Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
منصوب في الأصل بإضمار (أن)، فلما حذفت (أن) رفع الفعل على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ .. ويؤيد ذلك ويقويه قراءة الفعل بالنصب ب «أن» مضمرة بعد ﴿أَوْ،﴾ ويكون التقدير: لو أن لي بكم قوة، أو إيواء. ﴿إِلى رُكْنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَدِيدٍ﴾:
صفة: ﴿رُكْنٍ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو ثبت وجود قوة لي ونحوه، وقال سيبويه رحمه الله تعالى: هو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: لو وجود قوة لي حاصل أو ثابت، ونحوهما، وقول المبرد رحمه الله تعالى هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لدفعتكم، أو لبطشت بكم، وأرى جواز اعتبار: ﴿لَوْ﴾ للتمني، وهي لا تحتاج إلى جواب على هذا الاعتبار، ويكون التقدير: أتمنى وجود قوة تمنعني منكم، أو إيواء إلى ركن شديد يحفظني من طغيانكم، وفسادكم، وهو تقدير لا غبار عليه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، وأهل التفسير: أغلق لوط بابه في وجه قومه، والملائكة معه في الدار، وجعل يناظر قومه، ويناشدهم من وراء الباب، فلم يكفّوا بل هموا بكسر الباب، وهو يمسكه، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الجهد، قالوا له:
﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ تنحّ عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل ﵇ بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا، فأعموا أبصارنا، وجعلوا يقولون: يا لوط! كما أنت حتى تصبح، وسترى ما تلقى منا غدا يتوعدونه. قال تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾. ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾: بمكروه بسبب إيذائهم إيانا. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: فاخرج من هذه القرية بأهلك في آخر الليل، وقيل: بعد مضي طائفة من الليل، أي:
بعد هدأة منه، وقيل غير ذلك، انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (يونس). ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: لا يتخلف عن الخروج منكم أحد، وقيل: لا ينظر وراءه منكم أحد. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾
стр. 2592
أي: فإنها تلتفت فتهلك مع من يهلك من قومها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ فقد قيل: إن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم أن يلتفت. فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر، فقتلها، فلما قالت الملائكة: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ فقال لوط: متى يكون هذا العذاب؟ قالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال: إنه بعيد، أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
يروى: أن لوطا ﵇ خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم: أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه، وأمارته: أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه، فلا يهولنك ما ترى، فخرج لوط ﵇، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم.
بعد هذا انظر القول في الآية [١٨] ﴿رُسُلُ﴾: جمع رسول يجوز ضم سينه وتسكينها، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه ومنهم من يثقله، وذلك مثل رسل وعسر ويسر وأسد ورحم... إلخ. وانظر شرح (الرسول) في الآية [١] من سورة (الأنفال). ﴿رَبِّكَ﴾: انظر الآية رقم [٣]، ﴿فَأَسْرِ﴾: فعل أمر يقرأ بوصل الهمزة وقطعها، وسرى وأسرى بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد والثانية لغة أهل الحجاز، وهما بمعنى سار الليل عامته، وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث. وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى مشى، والسرى والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى يسري سرى ومسرى وسرية وسراية، هذا؛ والسرى يذكر ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث كأنهم جعلوه جمع سرية.
﴿بِأَهْلِكَ﴾: الأهل اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل:
العشيرة وذوو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل الآية الكريمة والآية رقم [٤٠] والجمع أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.
﴿أَحَدٌ﴾: أصله: وحد لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل (أحد) إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في
стр. 2593
الدار أحد؛ هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى:
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.
﴿اِمْرَأَتَكَ﴾: المرأة جمعها من غير لفظها نساء، ونسوة، ونسون، وهي مشتقة من المرء، وهو الرجل. ﴿مُصِيبُها﴾: انظر إعلال (يصيب) في الآية [٥١] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا لُوطُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب (أدعو). ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، والألف دليل عليها. ﴿رُسُلُ﴾: خبر (إن)، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَصِلُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَأَسْرِ﴾: الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية [١٧] (أسر): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِأَهْلِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، أي: مصاحبا لهم، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿بِقِطْعٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والباء بمعنى (في). ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة قطع، وجملة: (أسر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا فأسر
إلخ. الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿يَلْتَفِتْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية. ﴿مِنْكُمْ﴾:
متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَكَ﴾: مستثنى من الأهل، أي:
فلا تسر بها، وبالرفع بدل من ﴿أَحَدٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن اسمها. ﴿مُصِيبُها﴾: خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
﴿أَصابَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول، والجملة الاسمية في حل رفع خبر (إن)، وإنما أعربتها على هذا الوجه؛ لأن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة، وهو المعتمد، وعلى القول الضعيف يجوز اعتبار ﴿مُصِيبُها﴾ خبرا ل (إنّ)، و ﴿ما﴾ تكون فاعلا باسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ مستأنفة لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة وإن اعتبرته مصدرا ميميا، فالإضافة تكون من إضافة المصدر الميمي لمفعوله. ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة:
حرف استفهام وتقرير. (ليس): ماض ناقص. ﴿الصُّبْحُ﴾: اسمها. الباء: حرف جر صلة.
стр. 2594
﴿بِقَرِيبٍ﴾: خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الملائكة للوط ﵇، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾: وذلك أن جبريل-﵇-أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس، وأكبرها سدوم، وهي المؤتفكات المذكورة في الآية [٧١] التوبة، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم، وصياح ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر لهم إناء، ولم ينتبه لهم نائم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ أي: على من كان خارجا عنها من مسافريها قيل: إن الحجارة اتبعت شذاذ قوم لوط، حتى إن واحدا منهم دخل الحرم، فبقي الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج ذلك الرجل من الحرم، فسقط عليه الحجر، فأهلكه، وقيل: بعد ما قلبها أمطر عليهم، والمعتمد الأول.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: قالت طائفة، منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن إسحاق: إن «سجيلا» لفظة غير عربية، عربت، أصلها «سنج» و «جيل»، ويقال: «سنك» و «كيل»، وهما بالفارسية حجر وطين، عربتهما العرب، فجعلتهما اسما واحدا؛ لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي، صار لغة للعرب، ولا يضاف إلى الفارسية، مثل سندس، واستبرق، ونحو ذلك، فكل هذه الألفاظ فارسية، تكلمت بها العرب، واستعملتها، فصارت عربية، وقيل في شرح: ﴿سِجِّيلٍ﴾ غير ذلك أقوال كثيرة، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام، هذا؛ وأمطرت السماء ومطرت بمعنى واحد، وقيل: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة.
﴿مَنْضُودٍ﴾: قال ابن عباس-﵄: متتابع يتبع بعضها بعضا، وقال الربيع:
نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا، وقال عكرمة: مصفوف، وقال بعضهم:
مرصوص والمعنى متقارب. ﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلمة، من السيما، وهي العلامة، وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: هي من عند الله، وليست من حجارة الأرض.
﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار منها ظالما بعده، روي عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمّتي قوم يكتفي رجالهم
стр. 2595
بالرجال، ونساؤهم بالنّساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل»، ثم تلا ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. وفي رواية عنه ﵊:
«لا تذهب الليالي والأيّام حتى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرجال، كما استحلوا أدبار النّساء، فتصيب طوائف هذه الأمّة حجارة من ربّك». وقيل: المعنى ما هذه القرى ببعيد من الظالمين يعني مشركي مكة، فإنها قريبة من بلاد الحجاز، وفي طريقهم إلى بلاد الشام في ذهابهم وإيابهم منها، ولم يؤنث بعيد؛ لأنه على إرادة الحجر أو المكان، أو على إرادة العقاب، ولا يبعد أن يسوى في أمثاله بين المذكر والمؤنث؛ لأنها على زنة المصادر كالصهيل، والشهيق.
الإعراب: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾: انظر الآية رقم [٧٧] لإعراب هذه الكلمات. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْها﴾: مفعول به أول. ﴿سافِلَها﴾: مفعول به ثان، و (ها): في محل جر بالإضافة وهي عائدة على القرى، ولم يتقدم لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، انظر ما ذكرته في الآية [٤٤] والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا حل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حِجارَةً﴾. ﴿مَنْضُودٍ﴾: صفة: ﴿سِجِّيلٍ﴾. ﴿مُسَوَّمَةً﴾:
صفة: ﴿حِجارَةً،﴾ أو هي حال منها بعد وصفها بما تقدم، وهي اسم مفعول فنائب فاعله يعود إلى ﴿حِجارَةً﴾. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿مُسَوَّمَةً،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾:
مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية. ﴿هِيَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾:
متعلقان ب (بعيد) بعدهما. ﴿بِبَعِيدٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (بعيد): خبر (ما) منصوب. مثل (قريب) في الآية السابقة، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية: ﴿وَما هِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرت الجملة في محل نصب حال من الضمير العائد على القرى فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، فهو مثل الآية رقم [٥٠] و [٦٠] ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: انظر مثل هذا الكلام في الآية رقم [٥٠]، ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾: أمرهم بالتوحيد أولا، فإنه ملاك الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض، فقد كانوا مع كفرهم أهل بخس
стр. 2596
وتطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام؛ أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون، وظلموا، وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا له بغاية ما يقدرون، فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف. ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي: في سعة من الرزق وكثرة النعم، فلا تزيلوا هذه النعم عنكم بكفركم، وظلمكم غيركم. ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: يحيط بكم، فيهلككم جميعا وهو عذاب الاستئصال في الدنيا، أو هو عذاب الآخرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
بعد هذا ف ﴿مَدْيَنَ﴾ هو اسم ابن إبراهيم الخليل، ﵇، ثم صار اسما للقبيلة من أولاده، وهو المراد هنا، وانظر الآية [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، وقيل: هو في الأصل اسم مدينة بناها مدين المذكور، فعلى هذا يكون التقدير: وأرسلنا إلى أهل مدين، فحذف المضاف لدلالة الكلام، وكان شعيب ﵇ يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وهو ابن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم، فهو أخوهم في النسب، والإقامة معهم في البلد. وقد أثبت عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: أن زمن شعيب كان قبل زمن موسى ﵇، وإذا عرفت أن موسى تزوج بنت شعيب، كما ستعرفه في سورة (القصص) -إن شاء الله تعالى-ظهر لك: أنهما كانا في عصر واحد، وإن كان شعيب أسنّ من موسى بكثير عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. ﴿وَلا تَنْقُصُوا﴾: انظر ما ذكرته في هذا الفعل في الآية رقم [٥٢]، ﴿وَالْمِيزانَ﴾: أصله: الموزان، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، و ﴿مُحِيطٍ﴾ أصله: (محوط) لأنه من حاط يحوط، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء، فصار (محوط) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
الإعراب: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ إعراب هذا الكلام مثل الآية رقم [٥٠] بلا فارق. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية.
﴿تَنْقُصُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو ينصب مفعولين، الأول محذوف، التقدير:
ولا تنقصوا الناس. ﴿الْمِكْيالَ﴾: مفعول به ثان، وهو في الأصل مجرور بحرف جر، التقدير: ولا تنقصوا من المكيال، وقدّر النسفي المكيل بالمكيال، ولا بأس به، ويجوز أن يكون المكيال المفعول الأول، والثاني محذوف، وفي ذلك مبالغة، والتقدير: ولا تنقصوا المكيال والميزان حقهما الذي وجب لهما، وهو أبلغ في الأمر بوفائهما. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿وَلا تَنْقُصُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اُعْبُدُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.
стр. 2597
﴿أَراكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِخَيْرٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿مُحِيطٍ﴾: قال البيضاوي وغيره: هو صفة:
﴿يَوْمٍ،﴾ ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة: ﴿عَذابَ﴾ لاشتماله عليه، وأرى: أنه صفة:
﴿عَذابَ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار قبله، وهو لفظ ﴿يَوْمٍ﴾ والجملتان الاسميتان بعد اعتبارهما تعليلا للنهي، فهما في محل نصب مقول القول، لا محل لهما باعتبار، ولهما محل باعتبار آخر، ومثله كثير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾: قال البيضاوي رحمه الله تعالى: صرح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة، وتنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل، والتسوية من غير زيادة ولا نقصان. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ أي: ولا تنقصوا الناس أموالهم، ولا تأكلوها بالباطل والعدوان. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ولا تفسدوا في الأرض من: عثى، يعثى، أو من: عثا، يعثو، من بابي تعب، ونصر، ومصدر الأول: عثي، ومصدر الثاني: عثو، هذا؛ والعثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع المعاملات، وكذلك يشمل جميع أنواع الفساد.
تنبيه: فقد وقع التكرار في الآية وسابقتها من ثلاثة أوجه؛ لأن الأمر بإيفاء الكيل والميزان هو مفهوم النهي عن نقصهما، وهو أيضا مفهوم النهي عن بخس الناس أشياءهم، فما الفائدة من هذا التكرار، والجواب: أن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح، وهو ما أفادته الجمل الثلاث؛ احتيج في المنع منه، إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالتأكيد، فلهذا كرر ذلك ليقوي الزجر، والمنع من ذلك الفعل.
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٢٨]. ﴿أَوْفُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمِكْيالَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْمِيزانَ﴾: معطوف على ما قبله.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَوْفُوا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ،﴾ التقدير: تامّين بالقسط. ﴿وَلا تَبْخَسُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية.. إلخ، والواو فاعله،
стр. 2598
والألف للتفريق. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به أول. ﴿أَشْياءَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾: مثل سابقه. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مُفْسِدِينَ﴾: حال مؤكدة لمعنى الفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، هذا؛ والجمل في الآية معطوفة على بعضها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لأنها من مقول شعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام.
﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: قال ابن عباس-﵄: يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، خير لكم، مما تأخذونه من التطفيف، وقال مجاهد: طاعة الله خير لكم، وقيل: بقية الله: ما أبقاه لكم من الثواب في الآخرة خير لكم مما يحصل لكم في الدنيا من المال الحرام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن ما ذكر من الخيرية مشروط بوجود الإيمان، وهذا الشرط منصوص عليه في شريعة محمد ﷺ لقبول العمل الصالح، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً،﴾ وغيرها كثير. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾:
أحفظكم وأمنعكم من القبائح، أو أحفظ عليكم أعمالكم، فأجازيكم عليها، وإنما أنا ناصح مبلّغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم، وانظر مثلها في سورة (يونس) رقم [١٠٨]، هذا؛ وقرئ «(تقاة الله)» بمعنى: تقوى الله والخوف منه؛ التي تكف، وتردع عن المعاصي، وانظر شرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇.
الإعراب: ﴿بَقِيَّتُ﴾: مبتدأ، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾:
متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم.
﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر (كان) منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية قيد للخيرية كما رأيت لا محل لها أيضا.
﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِحَفِيظٍ﴾: الباء:
حرف جر صلة. (حفيظ): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبارها مستأنفة.
стр. 2599
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قوم شعيب له. ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي: من الأصنام أجابوا بذلك بعد أن أمرهم بالتوحيد، وإيفاء الكيل والميزان للناس، قالوا ذلك تهكّما واستهزاء بصلاته، فقد روي أنه ﵊ كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها، ونفلها، ويقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما أمرهم، ونهاهم؛ عيروه بكثرة الصلاة.
قال الحسن ﵀: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. أقول: وتختلف الكيفية والكمية من رسول إلى رسول، هذا؛ وقد قرئ بجمع الصلاة.
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ فالمصدر المؤول معطوف على ﴿ما،﴾ والتقدير:
أصلاتك تأمرك أن نترك فعلنا في أموالنا، والمعنى: أتريد أن تسلبنا حريتنا في أموالنا؟! هذا؛ ويقرأ الفعلان بتاء المضارعة، والإعراب يوضح هذا.
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: قال ابن عباس-﵄: أرادوا: السفيه الغاوي؛ لأن العرب قد تصف الشيء بضده، فيقولون للديغ: سليم، وللفلاة المهلكة: مفازة، وقيل: هو على حقيقته، وإنما قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية، وقيل: معناه: لأنت الحليم الرشيد في زعمك، وقيل: هو على بابه من الصحة، ومعناه: إنك يا شعيب فينا حليم رشيد، فلا يحسن بك شق عصا قومك، ومخالفتهم في دينهم.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يا شُعَيْبُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب (أدعو). ﴿أَصَلاتُكَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. (صلاتك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَأْمُرُكَ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (صلاتك)، والكاف مفعول به أول، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان ل (تأمر)، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بترك، والجار والمجرور متعلقان به على أنهما مفعوله الثاني. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: أن نترك الذي، أو شيئا يعبده آباؤنا، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: أن نترك عبادة آبائنا، هذا؛ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ معطوف ب ﴿أَوْ﴾ على ﴿ما،﴾ هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالتاء، فالمصدر المؤول من (أن تفعل) معطوف على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾. ﴿فِي أَمْوالِنا﴾: متعلقان بالفعل
стр. 2600
قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى قراءة الفعل بالنون، يكون التقدير: نفعل في أموالنا الذي، أو شيئا نشاؤه، أو نفعل مشيئتنا، وعلى قراءة الفعل بالتاء، يكون التقدير: تفعل في أموالنا الذي، أو شيئا تشاؤه، أو تفعل مشيئتك، وجملة: ﴿تَأْمُرُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَأَنْتَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَلِيمُ﴾: خبر أول. ﴿الرَّشِيدُ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا لا محل له من الإعراب، و ﴿الْحَلِيمُ﴾ و ﴿الرَّشِيدُ﴾ يكونان خبرين ل (إنّ)، ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، بعد هذا لعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: ما أحراك أن تنظر شرح هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٢٨] ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ أي: رزقا حلالا، قيل: كان شعيب على نبينا، وعليه أزكى تحية وأفضل سلام كثير المال الحلال والنعمة، وقيل: (الرزق الحسن):
ما آتاه الله من العلم، والهداية، والنبوة، والمعرفة، ولا بأس به؛ لأن قوله ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ يشير إلى العلم، والنبوة.. ، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف؛ إذ التقدير: أرأيتم إن كنت على علم، ومعرفة من ربي، ورزقني المال الحلال الكثير، فهل يسعني مع هذه النعم العظيمة أن أخون في وحيه، أو أن أخالف أمره، أو أتبع الضلال، أو أبخس الناس أشياءهم، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم، وذلك لأنهم قالوا له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ،﴾ والمعنى: فكيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أوامر ربه، وله عليه هذه النعم العظيمة؟! انتهى. خازن بتصرف.
﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: ما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه؛ لأستبدّ به دونكم، فلو كان صوابا لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلا عن أن أنهى عنه، يقال: خالفت زيدا إلى كذا: إذا قصدته وهو مولّ عنه، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما أريد إلا إصلاحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه؛ لما نهيتكم عنه. ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ﴾: وما توفيقي
стр. 2601
لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته؛ لأن التوفيق تسهيل سبيل الخير، والطاعة على العبد، ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله في جميع أموري. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: ارجع إليه تعالى فيما ينزل من النوائب، أو أرجع إليه تعالى في معادي بعد الموت.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر يعود إلى شعيب. ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه، إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: «يا قوما»، ومنهم من يقول: ﴿(يا قَوْمِ)﴾ بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فتقول، ﴿(يا قَوْمِ)﴾. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (رأيتم): فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ رَبِّي﴾: متعلقان ب ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (رزقني): ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رِزْقاً﴾: مفعول به ثان. ﴿حَسَناً﴾:
صفته، وجملة: (رزقني...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجواب الشرط محذوف انظر تقديره في الشرح. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿أُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، والكاف مفعول به. ﴿إِلى﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب ﴿إِلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْهاكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (عن). ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى (ما). ﴿أُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل (أنا). ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الْإِصْلاحَ﴾: مفعول به. ﴿ما﴾: مصدرية ظرفية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل ﴿أُرِيدُ،﴾ التقدير: مدة استطاعتي. وقال البيضاوي: وقيل: ﴿ما﴾ خبرية بدل من ﴿الْإِصْلاحَ،﴾ وهو يعني: أنها اسم موصول، أو مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، والتقدير على الأول، ما أريد، إلا الإصلاح الذي استطعته، وعلى الثاني: ما أريد، إلا الإصلاح استطاعتي. ﴿وَما﴾: الواو: حرف
стр. 2602
استئناف. (ما): نافية. ﴿تَوْفِيقِي﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وتقديمهما أفاد التخصيص. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها، وينبغي أن تعلم أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
تنبيه: بقي أن تعلم أن الفعل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، وأن الثاني أكثر ما يكون جملة استفهامية ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبر، كقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ والمعنى أخبرني عن زيد ما صنع؟ إذا تقرر هذا؛ فالمفعول الأول هنا محذوف، ولا يصح أن تقع جملة الشرط موقعه، والجملة الفعلية الاستفهامية المحذوفة التي رأيت تقديرها في الشرح، والمعتبرة جوابا للشرط هي دليل على المفعول الثاني المحذوف أيضا، ويقدر مؤخرا عن الشرط؛ ليكون الشرط وجوابه كلاما معترضا بين المفعولين المقدرين كما يلي: قال: يا قوم أخبروني هل يسعني مع هذه النعم العظيمة... إلخ، إن كنت على بينة من ربي... فهل يسعني... إلخ، وقدره الجلال ووافقه الجمل كما يلي: أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب لكم كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج، وقال الحسن وقتادة: لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان، فيصيبكم ما أصاب الكفار، ويقرأ الفعل بضم الياء، وهو يؤيد التفسير الأول. ﴿ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾: يعني الغرق. ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ أي: الريح التي أهلكتهم. ﴿أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾: يعني ما أصابهم من الصيحة حتى هلكوا جميعا. ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاكهم، وقيل: معناه: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم لوط، وبلادهم قريبة من بلادهم. انتهى. خازن. أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر، والمساوئ.
أقول: انظر ما أصاب هذه الأقوام من أنواع العذاب في هذه السورة، وفي سورة (الأعراف) أيضا مع التعريف بكل رسول، وانظر شرح ﴿قَوْمِ﴾ في الآية [٢٨]، وإعلال (يصيب) في الآية [٥١] التوبة، شرح مثل في الآية [٢٤]، ويقرأ بفتح اللام على البناء، وانظر ما ذكرته في ﴿بِبَعِيدٍ﴾ في الآية رقم [٨٢]. وللشقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة كما في هذه الآية، والثاني: الضلال،
стр. 2603
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ؛ لأن كل واحد من المتشاقين يكون في شق غير شق صاحبه، أي: في ناحية، وجهة.
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والكاف مفعول به أول. ﴿شِقاقِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به ثان أو هو في محل نصب بنزع الخافض.
﴿مِثْلُ﴾: فاعل (يصيب) مرفوع، أو هو مبني على الفتح في محل رفع فاعل، و ﴿مِثْلُ﴾: مضاف، و ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة.
﴿أَصابَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿قَوْمِ﴾: مفعول به، و ﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾:
مضاف إليه، وجملة: ﴿أَصابَ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿قَوْمَ هُودٍ﴾: معطوف على ما قبله، وكذا ﴿قَوْمَ صالِحٍ﴾ معطوف أيضا. ﴿وَما﴾:
الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية. ﴿قَوْمِ﴾: اسمها، وهو مضاف، و ﴿لُوطٍ﴾: مضاف إليه. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِبَعِيدٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (بعيد): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة ف ﴿قَوْمِ﴾ مبتدأ، والباء زيدت في خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، بعد هذا فالآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أي: من عبادة الأصنام. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: من البخس، والنقصان في الكيل والميزان، وانظر الآية رقم [٣] تجد ما يسرك. ﴿رَحِيمٌ﴾: عظيم الرحمة لعباده إذا استغفروا، وتابوا. ﴿وَدُودٌ﴾: فاعل بهم من اللطف، والإحسان ما يفعل البليغ من المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. انتهى. بيضاوي.
وقال ابن عباس-﵄: الودود المحب لعباده المؤمنين؛ أي: فهو من قولهم:
وددت الرجل أوده: إذا أحببته، الود: المودة والمحبة، وهو بتثليث الواو.
الإعراب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: انظر الآية [٣] ففيها الكفاية. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسمها منصوب. وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم
стр. 2604
إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾: خبر بعد خبر، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها، والآية معطوفة بكاملها على ما قبلها، فهي من مقول شعيب على نبينا، وعليه الصلاة، والسّلام.
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ﴾: يعني ما نفهم كثيرا من قولك كوجوب التوحيد، وحرمة التطفيف والتبخيس في الكيل والميزان، وذلك لقصور عقولهم، وعدم تفكرهم، وقيل: ما قالوا ذلك استهانة بكلامه واحتقارا له، وقيل: ما نفهم لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والحساب... إلخ. ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً﴾: قال ابن عباس، وقتادة-﵄: كان أعمى، قال الزجاج: ويقال: إنّ حمير كانوا يسمون المكفوف: ضعيفا.
وقال أبو الحسن، وأبو روق، ومقاتل: يعني ذليلا، قال أبو روق: إن الله لم يبعث نبيّا أعمى، ولا نبيّا به زمانة، وقال السدي: وحيدا، ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. أقول: ويؤيده قولهم: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ أي: بالحجارة حتى تموت، وقيل:
لشتمناك، والأول أقوى، وكان رهطه من أهل ملتهم؛ أي: على دينهم. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾:
يعني: بكريم، وقيل: بغالب ولا قاهر ولا ممتنع منا، وهذا يفيد: أنه لم يكن له عندهم حرمة ولا مهابة في صدورهم، وأنهم لم يقتلوه، ولم يسمعوه الكلام الغليظ الفاحش؛ لأجل احترامهم أهله وعشيرته، لا لقوتهم، بل لموافقتهم لهم في الدين، بعد هذا فالفقه: الفهم، وفقه يفقه من باب علم، يعلم: صار فقيها، والفقه العلم بالشيء، ثم صار علما على العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم يقال: فقه الرجل، يفقه، فهو فقيه: إذا فهم، والفعل من باب فهم الذي هو بمعناه، وفقه من باب ظرف، وكرم: صار فقيها. والرهط: اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل معشر ونفر، والرهط: العشيرة، وهو يطلق على العدد من الثلاثة إلى العشرة، وجمعه: أراهط، وأرهط، ولا يطلق الرهط إلا على الرجال.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا شُعَيْبُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب «أدعو». ﴿ما﴾: نافية. ﴿نَفْقَهُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿كَثِيراً﴾: مفعول به. ﴿مِمّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب «من»، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء تقوله، وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل جر ب «من»، التقدير: من
стр. 2605
قولك. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها. ﴿لَنَراكَ﴾:
اللام: هي المزحلقة. (نراك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿فِينا﴾: متعلقان بما بعدهما، وهو أقوى من تعليقهما بالفعل قبلهما. ﴿ضَعِيفاً﴾: حال من الكاف، وجملة: ﴿لَنَراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية (إنا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَفْقَهُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَوْلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿رَهْطُكَ﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والخبر محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿لَرَجَمْناكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، واللام واقعة في جواب (لولا)، والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية [٨٨] ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ..﴾. إلخ والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: يعني أكرم عندكم، وأهيب في صدوركم من الله حتى تركتم قتلي، أو شتمي ومنقصتي لمكان عشيرتي عندكم، فالأولى أن تجلوني وتكرموني لأجل الله، لا لرهطي؛ لأنه تعالى أعز، وأعظم. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: جعلتم أمر الله وراء ظهوركم كالشيء المنبوذ المنسي الذي لا يؤبه له. ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بأحوالكم جميعا لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها يوم القيامة.
هذا؛ و (الظهري) بكسر الظاء منسوب إلى الظهر بفتحها، وهو من تغييرات النسب، كما قالوا في أمس: إمسي بكسر الهمزة، وفي الدهر دهري بضم الدال، وقيل: الضمير المنصوب يعود على العصيان: أي: اتخذتم العصيان عونا على عداوتي، فالظّهري على هذا بمعنى:
المعين المقوي. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى شعيب ﵇. ﴿يا قَوْمِ﴾: انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿أَرَهْطِي﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (رهطي): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَعَزُّ﴾:
خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلقان ب ﴿أَعَزُّ﴾. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾: الواو: حرف عطف. (اتخذتموه): ماض مبني على السكون، والتاء
стр. 2606
فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول. ﴿وَراءَكُمْ﴾: ظرف متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ظِهْرِيًّا﴾: مفعول به ثان، هذا؛ وجوز اعتبار الظرف المفعول الثاني، و ﴿ظِهْرِيًّا﴾ حال من الضمير المنصوب، كما جوز اعتبار الفعل متعديا لمفعول واحد، و ﴿ظِهْرِيًّا﴾ حالا، والظرف متعلق به أو بالفعل. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي أو بشيء تعملونه وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:
بعملكم. ﴿مُحِيطٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ،﴾ بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ الآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ..﴾.
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: على غاية تمكنكم، واستطاعتكم، يقال: مكن مكانة: إذا تمكن أبلغ التمكن، أو المعنى: على ناحيتكم وجهتكم وحالتكم التي أنتم عليها، من قولهم: مكان ومكانة كمقام ومقامة، ويقرأ «مكاناتكم» بالجمع في كل القرآن، وهو أمر تهديد ووعيد، أي: اثبتوا على كفركم وعداوتكم، فهو كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ أي: ثابت على ما كنت عليه من المصابرة، والتوحيد والإيمان. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: فهو تهديد ووعيد بصيغة المضارع الذي هو للمستقبل بعد التهديد والوعيد بصيغة الأمر.
تنبيه: ذكرت الآية الكريمة بحروفها في سورة (الأنعام) برقم [١٣٥] وقد اقترنت هناك ﴿سَوْفَ﴾ بالفاء، ولم تقرن ولم تسبق بها هنا، والسبب في ذلك: أن الفاء هناك للتصريح بأن الإصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفها هاهنا لأنه جواب سائل، قال: فماذا يكون بعد ذلك فهو أبلغ في التهويل. انتهى. بيضاوي.
وقال النسفي: وإدخال الفاء في ﴿سَوْفَ﴾ وصل ظاهر بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ،﴾ والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة، وأبلغهما الاستئناف. انتهى. وهذا الاستئناف يسمى في علم البيان بالاستئناف البياني.
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية [٨٧]. ﴿اِعْمَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو
стр. 2607
الجماعة، التقدير: اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة، والقدرة، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿سَوْفَ﴾: حرف تسويف واستقبال. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: مضارع وفاعله، ومفعوله في الآية التالية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي أن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿... مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ الشرح: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾: يذله ويهينه والمراد به عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وانظر ﴿تُخْزُونِ﴾ في الآية [٧٨]. ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون من الكاذب مني أو منكم. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ أي: انتظروا العاقبة، وما يؤول إليه أمري، وأمركم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي: منتظر. أو المعنى: انتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة، والرقيب: بمعنى المراقب.
الإعراب: ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل:
﴿تَعْلَمُونَ،﴾ وتحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، التقدير: أينا يأتيه العذاب، وجملة: ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ، وعليه يكون الفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، وانظر الآية رقم [٣٩]. ﴿يُخْزِيهِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿عَذابٌ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:
﴿عَذابٌ﴾. (من): اسم موصول معطوف على سابقه، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ كاذِبٌ﴾ صلته، وعلى اعتبار (من) اسم استفهام مبتدأ فالضمير يكون فصلا لا محل له، و ﴿كاذِبٌ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. (ارتقبوا): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِعْمَلُوا﴾. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿رَقِيبٌ﴾ بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿رَقِيبٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها، وهي بدورها من مقول شعيب ﵇. تأمل، وتدبر.
﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٥٨] فهو مثله بلا فارق، مع لفت النظر إلى ما يلي:
стр. 2608
قال البيضاوي رحمه الله تعالى: إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد؛ إذ لم يسبقه ذكر وعد، يجري مجرى السبب له، بخلاف قصتي صالح، ولوط، فإنه بعد ذكر الوعد، وذلك في قوله:
﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فلذلك جاء بفاء السببية. ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ..﴾. إلخ: هذا الكلام مثل الآية رقم [٦٧] مع ملاحظة تأنيث الفعل هنا على لفظ ﴿الصَّيْحَةُ،﴾ وتذكيره هناك على تأويل: ﴿الصَّيْحَةُ﴾ بالصياح، أو قل: يجوز تأنيث الفعل، وتذكيره لسببين: الأول الفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول الثاني، كون ﴿الصَّيْحَةُ..﴾. مؤنثا مجازيا، وما كان من هذا يجوز تأنيث الفعل وتذكيره معه.
قال ابن عباس-﵄: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم، هذا؛ وقد ذكر الله في الآية رقم [٧٣] من سورة (الحجر) أنه أخذ قوم لوط بالصيحة أيضا، انظر الكلام هناك.
الإعراب: أرجو أن تنظر إعراب (لما) ومدخولها في الآية رقم [٥٨] وإعراب ما يشبه هذا الكلام أيضا في الآية رقم [٧] وفي الآية [٨٢]، أما إعراب: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا..﴾. إلخ فانظره في الآية رقم [٦٧] ففيه الكفاية، وذلك بغية الاختصار.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾: انظر الآية رقم [٦٨]، وانظر ﴿بُعْداً﴾ في الآية رقم [٤٤].
الإعراب: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية [٦٨]. ﴿أَلا﴾:
حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿بُعْداً﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف. ﴿لِمَدْيَنَ﴾: متعلقان ب ﴿بُعْداً،﴾ أو بمحذوف صلة له، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿كَما﴾: متعلقان بمحذوف صفة:
﴿بُعْداً﴾. و (ما): تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول الجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد: محذوف، التقدير: بعدا كائنا كالذي بعدته ثمود، وعلى الثاني تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالكاف، التقدير: بعدا كائنا كإبعاد ثمود عن رحمة الله تعالى.
تنبيه: وبعد أن أهلك الله أهل مدين بالصيحة المعبر عنها في آية أخرى بالرجفة، وهي الزلزلة، ونجّى شعيبا والذين آمنوا معه أرسله إلى أصحاب الأيكة، وهي غيضة تنبت ناعم الشجر، كانت بقرب مدين، تسكنها طائفة من عباد الله، قيل: كانوا بادية مدين، وكان شعيب ﵇ أجنبيا منهم، وكانوا على مثل طريقة أهل مدين، من كفر وبخس للكيل، والميزان، فلما نهاهم عما هم فيه، قالوا: ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ﴾
стр. 2609
﴿الْكاذِبِينَ﴾ ظنا منهم أن الله تعالى، لا يرسل إلى البشر هداة منهم، جهلا منهم بأن الله أعلم حيث يجعل رسالته.
وكان من شدة حماقتهم أن يطلبوا من شعيب أن يسقط عليهم كسفا من السماء-أي: قطعة منها-إن كان من الصادقين، ولشدة جهلهم لم يطلبوا الهداية إلى الحق، ولم يتعظوا بما حصل لأهل مدين من الهلاك، فأخذهم عذاب يوم الظلة، بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت مياههم، ثم ساق إليهم غمامة فاجتمعوا للاستظلال بها من وهج الشمس، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. انتهى. قصص الأنبياء للنجار بتصرف.
أقول: قد أشار الله إلى هؤلاء القوم في سورة (الحجر) بآيتين فقط، وفصّلها في سورة (الشعراء) تفصيلا وافيا من آية رقم [١٧٦] إلى آية رقم [١٩١].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾: هذه قصة سابعة ذكرت في هذه السورة الكريمة بعد ذكر قصة نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وقد ذكرت هذه القصص في سورة (الأعراف) على هذا الترتيب، من غير تعرض لقصة إبراهيم ﵇ هناك، وقصة موسى مع فرعون ذكرت هنا بإيجاز هو شبيه بالإشارة إليها، بينما ذكرت في سورة (الأعراف) بالتفصيل الوافي الكافي، والمراد بالآيات المعجزات التي ذكرها ربنا جل علاه في سورة (الأعراف) منها ثمانية في (الأعراف)، والتاسعة في سورة (يونس)، وهي الطمس على الأموال والشدة على القلوب، الآية رقم [٨٨]. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: هو المعجزات الباهرة منها، أو هي العصا خاصة، والإفراد بالذكر لإظهار شرفها؛ لكونها أكبرها، وأعظمها، أو المراد بالآيات ما عداها، أو هما عبارة عن شيء، أي: أرسلناه بالبرهان الجامع بين كونه آياتنا، وبين كونه سلطانا له على نبوته، واضحا في نفسه، أو موضحا إياها. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: اتبعوا طريقة فرعون المعوجة، وأعرضوا عن طريقة موسى الرشيدة الداعية إلى الخير والهدى، والإحسان، والإيمان. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: بسديد يؤدي إلى صواب، أو بمرشد إلى خير، بل هو غي محض وضلال خالص؛ لأنه منهمك في الكفر والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده.
بعد هذا ﴿مُوسى﴾: أصله: موشى بالشين مركب من اسمين: الماء والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو)، والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما رمته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) والقصص هذا؛ و ﴿مُوسى﴾ هو ابن عمران، بن قاهت، بن لاوي، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.
стр. 2610
﴿وَسُلْطانٍ﴾: حجة، قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه، كالسلطان يقهر غيره، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في الأرض. انتهى. خازن. هذا؛ وجمع السلطان بمعنى الحاكم والمالك: سلاطين؛ ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة.
﴿فِرْعَوْنَ﴾: قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الروم والفرس، وكان فرعون موسى ﵇ مصعب بن الريان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا عاد، وفرعون يوسف ﵇، ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة. ﴿وَمَلائِهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٧] وانظر إعلال ﴿مُبِينٍ﴾ ومعناه في الآية رقم [٦]، وانظر (نا) في الآية [٨].
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب مثله في الآية [٢٥] ﴿مُوسى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُوسى﴾ أي: حال كونه ملتبسا بآياتنا، و (نا) في محل جر بالإضافة.
(سلطان): معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينٍ﴾: صفته. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (ملئه): معطوف على فرعون، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
(اتبعوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾:
مضاف إليه مجرور... إلخ من إضافة المصدر لفاعله. والجملة الفعلية معطوفة على مقدر، أي:
فكفر بها فرعون وأمرهم بالكفر ﴿فَاتَّبَعُوا..﴾. إلخ والكلام كله معطوف على جواب القسم لا محل له مثله ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ في الآية [٨٨]، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والرابط: الواو، وإعادة اللفظ بعينه، للتحقير، والتقبيح، والاستئناف ممكن.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: يتقدم قومه إلى النار؛ إذ هو رئيسهم، كما كان يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال، يقال: قدمهم، يقدمهم، قدما، وقدوما، إذا تقدمهم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾
стр. 2611
النّارَ: أدخلهم فيها، ذكره بلفظ الماضي لتحقيق وقوعه، وقيل: بل هو ماض على حقيقته، وهذا قد وقع وانفصل، وذلك: أنه أوردهم في الدنيا النار، قال تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ،﴾ ونزل النار منزلة الماء، فسمى إتيانها موردا على سبيل الاستعارة التصريحية، وقيل: استعارة مكنية تهكمية للضد، وهو الماء، وإثبات الورد لها تخييل، ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا... ولكن لورّاد المنون تتابع
﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي: المورد الذي وردوه، فإن المورد يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنار بالضد، هذا؛ والمورد: المنهل من الماء، والمورود الماء الذي يورد والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول، والأول بمعنى المصدر، فاستعير للنار كما في الذي قبله، ومن يرد على الماء يقال له: وارد، وجمعه واردون ووراد، قال الشاعر: [البسيط]
ردوا فو الله لازدناكمو أبدا... ما دام في مائنا ورد لورّاد
﴿الْقِيامَةِ﴾: أصلها: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، سميت القيامة بذلك لقيام الناس في ذلك اليوم من قبورهم، وانظر شرح ﴿وَبِئْسَ﴾ في الآية رقم [٤١] من سورة (الأنفال)؛ فإنه جيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يَقْدُمُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى فرعون. ﴿قَوْمَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾:
مضاف إليه، وجملة: ﴿يَقْدُمُ..﴾. إلخ تعليل للنفي المذكور في الآية السابقة. (أوردهم): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى فرعون، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿النّارَ﴾: تنازعه كل من الفعلين السابقين، فأعمل الثاني على مذهب البصريين، ولو أعمل الأول على مذهب الكوفيين، لكان الكلام كما يلي: (يقدم قومه إلى النار... فأوردهم إياها) فأعمل الثاني، وحذف من الأول اكتفاء به، وصح عطف الجملة الثانية؛ لأنها بمعنى المستقبل كما رأيت.
(بئس): ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْوِرْدُ﴾: فاعل: (بئس). ﴿الْمَوْرُودُ﴾: صفته، وحذف المخصوص بالذم؛ إذ تقدير الكلام: بئس الورد المورود المذمومة النار.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾
الشرح: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ﴾ أي: الدنيا. ﴿لَعْنَةً﴾: بعدا وطردا من رحمة الله، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الأعراف). ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: ولعنة في يوم القيامة، فحذف لدلالة الأول عليه. ﴿الرِّفْدُ﴾: بكسر الراء العطاء والجود، وهو بفتح الراء: القدح الضخم الذي يقدم فيه الشراب، قال الأعشى: [الخفيف]
стр. 2612
ربّ رفد هرقته ذلك اليو... م وأسرى من معشر أقتال
والمراد ب ﴿الرِّفْدُ﴾ في الآية الكريمة العون و ﴿الْمَرْفُودُ﴾ المعان، والمراد بالأول: اللعنة الأولى، وبالثاني: اللعنة الثانية، وهذا استعارة كما في الآية السابقة، وهو تهكم به واستهزاء، وإلا فاللعنة إذلال لهم، وإنزال بهم إلى الحضيض الأسفل من النار، وأردفت الأولى بالثانية ليكونا هاديين لهم إلى طريق الجحيم، بل إلى سواء الجحيم.
الإعراب: ﴿وَأُتْبِعُوا﴾: الواو: حرف استئناف. (أتبعوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَعْنَةً﴾: مفعول به ثان. (يوم): ظرف زمان معطوف على محل: ﴿فِي هذِهِ﴾ فهو متعلق ضمنا بالفعل: (أتبعوا)، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾: مضاف إليه، وجملة:
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ومثلها جملة: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ وإعرابها مثل إعراب ما قبلها بلا فارق.
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ﴾: الإشارة إلى ما تقدم ذكره من أخبار الأمم المذكورة في هذه السورة.
﴿مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾: من أخبار القرى التي أهلكها الله تعالى، هذا؛ والقرى: جمع قرية، وهي في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، قال: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾:
نخبرك به؛ لتخبر قومك أخبار الأمم السابقة، لعلهم يعتبرون به، فيهتدون إلى الإيمان، هذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان، أي: تتبعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأن الذي يقص الحديث، يذكر تلك القصة شيئا فشيئا. ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾: قال قتادة: القائم ما كان خاويا على عروشه، والحصيد ما لا أثر له، وقال ابن عباس-﵄: القائم العامر، والحصيد الخراب، أي: محصود كالزرع، قال الشاعر في المعنى، والإعراب مثل الآية الكريمة: [الكامل]
والنّاس في قسم المنيّة بينهم... كالزّرع منه قائم وحصيد
وفي: ﴿قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ استعارة تبعية؛ لأن المستعار اسم مشتق، اسم فاعل واسم مفعول.
وجمع حصيد: حصدى، وحصاد، مثل مرضى، ومراض، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر ما ذكرته في الآية [٤٩].
стр. 2613
الإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ و ﴿أَنْباءِ﴾:
مضاف، و ﴿الْقُرى﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿نَقُصُّهُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من ﴿أَنْباءِ الْقُرى،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، وهناك أقوال أخر ذكرتها في الآية رقم [٤٩] والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْها﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿قائِمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (حصيد): معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد، أو هو مبتدأ خبره محذوف لدلالة ما قبله عليه، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها، ونائب فاعل (حصيد) مستتر فيه، هذا هو الإعراب الظاهر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [١٠٥] الآتية.
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أي: بالهلاك والتدمير، والضمير المنصوب يعود إلى أهل القرى.
﴿وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بأن عرضوها للهلاك بارتكاب ما يوجبه من الكفر، والمعاصي. ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾: فما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ..﴾. إلخ:
أي: أصنامهم التي كانوا يقدسونها، ويعظمونها من دون الله. ﴿لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: جاء أمره بإهلاكهم للملائكة الذين تولوا ذلك. ﴿وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي: ما زادتهم أصنامهم غير الهلاك، والخسار، فالتباب، والتتبيب: مصدران، والفعل: (تب)، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أي: خسرت يداه وهلكت، قال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الكامل]
فلقد بليت، وكلّ صاحب جدّة... لبلى يعود، وذاكم التّتبيب
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿ظَلَمْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل نصب حال من أهل القرى، والرابط:
الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿ظَلَمُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿فَما﴾: الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَغْنَتْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف
стр. 2614
المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿آلِهَتُهُمُ﴾: فاعل: ﴿أَغْنَتْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة:
﴿آلِهَتُهُمُ﴾. ﴿يَدْعُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿يَدْعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ل «كان» المحذوفة مع اسمها، و (كان) واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي كانوا يدعونها من دون الله. وتقدير (كان) يتطلبها المعنى، وإن كان حذفها يقع بعد (إن) و (لو) الشرطيتين غالبا، ﴿مِنْ﴾: حرف صلة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿أَغْنَتْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لَمّا﴾: ظرف زمان بمعنى (حين) مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل: ﴿أَغْنَتْ،﴾ وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿وَما﴾: الواو:
واو الحال. (ما): نافية. ﴿زادُوهُمْ﴾: ماض وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿غَيْرَ﴾: مفعول به ثان، و ﴿غَيْرَ﴾: مضاف، و ﴿تَتْبِيبٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:
﴿آلِهَتُهُمُ،﴾ أو من الضمير العائد على الكفار، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، هذا؛ والاستئناف ممكن.
﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ أي: ومثل الأخذ المذكور فيما تقدم إهلاك أهل القرى فيما يستقبل من الحياة، وهذا على قراءة ﴿إِذا﴾ التي هي للمستقبل، هذا؛ وقرئ: ﴿(أَخْذُ رَبِّكَ)﴾ بالفعل الماضي، و (إذ) التي للماضي أيضا، فيكون المعنى: وكذلك أخذ ربك من أخذهم من الأمم المهلكة وقت أخذهم. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: وأهل القرى ملتبسون بالكفر، والمعاصي، ومعاندة الواحد القهار. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ أي: إن انتقام الله من الظالمين مؤلم موجع غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والوعيد، والتحذير والنذير.
فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ الآية الكريمة.
قال الخازن: فالآية الكريمة والحديث الشريف دليل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة، ورد الحقوق إلى أهلها، إن كان الظلم للغير؛ لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، والعذاب الشديد، ولا يظن أن هذه الآية حكمها مختص بظالمي الأمم الماضية، بل هو عام في كل ظالم، ويعضده الحديث، والله أعلم. انتهى. وما أحراك أن تنظر
стр. 2615
ما ذكرته في الآية رقم [١٨٠] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [٢٣] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَخْذُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، وهذا على اعتبار: ﴿أَخْذُ﴾ مصدرا، وأما على اعتباره فعلا، فالجار والمجرور (كذلك) متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أخذ ربّك القرى أخذا كائنا مثل الأخذ المذكور، ويكون ﴿رَبِّكَ﴾ مرفوعا على أنه فاعله، والجملة الاسمية أو الفعلية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل، أو لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر، أو بالفعل على القراءتين، ﴿أَخْذُ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿الْقُرى﴾: تنازعه كلّ من (أخذ) و (أخذ)، فأعمل الثاني على مذهب البصريين، وحذف الضمير من الأول؛ لأنه فضلة على حد قول ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز]
ولا تجئ مع أوّل قد أهملا... بمضمر لغير رفع أوهلا
ولا تنس: أن ﴿الْقُرى﴾ في الأصل مضاف إليه، فلما حذف المضاف حل محله، وجملة:
﴿أَخَذَ الْقُرى﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا،﴾ أو إذ إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في محل نصب حال من: ﴿الْقُرى،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿أَخْذَهُ﴾: اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: أخذه الظالمين. ﴿أَلِيمٌ﴾: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿شَدِيدٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الوجهين.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما نزل بالأمم الهالكة، أو فيما قصة الله علينا من قصصهم.
﴿لَآيَةً﴾: لعبرة وعظة. ﴿لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: يتعظ بالآية من كان يخشى الله، ويخاف عذابه في الآخرة؛ لأن ما نزل بالكافرين الأولين من أنواع العذاب إنما هو كالأنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فيعتبر به العاقل، فيكون سببا في زيادة خوفه، وخشيته من الله، ولا يلتفت لمن أنكر الآخرة، وأحال فناء الأمم السابقة لأسباب فلكية، اتفقت في تلك الأيام، لا لذنوب المهلكين بها. ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة. ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أي: إن يوم القيامة تجمع فيه الخلائق من الأولين والآخرين للحساب، والوقوف بين يدي رب العالمين. ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ﴾
стр. 2616
مَشْهُودٌ أي: يشهده أهل السموات والأرض، والأصل: مشهود فيه أهل السموات والأرض، فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به، قال في الحماسة: [البسيط]
ومشهد قد كفيت الغائبين به... في محفل من نواصي النّاس مشهود
إذ المراد: مشهود فيه، لا مشهود في نفسه؛ لأن سائر الأيام مشهودة كلها لجميع الناس، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لَآيَةً﴾: اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿يَوْمٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مَجْمُوعٌ﴾: صفة: ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلقان ب ﴿مَجْمُوعٌ﴾. ﴿النّاسُ﴾:
نائب فاعله، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها، ونائب الفاعل محذوف، أي: فيه؛ إذ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف بنائب فاعل.
﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: ما نؤخر ذلك اليوم، وهو اليوم المشهود إلا إلى وقت معلوم محدود، لا يعلمه إلا الله تعالى. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي: ذلك اليوم، أو الله، بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ..﴾. إلخ. ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أي:
لا تتكلم بما ينفع من جواب أو شفاعة. ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلا بإذن الله، وهو كقوله تعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً،﴾ هذا؛ وقد حذفت إحدى التاءين من الفعل:
﴿تَكَلَّمُ﴾ وهذا الحذف كثير في القرآن، والكلام العربي. ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾: وجبت له النار بمقتضى الوعيد المترتب على الكفر والمعاصي. ﴿وَسَعِيدٌ﴾: وجبت له الجنة بمقتضى الوعد المترتب على الإيمان، والعمل الصالح.
بعد هذا فقد قرأ أبو عمرو والكسائي ونافع الفعل ﴿يَأْتِ﴾ بإثبات الياء وصلا، وحذفها وقفا، وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا، وباقي السبعة قرءوا بحذفها وصلا ووقفا، وقد وردت المصاحف بإثباتها، وحذفها، ففي مصحف أبي إثباتها، وفي مصحف عثمان حذفها، وإثباتها هو
стр. 2617
الوجه؛ لأنها لام الكلمة، وإنما حذفوها في القوافي والفواصل؛ لأنها محل الوقوف. انتهى.
جمل. هذا؛ ومثلها: (نبغ) في الآية [٦٤] من سورة (الكهف).
تنبيه: فإن قيل: كيف يمنع التكلم في ذلك اليوم العظيم الهول مع قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ وقوله إخبارا عن حجاج الكفار: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فالجواب أن يوم القيامة طويل وفيه أحوال مختلفة، ففي بعض الأحوال لا يقدرون على الكلام، لشدة الأهوال، وفي بعض يؤذن لهم في الكلام، فيتكلمون، وفي بعضها تخف عنهم تلك الأهوال، فيحاجون ويجادلون وينكرون.
-عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكّس رأسه، وجعل ينكت بمخصرته، ثمّ قال: «ما منكم من أحد إلاّ وقد كتب مقعده من الجنّة، ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتّكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة؛ فسيصير لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشّقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة». ثمّ قرأ: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال، أو هي حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُؤَخِّرُهُ﴾:
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿لِأَجَلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَعْدُودٍ﴾: صفة: (أجل): متعلقان بالفعل قبلهما، ونائب فاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، وذلك بالإعراض عما قبلها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان وفي ناصبه أوجه: أحدها: أنه الفعل بعده، والتقدير: لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم. الثاني: أنه منصوب ب «اذكر» مقدرا، والثالث: أن ينتصب بالانتهاء المحذوف في قوله ﴿إِلاّ لِأَجَلٍ،﴾ أي: ينتهي الأجل يوم يأتي. والرابع: أنه منصوب ب «لا تكلم» مقدرا، ولا حاجة إليه... انتهى. جمل نقلا عن السمين، وأقواها أولها، وأضعفها آخرها. ﴿يَأْتِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿يَوْمَ،﴾ أو إلى الله، أو إلى الجزاء.
والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَكَلَّمُ﴾: مضارع.
﴿نَفْسٌ﴾: فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، وإن اعتبرتهما متعلقين بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ فلست مفندا، والتقدير: لا تتكلم نفس تكليما كائنا إلا بإذنه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا تَكَلَّمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط محذوف؛ إذ التقدير:
стр. 2618
لا تكلم فيه... إلخ، أو هي في محل نصب صفة: ﴿يَوْمَ،﴾ والرابط محذوف؛ أيضا أو هي مفسرة لا محل لها، وذلك بحسب اختلاف الناصب ل ﴿يَوْمَ،﴾ ﴿فَمِنْهُمْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَقِيٌّ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (سعيد): مبتدأ، حذف خبره لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون (منهم) مبتدأ، و ﴿شَقِيٌّ﴾ هو الخبر؛ لأن من الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس شقي، وبعضهم سعيد، ولا استبعاد في وقوع الجار والمجرور مبتدأ بتأويل معناه، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمُ﴾ يؤيد أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ: (منهم) بما هو مبتدأ، أعني لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون (منهم) مبتدأ، هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد بشر. قمشت:
جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقماش الرديء من كل شيء، ومثل الآية الكريمة معنى وإعرابا قول لبيد ﵁: [الطويل]
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه... ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿شَقُوا﴾ أي: وجبت لهم النار بمقتضى الوعيد المترتب على الكفر، والمعاصي، هذا؛ وأصل: ﴿شَقُوا﴾: (شَقِيُوا) فقل في إعلاله: استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، فصار: (شقوا) ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو، وقل مثله في إعلال: (نسوا، رضوا...) إلخ، هذا؛ وقد قرئ:
«(شُقُوا)». ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: الزفير: إخراج النفس، والشهيق رده، واستعمالهما في أول النهيق وآخره، فالمراد بهما الدلالة على شدة كربهم، وغمهم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن: أصل الزفير: ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع، والشهيق رد النفس إلى الصدر، أو الزفير: مده، وإخراجه من الصدر، وفي كتب اللغة: الزفير إدخال النفس، والشهيق إخراجه، قال الشماخ: [الطويل]
بعيد مدى التّطريب أوّل صوته... زفير، ويتلوه شهيق محشرج
стр. 2619
تنبيه: في الآيات الثلاث ثلاثة أنواع من البديع: الجمع في قوله: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ والتفريق في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ،﴾ والتقسيم في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا عن شيخه.
الإعراب: ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. (أما): أداة شرط وتوكيد وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يكن من شيء؛ فالذين شقوا ففي النار، فأنيبت (أما) مناب (مهما) و «يكن من شيء»، فصار ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا،﴾ وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب وتفيد أنه واقع لا محالة، لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿شَقُوا﴾: ماض وفاعله، أو ونائب فاعله على حسب القراءتين، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَفِي﴾: الفاء: واقعة في جواب أما. (في النار): متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف.
﴿زَفِيرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وفي السمين: في هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أنها مستأنفة، كأنّ سائلا سأل حين أخبر أنهم في النار: ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا، والثاني: أنها منصوبة على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنه الضمير في الجار والمجرور، وهو قوله ﴿فَفِي النّارِ،﴾ والثاني أنها حال من: ﴿النّارِ﴾. (شهيق):
معطوف على ﴿زَفِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ شَقُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾: لابثين مقيمين في النار أبدا. ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾: قال الضحاك: يعني ما دامت سماوات الجنة والنار، وأرضهما، ولا بد لأهل الجنة، وأهل النار من سماء تظلهم، وأرض تقلهم، فكل ما علاك، فأظلك فهو سماء، وكل ما استقر عليه قدمك فهو أرض، وقال أهل المعاني: هذه عبارة عن التأبيد، وذلك على عادة العرب، فإنهم يقولون:
ألا آتيك ما دامت السموات والأرض، وما اختلف الليل والنهار، أو ما جن ليل، أو سال سيل، أو ما ناح حمام، يريدون بذلك التأبيد.
﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾: اختلف العلماء في معنى هذين الاستثناءين، فقال ابن عباس، والضحاك-﵄: الاستثناء الأول المذكور في أهل الشقاء، يرجع إلى قوم من
стр. 2620
المؤمنين، يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها، فيكون استثناء من غير الجنس؛ لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله من الأشقياء، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن جابر بن عبد الله-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يخرج قوما من النّار بالشّفاعة فيدخلهم الجنّة». أخرجه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليصيبنّ أقواما سفع من النّار بذنوب أصابوها عقوبة لهم، ثمّ يدخلهم الله الجنّة بفضله ورحمته، فيقال لهم: الجهنّميّون».
وأما الاستثناء الثاني المذكور في أهل السعادة، فيرجع إلى مدة لبث هؤلاء في النار قبل دخولهم الجنة، فعلى هذا القول يكون معنى الآية: فأما الذين شقوا ففي النار لهم زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها، فيدخلهم الجنة.
فحاصل هذا القول: أن الاستثناءين يرجع كل منهما إلى قوم مخصوصين، هم في الحقيقة سعداء أصابوا ذنوبا استوجبوا عقوبة يسيرة في النار، ثم يخرجون منها، فيدخلون الجنة؛ لأن إجماع الأمة على أن من يدخل الجنة لا يخرج منها أبدا.
وقيل: إن الاستثناءين يرجعان إلى الفريقين: السعداء والأشقياء، وهو مدة تعميرهم في الدنيا، واحتباسهم في البرزخ، وهو ما بين الموت والبعث، ومدة وقوفهم للحساب، ثم يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار، وقيل غير ذلك، والصحيح الأول. انتهى. خازن.
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي: من إخراج من أراد من النار، وإدخالهم الجنة، فهذا على الإجمال في حال الفريقين، فأما على التفصيل، فقوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ في جانب الأشقياء يرجع إلى الزفير والشهيق، وتقريره أنه يفيد حصول الزفير والشهيق مع خلود؛ لأنه إذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل فيه هذا المجموع، والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة، يعني: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ من الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود، وقيل غير ذلك، ويدل على خلود أهل الجنة في الجنة: أن الأمة مجتمعة على أن من دخل الجنة لا يخرج منها، بل هو خالد فيها. انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿خالِدِينَ﴾: حال من الضمير في: ﴿لَهُمْ﴾ أو في: ﴿فِيها﴾ والعامل في الحال متعلق: ﴿لَهُمْ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿ما﴾: ظرفية مصدرية.
﴿دامَتِ﴾: ماض تام، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿السَّماواتُ﴾: فاعل (دام). (الأرض):
معطوف على ما قبله، و ﴿ما﴾ والفعل (دام) في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق ب ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا، التقدير: مدة دوام السموات والأرض. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء.
стр. 2621
﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهل هو متصل، أو منقطع خلاف، انظر الشرح، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:
إلا الذي شاءه ربك، هذا؛ وقيل: إن ﴿إِلاّ﴾ حرف عطف بمعنى الواو، وهو غريب، كما قيل:
إنها بمعنى (غير) على حد قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر]
وكلّ أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾ واسمها وخبرها. ﴿لِما﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَعّالٌ،﴾ ف (ما):
اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مغنيه زائدة، وسماها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا منصوبة محلاّ مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري، ﵁: [الطويل]
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
والجملة الفعلية بعد (ما) صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: فعال للذي يريده، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أي: وجبت لهم الجنة بمقتضى الوعد المترتب على الإيمان والطاعة، وانظر شرح باقي الكلام في الآية السابقة، هذا؛ وقد قرئ ﴿سُعِدُوا﴾ بالمعلوم والمجهول. ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع، من جذه، يجذه؛ أي: قطعه، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب في التأبيد.
تنبيه: قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلوا بآية: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، والجواب أن قوله: ﴿أَحْقاباً﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم، إلا على دائم، فلم يكن عذابه، إلا جزاء وفاقا. انتهى. جمل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 2622
الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآيتين السابقتين.
﴿عَطاءً﴾: اسم مصدر، فهو مفعول مطلق مؤكد لمعنى الجملة قبله؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ يقتضي إعطاء وإنعاما، فكأنه قيل: يعطيهم عطاء. ﴿غَيْرَ﴾: صفة: ﴿عَطاءً،﴾ و ﴿غَيْرَ﴾: مضاف، و ﴿مَجْذُوذٍ﴾: مضاف إليه، ونائب فاعله مستتر فيه.
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: في شك بعد ما أنزل عليك من ربك الحق، والخطاب للرسول ﷺ ، وقال القرطبي: وأحسن من هذا، أي: قل يا محمد لكل من شك. ﴿مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ أي: من عبادة هؤلاء المشركين الأصنام، فإنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبتهم، أو: فلا تكن في شك من حال الأصنام، فإنها لا تضر ولا تنفع. ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إنه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام مستند؛ إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها، فعبدوها مثلهم. ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ..﴾. إلخ في هذا النصيب ثلاثة أقوال: أحدها: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد-الثالث ما وعدوا به من خير أو شر، قاله ابن عباس-﵄.
بعد هذا فأصل: ﴿تَكُ﴾ تكون، فلما دخل الجازم عليه، صار لا تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار (لا تكن) ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من كان، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير متحرك، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل]
فإن لم تك المرأة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وقول الآخر: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
هذا؛ وقد قرئ شاذا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
فإلاّ يكنها أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
стр. 2623
الإعراب: ﴿فَلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تَكُ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، والجزم ظاهر على النون المحذوفة كما رأيت، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (تكن)، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وعلى تقدير القرطبي، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِمّا﴾: متعلقان بمحذوف صفة:
﴿مِرْيَةٍ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿يَعْبُدُ﴾: مضارع. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:
في مرية كائنة من الذي يعبده هؤلاء، وعلى اعتبار: (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بمن، التقدير: ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ كائنة من عبادة هؤلاء الأصنام. ﴿مِمّا﴾: نافية.
﴿يَعْبُدُونَ﴾: مضارع وفاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كَما﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، و ﴿مِمّا﴾: تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول الجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: إلا عبادة كائنة مثل الذي يعبده آباؤهم، وعلى الثاني تؤول ﴿مِمّا﴾ مع الفعل بمصدر في محل جر بالكاف، التقدير: إلا عبادة كائنة مثل عبادة آبائهم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿آباؤُهُمْ﴾. التقدير: كائنين من قبل، و ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿ما يَعْبُدُونَ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل له. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: حرف استئناف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾: اللام: هي المزحلقة. (موفوهم): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر. ﴿نَصِيبَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَيْرَ﴾: حال من: ﴿نَصِيبَهُمْ،﴾ والعامل اسم الفاعل، و ﴿غَيْرَ﴾: مضاف، و ﴿مَنْقُوصٍ﴾: مضاف إليه، وهو اسم مفعول، فنائب فاعله مستتر يعود إلى: ﴿نَصِيبَهُمْ،﴾ والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ مستأنفة لا محل لها، والحالية ضعيفة فيها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: فآمن به قوم، وعملوا بتعاليمه، وكفر به قوم، حيث حرفوا فيه وبدلوا وغيروا، ولم يعملوا بتعاليمه، كما اختلف قومك يا محمد في هذا القرآن بين مصدق ومكذب. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: وهي كلمة الإنظار
стр. 2624
والإمهال بتأخير تعذيب المجرمين إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل والجزاء. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي:
بإنزال ما يستحقه المجرم والمكذب من العذاب؛ ليتميز به عن المحق، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وإن قومك لفي شك من القرآن موقع في الريبة.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٩٧].
(اختلف): ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بنائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود.
﴿كَلِمَةٌ﴾: مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَبَقَتْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة. ﴿لَقُضِيَ﴾: اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جواب (لولا)، لا محل لها، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، واللام هي المزحلقة.
﴿مِنْهُ﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفته. ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة شك، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. تأمل.
﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾
الشرح والإعراب: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-وفي السمين ما نصه: هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا، وعسرت على أكثرهم قراءة وتخريجا، وقد سهل الله ذلك، فذكرت أقاويلهم، وما هو الراجح منها، فأقول: قرأ بعضهم «(إن)» و «(لما)» مخففتين، وبعضهم خفف «(إن)» وثقل ﴿لَمّا﴾ وبعضهم شددهما، وبعضهم شدد (إنّ) وخفف (لما) فهذه أربع قراءات في هذين الحرفين، وكلها متواترة.
فأما القراءة الأولى، ففيها إعمال (إن) المخففة، وهي لغة ثابتة عن العرب، وأما (لما) في هذه القراءة، فاللام فيها لام الابتداء الداخلة على خبر (إن)، و (ما) يجوز أن تكون موصولة بمعنى (الذين) واقعة على من يعقل كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ واللام في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جواب قسم مضمر، والجملة من القسم وجوابه صلة الموصول، والتقدير: وإن كلاّ للذين والله ليوفينهم، ويجوز أن تكون (ما) نكرة موصوفة، والجملة القسمية وجوابها صفة: (ما) والتقدير:
وإن كلاّ لخلق، أو لفريق والله ليوفينهم، والموصول وصلته، أو الموصوفة وصفتها خبر ل (إن).
стр. 2625
وقال بعضهم: اللام الأولى هي الموطئة للقسم، ولما اجتمع اللامان، واتفقا في اللفظ، فصل بينهما ب (ما)، وظاهر هذه العبارة أن (ما) زائدة جيء بها للفصل إصلاحا للفظ، وقال أبو شامة: واللام في (لما) هي الفارقة بين المخففة والنافية، وفيه نظر؛ لأن الفارقة إنما يؤتي بها عند التباسها بالنافية، والالتباس إنما يكون عند إهمالها، نحو (إن زيد لقائم). وهي في الآية الكريمة عاملة، فلا تلتبس بالنافية، فلا يقال: إنها فارقة، فتلخص أن في اللام أربعة أوجه:
أحدها: أنها لام الابتداء الداخلة على خبر إن. الثاني: أنها موطئة للقسم. الثالث: أنها جواب القسم كررت تأكيدا، الرابع: أنها الفارقة بين المخففة والنافية، وأن في (ما) ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها موصولة، والثاني: أنها نكرة موصوفة، والثالث: أنها مزيدة للفصل بين اللامين.
وأما القراءة الثانية، وهي تخفيف (إن) وتشديد ﴿لَمّا﴾ فالكلام في (إن) كما تقدم، وأما ﴿لَمّا﴾ ففيها أوجه:
أحدها: أن الأصل (لمن ما) بكسر الميم على أنها (من) الجارة، دخلت على (ما) الموصولة، أو الموصوفة، أي: لمن الذين والله ليوفينهم، أو لمن خلق والله ليوفينهم، فلما اجتمعت النون ساكنة قبل ميم (ما) وجب إدغامها فيها، فقلبت ميما، وأدغمت، فصار في اللفظ ثلاثة أمثال، فخففت الكلمة بحذف إحداهما، فصار اللفظ كما ترى ﴿لَمّا﴾.
الثاني: ما ذهب إليه المهدوي ومكي، وهو أن يكون الأصل (لمن ما) بفتح ميم (من) على أنها موصولة، أو موصوفة و (ما) بعدها مزيدة، قال: فقلبت النون ميما، وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهن، وهي المبدلة من النون، فقيل: ﴿لَمّا﴾.
الثالث: أن (إن) نافية بمنزلة (ما)، و (لمّا) بمعنى (إلا) فهي كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ،﴾ و ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ أي: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، واعترض على هذا الوجه بأن (إن) النافية لا ينصب الاسم بعدها، وهذا الاسم منصوب بعدها، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن ﴿كُلاًّ﴾ منصوب بإضمار فعل، فقدره بعضهم: (وإن أرى كلا لما) أي: وما أرى كلاّ إلا، وبعضهم: (وإن أعلم كلاّ لمّا) ونحوه.
وأما القراءة الثالثة: وهي تشديدهما، ف (إنّ) على حالها، فلذلك نصب ما بعدها على أنه اسمها، وأما ﴿لَمّا﴾ في التشديد ففيها الأوجه الثلاثة المتقدمة، وهذا؛ وقد قال ابن هشام في المغني: ﴿لَمّا﴾ جازمة، ومجزومها محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير: لمّا يوفّوا، وهو قول المرادي في الجنى الداني، وقول ابن الحاجب، لكنه قدر: (لمّا يهملوا)، (أو لمّا يتركوا).
وأما القراءة الرابعة، وهي تشديد (إنّ) وتخفيف (لما) فواضحة جدا ف (إنّ) هي المشددة عملت عملها، والكلام في اللام و (ما) مثل ما تقدم من الوجوه الأربعة في اللام، والثالثة في
стр. 2626
(ما). وقد عرفت أن القراءات الأربع سبعية، وقرئ شاذّا «(وإن كل)» بتخفيف (إن) ورفع (كلّ) ولمّا بالتشديد، وهي قراءة الحسن البصري، وعليها ف ﴿لَمّا﴾ بمعنى «إلا»، وقرئ أيضا شاذا قراءات أخر فلتراجع في السمين وغيره. انتهى. ملخصا منه، أقول: وقرئ ﴿(وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا)﴾ أي:
جميعا، كقوله تعالى: ﴿أَكْلاً لَمًّا﴾.
(يوفينهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّكَ﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَعْمالَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والجملة القسمية لقد رأيت الأقوال المختلفة في محلها، وانظر باقي الإعراب في الآية التالية.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾: لما بين الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد، والوعيد، أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثل ما أمر بها، بلا إفراط ولا تفريط، وهي تشمل العقائد والأعمال والأخلاق، فإنها في العقائد اجتناب التشبيه والتعطيل، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل، وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط، وهذا في غاية العسر، ولذلك قال ﷺ : «شيّبتني سورة هود». انتهى. بيضاوي وجمل بتصرف.
﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ أي: ومن تاب من الشرك والكفر، واتبع طريقتك السوية ونهجك المستقيم. ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾: ولا تخرجوا عما حد لكم، فتجاوزوا بل وتعتدوا على حقوق الله وحقوق العباد، ومنه قوله: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيه تهديد، ووعيد للذين يتكبرون في الأرض، ويطغون على الناس.
عن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثمّ استقم». رواه مسلم، وقال عمر بن الخطاب-﵁-الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ منه روغان الثعلب. وعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: دخلت على ابن عباس-﵄، فقلت: أوصني، فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع، ولا تبتدع. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان جزاء كل من الفريقين المؤمن، والصالح واقعا لا محالة؛ فأعرض عنهم، واستقم... إلخ. (استقم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه
стр. 2627
وجر. (ما): مصدرية. ﴿أُمِرْتَ﴾: ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: استقم استقامة كائنة مثل أمر الله لك بها، أو التقدير: مثل التي أمرت بها، فتكون (ما) موصولة اسمية، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب، أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. (من): فيها أوجه: أحدها: عطفه على الضمير المستتر في الفعل، وجاز ذلك للفصل بما قبله، الثاني اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير:
وليستقم من تاب... إلخ، فيكون العطف من عطف جملة فعلية على جملة فعلية، الثالث:
اعتباره مفعولا معه، فتكون الواو للمعية. ﴿تابَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى (من)، وهو العائد.
﴿مَعَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تابَ مَعَكَ﴾ صلة (من) لا محل لها، وجملة: (استقم...) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَطْغَوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إنه بصير بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، وتقدير الكلام: إنه بصير بعملكم. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾: الركون: الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به، قال قتادة: لا تودوهم، ولا تطيعوهم. ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر، والشرك، ويشمل العصاة، والفاسقين من الذين يدّعون الإسلام. وهذا هو الصحيح في معنى الآية الكريمة، فإنها تدل على وجوب هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ لأن الصحبة لا تكون إلا عن مودة ومحبة، قال طرفة بن العبد: [الطويل]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
стр. 2628
فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران)، وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (المائدة). ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أي: تحرقكم بسبب مخالطتهم ومصاحبتهم، وممالأتهم على إعراضهم، وموافقتهم في أمورهم. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أي: من أنصار يمنعون العذاب عنكم. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصركم الله؛ إذ سبق في حكمه أن يعذبكم، ولا يبقي عليكم، ففيه وعيد شديد لمن ركن إلى الظلمة، أو أحبهم، أو رضي بأعمالهم، فكيف حال الظلمة في أنفسهم؟! نعوذ بالله من الظلم!.
هذا؛ وقد قرئ «(تركنوا)» بكسر التاء على لغة تميم، كما قرئ بضمها للبناء للمفعول، وبفتحها للبناء للفاعل، وفيه لغات: إحداها من باب: (تعب)، وثانيها: من باب (قعد)، قال الأزهري: وليست بالفصيحة، وثالثها: من باب: فتح، وليست بالأصل، بل من باب تداخل اللغتين؛ لأن باب (فتح يفتح) شرطه أن يكون حلقي العين أو اللام. انتهى. جمل.
وفي السمين وقال الراغب: والصحيح أنه يقال: ركن يركن بالفتح فيهما، وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع. انتهى. جمل.
﴿أَوْلِياءَ﴾: جمع ولي، وهو الذي يتولى شئون غيره، والنصير المعين والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه.
الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَرْكَنُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، أو هو مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾. مع المفعول والمتعلق المحذوفين صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والكاف مفعول به. ﴿النّارُ﴾: فاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ركون إلى الظالمين فمس من النار. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر بالخبر المحذوف، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿أَوْلِياءَ﴾: مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا مرفوع محلاّ، والجر اللفظي لم يظهر على آخره؛ لأنه ممنوع من الصرف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تُنْصَرُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
стр. 2629
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤)﴾
الشرح: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾: هذا أمر للنبي ﷺ ، ولكل مؤمن إلى قيام الساعة، والمعنى: أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها، وحافظ على طهارتها وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة، هذا؛ والصلاة في اللغة:
الدعاء، والتضرع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط وأركان، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها التضرع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، ومن الله على عباده:
الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أي: أول النهار وآخره، وقد اتفق على أن المراد بالطرف الأول صلاة الفجر، وقد اختلف في آخره، فقيل: صلاة المغرب، وقيل: صلاة الظهر، والعصر، وقيل:
صلاة العصر، وهذا الذي أعتمده، وتؤيده أحاديث شريفة كثيرة. ﴿طَرَفَيِ﴾: تثنية (طرف) بفتح الطاء والراء، وهو في الأصل: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه أطراف، وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: أقم الصلاة في زلف من الليل، وهي ساعاته، والمراد بها:
صلاة المغرب، والعشاء، وعليه أكثر المفسرين، هذا؛ ويقرأ (زلفا) بضم الزاي وتثليث اللام، وقرئ: «(زلفى)» مثل قربى، والأول جمع (زلفة) مثل قربة، واقرأ الآية رقم [١٣٠] من سورة (طه) والآية رقم [١٧] و [١٨] من سورة (الروم)، إن كنت من أهل القرآن، وانظر شرح النهار والليل في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿إِنَّ الْحَسَناتِ﴾: جمع حسنة: وهي فعل كل طاعة وخير، والمراد بها: الصلاة خاصة.
﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾: تمحوهن، جمع سيئة، وهي فعل الشر مطلقا، والمراد بها صغائر الذنوب.
﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ إلى هنا. ﴿ذِكْرى﴾: عظة. ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾: الله خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالموعظة، والعاملون بها.
تنبيه: عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النّبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. إلخ فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذه الآية؟ قال:
«لمن عمل بها من أمّتي». وفي رواية، فقال رجل من القوم يا نبيّ الله! هذه له خاصة، قال: «بل للناس كافة». متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصّلوات
стр. 2630
الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر».
رواه مسلم، وقال ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁، حين بعثه إلى اليمن: «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». وقال ﷺ في حديث آخر:
«وإذا عملت سيّئة؛ فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية».
هذا؛ وقد قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحات، مثل الصلاة والصدقة والصوم، والذكر والاستغفار، ونحو ذلك من أعمال البر، وأما الكبائر من الذنوب، فلا يكفرها إلا التوبة النصوح، ولها ثلاثة شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب بالكلية، والثاني: الندم على فعله. الثالث: العزم التام أن لا يعود إليه في المستقبل، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة، وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى. انتهى. خازن بتصرف مني.
الإعراب: ﴿وَأَقِمِ﴾: (أقم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّلاةَ﴾: مفعول به.
﴿طَرَفَيِ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿طَرَفَيِ﴾: مضاف، و ﴿النَّهارِ﴾: مضاف إليه. (زلفا): معطوف على ما قبله، فهو ظرف زمان مثله. ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان ب (زلفا)، أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (استقم...) إلخ. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْحَسَناتِ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يُذْهِبْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّيِّئاتِ..﴾.: مفعول به منصوب.. إلخ، وجملة:
﴿يُذْهِبْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ذِكْرى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾: متعلقان ب ﴿ذِكْرى﴾ لأنه مصدر، أو متعلقان بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿وَاصْبِرْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: واصبر يا محمد! على أذى قومك، وما تلقاه منهم، وقيل: معناه: واصبر على الصلاة، والطاعات، وعن المعاصي، وهو كقوله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها،﴾ ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل من صلاة وغيرها، وكذلك أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتجاوز عن سيئاتهم.
следующие страницы →