Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
﴿عَلَيْكَ..﴾.: متعلقان ب (بركات)، أو بمحذوف صفة له، ويقرأ: «(بركة)» بالإفراد، والكلام ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: قيل القول، وعليه فالكلام المذكور في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾: معطوفان على ما قبلهما، وانظر الشرح. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَمٍ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿مَعَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أو هو متعلق بمحذوف صفة (من) إن كانت نكرة، والكاف في محل جر بالإضافة. (أمم): قال أبو البقاء: معطوف على فاعل ﴿اِهْبِطْ﴾ المستتر، تقديره: اهبط أنت وأمم، وكان الفصل بينهما مغنيا عن التوكيد، ولا أعتمده؛ لأن الكلام مستأنف وعليه ف (أمم) مبتدأ، وجملة: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في محل رفع خبره. قاله الجمل. وقال الزمخشري: الجملة صفة: (أمم)، والخبر محذوف، وبه قال النسفي، والتقدير: وممن معك أمم ممتعون، وإنما حذف؛ لأن ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ يدل عليه، والجملة الاسمية مستأنفة؛ إن كان القائل الملائكة، وداخلة في مقول القول؛ إن كان القائل هو الله تعالى. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَمَسُّهُمْ﴾:
مضارع، والهاء مفعول به. ﴿مِنّا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿يَمَسُّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾: الإشارة إلى قصة نوح التي مر ذكرها وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة وهي للبعد، والقصة في متناول اليد، وذلك للإيذان بشأنها، والاهتمام بها، وأنها جديرة بأن يستفيد منها كل إنسان؛ ليتعود على تحمل الأذى، والصبر على ما ينوب من متاعب هذه الدنيا، ومصاعبها، فهي من أخبار الغيب. ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى نخبرك بها، أو نلقي إليك خبرها. ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾: لم يكن عندك علم بقصة نوح-﵇-قبل نزول القرآن عليك، وأيضا قومك قريش لم يكونوا يعلمونها تفصيلا، وإن كانوا يسمعون بها إجمالا؛ لأنها كانت معروفة ومشهورة عند جميع الأجيال والقرون. ﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمد على أذى قومك، كما صبر نوح على أذى قومه. ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾: المحمودة بالنصر والظفر على الأعداء والفوز بالسعادة الأبدية، إنما هي ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشرك والمعاصي.
بعد هذا انظر: (الوحي) في الآية [٣٦]، وإعلال ﴿كُنْتَ﴾: في الآية [٢٨]، وشرح (قوم) في الآية [٢٨] وانظر (التقوى) في الآية رقم [١] الأنفال، و ﴿الْغَيْبِ﴾ كل ما غاب عنا، ولم نشاهده
стр. 2557
ولم نسمع به، و ﴿أَنْباءِ﴾ جمع: نبأ، وهو الخبر، وانظر الآية رقم [١٢٠] الآتية، وانظر (الصبر) في الآية رقم [١١٥] الآتية، وانظر (نا) في الآية [٨].
تنبيه: الآية الكريمة تذكر النبي ﷺ بما أنعم الله عليه من نعم، ومثلها كثير في القرآن الكريم، وفيه منّ على الرسول العظيم، وهذا المنّ من الله على نبيه مقبول؛ لأن الله يمن بما يملك حقيقة، فهو المتفضل والمنعم. بخلاف منّ العبد على العبد بما يسديه إليه من معروف، فهو مذموم، ومحبط للأعمال، وقد بينت ذلك آية البقرة [٢٦٢].
الإعراب: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿أَنْباءِ﴾:
مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿نُوحِيها﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُها﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، و (ها): مفعول به، واكتفى به؛ لأنه من المعرفة لا من العلم واليقين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَلا﴾:
الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿قَوْمُكَ﴾: معطوف على الضمير المستتر في الفعل. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿تَعْلَمُها،﴾ و ﴿قَبْلِ﴾: مضاف، و ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿تَعْلَمُها..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ، هذا؛ وأجيز اعتبار جملة: ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ في محل نصب حال من أنباء الغيب والعامل في الحال اسم الإشارة، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، فتكون حالا متداخلة، والرابط في الجملتين: الضمير فقط، كما أجيز تعليق: ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ بالفعل بعدهما، أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب، فتكون جملة: ﴿نُوحِيها..﴾. إلخ هي الخبر وهذه الآية مثل الآية رقم [٤٤] من آل عمران، ومثلهما الآية رقم [١٠٠] الآتية، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة والأول هو المعتمد من كل هذه الاعتبارات.
الفاء: هي الفصيحة. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، والجمل الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا؛ فتأسّ، واصبر، هذا؛ وإن اعتبرت جملة: (اصبر) مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿الْعاقِبَةَ﴾: اسمها. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾.
إلخ تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 2558
﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف). ﴿قالَ﴾ أي: هود ﵇. ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾: وحدوه ولا تشركوا به شيئا.
﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: ليس لكم إله يستحق العبادة، غير الله؛ لأنه سبحانه هو المنعم، والمتفضل بالإيجاد والإعدام، وكل شيء في هذا الكون تحت تصرفه، وقهره، وجبروته. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾: تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان آلهة تعبدونها من دونه .
الإعراب: ﴿وَإِلى عادٍ﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وأرسلنا، والواو عطفت قصة هود بكاملها على قصة نوح، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أَخاهُمْ﴾: مفعول به للفعل المقدر منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هُوداً﴾: بدل مطابق من: ﴿أَخاهُمْ﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿قالَ﴾:
ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى، وانظر تفصيله في الآية [٢٨]، ﴿اُعْبُدُوا﴾: أمر، والواو فاعله، وانظر ﴿تُوبُوا﴾ في الآية رقم [٣]، ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول مع الجملة الندائية قبلها. ﴿ما﴾: نافية.
﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ﴾: يقرأ بالرفع على أنه صفة إله أو بدل منه على المحل، ويقرأ بالجر تبعا للفظ، ويقرأ بالنصب على الاستثناء، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ..﴾.
إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُفْتَرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية من مقول هود. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾: لا أطلب منكم ثوابا، ولا مكافأة على تبليغ رسالة ربي، والدعاء إليه والإيمان به، فيثقل عليكم. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ما أجري وثوابي إلا على الذي خلقني. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾: استفهام توبيخي، أي: أفلا تستعملون عقولكم، وتميزون بها المحق من المبطل، والحسن من القبيح؟! أو أفلا تتدبرون ما جرى على قوم نوح لما كذبوه، وأنتم من نسلهم وسلالتهم؟! وانظر العقل في الآية [٢] من سورة (يوسف)؛ فإنه جيد.
стр. 2559
قال البيضاوي: خاطب كل رسول قومه به، إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع.
الإعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية [٢٨] ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَجْراً﴾:
مفعول به ثان. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى الَّذِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.
﴿فَطَرَنِي﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء:
حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. انظر الآية رقم [٢٤] ولعلك تدرك معي بعد ذلك أن الآية برمتها في محل نصب مقول القول، أي: إنها من مقول هود على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾: كثيرة الأمطار. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ أي: شدة مع شدتكم، ويضاعف قوتكم، وإنما رغبهم بكثرة الأمطار وزيادة القوة؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات، وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود ﵇ إن هم آمنوا وتابوا أن يرسل الله عليهم المطر، ويعيد أرحام النساء إلى ما كانت عليه، فيزدادون قوة بالأموال والأولاد. ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أي: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر، هذا؛ والإعراض والتولي والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا.
و (مدرار) مفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث، هذا؛ و (زاد) ضد نقص، يكون لازما كقولك: زاد المال، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا؛ بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما ومدّا تمييز، ومثله قل في «نقص»، ومن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾.
فائدة: جاء رجل إلى الحسن البصري، وشكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بساتينه، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر
стр. 2560
عدم الولد، فقال: استغفر الله، ثم تلا عليهم جميعا قوله تعالى حكاية عن قول نوح ﵇ لقومه: ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾.
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨]. ﴿اِسْتَغْفِرُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿تُوبُوا﴾ في الآية رقم [٣] ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ثُمَّ﴾:
حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يُرْسِلِ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر، التقدير: إن تستغفروا؛ يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿السَّماءَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يُرْسِلِ﴾. ﴿مِدْراراً﴾:
حال من ﴿السَّماءَ﴾. (يزدكم): معطوف على ﴿يُرْسِلِ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿قُوَّةً﴾: مفعول به ثان. ﴿إِلى قُوَّتِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قُوَّةً،﴾ و ﴿إِلى﴾ بمعنى (مع) هنا، كما في آية الوضوء، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: الواو:
حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَتَوَلَّوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها من مقول هود ﵇، أي: فهي في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا هُودُ﴾ أي: قالوا ذلك استهزاء وتكبرا وعنادا. ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾:
بمعجزة أو بحجة، وبرهان على صحة دعواك، وصدق قولك، قال الجمل: وكانت معجزته ما يأتي في قوله: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ حيث عصمه الله منهم مع قدرتهم على ما هددوه به، وقيل: هي الريح الصرصر المذكورة في سورة الحاقة. انتهى.
أقول: الريح ليست بمعجزة؛ لأنها أهلكتهم، وقد ذكرت في سورة (الأعراف): أن القرآن الكريم لم يذكر لهود معجزة كما ذكر لصالح، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ . ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لا نترك عبادة الأوثان من أجل قولك، ودعوتك، وهذا تيئيس منهم لهود ﵇. ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين ما تقول، وتدعيه، وهذا تأكيد لإقامتهم على الكفر، وإقناط لهود من الإجابة.
стр. 2561
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿يا هُودُ﴾: منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب ب «يا» النائبة مناب أدعو. ﴿ما﴾: نافية. ﴿جِئْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من تاء الفاعل، أي: ملتبسا ببينة. ﴿وَما﴾:
الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية. ﴿نَحْنُ﴾: اسمها. ﴿بِتارِكِي﴾: الباء: حرف جر صلة. (تاركي): خبر (ما) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه، وحذفت نونه للإضافة، و (تاركي) مضاف، و ﴿آلِهَتِنا﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾: متعلقان ب (تاركي)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب (تاركي)، التقدير: صادرين عن قولك، ورجحه الجمل، ورجح ابن عطية الأول، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإعراب ما بعدها مثلها، وهي معطوفة عليها مع ملاحظة: أن الجار والمجرور ﴿قَوْلِكَ﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿إِنْ نَقُولُ﴾: ما نقول في شأنك. ﴿إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾: إلا أصابك بعض آلهتنا التي نعبدها بجنون لسبك إياها، وصدك عنها، ومن ذلك تهذي، وتتكلم بالخرافات، هذا؛ و (اعتراه) و (عراه) بمعنى واحد، قال أبو صخر الهذلي: [الطويل]
وإنّي لتعروني لذكراك هزّة... كما انتفض العصفور بلّله القطر
﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا..﴾. إلخ: أجاب به عن مقالتهم الحمقاء بأن أشهد الله على براءته من آلهتهم، وفراغه من إضرارهم، تأكيدا لذلك، وتثبيتا له، وأمرهم بأن يشهدوا عليه، استهانة لهم، وتحقيرا لشأنهم، وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إمهال وإنظار له، حتى إذا اجتهدوا فيه، ورأوا أنهم قد عجزوا عن آخرهم-وهم الأقوياء الأشداء-أن يضروه؛ لم يبق لهم شبهة أن آلهتهم التي هي جماد لا تضر ولا تنفع، لا تتمكن من إضراره انتقاما منه، وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجمع الجم الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام، ليس إلا لثقته بالله، وتثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه. انتهى. بيضاوي.
стр. 2562
(السوء): ما يسوء الإنسان من مرض وفقر ونحوهما، هذا؛ والسوء؛ ما يعم أعمال الشر والفساد. ﴿لا تُنْظِرُونِ﴾: لا تمهلوني، ولا تؤخروا كيدكم لي، وما أشبه هذا القول بقول نوح ﵇ في الآية [٧١] يونس ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ..﴾. إلخ.
تنبيه: قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت: هلا قيل: إني أشهد الله، وأشهدكم، قلت:
لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد على أني لا أحبك؛ تهكما به، واستهانة بحاله. انتهى. بحروفه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿نَقُولُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿اِعْتَراكَ﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿بَعْضُ﴾:
فاعله، و ﴿بَعْضُ﴾: مضاف، و ﴿آلِهَتِنا﴾: مضاف إليه، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِسُوءٍ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿اِعْتَراكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وقول أبي البقاء:
الجملة مفسرة لمصدر محذوف، تقديره: إن نقول إلا قولا هو اعتراك، لا وجه له البتة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ نَقُولُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهي عند التأمل من مقول قوم هود. ﴿قالَ﴾:
ماض، والفاعل يعود إلى (هود). ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُشْهِدُ﴾:
مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها؛ إذ هي بمنزلة جواب لسؤال مقدر. (اشهدوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿بَرِيءٌ﴾:
خبر إن. ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: بريء من الذي، أو من شيء تشركونه مع الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ،﴾ التقدير: بريء من شرككم أحدا مع الله، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾:
متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿أُشْهِدُ﴾ الثاني؛ لأنه من الرباعي، أو مفعول (اشهدوا)، وهو من الثلاثي يكتفي بمفعول واحد، فأنت
стр. 2563
ترى: أن الفعلين تنازعاه، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وعلى المذهبين يقدر لأحدهما مثل المذكور، ولا تنس: أن المصدر المؤول من: ﴿أَنِّي بَرِيءٌ..﴾. إلخ في الأصل مجرور بحرف جر، فلما حذف الجار انتصب كما رأيت. ﴿فَكِيدُونِي﴾:
الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٧]، (كيدوني): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فكيدوني، وهو أولى من العطف على جملة: (اشهدوا). ﴿جَمِيعاً﴾: حال مؤكدة لواو الجماعة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لا﴾: ناهية.
﴿تُنْظِرُونِ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، و (إذا) المقدرة ومدخولها في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ: هذا تقرير لما ذكره في الآية السابقة، والمعنى:
إنكم، وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني؛ لأني متوكل على الله، واثق بحفظه ورعايته، وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدّره. ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أي: إلا وهو مالك لها، وقادر عليها، يصرفها على حسب ما يريد ويشاء، والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك، والناصية: مقدم الرأس، وإنما خص الناصية بالذكر؛ لأن العرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، فإذا وصفوا إنسانا بالذلة مع غيره؛ يقولون: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا أسيرا، وأرادوا إطلاقه؛ جزوا ناصيته ليمنوا عليه، ويعتدّوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم الله بما يعرفون من كلامهم. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم به، ولا يعجزه ظالم، ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
الإعراب: ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي﴾: بدل من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة.
(ربكم): معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تَوَكَّلْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل لما قبلها لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ﴾: مبتدأ مرفوع،
стр. 2564
وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿هُوَ﴾: ضمير مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آخِذٌ﴾: خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِناصِيَتِها﴾: متعلقان ب ﴿آخِذٌ،﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ مثلها تعليل، أو مستأنفة.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن تتولوا بمعنى تعرضوا عن الإيمان بما أرسلت به إليكم، فقد حذفت من الفعل إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم والكلام العربي. ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: فقد أديت ما كلفت به من التبليغ وإلزام الحجة، فلم أقصر بشيء من ذلك، وإنما التقصير حاصل منكم في قبول ذلك. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ أي:
يهلككم ويخلق من هو أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه، ففيه تهديد ووعيد لهم. ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ أي: بإعراضكم، وإنما تضرون أنفسكم بذلك، وقيل: المعنى لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم؛ لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيب، فلا يخفي عليه شيء من أعمالكم، فيجازيكم بها، الإحسان بالإحسان، والإساءة بالإساءة.
الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، التقدير: فإن تتولوا عن الإيمان بالله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أُرْسِلْتُ﴾: ماض، ونائب فاعله. ﴿بِهِ﴾:
متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أُرْسِلْتُ..﴾. إلخ صلة ﴿ما..﴾.
أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك أن الجواب محذوف، وأن الجملة الفعلية تعليل لهذا المحذوف، وتقدير الكلام: فإن تتولوا عن الإيمان بالله فلا أبالي، ولا علي مؤاخذة في شأنكم لأني قد... إلخ. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
(يستخلف): مضارع مرفوع. ﴿رَبِّي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء
стр. 2565
المتكلم، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْماً﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ﴾: صفة: ﴿قَوْماً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لم تفده تعريفا ولا تخصيصا، ولذا وصفت به النكرة، وجملة: (يستخلف...) إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ ويقرأ الفعل بالجزم على اعتباره معطوفا على محل جواب الشرط. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضُرُّونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، هذا؛ ويقرأ الفعل بحذف النون، أي: بجزمه بسبب العطف على جواب الشرط. ﴿شَيْئاً﴾: مفعول به ثان، وقيل: هو نائب مفعول مطلق.
﴿فَإِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿حَفِيظٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه.
﴿حَفِيظٌ﴾: خبر ﴿فَإِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، وعند التأمل يتبين لك أن الآية بكاملها، وأيضا الآية السابقة في محل نصب مقول القول؛ إذ كل ذلك من قول هود، عليه الصلاة، والسّلام.
﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: وكانوا أربعة آلاف، وذكر الرحمة يشير إلى أن أحدا لا ينجو إلا برحمته وفضله-سبحانه! - وإن كانت له أعمال صالحة، وسواء في الدنيا أو في الآخرة، وفي الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: «لن ينجي أحدا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله برحمته».
﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾: قال البيضاوي: هذا تكرير لبيان ما نجاهم منه، وهو السموم، كانت تدخل أنوف الكفرة، وتخرج من أدبارهم، فتقطع أمعاءهم، أو المراد به تنجيهم من عذاب الآخرة أيضا، والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم، فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ. انتهى. قال الخازن: وهو الصحيح ليحصل الفرق بين العذابين، هذا؛ وقد أهلك الله قوم هود بالرياح العاتية، كما ذكر في سورة الذاريات، والقمر، والحاقة، وغير ذلك، وانظر تفصيل ذلك في الآية [٧١] (الأعراف) وانظر (نا) في الآية [٨].
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن
стр. 2566
هشام الأول، والمشهور الثاني، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية: (لما) وهي في محل جر بإضافة: (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، واعتبارها متعلقة بالجواب، وجملة: ﴿نَجَّيْنا هُوداً﴾ جواب لما لا محل لها، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿هُوداً﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿نَجَّيْنا﴾. ﴿مِنّا﴾: متعلقان ب (رحمة) أو بمحذوف صفة لها. (نجيناهم): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب: (لما)، لا محل لها مثله. ﴿مِنْ عَذابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿غَلِيظٍ﴾: صفة: ﴿عَذابٍ﴾.
﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾: لما قص الله سبحانه قصة قوم عاد، خاطب محمدا ﷺ وأمته، فقال: ﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ رده إلى القبيلة، وفيه إشارة إلى قبورهم، وآثارهم، فكأنه قال: سيروا في الأرض، فانظروا إليها، واعتبروا، وقد صرح سبحانه بذلك في كثير من الآيات، وانظر (الإشارة) في الآية [٤٩] ومعنى: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾: كذبوها، وكفروا بها. ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾: خالفوا وعاندوا رسول الله هودا ﵇، وإنما جمعه للتعظيم، أو لأن من كذب برسول فقد كذب كل الرسل. ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: اتبعوا أمر كبرائهم الطاغين المعاندين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا انظر شرح ﴿عادٌ﴾ في الآية [٦٥] (الأعراف)، وصرف هنا لإرادة الأب، ولو أريد به القبيلة لمنع من الصرف، وجحد الشيء: أنكره، وكذبه، وكفر به. ﴿رُسُلَهُ﴾: يجوز ضم السين وإسكانها، هذا؛ والعنيد. الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيد: العنيد والعنود، والعاند، والمعاند: المعارض بالخلاف، وعند يعند من الباب الأول، والثاني، وعند يعند من الباب الرابع، وعند يعند من الباب الخامس، والمصدر: عندا، وعنودا، وعندا.
الإعراب: ﴿وَتِلْكَ﴾: (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عادٌ﴾: خبره. ﴿جَحَدُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:
﴿جَحَدُوا..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿عادٌ،﴾ وإن اعتبرته معرفة؛ فالجملة في محل نصب حال منه، والرابط: واو الجماعة، وهي عائدة على أفراد القبيلة، ومثلها الهاء، والجملة على تقدير:
стр. 2567
«قد» قبلها، والعامل في الحال اسم الإشارة، (عصوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. ﴿رُسُلَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ..﴾.
إلخ معطوفة أيضا، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين:
الدنيا والآخرة، تكبهم في العذاب، واللعن: الطرد من رحمة الله تعالى، وانظر التوسع فيه في الآية [٤٣] (الأعراف). ﴿أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوا ربهم، والفعل (كفر) يتعدى بنفسه وبحرف الجر، كما تقول: شكرته، وشكرت له، ونصحته، ونصحت له، والواو والهاء عائدتان على عاد كما في الآية السابقة. ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أي: لا زالوا مطرودين، ومبعدين من رحمة الله، وإنما كرر ﴿أَلا﴾ وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم، وحثّا على الاعتبار بحالهم، هذا؛ وأعاد الإبعاد-وهو مفهوم معنى اللعنة-بعبارتين مختلفتين ليدل على التأكيد وكونهم مستحقين له، وقيد عاد ب ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ احترازا من عاد الثانية وهي عاد إرم ذات العماد، وهم العماليق، قوم شداد بن عاد الذين سيأتي ذكرهم في سورة الفجر إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿وَأُتْبِعُوا﴾: الواو: حرف عطف. (أتبعوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجمل في الآية السابقة. ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الدُّنْيا﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿لَعْنَةً﴾: مفعول به ثان. (يوم): ظرف زمان معطوف على الجار والمجرور: ﴿فِي هذِهِ﴾ فهو متعلق بالفعل: (أتبعوا) بسبب العطف، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿أَلا﴾:
حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿عاداً﴾: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلا﴾: مثل سابقتها. ﴿بُعْداً﴾:
مفعول مطلق لفعل محذوف، جملته مؤكدة لما قبلها. ﴿لِعادٍ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما.
﴿قَوْمِ﴾: بدل مما قبله، أو عطف بيان عليه، و ﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و ﴿هُودٍ﴾: مضاف إليه.
стр. 2568
﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٧٣] من سورة (الأعراف) ففيها الكفاية. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر هذا الكلام في الآية رقم [٥٠] فهو مثله بلا فارق. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم ﵇ خلق من الأرض، وهذا خلق غير مباشر للمخاطبين، ويكون مباشرا لهم إذا رجعنا إلى تحليل النطفة التي يتكون منها الإنسان، فإنها من الدم، ومصدر الدم في الإنسان الطعام والشراب على اختلاف أنواعهما وألوانهما، فإنهما من الأرض بلا ريب. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ أي: جعلكم عمارها، وسكانها، وقال الضحاك: أطال أعماركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف، وكذلك كان قوم عاد، وقال مجاهد: أعمركم من العمري، أي: جعلها لكم ما عشتم. انتهى. خازن. أقول: والمعتمد الأول بدليل قوله لهم في سورة (الأعراف): ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً﴾.
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: الكلام الشافي على هاتين الجملتين انظره في الآية رقم [٣] ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أي: قريب الإجابة لمن دعاه وسأله، وقد توسعت في ذلك في سورة (البقرة) الآية [١٨٦] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٥٠] فهو مثله بلا فارق، علما بأن: ﴿ثَمُودَ﴾ يقرأ بالصرف وعدمه.
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها وهي من مقول (صالح)، وجملة:
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: الفاء: هي الفصيحة. (استغفروه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فاستغفروه، والكلام في الحقيقة من مقول صالح ﵇، وجملة: ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم
стр. 2569
الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾: خبران ل ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها باعتبارها تعليلا للأمر، أو مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول باعتبارها من مقول صالح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا﴾ أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل ادعائك النبوة؛ وذلك لما نرى فيك من مخايل الرشد، والسداد، وأن تكون لنا مستشارا في الأمور، وأن تؤيدنا في الدين، فلما سمعنا هذا القول منك؛ انقطع رجاؤنا فيك. ﴿مَرْجُوًّا﴾ أصله: (مرجووا)، فأدغمت الواو في الواو، وشددت. ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي: من الأوثان والأصنام. ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾: من التوحيد، وعبادة إله واحد، ونبذ عبادة الأصنام. ﴿مُرِيبٍ﴾: موقع في الريبة، هذا؛ وفي سورة (إبراهيم) ﵇ ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ بحذف نون (نا) للتخفيف، وبالخطاب لجماعة الرسل، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود، والشك في اللغة: خلاف اليقين، وهو اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين، أو لعدم الأمارة، والشك ضرب من الجهل، والريب: الشك أيضا، تقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». رواه النسائي والترمذي عن الحسن بن علي ﵄.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يا صالِحُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) القائمة مقام (أدعو). ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِينا﴾:
متعلقان ب ﴿مَرْجُوًّا﴾ الذي هو خبر (كان). ﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿مَرْجُوًّا﴾ أيضا؛ لأنه صيغة مفعول، كما رأيت، وقبل مضاف، و ﴿هذا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَتَنْهانا﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري.
(تنهانا): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، و (نا): مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف،
стр. 2570
التقدير: عن عبادة... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تنهى). ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أن نعبد الذي، أو شيئا يعبده آباؤنا.
﴿وَإِنَّنا﴾: الواو: واو الحال. (إننا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لَفِي﴾: اللام: هي المزحلقة. (في شكّ): متعلقان بمحذوف خبر (إن). ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَدْعُونا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿إِلَيْهِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط:
الضمير المجرور ب (إلى). ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة ثانية ل ﴿شَكٍّ،﴾ والجملة الاسمية: (إننا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَعْبُدَ﴾ المستتر، والرابط: الواو والضمير، ولعلك تدرك معي:
أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٢٨] ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ أي: فمن يمنعني من عذاب الله تعالى إن خالفت أوامره، أو قصرت في تبليغ ما كلفني به من الرسالة؟! ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: إن خالفت أوامره، واتبعت قولكم، فما أزداد بذلك إلا خسارة في ديني، ودنياي، وآخرتي، وإبعادا من الخير، وقيل: المعنى فما تزيدونني بما تقولون لي غير أني أنسبكم إلى الخسران، وقال ابن عباس-﵄: معناه غير بصارة في خسارتكم، وهو كما ترى غير ملائم للنص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٨]. ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنِي﴾: مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط دل عليه جواب الشرط السابق. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَزِيدُونَنِي﴾: مضارع مرفوع،
стр. 2571
وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.
﴿غَيْرَ﴾: مفعول به ثان، ومعناه الاستثناء، وقيل: صفة لمفعول ثان محذوف، التقدير: شيئا غير و ﴿تَخْسِيرٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَما تَزِيدُونَنِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
تنبيه: بقي أن تعرف: أن الفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، وأن الثاني أكثر ما يكون جملة استفهامية ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ، وخبر، كقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ والمعنى: أخبرني عن زيد ما صنع، إذا تقرر هذا فالمفعول الأول هنا محذوف، ولا يصح أن تقع جملة الشرط موقعه، والجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ هي المفعول الثاني، ولكن اقترانها بالفاء الرابطة لجواب الشرط عينها جوابا للشرط، وعليه فالمفعول الثاني محذوف وجواب الشرط يدل عليه، ويقدر مؤخرا عن الشرط وجوابه ليكون الشرط وجوابه كلاما معترضا بين المفعولين المقدرين كما يلي: قال: يا قوم أخبروني من ينصرني من الله إن عصيته، وانظر الآية رقم [٤٠] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٥٠] من سورة (يونس)، إن أردت الزيادة.
﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾: قيل لها: ﴿ناقَةُ اللهِ؛﴾ لأنه تعالى أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر، يقال لها: الكاثية، فلما خرجت على حسب ما طلبوا ثم ولدت فصيلا يشبهها، قال لهم صالح ﵇ ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾: معجزة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة. ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾: تأكل نباتها، وتشرب ماءها، وليس عليكم مئونتها. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾: هذا نهي عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر، وإزاحة للعذر، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجل، لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء، وفي (الأعراف): ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.
هذا؛ وعذاب اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من عذّب يعذّب بتشديد الذال فيها، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل عطاء ونبات لأعطى، وأنبت، هذا؛ وانظر شرح (ذر) في الآية [٦٩] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾ منادى، انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨]. ﴿هذِهِ﴾: الهاء: حرف تنبيه لا محل له. ذه: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿ناقَةُ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿ناقَةُ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وهذه الإضافة للتشريف. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً﴾: حال من ﴿ناقَةُ اللهِ،﴾ والعامل فيها التنبيه أو الإشارة.
стр. 2572
﴿فَذَرُوها﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر ما ذكرته في الآية [١٧] (ذروها): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فذروها. ﴿تَأْكُلْ﴾: مضارع مجزوم جوابا للطلب وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره: «هي»، وقال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز رفع (تأكل) على الحال أو الاستئناف، ولم أجد من قرأ به. ﴿فِي أَرْضِ﴾:
متعلقان بما قبلهما، و ﴿أَرْضِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلا تَمَسُّوها﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (ذروها) لا محل لها مثلها. ﴿بِسُوءٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والكاف مفعول به. ﴿عَذابٌ﴾:
فاعله. ﴿قَرِيبٌ﴾: صفة، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مس للناقة بسوء؛ فأخذ لكم، بعد هذا لعلك تدرك معي أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول صالح ﵇، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في (الأعراف) برقم [٧٣].
﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿فَعَقَرُوها﴾: عقرها رجل منهم اسمه قدار، ضربها في رجليها، فأوقعها، فذبحوها، واقتسموا لحمها، و (قدار) هذا من أشقى الأشقياء الأولين، وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. قال النبي ﷺ : «يا عليّ! أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». هذا؛ وأضيف عقر الناقة إلى كل القوم؛ لأنه كان برضاهم. ﴿فَقالَ﴾ أي: صالح ﵇. ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾: عيشوا في دياركم. ﴿ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾: هي يوم الخميس، والجمعة، والسبت، وأتاهم العذاب يوم الأحد، والعقر كان يوم الأربعاء. ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أي: غير مكذوب فيه، فاتسع في الظرف بحذف حرف الجر، وإجرائه مجرى المفعول به، قال الشاعر: [الطويل]
ويوما شهدناه سليما وعامرا... قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله
أي: شهدنا فيه، فحذف حرف الجر، وانتصب الضمير، واتصل بالفعل، أو هو مصدر كالمجلود والمعقول، فيكون التقدير: وعد غير كذب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ ولقد ذكرت لك في الآية رقم [٧٣] من سورة (الأعراف): أن الجمل نقل عن كتاب «التحبير» أن صالحا ﵊ قد عاش مائتين وثمانين سنة، وذكرت في الآية رقم [٧٨] منها أن الخازن نقلا عن أهل العلم: أنه قد عاش ثمانية وخمسين عاما، وأقام في قومه عشرين
стр. 2573
عاما، ولدى مراجعة قصص الأنبياء للثعلبي وجدت: أن ما قاله الخازن موافق لما قاله الثعلبي، والله أعلم بحقيقة ذلك، ولم يذكر النجار شيئا من ذلك.
روي أن صالحا-﵇-قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام، فتصبحون في اليوم الأول، ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، فكان كما قال، وأتاهم العذاب في اليوم الرابع.
الإعراب: ﴿فَعَقَرُوها﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
(قال): ماض، وفاعله يعود إلى صالح ﵇. ﴿تَمَتَّعُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي دارِكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿ثَلاثَةَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿ثَلاثَةَ﴾: مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿تَمَتَّعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَعْدٌ﴾: خبر المبتدأ.
﴿غَيْرُ﴾: صفة له، و ﴿غَيْرُ﴾: مضاف، و ﴿مَكْذُوبٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية:
﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: انظر مثل هذا في الآية رقم [٥٨] ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، هذا؛ والخزي الذل، والفضيحة، والمراد به ما لحق قوم صالح-﵇-من العذاب الدنيوي، وانظر الآية [٧٨] الآتية، هذا؛ ويقرأ ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ بكسر الميم على الإعراب، ويقرأ بفتح الميم على البناء لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه، ومثل الآية الكريمة قول النابغة الذبياني: [الطويل]
على حين عاتبت المشيب على الصّبا... فقلت: ألمّا أصح، والشّيب وازع؟
هذا؛ وتنوين (إذ) عوض عن جملة محذوفة تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: (يوم إذ نزل بهم العذاب الأليم والعقاب الشديد)، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين، كما كسرت (صه) و (مه) عند تنوينهما، وقل مثل ذلك في حينئذ وساعتئذ ونحوهما. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: خطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل إلى يوم القيامة.
стр. 2574
﴿الْقَوِيُّ﴾: القادر على إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين والمعاندين في كل وقت وحين.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب القاهر فوق عباده، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [٥٨] فهو مثله بلا فارق. ﴿وَمِنْ خِزْيِ﴾: متعلقان بفعل محذوف انظر الشرح بدليل:
﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في الآية [٥٨] وقيل: الواو زائدة، وليس بشيء، و ﴿خِزْيِ﴾: مضاف، و (يوم) مضاف إليه مجرور، أو مبني على الفتح في محل جر، و (يوم) مضاف، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر الشرح. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا لاسم: ﴿إِنَّ﴾ على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعلى هذين الوجهين ف ﴿الْقَوِيُّ﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والثالث: أن يكون مبتدأ و ﴿الْقَوِيُّ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للكلام السابق لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ثان، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أي: في اليوم الرابع من عقر الناقة كما رأيت، صاح بهم جبريل صيحة، فأهلكتهم، فتقطعت قلوبهم وماتوا، ولم يصب صالحا، والمؤمنين معه أيّ أذى، وقال جل ذكره في الآية [٧٨] (الأعراف): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ،﴾ وهي الزلزلة، وقد ذكرت بيانه هناك. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾: خامدين ميتين، وقال في (الأعراف) ﴿فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ انظر الشرح هناك، و ﴿جاثِمِينَ﴾ مستعار من قولهم: جثم الطير إذا قعد، ولطأ بالأرض.
قال القرطبي: وفي التفسير لمّا أيقنوا بالعذاب، قال بعضهم لبعض: ما مقامكم أن يأتيكم العذاب بغتة؟! قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما يقال: اثني عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفجاج، زعموا: أنهم يلاقون العذاب، فأوحى الله إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رءوسهم، فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم، وجعل الماء يفور من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شيء، إلا أهلكه من شدة حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم، إلى أن غربت الشمس، فصيح بهم، فأهلكوا. انتهى. بحروفه.
стр. 2575
الإعراب: ﴿وَأَخَذَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، أي: ظلموا أنفسهم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الصَّيْحَةُ﴾: فاعل، ولم يؤنث الفعل للفصل بين الفعل والفاعل، أو لأن الصيحة مؤنث مجازي، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
(أصبحوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جاثِمِينَ﴾: خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:
(أصبحوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أي: هلكوا عن بكرة أبيهم، كأنهم لم يقيموا في تلك البلاد، ولم يسكنوها، من غني بالمكان: إذا قام فيه وعمره، و (المغاني) في اللغة المنازل التي يسكنها الإنسان، قال أبو الطيب المتنبي في شعب بوان: [الوافر]
مغاني الشّعب طيبا في المغاني... بمنزلة الرّبيع من الزمان
﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾: انظر مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦٠] فهو مثله بلا فارق، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وقال الخازن: وهذه القصص قد تقدمت مستوفاة في تفسير سورة (الأعراف)، فلذا لم يطل الكلام فيها.
الإعراب: ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنهم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَغْنَوْا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه، والرابط: الضمير فقط، وباقي الإعراب انظره في الآية رقم [٦٠] والكلام مبتدأ، أو مستأنف لا محل له. والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾
الشرح: قال القرطبي: هذه قصة لوط ﵇، وهو ابن عم إبراهيم ﵇ لحّا، أي: لازق النسب منه، (والمعروف والمشهور: أنه ابن أخيه هاران، نص على ذلك عبد الوهاب
стр. 2576
النجار وغيره) وكانت قرى لوط بنواحي الشام، قال النجار: اسمها سادوم، وعامورة، وكانتا في مكان البحر الميت المعروف اليوم ببحر لوط، ويقال: إنه ظهرت بشاطئه بعض آثارها، وكان إبراهيم ﵇ ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم، ونزلوا عنده، وكان يحسن قرى من ينزل عنده، وقد مروا به ليبشروه بالولد، أو بإهلاك قوم لوط، فظنهم أضيافا، وهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل ﵈، قاله ابن عباس، وهو المعتمد على صورة الغلمان الحسان الوجوه، ذوو جمال بارع، ووضاءة فائقة.
بعد هذا ف ﴿رُسُلُنا﴾ المراد بهم: الملائكة كما رأيت، ويجوز تسكين السين، وضمها.
﴿بِالْبُشْرى﴾: بالبشارة، وقد رأيتها. ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: فما أبطأ، وما تأخر، و ﴿حَنِيذٍ﴾ مشوي، والمحنوذ هو المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض، وهو من فعل أهل البادية، وكان سمينا يسيل منه الودك، وفي آية أخرى: ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾.
قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم ﵇ البقر، أي: فلهذا ذبح عجلا لأضيافه، وقيل: مكث إبراهيم ﵇ خمس عشرة ليلة لم يأته ضيف، فاغتم لذلك، وكان يحب الضيف، ولا يأكل إلا معه، فلما جاءت الملائكة فرح بمقدمهم، وعجّل قراهم، فجاءهم بعجل سمين مشوي.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، وقد نصب المفعول به هنا، ويجيء لازما، وهو كثير. ﴿رُسُلُنا﴾: فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: مفعول به وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
﴿بِالْبُشْرى﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلقهما العكبري بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُنا،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿سَلاماً﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: سلمنا، أو نسلم سلاما، وهو اسم مصدر لا مصدر كما ترى، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿سَلاماً﴾ مفعولا به ل ﴿قالُوا؛﴾ لأنه يتضمن معنى (كلاما كثيرا)، أو على معنى (ذكروا سلاما) وجملة: ﴿قالُوا سَلاماً﴾ في محل نصب حال من ﴿رُسُلُنا،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿سَلامٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمري، أو جوابي سلام، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: سلام عليكم، وساغ الابتداء بالنكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، هذا؛ وقرأ حمزة والكسائي: «(سلم)» بكسر السين، وهو بمعنى الأول مثل الحل والحلال، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ مستأنفة؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال
стр. 2577
مقدر. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لَبِثَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ونصب. ﴿جاءَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم، ﴿بِعِجْلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعول به له. ﴿حَنِيذٍ﴾: صفة: (عجل)، وهو بمعنى المفعول، أي: محنوذ، و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿جاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في مجيء، أو بمجيء، أو عن مجيء، وجوز اعتباره مفعولا على المعنى؛ أي: لم يترك الإتيان بعجل، هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول فاعلا بالفعل: ﴿لَبِثَ،﴾ التقدير: فما تأخر مجيئه بعجل حنيذ، هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول مرفوعا على الخبرية من وجهين آخرين:
أحدهما: اعتبار (ما) موصولة اسمية مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، التقدير: والذي لبثه إبراهيم قدر مجيئه، والثاني اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، التقدير: لبثه مقدر مجيئه، وإني أعتمد الأول من كل هذه الوجوه، والجملة: ﴿فَما لَبِثَ..﴾.
إلخ سواء أكانت فعلية، وهو المعتمد، أو اسمية: مستأنفة لا محل لها.
﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: لا تصل إلى العجل المشوي، ولا يأخذون من لحمه. ﴿نَكِرَهُمْ﴾: أنكر ذلك منهم، وخاف أن يريدوا به مكروها، هذا؛ و (نكر) و (أنكر) و (استنكر) بمعنى واحد، قال الأعشى: [البسيط]
وأنكرتني، وما كان الذي نكرت... من الحوادث إلاّ الشّيب والصّلعا
فجمع بين لغتين، ويقال: (نكرت) لما تراه بعينك، و (أنكرت) لما تراه بقلبك. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر، وقيل: أحس من الملائكة خوفا، وفزعا، قال الشاعر: [البسيط]
جاء البريد بقرطاس يخبّ به... فأوجس القلب من قرطاسه جزعا
﴿قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: قالت الملائكة لإبراهيم: لا تخف، إنا ملائكة، لا نأكل، ولا نشرب، وإنا مرسلون لإهلاك قوم لوط.
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية [٥٨] ﴿رَأى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَصِلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿أَيْدِيَهُمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿رَأى..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية: (لمّا)، وفي محل جر بإضافة
стр. 2578
(لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿نَكِرَهُمْ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، وجملة ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ معطوفة على:
(لمّا) لا محل لها مثله، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها.
﴿أُرْسِلْنا﴾: ماض، ونائب فاعله. ﴿إِلى قَوْمِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و ﴿لُوطٍ﴾:
مضاف إليه، وجملة: ﴿أُرْسِلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للنهي، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾: وامرأته (سارة) واقفة وراء الستر تسمع محاورتهم، أو هي قائمة بخدمتهم وهي بنت عمه، أبوها اسمه هاران بن ناحور، بن شاروع، بن أرغو، بن فالغ. انتهى.
قرطبي، والمشهور: أن هاران أخوه، وهو أبو لوط كما رأيت في الآية رقم [٦٩] وانظر إعلال (قائم) في الآية [١٢] يونس.
﴿فَضَحِكَتْ﴾: قال الخازن: أصل الضحك انبساط الوجه من سرور يحصل للنفس؛ ولظهور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك، ويستعمل في السرور المجرد، وفي التعجب المجرد أيضا، وللعلماء في تفسير هذا الضحك قولان:
أحدهما: أنه الضحك المعروف، وعليه أكثر المفسرين، ثم اختلفوا في سبب هذا الضحك، فقال السدي: لمّا قرب إبراهيم ﵇ الطعام إلى أضيافه، فلم يأكلوا؛ خاف إبراهيم منهم، فقال: ألا تأكلون؟ فقالوا: إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال: فإن له ثمنا، قالوا:
وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل، وقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا.
وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل، والكلبي:
ضحكت من خوف إبراهيم ﵇ من ثلاثة، وهو فيما بين خدمه، وحشمه، وخواصه، وقيل: ضحكت من زوال الخوف عنها، وعن إبراهيم ﵇، وذلك: أنها خافت لخوفه، فحين قالوا: لا تخف ضحكت سرورا، وقيل: ضحكت سرورا بالبشارة.
وقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، فعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فبشرناها بإسحاق فضحكت، يعني: تعجبا
стр. 2579
من ذلك، وقيل: إنها قالت لإبراهيم ﵇: اضمم إليك ابن أخيك لوطا، فإن العذاب نازل بقومه، فلما جاءت الرسل، وبشرت بعذابهم سرت سارة بذلك وضحكت لموافقة ما ظنت.
القول الثاني في معنى قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قال عكرمة ومجاهد: أي: حاضت في الوقت، وأنكر بعض أهل اللغة ذلك، قال الراغب: وقول من قال: حاضت ليس ذلك تفسيرا لقوله:
﴿فَضَحِكَتْ﴾ كما تصوره بعض المفسرين، فقال: ضحكت بمعنى: حاضت، وإنما ذكر ذلك تنصيصا لحالها، فإن جعل ذلك أمارة لها بما بشرت به، فحيضها في الوقت لتعلم أنّ حملها ليس بمنكر؛ لأن المرأة ما دامت تحيض، فإنها تحمل، وقال الفراء: ضحكت بمعنى: حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال الزجاج: ليس بشيء ضحكت بمعنى حاضت، وقال ابن الأنباري: قد أنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، وقد عرفه غيرهم: [المديد]
تضحك الضبع لقتلى هذيل... وترى الذئب بها يستهلّ
قال: أراد أنها تحيض فرحا، وقال الأخطل فيه بمعنى الحيض: [الخفيف]
تضحك الضبع من دماء سليم... إذ رأتها على الحراب تمور
وقال في المحكم: ضحكت المرأة حاضت، وبه فسر بعضهم قوله :
﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها..﴾. إلخ وضحكت الأرنب ضحكا يعني: حاضت حيضا، قال: [المتقارب]
وضحك الأرانب فوق الصّفا... كمثل دم الجوف يوم اللّقا
وقال البيضاوي: وقيل: (فضحكت) فحاضت، قال: [الطويل]
وعهدي بسلمى ضاحكا في لبابة... ولم تعد حقّا ثديها أن تحلّما
ومنه ضحكت السّمرة إذا سال صمغها، وأنشد على ذلك اللغويون: [الطويل]
وإنّي لآتي العرس عند ظهورها... وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا
انتهى. خازن وبيضاوي وقرطبي بتصرف، ثم قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أي:
القولين أصح، قلت: إن الله حكى عنها: أنها ضحكت، وكلا القولين محتمل في معنى الضحك، فالله أعلم أي ذلك كان، وانظر تفسير ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: ومن بعد إسحاق يعقوب، وهو ولد الوالد، فبشرت سارة بأنها تعيش حتى ترى ولد ولدها، وكانت قد أيست من الولد لكبر سنها، فلما بشرت بالولد؛ صحكت وجهها، أي: ضربت وجهها، وقد صرحت بذلك آية الذاريات، وهو من صنيع النساء وعادتهن، وإنما فعلت ذلك تعجبا، وإنما خصت بالبشارة؛ لأن النساء أعظم سرورا بالولد من الرجال؛ ولأنه لم يكن لها ولد، وكان لإبراهيم ولد، وهو: إسماعيل.
стр. 2580
هذا؛ ويقرأ: ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالرفع والنصب، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] هذا؛ و ﴿وَراءِ﴾ يأتي بمعنى ما خلف الأول، وبمعنى ما خلف الظهر، وقد يأتي بمعنى أمام، وقدام، قال تعالى:
﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي: أمامهم، وقال جل شأنه: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، فمن مجيئه بمعنى (بعد) كما في الآية قول النابغة: [الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مذهب
أي: وليس بعد الله ﷻ ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده، ومن مجيئه بمعنى أمام وقدام قول لبيد-﵁: [الطويل]
أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
وأيضا قول سوّار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا؟
فائدة: عاش إبراهيم من العمر مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة وستمائة وأربعون سنة، وابنه إسحاق عاش مائة وثمانين سنة، ويعقوب عاش مائة وخمسا وأربعين سنة وعاش يوسف مائة وعشرين سنة، وعاش إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة، وتزوج إبراهيم ﵇ غير سارة وهاجر امرأة اسمها قطورة، فولدت له: زمران، ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشوما، فيكون جملة أولاده من صلبه ثمانية، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿قائِمَةٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من واو الجماعة في: ﴿قالُوا﴾ أي: قالوا ذلك في حال قيام امرأته، وعليه فالرابط: الواو فقط، وقال العكبري من (نا)، والأول أولى.
(ضحكت): ماض، والفاعل يعود إلى امرأته، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية على الوجهين المعتبرين فيها. (بشرناها): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِإِسْحاقَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمِنْ وَراءِ﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ووهبنا من وراء... إلخ، و (وراء) مضاف، و ﴿بِإِسْحاقَ﴾: مضاف إليه
إلخ. ﴿يَعْقُوبَ﴾: مفعول به للفعل المحذوف، هذا؛ وجوز اعتباره معطوفا على محل:
﴿بِإِسْحاقَ﴾ فهو منصوب أيضا، كما جوز اعتباره معطوفا على لفظ: ﴿بِإِسْحاقَ،﴾ فيكون مجرورا،
стр. 2581
وفي هذين الاعتبارين فصل بين يعقوب وبين الواو العاطفة بالظرف، وهذا لا يجيزه كثيرون، هذا؛ وعلى قراءة: «(يعقوبُ)» بالرفع فهو مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور: ﴿وَمِنْ وَراءِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿يا وَيْلَتى﴾: قال الزجاج: أصلها: يا ويلتي، فأبدل من الياء ألف؛ لأنها أخف من الياء، والكسرة. هذا؛ وقد قرئ بالياء على الأصل، قال القرطبي: ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وعجبت من ولادتها، وكون بعلها شيخا لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. انتهى. وانظر شرح (الويل) في الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) ﵇.
قال البيضاوي: أصله في الشر، فأطلق في كل أمر فظيع، أقول: وهي كلمة تحسر وتلهف، تستعمل عند الداهية العظيمة، وما قول قابيل في المائدة رقم [٣١] منك ببعيد. ﴿أَأَلِدُ﴾: أصله أولد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب (يلد) وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه. ﴿عَجُوزٌ﴾ أي: طاعنة في السن، ويقال:
شهلة، وشهبرة، وشهربة، وشمطاء، وشيخة لكل امرأة طاعنة في السن، قال صاحب مختار الصحاح: ولا تقل عجوزة، والعامة تقوله، والجمع عجائز وعجز، وفي حديث النبي ﷺ : «إنّ الجنة لا يدخلها العجز». ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾: وهذا زوجي رجل كبير، قيل: كان عمر إبراهيم ﵇ مائة وعشرين سنة وعمرها تسعا وتسعين سنة، والبعل: الزوج، وفي الخازن:
والبعل: هو المستعلي على غيره، ولما كان الزوج مستعليا على المرأة، قائمة بأمرها سمي بعلا. انتهى. ويقال للمرأة أيضا: بعل وبعلة، كما يقال لها: زوج وزوجة.
هذا؛ والشيخ: هو الذي استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، وفي اللغة: هو من تجاوز الأربعين من عمره، وهو السن الذي يكمل فيه العقل، ويغلب فيها صلاح الرجل على فساده، ومن لم يكمل بعد الأربعين، ولم يرجع إلى صوابه فهو من الخاسرين.
قال الرسول ﷺ : «من بلغ من العمر أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه، فليتجهّز إلى النار». وأصبح الأمل في صلاحه بعيدا، قال الشاعر: [الطويل]
وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده... وإنّ الفتى بعد السّفاهة يحلم
ويجمع على شيوخ، وشيوخ، وأشياخ، ومشيخة، وشيخان، وشيخة، وجمع الجمع:
مشايخ، وأشاييخ، ويطلق الشيخ على الأستاذ، والعالم، وكبير القوم، ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيرا في أعين الناس، علما أو فضيلة أو مقاما ونحو ذلك، وشيخ النار كناية عن إبليس
стр. 2582
اللعين. ﴿لَشَيْءٌ﴾: انظر الآية رقم [٤] ﴿عَجِيبٌ﴾: يعني: ولادة الولد من أبوين هرمين شيء غريب، وعجيب من حيث العادة لا من حيث القدرة الإلهية، فهو مثل قول زكريا ﵇:
﴿أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾.
الإعراب: ﴿قالَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى سارة ﵍. (يا):
حرف نداء ينوب مناب أدعو. (ويلتى): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وقد قلبت ألفا في إحدى القراءتين كما رأيت، والياء في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية [٢٨] وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، مثل: يا أسفى ونحوه، والمعنى هنا: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وانظر الشرح. ﴿أَأَلِدُ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتعجب. (ألد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، تقديره: ولدا، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ﴾: في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَعْلِي﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْخاً﴾: حال من ﴿بَعْلِي،﴾ والعامل الهاء، أو الإشارة لما فيهما من معنى: أنبه، وأشير، وقرئ «(شيخ)» بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو شيخ، أو هو خبر ثان للمبتدإ، أو هو خبر المبتدأ و ﴿بَعْلِي﴾ بدل من اسم الإشارة، وأجاز أبو البقاء: اعتبار ﴿بَعْلِي﴾ مبتدأ و ﴿شَيْخاً﴾ خبره، والجملة الاسمية خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هذا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل (ألد) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، فتكون الحال قد تعددت، وهي جملة اسمية، والكلام ﴿يا وَيْلَتى..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَشَيْءٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿عَجِيبٌ﴾: صفة (شيء)، والجملة الاسمية من مقول (سارة) أيضا.
﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾: قالت الملائكة لسارة منكرين عليها تعجبها؛ لأن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلا عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات. ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ﴾: البركة: النمو، والزيادة، ومن تلك البركات: أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم، وسارة ﵉. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على أفعاله
стр. 2583
كلها، ومستحق لأن يحمد في السراء، والضراء، والشدة، والرخاء. ﴿مَجِيدٌ﴾: ومعناه: المنيع الذي لا يرام، وقال الخطابي: المجيد الواسع الكرم.
فائدة: تفيد الآية الكريمة أن زوجة الرجل من أهل بيته، وأن أزواج الأنبياء من أهل البيت، ولذا صح استثناؤها في الآية رقم [٨١] الآتية من أهل بيت لوط ﵇.
هذا؛ و «العجب» بفتح العين والجيم انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه، هذا؛ و «العجب» بضم العين، وسكون الجيم: رؤية النفس، وحقيقته: أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما أو ورعا، أو أدبا وغير ذلك، ويعتقد أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم وبئس المصير.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَتَعْجَبِينَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار. (تعجبين): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله. ﴿مِنْ أَمْرِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَمْرِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾:
مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رَحْمَتُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. (بركاته): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَهْلَ﴾: منادى حذفت منه أداة النداء، أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف، وقول المفسرين: منصوب على الاختصاص ضعيف؛ لأن النصب على الاختصاص يكون بعد ضمير المتكلم، ويقل بعد المخاطب، وأقل منه بعد ضمير الغيبة، و ﴿أَهْلَ﴾: مضاف، و ﴿الْبَيْتِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: خبران ل (إنّ)، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أي: الخوف، والفزع؛ الذي حصل له عند امتناع الملائكة من الأكل وهو بفتح الراء المشددة وسكون الواو، و (يوم الروع): يوم الحرب من باب إطلاق المسبب، وإرادة السبب؛ لأنه قلما يخلو عن فزع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]
وتبلي الألى يستلئمون على الألى... تراهنّ يوم الرّوع كالحدإ القبل
стр. 2584
وقال خلف بن حازم: [الطويل]
إلى النّفر البيض الألاء كأنّهم... صفائح يوم الرّوع أخلصها الصّقل
وغير ذلك كثير، هذا؛ والروع بضم الراء: القلب، أو العقل، فعن ابن مسعود ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من عمل يقرب من الجنّة، إلاّ وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرّب من النّار، إلاّ وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئنّ أحد منكم رزقه، فإنّ جبريل ألقى في روعي أنّ أحدا منكم لن يخرج من الدّنيا حتّى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيّها الناس، وأجملوا في الطّلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله لا ينال فضله بمعصيته». رواه الحاكم. ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ أي: البشارة بالولد من سارة، وقال قتادة: بشروه بإهلاك قوم لوط. ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا، وأضاف سبحانه المجادلة، إلى نفسه؛ لأنهم نزلوا بأمره.
وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال، عن جندب، عن حذيفة-﵃ أجمعين-، وذلك أنهم لما قالوا: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ،﴾ قال لهم إبراهيم ﵇: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال:
فثلاثون؟ قالوا: لا، قال: فعشرون؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيها عشرة أو خمسة-شك حميد؟ -قالوا: لا، قال: فقال إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم، فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾. ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ﴾: ما أجدرك أن تنظر شرح هذا في التوبة الآية [١١٥] ﴿مُنِيبٌ﴾: راجع، يقال: أناب إذا رجع، وإبراهيم صلّى الله على نبينا، وعليه وسلم كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أموره كلها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: انظر الآية [٥٨] ﴿ذَهَبَ﴾: ماض. ﴿عَنْ إِبْراهِيمَ﴾: متعلقان به، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿الرَّوْعُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (جاءته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبُشْرى﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿يُجادِلُنا﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى إبراهيم، و (نا): مفعول به.
﴿فِي قَوْمِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و ﴿لُوطٍ﴾: مضاف إليه، وجملة:
﴿يُجادِلُنا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ل (أخذ) محذوفا، وهو من أفعال الشروع، أو هو في محل نصب حال عامله محذوف، التقدير: (أقبل يجادلنا...) إلخ وعلى هذين التقديرين فالجملة الفعلية جواب: (لمّا) لا محل لها، هذا؛ وقيل: إن الجواب هو جملة: ﴿يُجادِلُنا..﴾. إلخ على تأويل المضارع بالماضي و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه
стр. 2585
بالفعل. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: اسمها. ﴿لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾: أخبار ل ﴿إِنَّ﴾ متعددة، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدال في شأن قوم لوط، وهو من قول الملائكة. ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: أمر الله وقدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم، وهو أعلم بحالهم ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: غير مدفوع، ولا مصروف عنهم بجدال، ولا بدعاء، ولا غير ذلك، قال عبد الرحمن بن سمرة: كانوا أربعمائة ألف، وقال ابن جريج: كانوا أربعة آلاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾: منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب أدعو. ﴿أَعْرِضْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنْ هذا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. (إنهم): مثل سابقتها. ﴿آتِيهِمْ﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله.
﴿عَذابٌ﴾: فاعل باسم الفاعل، وقيل: ﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿آتِيهِمْ﴾ خبر مقدم، وجوز ذلك لأن ﴿عَذابٌ﴾ موصوف بما بعده، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن) والمعتمد الأول.
﴿غَيْرُ﴾: صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾: مضاف، و ﴿مَرْدُودٍ﴾: مضاف إليه، ونائب فاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ التقدير: قالت الملائكة: يا إبراهيم أعرض... إلخ.
﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً﴾: المراد بهم الملائكة الذين كانوا عند إبراهيم، ﵇، وبشروه وامرأته بالبشارة التي رأيتها. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: ساءه مجيئهم؛ لأنهم كانوا في صورة غلمان مرد، حسان الوجوه، فظن أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم؛ لأن قوم لوط كانوا مولعين بالفاحشة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم، هذا؛ والفعل ﴿سِيءَ﴾ من ساء، يسوء؛ يكون لازما، ويكون متعديا، كما في قولك: ساءني فلان، وكما هنا، وهذا غير (ساء) المستعمل في الذم.
стр. 2586
﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي: ضاق صدره بمجيئهم، وقيل: ضاق وسعه وطاقته، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه، والاحتيال فيه. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف]
من رسولي إلى الثّريّا بأنّي... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب؟
وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع، هذا؛ ويقال:
ضاق ذراع فلان عن هذا الأمر؛ لأن الذراع موضع قوة الإنسان وشهرته، قال هدبة بن خشرم، يخاطب به معاوية بن أبي سفيان، ويعترف فيها بأنه قتل ابن عمه زيادة: [الطويل]
إن العقل في أموالنا لا نضق بها... ذراعا، وإن صبرا، فنصبر للصّبر
وقال: هذا يوم عصيب: أي: صعب، وشديد في الشر، قال الشاعر: [الطويل]
وإنّك إلاّ ترض بكر بن وائل... يكن لك يوم بالعراق عصيب
تنبيه: روي: أن الله تعالى قال للملائكة: لا تهلكوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات، فأتوه نصف النهار وهو يعمل في أرض له، فاستضافوه، وانطلق بهم يمشي إلى منزله، وقال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية، قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله، إنها لشر قرية في الأرض عملا، قال ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته، فأخبرت بهم قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا مردا ما رأيت أحسن منهم، ولا أجمل!.
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُنا﴾: فاعله، و (نا):
في محل جر بالإضافة. ﴿لُوطاً﴾: مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿سِيءَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى لوط. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿سِيءَ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَضاقَ بِهِمْ﴾ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها مثله. ﴿ذَرْعاً﴾: تمييز محول عن الفاعل، مثل:
(طاب محمد نفسا). ﴿هذا يَوْمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿عَصِيبٌ﴾: صفة: ﴿يَوْمٌ،﴾ وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على جواب (لما) أيضا.
стр. 2587
﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: لما أخبرت امرأة لوط قومها بأضياف لوط جاء قومه يركضون ويسرعون، وقيل: يسوق بعضهم بعضا؛ لأن الفعل بمعنى: (يساقون)، فقيل: هذا الفعل ملازم للبناء للمفعول، مثل أولع، يولع، والصواب: أنه يأتي بصيغة المبني للفاعل، وبه قرأ جماعة ويكون من الباب الثالث، مثل فتح يفتح، ولكن الأول أكثر، وأشهر، قال مهلهل: [الوافر]
فجاءوا يهرعون، وهم أسارى... نقودهم على رغم الأنوف
﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أي: من قبل مجيء الرسل، وقيل: أي: من قبل مجيء لوط إليهم كانوا يعملون الأعمال الخبيثة، والفاحشة القبيحة، وهي إتيان الرجال في أدبارهم.
﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: قال لوط ﵇ لقومه... إلخ: فدى أضيافه ببناته كرما وحمية، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن، وكانوا يطلبونهن منه فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم لهن، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير-﵄: أراد بنات نساء قومه، وأضافهن إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، وهو كالوالد لهم حيث الشفقة والتربية، وهذا القول أولى؛ لأن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش، والفجار مستبعد، لا يليق بأهل المروءة؛ فكيف بالأنبياء! وأيضا فبناته لا تكفي الجمع العظيم، أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل.
هذا؛ وأطهر ليس على بابه من التفضيل، وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة كقوله تعالى:
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها، وكقوله ﷺ حين قال كفار قريش يوم أحد: اعل هبل، فقال: «الله أعلى وأجلّ»؛ إذ لا مماثلة بين الله تعالى والصنم.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: خافوه وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر، وفعل الفواحش، والقبائح؛ التي لم يفعلها غيركم. ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي: لا تهينوني ولا تذلوني، ومنه قول حسان ﵁: [الطويل]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق
ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، والخجل، قال ذو الرمة: [البسيط]
خزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
стр. 2588
و (الضيف) يقع للاثنين والجمع بلفظ الواحد، كما في الآية الكريمة؛ لأنه في الأصل مصدر، قال الشاعر: [الرجز]
لا تعدمي الدّهر شفار الجازر... للضّيف، والضّيف أحقّ زائر
وقد يثنى، فيقال: ضيفان، وقد يجمع على أضياف وضيوف وضيفان، وضياف، والأول أكثر استعمالا، كقولك: رجال صوم، وفطر، وزور، وأصل الضيف: الميل، يقال: ضفت إلى كذا: إذا ملت إليه، والضيف من مال إليك نزولا بك. ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أي: يهتدي إلى الحق، ويرعوي عن القبيح، أو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وقيل: رشيد، أي: ذو رشد، أو بمعنى راشد، أو مرشد، أي: صالح أو مصلح. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿وَجاءَهُ﴾: (جاءه): ماض، والهاء مفعول به. ﴿قَوْمُهُ﴾: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لما)، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿يُهْرَعُونَ﴾:
مضارع ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿قَوْمُهُ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَمِنْ﴾: الواو: واو الحال. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بعدهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: مضارع مرفوع وفاعله. ﴿السَّيِّئاتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير، وهي حال متداخلة و (قد) قبلها مقدرة، ﴿قالَ﴾: ماض وفاعله يعود إلى لوط.
﴿يا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨] ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَناتِي﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هُنَّ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، و ﴿أَطْهَرُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿بَناتِي﴾ عطف بيان أو بدلا من اسم الإشارة، و ﴿هُنَّ﴾ ضمير فصل، لا محل له، و ﴿أَطْهَرُ﴾ خبر المبتدأ، والأول أقوى. هذا؛ وقرئ «(أطهر)» بالنصب على الحال، فيكون ﴿بَناتِي﴾ مبتدأ ثانيا، خبره ﴿هُنَّ،﴾ والجملة الاسمية خبر المبتدأ: ﴿هؤُلاءِ﴾.
وجوز أبو البقاء اعتبار ﴿هُنَّ﴾ ضمير فصل، ولا وجه له؛ لأن الفصل لا يقع بين الحال وصاحبها، وجوز وجها آخر، وهو أن يكون ﴿هُنَّ﴾ مبتدأ، و ﴿لَكُمْ﴾ خبره، و ﴿أَطْهَرُ﴾ حالا، والعامل فيه ما في ﴿هُنَّ﴾ من معنى التوكيد بتكرير، وهو تعسف، والصواب الإعراب الأول، والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان ب ﴿أَطْهَرُ..﴾. على جميع وجوه الإعراب التي قد رأيتها، والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة
стр. 2589
لا محل لها. ﴿فَاتَّقُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: أمر، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكرته واقعا فاتقوا الله، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا):
ناهية. ﴿تُخْزُونِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فلا محل لها، ولها محل باعتبارين. تأملهما. ﴿فِي ضَيْفِي﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. (ليس): ماض ناقص. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: (ليس) مقدم. ﴿رَجُلٌ﴾: اسمها مؤخر. ﴿رَشِيدٌ﴾:
صفة: ﴿رَجُلٌ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ لا محل لها باعتبارها مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا﴾ أي: قال قوم لوط له: لقد عرفت ليس لنا ببناتك حاجة، ولا لنا فيهن شهوة؛ لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان، ولا نريد ذلك. فسقط حقنا في نكاحهن. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾: فهم يعنون أضيافه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَقَدْ﴾:
اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي بَناتِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف مثل ﴿لَنا﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿حَقٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وكثير من النحاة لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿حَقٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وجوز اعتباره فاعلا بالجار والمجرور: ﴿لَنا﴾ لاعتماده على نفي، أقول:
وهذا يحوج إلى تقدير فعل ليكون فاعلا بالفعل، أي: ما ثبت، أو ما يثبت لنا حق في بناتك، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية فهي في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (علم)، والجملة الفعلية جواب قسم مقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّكَ﴾: الواو: واو الحال. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَتَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، واللام هي المزحلقة.
стр. 2590
﴿ما﴾: موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد: محذوف، التقدير: لتعلم الذي نريده، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: لتعلم إرادتنا، وأضيف: أنه سوغ اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مفعولا به مقدما، معلقة للفعل (تعلم) عن العمل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعوله، وجملة: ﴿لَتَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية (إنك...) إلخ في محل نصب حال من ضمير المخاطب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾: قاله لوط لما رأى استمرار قومه في غيهم، ولم يقدر على دفعهم؛ قال ذلك على جهة التحسر، والتلهف متمنيا أن يكون له أنصار، وأعوان يدفعون عنه شر هؤلاء الفجرة الكفرة. ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أو ألجأ وأنضوي إلى عشيرة تمنعني منكم، فقد شبه العشيرة القوية التي تذود عن حمى أفرادها بالركن الشديد، وهو ناحية الجبل.
هذا؛ ويقرأ بنصب ﴿آوِي﴾ ورفعه، وانظر الآية رقم [٤٣].
تنبيه: يروى: أن الملائكة وجدت على لوط ﵇ حين قال هذه الكلمات، وقالوا:
إن ركنك لشديد، وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يرحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد». ولما قال لوط هذه المقالة لم يبعث الله بعده نبيا إلا وقواه بالركن الشديد، أي: جعل له عشيرة تحميه.
وإنما قال لوط ﵇ هذه المقالة؛ لأنه لم يكن من قومه نسبا، بل كان غريبا فيهم؛ لأنه كان أولا بالعراق مع إبراهيم ﵉، فلما هاجرا إلى الشام أرسله إلى أهل سدوم وعامورة، وأما قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ..﴾. إلخ إنما أراد بذلك أخوة البلد والإقامة لا في الدين ولا في النسب؛ لأنه أقام بينهم مدة مديدة وسنين عديدة، وتزوج منهم، وأنجب أولادا من نسائهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر يعود إلى لوط. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِكُمْ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِي﴾ وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿قُوَّةً،﴾ كان صفة له... إلخ.
﴿قُوَّةً﴾: اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿آوِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية معطوفة على خبر: ﴿أَنَّ﴾ في المعنى، التقدير: أو أني آوي!، هذا؛ ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿قُوَّةً﴾ نفسها؛ لأنه
стр. 2591
منصوب في الأصل بإضمار (أن)، فلما حذفت (أن) رفع الفعل على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ .. ويؤيد ذلك ويقويه قراءة الفعل بالنصب ب «أن» مضمرة بعد ﴿أَوْ،﴾ ويكون التقدير: لو أن لي بكم قوة، أو إيواء. ﴿إِلى رُكْنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَدِيدٍ﴾:
صفة: ﴿رُكْنٍ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو ثبت وجود قوة لي ونحوه، وقال سيبويه رحمه الله تعالى: هو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: لو وجود قوة لي حاصل أو ثابت، ونحوهما، وقول المبرد رحمه الله تعالى هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لدفعتكم، أو لبطشت بكم، وأرى جواز اعتبار: ﴿لَوْ﴾ للتمني، وهي لا تحتاج إلى جواب على هذا الاعتبار، ويكون التقدير: أتمنى وجود قوة تمنعني منكم، أو إيواء إلى ركن شديد يحفظني من طغيانكم، وفسادكم، وهو تقدير لا غبار عليه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، وأهل التفسير: أغلق لوط بابه في وجه قومه، والملائكة معه في الدار، وجعل يناظر قومه، ويناشدهم من وراء الباب، فلم يكفّوا بل هموا بكسر الباب، وهو يمسكه، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الجهد، قالوا له:
﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ تنحّ عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل ﵇ بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا، فأعموا أبصارنا، وجعلوا يقولون: يا لوط! كما أنت حتى تصبح، وسترى ما تلقى منا غدا يتوعدونه. قال تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾. ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾: بمكروه بسبب إيذائهم إيانا. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: فاخرج من هذه القرية بأهلك في آخر الليل، وقيل: بعد مضي طائفة من الليل، أي:
بعد هدأة منه، وقيل غير ذلك، انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (يونس). ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: لا يتخلف عن الخروج منكم أحد، وقيل: لا ينظر وراءه منكم أحد. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾
стр. 2592
أي: فإنها تلتفت فتهلك مع من يهلك من قومها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ فقد قيل: إن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم أن يلتفت. فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر، فقتلها، فلما قالت الملائكة: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ فقال لوط: متى يكون هذا العذاب؟ قالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال: إنه بعيد، أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
يروى: أن لوطا ﵇ خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم: أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه، وأمارته: أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه، فلا يهولنك ما ترى، فخرج لوط ﵇، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم.
بعد هذا انظر القول في الآية [١٨] ﴿رُسُلُ﴾: جمع رسول يجوز ضم سينه وتسكينها، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه ومنهم من يثقله، وذلك مثل رسل وعسر ويسر وأسد ورحم... إلخ. وانظر شرح (الرسول) في الآية [١] من سورة (الأنفال). ﴿رَبِّكَ﴾: انظر الآية رقم [٣]، ﴿فَأَسْرِ﴾: فعل أمر يقرأ بوصل الهمزة وقطعها، وسرى وأسرى بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد والثانية لغة أهل الحجاز، وهما بمعنى سار الليل عامته، وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث. وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى مشى، والسرى والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى يسري سرى ومسرى وسرية وسراية، هذا؛ والسرى يذكر ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث كأنهم جعلوه جمع سرية.
﴿بِأَهْلِكَ﴾: الأهل اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل:
العشيرة وذوو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل الآية الكريمة والآية رقم [٤٠] والجمع أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.
﴿أَحَدٌ﴾: أصله: وحد لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل (أحد) إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في
стр. 2593
الدار أحد؛ هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى:
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.
﴿اِمْرَأَتَكَ﴾: المرأة جمعها من غير لفظها نساء، ونسوة، ونسون، وهي مشتقة من المرء، وهو الرجل. ﴿مُصِيبُها﴾: انظر إعلال (يصيب) في الآية [٥١] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا لُوطُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب (أدعو). ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، والألف دليل عليها. ﴿رُسُلُ﴾: خبر (إن)، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَصِلُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَأَسْرِ﴾: الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية [١٧] (أسر): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِأَهْلِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، أي: مصاحبا لهم، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿بِقِطْعٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والباء بمعنى (في). ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة قطع، وجملة: (أسر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا فأسر
إلخ. الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿يَلْتَفِتْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية. ﴿مِنْكُمْ﴾:
متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَكَ﴾: مستثنى من الأهل، أي:
فلا تسر بها، وبالرفع بدل من ﴿أَحَدٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن اسمها. ﴿مُصِيبُها﴾: خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
﴿أَصابَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول، والجملة الاسمية في حل رفع خبر (إن)، وإنما أعربتها على هذا الوجه؛ لأن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة، وهو المعتمد، وعلى القول الضعيف يجوز اعتبار ﴿مُصِيبُها﴾ خبرا ل (إنّ)، و ﴿ما﴾ تكون فاعلا باسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ مستأنفة لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة وإن اعتبرته مصدرا ميميا، فالإضافة تكون من إضافة المصدر الميمي لمفعوله. ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة:
حرف استفهام وتقرير. (ليس): ماض ناقص. ﴿الصُّبْحُ﴾: اسمها. الباء: حرف جر صلة.
стр. 2594
﴿بِقَرِيبٍ﴾: خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الملائكة للوط ﵇، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾: وذلك أن جبريل-﵇-أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس، وأكبرها سدوم، وهي المؤتفكات المذكورة في الآية [٧١] التوبة، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم، وصياح ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر لهم إناء، ولم ينتبه لهم نائم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ أي: على من كان خارجا عنها من مسافريها قيل: إن الحجارة اتبعت شذاذ قوم لوط، حتى إن واحدا منهم دخل الحرم، فبقي الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج ذلك الرجل من الحرم، فسقط عليه الحجر، فأهلكه، وقيل: بعد ما قلبها أمطر عليهم، والمعتمد الأول.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: قالت طائفة، منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن إسحاق: إن «سجيلا» لفظة غير عربية، عربت، أصلها «سنج» و «جيل»، ويقال: «سنك» و «كيل»، وهما بالفارسية حجر وطين، عربتهما العرب، فجعلتهما اسما واحدا؛ لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي، صار لغة للعرب، ولا يضاف إلى الفارسية، مثل سندس، واستبرق، ونحو ذلك، فكل هذه الألفاظ فارسية، تكلمت بها العرب، واستعملتها، فصارت عربية، وقيل في شرح: ﴿سِجِّيلٍ﴾ غير ذلك أقوال كثيرة، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام، هذا؛ وأمطرت السماء ومطرت بمعنى واحد، وقيل: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة.
﴿مَنْضُودٍ﴾: قال ابن عباس-﵄: متتابع يتبع بعضها بعضا، وقال الربيع:
نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا، وقال عكرمة: مصفوف، وقال بعضهم:
مرصوص والمعنى متقارب. ﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلمة، من السيما، وهي العلامة، وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: هي من عند الله، وليست من حجارة الأرض.
﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار منها ظالما بعده، روي عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمّتي قوم يكتفي رجالهم
стр. 2595
بالرجال، ونساؤهم بالنّساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل»، ثم تلا ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. وفي رواية عنه ﵊:
«لا تذهب الليالي والأيّام حتى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرجال، كما استحلوا أدبار النّساء، فتصيب طوائف هذه الأمّة حجارة من ربّك». وقيل: المعنى ما هذه القرى ببعيد من الظالمين يعني مشركي مكة، فإنها قريبة من بلاد الحجاز، وفي طريقهم إلى بلاد الشام في ذهابهم وإيابهم منها، ولم يؤنث بعيد؛ لأنه على إرادة الحجر أو المكان، أو على إرادة العقاب، ولا يبعد أن يسوى في أمثاله بين المذكر والمؤنث؛ لأنها على زنة المصادر كالصهيل، والشهيق.
الإعراب: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾: انظر الآية رقم [٧٧] لإعراب هذه الكلمات. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْها﴾: مفعول به أول. ﴿سافِلَها﴾: مفعول به ثان، و (ها): في محل جر بالإضافة وهي عائدة على القرى، ولم يتقدم لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، انظر ما ذكرته في الآية [٤٤] والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا حل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حِجارَةً﴾. ﴿مَنْضُودٍ﴾: صفة: ﴿سِجِّيلٍ﴾. ﴿مُسَوَّمَةً﴾:
صفة: ﴿حِجارَةً،﴾ أو هي حال منها بعد وصفها بما تقدم، وهي اسم مفعول فنائب فاعله يعود إلى ﴿حِجارَةً﴾. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿مُسَوَّمَةً،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾:
مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية. ﴿هِيَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾:
متعلقان ب (بعيد) بعدهما. ﴿بِبَعِيدٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (بعيد): خبر (ما) منصوب. مثل (قريب) في الآية السابقة، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية: ﴿وَما هِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرت الجملة في محل نصب حال من الضمير العائد على القرى فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، فهو مثل الآية رقم [٥٠] و [٦٠] ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: انظر مثل هذا الكلام في الآية رقم [٥٠]، ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾: أمرهم بالتوحيد أولا، فإنه ملاك الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض، فقد كانوا مع كفرهم أهل بخس
следующие страницы →