← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

للمخافة الثابتة في القلب، من: (الخبت)، وهو الأرض المستوية الواسعة. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٣٤]: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ.. الَّذِينَ..﴾. إلخ. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾: ﴿أَصْحابُ﴾: جمع صاحب، ويكون بمعنى: المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب هذا؛ وقد جعل المؤمنون المطيعون الخاشعون أصحاب الجنة بمعنى مالكيها لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار. ﴿خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يخرجون، ماكثون أبدا، لا يموتون، ولا يفنون. تنبيه: لما ذكر الله أحوال الكفار في الدنيا، وخسرانهم في الآخرة، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا، وربحهم في الآخرة؛ إذ اقتضت سنة الله، وحكمته العالية، ورحمته الواسعة، ألا يذكر التكذيب من الكافرين، إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الكفر، إلا ويذكر الإيمان، ولا يذكر النار إلا ويذكر الجنة، ولا يذكر الغضب والسخط إلا ويذكر الرضا والرحمة، ليكون المؤمن خائفا راجيا، وراهبا راغبا... إلخ، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها أيضا، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿أَصْحابُ﴾: مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَبِّهِمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ أو من ﴿الْجَنَّةِ﴾ نفسها، والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط: الضمير على الاعتبارين، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ،﴾ والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ: قال الخازن رحمه الله تعالى: لما ذكر الله أحوال الكفار، وما كانوا عليه من العمى عن طريق الهدى والحق، ومن الصمم عن سماعه،

стр. 2522

وذكر أحوال المؤمنين، وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق، والانقياد للطاعة؛ ضرب لهم مثلا، فقال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ،﴾ يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين. ﴿كَالْأَعْمى﴾ وهو الذي لا يهتدي لرشده. ﴿وَالْأَصَمِّ،﴾ وهو الذي لا يسمع شيئا البتة، ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ وهو الذي يبصر الأشياء على ماهيتها. ﴿وَالسَّمِيعِ﴾ وهو الذي يسمع الأصوات، ويجيب الداعي. انتهى. هذا؛ ولا تنس: أن وصف الكافر بصفتين، ثم وصف المؤمن بصفتين، إنما هو من باب اللف والطباق والمقابلة، وهذا من فن البديع. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾: قال الفراء: لم يقل: هل يستوون؛ لأن الأعمى، والأصم في حيز كأنهما واحد، وهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، وهما من وصف المؤمن. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها، وقد حذفت إحدى التاءين من الفعل، فإن الأصل (تتذكرون) وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. هذا؛ و «مثل» بفتح الميم والثاء هنا بمعنى صفة الفريقين، وهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل بمعنى: شبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى، حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ،﴾ والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به. هذا؛ وأما «المثل» في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وشبهه، انظره في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، هذا؛ والمثل بفتح الميم والثاء أيضا: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه، أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تتغير، تذكيرا وتأنيثا، إفرادا وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم يطلبه بعد فواته، هذا؛ ويجمع «مثل» بكل معانيه على أمثال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ..﴾. إلخ. ﴿أَفَلا﴾ فالهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو، وثم، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ وأخواتها تتأخر

стр. 2523

عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ،﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾. ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ، أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ، ويضعف قولهم ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع، انتهى. مغني اللبيب بتصرف. الإعراب: ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كَالْأَعْمى﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، وتكون مضافة و (الأعمى) في محل جر بالإضافة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: هذه الأسماء معطوفة على (الأعمى)، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِيانِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿مَثَلاً﴾: تمييز، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ مستأنفة لا محل لها، وجواب الاستفهام محذوف، التقدير: لا يستويان. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿أَرْسَلْنا﴾: بعثنا. ﴿نُوحاً﴾: اسمه: السكن، وقيل: عبد الغفار. وسمي ﴿نُوحاً﴾ لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك، بن متوشلح، بن أخنوخ، وهو إدريس النبي ﵇، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح! فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمره ألفا وخمسين سنة، وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة من السورة المسماة باسمه.

стр. 2524

وأضيف: أن نوحا ﵇ كان من أولي العزم، وأنه لقي من العناء في دعوته قومه ما لم يلقه نبي أبدا، وإذا عرفت طول حياته، وأنه تعاقب عليه أجيال من قومه، وكل جيل يكون أفسد من سابقه؛ تبين لك ذلك واضحا؛ فلذا أمر الله نبينا محمدا في آخر قصته في هذه السورة بالتأسي به، والصبر على أذى قومه، كما صبر نوح ﵇. ﴿قَوْمِهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٨] الآتية ﴿إِنِّي﴾: يقرأ بكسر الهمزة وفتحها. ﴿نَذِيرٌ﴾: منذر، أي: مخوف بالعقاب من خالف أمر الله وعبد غيره، وكذلك مبشر بالثواب من آمن به، وعبده حق عبادته، وحذف مبشر اكتفاء بنذير، وكثيرا ما يذكر معه كما في الآية رقم [٢]. تنبيه: الحكمة من ذكر قصص الأنبياء ﵈ تسلية النبي ﷺ ، وتنبيه له على ملازمة الصبر على أذى الكفار، كما صبر الرسل الكرام، إلى أن يكفيه الله أمرهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب «نا»، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: أرسلت، وأرسلن. ﴿نُوحاً﴾: مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوحاً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿نَذِيرٌ﴾ بعدهما. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر (إن). ﴿مُبِينٌ﴾: صفة: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال إني... إلخ وهذا على كسر الهمزة، وأما على فتحها، فتؤول (أن) مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني لكم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿اللهَ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم: الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال.

стр. 2525

الإعراب: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢] ففيه الكفاية، وزيد هنا تجويز البديلة من: ﴿(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ)﴾ على قراءة فتح الهمزة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسم (إن). ﴿أَخافُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَخافُ﴾. ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وقال الجمل: المتصف بكونه مؤلما هو العذاب، لا اليوم، فنسبة الإيلام، إلى اليوم مجاز عقلي. انتهى. وقال البيضاوي: مؤلم، وهو في الحقيقة صفة المعذب، لكن يوصف به العذاب، وزمانه على طريقة: جد جده، ونهاره صائم للمبالغة. وأرى أنه صفة: ﴿عَذابَ،﴾ وجر للمجاورة، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها من الإعراب. ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: قال السادة والعظماء الكافرون من قوم نوح له. ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا﴾: لا نراك يا نوح إلا آدميا مثلنا، لا فضل لك علينا، ولا مزية تستوجب طاعتنا لك، وانقيادنا لأوامرك، ونواهيك. ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾: ولم يتبعك إلا سفلتنا وأخساؤنا وسقطنا، وخسيسو الصناعات وحقيرو المهن من حاكة وحجامين! وهذا جهل منهم؛ لأنهم عابوا نوحا ﵇ بما لا عيب فيه؛ لأن الأنبياء-صلوات الله وسلامه عليهم-إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسلون إلى الناس جميعا، فإن تبعهم الوضيع؛ لم يلحقهم من ذلك نقصان؛ لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم من الناس بدون تمييز بين عظيم وحقير، وشريف ووضيع. ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: ظاهر الرأي: وأول الأمر من غير تثبت، وتفكر في أمرك، ولو تفكروا؛ ما اتبعوك. ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: بمال أو جاه أو شرف يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة، وهذا أيضا جهل منهم؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة، لا بالجاه، والشرف، والرئاسة. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾: فيما تدعون من النبوة، والميزة علينا، والخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه، أو هو لنوح وحده، وخوطب بلفظ الجمع على سبيل التعظيم.

стр. 2526

هذا؛ والملأ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون مهابة بكبريائهم وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، والملأ: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونحوهما. و (بشر) يطلق على الإنسان ذكرا أو أنثى، مفردا وجمعا، مثل كلمة: الفلك تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر أو بالصوف، أو الريش. ﴿نَرى﴾: مضارع ماضيه: (رأى) فالقياس نرأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر] أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾، و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ... إلخ (أرأيتكم)، وأ رأيت بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟ وإذا أمرت منه على الأصل قلت: (ارء)، وعلى الحذف (ره) بهاء السكت، وقل في إعلال (نرى)، أصله: نرأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف. بعد هذا ف (أراذل) جمع: أرذل، وأرذل جمع رذل، فهو جمع الجمع مثل كلب، وأكلب، وأكالب، وقيل: الأراذل جمع: الأرذل، كأساود جمع الأسود من الحيات، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (قال الملأ): ماض وفاعله. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿الْمَلَأُ،﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة العائدة على الموصول، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿نَراكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بَشَراً﴾: مفعول به ثان، إن كان ﴿نَراكَ﴾ قلبيا، أو حال إن كان بصريا، وهي حال موطئة؛ لأنه جامد، والمقصود الصفة، وهي ﴿مِثْلَنا،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما نَراكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اِتَّبَعَكَ﴾: ماض، والكاف مفعول به. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل ﴿اِتَّبَعَكَ﴾. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿أَراذِلُنا﴾: خبره، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بادِيَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿اِتَّبَعَكَ﴾ على المعتمد، وجاز أن يعمل ما قبل ﴿إِلاّ﴾ فيما بعدها توسعا في

стр. 2527

الظروف، وهذا جواب عن إشكال، وهو أن ما بعد (إلا) لا يكون معمولا لما قبلها إلا أن يكون مستثنى منه، نحو ما قام إلا زيدا القوم، أو تابعا للمستثنى منه، نحو ما جاءني أحد إلا زيدا خير من عمرو. انتهى. جمل نقلا عن كرخي، وانظر الآية رقم [١٠٢] من سورة (الإسراء). وهو يقرأ بهمز وبدونه، و ﴿بادِيَ﴾: مضاف، و ﴿الرَّأْيِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿اِتَّبَعَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من كاف الخطاب على نحو ما رأيت في الجملة السابقة، وعلى اعتبار الجملة حالا ف «قد» قبلها مقدرة. تأمل. وجملة: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لَكُمْ عَلَيْنا﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿فَضْلٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ ويجوز في الفعل ﴿نَرى﴾ ما جاز في سابقيه من الاعتبارين، فعلى اعتباره قلبيا يكون ﴿عَلَيْنا﴾ متعلقين بالفعل على اعتبارهما مفعولا ثانيا تقدم على الأول الذي هو ﴿مِنْ فَضْلٍ﴾ وعلى اعتباره بصريا يجوز اعتبار ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقين بمحذوف حال من ﴿فَضْلٍ﴾: كان صفة له... إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٣]، وجملة: ﴿وَما نَرى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿نَظُنُّكُمْ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿كاذِبِينَ﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول الملأ أيضا. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ..﴾. إلخ: لقد احتج المشركون على نوح-﵇-في الآية السابقة بثلاث شبه: بقولهم: ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا... ،﴾ وبقولهم: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ..﴾. إلخ، وبقولهم: ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا..﴾. إلخ، وقد أجابهم عن هذه الثلاثة إجمالا بما في هذه الآية، وتفصيلا بما في الآية رقم [٣١] الآتية. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: قال سليمان الجمل رحمه الله تعالى: استعمال (أرأيت) في الإخبار مجاز، أي: أخبروني عن حالتكم العجيبة، ووجه المجاز: أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب... انتهى. ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾: على حجة وبرهان. ﴿مِنْ رَبِّي﴾: انظر الآية رقم [٣] ﴿وَآتانِي رَحْمَةً﴾: وأعطاني ومنحني رحمة من فضله، وهي النبوة والرسالة. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: فخفيت عليكم، فلم

стр. 2528

تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها، وقيل: هذا من باب القلب، والأصل: فعميتم أنتم عنها، وقرئ الفعل بالتخفيف، والبناء للمعلوم. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾: أنجبركم على قبولها، الهاء عائدة على الرحمة، والمعنى: أنكرهكم أيها القوم على قبول الرحمة؟! وقد اجتمع ضميران منصوبان، ضمير خطاب وضمير غيبة، والأول أعرف، فيجوز في مثل ذلك الفصل، والوصل، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] وصل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾: لا تختارونها، ولا تتأملون فيها، وليس لي أن أضطركم إلى ذلك، قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله؛ لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك. (قوم): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل رهط ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال والنساء جميعا. ﴿كُنْتُ﴾: أصله كونت، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: كانت، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف، فصار: «كنت» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار «كنت»، وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل فصار: كونت، ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما، فصار: (كنت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قام وقال وغيرهما. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى نوح. ﴿يا قَوْمِ﴾ يا: حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه، إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا قومي، ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما، ومنهم من يقول: يا قوم بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فتقول: يا قوم، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. رأيتم: فعل

стр. 2529

وفاعل، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ رَبِّي﴾: متعلقان ب ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها، اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿وَآتانِي رَحْمَةً﴾ معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: متعلقان بالفعل: (أتى)، أو هما متعلقان ب ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجواب الشرط محذوف، دل عليه الجملة الاستفهامية الآتية. (عميت): ماض مبني للمجهول على قراءته بتشديد الميم، وضم العين، ومبني للمعلوم على التخفيف وفتح العين، ونائب الفاعل، أو والفاعل يعود إلى الرحمة، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾: الهمزة: حرف استفهام. (نلزمكموها): مضارع، والكاف مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، و (ها): مفعول به ثان، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ وما بينهما كلام معترض لا محل له، والمفعول الأول محذوف، وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (يونس) إن أردت الزيادة. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿يَكْرَهُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: (أنتم...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: على تبليغ الرسالة، فهو مدلول قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾. ﴿مالاً﴾: جعلا، وانظر شرح المال في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنفال). ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾: لا أطلب منكم أجرا، وإنما أطلب ثوابي من الله تعالى، ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وذلك: أنهم طلبوا من نوح ﵇ أن يطرد الذين آمنوا، وهم الأرذلون في زعمهم، وهذا كما طلبت قريش من النبي ﷺ أن يطرد الفقراء من مجلسه، انظر الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام). ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، فيخاصمون طاردهم عنده، أو إنهم يلاقونه يوم القيامة، فيفوزون بقربه، وجوده، وإحسانه، فكيف أطردهم؟! ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ أي: عظمة الله وقدرته ووحدانيته، وقيل: المعنى: إنكم تجهلون: أن هؤلاء الضعفاء خير منكم عند الله تعالى.

стр. 2530

هذا؛ والجهل: هو السفه، والطيش، والحمق. والجاهل: هو الذي يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة. وعن بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، ومن حق الحكيم العاقل أن لا يقدم على شيء؛ حتى يعلم كيفيته وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل] فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل وإن لم يكن كذلك؛ يصدق عليه: أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر: [الكامل] فضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها إنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها هذا؛ «وآمن» أصله: أأمن بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في مصدره إيمان، فإن أصله إئمان، فقلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، وهي الكسرة، وكما قلبت في مضارعه (أومن)، فإن أصله أؤمن، فقلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، وهي الضمة. الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مالاً﴾: مفعول به ثان. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مالاً﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنفي. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِطارِدِ﴾: الباء: حرف جر صلة. (طارد): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة، فتكون الباء زائدة في خبر المبتدأ ﴿أَنَا،﴾ و (طارد) مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَما أَنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي تعليل للنفي مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُلاقُوا﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿مُلاقُوا﴾: مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنِّي﴾: الواو: حرف عطف. (لكني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أَراكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة

стр. 2531

مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿قَوْماً﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَوْماً،﴾ وجملة: ﴿أَراكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية (لكني...) إلخ معطوفة على ما قبلها، ولعلك تدرك معي: أن الآية برمتها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ أي: من عقابه، ومن انتقامه. ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي: استجابة لطلبكم، وهم مؤمنون بربهم معترفون بربوبيته. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر الآية رقم [٢٨] ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنِي﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿طَرَدْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿أَرْسَلْنا﴾ في الآية رقم [٢٥]، والجملة الفعلية لا محل لها مثل جملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ في الآية رقم [٢٨] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن طردتهم؛ فمن ينصرني ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤]، والآية برمتها معطوفة على ما قبلها، وهي من مقول نوح، عليه الصلاة، والسّلام. ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ أي: خزائن رزقه، وإنعامه، وإفضاله، وهذا رد لقولهم: ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ في الآية رقم [٢٧] ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لا أدعي علم ما يغيب عني مما يسرون في نفوسهم؛ لأنه لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾: وهذا رد لقولهم: ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا﴾. ﴿وَلا أَقُولُ..﴾. إلخ: ولا أقول في شأن الذين احتقرتموهم لفقرهم وضعفهم: لا يؤتيكم الله أجرا وثوابا، بل إني أقول: إن ما أعده الله لهم في الآخرة خير مما آتاكموه في الدنيا. ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من الخير والشر، فيجازيهم عليه ما يستحقون. ﴿إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: إن طردتهم مكذبا لظاهرهم، ومبطلا لإيمانهم؛ فأكون ظالما لهم، ومعاذ الله أن أفعله!.

стр. 2532

﴿تَزْدَرِي﴾: تحتقر، والازدراء: التحقير، وانظر شرح الظلم في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس) هذا؛ و ﴿أَعْيُنُكُمْ﴾ جمع: عين، وتجمع على عيون، وأعيان أيضا، وأعيان غير مشهور، وقليل الاستعمال، و (أعين) جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد بها هنا: العين الباصرة، وتطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه، وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين منّي، وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو فالمراد بالعين ذاته، والمراد بجارية عينه التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: (بها) نقد الذهب، وهذا يسمى استخداما في فن البديع، كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم هذا؛ وأعيان القوم أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، ففيها بحث طويل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَقُولُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِنْدِي﴾: ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، متعلق بمحذوف خبر مقدم، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية، وجملة: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿أَقُولُ﴾. ﴿تَزْدَرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أَعْيُنُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: تزدريه أعينكم. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يُؤْتِيَهُمُ﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿خَيْراً﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل أو هو بمعنى: (عالم)، ولا يكون التفضيل مرادا. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول (ما) والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها.

стр. 2533

﴿إِذاً﴾: حرف جواب وجزاء. ﴿لَمِنَ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة أيضا، هذا؛ وإن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وعند التأمل يتبين لك أنها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة وأزكى سلام. ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال قوم نوح لنوح ﵇. ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: خاصمتنا. ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أي: أكثرت خصومتنا وبالغت فيها، والجدل: المبالغة في الخصومة، مشتق من الجدل، وهو الفتل، ويقال للصقر: أجدل لشدته في الطير، وقرئ: «(جدلنا)» والجدل في الدين محمود؛ ولهذا جادل نوح والأنبياء أقوامهم حتى يظهر الحق، فمن قبله؛ نجح وأفلح، ومن رده؛ خاب وخسر، وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم، وقد يسمى الجدال: مماراة كما في الآية رقم [٢٢] من سورة (الكهف). ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: به من العذاب. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في دعواك أنك رسول من الله إلينا، وفي وعيدك لنا بالعذاب أيضا، فإن جدالك لا يؤثر فينا. هذا؛ و (تعد)، أصله (توعد) فحذفت الواو؛ لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب (يعد) وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: (وعدا)، وماضيه: (وعد)، وقد تحذف الواو من المصدر، ويعوض عنها تاء في الآخر، فيصير (عدة). الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] (يا): حرف نداء ينوب منا أدعو. (نوح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جادَلْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها. (أكثرت): فعل وفاعل. ﴿جِدالَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿فَأْتِنا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٧] (آتنا): أمر مبني على حذف حرف العلة، من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ونا: في محل نصب مفعول به. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿تَعِدُنا﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ

стр. 2534

التقدير: بالذي، أو بشيء تعدنا به، وأجيز اعتبار (ما) مصدرية فيكون التقدير: بوعدك إيانا، وجملة: (ائتنا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك لا يفيدك شيئا، ﴿فَأْتِنا..﴾. إلخ، والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٨] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنت... فائتنا بما تعدنا، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي: بالعذاب، فإن أمره إلى الله، لا إليّ. ﴿إِنْ شاءَ﴾ أي: شاء إهلاككم؛ عذبكم عاجلا، أو آجلا. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين من العذاب، أو بهاربين منه، أو ما أنتم بمعجزين الله تعالى بأن لا يقدر على تعذيبكم. هذا؛ و ﴿شاءَ﴾ مضارعه يشاء، فلم يرد له أمر، ولا ل «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل (شاء): (شيء) على فعل بكسر العين، بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: (أراد) حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخريمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه، ولكن ساحة الصّبر أوسع وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد (لو)، وليس كذلك، وانظر الإرادة في الآية رقم [١١٨] الآتية. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى (نوح). ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَأْتِيكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿شاءَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن شاء إهلاككم؛ فهو يأتيكم بالعذاب ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٣] من سورة (يونس) وهي هنا في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الحال وصاحبه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 2535

﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ أي: ولا ينفعكم إنذاري، وتخويفي إياكم عقوبته، ونزول العذاب بكم؛ لأنكم لا تقبلون نصحا. ﴿إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: أن يضلكم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي، وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك، وأضاف نوح ﵇ إغواءهم إلى الله ؛ إذ هو المضل الهادي، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون، والظالمون علوا كبيرا. انتهى. بتصرف كبير. هذا؛ وقد تقدم في الآية رقم [٨٨] من سورة (النساء) وغيرها أن ذلك مبني على علم الله الأزلي: أنهم لو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر، ولذا قدره الله عليهم، وأراده لهم، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد)، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان)؛ تجد ما يسرك.. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: خالقكم، والمتصرف فيكم وفق إرادته ومشيئته. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: فيجازيكم على أعمالكم يوم القيامة، ففيه تهديد، ووعيد، وانظر (رجع) في الآية رقم [٨٣] من سورة (التوبة)، و ﴿أَنْصَحَ﴾ مثل (أشكر) في الآية رقم [٦٠] من سورة (يونس). تنبيه: في الآية الكريمة شرطان، وجواب واحد، وفي ذلك قولان: أحدهما: أن جواب الأول سبقه ما هو جواب في المعنى، فإن التقدير: إن أردت أن أنصح لكم؛ فلا ينفعكم نصحي، والثاني: أن الشرط الثاني وجوابه جواب للأول، وخذ ما قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى: حكم الشرط إذا دخل على الشرط أن يكون الشرط الثاني، والجواب جوابا للشرط الأول، كقولك: إن أتيتني، إن كلمتني أكرمتك، فقولك: إن كلمتني أكرمتك جواب: إن أتيتني، وإذا كان كذلك صار الشرط الأول في الذكر مؤخرا في المعنى، حتى لو أتاه، ثم كلمه؛ لم يجب الإكرام، ولكن إن كلمه، ثم أتاه؛ وجب إكرامه، وعلة ذلك: أن الجواب صار معوقا بالشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها..﴾. إلخ الآية رقم [٥٠] من سورة (الأحزاب). انتهى. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول الشاعر، وهو الشاهد [١٠٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم وأضيف ما قاله سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-وإن زاد على شرطين (أي: حكمه حكم الشرطين) وعلى هذا يترتب الحكم، مثاله: أن يقول لعبده: إن كلمت زيدا، إن دخلت الدار، إن أكلت الخبز، فأنت حرّ، فجواب الشرط الثالث أنت حر، والثالث وجوابه جواب للثاني،

стр. 2536

والثاني وجوابه جواب للأول، فإن كلم، ثم دخل، ثم أكل؛ لم يعتق، لكن إن أكل، ثم دخل، ثم كلم عتق؛ لما ذكر. انتهى. الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَنْفَعُكُمْ﴾: مضارع، والكاف مفعول به. ﴿نُصْحِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُ﴾: فعل وفاعل، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَنْصَحَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَرَدْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿يُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها مثل سابقتها، وانظر ما ذكرته في التنبيه عن الجواب، وفحواه أن جملة: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ سبقت الشرطين، وهي تدل على جواب أحدهما، بخلاف البيت الذي ذكرته، فإن تجدوا مذكور بعد الشرطين، وكذلك الأمثلة التي ذكرتها قد ذكر جواب بعد الشرطين، فإن اعتبرت الجملة الفعلية دلت على جواب الأول؛ فجواب الثاني محذوف اكتفاء بما دل عليه جواب الأول، وهو توجيه القول الأول، وإن اعتبرت الجملة الفعلية دالة على جواب الثاني؛ فجواب الأول محذوف اكتفاء بما دل عليه جواب الثاني، وهو توجيه القول الثاني. تأمل، وتدبر. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. (إليه): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها عطف جملة فعلية على جملة اسمية، هذا؛ والآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول نوح ﵇. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: كفار مكة؛ فعلى هذا تكون هذه الآية معترضة في أثناء قصة نوح ﵇؛ لأجل تنشيط السامع لسماع بقية القصة. انتهى. جلال وجمل معلقا عليه. وقال مقاتل: أي: يقول كفار قريش: اختلق محمد ﷺ القرآن من قبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. وقال ابن عباس-﵄: هو من محاورة نوح لقومه، وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم

стр. 2537

ولهم. ﴿قُلْ﴾: الخطاب للنبي، أو لنوح عليهما، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وأزكى سلام. ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أي: اختلقته وافتعلته؛ يعني: الوحي والرسالة. ﴿فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ أي: عقاب إجرامي وإثمه، وإن كنت محقّا فيما أقوله، فعليكم عقاب تكذيبي، والإجرام: مصدر أجرم، وهو اقتراف السيئة، يقال: أجرم وجرم بمعنى أنه اكتسب الذنب، وافتعله، قال الهيردان أجد لصوص بني سعد: [الوافر] طريد عشيرة، ورهين جرم... بما جرمت يدي، وجنى لساني ومن قرأ: «(أجرامي)» بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: بريء من كفركم وتكذيبكم، ومعنى الآية: فأنتم لا تسألون عن عملي، وأنتم بريئون منه، وأنا بريء من عملكم، ولا أسأل عما تعملون، وما أشبه معنى هذه الآية بالآية رقم [٤١] من سورة (يونس)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف بمعنى (بل). ﴿يَقُولُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اِفْتَراهُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ ، أو إلى نوح ﵇، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي معترضة كما رأيت، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِ﴾: حرف شرط جازم. ﴿اِفْتَرَيْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَلَيَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليّ): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِجْرامِي﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره مصدرا، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَرِيءٌ﴾: خبره. ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: من الذي أو من شيء تجرمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من إجرامكم، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها.

стр. 2538

﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ﴾: وهذا بعد أن عذبوه بأنواع العذاب، واضطهدوه، يروى: أن رجلا من قومه حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحا ﵇، قال لأبيه: أعطني حجرا، فأعطاه حجرا، ورمى به نوحا، فأدماه، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ..﴾. إلخ وكان كلما تمادوا في المعصية، واشتد عليه منهم البلاء؛ صبر على إيذائهم، وكان ينتظر الجيل من قومه بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنحس من الذي قبله، ولقد كان القرن الآخر منهم يأتي، فيقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا، فلا يقبلون منه شيئا، فشكا نوح ﵇ إلى الله، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً..﴾. إلخ الآيات من سورة نوح هذا؛ والوحي: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والوحي الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ أجمعين وسلم تسليما كثيرا. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فلا تغتمّ بسوء صنيعهم، فإنهم هالكون. والبؤس: الحزن، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وكم من خليل، أو حميم رزئته... فلم أبتئس، والرّزء فيه جليل يقال: ابتأس الرجل: إذا بلغه شيء يكرهه، والابتئاس حزن في استكانة. الإعراب: ﴿وَأُوحِيَ﴾: الواو: حرف عطف. (أوحي): ماض مبني للمجهول. ﴿إِلى نُوحٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿يُؤْمِنَ﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿مِنْ قَوْمِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿يُؤْمِنَ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل: ﴿يُؤْمِنَ،﴾ وجملة: ﴿قَدْ آمَنَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل (أوحي)، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنه)» وفيه وجهان: أحدهما: وهو قول البصريين: أنه على إضمار القول، والثاني وهو قول الكوفيين أنه على إجراء الإيحاء مجرى القول. انتهى. سمين. وعليه فنائب الفاعل هو متعلق ﴿إِلى نُوحٍ﴾ كما قرئ «(أَوْحَى)» بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا، إلى الله، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّهُ..﴾. إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنه، وعلى قراءة «(إنه)» بالكسر يجري فيه الوجهان المذكوران عن البصريين، والكوفيين، وجملة (أوحي...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٧] (لا): ناهية. ﴿تَبْتَئِسْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، هذا؛ وإعراب: ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مثل

стр. 2539

إعراب: ﴿بِما تَعِدُنا﴾ في الآية رقم [٣٢] وقد مر معنا كثير مثلها، وجملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا علمت: أنه لن يؤمن من قومك فلا تبتئس... إلخ، و (إذا) المقدرة ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾: والخطاب لنوح ﵇، أي: اعمل السفينة التي ستنجو فيها أنت، ومن آمن معك، وإنك بحفظنا، ورعايتنا، وحراستنا، وبمرأى منا وحيث نراك، فعبر عن الرؤية بالأعين؛ لأن الرؤية تكون بها، كما عبر عن القدرة باليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ لأنها آلة القدرة، وهذا؛ ونحوه من الألفاظ التي يجب تأويلها بما يتناسب معها، فإنها من المتشابهات التي توهم خلاف ما ينبغي بحقه تعالى من حدوث وغيره، وجمع «الأعين» للتعظيم لا للتكثير، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: ولا تراجعني فيهم، ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: محكوم عليهم بالغرق في قديم الأزل، فلا سبيل إلى دفعه عنهم. هذا؛ و ﴿الْفُلْكَ﴾ بضم الفاء وسكون اللام: هي السفينة التي استقلها نوح ﵇ بمن آمن معه، وهي أول سفينة وجدت في الدنيا، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر، هذا؛ والفلك يطلق على المفرد والجمع، وعلى المؤنث والمذكر، قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد وذكر، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فتذكّر وإلى السفينة فتؤنث، وقد ألغز الشاعر فيها فقال: [الطويل] مكسّحة تجري، ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت، وعاش جنينها... وإن شربت ماتت، وفارقها الحمل هذا؛ و (الفلك) بفتحتين: مدار النجوم، ويجمع على «فلك» بضم الفاء وسكون اللام وضمها أيضا وعلى «أفلاك»، والفلك من كل شيء مستداره ومعظمه، والفلكي منسوب إلى علم الفلك، وانظر شرح (العين) في الآية رقم [٣١] و ﴿ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار، وانظر الظلم في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس). الإعراب: ﴿وَاصْنَعِ﴾: (اصنع): أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْفُلْكَ﴾ أي: مصنوعا بأعيننا، أو من الفاعل المستتر، التقدير: محفوظا برعايتنا... إلخ، و (نا): في محل جر بالإضافة. (وحينا): معطوف على ما

стр. 2540

قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية (اصنع...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (لا): ناهية. ﴿تُخاطِبْنِي﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُغْرَقُونَ﴾: خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، ونائب فاعله مستتر تقديره: «أنتم»، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها. هذا؛ وأكدت الجملة الاسمية بإن؛ لأن الكلام يشير إلى أن سائلا يسأل عن سبب النهي المتقدم، فجيء بإن المؤكدة، وهذا النوع من أنواع الخبر يسمى طلبيا، وهو من مباحث علم المعاني. ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾: حكاية حال ماضية، فالمضارع بمعنى الماضي، أي: وصنع نوح-﵇-سفينته كما أمره ربه. قال أهل السير، والأخبار: لما أمر الله نوحا بصنع السفينة، فقال: كيف أصنعها، ولست نجارا، فأوحى إليه أن اصنعها، فإنك بأعيننا، فأخذ القدوم، وجعل ينجر، ولا يخطئ، فصنعها مثل جؤجؤ الطير، ولا ريب أن جبريل ﵇ هو المهندس لهذا الصنع، فجعل يقطع الأخشاب من البرية، ولهى عن قومه، ويضرب الحديد، ويهيئ القار، وكل ما يحتاج إليه في عمل السفينة، فصار قومه يمرون به، وهو في عمله، فيسخرون منه، ويقولون: يا نوح! قد صرت نجارا بعد النبوة؟! وأعقم الله أرحام النساء، قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يولد لهن ولد. وقد اختلفوا في المدة التي تم بها صنع السفينة، فعن ابن عباس-﵄، قال: اتخذ نوح السفينة في سنتين. وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، وقيل: غير ذلك، والله أعلم. كما اختلفوا في طولها وعرضها، فعن ابن عباس-﵄: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين ذراعا، وكانت من خشب الساج، وقيل: غير ذلك، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في البطن الأسفل الوحوش، والسباع، والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب، والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى، وجعل معه ما يحتاج إليه من الزاد وغيره. انتهى. خازن وقرطبي. روي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح السفينة ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان، وقيل: جاءت الحية، والعقرب لدخول السفينة، فقال نوح ﵇: لا أحملكما؛

стр. 2541

لأنكما سبب البلاء والضرر، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ لم تضراه. ذكره القشيري وغيره، وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يمسي: صلّى الله على نوح، وعلى نوح السّلام؛ لم تلدغه عقرب تلك الليلة» انتهى. قرطبي. وذكر الخازن حكايات، هي من نوع الخرافات. ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: استهزءوا به لعمله السفينة، إما لأنهم كانوا لا يعرفونها، ولا كيفية استعمالها، والانتفاع بها، فتعجبوا من ذلك وسخروا منه، وإما لأنه كان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء، وكلما سألوه: يا نوح ما تصنع؟ قال: أبني بيتا يمشي على الماء، أو هو قولهم السابق: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟!. ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ..﴾. إلخ: المعنى: إن تستجهلونا في صنعنا، فإنا نستجهلكم لتعرضكم لما يوجب سخط الله وعذابه، وقوله ﴿نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ سمى هذا الفعل سخرية على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام، وقد مر معنا مثل ذلك كثير، انظر الآية رقم [٦٧] التوبة و [٣٠] الأنفال وغيرهما، وانظر الكلام على الاستهزاء في الآية رقم [٦٤] من سورة (التوبة). الإعراب: ﴿وَيَصْنَعُ﴾: الواو: حرف استئناف. (يصنع): مضارع، والفاعل يعود إلى نوح ﵇. ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَكُلَّما﴾: الواو: واو الحال. (كلما): ظرفية متعلقة بجوابها، وكذلك كل موضع كان لها جواب، وهذا يعني: أنها متضمنة معنى الشرط، وهذا هو المشهور؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وتفصيل الإعراب: (كل): ظرف زمان. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿مَرَّ﴾: ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان به. ﴿مَلَأٌ﴾: فاعله. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَلَأٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) والفعل ﴿مَرَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت مرور الملأ عليه، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل)، انظر مبحث (كلما) في كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿سَخِرُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ جواب (كلما) لا محل لها، وقيل: الجواب جملة: ﴿قالَ إِنْ..﴾. إلخ وجملة: ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ صفة: ﴿مَلَأٌ... ،﴾ أو هي بدل من جملة: ﴿مَرَّ..﴾. إلخ وهو بعيد جدا؛ إذ ليس سخر نوعا من المرور، ولا هو هو، فكيف يبدل منه، وعليه فالمعتمد الأول، ومثله ما قيل في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران)، و (كلما) ومدخولها في محل نصب حال من فاعل (يصنع) المستتر والرابط: الواو، والضمير المجرور بحرف الجر. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَسْخَرُوا﴾: مضارع فعل الشرط

стр. 2542

مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنّا﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و «نا»: اسمه، وحذفت نونها، وبقيت ألفها، وجملة: ﴿نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على المعتمد. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و (ما): مصدرية. ﴿تَسْخَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: كما تسخرون منا، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: فإنا نسخر منكم سخرية كائنة مثل سخريتكم بنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تهديد ووعيد، والفعل يحتمل أن يكون من «العلم»، وأن يكون من المعرفة. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾: يذله، ويهينه، والمراد به: عذاب الدنيا. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: المراد به عذاب الآخرة؛ الذي لا ينقطع، وهو عذاب النار. الإعراب: ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول إن كان الفعل من العلم، والثاني محذوف، واعتباره من المعرفة هنا أولى. تأمل. و ﴿مَنْ﴾ تحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، التقدير: أينا يأتيه العذاب؟ وجملة: ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ؛ وعليه يكون الفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، أو مفعوليه حسب ما رأيت، وجملة: ﴿يُخْزِيهِ﴾ في محل رفع صفة عذاب، وجملة: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾: نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، والتنور: تنور الخبز، ابتدع منه الينبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع

стр. 2543

مسجدها، أو في الهند، وهو قول ضعيف، أو بعين وردة بأرض الجزيرة، وقيل: التنور: وجه الأرض جميعها، وقيل: أعاليها، وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول هذا؛ وما يقال: إنه عين التنور الموجودة قرب حمص؛ لم يقل به أحد من المفسرين، وكان فوران الماء منه إيذانا لنوح ﵇، ودليلا على هلاك قومه، قال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف] فار تنورهم، وجاش بماء... صار فوق الجبال حتّى علاها قال القرطبي: والتنور أعجمي عربته العرب؛ لأن أصله: تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] و [٢٣] من سورة (يوسف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها﴾ أي: في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ أي: من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها احمل اثنين. ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: ذكر وأنثى، وذلك لبقاء أصل النسل بعد الطوفان، هذا؛ والزوج يطلق على الزوجة وحدها، وعلى الزوج وحده، وهو المراد هنا؛ أي: احمل من كل فردين متزاوجين اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر. قال ابن عباس-﵄: أول ما حمل نوح الدّرّة، وآخر ما حمل الحمار. قال البغوي: وروى بعضهم أن الحية والعقرب أتيا نوحا ﵇، وقالا: احملنا معك، فقال: إنكما سبب البلاء فلا أحملكما. فقالا: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرتهما: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ لم يضراه، وهناك أقوال وروايات كثيرة ضربت عنها صفحا. هذا؛ ويذكر أن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما. فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، ويده اليسرى على الأنثى، فيحملهما في السفينة. ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾: المراد بأهلك: زوجته المؤمنة وأولاده المؤمنون، وهم: سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم. ومن سبق عليه القول في قديم الأزل بالهلاك وعدم الإيمان: ابنه كنعان وأمه واعلة فإنها كانت كافرة كامرأة لوط. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: احمل المؤمنين من غير أهلك. ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾: قيل: كان المؤمنون معه تسعة وسبعين وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقال الحسن رحمه الله تعالى: لم يحمل نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق، والذباب، والدود، فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين، هذا؛ وإنما جيء ب (علي) لأن السابق ضار، كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١٠١] من سورة (الأنبياء). والمراد بالقول هنا ما عبر عنه في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.

стр. 2544

الإعراب: ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل ﴿إِذا،﴾ وقد ردّه ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش تحتمل أن تكون متعلقة بالفعل: (يصنع)، وهو ظاهر قول الزمخشري، وأن تكون متعلقة بمحذوف دل عليه السياق، التقدير: دام ذلك إلى مجيء أمرنا، أو وقت مجيئه بالعذاب والإهلاك. ﴿إِذا﴾: ظرف مجرور ب ﴿حَتّى﴾ على قول الأخفش، وظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ معطوفة عليها. ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿اِحْمِلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾: هنا قراءتان: يقرأ ﴿كُلٍّ﴾ بإضافة وبدون تنوين، وفيه وجهان: أحدهما: أن ﴿اِثْنَيْنِ﴾ مفعول به، وعليه فالجار والمجرور ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿اِثْنَيْنِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والثاني أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿كُلٍّ﴾ مفعول به مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعليه ف ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد، وهذا على قول الأخفش، والقراءة الثانية بتنوين ﴿كُلٍّ،﴾ ولا إضافة، وعليه فمفعول ﴿اِحْمِلْ،﴾ هو زوجين، و ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد له، والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ يحتمل تعليقهما ب ﴿اِحْمِلْ،﴾ ويحتمل بمحذوف حال من ﴿زَوْجَيْنِ،﴾ كان صفة له... إلخ، التقدير: احمل زوجين اثنين حالة كونهما من كل صنف من أصناف الحيوانات، ولا تنس أن القراءتين ترجعان إلى معنى واحد، معه آخر لا يستغنى عنه، وجملة: ﴿اِحْمِلْ فِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها هذا؛ وقال الكوفيون: جواب ﴿إِذا﴾ جملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ والواو زائدة، وله نظائر كثيرة في كتاب الله تعالى وعليه فجملة: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى هنا؛ وإن كان الثاني يرجح في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الصافات)، والآية رقم [٧٣] من سورة (الزمر)، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له على اعتبار ﴿حَتّى﴾ ابتدائية. (أهلك): معطوف على مفعول ﴿اِحْمِلْ﴾ على القراءتين، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. وجملة: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور ب (على). (من): مثل سابقتها، فهي في محل نصب معطوفة على مفعول ﴿اِحْمِلْ؛﴾ إذ التقدير: واحمل الذي أو شخصا، وجملة: ﴿آمَنَ﴾ صلة (من)، أو صفتها والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ﴾: فاعل، وجملة: ﴿وَما آمَنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا لا يجوز؛ لأنه لا يوجد صاحب حال.

стр. 2545

﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: الله، أو نوح ﵇. ﴿اِرْكَبُوا فِيها﴾ أي: ادخلوها، وجعل ذلك ركوبا؛ لأنها في الماء كالمركوب في الأرض، والركوب: العلو على ظهر الشيء، ويقال: (ركبه الدين) على طريق الاستعارة التصريحية. ﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾: يقرءان بفتح الميم على أنهما اسما زمان، أو مكان، أو هما مصدران، ويقرءان بالفتح الخالص وبالإمالة كما يقرءان بضم الميم والكسر الخالص على أنهما اسما فاعل. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ أي: لمن أذنب، و ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده التائبين، فهما صيغتا مبالغة. بعد هذا فاسم: قد اختلف العلماء في اشتقاقه؛ انظر البسملة في أول سورة (يوسف)، عليه وعلى نبينا، ألف صلاة، وألف سلام. ولعلك تدرك معي أيها القارئ الكريم: أن نوحا ﵇ لم ينطق بالرحمن الرحيم لتفهم: أن البسملة بكاملها إنما هي من خصائص أمة محمد ﷺ ، وهناك أحاديث شريفة كثيرة تحث على ابتداء كل عمل بالبسملة الشريفة، وتبين فضلها وشرفها وما لقائلها من ثواب عظيم وأجر كبير، وقد ذكرت بعضها في شرح البسملة المذكور. تنبيه: قال عكرمة: ركب نوح ﵇ في الفلك لعشر خلون من رجب، واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم، فذلك ستة أشهر، وقال قتادة وزاد: وهو يوم عاشوراء، فقال لمن كان معه: «من كان صائما فليتم صومه، ومن لم يكن صائما فليصمه»، وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي ﷺ : «أن نوحا ركب في السفينة أول يوم في رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة، إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه». انتهى. قرطبي. وأضيف أن السفينة مرت بالبيت الحرام، وقد رفعه الله من الغرق، وبقي موضعه، فطافت السفينة به سبعا، وأودع الحجر الأسود جبل أبي قبيس وبقي فيه حتى بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة، فأخذ إبراهيم الحجر من أبي قبيس، ووضعه مكانه. الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى الله، أو إلى نوح. ﴿اِرْكَبُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: (في) زائدة، والضمير (ها) مفعول به، والتقدير: اركبوها، فهو على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾. ﴿بِسْمِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: اركبوا مسمين الله، أو قائلين: باسم الله. ﴿مَجْراها﴾: على اعتباره ظرف زمان أو مكان هو متعلق بالحال المحذوفة، أي: وقت إجرائها، أو مكان إجرائها على حد (أتيتك مقدم الحاج) أو (آتيك خفوق النجم)، وعلى اعتباره مصدرا فهو فاعل بمتعلق

стр. 2546

الجار والمجرور، هذا؛ وجه للإعراب، والوجه الثاني الجار والمجرور ﴿بِسْمِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿مَجْراها﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال مقدرة من واو الجماعة، أو من الضمير في: ﴿فِيها﴾ وهي حال مقدرة أيضا، وعلى هذين الاعتبارين فالفتحة، أو الضمة مقدرة على الألف، والوجه الثالث: اعتبار ﴿مَجْراها﴾ صفة لله، وهذا على القراءة بضم الميم والكسر الخالص، كما جوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو مجراها، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير المقدر مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿اِرْكَبُوا فِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (غفور): خبر إن. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها على اعتبار القائل نوحا، ومستأنفة على اعتبار القائل (الله) جل اسمه، وتعالى شأنه. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: فتقدير الكلام فركب نوح ﵇ ومن معه في السفينة ذاكرين اسم الله، وهي تسير بهم، وهم في داخلها. ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ أي: في موج من الطوفان، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، كل موجة منه كجبل في تراكمها وارتفاعها، ف ﴿مَوْجٍ﴾ جمع: موجة، مثل تمر وتمرة، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت، والمشهور: أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعا، وإن صح فلعل ذاك قبل التطبيق. انتهى. بيضاوي. ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: كنعان. وقيل: اسمه (يام) والمشهور الأول، هذا؛ ويقرأ ﴿اِبْنَهُ﴾ بضم الهاء وفتحها بألف وبدونه، وأوّل على أنه كان ابن زوجته، والمعتمد: أنه ابنه من صلبه، كما يقرأ بسكون الهاء، وبألف الندبة، وإلحاق هاء السكت قراءات كثيرة، ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ أي: عزل نفسه عن أبيه مع أمه، أو عزل نفسه عن دين أبيه، و ﴿مَعْزِلٍ﴾ بكسر الزاي، وفتحها. ﴿يا بُنَيَّ﴾: تصغير ابن، وأصله الأصيل: (بنو)، فلما صغر صار (بنيو)، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة التي هي ياء المتكلم؛ لأنها

стр. 2547

كلمة برأسها، هذا؛ ويقرأ (بنيّ) بفتح الياء وكسرها. ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ أي: فتهلك معهم، وانظر الكفور في الآية رقم [٩]. الإعراب: ﴿وَهِيَ﴾: (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هي». ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿فِي مَوْجٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَالْجِبالِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَوْجٍ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الصفة، وتكون مضافة و (الجبال) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هي...) إلخ مستأنفة لا محل لها إن أردت الإعراض عن الكلام السابق، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ إن أردت اتصال الكلام بسابقه، والرابط: الواو، والضمير. (نادى): ماض. ﴿نُوحٌ﴾: فاعله. ﴿اِبْنَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (نادى...) إلخ معطوفة على الجملة السابقة قبلها على الاعتبارين فيها، والرابط على الحالية الرابط في الجملة السابقة؛ لأن الجملتين المتعاطفتين الجملة الواحدة. (كان): ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿اِبْنَهُ﴾. ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿اِبْنَهُ﴾ فتكون حالا متداخلة من وجه واحد، والرابط: الواو، والضمير. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِرْكَبْ﴾: أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة، الجملتان ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ تفسير لقوله: (نادى) وهي عند البصريين في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وقال الكوفيون: في محل نصب مفعول به للفعل: (نادى). الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿تَكُنْ﴾ و ﴿مَعَ﴾: مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَلا تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة التفسير. ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: كنعان. ﴿سَآوِي﴾: سألتجئ، تقول: أوى إليه: إذا التجأ واطمأن إليه، وانظر الآية [٦٩] من سورة (يوسف)، وأصله سأأوي بهمزتين، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى. ﴿إِلى جَبَلٍ﴾ أي: مرتفع، قيل: هو طور سيناء وليس بشيء، ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ﴾

стр. 2548

الْماءِ أي: يحفظني أن أغرق بالماء. ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي: لا حافظ ولا مانع من عذاب الله في هذا اليوم. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ أي: لكن من ﵀ فهو يعصمه ويحفظه، ولا يحفظ إلا المؤمنين. ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ أي: بين نوح وابنه، أو بين ابنه والجبل، ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي: الهالكين في الماء. تنبيه: قال العلماء بالسير: أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، وخرج من الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ يعني صار الماء نصفين، نصفا من السماء، ونصفا من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا، وقيل: خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء، وهذا يعني: أنه عم جميع الأرض، وأضيف؛ أنه ذكر في الأثر: أن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه نزل منه ما لا يحفظه الملك، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. قال عبد الوهاب النجار: ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الأحياء التي لا تعيش إلا في الماء، وهذا يشير إلى أن الطوفان عم جميع الأرض، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عاما بل طغيان الماء لما كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه. انتهى. بتصرف، ومال إلى ترجيح الثاني، وأرجّح الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: قد يرد سؤال: كيف اقتضت الحكمة الإلهية إغراق من لم يبلغوا الحلم من الأطفال، ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم، وكذلك إغراق البهائم والهوام والطير وغير ذلك من الحيوان، وإهلاك أطفال الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح؟ والجواب الشافي عن هذا كله: أن الله متصرف بخلقه، وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. انتهى. خازن بتصرف كبير. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿سَآوِي﴾: السين: حرف استقبال. (آوي): مضارع مرفوع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿إِلى جَبَلٍ﴾: متعلقان به. ﴿يَعْصِمُنِي﴾: مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿جَبَلٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة له. ﴿مِنَ الْماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَآوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ﴾: ماض وفاعله يعود إلى نوح. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿عاصِمَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالمصدر بعده. ﴿مِنْ أَمْرِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ و ﴿أَمْرِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر

стр. 2549

لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿لا عاصِمَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها وسابقتها بمنزلة جواب سؤال مقدر. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء منقطع، وهي بمعنى: (لكن). ﴿مِنَ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَحِمَ﴾: فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي أو شخصا رحمه الله تعالى، وقيل: ﴿مِنَ﴾ في موضع رفع بدل من موضع: ﴿عاصِمَ﴾ وذلك على تقديرين: أحدهما: أن يكون ﴿عاصِمَ﴾ على بابه فيكون التقدير: لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الله، وقيل: إلا الراحم، والراحم هو الله جل ذكره، والتقدير الثاني على أن يكون ﴿عاصِمَ﴾ بمعنى معصوم، فيكون التقدير: لا معصوم من أمر الله اليوم إلا المرحوم، فيكون عاصم مثل ماء دافق، أي: مدفوق. انتهى. مكي. وشبيه به العكبري، وهناك وجه آخر: وهو اعتبار ﴿مِنَ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فهو المعصوم، أو المرحوم، وعليه فالجملة الاسمية: (من ﵀ فهو المعصوم) في محل نصب على الاستثناء من عموم الأحوال. ﴿وَحالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (حال): ماض. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الْمَوْجُ﴾: فاعل، وجملة (حال...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: بعد ما تناهى الطوفان، وأغرق الله قوم نوح. ﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ أي: اشربيه في جوفك. ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ أي: أمسكي الماء. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-نوديا بما ينادى به أولو العلم، وأمرا بما يؤمرون تمثيلا لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه. انتهى. ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ أي: نقص، يقال: غاض الشيء وغضته أنا، كما يقال: نقص بنفسه، ونقصه غيره، وانظر الآية [٨] من سورة (الرعد)، ويقرأ الفعل بالكسر الخالص والإشمام، وبالضم أيضا. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: أحكم، وفرغ منه، وذلك بإنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي: استقرت السفينة على الجودي: وهو جبل في نواحي ديار بكر من بلاد الجزيرة، وهو يتصل بجبال أرمينية، وهو ما في القاموس.

стр. 2550

﴿بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: هلاكا لهم، يقال: بعد بكسر العين بعدا بضم فسكون، وبعدا بفتحتين: إذ بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبي: والبعد: الهلاك، والبعد: التباعد من الخير، يقال: بعد يبعد بعدا: إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعدا: إذا هلك، قالت خرنق أخت طرفة بن العبد البكري لأمه: [السريع] لا يبعدن قومي الذين همو... سمّ العداة وآفة الجزر وقال النابغة: [الطويل] فلا تبعدن إنّ المنيّة منهل... وكلّ امرئ يوما به الحال زائل وخذ قول فاطمة بنت الأخرم الخزاعية تبكي إخوتها: [المديد] إخوتي لا تبعدوا أبدا... وبلى والله قد بعدوا كلّ ما حيّ وإن أمروا... واردو الحوض الذي وردوا تنبيه: قال بعضهم: هذه الآية أبلغ آية في القرآن، وقد احتوت من أنواع البديع على أحد وعشرين نوعا، فيها تسع عشرة كلمة، وخوطبت الأرض أولا بالبلع؛ لأن الماء نبع منها أولا قبل أن تمطر السماء. انتهى. جمل. وقال البيضاوي: هذه الآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي من الإخلال، وإيراد الأخبار على البناء للمفعول للدلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغنى عن ذكره؛ إذ لا يذهب الوهم إلى غيره، للعلم بأن مثل هذه الأفعال، لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. انتهى. أقول: يروى: أن عبد الله بن المقفع رام معارضة القرآن، وكتب في ذلك وريقات فمر بسوق البصرة بقارئ يقرأ القرآن، وسمع منه هذه الآية، فقال: أشهد أن هذا لا يعارض، ولا يقدر على مثله البشر، وعاد إلى بيته، وأتلف ما كتبه. فائدة: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلّى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا. بعد هذا انظر إعلال (ماء) في الآية رقم [٧]، وإعلال (سماء) في الآية رقم [٣١] يونس، وشرح ﴿وَقُضِيَ﴾ في الآية [٤٤] الأنفال، وشرح القوم في الآية [٢٨] و (البغي) في الآية [٢٣] يونس، وإعلال ﴿وَقِيلَ﴾ في الآية [٣٨] سورة (التوبة). الإعراب: ﴿وَقِيلَ﴾: (قيل): ماض مبني للمجهول. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أرض): منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿اِبْلَعِي﴾: أمر مبني

стр. 2551

على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، وانظر إعراب: ﴿تُوبُوا﴾ في الآية [٣] والجملتان الندائية والطلبية في محل رفع نائب فاعل، وهذا جاز على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل ويقام المفعول مقامه) وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول: وعليه فالجملتان في محل نصب مقول القول، وجملة: (قيل...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ماءَكِ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾: ماض مبني للمجهول ونائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قيل...) إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. (استوت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى السفينة المفهومة من المقام، وهو مثل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾. ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ..﴾. إلخ فإن الفاعل يعود إلى الروح، ولم يتقدم لها ذكر، وهذا؛ وارد في الشعر العربي والكلام العربي. ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (استوت...) إلخ معطوفة على جملة: (قيل...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بُعْداً﴾: مفعول مطلق بفعل محذوف، والجملة نائب فاعل (قيل)، أو في محل نصب مقول القول. ﴿لِلْقَوْمِ﴾: متعلقان بالمصدر. ﴿الظّالِمِينَ﴾: صفة (القوم) مجرور إلخ، وجملة: (قيل...) إلخ معطوفة على مثيلتها لا محل لها مثلها. ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أي: دعاه، وسأله. ﴿فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، فما حاله وما حصل له؟! هذا؛ وقد قيل: إن نوحا ﵇ سأل ربه نجاة ابنه؛ لأنه لم يعلم كفره، ولو علم منه الكفر؛ لما سأل الله له النجاة؛ إذ محال أن يسأل الله تعالى هلاك الكفار، ثم يطلب منه إنجاء بعضهم، وقيل: كان ابنه يسر الكفر، ويظهر الإيمان، فأخبره الله في الآية التالية بما هو منفرد به من علم الغيب. ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي: وإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾: لأنك أعلمهم، وأعدلهم، حيث حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالهلاك. تنبيه: قال مكي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب؛

стр. 2552

ليزول معنى الأمر وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم والإجلال والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. الإعراب: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقالَ﴾: الفاء: زائدة، أو هي حرف تفسير هنا. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿نُوحٌ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذف منه أداة النداء منصوب... إلخ، انظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٨] فهو مثله، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اِبْنِي﴾: اسمها منصوب. ﴿مِنْ أَهْلِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والفتحة في الأول، والكسرة في الثاني مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورهما اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ رَبِّ..﴾. إلخ مفسرة لقوله تعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ في محل نصب حال من ﴿رَبِّ﴾ والرابط: الواو، والضمير، ومجيء الحال من المنادى مستعمل لغة، قال الشاعر: [البسيط] يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْكَمُ﴾: خبره، وهو مضاف، و ﴿الْحاكِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: وذلك لقطع الولاية بين المؤمن والكافر، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب. ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾: فهذا تعليل لنفي كونه من أهله، وأصله: إنه ذو عمل فاسد، فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة ترتع وقد ذهب عنها ولدها: [البسيط] ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت... فإنّما هي إقبال وإدبار أي: ذات إقبال وإدبار، هذا؛ ويجوز أن يكون الضمير للسؤال، أي: إن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، هذا؛ وقرأ الكسائي ويعقوب: ﴿(إِنَّهُ عَمَلٌ)﴾ أي: ابنك عمل عملا غير

стр. 2553

صالح. ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: فلا تسأل الذي لم تعلم: أهو صواب أم ليس بصواب؟ وإنما سأل نوح ﵇ ذلك؛ لشدة شفقته على ولده، وهو لا يعلم أن ذلك محظور لإصراره على الكفر، فنهاه الله عن مثل هذه المسألة، هذا؛ وقد قرئ: ﴿تَسْئَلْنِ﴾ بفتح اللام وتشديد النون مفتوحة ومكسورة بياء المتكلم وبدونها، وقراءة حفص بسكون اللام وكسر النون، وبدون ياء المتكلم. ﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾ أي: أنهاك عن هذا السؤال. ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي: أرفع مقامك عن مقام الجاهلين، وأجعلك في مقام العلماء والعارفين، وانظر شرح الجهل في الآية رقم [٢٩]. تنبيه: قد استدل بعضهم بهذه الآية على أن كنعان لم يكن ابن نوح من صلبه، وإنما هو ربيبه ابن امرأته، وبعضهم يقول: إنه ابن زنى؛ لأنه لم يقل: إنه مني؛ وقد رأيت كثرة القراءات في قوله ﴿اِبْنَهُ﴾ في الآية رقم [٤٢] وهذان القولان لا يعول عليهما، والصحيح إنه ابنه من صلبه، وقد سبق القول في حقه أنه من الكافرين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿غَيْرُ﴾ اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة أو غيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم أو الفتح خلاف. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (نوح): مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى كنعان. ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَمَلٌ﴾: خبر مرفوع. ﴿غَيْرُ﴾: صفة: ﴿عَمَلٌ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾: مضاف، و ﴿صالِحٍ﴾: مضاف إليه، وعلى القراءة الثانية ف (عمل) ماض، وفاعله يعود إلى كنعان و (غير) مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي تعليل للنفي، وهي بدورها من مقول نوح. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر ما ذكرته في الآية [١٧]. (لا): ناهية. ﴿تَسْئَلْنِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول، وعلى القراءة بتشديد النون فهو مبني على الفتح في محل جزم ب (لا) الناهية، وعلى كسر النون وتشديدها، وهي نون التوكيد حرف لا محل له؛ فالياء مفعول به، حذفت، أو ذكرت ورسمت، وعلى جميع القراءات فالفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص. ﴿أَهْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالخبر

стр. 2554

المحذوف، أو هما متعلقان ب ﴿عِلْمٌ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿عِلْمٌ﴾: اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: (وإذا كان ذلك واقعا فلا...) إلخ وهذا الكلام في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها، وجملة: ﴿أَعِظُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية من مقول نوح. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿تَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبره، و ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف على مذهب الكوفيين، التقدير: لئلا تكون، أو هو في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة كونك من الجاهلين، ومثل الآية الكريمة قول عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته المشهورة. [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾: أستجير، وأتحصن بك. ﴿أَنْ أَسْئَلَكَ﴾ أي: بعد ذلك شيئا لا علم لي بصحته. ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ أي: جهلي وإقدامي على سؤال ما ليس لي به علم. ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾: برحمتك؛ التي وسعت كل شيء. ﴿أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: الذين خسروا دنياهم وآخرتهم، وانظر ما ذكرته في الآية [٢٢]. تنبيه: لقد استدل بهذه الآية من لا يرى عصمة الأنبياء من الذنوب. وملخص الجواب: أن نوحا ﵇، كان قد وعده ربه بأن ينجيه وأهله، فأخذ بظاهر اللفظ، ولم يعلم ما غاب عنه، ولم يشك في وعد الله ، فأقدم على سؤال ربه أن ينجي ابنه لهذا السبب ولأنه من أهله، فعاتبه ربه على سؤاله ما ليس له به علم، وبيّن له السبب الذي من أجله أهلك ابنه مع الهالكين، فخاف نوح-﵇-من عاقبة هذا السؤال، فلجأ إلى الله، وسأله المغفرة والرحمة؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وانظر ما ذكرته في الآية [٤٣] التوبة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى نوح. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذف منه أداة النداء، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٨] فهو مثله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿أَسْئَلَكَ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾

стр. 2555

والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية السابقة، والمصدر المؤول من: (أن أسأل) في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أعوذ بك من سؤالي إياك الذي، أو شيئا... إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِلاّ﴾: الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إلا): هي (إن) الشرطية مدغمة في (لا) النافية. ﴿تَغْفِرْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي﴾: متعلقان بما قبلهما، والمفعول محذوف لوضوحه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (ترحمني): مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَكُنْ﴾: مضارع ناقص جواب الشرط، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَكُنْ،﴾ والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿أَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ أي: قالت الملائكة، أو قال الله تعالى له: انزل من السفينة، أو من الجبل إلى الأرض بسلامة، وأمن منا. ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾: البركة: ثبوت الخير وزيادته، وقيل: المراد بالبركة هنا: أن الله جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، فكل العالم من ذرية أولاده الثلاثة. ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أي: وبركات عليك؛ وعلى قرون، وأجيال تجيء من بعدك من ذرية أولادك، وهم المؤمنون، قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة، وإنما سموا أمما؛ لأنهم أمم متحزبة، وجماعات متفرقة. أو لأن جميع الأمم قد تشعبت منهم. أو التقدير: وعلى أمم ناشئة ممن معك. ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أي: وأمم كافرة يحدثون بعدك سنمتعهم في الأموال والبنين في هذه الدنيا إلى انتهاء آجالهم. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ثم يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة جزاء كفرهم، وعنادهم. الإعراب: ﴿قِيلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿يا نُوحُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب «يا» النائبة مناب أدعو. ﴿اِهْبِطْ﴾: أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِسَلامٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: اهبط مصحوبا بسلام. ﴿مِنّا﴾: متعلقان ب (سلام) لأنه اسم مصدر، أو بمحذوف صفة له. (بركات): معطوف على (سلام).

стр. 2556

﴿عَلَيْكَ..﴾.: متعلقان ب (بركات)، أو بمحذوف صفة له، ويقرأ: «(بركة)» بالإفراد، والكلام ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: قيل القول، وعليه فالكلام المذكور في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾: معطوفان على ما قبلهما، وانظر الشرح. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَمٍ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿مَعَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أو هو متعلق بمحذوف صفة (من) إن كانت نكرة، والكاف في محل جر بالإضافة. (أمم): قال أبو البقاء: معطوف على فاعل ﴿اِهْبِطْ﴾ المستتر، تقديره: اهبط أنت وأمم، وكان الفصل بينهما مغنيا عن التوكيد، ولا أعتمده؛ لأن الكلام مستأنف وعليه ف (أمم) مبتدأ، وجملة: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في محل رفع خبره. قاله الجمل. وقال الزمخشري: الجملة صفة: (أمم)، والخبر محذوف، وبه قال النسفي، والتقدير: وممن معك أمم ممتعون، وإنما حذف؛ لأن ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ يدل عليه، والجملة الاسمية مستأنفة؛ إن كان القائل الملائكة، وداخلة في مقول القول؛ إن كان القائل هو الله تعالى. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَمَسُّهُمْ﴾: مضارع، والهاء مفعول به. ﴿مِنّا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿يَمَسُّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾: الإشارة إلى قصة نوح التي مر ذكرها وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة وهي للبعد، والقصة في متناول اليد، وذلك للإيذان بشأنها، والاهتمام بها، وأنها جديرة بأن يستفيد منها كل إنسان؛ ليتعود على تحمل الأذى، والصبر على ما ينوب من متاعب هذه الدنيا، ومصاعبها، فهي من أخبار الغيب. ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى نخبرك بها، أو نلقي إليك خبرها. ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾: لم يكن عندك علم بقصة نوح-﵇-قبل نزول القرآن عليك، وأيضا قومك قريش لم يكونوا يعلمونها تفصيلا، وإن كانوا يسمعون بها إجمالا؛ لأنها كانت معروفة ومشهورة عند جميع الأجيال والقرون. ﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمد على أذى قومك، كما صبر نوح على أذى قومه. ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾: المحمودة بالنصر والظفر على الأعداء والفوز بالسعادة الأبدية، إنما هي ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشرك والمعاصي. بعد هذا انظر: (الوحي) في الآية [٣٦]، وإعلال ﴿كُنْتَ﴾: في الآية [٢٨]، وشرح (قوم) في الآية [٢٨] وانظر (التقوى) في الآية رقم [١] الأنفال، و ﴿الْغَيْبِ﴾ كل ما غاب عنا، ولم نشاهده

стр. 2557

ولم نسمع به، و ﴿أَنْباءِ﴾ جمع: نبأ، وهو الخبر، وانظر الآية رقم [١٢٠] الآتية، وانظر (الصبر) في الآية رقم [١١٥] الآتية، وانظر (نا) في الآية [٨]. تنبيه: الآية الكريمة تذكر النبي ﷺ بما أنعم الله عليه من نعم، ومثلها كثير في القرآن الكريم، وفيه منّ على الرسول العظيم، وهذا المنّ من الله على نبيه مقبول؛ لأن الله يمن بما يملك حقيقة، فهو المتفضل والمنعم. بخلاف منّ العبد على العبد بما يسديه إليه من معروف، فهو مذموم، ومحبط للأعمال، وقد بينت ذلك آية البقرة [٢٦٢]. الإعراب: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿أَنْباءِ﴾: مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿نُوحِيها﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُها﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، و (ها): مفعول به، واكتفى به؛ لأنه من المعرفة لا من العلم واليقين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿قَوْمُكَ﴾: معطوف على الضمير المستتر في الفعل. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿تَعْلَمُها،﴾ و ﴿قَبْلِ﴾: مضاف، و ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿تَعْلَمُها..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ، هذا؛ وأجيز اعتبار جملة: ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ في محل نصب حال من أنباء الغيب والعامل في الحال اسم الإشارة، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، فتكون حالا متداخلة، والرابط في الجملتين: الضمير فقط، كما أجيز تعليق: ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ بالفعل بعدهما، أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب، فتكون جملة: ﴿نُوحِيها..﴾. إلخ هي الخبر وهذه الآية مثل الآية رقم [٤٤] من آل عمران، ومثلهما الآية رقم [١٠٠] الآتية، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة والأول هو المعتمد من كل هذه الاعتبارات. الفاء: هي الفصيحة. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، والجمل الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا؛ فتأسّ، واصبر، هذا؛ وإن اعتبرت جملة: (اصبر) مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْعاقِبَةَ﴾: اسمها. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 2558

﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف). ﴿قالَ﴾ أي: هود ﵇. ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾: وحدوه ولا تشركوا به شيئا. ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: ليس لكم إله يستحق العبادة، غير الله؛ لأنه سبحانه هو المنعم، والمتفضل بالإيجاد والإعدام، وكل شيء في هذا الكون تحت تصرفه، وقهره، وجبروته. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾: تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان آلهة تعبدونها من دونه . الإعراب: ﴿وَإِلى عادٍ﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وأرسلنا، والواو عطفت قصة هود بكاملها على قصة نوح، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أَخاهُمْ﴾: مفعول به للفعل المقدر منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هُوداً﴾: بدل مطابق من: ﴿أَخاهُمْ﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى، وانظر تفصيله في الآية [٢٨]، ﴿اُعْبُدُوا﴾: أمر، والواو فاعله، وانظر ﴿تُوبُوا﴾ في الآية رقم [٣]، ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول مع الجملة الندائية قبلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ﴾: يقرأ بالرفع على أنه صفة إله أو بدل منه على المحل، ويقرأ بالجر تبعا للفظ، ويقرأ بالنصب على الاستثناء، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُفْتَرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية من مقول هود. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾: لا أطلب منكم ثوابا، ولا مكافأة على تبليغ رسالة ربي، والدعاء إليه والإيمان به، فيثقل عليكم. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ما أجري وثوابي إلا على الذي خلقني. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾: استفهام توبيخي، أي: أفلا تستعملون عقولكم، وتميزون بها المحق من المبطل، والحسن من القبيح؟! أو أفلا تتدبرون ما جرى على قوم نوح لما كذبوه، وأنتم من نسلهم وسلالتهم؟! وانظر العقل في الآية [٢] من سورة (يوسف)؛ فإنه جيد.

стр. 2559

قال البيضاوي: خاطب كل رسول قومه به، إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. الإعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية [٢٨] ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَجْراً﴾: مفعول به ثان. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى الَّذِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿فَطَرَنِي﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. انظر الآية رقم [٢٤] ولعلك تدرك معي بعد ذلك أن الآية برمتها في محل نصب مقول القول، أي: إنها من مقول هود على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾: كثيرة الأمطار. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ أي: شدة مع شدتكم، ويضاعف قوتكم، وإنما رغبهم بكثرة الأمطار وزيادة القوة؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات، وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود ﵇ إن هم آمنوا وتابوا أن يرسل الله عليهم المطر، ويعيد أرحام النساء إلى ما كانت عليه، فيزدادون قوة بالأموال والأولاد. ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أي: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر، هذا؛ والإعراض والتولي والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. و (مدرار) مفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث، هذا؛ و (زاد) ضد نقص، يكون لازما كقولك: زاد المال، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا؛ بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما ومدّا تمييز، ومثله قل في «نقص»، ومن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾. فائدة: جاء رجل إلى الحسن البصري، وشكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بساتينه، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر

стр. 2560

عدم الولد، فقال: استغفر الله، ثم تلا عليهم جميعا قوله تعالى حكاية عن قول نوح ﵇ لقومه: ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾. الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨]. ﴿اِسْتَغْفِرُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿تُوبُوا﴾ في الآية رقم [٣] ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يُرْسِلِ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر، التقدير: إن تستغفروا؛ يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿السَّماءَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يُرْسِلِ﴾. ﴿مِدْراراً﴾: حال من ﴿السَّماءَ﴾. (يزدكم): معطوف على ﴿يُرْسِلِ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿قُوَّةً﴾: مفعول به ثان. ﴿إِلى قُوَّتِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قُوَّةً،﴾ و ﴿إِلى﴾ بمعنى (مع) هنا، كما في آية الوضوء، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَتَوَلَّوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها من مقول هود ﵇، أي: فهي في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا هُودُ﴾ أي: قالوا ذلك استهزاء وتكبرا وعنادا. ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾: بمعجزة أو بحجة، وبرهان على صحة دعواك، وصدق قولك، قال الجمل: وكانت معجزته ما يأتي في قوله: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ حيث عصمه الله منهم مع قدرتهم على ما هددوه به، وقيل: هي الريح الصرصر المذكورة في سورة الحاقة. انتهى. أقول: الريح ليست بمعجزة؛ لأنها أهلكتهم، وقد ذكرت في سورة (الأعراف): أن القرآن الكريم لم يذكر لهود معجزة كما ذكر لصالح، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ . ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لا نترك عبادة الأوثان من أجل قولك، ودعوتك، وهذا تيئيس منهم لهود ﵇. ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين ما تقول، وتدعيه، وهذا تأكيد لإقامتهم على الكفر، وإقناط لهود من الإجابة.
следующие страницы →