← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شيء لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته». وثبت في الصّحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وفي صحيح مسلم: «ذروني ما تركتكم: فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». وهذا إنّما قاله بعد ما أخبرهم: أنّ الله كتب عليهم الحجّ، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثا، ثم قال ﷺ : «لا، ولو قلت: نعم؛ لوجبت؛ ولو وجبت؛ لما استطعتم». ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم». ولهذا قال أنس بن مالك-﵁: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرّجل من أهل البادية، فيسأله؛ ونحن نسمع. وعن ابن عباس-﵄-قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلّها في القرآن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ و ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ و ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ يعني: هذا وأشباهه، رواه البزّار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ﵄. هذا؛ ويفيد: أنّ الخطاب للمؤمنين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فقد سأل بنو إسرائيل موسى أسئلة كثيرة كلّها تعنّت، وعناد، مثل قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ..﴾. إلخ وغير ذلك كثير. وقيل: السائل اليهود، فعن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حرملة، ووهب بن زيد: يا محمد! ائتنا بكتاب تنزله علينا نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك، ونصدقك. ويكون قوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾ مأخوذ من عموم بعثته ﷺ للخلق أجمعين، واليهود داخلون في هذا العموم بلا ريب، ولا شك، فصحّ توجيه الخطاب إليهم بهذا العموم، وأيضا سياق الكلام سابقا، ولاحقا في شأن اليهود. وقال النّسفي: روي: أن قريشا قالوا: يا محمد! اجعل لنا الصّفا ذهبا، ووسّع لنا أرض مكة، فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات، كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً﴾ وهذا لا وجه له؛ لأنّ سورة البقرة مدنيّة بالإجماع، وسؤال قريش هذه الأسئلة مذكور في سورة الإسراء، وغيرها من السّور المكيّة. ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ﴾ أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان، ويرضى بذلك. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد أخطأ الطّريق المستقيم إلى الجهل، والضلال، و ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ وسطه، وانظر معانيه الكثيرة فيما تقدم، هذا؛ و ﴿السَّبِيلِ:﴾ الطريق، يذكر، ويؤنث، بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، و: سبل بضم فسكون. هذا؛ بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [٢٦].

стр. 282

أقول: و «ضل» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام، ومصدره: الضّلال، ويأتي «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ رقم [٥٢] وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب، بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى في سورة الضّحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ وأضل، يضلّ غيره من الرّباعي ومصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، ومصدره: الضّلال، وهو الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم، وينبغي أن تعلم: أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأمّا الضّلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ رقم [٣٢] وقال الشاعر الحكيم: [البسيط] الطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب، أو هو حرف انتقال، وهي بمعنى: بل، وعليه فهي المنقطعة، لعدم تقدّم الاستفهام عليها. ﴿تُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَسْئَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿رَسُولَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و «أن» والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ﴾ مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿سُئِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة للتعذر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿سُئِلَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى﴾. ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، و (ما) المصدرية، والفعل ﴿سُئِلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إن تسألوا سؤالا مثل سؤال قوم موسى. وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التّركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم

стр. 283

على طريق الاتساع، فيكون التقدير: أن تسألوا رسولكم على مثل هذه الحالة؛ لأن حذف الموصول، وإبقاء الصّفة لا يجوز عند سيبويه إلا في مواضع معيّنة، وليس هذا منها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَبَدَّلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُفْرَ﴾ أي: مقابلا، أو مستبدلا بالإيمان. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به، وقال أبو البقاء: ظرف مكان، وهو مضاف، و ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه، وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مِنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٨١] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في نفر من اليهود، وذلك: أنّهم قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر-﵃-بعد وقعة أحد: لو كنتم على حقّ ما هربتم، فارجعا إلى ديننا، فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال عمار-﵁: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال: إنّي عاهدت الله ألا أكفر بمحمد ﷺ ما عشت! قالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة-﵁: أما أنا فقد رضيت بالله ربّا، وبمحمّد رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ثمّ إنهما أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك، فقال: «أصبتما الخير، وأفلحتما». انتهى خازن. ﴿وَدَّ:﴾ أحب، وتمنّى. ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً:﴾ لو يصيرونكم كفارا مثلهم. ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ:﴾ أي: من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب، ولا أمروا به، ولكن حملتهم نفوسهم الخبيثة على ذلك. ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ:﴾ يعني في التّوراة: أنّ قول محمد ﷺ ودينه حقّ، لا يشكّون في أمره، لكن كفروا حسدا، وبغيا. هذا؛ والحسد نوعان: مذموم، وممدوح، فالمذموم: أن يتمنّى العبد زوال نعمة الله عن الناس، وسواء تمنّى أن يستفيد من تلك النعمة أم لا. وهذا النّوع

стр. 284

هو الذي ذمّه الله في كتابه في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والحسد فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» أو قال: «العشب». أخرجه أبو داود، وغيره عن أبي هريرة-﵁، وانظر ما ذكرته في سورة (الفلق) وفي الآية رقم [٥٤] من سورة (النّساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: اتركوهم، وأعرضوا عنهم، فلا تؤاخذوهم، وكان هذا الأمر بالعفو، والصّفح قبل أن يؤمر بالقتال، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والسّدي: إنّها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بعقابه، وبعذابه، وهو القتل، والسبي لبني قريظة، والإجلاء، والنّفي لبني النّضير. قال ابن عباس-﵄: هو أمر الله بقتالهم. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٦]. الإعراب: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿كَثِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يَرُدُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿إِيمانِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كُفّاراً:﴾ مفعول به ثان، و ﴿لَوْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿وَدَّ،﴾ وبعضهم يعتبر ﴿لَوْ﴾ شرطية امتناعية، ويقدر لها جوابا كما يلي: لو يردونكم كفارا، لسروا، وفرحوا بذلك. والأوّل أقوى، وأتمّ معنى، كما اعتبر أبو البقاء: ﴿كُفّاراً﴾ حالا من كاف الخطاب، والمرجّح الأول. ﴿حَسَداً:﴾ مفعول لأجله، والعامل فيه: ﴿وَدَّ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ متعلقان ب ﴿حَسَداً﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿وَدَّ،﴾ والأول أقوى معنى وأتمّ سبكا، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿وَدَّ﴾. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعل، و ﴿ما﴾ والفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: بعد تبيين الحق لهم، وجملة: ﴿وَدَّ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْفُوا:﴾ الفاء: فيها أقوال، فبعضهم يعتبرها عاطفة جملة إنشائية على جملة خبرية، وابن هشام يعتبرها للسّببيّة المحضة، وأنا أعتبرها الفاء الفصيحة. (اعفوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا حصل من اليهود مثل هذه الأقوال؛ فاعفوا عنهم، واصفحوا. ومتعلّق الفعلين محذوف، التقدير: عنهم.

стр. 285

﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَأْتِيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ الشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ لمّا أمر الله المؤمنين بالعفو، والصفح عن اليهود؛ أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم من إقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة الواجبتين، ونبّه بذلك على سائر الواجبات. ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من طاعة، وعمل صالح، وقيل: أراد بالخير: المال؛ يعني: صدقة التطوّع؛ لأن الزّكاة تقدّم ذكرها، وجاء في الحديث: «إنّ العبد إذا مات؛ قال النّاس: ما خلّف؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟». وخرّج البخاريّ، ومسلم عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله! ما منّا أحد إلا ماله أحبّ إليه!. قال: «فإنّ ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». وجاء عن عمر-﵁: أنه مرّ ببقيع الغرقد، فقال: السّلام عليكم أهل القبور! أخبار ما عندنا؛ فإنّ نساءكم قد تزوّجت، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتف: يا بن الخطاب! أخبار ما عندنا: ما قدّمناه؛ وجدناه، وما أنفقناه؛ فقد ربحناه، وما خلّفناه؛ فقد خسرناه. ولقد أحسن من قال: [الكامل] قدّم لنفسك قبل موتك صالحا... واعمل فليس إلى الخلود سبيل وقال آخر: [الكامل] قدّم لنفسك توبة مرجوّة... قبل الممات وقبل حبس الألسن وقال أبو العتاهية الصّوفي رحمه الله تعالى: [الوافر] اسعد بمالك في حياتك إنّما... يبقى وراءك مصلح أو مفسد

стр. 286

فإذا تركت لمفسد لم يغنه... وأخو الصّلاح قليله يتزيد وإن استطعت فكن لنفسك وارثا... إنّ المورّث نفسه لمسدّد الإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به ﴿الزَّكاةَ:﴾ مفعول به ل: (﴿آتُوا﴾). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعده. ﴿تُقَدِّمُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿تَجِدُوهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية ﴿وَما تُقَدِّمُوا..﴾. في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ الآتي. و (ما) تحتمل الموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ أي: اليهود، والنّصارى، وانظر الآية رقم [٦٢]. ﴿أَمانِيُّهُمْ:﴾ جمع: أمنية، وانظر الآية رقم [٧٨]. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، ولكلّ عاقل يستطيع أن يحاجهم، ويقول لهم ذلك على سبيل التبكيت، والتقريع، والتأنيب. قال ابن هشام في قطر النّدى: وأما هات، وتعال؛ فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال. والصّواب: أنّهما فعلا أمر بدليل: أنّهما دالان على الطّلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم: أنّ آخر (هات) مكسورا أبدا إلا إذا كان لجماعة المذكرين؛ فإنه يضم، فنقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كلّ ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم، بضمها، قال تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ وأنّ آخر

стр. 287

«تعال» مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، وتعاليا يا هندان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كلّ ذلك بالفتح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ... ،﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ومن ثمّ لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله حيث كسر لام تعالي: [الطويل] أيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي وأقول: إنّ الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما فعل مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى (احضروا، أو أحضروا) فالأول لازم، وهو من الثلاثي، والثاني متعدّ، وهو من الرباعي، وأما: تعالى، يتعالى فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: تنزّه، يتنزه، وقل في إعلال «تعالوا» أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدلّ على الألف المحذوفة. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿وَدَّ..﴾. لا محلّ لها مثلها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَدْخُلَ﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، وانظر الآية رقم [٥٨] ففيها الكفاية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السّكون في محل رفع فاعل ﴿يَدْخُلَ،﴾ ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿هُوداً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط عود الضمير إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على ﴿هُوداً﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط عود الضمير إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على ﴿هُوداً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿لَنْ يَدْخُلَ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَمانِيُّهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معترضة بين الدّعوى، وطلب الدليل عليها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿هاتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٩١]. والشّرط وجوابه في محل نصب مقول القول.

стр. 288

﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ الشرح: ﴿بَلى:﴾ فيه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في الآية رقم [٨١]. ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ:﴾ انقاد لأوامره بكليته. وخصّ الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنه موضع السّجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، وفيه مظهر العزّ، والذّل، والسّرور، والغمّ، والهمّ، وغير ذلك، والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشّيء، قال الله لنبيّه ﷺ : ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ رقم [٢٠] من سورة (آل عمران)، وإذا جاء العبد بوضع وجهه على الأرض في السّجود. فقد جاء بجميع أعضائه، قال زيد بن عمرو بن نفيل-وهو من المتحنّفين في الجاهلية-: [المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلمت لطاعته الأرض، والمزن. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في عمله، وله شرطان: أحدهما: أن يكون خالصا لله تعالى، والثاني: أن يكون صوابا موافقا للشّريعة؛ التي جاء بها محمد ﷺ ، فمتى اختلّ شرط منهما؛ كان العمل غير مقبول قطعا. ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ:﴾ ثوابه مدّخر عند ربه يوفيه إياه يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدّنيا، وليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة، وخوفها على المطيعين، إلا أنّه يخفّف عنهم، وإذا صاروا إلى رحمته؛ فكأنهم لم يخافوا. هذا؛ والحزن: ضدّ السرور، ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرّجل، وأحزنه غيره، وحزّنه أيضا، مثل: سلكه، وأسلكه، قال اليزيدي: حزّنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما إلا في سورة (الأنبياء) فإنّه في الأولى فقط قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهي أفصح اللّغتين. الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿وَجْهَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَسْلَمَ﴾ المستتر، وهذه الحال مؤكدة؛ لأنّ من أسلم وجهه؛ فهو

стр. 289

محسن. والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿أَجْرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر ثان، أي: ثابت، وبعضهم يعلقه بمحذوف حال من المبتدأ. وهو ضعيف يمنعه كثيرون. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما بينته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشّرط في العموم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وقرأ جماعة: «ولا خوف» بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأن (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرفع أيضا؛ ليكون الكلام من وجه واحد. ويجوز أن تكون: (﴿لا﴾) في قولك: ﴿وَلا خَوْفٌ﴾ بمعنى «ليس». انتهى. قرطبي. أقول: وقد ذكرت لك: أنها إذا تكرّرت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل «ليس». تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ أي: كفر اليهود بعيسى، وقالوا: ليست النصارى على دين صحيح معتدّ به، فدينهم باطل. ﴿وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ:﴾ المعنى واضح من أنّ كل طائفة كفّرت الأخرى، وهذا كان لمّا قدم وفد نجران من النّصارى المدينة، واجتمعوا بالنبي ﷺ أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ ، فقال رافع بن

стр. 290

حرملة للنّصارى: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى، والإنجيل. وقال رجل من أهل نجران لليهود: ما أنتم على شيء، وكفر بموسى، والتّوراة، فأنزل الله الآية الكريمة. ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ:﴾ أي: إنّ كلاّ من اليهود، والنصارى يقرءون كتابهم، وفيه تصديق الكتاب الآخر، فاليهود قرءوا التّوراة، وفيها البشارة بعيسى، والإنجيل، والنّصارى قرءوا الإنجيل، وفيه تصديق التّوراة، والإيمان بموسى، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ اختلف في هؤلاء، والمعتمد: أنهم هم المشركون، فقد كانوا ينفون جميع الأديان السماويّة، ولا يعترفون إلا بوثنيتهم العربيّة. ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ..﴾. أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل، الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرة. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحجّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. الإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قالَتِ﴾): فعل ماض، والتاء تاء التأنيث حرف لا محل له. ﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿قالُوا..﴾.) في الآية رقم [١١١]. ﴿لَيْسَتِ﴾ فعل ماض ناقص، والتاء تاء التأنيث الساكنة. ﴿النَّصارى﴾ اسم (ليس) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المقصورة للتعذّر. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَتِ،﴾ والجملة في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... والواو فاعله. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو الجملة الاسمية في محل نصب حال من اليهود والنصارى، والرابط: الواو، والضمير. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول: ﴿قالَ﴾. وقيل: بدل من الكاف، وقال أبو البقاء: منصوب ب ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والمعنى لا يؤيده، و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و ﴿قَوْلِهِمْ﴾ مضاف إليه، وقيل: هو بدل من اسم الإشارة، وفيه بعد لا يخفى، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، ويجوز اعتبارها فصيحة. (الله): مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر

стр. 291

بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَحْكُمُ﴾ أيضا، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَحْكُمُ﴾ أيضا، ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب (في) التقدير: في الذي، أو: في شيء كانوا يختلفون فيه، والمصدرية ضعيفة كما ترى. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ:﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أظلم ممن منع... إلخ. هذا؛ والممنوع في الحقيقة إنّما هم الناس الّذين يريدون العبادة في المساجد. ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: بالتوحيد، والصلاة، والتّسبيح، وغير ذلك. ﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ أي: بالهدم، وتعطيل إقامة الشعائر فيها. وخراب المساجد يكون حقيقيّا، كتخريب بختنصر بيت المقدس، فغزا اليهود، وسباهم، وحرّق التوراة، كما سترى في سورة (الإسراء). ويكون مجازا لمنع المشركين المسلمين حين صدّوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام عام الحديبية. وعلى الجملة: فتعطيل المساجد عن الصّلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها. هذا؛ وجمع ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ وإن كان المراد واحدا، إمّا المسجد الحرام، وإما بيت المقدس؛ ليعمّ جميع مساجد الله في الدنيا في القديم، والجديد، كما تقول لمن آذى صالحا واحدا: ومن أظلم ممّن آذى الصّالحين؟!. ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ:﴾ هذا خبر معناه الطلب؛ أي: لا تمكّنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة، والجزية، ولهذا لمّا فتح رسول الله ﷺ مكّة؛ أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي علي-﵁-برحاب منى: ألا لا يحجّنّ، بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ومن كان له أجل؛ فأجله إلى مدّته.

стр. 292

وأما النصارى فإنّ بيت المقدس موضع حجّ النصارى، وزيارتهم. قال ابن عباس-﵄: لم يدخلها بعد عمارتها روميّ، أو نصرانيّ إلا خائفا، إن علم به؛ قتل. وقيل: أخيفوا بالجزية، والقتل، فالجزية على الذمّي، والقتل للحربيّ. وقيل: خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث: قسطنطينية، ورومية، وعمورية من قبل المسلمين. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ هو الجزية على الذمّي، والقتل للحربيّ كما تقدّم. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ هو الخلود في جهنم لهم، ولكل كافر معاند للحقّ. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان بأظلم. ﴿مَنَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو، والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مَساجِدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ يُذْكَرَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول منهما، في محل نصب مفعول ثان ل ﴿مَنَعَ،﴾ أو هو مفعول لأجله على حذف مضاف، التقدير: كراهة أن يذكر، أو هو بدل من ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ أو هو على إسقاط حرف الجر، والأصل: من أن يذكر. ذكر الأوجه الأربعة سليمان الجمل نقلا عن السّمين بدون ترجيح. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَسَعى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿سَعى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي خَرابِها:﴾ متعلقان بالفعل (﴿سَعى﴾). و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿مَنَعَ﴾ التي هي صلة (من) أو صفتها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ما:﴾ حرف نفي. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلّقان بمحذوف في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿يَدْخُلُوها:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾. وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله. و (ها): مفعوله، والمصدر من: ﴿أَنْ يَدْخُلُوها:﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿خائِفِينَ:﴾ حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: ما كان لهم الدخول في جميع الأحوال إلا في حالة الخوف، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجوز تعليقهما بالمصدر ﴿خِزْيٌ﴾ بعدهما، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال منه غير مسلّم. ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ولا يجوز اعتبارها حالا مثل ﴿خائِفِينَ﴾ لأن استحقاقهم الخزي ثابت في كلّ حال، لا في حال دخولهم المساجد خاصة. والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

стр. 293

﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ:﴾ موضع الشّروق. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ موضع الغروب، أي: هما لله ملك، وما بينهما من الجهات، والمخلوقات بالإيجاد، والاختراع، وخصّهما بالذّكر، والإضافة إليه تشريفا، نحو بيت الله، وناقة الله. هذا؛ وفي سورة (الرّحمن) قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشّتاء والصّيف، ومغربيهما، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق، والمغرب كما ترى باعتبار مشارق الشمس، ومغاربها في السّنة، وهي ثلاثمائة وستون، تشرق الشمس كلّ يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها. هذا؛ وتقديم المشرق في جميع حالاته على المغرب يوحي بأفضليته عليه. هذا؛ وكان من حق المشرق والمغرب فتح العين، وهي الراء فيهما؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان، إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي، مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النّحو، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر. والتّحقيق: أنّها أسماء نوعيّة، غير جارية على فعلها، وإلا؛ فلا مانع من الفتح. ﴿تُوَلُّوا:﴾ تتّجهوا في صلاتكم، وقرأ الحسن: («تولّوا») بفتح التاء، واللام، والأصل: «تتولوا». و (ثم) بفتح الثاء ظرف مكان بمعنى هناك، وانظر الآية رقم [٥٦]. ﴿وَجْهُ اللهِ:﴾ جهته التي ارتضاها قبلة، وأمر بالتوجّه إليها، وقال الحذاق من علماء القرآن والسنة: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام؛ إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشّاهد، وأجلها قدرا، وقال ابن عباس-﵄: الوجه: عبارة عنه ، كما قال: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وقيل: الوجه القصد، كما قال الشاعر: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل هذا؛ واختلف في المعنى الذي أنزلت فيه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أن الرّسول ﷺ لمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة؛ أمر بالتوجّه إلى بيت المقدس في صلاته ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، ثمّ صرفه الله إلى الكعبة، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. عن ابن عباس-﵄-قال: كان أوّل ما نسخ من القرآن القبلة، وانظر الآية رقم [١٤٤] الآتية؛ ففيها البحث كاف واف. الثاني: قال قوم: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنا من الله تعالى أن يصلّي المتطوع حيث توجه من شرق، أو غرب في سفره؛ لما روي عن ابن عمر-﵄: أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأوّل هذه الآية: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.

стр. 294

القول الثالث: قال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة، فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة؛ لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه-﵁-قال: كنا في ليلة سوداء مع رسول الله ﷺ ، فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير قبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله : ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ..﴾ .. هذا وقال ابن جرير: ويحتمل: فأينما تولوا في دعائكم لي؛ فهنالك وجهي أستجب لكم دعاءكم. ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والرزق. وقيل: هو الغني؛ الذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعالهم ما يغيب منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. مسألة تتعلّق بحكم الآية، وهي: أن المسافر إذا كان في مفازة، أو بلاد الشّرك، واشتبهت عليه القبلة، فإنّه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل، ويصلي إلى الجهة التي أدّى إليها اجتهاده، ولا إعادة عليه، وإن لم يصادف القبلة، فإنّ جهة الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللّوح، فإنه يصلي على حسب حاله، وتصحّ صلاته، وكذا المشدود على جذع شجرة، ونحوها، بحيث لا يمكنه الاستقبال، والله أعلم. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿الْمَشْرِقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأَيْنَما:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع أو هي الفصيحة. (أينما): اسم شرط جازم مبني على السكون. ويقال: مبني على الفتح، و (ما): زائدة، وهو في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل بعده. وقيل: متعلق بجوابه، والأول أصح. ﴿تُوَلُّوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو هي في محل جر بإضافة: (أينما) إليها على اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿فَثَمَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ثمّ): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقد بني على الفتح لتضمنه معنى الإشارة، وقيل: لتضمنه معنى حرف الخطاب. ﴿وَجْهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿لِلّهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والشرط ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ أي: اليهود، والنّصارى، ومن زعم: أنّ الملائكة بنات الله، وهم العرب. ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً:﴾ فقد أخرج البخاري عن ابن عباس-﵄-عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

стр. 295

قال: «قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي؛ فزعم أنّي لا أقدر على إعادته كما كان، وأما شتمه إيّاي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتّخذ صاحبة وولدا». سبحانه! انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، والملكية تنافي الولادة. هو سبحانه المتصرّف في خلقه، وهو خالقهم، ورازقهم، ومسخّرهم، ومسيّرهم، ومصرّفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم؛ والولد إنّما يكون من شيئين متناسبين، والله ﵎ ليس له نظير، لا مشارك له في عظمته، وكبريائه!. هذا؛ وعبّر سبحانه ب (﴿ما﴾) تغليبا لما لا يعقل على من يعقل، كما غلّب في آيات كثيرة من يعقل على ما لا يعقل. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كلّ ما فيها، فالتنوين عوض من المضاف إليه. ﴿قانِتُونَ:﴾ مطيعون، منقادون مذلّلون، مسخّرون، المسلمون، والكافرون، والصّالحون، والفاسدون، فالأوّلون بالعبادة، والطاعة، والإنابة، والكافرون مسخّرون لأوامره، وتنفيذ قضائه عليهم في الدنيا، وفي الآخرة محاسبون، ومجزيون على كفرهم، وفسوقهم بالعذاب الأليم، والعقاب الشديد. وأيضا فيه تغليب من يعقل على ما لا يعقل؛ حيث جمع بالواو والنون جمع المذكر السالم. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿قالَتِ الْيَهُودُ﴾) في الآية رقم [١١٣]، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ،﴾ وقرئ بدون واو، فتكون مستأنفة. ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم غير متعلقة بكلام سابق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، ﴿لَهُ:﴾ متعلقان ب ﴿قانِتُونَ﴾ بعدهما. ﴿قانِتُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الصلة المقدرة، وهذه الحال مؤكّدة لمضمون الجملة الاسمية فيها. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ الشرح: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ منشئهما، وموجدهما، ومبدعهما، ومخترعهما على غير حدّ، ولا مثال سبق، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾

стр. 296

﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً:﴾ أي: إذا أراد إحكامه، وإتقانه كما سبق في علمه؛ فإنما يقول له: كن فيكون، احدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل ما تعلّقت به إرادته تعالى بلا مهلة بطاعة المأمور، والمطيع بلا توقّف. انتهى بيضاوي. قال الشاعر: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول-له التنزيه-كن فيكون تنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي: ليحكم ما قد علم: أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة، انتهى. هذا؛ والماضي: «قضى» والمصدر «قضاء» بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه: «قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ومصدره: «قضيا» بالتّحريك كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار: قضاء ممدودا، وجمع القضاء: أقضية، كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر، وهو الشّاهد رقم [١٧٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف] وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول وقال الشمّاخ في عمر-﵁: [الطويل] قضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها... بوائق في أكمامها لم تفتق ويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾. وبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به، وبمعنى الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾. وبمعنى الفعل، قال تعالى، حكاية عن قول السّحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ وبمعنى الإرادة، وهو كثير كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النّار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللّوح المحفوظ. وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وبمعنى الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ المراد، والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾. وبمعنى وفاء الدّين تقول: قضى فلان ما عليه إذا ما أوفى ذمته، وأبرأها مما عليه من ديون. انتهى قسطلاني في شرح البخاري، بتصرف. أضيف: أنه يكون بمعنى: أوحينا، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني؛ فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء الله تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر؛ فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛

стр. 297

لأن الله تعالى لا يأمر بها، فإنّه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصريّ، فقال: إنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنّك قد عصيت ربك، وبانت منك. فقال الرّجل: قضى الله عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا، ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. هذا؛ و (﴿الْأَمْرُ﴾): واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر، يأمر، قال العلماء: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها: الأول: الدّين، قال تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: دين الإسلام. الثّاني: القول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ يعني: قولنا، وقوله تعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ يعني قولهم. الثالث: العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يعني: لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً﴾ يعني: عيسى، وكان في علمه تعالى أن يكون من غير أب. الخامس: القتل ببدر، قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ يعني: القتل ببدر، وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ يعني: قتل أهل مكة. السادس: فتح مكة، قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني: فتح مكة. السّابع: قتل قريظة، وجلاء النضير، قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. الثامن: القيامة، قال الله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾. التاسع: القضاء، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني: القضاء. العاشر: الوحي، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يقول: ينزل الوحي من السماء إلى الأرض. وقوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ يعني: الوحي. الحادي عشر: أمر الخلق، قال تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني: أمور الخلائق. الثاني عشر: النصر، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنون النصر. الثالث عشر: الذّنب، قال تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ أي: جزاء ذنبها. الرابع عشر: الشأن، والفعل، قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: فعله، وشأنه، وقال جلّ شأنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: فعله، وقوله. انتهى قرطبي. الإعراب: ﴿بَدِيعُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو بديع، والجملة الاسمية معترضة بين الكلام السابق، واللاحق لا محل لها. هذا؛ وقرئ بجر («بديع») على أنه بدل من الضمير في (﴿لَهُ﴾) على مذهب الكسائي، والمحققون لا يجيزون إبدال ظاهر من الضمير، وقرئ بنصبه على: أنه منصوب على المدح بفعل محذوف، و ﴿بَدِيعُ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لمفعولها، وفاعلها ضمير مستتر تقديره: هو، أو هو اسم فاعل، كما رأيت في الشرح، وهو أولى. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على

стр. 298

السكون في محل نصب. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى «الله» تقديره: هو. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المرجوح وهو المشهور. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾)، (إنما) كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: هو. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما في الآية رقم [١١٥]. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): فعل مضارع تام، وفاعله مستتر تقديره: هو، يعود إلى ﴿أَمْراً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه. وقيل: إنّ (يكون) معطوف على: ﴿يَقُولُ﴾ وهذا يعزى للزّجاج، والطبريّ، وقيل: هو معطوف على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسيّ، انتهى سليمان الجمل. هذا؛ وقرأ ابن عامر بالنصب على أنّ الفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وضعفه أبو البقاء. وأقول: لا يمكن سبك مصدر من المضمر، والفعل، وعطفه على مصدر متصيّد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: ليكن حدوث، فحدوث. ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هم اليهود. قال مجاهد: هم النصارى، ورجّحه الطّبريّ. وقال الربيع، والسّدي، وقتادة: هم مشركو العرب، ﴿لَوْلا:﴾ هلا ﴿يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ أي: يقول لنا: إنّك رسول الله. ﴿أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ:﴾ دلالة واضحة تدلّ على صدقك في دعواك النبوة، والرسالة. ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول: من جعل الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النّصارى. ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ:﴾ في الكفر، وترك الإيمان، والتعنيت، والاقتراح، وهو مثل قوله تعالى في الآية رقم [١١٣]: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ﴾ أي: الدّلالات على نبوّة محمد ﷺ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: إنّ آيات القرآن، وما جاء به محمد ﷺ من المعجزات الباهرات كافية لمن كان طالبا لليقين. وإنّما خصّ أهل الإيقان بالذكر؛ لأنهم هم أهل التثبّت في الأمور، ومعرفة الأشياء على يقين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 299

الإعراب: (﴿قالَ﴾): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾): مستأنفة لا محل لها؛ لأنّ الكلام مستأنف لحكاية نوع آخر من قبائح اليهود، والنّصارى. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يُكَلِّمُنَا:﴾ فعل مضارع، و (نا) مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَأْتِينا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (نا) مفعول به. ﴿آيَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (وذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: قال الذين من قبلهم قولا كائنا مثل قولهم، أو مثل ذلك القول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ل ﴿قالَ،﴾ وهي قائمة مقام كلام كثير، كما رأيت في الشرح، فلذا صح أن تكون مفعول به ل ﴿قالَ؛﴾ لأنها لا تنصب إلا الجمل، أو ما يقوم مقامها. و ﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و ﴿قَوْلِهِمْ:﴾ مضاف إليه. والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿تَشابَهَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، المراد منها بيان: أنّ الله لم يترك شيئا بدون توضيح، وتبيين. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية بعده في محل جر صفة ل (قوم). ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ الشرح: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً:﴾ مبشرا لأهل الطاعة بالثّواب العظيم، والأجر الجزيل، والدّخول في دار النعيم. ﴿وَنَذِيراً:﴾ لأهل المعاصي والفساد من غضب الله، وعقابه. ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أنت لست مسئولا عمّن لم يؤمن منهم، بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم إلى الإيمان، وقرئ الفعل بقراآت كثيرة، ومنها قراءة بالجزم على النّهي. قال ابن عبّاس ﵄: وذلك: أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «ليت شعري ما فعل أبواي». فنزلت هذه الآية. والمعنى: إنا أرسلناك بالحق لتبليغ ما أرسلت به، فإنّما عليك البلاغ، ولست مسئولا عمّن كفر، وهذا ينفي القول بأنّ الله

стр. 300

أحيا أبوي النّبي ﷺ . والقول الفصل بأنّ أبويه ﷺ ناجيان مع أهل الفترة كما ذكرته في سورة (الإسراء)، وهما في الجنّة وجميع أجداده، وجدّاته، إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، أي: متلبسا بالحقّ. ﴿بَشِيراً:﴾ حال أيضا. ﴿وَنَذِيراً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية، ﴿تُسْئَلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً،﴾ فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿عَنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ... :﴾ في هذا الكلام تيئيس، وتقنيط للرّسول ﷺ من إسلام اليهود، والنّصارى، فإنهم إذا كانوا لم يرضوا حتى يتبع ملتهم، فكيف يسلمون؟!. هذا؛ والملّة بكسر الميم: الطريقة، والشريعة، والدّيانة، وهي بفتح الميم: الرّماد الحار، وقد تمسّك بهذه الآية جماعة من العلماء، منهم أبو حنيفة، والشافعي على أنّ الكفر ملّة واحدة، لقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فوحّد الملّة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ولقول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر». وذهب مالك، وأحمد إلى أنّ الكفر ملل، فلا يرث اليهوديّ النّصرانيّ، ولا يرثان المجوسيّ، والعكس كذلك، أخذا بظاهر قول النبي ﷺ : «لا يتوارث أهل ملّتين». وأما قوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فالمراد: الكثرة، وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت عن علماء المدينة علمهم، وسمعت عنهم حديثهم، يعني: علومهم، وأحاديثهم. قرطبي. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ أي: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدّعيه هؤلاء، والمراد دين الإسلام، الذي ارتضاه الله لنفسه، وللناس أجمعين، حيث قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ:﴾ في هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه للرّسول ﷺ على سبيل الفرض، والتقدير؛ أي: إن حصل منك ذلك. والثاني: أنّه للرسول، والمراد أمّته، وفيه تأديب لهم، وتهذيب لهم. وسبب نزول الآية: أن علماء اليهود، والنّصارى،

стр. 301

كانوا يسألون المسالمة، والهدنة، ويعدون الرسول ﷺ بالإسلام، فأعلمه الله: أنّهم لن يرضوا عنه حتى يتّبع ملتهم، وأمره بجهادهم. الإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَرْضى:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) علامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿النَّصارى:﴾ معطوف على: ﴿الْيَهُودُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر؛ بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَتَّبِعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد حتّى، والفاعل تقديره: أنت، و «أن» المضمرة، والفعل: ﴿تَتَّبِعَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَرْضى﴾. ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هُدَى:﴾ اسمها منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿هُدَى﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْهُدى:﴾ خبره مرفوع.. ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير توكيدا لاسم ﴿إِنَّ﴾ على المحل كما يجوز اعتباره ضمير فصل، وعليهما فخبر ﴿إِنَّ﴾ هو ﴿الْهُدى،﴾ وجملة: ﴿قُلْ..﴾. مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَلَئِنِ﴾ الواو حرف استئناف، واللام موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. و ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد إلى الموصول، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم فيه. ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٧] وهي هنا جملة اسمية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسّابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والكلام: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ..﴾. مستأنف لا محل له.

стр. 302

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: هم أصحاب محمد ﷺ والكتاب على هذا التأويل: القرآن، وقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: هم من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب: على هذا التأويل: التوراة، والآية تعمّ. انتهى قرطبي. وقال ابن عباس ﵄: نزلت في أهل السفينة الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلا: اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، منهم بحيرا الرّاهب. انتهى. خازن. وهو غير مسلم قطعا، وهل عاش بحيرا الراهب إلى زمن رجوع جعفر من الحبشة؟ وما الذي ذهب به إلى الحبشة، ثمّ أتى إلى الشام؟. ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي: يقرءونه كما أنزل، لا يغيّرونه، ولا يحرفونه، ولا يبدلون ما فيه من نعت الرسول ﷺ . وقيل: معناه: يتبعونه حقّ اتباعه، فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عنده، ويكلون علمه إلى الله تعالى. وقيل: معناه: تدبّروه حقّ تدبره، وتفكّروا في معانيه، وحقائقه. ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: الذين يتلونه حق تلاوته يصدّقون به. فإن قلنا: إنّ الآية نزلت في أهل الكتاب؛ فيكون المعنى: إنّ المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حقّ تلاوتها هو المؤمن بمحمّد ﷺ ، لأنّ في التوراة نعته، وصفته، وإن قلنا: إنّها نزلت في المؤمنين عامة؛ فظاهر. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ:﴾ يجحد ما فيه من فرائض الله، ونبوّة محمّد ﷺ . ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: خسروا أنفسهم؛ حيث استبدلوا الكفر بالإيمان. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَتْلُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المفعول الأول، أو المفعول الثاني. وقيل: في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق. ويقال: نائب مفعول مطلق، و ﴿حَقَّ﴾ مضاف، و ﴿تِلاوَتِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ

стр. 303

على اعتبار جملة (﴿يَتْلُونَهُ﴾) حالا، أو في محل رفع خبر ثان له على اعتبار الجملة الفعلية الأولى خبرا أولا، وقيل: مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): مبتدأ. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، والخاسرون خبر عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢)﴾ انظر الآية رقم [٤٧] لشرح هذه الآية وإعرابها. قال البيضاوي: لمّا صدّر قصتهم بالأمر بذكر النّعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من السّاعة، وأهوالها؛ كرّر ذلك، وختم به الكلام معهم مبالغة في النّصح، وإيذانا بأنه فذلكة القصّة، والمقصود من القصّة، انتهى. ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ انظر الآية رقم [٤٨] لشرح هذه الآية وإعرابها، وقال الخازن: وفي هذه الآية عظة لليهود الذين كانوا في زمن الرّسول ﷺ . وكرّرها في أول السّورة، وهنا للتّوكيد، وتذكير النّعم. انتهى. ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (١٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِذِ ابْتَلى:﴾ قال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير والشرّ، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيين: [الطويل] جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو فجمع بين اللّغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشرّ: بلوته، وفي الاختبار: ابتليته، وبلوته. قاله النّحاس، والابتلاء في الأصل: الشّيء الشاقّ. والابتلاء يكون في الخير،

стр. 304

والشرّ، وقال تعالى في حقّ بني إسرائيل: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ وأصل الابتلاء: الامتحان، والاختبار؛ ليظهر للناس حال الإنسان، والله تعالى عالم بحال الإنسان من الأزل إلى الأبد، فالمراد: أنه عامله معاملة المختبر؛ ليظهر ذلك للخلق. هذا؛ ولقد اختلف في الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فقال عكرمة: عن ابن عبّاس-﵄: هي ثلاثون من شرائع الإسلام: عشر في (براءة): ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ الآية رقم [١١٢]، وعشر في (الأحزاب): ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٥] وعشر في (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ..﴾ .. وقال طاوس-رحمه الله تعالى -عن ابن عباس-﵄: ابتلاه الله بعشرة أشياء هي الفطرة: خمس في الرأس الشّامل للوجه: قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاستنجاء بالماء. وإنّي أعتمد هذا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وفي الصّحيحين عن أبي هريرة-﵁-عن النّبيّ ﷺ قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقصّ الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط». وفي الخبر: أنّ إبراهيم ﵇ أول من قص الشارب، وأول من اختتن، وكان عمره ثمانين سنة، في رواية ثانية: مائة وعشرين سنة، وهو أول من قلّم الأظفار، وأوّل من رأى الشيب، فلمّا رآه؛ قال: يا ربّ، ما هذا؟ قال: الوقار، قال: يا ربّ زدني وقارا. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ:﴾ قام بهن على الوجه الأكمل. ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً:﴾ قدوة في الخير، فالمعنى: جاعلك للناس إماما يأتمّون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصّالحون، فجعله الله تعالى إماما لأهل طاعته، فكذلك اجتمعت الأمم على الدّعوى فيه. هذا؛ والإمام: الطريق. والكتاب: إمام. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾. ولا تنس دعوة عباد الرحمن في سورة (الفرقان): ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ فعلم: أنّ المراد من الإمامة في الآية الكريمة الإمامة في الدّين، والطاعة، والعبادة، ولو كانت الإمامة الدّنيوية؛ لخالف ذلك الواقع؛ إذ نالها كثير من الظالمين. ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ أي: نسلي، وعقبي، وهي تقع على الجمع كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾. وتقع على الواحد، كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا ﵊: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهي كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظلّ فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذّال: أعلى الشيء. وقيل: مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾.

стр. 305

﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ:﴾ المراد بالعهد: النّبوة، والإمامة، والقدوة الحسنة. هذا؛ وقرئ: («الظالمون») والمعنى لا يتغيّر؛ لأن من نالك؛ فقد نلته، ومن نلته؛ فقد نالك. هذا؛ و (﴿إِبْراهِيمَ﴾) اسم عجمي، ومعناه: أب رحيم، وهو إبراهيم بن تارخ، وهو آزر بن ناخور ابن شاروع، بن أرغو بن فالغ، بن عابر، بن شالح، بن أرفحشد بن سام بن نوح ﵇، وقد ولد بحرّان من أرض العراق، ولكن نقله أبوه إلى أرض بابل، وهي أرض نمرود الجبّار، وإبراهيم- على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يعترف بفضله جميع الطوائف البشرية قديما، وحديثا، فأمّا اليهود، والنّصارى؛ فإنّهم مقرّون بفضله، ويتشرفون بالانتساب إليه، وأنهم أولاده، وأمّا العرب في الجاهلية؛ فإنهم يعترفون أيضا بفضله، ويتشرفون بالانتساب إليه أيضا؛ لأنهم أولاده. ومن ساكني حرمه، وخدّام بيته. ولمّا جاء الإسلام؛ زاده الله شرفا، وفضلا. هذا؛ ومناسبة الآية والتي بعدها لما قبلها: أنّ الله تعالى لما ذكر في الآيات السابقة نعمه على بني إسرائيل، وبيّن كيف كانوا يقابلون النّعم بالكفر، والعناد، ويأتون المنكرات في الأقوال، والأعمال؛ وصل حديثهم بقصّة إبراهيم أبي الأنبياء الّذي يزعم اليهود، والنصارى انتماءهم إليه، ويقرّون بفضله وشرفه، ولو كانوا صادقين؛ لوجب عليهم اتباع محمد ﷺ ، ودخولهم في دينه القويم؛ لأنه أثر دعوة إبراهيم الخليل حين دعا لأهل الحرم، ثم هو من ولد إسماعيل ﵇، فكانوا أولى بالاتباع، والتمسّك بشريعته الحنيفية السّمحة التي هي شريعة إبراهيم على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَإِذِ:﴾ الواو: حرف عطف؛ إذا كان الكلام موجها إلى اليهود، وحرف استئناف؛ إذا كان موجها للنّبي ﷺ . (﴿إِذِ﴾): ظرف لما مضى من الزمان متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكروا، أو: اذكر حسب المراد من الكلام، كما ترى، مبني على السكون في محل نصب. وقيل: هو في محل نصب مفعول به للفعل المقدّر، وانظر الشرح والإعراب في الآية رقم [٣٠]. ﴿اِبْتَلى:﴾ فعل ماض. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به، وهو واجب على التقديم على الفاعل هنا عند جمهور النّحاة؛ لأنه متى اتصل بالفاعل ضمير يعود إلى المفعول وجب تقديمه لئلا يعود الضّمير على متأخر لفظا، ورتبة. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذِ﴾) إليها. هذا؛ وقرئ برفع («إبراهيم») ونصب («ربّه») على أنه دعا ربّه، وهي قراءة شاذة قراءة وعربيّة لعود الضمير حينئذ على متقدم لفظا ورتبة، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وشاع نحو خاف ربّه عمر... وشذّ نحو زان نوره الشّجر فالشّطر الأول للقراءة الأولى، وهي سبعية، والشّطر الثاني للقراءة الثانية الشّاذة، انظر الشاهد رقم [٣٠٨] وما بعده من كتابنا: «فتح ربّ البرية»؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

стр. 306

﴿بِكَلِماتٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (أتمّهن): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّهُ،﴾ ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿جاعِلُكَ:﴾ خبر: (إنّ) والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأوّل، وفاعله مستتر فيه، تقديره: أنا. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿إِماماً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وهذا أقوى من تعليقهما ب (جاعل). ﴿إِماماً:﴾ مفعول به ثان ل (جاعل). وجملة: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنِّي... :﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾): متعلقان بفعل محذوف، تقديره: اجعل من بعض ذريتي إماما، وهذا كعطف التلقين، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيدا؛ أي: أكرم زيدا، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ولا تنس أنّ الجار والمجرور في محل نصب مفعول به أوّل، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: اجعل بعض ذريتي إماما، وقدّره أبو البقاء: اجعل فريقا من ذريتي إماما، والفعل المقدّر، ومفعولاه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ:﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر، كالجملة السابقة، واللاحقة. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنالُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَهْدِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلّم... إلخ. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، وعلى قراءته بالواو فيكون فاعلا، و ﴿عَهْدِي﴾ مفعولا به، وجملة: ﴿لا يَنالُ..﴾. في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ:﴾ اسم غالب للكعبة، كالنّجم للثّريا. ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ:﴾ أي: مرجعا، يقال: ثاب، يثوب، مثابا، ومثابة، وثئوبا، وثوبانا، فالمثابة مصدر وصف به، ويراد به الموضع يثاب إليه؛ أي: يرجع إليه، قال ورقة بن نوفل: [الطويل] مثابا لأفناء القبائل كلّها... تخبّ إليها اليعملات الذّوامل ويحتمل أن يكون مصدرا من الثّواب، أي: يثابون هناك. وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرا. قال الشاعر: [الرمل]

стр. 307

جعل البيت مثابا لهم... ليس منه الدّهر يقضون الوطر هذا؛ والأصل: مثوبة، فقل في إعلاله اجتمع معنا حرف صحيح وساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الثاء قبلها بعد سلب سكونها. ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ومثله (﴿مَقامِ﴾) في إعلاله. ﴿وَأَمْناً:﴾ مأمنا لأهله من الظلم والاعتداء، والغارات التي تقع في غيره، كان الرجل يرى فيه قاتل أبيه، فلا يزعجه لحرمة الحرم، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى:﴾ مكانا للصلاة، وقيل: مكان دعاء، فهو بمعنى: مدّعى، ومقام إبراهيم: هو الحجر الذي وقف عليه عند بناء الكعبة المعظمة، وأصله من الجنّة كالحجر الأسود، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الركن، والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاء ما بين المشرق، والمغرب» أخرجه الترمذيّ، قال: وهذا يروى عن ابن عمر موقوفا. ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ أي: أمرناهما، وألزمناهما، وأوجبنا عليهما. قيل: إنما سمي إسماعيل؛ لأن إبراهيم كان يدعو له الناس أن يرزقه ولدا، ويقول في دعائه: اسمع يا إيل، وإيل بلسان السريانية: هو الله، فلما رزق الولد؛ سماه به. ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ:﴾ يعني الكعبة المعظمة، أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما وتفضيلا وتخصيصا، أي: ابنياه على الطهارة، والتوحيد. وقيل: طهراه من سائر الأقذار، والأنجاس، وقيل: طهراه من الشرك، والأوثان، وقول الزّور ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ الذين يطوفون حوله. (﴿الْعاكِفِينَ﴾): المقيمين في الحرم حول البيت، والعكوف: اللزوم والإقبال على الشيء، قال العجاج يصف ثورا: [الرجز] فهنّ يعكفن به إذا حجا... عكف النّبيط يلعبون الفنزجا الفنزجة، والفنزج: رقص العجم إذا أخذ بعضهم يد البعض؛ وهم يرقصون، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: المصلون، جمع راكع، وجمع ساجد، وقال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. تنبيه: جاء في البخاري: أن المقام هو الحجر، الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، قال أنس-﵁: رأيت في المقام أثر أصابعه، وعقبه، وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم. تنبيه: هذه الآية من الآيات التي وافقت رأي عمر-﵁-قال: يا رسول الله! لو صلّيت خلف المقام، فنزلت الآية الكريمة.

стр. 308

تنبيه: ذكر العلامة ابن القيّم-رحمه الله تعالى-أنّ السرّ في تفضيل البيت العتيق ظاهر في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب، ومحبتها له، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهم يثوبون إليه من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلّما ازدادوا له زيارة؛ ازدادوا اشتياقا، قال الشاعر: [البسيط] لا يرجع الطّرف عنها حين يبصرها... حتّى يعود إليها الطّرف مشتاقا الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ معطوفة على مثلها في الآية السابقة. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى: صيرنا هنا، فلذا نصب مفعولين. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَثابَةً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال إذا كان الفعل بمعنى: خلقنا. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَثابَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جَعَلْنَا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿وَأَمْناً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاتَّخِذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّخِذُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والنون فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ مَقامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من: ﴿مُصَلًّى﴾ كما رأيت في الآية السابقة؛ فلست مفندا، وبعضهم يعتبر (من) زائدة في الإيجاب، ومقام مفعولا به، وهو غير مسلّم لهم، و ﴿مَقامِ:﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة (﴿اِتَّخِذُوا..﴾.) إلخ: في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: قلنا: اتخذوا... إلخ وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنَا؛﴾ فهي في محل جر مثلها، وهناك أقوال أخرى لا وجه لها أبدا. هذا؛ وقد قرئ الفعل بصيغة الماضي، وفي هذه الجملة حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنَا،﴾ فهي في محل جر مثلها، ويكون الكلام جملتين: والثاني: أنها معطوفة على: جملة محذوفة، التقدير: فثابوا، واتخذوا. وفي هذين الوجهين تكلّف لا داعي له. والثالث: أنها معطوفة على مجموع: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا..﴾. إلخ، فيحتاج إلى تقدير: أي: وإذ اتخذوا... ﴿مُصَلًّى:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. (﴿عَهِدْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿إِلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِسْماعِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله فهو مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما مثل: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ السابق. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة؛ لأن في: (عهدنا): معنى القول، وقيل: مصدرية، ولا أعتمده. ﴿طَهِّرا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿بَيْتِيَ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، واللام بمعنى: من أجل. ﴿وَالْعاكِفِينَ:﴾ معطوف على ما

стр. 309

قبله مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما الياء؛ لأنّهما جمعا مذكر سالمان، وعطف (﴿الْعاكِفِينَ﴾) على (الطائفين) لتباين ما بينهما، بخلاف (الركع) و (السجود) فإنّ المراد بهما شيء واحد، وهو الصّلاة؛ إذ لو عطف؛ لتوهم: أنّ كلاّ منهما عبادة على حيالها. هذا؛ والصّفات كلها لموصوف محذوف، وجملة: ﴿طَهِّرا﴾ لا محل لها؛ لأنها تفسير لقوله: (﴿عَهِدْنا﴾). هذا قول الجمهور، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره. وهو جيد. وجملة: (﴿عَهِدْنا﴾) معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنَا﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾ أي: ذا أمن، يأمن فيه أهله. وإنّما دعا إبراهيم له بالأمن؛ لأنه بلد ليس فيه زرع، ولا ثمر، وإذا لم يكن آمنا؛ لم يجلب إليه شيء من النواحي البعيدة، فأجاب الله دعاء إبراهيم له بالأمن، فما قصده جبّار، إلا قصمه الله تعالى، كما فعل بأصحاب الفيل. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فروي: أنه لمّا دعا بهذا الدّعاء؛ أمر الله تعالى جبريل ﵇، فاقتلع الطّائف من الشّام، فطاف بها حول البيت أسبوعا، فسمّيت الطّائف لذلك، ثم أنزلها تهامة، وكانت مكّة وما يليها حين ذلك قفرا، لا ماء، ولا نبات، فبارك الله فيما حولها، كالطّائف، وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثّمار. ثمّ قال: ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على الأمن في مكة ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب، والصيد، فلا يهيج الكلب الصّيد، ولا ينفر منه؛ حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب على الصيد، وعاد إلى النفور، والهرب. انتهى. وفي بيان هذا الأمن قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها». فقال العباس-﵄: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنّه لقينهم، ولبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر». أخرجه البخاريّ، ومسلم عن عبد الله بن عبّاس، ﵁. والقين: الحدّاد، ويختلى خلاه: يقطع النبات الّذي ينبت بنفسه. ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ليقبلوا على طاعتك، ويتفرّغوا لعبادتك. وخصّ بدعوته المؤمنين فقط. قال الخليل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف

стр. 310

سلام-: الرزق على الإمامة، فنبهه الله على أنّ الرزق رحمة دنيوية شاملة للمؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر بخلاف الإمامة. فإنّها خاصّة بالخواص من المؤمنين، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ أي: وأرزق من كفر أيضا، كما أرزق المؤمن، والمعنى: أأخلق خلقا، ثمّ لا أرزقهم؟! أما الكافر فأمتعه في الدّنيا متاعا قليلا، وذلك مدّة حياته فيها. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ:﴾ ثم ألجئه في الآخرة، وأسوقه إلى عذاب النّار، فلا يجد عنها محيصا، ولا مهربا، والمضطر: هو الذي لا يملك لنفسه الامتناع ممّا اضطر إليه. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ وبئس المآل، والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (الحج)، وقال الرسول ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه؛ لم يفلته»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ رقم [١٠٢] من سورة (هود). رواه أبو موسى الأشعري-﵁-والظالم قد يكون من المسلمين، كما ذكرته لك مرارا، وقد يكون أخبث من الكافر، وأشدّ مكرا، وخداعا. الإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية رقم [١٢٤] وجملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف... والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وانظر ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥٤] فيجوز في ﴿رَبِّ﴾ ما جاز فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أوّل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَلَداً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿اِجْعَلْ..﴾. في محل نصب مقول القول. ﴿وَارْزُقْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اُرْزُقْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَهْلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: (﴿اُرْزُقْ﴾): معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل بعض من كل. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنَ﴾ لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (﴿مِنَ﴾) بيان لما أبهم في ﴿مِنَ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على (الله)، ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة اليوم. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف معطوف بالواو العاطفة على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ عطف تلقين،

стр. 311

كأنه قيل: وأرزق من كفر، وهذا المحذوف مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره: أنا، وجملة ﴿كَفَرَ﴾ مع فاعله المستتر، ومتعلقه المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجوز أن تكون (﴿مِنَ﴾) نكرة موصوفة فتكون الجملة الفعلية صفة لها. (أمتعه): مضارع، والفاعل تقديره: أنا، والهاء مفعوله. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: تمتيعا قليلا، أو: صفة زمان محذوف، أي: زمانا قليلا، وجملة: ﴿فَأُمَتِّعُهُ... :﴾ معطوفة على جملة: «أرزق من كفر». هذا؛ ويجوز أن تكون (من): موصولة، أو شرطية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ:﴾ صلتها، أو شرطها، وجملة: (أمتعه) خبره والفاء صلة على اعتبار (﴿مِنَ﴾) موصولا، وهي رابطة للجواب على اعتبار (﴿مِنَ﴾) شرطا، وجملة (أمتعه) في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: (أنا أمتعه) وعليه فالجملة اسمية لا فعلية، وهي في محل جزم جواب الشرط. وجملة: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ﴾ معطوفة على جملة: (أمتعه) ب ﴿ثُمَّ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مستأنفة لا محل لها، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: هو العذاب، أو: هو النار، ونحو ذلك. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ:﴾ ﴿يَرْفَعُ:﴾ يبني، ورد التعبير بصورة المضارع حكاية عن الماضي، ولذلك وجه معروف في محاسن البيان، وهو استحضار الصورة الماضية، وكأنّما هي مشاهدة بالعيان، فكأنّ السامع ينظر، ويرى إلى البنيان وهو يرتفع، والبنّاء هو: إبراهيم، وإسماعيل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿الْقَواعِدَ:﴾ الأسس التي ترتكز عليها الجدران، أو هي الجدران نفسها. ﴿الْبَيْتِ:﴾ الكعبة المعظمة. هذا وفي القسطلاني على البخاريّ ما نصّه، وبنيت الكعبة عشر مرات: الأول: بناء الملائكة، روي: أن الله تعالى أمرهم أن يبنوا في كلّ سماء بيتا، وفي كل أرض بيتا، قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتا، الثاني: بناء آدم. روي: أنه قيل له: أنت أوّل الناس، وهو أول بيت وضع للناس. الثالث: بناه ابنه شيث ﵇ بالطّين، والحجارة، فلم يزل معمورا به، وبأولاده، ومن بعدهم حتّى كان زمن نوح ﵇ فأغرقه الطّوفان، وغيّر مكانه. الرابع: بناء إبراهيم، وكان المبلّغ له ببنائه جبريل عن الملك الجليل، والمبلّغ، والمهندس: جبريل، والباني: الخليل، والمعين والمساعد: إسماعيل. الخامس: بناء العمالقة. السّادس: بناء جرهم، والذي بناه منهم الحارث بن مضاض الأصغر. السابع: بناه قصيّ خامس جدّ للنبي ﷺ ، الثامن: بناء قريش، وحضره النّبيّ ﷺ ، وهو ابن خمس وثلاثين سنة. التاسع: بناء عبد الله بن

стр. 312

الزّبير-﵄-وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجنيق الّتي أصابتها حين حوصر ابن الزّبير بمكّة. العاشر: بناء الحجّاج بعد قتل ابن الزبير، ونظم العشرة بعضهم، فقال: [الطويل] بنى بيت ربّ العرش عشر فخذهم... ملائكة الله الكرام وآدم فشيث فإبراهيم ثمّ عمالق... قصيّ قريش قبل هذين جرهم وعبد الإله بن الزّبير بنى كذا... بناء لحجّاج وهذا متمّم انتهى جمل نقلا من القسطلاني. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: حجّ آدم البيت أربعين حجّة من الهند ماشيا على رجليه، هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (إبراهيم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٢٤]، وجملة: ﴿يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿مِنَ الْبَيْتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْقَواعِدَ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة لها، وهذا لا يكون إلا إذا اعتبرنا (ال) للجنس، وليس الجنس مرادا هنا، وقيل: متعلقان بالفعل ﴿يَرْفَعُ﴾ وليس بالقويّ. ﴿وَإِسْماعِيلُ:﴾ معطوف على ﴿إِبْراهِيمُ﴾. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تَقَبَّلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت، والجملتان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ﴾ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، التقدير: «يقولان ربنا...» والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من: (إبراهيم وإسماعيل)، والعامل الفعل: ﴿يَرْفَعُ﴾. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّكَ﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره ضمير فصل لا محل له، والثاني: اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما ف ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبر ل (إنّ). والثالث: اعتباره مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ:﴾ خبران له، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع: (إن) والجملة الاسمية تعليل للدعاء لا محل لها، وهي بدورها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تأمل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ:﴾ مخلصين لك، من: أسلم وجهه، أو: مستسلمين، من: أسلم: إذا استسلم، وانقاد. والمراد طلب المزيد في الإخلاص، والإذعان، والثبات على الإسلام مقرونا بالعمل الصّالح. هذا؛ وقرئ: («مسلمين») بصيغة الجمع على أن المراد أنفسهما،

стр. 313

وهاجر. (﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾): (﴿مِنْ﴾) للتبعيض؛ أي: واجعل بعض ذريتنا؛ لأن الله تعالى قد كان أعلمه: أنّ منهم ظالمين. ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ:﴾ جماعة خاضعة، منقادة لأوامرك، وإنّما خصّ الذريّة بالدّعاء؛ لأنهم أحقّ بالشّفقة، والنّصيحة، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾. ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا؛ صلح بهم غيرهم. هذا؛ و ﴿أُمَّةً﴾ تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً﴾ رقم [١٢٠] من سورة (النّحل)، وقال رسول الله ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده»؛ لأنه لم يشرك في دينه غيره، والأمّة: الطريقة والملّة والدّين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكل جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾. وانظر الآية رقم [١٩٩] الآتية. والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. والأمّة: الشّجّة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأميم. والأمة أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة، قال الشاعر: [المتقارب] وإنّ معاوية الأكرمي... ن حسان الوجوه طوال الأمم ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا:﴾ علّمنا، وأصله: أرئينا، انظر (نرى) في الآية رقم [٥٥]، وهو هنا بمعنى: عرّفنا، يتعدّى لواحد فقط، ويتعدى للثاني بواسطة همزة التعدية. هذا؛ والمناسك: شرائع العبادة على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها، أو هي: مناسك الحجّ. وقيل: مذابحنا، والنّسك: الذبيحة، وأصل النسك: العبادة، والناسك: العابد. ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح. ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. هذا؛ والمراد بقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ طلب التثبيت على الطّاعة، والدوام على العبادة، لا لأنهما كان لهما ذنب. وقيل: المراد: البيان للناس: أنّ ذلك الموقف، وتلك المواضع مكان التنصّل من الذّنوب، وطلب التّوبة، والمغفرة. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر الآية السّابقة. (﴿اِجْعَلْنا﴾): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: أنت. و (نا): مفعول به أول. ﴿مُسْلِمَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وجمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَاجْعَلْنا﴾ معطوفة على جملة: ﴿تَقَبَّلْ﴾ في الآية السابقة، وجملة النداء: ﴿رَبَّنا﴾ معترضة لتأكيد الدعاء. (﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾): متعلقان بفعل محذوف، تقديره: اجعل، وهما في محل نصب مفعوله الأول. و (نا): في محل جر بالإضافة، ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به ثان للفعل المقدر. ﴿مُسْلِمَةً:﴾ صفة ﴿أُمَّةً،﴾ ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُسْلِمَةً﴾ أو بمحذوف صفة له. وذكر أبو البقاء وجها آخر

стр. 314

للإعراب، لا مبرر له، وجملة: «اجعل من ذريتنا» معطوفة على الجملة السابقة، فهي داخلة في المقول، (أرنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. و (نا): مفعول به أول. ﴿مَناسِكَنا:﴾ مفعول به ثان. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وكذلك جملة: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ معطوفة أيضا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ انظر الآية السابقة، فهي مثلها بلا فارق. تنبيه: بالإضافة لما ذكرته في سورة (إبراهيم) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام أذكر هنا ما يلي: ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵊، وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين، وقد نقل معهم الحجارة، وله ﷺ من العمر خمس وثلاثون سنة. قال محمّد ابن اسحاق في السيرة: ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة، وكانوا يهابون هدمها، وقد كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها، وتسقيفها، وذلك: أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة لرجل من تجّار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكّة رجل قبطيّ نجّار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة، فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك: أنها كانت لا يدنو منها أحد إلا احزألّت (ارتفعت، واشتدّت للوثوب) وكشّت، وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما تتشرّق على جدار الكعبة ذات يوم، كما كانت تصنع؛ بعث الله إليها طائرا، فاختطفها، وذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا (أي: من هدم الكعبة وبنائها) عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيّة، فلمّا أجمعوا أمرهم في هدمها، وبنائها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيه مهر بغيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ ، فقد روى خالد بن معدان-﵁-أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك، قال: «نعم: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى». وروى الإمام أحمد، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي عند الله لخاتم النّبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأوّل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمّي الّتي رأت، وكذلك أمهات النبيّين يرين». هذا؛ وبشارة

стр. 315

عيسى ﵇ هي قوله تعالى حكاية عن قوله حيث قام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. ورؤيا أمّة كانت مناما، رأته حين حملت به، وقصّته على قومها. فشاع فيهم، واشتهر بينهم. ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ:﴾ يقرأ عليهم آيات الكتاب الذي تنزّله عليهم، والمراد: القرآن الكريم الذي نزل على قلب الرسول ﷺ . ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وهو آيات الله المذكورة، فعلى ذلك فهو من اختلاف اللفظ، واتحاد المعنى. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ المعرفة بالدّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من الله تعالى، قاله مالك، وقال أبو بكر بن دريد: هي كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٨] فإنه جيد والحمد لله. ﴿يُزَكِّيهِمْ:﴾ يطهرهم من الشرك، والمعاصي، وسوء الأخلاق، والطباع. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ الغالب الذي لا يقهر، ولا يغلب على ما يريد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ،﴾ ومن قول الخنساء-﵂: [المتقارب] كأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦٨] فإنه جيد، والحمد لله! الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (﴿اِبْعَثْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولاً﴾ وبمحذوف صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَقَبَّلْ..﴾. إلخ في الآية رقم [١٢٧] فهي داخلة معها في المقول. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رَسُولاً﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بالجار والمجرور بعده. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِكَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، (﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾): فعل مضارع ومفعولاه، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وأيضا جملة: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وما يتعلق بالفعل معطوفة عليها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ انظر الآية رقم [١٢٧] فهو مثله بلا فارق. ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ أي: لا يرغب، فالاستفهام بمعنى النّفي. هذا؛ والفعل: «يَرْغَبُ» يتغيّر معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، تقول: رغبت عن الشيء: إذا كرهته، ولم تحبّه.

стр. 316

ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل-وهو الشاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم محتملا للمدح والذمّ بسبب تقدير الجار والمجرور، كما يجوز تقدير (عن) أو (في) في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ومثل يرغب: ادّعى، يقال: ادّعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم. ومثله: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدلّ على اتساع اللغة العربية. ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ دينه، وطريقته، وشريعته. هذا؛ والملة بفتح الميم: الرّماد الحار. ﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ:﴾ استمهنها، وأذلّها، واستخفّ بها. قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعدّ، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ : «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص النّاس» أي: تحتقرهم، والأول من باب: طرب، والثاني من باب: ظرف. هذا؛ وجاء في المختار: وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلمّا حوّل الفعل إلى الرّجل؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنّه صار في معنى سفّه نفسه بالتّشديد. هذا قول البصريين، والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز: غلامه ضرب زيد. وقال الفرّاء: لمّا حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها؛ خرج ما بعده مفسّرا ليدلّ على أنّ السّفه فيه، وكان حكمه من النفس سفه زيد نفسا؛ لأنّ المفسّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب، كنصب النّكرة تشبيها بها، ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسّر لا يتقدّم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا، والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى بحروفه. ﴿اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ اخترناه على غيره بالرّسالة والخلّة. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: الذين لهم الدّرجات العلى. هذا؛ والصّلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سأل الله هذه المنزلة يوسف الصدّيق، عليه وعلى نبينا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام، سأله هذه المنزلة قبل وفاته، وقد حكى القرآن ذلك عنه: ﴿*رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وسألها إبراهيم ﵇، وحكاها القرآن عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (الشعراء). وطلبها سليمان ﵇، وحكاها القرآن الكريم عنه: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ سورة (النمل)، وقال تعالى في حقّ إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.

стр. 317

تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أن عبد الله بن سلام-﵁-كان من أحبار اليهود، وقد أسلم، ودعا ابني أخيه إلى الإسلام، وهما: مهاجر، وسلمة، فقال لهما: قد علمنا: أن الله تعالى قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيّا اسمه أحمد، فمن آمن به؛ فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به، فهو ملعون. فأسلم سلمة، وامتنع مهاجر عن الإسلام، فنزلت الآية الكريمة. والعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، فهو تعريض، وتوبيخ لليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأنّ اليهود، والنّصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم؛ لأنهم من بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به؛ لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة الرسول في آخر الزمان، فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول، الذي هو دعوة إبراهيم؛ فقد رغب عن ملّة إبراهيم. انتهى الخازن، وغيره. هذا؛ وروى حجّاج بن حجّاج الأحول المعروف ب «زق العسل» قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إنّ الصّالحين أنت أصلحتهم، ورزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم، فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنّا. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْغَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، ﴿عَنْ مِلَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِلَّةِ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿يَرْغَبُ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو حرف استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع بدل من الضمير المستتر في: ﴿يَرْغَبُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، ورجّح الأول؛ لأن الكلام منفي معنى. ﴿سَفِهَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: ﴿نَفْسَهُ﴾ منصوب على التمييز، مثل: غبن رأيه. وألم رأسه كما قيل: هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: سفه على نفسه، وجملة: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها. ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿اِصْطَفَيْناهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به: والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٥]. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّهُ﴾): حرف مشبه

стр. 318

بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان باسم فاعل محذوف: التقدير: وإنّه صالح في الآخرة. وقيل: متعلقان بمصدر محذوف، تقديره: صلاحه في الآخرة. وهذا لأن (ال) بمعنى الموصول، والجار والمجرور صلة، ولا تتقدم الصّلة على الموصول. وقول ثالث: إنّ ﴿الصّالِحِينَ﴾ ليس بمعنى: الذين صلحوا، ولكنّه اسم قائم بنفسه، كما يقال: الرجل، والغلام، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي: اثبت على الإسلام، واستقم على نهجه، وطريقته، لأنه كان مسلما، ولأن الأنبياء جميعا نشئوا على الإسلام والتوحيد. قال ابن عباس-﵄: قال له ذلك حين خرج من السّرب، وذلك عند استدلاله بالكواكب، والشّمس، والقمر، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وافتقارها إلى محدث مدبّر، كما ذكر الله في سورة (الأنعام) رقم [٧٥] وما بعدها، فلما عرف ذلك؛ قال له ربه: أسلم، ﴿قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: قال إبراهيم، -على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: خضعت بالطّاعة، وأخلصت العبادة لمالك الخلائق ومدبّرها، ومحدثها. هذا؛ والمراد بالإسلام: التوحيد، وليس المراد الإسلام المتعارف عليه في شريعة محمد ﷺ ، وكذلك ما يذكر عن إسلام كثير من الأنبياء السّابقين، فإن المراد: التّوحيد، والاستسلام، والانقياد. هذا؛ والسّرب الذي ذكره ابن عباس-﵄: يشير إلى أنّ إبراهيم ﵇ قد ربّي خفية عن النّمرود الجبّار؛ الذي ادعى الألوهية، وأن تربية إبراهيم كانت في السّرب بعيدة عن الناس خوفا من النّمرود، فهي شبيهة بتربية موسى ﵇. هذا؛ وفي الآية الكريمة التفات من التكلّم في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآية؛ إذ كان مقتضى الكلام: «إذ قلنا...» إلخ، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقّلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختصّ كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبنيّ على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وقيل: هو ظرف للفعل ﴿اِصْطَفَيْناهُ﴾ وقيل: هو بدل من الجار والمجرور: «فى الدنيا». وهذا ضعيف جدّا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَسْلِمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية

стр. 319

في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ تقديره: هو. ﴿أَسْلَمْتُ:﴾ فعل وفاعل، ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ربّ) مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿أَسْلَمْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَوَصّى:﴾ وقرئ: («وأوصى») والأول أبلغ. ﴿بِها:﴾ بالملّة، وقيل: بالكلمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ﴿إِبْراهِيمُ بَنِيهِ:﴾ بنو إبراهيم هم: إسماعيل وأمّه هاجر، ولد قبل: إسحاق بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، وكانت سنّه يوم مات أبوه تسعا وثمانين سنة، وإسحاق وأمّه سارة، وعاش مائة وثمانين سنة، ثمّ لمّا توفيت سارة تزوج إبراهيم ﵇ قطورا بنت يقطن الكنعانية، فولدت له مدين، ومديان، ويقشان، وزمران، ويشبق، وسوح، فهم ستة مع الاختلاف في تسميتهم بحسب الروايات. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ أي: أوصى بنيه، وهم اثنا عشر ولدا، وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وريالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ويوسف، وبنيامين، ولا تنس أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم جدّه، وهو النافلة بنصّ القرآن. ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: هذا من وصية يعقوب لبنيه، وأصل بنيّ: «بنين لي» فحذفت اللام الجارة، ثم حذفت النون للإضافة، ثم أدغمت ياء المتكلم في ياء الجمع. و ﴿اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ:﴾ اختار لكم دين الإسلام، وهو التوحيد، الذي ذكرته فيما مضى. ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: الزموا الإسلام، ودوموا عليه، ولا تفارقوه حتّى تموتوا، فالنّهي في اللفظ عن الموت على غير الإسلام، وهو في المعنى على غير ذلك؛ إذ المعنى: لا تفارقوا الإسلام حتى تموتوا، كما في قولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، والمعنى: صلّ الصّلاة مقترنة بالخشوع، وهذه الجملة مذكورة في سورة آل عمران برقم [١٠٢]. الإعراب: ﴿وَوَصّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ أَسْلَمْتُ..﴾. إلخ. في الآية السابقة: لا محل لها مثلها. ﴿بَنِيهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَعْقُوبُ:﴾ معطوف على إبراهيم، فهو مرفوع مثله. وقيل: هو مبتدأ حذف خبره،

стр. 320

التقدير: ويعقوب وصّى بنيه أيضا، والأول أقوى. هذا؛ ويقرأ بالنصب عطفا على ﴿بَنِيهِ﴾ وهو بعيد؛ لأنّ يعقوب لم يكن بين أولاد إبراهيم لمّا وصاهم. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به، والكلام: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ فيه وجهان: أحدهما: أنّه من مقول ﴿إِبْراهِيمُ﴾ وذلك على القول بعطف (﴿يَعْقُوبُ﴾) على ﴿إِبْراهِيمُ﴾. الثاني: أنه من مقول (﴿يَعْقُوبُ﴾) على القول برفعه على الابتداء، ويكون قد حذف مقول ﴿إِبْراهِيمُ﴾ للدّلالة عليه، وعلى كل تقدير فالكلام منصوب بقول محذوف على رأي البصريين، أي: فقال: يا بني... إلخ، وبفعل الوصية؛ لأنها في معنى القول عند الكوفيين. انتهى. جمل نقلا من السّمين. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٢]: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا..﴾. إلخ. حيث قال البصريون: إنّ قوله: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول لقول محذوف وقال الكوفيون: في محل نصب مفعول به للفعل: (﴿نادى﴾) وخذ قول الراجز، وهو الشاهد رقم [٧٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فالقول فيه مثل الآيتين: [الرجز] رجلان من مكة أخبرانا... إنّا رأينا رجلا عريانا ﴿فَلا:﴾ الفاء: أراها الفصيحة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة. (لا): ناهية. ﴿تَمُوتُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة: فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل لها، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ الشرح: روي: أن اليهود قالوا للنبيّ ﷺ : ألست تعلم: أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات؟! فنزلت الآية الكريمة، وفيها توبيخ لهم، وتقريع. ﴿شُهَداءَ:﴾ حضورا، جمع: شاهد، وشهيد. ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعد موتي. أراد تقريرهم على التوحيد، والإسلام، وأخذ
следующие страницы →