمر، أي: أسلموا، وأخلصوا لله العبادة، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فكان معنى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الترغيب، أي: اثبتوا، ودوموا على ما أنتم عليه من الإسلام. انتهى. هذا؛ وانظر ما ذكرته في التركيب: ﴿فَإِلَّمْ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف) عن مكي؛ فإنه جيد جدا.
الإعراب: ﴿فَإِلَّمْ﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة
стр. 2510
جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق، ﴿أَنَّما﴾: كافة ومكفوفة مفيدة للحصر، هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) عاملة غير مكفوفة، و (ما): تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿أُنْزِلَ﴾ مع نائب فاعله المستتر صلتها، والعائد: رجوع نائب الفاعل إليها، وعلى الثاني تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب اسم (أنّ). ﴿بِعِلْمِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من نائب فاعل ﴿أُنْزِلَ﴾ على اعتبار ﴿أَنَّما﴾ كافة ومكفوفة، واعتبار نائب الفاعل عائدا إلى ﴿ما يُوحى إِلَيْكَ،﴾ ومتعلقان بمحذوف خبر أن على اعتبارها عاملة، و (علم) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكلام ﴿أَنَّما..﴾. إلخ على جميع الاعتبارات في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، والجملة الفعلية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والكلام ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ معطوف ومفرع عما قبله لا محل له. (أن): مخففة من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) وهي في محل رفع خبر (أن)، و (أن) المخففة، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على ما قبله.
﴿فَهَلْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، والجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾
الشرح: لقد اختلف العلماء في تفسير هذه الآية، فقيل: نزلت في الكفار. قاله الحسن، والضحاك، وروي عن أنس بن مالك، ﵁، بدليل الآية التالية، أي: من أتى منهم بصلة رحم، أو صدقة، أو بإغاثة ملهوف، وحسن جوار، أو نحو ذلك من أعمال البر، فيعجّل الله له ثواب عمله في الدنيا، يوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقر عينه فيما خوله، ويدفع عنه المكاره، لكن لا حسنة له في الآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك.
وقيل: نزلت الآية الكريمة في المسلمين الذين يراءون بأعمالهم، فمن أراد بعمله ثواب الدنيا؛ عجل له الثواب، ولم ينقص منه شيء في الدنيا، وله في الآخرة العذاب؛ لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا لا ينطبق إلا على المنافقين المرائين، فعن الفاروق عمر ﵁، قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته
стр. 2511
إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة مسطورة.
-وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، سواء أكان معه أصل إيمان، أم لم يكن، قاله مجاهد وميمون بن مهران، وقال ميمون: ليس أحد يعمل حسنة إلا وفّي ثوابها، فإن كان مسلما مخلصا وفّي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وفّي في الدّنيا، ثم هل لا بد من تنفيذ هذا الوعد، أو هو مقيد بمشيئة الله تعالى؟ فالآية هنا أطلقت، كما في الآية رقم [٢٠] من سورة (الشورى)، وآية الإسراء رقم [١٨] قيدته بالمشيئة.
قال القرطبي-﵀: والصحيح أنه من باب الإطلاق والتقييد، ومثله قوله تعالى:
﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك، لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾. انتهى.
والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
﴿نُوَفِّ﴾: يقرأ بالنون وبالياء مع الجزم، وبالتاء بالبناء للمجهول، ورفع ﴿أَعْمالَهُمْ،﴾ ويقرأ (نوفّي) بالتخفيف والرفع؛ لأن الشرط ماض، قال زهير بن أبي سلمى، وهو الشاهد (٧٨٧) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي، ولا حرم
﴿وَهُمْ فِيها﴾: في الدنيا. ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾: لا ينقصون من أجورهم شيئا، هذا؛ وقد راعى لفظ ﴿مَنْ﴾ في الأول، ومعناها في الآخر.
الإعراب: ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿الْحَياةَ﴾: مفعول به. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة:
﴿الْحَياةَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وقيل: ﴿الْحَياةَ﴾: مضاف، و ﴿الدُّنْيا﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ والأول أقوى. (زينتها): معطوف على ﴿الْحَياةَ،﴾ و (ها) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿نُوَفِّ﴾:
مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، وعلى قراءة «(توفّ)» فهو مبني للمجهول، وعلامة الجزم حذف الألف... إلخ، و ﴿أَعْمالَهُمْ﴾ بالرفع نائب فاعله، وعلى قراءة: «(يوفّ)» فالفاعل يعود إلى الله، وعلى قراءة: «(نوفي)» فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و ﴿أَعْمالَهُمْ﴾ بالنصب مفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة
стр. 2512
الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال.
(هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُبْخَسُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾: الإشارة إلى الذين وفوا جزاء أعمالهم في الدنيا المذكورين في الآية السابقة. ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أي: ضاع ثواب أعمالهم، ولم يبق لهم ثواب في الآخرة، انظر ما ذكرته في الآية السابقة. ﴿وَبَطَلَ..﴾. إلخ:
البطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته ونفعه، والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم بنفع، ولا يدفع عنهم ضرّا؛ لأنه عمل لغير الله تعالى، فكان باطلا لا نفع فيه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و (بطل) من باب دخل، والبطل بفتحتين الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ من العمل، هذا؛ ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.
﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف المقدم. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿النّارُ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة:
﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (حبط): ماض. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل (حبط)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير، حبط الذي، أو شيء صنعوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحبط صنعهم. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل:
(حبط)، والضمير على هذا يعود على ﴿الْآخِرَةِ،﴾ ويجوز أن يتعلق ﴿فِيها﴾ ب ﴿صَنَعُوا،﴾ فالضمير على هذا يعود على الحياة الدنيا، وجملة: ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. (باطل): خبر مقدم. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة،
стр. 2513
والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: وباطل الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير:
وباطل عملهم، وعليه فالجملة اسمية، وهي معطوفة على ﴿ما﴾ قبلها، لا محل لها مثلها، هذا، وأجيز اعتبار: (باطل) معطوفا على خبر المبتدأ عطف مفرد على مفرد، و ﴿ما﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها فاعل ب (باطل)، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي ﴿(وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾ جعله فعلا ماضيا معطوفا على (حبط). انتهى. جمل نقلا عن السمين.
هذا؛ وقرئ: «(وباطلا ما كانوا يعملون)». ف (باطلا): مفعول به مقدم، و ﴿ما﴾: زائدة، والتقدير: وكانوا يعملون باطلا، وهذه الجملة معطوفة على جملة (حبط...) إلخ لا محل لها مثلها، وأجيز اعتبار (باطلا) مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: وبطل باطلا، والأصل بطل بطلانا.
أقول: وأولى من ذلك اعتباره حالا معطوفا على جملة (حبط...) إلخ بعد تقدير (قد) قبلها، واعتبار الجملة حالا من ﴿الَّذِينَ،﴾ ومثل الآية الكريمة (ولا خارجا) في قول الفرزدق: [الطويل]
ألم ترني عاهدت ربّي، وإنني... لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما... ولا خارجا من فيّ زور كلام
وهو الشاهد رقم [٧٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وعلى اعتبار الحالية، والمصدرية في (باطلا) تكون ﴿ما﴾ على جميع الوجوه المعتبرة: موصولة، أو موصوفة أو مصدرية فاعلا ب (باطلا). تأمل، وتدبر.
﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: لما ذكر الله في الآية المتقدمة الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا، وزينتها. ذكر في هذه الآية من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والآخرة، فقال : ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وليس لهم في الآخرة إلا النار، انتهى، خازن، والجواب: لا يستويان، وقد صرح بهذين المحذوفين في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾
стр. 2514
﴿شاهِدٌ مِنْهُ﴾: ويتبع ذلك البرهان من يشهد له بصدقه، وعاد الضمير على ﴿بَيِّنَةٍ﴾ مذكرا؛ لأنها بمعنى البرهان، ولقد اختلف في الشاهد، فقيل: إنه جبريل ﵇، أي: يتبع جبريل النبي ﷺ ، ويؤيده، ويسدده، ويقويه، وقيل: إنه علي كرم الله وجهه، وقيل: إنه لسان الرسول ﷺ ، وقيل: هو الإنجيل، وإن كان قبل القرآن، فهو يتلوه في التصديق. وقيل: غير ذلك، كما اختلف في الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ فقيل: من الله، وقيل: من الرسول، وقيل: أي: من القرآن، ومن قبله: ومن قبل القرآن، وقيل: من قبل الإنجيل. ﴿كِتابُ مُوسى﴾: المراد به:
التوراة، أي: أنها تشهد بصدق محمد ﷺ ، لما فيها من ذكر صفاته الجسدية، وشمائله الخلقية.
﴿إِماماً﴾: يرجعون إلى التوراة في أمور الدين، والأحكام، والشرائع. ﴿وَرَحْمَةً﴾: لمن عمل بمقتضاها، واهتدى بما فيها، وذلك سبب حصول الرحمة.
﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى (من كان على بينة من ربّه). ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: يصدقون بمحمد ﷺ ، ويعترفون بنبوته، أو يصدقون بالقرآن، وقيل: الإشارة إلى الذين أسلموا من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأصحابه. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ ، أو بالقرآن. ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي: من جميع الكفار وأصحاب الأديان المختلفة، فتدخل فيه اليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأوثان، وغيرهم. ﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي في الآخرة لا محالة.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي ﷺ : «والّذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ، ولا نصرانيّ، ثم يموت؛ ولم يؤمن بالّذي أرسلت به، إلاّ كان من أهل النّار».
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: فلا تكن في شك من الدين، أو من القرآن الذي أنزل إليك، أو من الموعد الذي وعده الله للكافرين من دخول النار. ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما ذكر هو الحق الذي لا ريب فيه، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدقون لقلة نظرهم، واختلال فكرهم.
﴿تَكُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٩] الآتية، والخطاب للرسول ﷺ في قوله: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ..﴾.
إلخ مثله في الآية رقم [٩٤] من سورة (يونس) ﴿أَفَمَنْ﴾: انظر ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٢٤] الآتية.
الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ أي: مصاحبا لها. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع اسم: ﴿كانَ﴾ إليها، وخبر المبتدأ محذوف، انظر تقديره في
стр. 2515
الشرح. (يتلوه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿شاهِدٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ.
﴿مِنْهُ﴾: متعلقان ب ﴿شاهِدٌ﴾. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ قدم عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كِتابُ﴾: معطوف على: ﴿شاهِدٌ،﴾ و ﴿كِتابُ﴾:
مضاف، و ﴿مُوسى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿إِماماً﴾: حال من: ﴿كِتابُ مُوسى﴾. (رحمة): معطوف على ما قبله، وقال البيضاوي: (من قبله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿كِتابُ﴾: مبتدأ مؤخر، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، ولكن اعتبار الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحويين، هذا؛ وقرئ بنصب: (كتاب) على اعتباره معطوفا على الضمير المنصوب بقوله: (يتلوه). ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من).
﴿رَبِّهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَالنّارُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (النار): مبتدأ.
﴿مَوْعِدُهُ﴾: خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٥]. ﴿فَلا﴾ الفاء:
حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا لا محالة؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:
«أنت». ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان ب ﴿مِرْيَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية: ﴿فَلا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (إنّ). ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها.
﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ﴾: اسم (لكن)، و ﴿أَكْثَرَ﴾: مضاف، و ﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَلا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكن)، والجملة الاسمية:
(لكن...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 2516
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم منهم لأنفسهم؛ لأنهم افتروا على الله كذبا، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا: أن له شريكا، وولدا، وقالوا للأصنام:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وفي الآية دليل على أن الكذب على الله من أعظم أنواع الظلم، وقد راعى لفظ (من) في الجملة الفعلية، وراعى معناها في الجملة الاسمية. ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ أي: المفترون على الله الكذب يعرضون على الله يوم القيامة ليحاسبهم على خبث أعمالهم. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ أي: من الملائكة، والنبيين والعلماء الذي بينوا تعاليم الأنبياء، أو الأشهاد من جوارحهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والأشهاد: جمع شاهد، كأصحاب جمع: صاحب، أو جمع شهيد كأشراف جمع شريف.
﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ أي: في الدنيا، وهذه الفضيحة تكون لكل من كذب على الله.
عن صفوان بن محرز المازني، قال: بينما ابن عمر-﵄-يطوف بالبيت؛ إذ عرض له رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدنو المؤمن من ربّه ، حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه: تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أعرف ربّ أعرف-مرّتين-فيقول: سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأمّا الكفار، والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الّذين كذبوا على الله». انتهى. متفق عليه.
﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي: سخطه، وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها، هذا؛ وانظر ما ذكرته في حكم اللعن في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) أو الآية [٢٥] من سورة (الرعد)، وانظر (الظلم) في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس).
(يقول): القول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على المعنى. الثاني: حديث النفس ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا..﴾. إلخ. الثالث: الحركة والإمالة، يقال:
قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذه مقالة الأشاعرة، أي: ما يعتقدونه، وانظر الكلام في الآية رقم [٥٤] من سورة (يوسف).
الإعراب: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور
стр. 2517
متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿اِفْتَرى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من).
﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِباً﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُعْرَضُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (يقول): مضارع.
﴿الْأَشْهادُ﴾: فاعله. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة:
﴿كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية: ﴿هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (يقول...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه... إلخ، انظر الآية رقم [٥]. ﴿لَعْنَةُ﴾:
مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الظّالِمِينَ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَلا لَعْنَةُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: يقول الله ذلك يوم القيامة للكافرين، أو يقول ذلك ملك من الملائكة بأمره. والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩)﴾
الشرح: انظر شرح هذه الآية وإعرابها في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأعراف)، فلا حاجة إلى المزيد عما ذكرته هناك و ﴿هُمْ﴾ الثانية ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وتكريره للتأكيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى الظالمين المذكورين، والذين يصدون الناس عن الدخول في دين الإسلام. ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: قال ابن عباس-﵄: يعني سابقين، وقيل: هاربين، والمعنى أنهم لا يعجزون الله إذا أرادهم بالعذاب، والانتقام منهم، ولكنه يؤخرهم إلى اليوم الذي يعرضون فيه على ربهم؛ ليكون عذابهم فيه أشد، وأدوم. ﴿وَما﴾
стр. 2518
كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي: من أنصار يمنعونهم من عذاب الله تعالى؛ إذا أراده بهم.
﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: يزداد عذابهم في الآخرة فوق عذاب الكفر بسبب صدهم عن سبيل الله، وإنكارهم البعث بعد الموت، وغير ذلك. ويقرأ الفعل: «(يضعّف)». ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به مع كونهم لهم آذان. ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي: لم يبصروا الحق مع كونهم لهم عيون، وذلك لشدة بغضهم النبي ﷺ ، وشدة عداوتهم له، فلم يكن عندهم استعداد لأن يسمعوا سماع قبول، ولا أن يبصروا تبصر اهتداء وانتفاع، وآية (الأعراف) رقم [١٧٩] أكبر دليل على ذلك، وقيل: إن المراد الأصنام، فهي لا تسمع، ولا تبصر، فلذا فهي لا تنفع من يعبدها شيئا.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿مُعْجِزِينَ﴾: خبر ﴿يَكُونُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: معجزين الله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾:
متعلقان ب ﴿مُعْجِزِينَ..﴾. وجملة: ﴿لَمْ يَكُونُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٣] ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة.
﴿أَوْلِياءَ﴾: اسم كان مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يُضاعَفُ﴾: مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به. ﴿الْعَذابُ﴾: نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّمْعَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وجملة: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ إعرابها واضح، والجملة معطوفة على ما قبلها، هذا؛ وأجيز اعتبار: (ما) ظرفية مصدرية، تسبك مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، متعلق بالفعل ﴿يُضاعَفُ،﴾ التقدير: يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والأبصار؛ أي: أبدا. كما أجيز اعتبارها موصولة مجرورة بحرف جر، التقدير: بما كانوا، فلما حذف حرف الجر؛ انتصب الموصول على المفعولية، واعتباره مجرورا بالمحذوف أقوى؛ لأن الفعل: ﴿يُضاعَفُ﴾ لا ينصب مفعولا صريحا. تأمل، وتدبر.
стр. 2519
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بسبب استبدال عبادة الله بعبادة الحجارة والأوثان، وما يتبع ذلك من صد الناس عن دين الإسلام، وفعل القبائح والمنكرات، وإنكار البعث بعد الموت، وما يتعلق به. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ضاع كذبهم، وبطل إفكهم، وذهب دعاؤهم: أن الأصنام تشفع لهم، وانظر «الخسران» في الآية التالية، وشرح (النّفس) في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ انظر الآية رقم [١٦] لتفصيل الإعراب، وجملة: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. (ضل): ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان به. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، وتقدير الكلام: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل التقدير: وضل عنهم افتراؤهم، وجملة: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾: انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿الْآخِرَةِ﴾: انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (التوبة). ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: لا أحد أكثر خسرانا منهم، وأي: خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها الذي لا ينقطع، هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله منازل الكفار التي في الجنة للمؤمنين، وجعل منازل المؤمنين التي في النار للكفار، فذلك هو الخسران المبين، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة ومسكنا في النّار، فأمّا المؤمنون فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل الكفّار، ويجعل الكفّار في منازلهم في النّار». أخرجه ابن ماجة، وهذا تأويل قوله تعالى في سورة (المؤمنون):
﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
تنبيه: لفظ ﴿لا جَرَمَ﴾ ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع متلوّ ب «أنّ» واسمها، ولم يجئ بعدها فعل، أحدها ما في هذه السورة، وثلاثة بسورة (النحل) برقم [٢٣] و [٦٢] و [١٠٩] والخامس في سورة (غافر) برقم [٤٣].
стр. 2520
الإعراب: ﴿لا جَرَمَ..﴾. إلخ في إعراب هذا اللفظ أربعة أقوال:
-أحدها: وهو مذهب الخليل وسيبويه: أنهما مركبتان من (لا) النافية، و (جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر وصار معناهما معنى فعل، وهو (حقّ) فعلى هذا فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها وخبرها، في محل رفع فاعل، فقوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أي: حقّ وثبت كون النار لهم، أو استقرارها لهم، هذا ما نقله السمين عن الخليل وسيبويه، ونقل مكي عنهما: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى حق في موضع رفع بالابتداء، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع خبر، فاختلف النقل عن الخليل وسيبويه، رحم الله الجميع برحمته الواسعة ورحمنا معهم.
-الثاني: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمنزلة: (لا رجل) في كون (لا) نافية للجنس وجرم اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء، وما بعدها خبر (لا) النافية، وصار معناها:
لا محالة في أنهم في الآخرة، أي: في خسرانهم، وهذا الوجه عزاه مكي إلى الخليل أيضا.
-الوجه الثالث: أن (لا) نافية لكلام متقدم، تكلم به الكفرة، فرد الله عليهم بقوله: (لا)، كما ترد (لا) هذه قبل القسم في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي: جرم أن لهم كذا، وجرم فعل ماض معناه كسب وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و (أنّ) وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأن (جرم) يتعدى إذا كان بمعنى: (كسب)، وعلى هذا فالوقف على قوله (لا) ثم يبتدأ بجرم بخلاف ما تقدم. انتهى. جمل، وهذا القول عزاه مكي للزجاج.
-الوجه الرابع: أن معنى ﴿لا جَرَمَ﴾: لا حدّ، ولا منع، ولا صدّ، ويكون «جرم» بمعنى القطع، تقول: جرمت كذا، أي: قطعته، فيكون: ﴿جَرَمَ﴾ اسم (لا) مبني معها على الفتح، كما تقدم، وخبرها: (أنّ) وما في حيزها على حذف حرف الجر، أي: لا منع من خسرانهم، فيعود فيه الخلاف المشهور. انتهى. جمل، وهذا القول عزاه مكي للكسائي.
﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان ب ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ بعدهما.
﴿أَنَّهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية خبر (أنّ)، هذا، وإن اعتبرت ﴿أَنَّهُمْ﴾ ضمير فصل لا محل له ف ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ خبر (أنّ) مرفوع... إلخ، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر، انظر الإعراب المتقدم؛ لترى محل هذا المصدر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها ودرجاتها. ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾: أنابوا، وأطاعوا، وخشعوا وخضعوا. والإخبات: الخشوع
стр. 2521
للمخافة الثابتة في القلب، من: (الخبت)، وهو الأرض المستوية الواسعة. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٣٤]: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ.. الَّذِينَ..﴾. إلخ. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾:
﴿أَصْحابُ﴾: جمع صاحب، ويكون بمعنى: المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب هذا؛ وقد جعل المؤمنون المطيعون الخاشعون أصحاب الجنة بمعنى مالكيها لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار. ﴿خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يخرجون، ماكثون أبدا، لا يموتون، ولا يفنون.
تنبيه: لما ذكر الله أحوال الكفار في الدنيا، وخسرانهم في الآخرة، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا، وربحهم في الآخرة؛ إذ اقتضت سنة الله، وحكمته العالية، ورحمته الواسعة، ألا يذكر التكذيب من الكافرين، إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الكفر، إلا ويذكر الإيمان، ولا يذكر النار إلا ويذكر الجنة، ولا يذكر الغضب والسخط إلا ويذكر الرضا والرحمة، ليكون المؤمن خائفا راجيا، وراهبا راغبا... إلخ، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها أيضا، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿أَصْحابُ﴾:
مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَبِّهِمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ أو من ﴿الْجَنَّةِ﴾ نفسها، والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط: الضمير على الاعتبارين، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ،﴾ والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ: قال الخازن رحمه الله تعالى: لما ذكر الله أحوال الكفار، وما كانوا عليه من العمى عن طريق الهدى والحق، ومن الصمم عن سماعه،
стр. 2522
وذكر أحوال المؤمنين، وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق، والانقياد للطاعة؛ ضرب لهم مثلا، فقال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ،﴾ يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين.
﴿كَالْأَعْمى﴾ وهو الذي لا يهتدي لرشده. ﴿وَالْأَصَمِّ،﴾ وهو الذي لا يسمع شيئا البتة، ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ وهو الذي يبصر الأشياء على ماهيتها. ﴿وَالسَّمِيعِ﴾ وهو الذي يسمع الأصوات، ويجيب الداعي. انتهى. هذا؛ ولا تنس: أن وصف الكافر بصفتين، ثم وصف المؤمن بصفتين، إنما هو من باب اللف والطباق والمقابلة، وهذا من فن البديع.
﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾: قال الفراء: لم يقل: هل يستوون؛ لأن الأعمى، والأصم في حيز كأنهما واحد، وهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، وهما من وصف المؤمن. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها، وقد حذفت إحدى التاءين من الفعل، فإن الأصل (تتذكرون) وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي.
هذا؛ و «مثل» بفتح الميم والثاء هنا بمعنى صفة الفريقين، وهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل بمعنى: شبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى، حكاية عن قول فرعون وقومه:
﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ،﴾ والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به.
هذا؛ وأما «المثل» في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وشبهه، انظره في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، هذا؛ والمثل بفتح الميم والثاء أيضا: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه، أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تتغير، تذكيرا وتأنيثا، إفرادا وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم يطلبه بعد فواته، هذا؛ ويجمع «مثل» بكل معانيه على أمثال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ..﴾. إلخ.
﴿أَفَلا﴾ فالهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو، وثم، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾.
إلخ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ وأخواتها تتأخر
стр. 2523
عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ،﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾. ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ، أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ، ويضعف قولهم ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع، انتهى. مغني اللبيب بتصرف.
الإعراب: ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كَالْأَعْمى﴾:
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، وتكون مضافة و (الأعمى) في محل جر بالإضافة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: هذه الأسماء معطوفة على (الأعمى)، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِيانِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿مَثَلاً﴾: تمييز، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ مستأنفة لا محل لها، وجواب الاستفهام محذوف، التقدير: لا يستويان. ﴿أَفَلا﴾:
الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿أَرْسَلْنا﴾: بعثنا. ﴿نُوحاً﴾: اسمه: السكن، وقيل: عبد الغفار. وسمي ﴿نُوحاً﴾ لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك، بن متوشلح، بن أخنوخ، وهو إدريس النبي ﵇، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح! فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمره ألفا وخمسين سنة، وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة من السورة المسماة باسمه.
стр. 2524
وأضيف: أن نوحا ﵇ كان من أولي العزم، وأنه لقي من العناء في دعوته قومه ما لم يلقه نبي أبدا، وإذا عرفت طول حياته، وأنه تعاقب عليه أجيال من قومه، وكل جيل يكون أفسد من سابقه؛ تبين لك ذلك واضحا؛ فلذا أمر الله نبينا محمدا في آخر قصته في هذه السورة بالتأسي به، والصبر على أذى قومه، كما صبر نوح ﵇.
﴿قَوْمِهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٨] الآتية ﴿إِنِّي﴾: يقرأ بكسر الهمزة وفتحها. ﴿نَذِيرٌ﴾: منذر، أي: مخوف بالعقاب من خالف أمر الله وعبد غيره، وكذلك مبشر بالثواب من آمن به، وعبده حق عبادته، وحذف مبشر اكتفاء بنذير، وكثيرا ما يذكر معه كما في الآية رقم [٢].
تنبيه: الحكمة من ذكر قصص الأنبياء ﵈ تسلية النبي ﷺ ، وتنبيه له على ملازمة الصبر على أذى الكفار، كما صبر الرسل الكرام، إلى أن يكفيه الله أمرهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب «نا»، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: أرسلت، وأرسلن. ﴿نُوحاً﴾: مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوحاً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾:
متعلقان ب ﴿نَذِيرٌ﴾ بعدهما. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر (إن). ﴿مُبِينٌ﴾: صفة: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال إني... إلخ وهذا على كسر الهمزة، وأما على فتحها، فتؤول (أن) مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني لكم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلْنا﴾.
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿اللهَ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم: الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال.
стр. 2525
الإعراب: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢] ففيه الكفاية، وزيد هنا تجويز البديلة من: ﴿(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ)﴾ على قراءة فتح الهمزة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسم (إن). ﴿أَخافُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره:
«أنا». ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَخافُ﴾. ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وقال الجمل: المتصف بكونه مؤلما هو العذاب، لا اليوم، فنسبة الإيلام، إلى اليوم مجاز عقلي. انتهى.
وقال البيضاوي: مؤلم، وهو في الحقيقة صفة المعذب، لكن يوصف به العذاب، وزمانه على طريقة: جد جده، ونهاره صائم للمبالغة. وأرى أنه صفة: ﴿عَذابَ،﴾ وجر للمجاورة، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها من الإعراب.
﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: قال السادة والعظماء الكافرون من قوم نوح له. ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا﴾: لا نراك يا نوح إلا آدميا مثلنا، لا فضل لك علينا، ولا مزية تستوجب طاعتنا لك، وانقيادنا لأوامرك، ونواهيك. ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾:
ولم يتبعك إلا سفلتنا وأخساؤنا وسقطنا، وخسيسو الصناعات وحقيرو المهن من حاكة وحجامين! وهذا جهل منهم؛ لأنهم عابوا نوحا ﵇ بما لا عيب فيه؛ لأن الأنبياء-صلوات الله وسلامه عليهم-إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسلون إلى الناس جميعا، فإن تبعهم الوضيع؛ لم يلحقهم من ذلك نقصان؛ لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم من الناس بدون تمييز بين عظيم وحقير، وشريف ووضيع.
﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: ظاهر الرأي: وأول الأمر من غير تثبت، وتفكر في أمرك، ولو تفكروا؛ ما اتبعوك. ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: بمال أو جاه أو شرف يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة، وهذا أيضا جهل منهم؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة، لا بالجاه، والشرف، والرئاسة. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾: فيما تدعون من النبوة، والميزة علينا، والخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه، أو هو لنوح وحده، وخوطب بلفظ الجمع على سبيل التعظيم.
следующие страницы →