← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

(ما). وقد عرفت أن القراءات الأربع سبعية، وقرئ شاذّا «(وإن كل)» بتخفيف (إن) ورفع (كلّ) ولمّا بالتشديد، وهي قراءة الحسن البصري، وعليها ف ﴿لَمّا﴾ بمعنى «إلا»، وقرئ أيضا شاذا قراءات أخر فلتراجع في السمين وغيره. انتهى. ملخصا منه، أقول: وقرئ ﴿(وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا)﴾ أي: جميعا، كقوله تعالى: ﴿أَكْلاً لَمًّا﴾. (يوفينهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّكَ﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَعْمالَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والجملة القسمية لقد رأيت الأقوال المختلفة في محلها، وانظر باقي الإعراب في الآية التالية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ الشرح: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾: لما بين الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد، والوعيد، أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثل ما أمر بها، بلا إفراط ولا تفريط، وهي تشمل العقائد والأعمال والأخلاق، فإنها في العقائد اجتناب التشبيه والتعطيل، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل، وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط، وهذا في غاية العسر، ولذلك قال ﷺ : «شيّبتني سورة هود». انتهى. بيضاوي وجمل بتصرف. ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ أي: ومن تاب من الشرك والكفر، واتبع طريقتك السوية ونهجك المستقيم. ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾: ولا تخرجوا عما حد لكم، فتجاوزوا بل وتعتدوا على حقوق الله وحقوق العباد، ومنه قوله: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيه تهديد، ووعيد للذين يتكبرون في الأرض، ويطغون على الناس. عن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثمّ استقم». رواه مسلم، وقال عمر بن الخطاب-﵁-الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ منه روغان الثعلب. وعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: دخلت على ابن عباس-﵄، فقلت: أوصني، فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع، ولا تبتدع. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان جزاء كل من الفريقين المؤمن، والصالح واقعا لا محالة؛ فأعرض عنهم، واستقم... إلخ. (استقم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه

стр. 2627

وجر. (ما): مصدرية. ﴿أُمِرْتَ﴾: ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: استقم استقامة كائنة مثل أمر الله لك بها، أو التقدير: مثل التي أمرت بها، فتكون (ما) موصولة اسمية، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب، أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. (من): فيها أوجه: أحدها: عطفه على الضمير المستتر في الفعل، وجاز ذلك للفصل بما قبله، الثاني اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير: وليستقم من تاب... إلخ، فيكون العطف من عطف جملة فعلية على جملة فعلية، الثالث: اعتباره مفعولا معه، فتكون الواو للمعية. ﴿تابَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى (من)، وهو العائد. ﴿مَعَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تابَ مَعَكَ﴾ صلة (من) لا محل لها، وجملة: (استقم...) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَطْغَوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إنه بصير بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، وتقدير الكلام: إنه بصير بعملكم. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾: الركون: الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به، قال قتادة: لا تودوهم، ولا تطيعوهم. ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر، والشرك، ويشمل العصاة، والفاسقين من الذين يدّعون الإسلام. وهذا هو الصحيح في معنى الآية الكريمة، فإنها تدل على وجوب هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ لأن الصحبة لا تكون إلا عن مودة ومحبة، قال طرفة بن العبد: [الطويل] عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي

стр. 2628

فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران)، وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (المائدة). ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أي: تحرقكم بسبب مخالطتهم ومصاحبتهم، وممالأتهم على إعراضهم، وموافقتهم في أمورهم. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أي: من أنصار يمنعون العذاب عنكم. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصركم الله؛ إذ سبق في حكمه أن يعذبكم، ولا يبقي عليكم، ففيه وعيد شديد لمن ركن إلى الظلمة، أو أحبهم، أو رضي بأعمالهم، فكيف حال الظلمة في أنفسهم؟! نعوذ بالله من الظلم!. هذا؛ وقد قرئ «(تركنوا)» بكسر التاء على لغة تميم، كما قرئ بضمها للبناء للمفعول، وبفتحها للبناء للفاعل، وفيه لغات: إحداها من باب: (تعب)، وثانيها: من باب (قعد)، قال الأزهري: وليست بالفصيحة، وثالثها: من باب: فتح، وليست بالأصل، بل من باب تداخل اللغتين؛ لأن باب (فتح يفتح) شرطه أن يكون حلقي العين أو اللام. انتهى. جمل. وفي السمين وقال الراغب: والصحيح أنه يقال: ركن يركن بالفتح فيهما، وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع. انتهى. جمل. ﴿أَوْلِياءَ﴾: جمع ولي، وهو الذي يتولى شئون غيره، والنصير المعين والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه. الإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَرْكَنُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، أو هو مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾. مع المفعول والمتعلق المحذوفين صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والكاف مفعول به. ﴿النّارُ﴾: فاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ركون إلى الظالمين فمس من النار. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر بالخبر المحذوف، و ﴿دُونِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿أَوْلِياءَ﴾: مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا مرفوع محلاّ، والجر اللفظي لم يظهر على آخره؛ لأنه ممنوع من الصرف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تُنْصَرُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.

стр. 2629

﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤)﴾ الشرح: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾: هذا أمر للنبي ﷺ ، ولكل مؤمن إلى قيام الساعة، والمعنى: أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها، وحافظ على طهارتها وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة، هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء، والتضرع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط وأركان، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها التضرع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، ومن الله على عباده: الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أي: أول النهار وآخره، وقد اتفق على أن المراد بالطرف الأول صلاة الفجر، وقد اختلف في آخره، فقيل: صلاة المغرب، وقيل: صلاة الظهر، والعصر، وقيل: صلاة العصر، وهذا الذي أعتمده، وتؤيده أحاديث شريفة كثيرة. ﴿طَرَفَيِ﴾: تثنية (طرف) بفتح الطاء والراء، وهو في الأصل: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه أطراف، وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: أقم الصلاة في زلف من الليل، وهي ساعاته، والمراد بها: صلاة المغرب، والعشاء، وعليه أكثر المفسرين، هذا؛ ويقرأ (زلفا) بضم الزاي وتثليث اللام، وقرئ: «(زلفى)» مثل قربى، والأول جمع (زلفة) مثل قربة، واقرأ الآية رقم [١٣٠] من سورة (طه) والآية رقم [١٧] و [١٨] من سورة (الروم)، إن كنت من أهل القرآن، وانظر شرح النهار والليل في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ﴾: جمع حسنة: وهي فعل كل طاعة وخير، والمراد بها: الصلاة خاصة. ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾: تمحوهن، جمع سيئة، وهي فعل الشر مطلقا، والمراد بها صغائر الذنوب. ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ إلى هنا. ﴿ذِكْرى﴾: عظة. ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾: الله خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالموعظة، والعاملون بها. تنبيه: عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النّبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. إلخ فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذه الآية؟ قال: «لمن عمل بها من أمّتي». وفي رواية، فقال رجل من القوم يا نبيّ الله! هذه له خاصة، قال: «بل للناس كافة». متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصّلوات

стр. 2630

الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر». رواه مسلم، وقال ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁، حين بعثه إلى اليمن: «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». وقال ﷺ في حديث آخر: «وإذا عملت سيّئة؛ فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية». هذا؛ وقد قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحات، مثل الصلاة والصدقة والصوم، والذكر والاستغفار، ونحو ذلك من أعمال البر، وأما الكبائر من الذنوب، فلا يكفرها إلا التوبة النصوح، ولها ثلاثة شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب بالكلية، والثاني: الندم على فعله. الثالث: العزم التام أن لا يعود إليه في المستقبل، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة، وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى. انتهى. خازن بتصرف مني. الإعراب: ﴿وَأَقِمِ﴾: (أقم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّلاةَ﴾: مفعول به. ﴿طَرَفَيِ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿طَرَفَيِ﴾: مضاف، و ﴿النَّهارِ﴾: مضاف إليه. (زلفا): معطوف على ما قبله، فهو ظرف زمان مثله. ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان ب (زلفا)، أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (استقم...) إلخ. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْحَسَناتِ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يُذْهِبْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّيِّئاتِ..﴾.: مفعول به منصوب.. إلخ، وجملة: ﴿يُذْهِبْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ذِكْرى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾: متعلقان ب ﴿ذِكْرى﴾ لأنه مصدر، أو متعلقان بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ الشرح: ﴿وَاصْبِرْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: واصبر يا محمد! على أذى قومك، وما تلقاه منهم، وقيل: معناه: واصبر على الصلاة، والطاعات، وعن المعاصي، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها،﴾ ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل من صلاة وغيرها، وكذلك أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتجاوز عن سيئاتهم.

стр. 2631

هذا؛ والصبر: حبس النفس من الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال قائل: [البسيط] الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل وبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنّة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنس: أن من أسماء الله الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، ثم اعلم: أن الصبر قد ذكر في القرآن العظيم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية البقرة، ومن أرفعها قوله تعالى في حق أيوب ﵇: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ حيث قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً،﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً،﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد) ففيها كبير فائدة. الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ﴾: (اصبر): أمر، وفاعله أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُضِيعُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿أَجْرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿لا يُضِيعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: (إن...) إلخ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ الشرح: ﴿فَلَوْلا كانَ﴾: فهلا كان. ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم التي قبلكم يا أمة محمد، فأهلكناهم، انظر شرح القرون في الآية رقم [١٣] من سورة (يونس). ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ أي: أصحاب عقل، ورأي، وتمييز، وطاعة، وخير، يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير، وقيل: معناه أولو بقية من خير، يقال: فلان على بقية من الخير، إذا كان على خصلة محمودة، وتقرأ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ بقراءات كثيرة، ولا يتغير المعنى ولا الإعراب. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ﴾: وذلك لما منحهم الله من العقول النيرة، وأراهم من الآيات الباهرة، وهذا توبيخ وتقريع للكفار؛ إذ

стр. 2632

المعنى لم يكن فيهم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض، فلذلك أهلكناهم. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾: يعني من آمن من الأمم الماضية، وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا، وعصوا الله. وقرئ (اتبع) بالبناء المعلوم، وبالبناء للمجهول.. ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: ما تنعموا فيه، والترف: النعيم، والمعنى: أنهم اتبعوا ما تعودوا به من النعم، وإيثار اللذات على الآخرة ونعيمها. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين معاندين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (يونس)، وانظر الظلم في الآية رقم [٢٣] منها أيضا، وانظر (نا) في الآية رقم [٨]. هذا؛ و ﴿أُولُوا﴾: أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده (ذي) المضاف، إن كان مجرورا، و (ذا) المضاف إن كان منصوبا، و (ذو) المضاف إن كان مرفوعا. الإعراب: ﴿فَلَوْلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض، مفيد للتقريع، والتوبيخ والنفي. ﴿كانَ﴾: ماض تام. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: متعلقان به. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة القرون، أفاده الجلال، والجمل، وهذا على اعتبار (ال) للجنس، والأولى اعتبارها للتعريف، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من القرون، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أُولُوا﴾: فاعل ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامه رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿أُولُوا﴾: مضاف، و ﴿بَقِيَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿يَنْهَوْنَ﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَنِ الْفَسادِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفساد نفسه؛ لأنه مصدر، وجوز تعليقهما بمحذوف حال منه، وجملة: ﴿يَنْهَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ أو في محل رفع صفة له. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً﴾: مستثنى ب ﴿إِلاّ﴾ من القرون، وهل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فيه خلاف ناشئ من اعتبار التحضيض على حقيقته، أو هو بمعنى النفي. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿قَلِيلاً،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿أَنْجَيْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو من ناس أنجيناهم. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و (من) بيان لما أبهم في «من». ﴿وَاتَّبَعَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُتْرِفُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أُتْرِفُوا فِيهِ..﴾. صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في). وجملة: ﴿ظَلَمُوا..﴾.

стр. 2633

إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَلَوْلا كانَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. وقال البيضاوي: واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام، وإذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد، واتبع الذين... إلخ. ﴿وَكانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ﴾: خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ الشرح: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ أي: أهل القرى. ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك وكفر. ﴿وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي: لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب بالكفر وبخس المكيال والميزان، وقوم لوط بالكفر واللواط، ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. انتهى. قرطبي. -ولهذا قال بعض الفقهاء: إن حقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة والتضييق والتشديد، وقيل: المعنى: لا يهلكهم بظلم منه، وهذا هو المتبادر إلى الأفهام، وقيل: المعنى: ما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه، وإن كان على نهاية الصلاح؛ لأنه تصرف في ملكه، ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾. هذا؛ ويؤخذ من التفسير الأول: أن الملك والعزة والسيادة تدوم مع الكفر، ولا تدوم مع المعاصي، ولا سيما مع الذين يعتقدون بوحدانية الله تعالى، فإن الله يسلبهم ذلك بشؤم أعمالهم، وما أكثر الأحاديث الشريفة في هذا الصدد، وما نزل بالمسلمين في هذا الأيام من البلاء إنما هو بشؤم أعمالهم. الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية: ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿رَبُّكَ﴾: اسم كان، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُهْلِكَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: وما كان ربك مريدا إهلاك. ﴿الْقُرى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِظُلْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل. ﴿وَأَهْلُها﴾: الواو: واو الحال. (أهلها): مبتدأ. و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿مُصْلِحُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القرى، والرابط: الواو، والضمير.

стр. 2634

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾: يعني كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أي: على أديان متعددة ما بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، ومشرك، ومسلم، فكل أهل دين من هذه الأديان قد اختلفوا في دينهم أيضا اختلافا كثيرا لا ينضبط، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة». أخرجه أبو داود، وزاد في رواية أخرى: «وإنّه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق، ولا مفصل، إلاّ دخله». قال بعض العلماء: المراد بهذه الفرق: أهل البدع، والأهواء الذين تفرقوا، واختلفوا، وظهروا بعده كالخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم، من أهل البدع والأهواء، والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله، وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غني، وهذا فقير. ولا وجه له هنا. وفي الآية دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه، وإذا علمت أن الإرادة نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ﴾: ماض. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَ﴾: اللام: واقعة في جواب (لو). (جعل): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به أول. ﴿أُمَّةً﴾: مفعول به ثان. ﴿واحِدَةً﴾: صفة: ﴿أُمَّةً،﴾ وجملة: ﴿لَجَعَلَ..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و ﴿وَلَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلا﴾: الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يَزالُونَ﴾: مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾: خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن

стр. 2635

الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلا يَزالُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿النّاسَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: يعني لكن من ﵀ فمنّ عليه بالهداية والتوفيق إلى الحق، وهداه إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، فهم لا يختلفون في ذلك. ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: ولقد اختلف في المشار إليه اختلافا كبيرا، وحاصل الأقوال وملخصها: أن الله خلق أهل الباطل، وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين، فحكم على بعضهم بالاختلاف، ومصيرهم إلى النار، وحكم على بعضهم بالرحمة-وهم أهل الاتفاق-ومصيرهم إلى الجنة، ويدل على صحة هذا القول سياق الآية. انتهى. خازن. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أي: ثبت ذلك كما أخبر وقدّر في أزله، وتمام الكلمة: امتناعها عن قبول التغيير والتبديل. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ: وهذا صريح بأن الله خلق أقواما للجنة، وللرحمة، فهداهم، ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقواما للنار، فخذلهم ومنعهم من الهداية، وآية السجدة رقم [١٣] تصريح بهذا أتم تصريح. -فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «احتجّت الجنّة والنار، فقالت النّار: فيّ الجبّارون والمتكبّرون، وقالت الجنّة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنّك الجنّة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم. تنبيه: كلمة فيها ثلاث لغات: الأولى كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم كسدر، والثانية: كلم كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة، وهي اتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل محمد، وقام وقعد... إلخ، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل] ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم-لا محالة زائل

стр. 2636

المراد «بكلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم والحديث. هذا؛ و ﴿الْجِنَّةِ﴾: الجن بكسر الجيم فيهما، والتاء في الأول للمبالغة، وكلاهما جمع جني، والجن: خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى، سموا جنّا لاستتارهم عن أعين الناظرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ المراد: إبليس، وجنوده، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿إِلاّ﴾: استثناء منقطع بمعنى: (لكن). ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لكن الذين، أو ناسا رحمهم ربك. ﴿وَلِذلِكَ﴾: الواو: حرف عطف. (لذلك): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَلَقَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكَ،﴾ والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها؛ إن اعتبرت الضمير عائدا على الفريقين المختلفين، وعلى الأول فالضمير يكون عائدا على المرحومين فقط. ﴿وَتَمَّتْ﴾: الواو: حرف استئناف. (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ﴾: فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبُّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية (تمت...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (أملأن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. (الناس): معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد ل ﴿الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ فهو مجرور مثلهما وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مفسر ل ﴿كَلِمَةُ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: وكل الذين يحتاج إليه من أنباء الرسل نقصه عليك، وانظر شرح (نقصه) في الآية رقم [١٠٠]. ﴿مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ﴾ أي: من أخبار الرسل الذين سبقوك، وكيف صبروا على أذى قومهم وتحملوا ذلك منهم. ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي: ما نقوي به قلبك لتصبر على أذى قومك، وتتأسى بالرسل الذين خلوا من قبلك. ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ﴾ أي: في هذه السورة، وخص هذه السورة بالذكر؛ لأن فيها أخبار الأنبياء، وما لقوامع أقوامهم من

стр. 2637

صنوف الأذى، وقال قتادة والحسن: المعنى في هذه الدنيا، يريد النبوة، وهو أقوى، وهو منقول عن ابن عباس، وأبي موسى الأشعري وغيرهما، هذا؛ وسور القرآن كلها حقّ وصدق، وإنما خص هذه السورة بالذكر تعظيما لها وتشريفا. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: الموعظة: ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة، وهذا أيضا تشريف لهذه السورة؛ لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى، ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتعظون؛ إذا سمعوا قصص الأنبياء. بعد هذا انظر شرح ﴿الرُّسُلِ﴾ في الآية رقم [٨١] و (نا) في الآية رقم [٨]. والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالمتواتر وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ ، هذا؛ وفعله يتعدى في الأصل لثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وهو كثير في كتاب الله تعالى. ﴿الْحَقُّ﴾: ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و ﴿الْحَقُّ﴾ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو الموت والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حقّ. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي. الإعراب: ﴿وَكُلاًّ﴾: الواو: حرف استئناف. (كلا): مفعول به مقدم، والتنوين عوض عن المضاف إليه، انظر الشرح. ﴿نَقُصُّ﴾: مضارع، والفاعل مستتر فيه، وجوبا تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (كلا)، و ﴿أَنْباءِ﴾: مضاف، و ﴿الرُّسُلِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب بدلا من (كلاّ)، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، ويجوز أن تكون مفعول ﴿نَقُصُّ،﴾ ويكون (كلاّ) حالا من ﴿ما﴾ أو من الهاء على مذهب من أجاز تقديم حال المجرور عليه، أو من ﴿أَنْباءِ﴾ على هذا المذهب أيضا. انتهى. عكبري. والمعتمد الأول. ﴿نُثَبِّتُ﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فُؤادَكَ﴾: مفعول به والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نُثَبِّتُ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل

стр. 2638

لها. ﴿وَجاءَكَ﴾: الواو: واو الحال. (جاءك): ماض ومفعوله. ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَقُّ﴾: فاعل. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾: معطوف على ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿وَذِكْرى﴾: معطوف عليه أيضا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب (ذكرى) لأنه مصدر، وجملة: (جاءك...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، و (قد) مقدرة قبلها، هذا؛ واعتبارها مستأنفة ممكن. ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن العباد فيهما، والمعنى: أن علمه سبحانه نافذ في جميع الأشياء خفيها، وجليها، حاضرها ومعدومها، لا يخفى عليه شيء

стр. 2639

في الأرض، ولا في السماء، وقال ابن عباس-﵄: غيب السموات والأرض خزائنهما. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أي: يوم القيامة؛ إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه، هذا؛ ويقرأ ﴿يُرْجَعُ﴾ بالبناء للمعلوم، فيكون لازما، ويقرأ بالبناء للمجهول، فيكون متعديا. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: انظر العبادة في الآية رقم [٦٢]. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾: اعتمد عليه في جميع شئونك، وفوض أمرك إليه. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: فيه وعيد وتهديد، والمعنى: أن الله بالمرصاد لهؤلاء الكافرين، وحافظ لأعمالهم، حتى يجازيهم بها في الآخرة، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ﴾: الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَيْبُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه. (الأرض): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إليه): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُرْجَعُ﴾: مضارع. ﴿الْأَمْرُ﴾: فاعل، أو نائب فاعل، انظر الشرح. ﴿كُلُّهُ﴾: توكيد لما قبله، على اعتباره متعددا، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: الفاء: حرف عطف على رأي: من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فاعبده. (اعبده): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل (ليس). ﴿رَبُّكَ﴾: اسم (ما) مرفوع، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة، فيكون ﴿رَبُّكَ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره. ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام (وما ربك بغافل عن الذي، أو عن شيء يعملونه)، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: عن عملهم، والجار والمجرور متعلقان ب (غافل)، والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2640

سورة يوسف [على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام] وهي مكية بالإجماع، وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع منها، وهي مائة وإحدى عشرة آية، وألف وستمائة كلمة، وسبعة آلاف ومائة وستة وستون حرفا. انتهى. قال ابن الجوزي-رحمه الله تعالى-: وفي سبب نزولها قولان: -أحدهما: روي عن سعد بن أبي وقاص-﵁-قال: (لما أنزل القرآن على رسوله ﷺ تلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فنزل قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾). -القول الثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس-﵄-قال: سألت اليهود النبي ﷺ ، فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده، وشأن يوسف، ولم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ فأنزل الله سورة (يوسف) ﵇، وينبغي أن تعلم: أن سؤال اليهود هذا لم يكن مباشرة؛ إذ روي أن علماءهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا عن أمر يعقوب... إلخ. قال العلماء: وذكر الله أقاصيص الأنبياء، وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وقد ذكر قصة يوسف، ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر، وهذا هو الإعجاز لمن تأمل. (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الشرح: (أعوذ): أتحصن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ، وأصله: أعوذ على وزن أنصر، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار: أعوذ، ومثل ذلك قل في إعلال كل مضارع أجوف، واويّا كان أو يائيّا، مثل: يقولون، ويصون، ويبيع، ويكيل، ونحو ذلك. (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة، التي أعظمها أكل الحلال.

стр. 2641

(الشيطان): اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس والجن والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام)، وما أجدرك أن تنظر شرحها هناك، وقال رسول الله ﷺ ، لأبي ذر الغفاري-﵁: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟! قال: «نعم». ولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا، بدليل قوله ﷺ لعائشة-﵂: «أجاءك شيطانك؟». قالت: أولي شيطان؟ قال: «ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». فاعل أسلم يحتمل عوده إلى الرسول ﷺ ، فيكون من السلامة، أي: أسلم من شره ويكون مضارعا مرفوعا، ويحتمل عوده إلى الشيطان نفسه، فيكون من الإسلام، ويكون ماضيا، هذا؛ والشيطان مأخوذ: من شطن؛ إذ بعد، وقيل: مأخوذ من شاط: إذا احترق، فعلى الأول هو مصروف؛ لأن النون أصلية، وعلى الثاني هو غير مصروف، لزيادة الألف والنون، وشطن من باب قعد، وشاط من باب ضرب. (الرجيم): فعيل بمعنى مفعول، فإنه مرجوم باللعن، والطرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم غيره بالوسوسة والإغواء، بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة الاستعاذة على طريقة النحت، والنحت في الكلام تركيب كلمة من كلمتين، أو أكثر، نحو البسملة، والحوقلة من: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، والاسترجاع من: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ والفذلكة من: (فذلك كذا وكذا) وهلمّ جرّا. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: (أعوذ بالله...) إلخ إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري ، وأنه الغني القادر على دفع جميع المضرات والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأن الشيطان عدو مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغوي الفاجر، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى، والله أعلم. الإعراب: (أعوذ): مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره «أنا». (بالله): متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل: (أعوذ). (الرجيم): صفة (الشيطان) مجرور مثله، هذا؛ ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف، ونصبه على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أذم: وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، وجملة: (أعوذ...) إلخ ابتدائية لا محل لها.

стр. 2642

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ الشرح: (اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريون: أصله سمو من السّمو، وهو العلو، والارتفاع، فاسم الشيء ما علاه حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله، وقال الكوفيون: أصله وسم من السمة، وهي العلامة فكأنه علامة لمسماه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل، وحجة البصريين: أنه لو كان اشتقاقه من السمة، لكان تصغيره وسيم، وجمعه أوسام؛ لأن التصغير والتكسير، يردان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره: سميّ، وجمعه: أسماء وأسام، وقد حذفت الألف من ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلخ للخفة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلة الاستعمال. هذا؛ و (اسم) أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها تفاديا للابتداء بالساكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام، وإن كتبت، انظر مبحثها في كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا. ﴿اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾: اسمان، وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه بمعنى: المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النعيم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف به مسيلمة الكذاب، فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن البسملة آية من سورة (الفاتحة)، وآية من كل سورة ما عدا براءة عند الشافعي، ولا تعد آية في كل ذلك عند أبي حنيفة ومالك، وإنما هي للفصل بين كل سورتين، وأحمد بن حنبل يعدها آية من أول الفاتحة، وليست آية في غيرها-﵃ أجمعين-، ومبحث ذلك مبسوط في كتب الفقه، وأخيرا ينبغي أن تعلم أن الرسول ﷺ ندبنا إلى افتتاح كل أمورنا بالبسملة تيمنا وتبركا، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عنه ﷺ قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر». وفي رواية «فهو أقطع». والمعنى قليل البركة، أو معدومها. الإعراب: ﴿بِسْمِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقرأ، أو أتلو، إذا أراد الشخص القراءة، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم، ويسمى الله عليها، فمثلا الآكل، والشارب، والقائم، والقاعد، تقدير المحذوف عنده: آكل، أو أشرب... إلخ، وتقدير المحذوف فعلا هو مذهب الكوفيين، وهم يقدرونه مؤخرا ليفيد معنى الاختصاص، وأما

стр. 2643

البصريون؛ فيقدرون المحذوف اسما، والتقدير عندهم: ابتدائي ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ابتدائي كائن ﴿بِسْمِ اللهِ،﴾ وقال المرحوم سليمان الجمل: والأحسن أن يقدر متعلق الجار والمجرور هنا: قولوا؛ لأن المقام مقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الرب تعالى. انتهى. و (اسم) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿الرَّحْمنِ﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الرَّحِيمِ﴾: بدل ثان من لفظ الجلالة، وهذا على اعتبارهما اسمين من أسماء الله تعالى الحسنى، وهو المعتمد، وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، هذا؛ ويجوز في العربية رفعهما على أنهما خبران لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن الرحيم، كما يجوز نصبهما على أنهما مفعول لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه. وهذان الوجهان على القطع، أعني به: قطع النعت عن المنعوت، وجملة البسملة على الوجهين ابتدائية لا محل لها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١)﴾ الشرح: ﴿الر﴾: انظر شرح هذا اللفظ في أول سورة (يونس) ﵇. ﴿تِلْكَ﴾: الإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من قصة يوسف، وإخوته، وما فيها من عبر، ومواعظ، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والسورة الكريمة، والقرآن الكريم كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. ﴿آياتُ الْكِتابِ﴾: انظر شرحهما في الآية رقم [١] من سورة (هود). ﴿الْمُبِينِ﴾ أي: البين حلاله، وحرامه، وحدوده، وأحكامه، وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، هذا؛ وقال سبحانه في أول سورة (يونس) ﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ انظر شرحه هناك، وانظر إعلال (مبين) في الآية رقم [٦] من سورة (هود) ﵇. الإعراب: ﴿الر﴾: انظر إعرابه في الآية [١] من سورة (يونس). ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة الكتاب، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، أو هي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل... إلخ. ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ الشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ أي: هذا الكتاب. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغتكم لكي تعلموا معانيه، وتفهموا فيه، ويؤخذ منه أنه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأن سورة (يوسف) بعض

стр. 2644

القرآن؛ ولأنه اسم جنس يقع على الكل والبعض، واختلف: هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن فيه من غير العربي، مثل (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق) ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب، إن شاء الله تعالى، وجه الجمع بينهما: أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل. انتهى. خازن بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: يا أهل مكة. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: تفهمون معانيه لأنه نزل بلغتكم. هذا؛ والعقل نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة، لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد أن رجلا معتوها مر على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة-رضوان الله عليهم-: (هذا رجل مجنون) فقال: «هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي المقتول، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين هذا؛ و (القرآن) مشتق من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد، هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا، أي: جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا، هذا والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. الإعراب: ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿قُرْآناً﴾: حال من الضمير المنصوب، وهو حال موطئة لما بعده، وجوز اعتباره بدلا من الضمير، كما جوز اعتباره مفعولا

стр. 2645

به، واعتبار الضمير المنصوب ضمير المصدر، والمعتمد الأول. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة: ﴿قُرْآناً،﴾ وجوز أبو البقاء اعتباره حالا من الضمير المستتر في ﴿قُرْآناً،﴾ على اعتباره مؤولا بمشتق، والمعتمد الأول. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، ﴿تَعْقِلُونَ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للإنزال لا محل لها. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)﴾ الشرح: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾: انظر: ﴿نَقُصُّهُ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (هود). ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: وإنما كانت سورة (يوسف) أحسن القصص؛ لما فيها من الحكم والنكت، وسير الملوك والمماليك، والعظماء والعلماء، ومكر النساء، والصبر على الأذى، والتجاوز عنه أحسن التجاوز، وغير ذلك من الفوائد الشريفة، قال خالد بن معدان: سورة (يوسف) وسورة (مريم) يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة، وقال عطاء: لا يسمع سورة (يوسف) محزون إلا استراح إليها. انتهى. خازن. ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي: بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، وتنزيله عليك، هذا؛ والوحي الإشارة، والكتابة والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ أي: عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم يكن لك علم بها، وبما فيها من عجائب، وغرائب. الإعراب: ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَقُصُّ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول مطلق، أو نائب عنه، و ﴿أَحْسَنَ﴾: مضاف، و ﴿الْقَصَصِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿أَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) المصدرية والفعل: ﴿أَوْحَيْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَقُصُّ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ .. ﴿هذَا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به تنازعه: ﴿نَقُصُّ﴾ و ﴿أَوْحَيْنا،﴾ فأعمل فيه الثاني على مذهب البصريين، وأضمر في الأول، ثم حذف لكونه فضلة. ﴿الْقُرْآنَ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ مفعولا به ل ﴿نَقُصُّ﴾. وذلك على اعتبار: ﴿الْقَصَصِ﴾ مصدرا بمعنى المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، فلا تكون المسألة من باب التنازع، هذا؛ وقال أبو البقاء: ويجوز في العربية جر ﴿الْقُرْآنَ﴾ على البدل من (ما)، ورفعه على إضمار: (هو). انتهى. ولكني لم

стр. 2646

أجد من قرأ بجره أو رفعه، وجملة: ﴿نَقُصُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَمِنَ﴾: اللام: هي الفارقة بين (إن) العاملة والمهملة. ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿وَإِنْ كُنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾: يعقوب بن إسحاق، بن إبراهيم، فعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم». رواه البخاري، هذا؛ و ﴿يُوسُفُ﴾ يقرأ بتثليث سينه، مثل تثليث نون: (يونس) كما قرئ: «(يؤسف)» بهمزة وتثليث سينه، ففيه ست لغات، ومثله (يونس) أفاده أبو البقاء. ﴿يا أَبَتِ﴾: من المعروف أن في الاسم المضاف لياء المتكلم، إذا كان صحيح الآخر، ومنادى ستّ لغات: أحدها: حذف الياء، والاستغناء عنها بالكسرة، مثل: يا عبد، وهذا هو الأكثر، الثاني إثبات الياء ساكنة، نحو: يا عبدي، وهو دون الأول في الكثرة، الثالث: قلب الياء ألفا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو: يا عبد، الرابع: قلبها ألفا، وبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، نحو: يا عبدا، الخامس: إثبات الياء محركة بالفتحة، نحو: يا عبدي، السادس: ضم الاسم بعد حذفها كالمفرد، اكتفاء بنية الإضافة، وإنما يكون ذلك فيما يكثر نداؤه مضافا للياء كالرب، والأبوين، والقوم، قرئ قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ بضم الباء، وحكي: يا ربّ اغفر لي، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود)، هذا؛ ويضاف إلى ذلك إذا كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أبا، أو أما أربع لغات: إحداها: إبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر في قوله تعالى: ﴿(يا أَبَتِ...)﴾ إلخ من سورة (يوسف) ومريم، الثانية: إبدالها تاء مفتوحة، وبها قرأ ابن عامر ما تقدم، الثالثة: «يا أبتا» بالتاء والألف، وبها قرئ ما تقدم شاذا وعليه قول رؤبة بن العجاج: [الرجز] تقول بنتي: قد أنى أناكا... يا أبتا علّك أو عساكا الرابعة: يا أبتي، وعليه قول الشاعر: [الطويل] أيا أبتي لا زلت فينا، فإنّما... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا

стр. 2647

قال ابن هشام في قطر الندى: وهاتان اللغتان قبيحتان، والأخيرة أقبح من التي قبلها، وينبغي أن لا تجوز إلا في ضرورة الشعر، وقال الخضري في حاشيته على ابن عقيل: ضرورة، لكن الأولى أهون لذهاب صورة الياء المعوض عنها، بل قيل: لا ضرورة فيه؛ لأن هذه الألف لم تنقلب عن الياء، بل هي التي تلحق المنادى البعيد والمندوب، والمستغاث، فتكون لغة عاشرة. والله أعلم. -أقول: وإنما كانت هاتان اللغتان قبيحتين؛ لأنه جمع بين العوض، وهو التاء، والمعوض عنه، وهو الياء المنقلبة ألفا، أو غير المنقلبة، وقد أجاز بعضهم ضم التاء لشبهها بتاء التأنيث، فأما الوقف على هذا الاسم فبالتاء عند قوم لأنها ليست للتأنيث، فيبقى لفظها دليلا على المحذوف، وبالهاء عند آخرين شبهوها بهاء التأنيث. ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾: من الرؤيا المنامية، لا من الرؤية البصرية، بدليل الآية التالية. ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: فالمراد بالكواكب: إخوته، وبالشمس: أمه، أو خالته، وبالقمر: أبوه، وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، وكانت سن يوسف ﵇ اثنتي عشرة سنة، وهو الأصح، والمراد بالسجود: تواضعهم له، ودخولهم تحت أمره، وقيل: أراد به حقيقة السجود؛ لأن التحية كانت في ذلك الزمن بالسجود. فعن جابر بن عبد الله-﵄-أن يهوديا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف، فسكت، فنزل جبريل ﵇، فأخبره بذلك، فقال: «إذا أخبرتك فهل تسلم؟». قال: نعم، قال: «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان والفيلق، والمصبح، والضروح، والفرع، ووثاب، وذو الكتفين، نزلن من السماء وسجدن له». فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها!. ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾: فهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أنها جملة كررت للتوكيد لما طال الفصل بالمفاعيل، والثاني: أن الكلام مستأنف، فهو بمنزلة جواب لسؤال مقدر، وإنما جمع الضمير جمع المذكر السالم مع أن المذكورات جمادات، فالجواب عند الخليل وسيبويه: أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة، والسجود، وهما من أفعال من يعقل عاملها معاملة من يعقل، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٣] وما بعدها من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل من: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ،﴾ إن جعل مفعولا به بدل الاشتمال، أو هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وعلقه الجمل بقوله: ﴿قالَ يا بُنَيَّ..﴾. إلخ، ورجحه على غيره، وجوز تعليقه بالغافلين، وبالفعل ﴿نَقُصُّ،﴾ وأرجح اعتباره معمولا لفعل محذوف كما رأيت؛ لأن له نظائر كثيرة في كتاب الله تعالى، وهل هو ظرف، أو مفعول به للفعل المحذوف؟ قولان. وجملة: ﴿قالَ يُوسُفُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لِأَبِيهِ﴾: متعلقان بالفعل

стр. 2648

قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أبت): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء كما رأيت في الشرح. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَأَيْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾: جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿كَوْكَباً﴾: تمييز. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: معطوفان على ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾. ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مؤكدة لما قبلها، فيكون: ﴿ساجِدِينَ﴾ مفعولا به ثانيا للفعل الأول، أو هي مستأنفة لا محل لها، فيكون: ﴿ساجِدِينَ﴾ مفعولا به ثانيا لهذا الفعل، ويكون مفعول الأول محذوفا. ﴿لِي﴾: متعلقان ب ﴿ساجِدِينَ﴾ بعدهما، والكلام ﴿يا أَبَتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿رَأَيْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن). ﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب أبو يوسف. ﴿يا بُنَيَّ﴾: تصغير (ابن) صغره للشفقة، أو لصغر سنه كما رأيت فيما سبق، وانظر إعلاله في الآية رقم [٤٢] من سورة (هود) ﵇. ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ أي: لا تخبرهم برؤياك، فإنهم يعرفون تأويلها، وانظر شرح ﴿نَقُصُّهُ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (هود). ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ أي: فيحتالوا لإهلاكك حيلة، فهم يعقوب ﵇ من رؤيا يوسف أن الله يصطفيه برسالته، ويفوقه على إخوته، فخاف على حسدهم، وبغيهم، لذا فقد أمره بكتمان رؤياه عنهم؛ لأن رؤيا الأنبياء حق. ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: بين العداوة، كما فعل بآدم، وحواء ﵉، فلذا لا يألو جهدا في إثارة الحقد، والحسد، والبغضاء في قلوبهم؛ حتى يحملهم على الكيد. قال ابن عباس-﵄-بين رؤيا يوسف هذه، وبين تحققها بمصر، واجتماعه بأبويه، وإخوته أربعون سنة، وقال النووي: قال المازني: مذهب أهل السنّة في حقيقة الرؤيا: أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا كانت تلك الاعتقادات تسر خلقها الله بغير حضرة الشيطان، وإذا كانت تغم خلقها بحضرته، فهذا معنى قول النبي ﷺ : «الرّؤيا من الله والحلم من الشّيطان» وليس معناه أن الشيطان يفعل شيئا. وروى البخاري عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّؤيا الصّالحة

стр. 2649

من الله». وفي رواية: «الرؤيا الحسنة فإذا رأى أحدكم ما يحبّ، فلا يحدّث بها إلاّ من يحبّ، وإذا رأى ما يكره، فليتعوّذ بالله من شرّها، وليتفل ثلاث مرات عن يساره، ولا يحدّث بها أحدا، فإنها لا تضرّه». وفي بعض الروايات: «وليتحول عن جنبه للآخر». وفي بعضها: «وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم من شرها». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (يونس) ﵇، وما أذكره في الآية رقم [٤٣] الآتية وما بعدها. بعد هذا انظر ﴿كادَ﴾ في الآية رقم [١١٧] من سورة (التوبة)، والفرق بينها وبين الفعل هنا، وإعلال ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (هود)، وانظر شرح الإنسان في الآية رقم [١٢] من سورة (يونس). ﴿عَدُوٌّ﴾: هو ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل صبور وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوّة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا،﴾ وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع أعداء وأعاد، وعدات، وعدى، وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر: اسم الجمع. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْصُصْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿رُؤْياكَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى إِخْوَتِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَكِيدُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، واللام هي لام التقوية، أي: أنها زائدة، والكاف مفعول به، وانظر ما ذكرته في ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ في الآية رقم [١٠٧] من سورة (هود). ﴿كَيْداً﴾: مفعول مطلق. ولأبي البقاء اعتبارات أخرى، فهي غير معتمدة. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِلْإِنْسانِ﴾: متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ثانية ل ﴿عَدُوٌّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك قص لرؤياك على إخوتك، فكيد لك منهم، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ يا بُنَيَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 2650

﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: يختارك ويصطفيك، والاجتباء: اختيار معالي الأمور للمجتبى، وأصله من: جبيت الشيء، أي: حصلته، ومنه: جبيت الماء في الحوض، قاله النحاس، هذا؛ وأقول: يطلق الناس في هذه الأيام على الموظف الذي يحصل الضرائب من المكلفين اسم الجابي، أي: للمال، وفي الخازن: واجتباء الله للعبد تخصيصه إياه بفيض إلهي، تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعي من العبد، وذلك مختص بالأنبياء، وببعض من يقاربهم من الصديقين، والشهداء والصالحين. انتهى. ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي: من تعبير الرؤيا في المنام، فالمراد بالأحاديث: ما يراه الناس في النوم، وهي معجزة له، فإنه لم يلحقه فيها خطأ، وكان أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا ﷺ نحو ذلك، وكان الصديق ﵁ من أعبر الناس لها بعده ﷺ ، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم، ونحوه، أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا، وقيل: المعنى: يعلمك أحاديث الأمم ودلائل التوحيد وتأويل غوامض كتب الله، وسنن الأنبياء وكلمات التوحيد، والمعتمد الأول. هذا؛ و (أحاديث) جمع تكسير، فيقال لواحد ملفوظ به: وهو حديث، وقد شذ جمعه على: (أحاديث) كما شذ أباطيل، وأفاظيع، وأعاريض، في جمع باطل، وفظيع، وعريض. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بالنبوة بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، وإن منصب النبوة أعلى من جميع المناصب. ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: بنيه، وذلك بالنبوة أيضا، فإنهم منحوا النبوة كما ستعرفه فيما يأتي. ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أتم النعمة عليهما بالرسالة والنبوة، وأتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، قيل: أتمها على إسحاق بإنقاذه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، والمعتمد: أن الذبيح إسماعيل ﵇، كما ستعرفه في سورة (الصافات) إن شاء الله تعالى. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل الأمور على ما ينبغي. هذا؛ وانظر أعمار الأسرة الكريمة في الآية [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. بعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، و ﴿آلِ﴾ أصله أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار أأل، ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة، مثل آمن أومن إيمانا، أصله أأمن، أؤمن، أئمن، إئمانا، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة، كما في: (أراق)، فإن أصله: (هراق)، وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي: أصل آل (أول) ك

стр. 2651

«حمل» من آل، يؤول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على: أهيل، وهو يشهد للأول، وعلى أويل، وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيمن له خطر، وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، ولا ينتقض ب «آل فرعون» فإن له شرفا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في الحديث الشريف: «اللهمّ صلّ على محمد وآله». وقال عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ : [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله، فامنع رحالك وانصر على آل الصّلي... ب، وعابديه اليوم آلك الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: الواو: حرف عطف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده، التقدير: يجتبيك ربك اجتباء كائنا مثل اجتبائه لك الرؤيا الدالة على شرف، وعز، وكمال نفس. ﴿يَجْتَبِيكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (يعلمك): مضارع ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿تَأْوِيلِ﴾: مضاف، و ﴿الْأَحادِيثِ﴾: مضاف إليه. (يتم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿نِعْمَتَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿وَعَلى آلِ﴾: معطوفان على ﴿عَلَيْكَ،﴾ و ﴿آلِ﴾: مضاف، و ﴿يَعْقُوبَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (يتم...) إلخ معطوفة على ما قبلها. الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَتَمَّها﴾: ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿عَلى أَبَوَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَبَوَيْكَ،﴾ التقدير: كائنين، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، ﴿إِبْراهِيمَ﴾: بدل من ﴿أَبَوَيْكَ،﴾ أو عطف بيان، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، هذا؛ ويجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أعني ونحوه. (إسحاق): معطوف على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيه من إعراب وغيره، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف،

стр. 2652

التقدير: ويتم نعمته إتماما كائنا مثل إتمامها على أبويك... إلخ، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبُّكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: خبران ل ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي: أن الآية الكريمة بكاملها إنما هي من مقول يعقوب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي: في خبره، وخبر إخوته. ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ أي: عبرة للمعتبرين، وانظر السائلين في مقدمة هذه السورة، وإنما كانت السورة بكاملها عبرة، وعظة لما فيها من الحكم، ومنها رؤيا يوسف، وما حقق الله فيها، ومنها حسد إخوته له، وما آل إليه أمرهم من الحسد، ومنها صبر يوسف على بلواه مثل إلقائه في الجب، وبيعه عبدا، وسجنه بعد ذلك، وما آل إليه أمره من الملك، ومنها ما تشتمل عليه من حزن يعقوب، وصبره على فقد ولده، وما آل إليه أمره من بلوغ المراد، وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان؛ اعتبر، واتعظ، هذا؛ ويقرأ: «(آية)» بالإفراد أيضا. تنبيه: كان أولاد يعقوب اثني عشر رجلا: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليّان، وهي ابنة خال يعقوب، وولد له من جاريتين، اسم إحداهما زلفة، والأخرى بلهة أربعة أولاد: وأسماؤهم: دان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ثم توفيت ليا، فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف، وبنيامين، فهؤلاء بنو يعقوب، وهم الأسباط، وعنهم تفرعت قبائل بني إسرائيل، وقد بينت لك في آيات كثيرة: أن إسرائيل هو يعقوب نفسه. الإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام الابتداء، أو واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله لقد إلخ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿فِي يُوسُفَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (إخوته): معطوف على: ﴿يُوسُفَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آياتٌ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿لِلسّائِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض... إلخ، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، وجملة: ﴿لَقَدْ كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو هي جواب قسم محذوف، كما رأيت، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.

стр. 2653

﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا﴾ أي: قال أولاد يعقوب: إن أبانا يحب يوسف وأخاه بنيامين شقيقه أكثر منا، وقد قالوا هذه المقالة حسدا منهم ليوسف، وأخيه حينما رأوا ميلا من أبيهم إليهما وكثرة شفقته عليهما وكان قد بلغهم خبر الرؤيا التي رآها يوسف في منامه ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة، وكانوا عشرة كما رأيت، والعصبة ما بين العشرة إلى الأربعين، ومثلها العصابة، ولا واحد لها من لفظها كالنفر، والرهط، والمعشر... إلخ. ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي خطأ بين بإيثاره يوسف وأخاه؛ لأنهما صغيران لا ينفعانه بشيء، وإنما نحن نقوم بالعمل له، ونقدم له كل ما يحتاجه من معاشه وخدمته، وتقديم جميع مطالبه. تنبيه: لم يريدوا ضلال الدين؛ إذ لو أرادوه؛ لكانوا كفارا، بل أرادوا الخطأ في تدبير أمورهم حيث آثر حب صغيرين على عشرة أقوياء أشداء ومثله قولهم في الآية [٩٥]، هذا؛ وأخبر ب ﴿أَحَبُّ﴾ عن المثنى؛ لأنه أفعل تفضيل، فلم يثنه؛ لأنه يجب إفراده، وتذكيره، وتنكيره عند مقارنته بالمفضل عليه مجرورا ب «من»، وهو هنا كذلك، وهو مصوغ هنا من (حبّ) المبني للمفعول وهو شاذ قياسا، فصيح استعمالا لوروده في أفصح الفصيح، وإذا بنيت أفعل التفضيل من مادة الحب، والبغض، تعدى إلى الفاعل المعنوي ب «إلى»، وإلى المفعول المعنوي باللام، أو ب «في»، فإذا قلت: زيد أحب إلي من بكر، كان معناه: أنك تحب زيدا أكثر من بكر، فالمتكلم هو الفاعل، وكذلك إذا قلت: هو أبغض إلي منه؛ كان معناه أنت المبغض، وإذا قلت: زيد أحب لي من عمرو، أو أحب فيّ منه، كان معناه أن زيدا يحبني أكثر من عمرو، وعلى هذا جاءت الآية الكريمة، فإن الأب هو فاعل المحبة، ولا تنس أن أصله: (أحبب) فنقلت فتحة الباء الأولى إلى الحاء، فسكنت، ثم أدغمت الباء في الباء. الإعراب: ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿لَيُوسُفُ﴾: اللام: هي لام الابتداء، وقيل: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (يوسف): مبتدأ. (أخوه): معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَبُّ﴾: خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿إِلى أَبِينا﴾: متعلقان ب ﴿أَحَبُّ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنّا﴾: متعلقان ب ﴿أَحَبُّ..﴾. أيضا، والجملة الاسمية جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾.

стр. 2654

إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿أَبانا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩)﴾ الشرح: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أي: قال أحدهم: اقتلوا يوسف ليكون أحسم لمادة الأمر. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي: ألقوه في أرض بعيدة عن أبيه، فتفترسه السباع، أو يموت في تلك الأرض البعيدة، وكان هذا منهم لما قوي الحسد في قلوبهم، وبلغ نهايته، والذي اقترح هذا هو شمعون، وقيل: روبيل. ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: وهذه هي الغاية التي ينشدونها من قتله، أو من إبعاده، والمعنى أنه قد شغله حب يوسف عنكم، فإذا فعلتم به أحد الأمرين؛ أقبل أبوكم بوجهه عليكم. ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد قتل يوسف أو إبعاده عن أبيه. ﴿قَوْماً صالِحِينَ﴾: تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم، وقال مقاتل: معناه: يصلح لكم أمركم فيما بينكم، وبين أبيكم أيضا. بعذر تعتذرون به إليه. الإعراب: ﴿اُقْتُلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: قال قائل منهم: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. ﴿أَوِ﴾: حرف عطف. ﴿اِطْرَحُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿أَرْضاً﴾: في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون منصوبا بنزع الخافض، أي: في أرض. الثاني: النصب على الظرفية. الثالث: هو مفعول ثان، وذلك على أن يضمن الفعل معنى: أنزلوه. ﴿يَخْلُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَجْهُ﴾: فاعل، وهو مضاف، و ﴿أَبِيكُمْ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَخْلُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. (تكونوا): مضارع ناقص معطوف على ﴿يَخْلُ﴾ مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. وجوز الزمخشري فيه أيضا اعتباره منصوبا ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، ولا أراه قويا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: متعلقان ب ﴿صالِحِينَ﴾

стр. 2655

بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْماً﴾: خبر (تكونوا). ﴿صالِحِينَ﴾: صفته منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)﴾ الشرح: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾: هو يهوذا، وكان أحسنهم رأيا فيه، وقيل: هو روبيل. ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: لأن القتل كبيرة من الكبائر. ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: في أسفل الجب، وظلمته، والغيابة: كل موضع ستر شيئا، وغيّبه عن النظر. ويقال: غاب يغيب غيبا وغيابة وغيابا، وقيل للقبر: غيابة؛ لأنه يستر الميت عن أعين الناس، قال الشاعر المنخل اليشكري: [الطويل] فإن أنا يوما غيّبتني غيابتي... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل هذا؛ ويقرأ: «(غيابات)» بالجمع بتخفيف الياء وتشديدها، كما قرئ: «(غيبة)» هذا؛ والجب: الركية التي لم تطو، أي: لم تعمر جدرانها، فإذا طويت فهي بئر كما في الآية رقم [٤٥] من سورة (الحج)، قال الأعشى: [الطويل] لئن كنت في جبّ ثمانين قامة... ورقّيت أسباب السماء بسلّم ليستدرجنك القول حتّى تهرّه... وتعلم أني لست عنك بمفحم واختلفوا في مكان ذلك الجب، فقال قتادة: هو بئر بيت المقدس، وقال وهب: هو في أرض الأردن، وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾: يأخذه بعض الذين يسيرون في الأرض قريبا من هذا الجب، وذلك لأن هذا الجب كان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين. هذا؛ ويقرأ الفعل فوق السبعة بالتاء: «(تلتقطه)» وتأويله عند النحاة: أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وله شواهد كثيرة في كتب النحو، خذ بيت الأعشى، وهو بعد البيتين السابقين: [الطويل] وتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم وهو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي: ما تريدون من التفريق بينه وبين والده، أو المعنى: إن كنتم عاملين بمشورتي. الإعراب: ﴿قالَ قائِلٌ﴾: ماض وفاعله. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿قائِلٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿لا تَقْتُلُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (ألقوه):

стр. 2656

أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿فِي غَيابَتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿غَيابَتِ﴾: مضاف، و ﴿الْجُبِّ﴾: مضاف إليه. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والهاء مفعول به. ﴿بَعْضُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و ﴿السَّيّارَةِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿يَلْتَقِطْهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثل جملة: ﴿يَخْلُ..﴾. إلخ في الآية السابقة، ثم هي في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والميم علامة جمع الذكور. ﴿فاعِلِينَ﴾: خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ قائِلٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا أَبانا﴾: قال الجمل: هذا مبني على مقدمات محذوفة، وذلك: أنهم قالوا أولا ليوسف: اخرج معنا إلى الصحراء إلى مواشينا، فنستبق، ونصيد، وقالوا له: سل أباك أن يرسلك معنا، فسأله: فتوقف يعقوب، فقالوا له: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ انتهى. أي: لم تخافنا عليه؟ ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ أي: ونحن نريد له الخير، ونشفق عليه! أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم له، وذلك حين بلغهم خبر رؤياه المنامية. ﴿تَأْمَنّا﴾: أصله: (تأمننا) أدغمت النون الأولى في الثانية، والجمهور على الإشارة إلى ضمة النون الأولى، وهو ما يسمى بالإشمام، فمنهم من يختلس الضمة بحيث يدركها السمع، ومنهم من يدل عليها بضم الشفة فلا يدركها السمع، ومنهم من يدغمها من غير إشمام، وفي الشاذ من يظهر النون الأولى، وهو القياس، هذا؛ وقرئ: «(لا تامِنا)» بكسر التاء، وهي لغة تميم، يقولون: أنت تضرب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب: (أدعو). (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿ما لَكَ﴾: ﴿ما﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَأْمَنّا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون العارض الذي جيء به من أجل الإدغام، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»،

стр. 2657

و (نا): مفعول به. ﴿عَلى يُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿لَناصِحُونَ﴾ اللام: هي المزحلقة. (ناصحون): خبر (إن...) إلخ، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، وهذه الحال متداخلة في الأولى، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً﴾ أي: إلى الصحراء، هذا؛ و ﴿غَداً﴾ أصله: غدوا عند سيبويه، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى بالحذف اعتباطا، وقد نطق به على الأصل قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل] وما النّاس إلاّ كالدّيار، وأهلها... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع والغدو، والغدوة: البكرة، وهو ما بين صلاة الفجر، وطلوع الشمس. والغد أيضا: اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه. ﴿يَرْتَعْ﴾: من الرتع، وهو الرعي، والأكل. يقال: رتع الإنسان والبعير: إذا أكلا كيف شاءا، وقرئ: «(يرتعي)» بإثبات الياء. ﴿وَيَلْعَبْ﴾ أي: ينشط بالركض والمسابقة، ورمي السهام، هذا؛ ويقرأ الفعلان بالنون أيضا قراءتان سبعيتان، هذا؛ والرتع في الأصل: أكل البهائم في الخصب زمن الربيع، ويستعار للإنسان، إذا أريد به الأكل الكثير. ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه؛ حتى نرده إليك. الإعراب: ﴿أَرْسِلْهُ﴾: أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿غَداً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿أَرْسِلْهُ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها. ﴿يَرْتَعْ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾ على قراءته بالياء، وتقديره: «نحن» على قراءته بالنون، وعلى قراءته بالياء، أي: (يرتعي) فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من الهاء، أو من (نا) على حسب القراءة، والرابط الضمير فقط على الاعتبارين، وعلى قراءة الجزم فالجملة لا محل لها ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ وهي في محل نصب حال أيضا، وعلامة الرفع في الاسمين الواو نيابة عن الضمة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول. تأمل.

стр. 2658

﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: لشدة مفارقته عليّ، وقلة صبري عنه. ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: قال ذلك؛ لأن الذئاب كانت كثيرة في أرضهم، وقيل: رأى في منامه أن ذئبا قد شد على يوسف، فكان يحذره. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ أي: لاشتغالكم بالرتع، واللعب، أو لقلة اهتمامكم بحفظه، هذا؛ ويقرأ: ﴿الذِّئْبُ﴾ بهمز وبدونه وهو يقع على الذكر، والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمعه على القراءتين: ذئاب، وذياب، وهو حيوان يفترس الغنم. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى يعقوب. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾: مضارع مرفوع، واللام هي المزحلقة، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَذْهَبُوا﴾ في محل رفع فاعل، التقدير: ليحزنني ذهابكم، وهذه الجملة في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. (أخاف): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا» ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ ومفعوله وفاعله، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في محل نصب مفعول به، وجملة: (أخاف...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَيَحْزُنُنِي..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلُونَ﴾: خبر مرفوع إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: قالوا: والله إن اعتدى عليه الذئب وأكله، ونحن إخوته عشرة أشداء أقوياء؛ ﴿إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ أي: لعجزة ضعفاء، فكيف نقدر على دفع الذئب عن أغنامنا ومواشينا، إذا لم نقدر على حفظ أخينا! وقيل: إنهم خافوا أن يدعو عليهم يعقوب بالخسار والهلاك، وانظر شرح ﴿عُصْبَةٌ﴾ في الآية رقم [٨]. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَكَلَهُ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿الذِّئْبُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة

стр. 2659

شرط غير ظرفي، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في محل نصب حال من الفاعل أو من المفعول به، والرابط: الواو فقط، وهي خالية من الضمير الذي يربطها بصاحبها، وهي لا تنحل إلى مفرد، ولا تبين هيئة فاعل، ولا مفعول، ولا هي حال مؤكدة، وأوّل الزمخشري مثلها في سورة (لقمان) بظرف، التقدير: قالوا: لئن أكله الذئب في الوقت الذي نحن فيه عصبة، وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري: إنما الجملة مفعول معه، وأثبت مجيء المفعول معه جملة، وانظر الشاهد رقم (٨٤٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذاً﴾: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿لَخاسِرُونَ﴾: خبر (إن)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما) قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم بعد هذا فالكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ أي: أخذوا يوسف معهم إلى البرية بعد أن سمح لهم أبوه بأخذه. ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: عزموا على إلقائه في قعر الجب، وأسفله. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ أي: نزل جبريل الأمين بأمرنا إليه، فطمأنه، وسكن روعه، وكان مراهقا، فأوحي إليه في صغره، كما أوحي إلى يحيى، وعيسى، ﵉. يروى أنهم جردوه من ثيابه، فأتاه جبريل وأخرج القميص الذي كان قد أتى به إلى إبراهيم حين ألقي في النار، وجرد من ثيابه فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق دفعه إلى يعقوب، فجعله في تميمة، وعلقها بيوسف، فأخرجه جبريل ﵇، وألبسه إياه، وهذا القميص كان من نسج الجنة، فلا يقع على مبتلى، ولا سقيم إلا عوفي في الوقت حالا، وهذا القميص هو الذي أرسله إلى أبيه، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى في الآية رقم [٩٣] الآتية. هذا؛ وقيل: إن الوحي كان وحي إلهام، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ والأول أظهر. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا﴾: لتخبرنهم بفعلهم هذا. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: أنك يوسف، لعلو شأنك، وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحلى، والهيئات، وذلك إشارة إلى ما قاله لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين، بشره جبريل بما يؤول إليه أمره، إيناسا له، وتطييبا لقلبه، وقيل: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ متصل ب ﴿وَأَوْحَيْنا،﴾ أي: آنسناه بالوحي، وهم لا يعلمون ذلك.

стр. 2660

بعد هذا، يقال: جمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا، هذا؛ وقد قال تعالى حكاية عن قول فرعون وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا،﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وشركاءه، وهذا مبني على قاعدة، يقال: (أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان) هذا هو الأكثر والمستعمل، وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر على التعارض، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾. ﴿غَيابَتِ الْجُبِّ﴾: انظر الآية رقم [١٠]. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: انظر النبأ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود)، وانظر (الوحي) في الآية رقم [٣٦] من سورة (هود) أيضا. تنبيه: روي أن إخوة يوسف قالوا له: أما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا، فنصيد، ونستبق؟! قال: بلى، قالوا له: نسأل أباك أن يرسلك معنا. قال: افعلوا، فدخلوا عليه بجماعتهم، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟! قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين، واللطف، فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب يكره مفارقته، ويحب مرضاته، فأذن له، وأرسله معهم، فلما خرجوا به من عند يعقوب؛ جعلوا يحملونه على رقابهم، ويعقوب ينظر إليهم، فلما بعدوا عنه، وصاروا إلى الصحراء ألقوه على الأرض، وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وأغلظوا له القول، وجعلوا يضربونه، فجعل كلما جاء إلى واحد منهم، واستغاث به ضربه، فلما فطن لما عزموا عليه؛ جعل ينادي: يا أبتاه! لو رأيت يوسف، وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك، وأبكاك! يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك، وضيعوا وصيتك! وجعل يبكي بكاء شديدا، فأخذه روبيل، وجلد به الأرض، ثم جثم على صدره، وأراد قتله، فقال له: يا أخي مهلا لا تقتلني، فقال: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام، قل لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه، فاستغاث بيهوذا، وقال له: اتق الله فيّ، وحل بيني وبين من يريد قتلي، فأدركته رحمة الأخوة، ورق له، وقال: يا إخوتي! ما على هذا عاهدتموني، فلما أرادوا إلقاءه في الجب، تعلق بثيابهم، فنزعوها من يديه، فتعلق بحائط الجب، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال يا إخوتاه! ردوا علي قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر، والأحد عشر كوكبا تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في الجب ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة، فقام عليها، وهو يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام كل يوم، وقال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤه فكان يكفيه الطعام والشراب، ودخل عليه جبريل ﵇، وألبسه القميص كما رأيت سابقا، فأنس به، فلما أمسى نهض جبريل ليذهب، فقال له: إنك إذا تركتني؛ استوحشت، فقال له: إذا رهبت شيئا فقل:

стр. 2661

يا صريخ المستصرخين! ويا غوث المستغيثين! ويا مفرّج كرب المكروبين قد ترى مكاني، وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري! فلما قالها؛ حفّته الملائكة، واستأنس في الجبّ. وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجبّ؛ قال: يا شاهدا غير غائب! ويا قريبا غير بعيد! ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا ممّا أنا فيه، وكان عمره اثنتي عشرة سنة على أصح الأقوال، ومكث في الجب ثلاثة أيام. انتهى. كشاف وخازن بتصرف. وفي القرطبي: فلما قام على الصخرة، قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلكم، فآنس بعضكم بعضا؛ فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم؛ فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابّا؛ فاذكروا شبابي، فقال له جبريل ﵇: يا يوسف كفّ عن هذا، واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان، ثم علمه فقال: قل: اللهمّ يا مؤنس كلّ غريب، ويا صاحب كلّ وحيد، ويا ملجأ كلّ خائف، ويا كاشف كلّ كربة، ويا عالم كلّ نجوى، ويا منتهى كلّ شكوى، ويا حاضر كلّ ملإ، يا حيّ يا قيّوم أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي حتّى لا يكون لي همّ وشغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنّك على كلّ شيء قدير، فقالت الملائكة: إلهنا نسمع صوتا ودعاء؛ الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي. انتهى. الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: (حين) عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿ذَهَبُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (هود). ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾: مضارع منصوب ب «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والتقدير: أجمعوا على جعله، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. وجوز فيها الحالية، وتكون: (قد) مقدرة قبلها. ﴿فِي غَيابَتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و ﴿غَيابَتِ﴾: مضاف، و ﴿الْجُبِّ﴾: مضاف إليه، وجواب (لمّا) محذوف. تقديره: فعلوا به ما فعلوا، وقال الكوفيون: الجواب جملة (أوحينا...) إلخ والواو زائدة، كما قيل به في الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وهو هنا أرجح من هناك. تأمل. (أوحينا): فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان

стр. 2662

بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (لمّا) على القول بزيادة الواو، وهي مستأنفة على قول البصريين، أو هي معطوفة على جواب لما المحذوف. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (تنبئنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة أمرهم، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مفسر ل (أوحينا)؛ لأنه بالمعنى هو الموحى ليوسف. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، تقديره: بذلك وقت الإنباء، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الغائب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَجاؤُ..﴾. إلخ: وإنما رجعوا وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب، فلما بلغوا منزل يعقوب؛ جعلوا يبكون ويصرخون، فسمع أصواتهم، ففزع من ذلك، وقال: ما لكم يا بني؟! وأين يوسف؟! هذا؛ ويقرأ: «(عشيّا)» وهو تصغير عشيّ، وعشى بالضم والقصر جمع: أعشى. (جاءوا): هذا الفعل يكون متعديا إن كان بمعنى: وصل وبلغ، كما في هذه الآية، ويستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ هذا؛ والبكا بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد إسالة الدمع مع رفعه، قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت. قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁: [الوافر] بكت عيني وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء ولا العويل تنبيه: قال العلماء: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى، كما قال حكيم: [الوافر] إذا اشتبكت دموع في خدود... تبيّن من بكى ممّن تباكى وروي أن امرأة حاكمت زوجها إلى شريح القاضي، وبكت، فقال له الشعبي: يا أبا أمية! أما تراها تبكي؟! فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون، وهم ظلمة، ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

стр. 2663

الإعراب: ﴿وَجاؤُ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَباهُمْ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف إلخ، والهاء مفعول به. ﴿عِشاءً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يَبْكُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: (جاءوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نشتد، ونعدو، والمعنى: نستبق على الأقدام ليتبين أينا أسرع ركضا، وأخف حركة. ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾: عند ثيابنا. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي: في حال استباقنا، وغفلتنا عنه. ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾: بمصدق لقولنا. ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي: في قولنا، وذلك لسوء ظنك بنا، وشدة محبتك ليوسف. قال السدي، وابن حبان: لما قالوا: أكله الذئب، خر يعقوب مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه، فلم يحس بنفس، ولم يتحرك له عرق، فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديان يوم الدين، ضيعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر، فأفاق ورأسه في حجر روبيل، فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ فقال: يا أبت كف عني بكاءك أخبرك، فكف بكاءه، فقال: ﴿يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿قالُوا يا أَبانا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [١١]. ﴿أَبانا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿ذَهَبْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿نَسْتَبِقُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط. (تركنا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿أَرْسَلْنا﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (هود) ﵇. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿مَتاعِنا﴾: مضاف إليه، و (نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: (تركنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾: ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا ذَهَبْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (مؤمن): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت

стр. 2664

(ما) مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره. ﴿لَنا﴾: متعلقان ب (مؤمن)، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الذِّئْبُ،﴾ والرابط: الواو فقط على حد الآية رقم [١٤]. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿تَرَكْنا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمها. ﴿صادِقِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَلَوْ كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير، فهي حال متداخلة، هذا؛ واعتبر الجلال (لو) امتناعية شرطية، وقدر لها جوابا بقوله: «ولو كنا صادقين عندك لاتهمتنا في هذه القصة»، وردّ ذلك الجمل وفنده، فيكون المعتمد الأول. ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: بدم مكذوب فيه، كان دم سخلة، أو جدي، أو دم ظبية لطخوا القميص فيه، ولم يشقوه، فقال يعقوب ﵇ حين رأى القميص هكذا: كيف أكله الذئب، ولم يشق قميصه؟! فاتهمهم بذلك، وقيل: إنهم أتوه بذئب، وقالوا: هذا أكله، فقال: أيها الذئب أنت أكلت ولدي، وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله، وقال: والله ما أكلت ولدك، ولا رأيته قط، ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فأطلقه يعقوب، هذا؛ وقرئ: «(كذبا)» بالنصب على الحال من الواو، أي: جاءوا كاذبين، وقرئ: «(كدب)» بالدال، أي: بدم كدر، أو طري؛ إذ يقال للدم الطري: الكدب. هذا؛ وأصل دم دمي، وقيل: دمو، حذفت لامه للتخفيف، فيثنى على لفظه: دمان بدون رد لامه، ويثنى: دميان أو دموان برد لامه، أما في الجمع فلا بد من ردّ لامه، فيقال: دماي، أو دماو، فيقال في إعلاله: تحركت الياء، أو الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة فأبدلت الثانية همزة، فصار دماء، وانظر إعلال (أخ) في الآية رقم [٥٩]. روي: أنه لما سمع بخبر يوسف؛ صاح، وسأل عن قميصه، فأخذه وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني، ولم يمزق عليه قميصه، ولذلك قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي: سهلت لكم أنفسكم، وزينت، أو هونت في أعينكم أمرا عظيما، وأيقن: أن الذئب لم يأكله، فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا، وقال: يا معشر ولدي دلوني على ابني، فإن كان حيا رددته إلي، وإن كان ميتا كفنته ودفنته. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فحالي، وشأني، أو: أمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل، وفي الحديث: «الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق». وانظر ما ذكرته في الآية

стр. 2665

رقم [١١٥] من سورة (هود)، هذا؛ وقرئ: «(صبرا جميلا)» على تقدير: فلأصبرنّ صبرا جميلا. ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي: أفوض أمري إلى الله، وأستعين به على احتمال ما تدّعونه من هلاك يوسف، وانظر ما ذكرته في الآية [٨٤] الآتية، ففيها كبير فائدة. تنبيه: حكى الماوردي أن في القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قدّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه يعقوب، فارتد بصيرا، أقول: وهذا لا يعني: أنه قميص واحد، وإنما هو مختلف في الحالات الثلاث. الإعراب: ﴿وَجاؤُ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ولا تنس أن ﴿عَلى﴾ بمعنى فوق، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من دم، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا إن جوز تقديم الحال على صاحبها المجرور، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِدَمٍ﴾: متعلقان بالفعل: (جاءوا). ﴿كَذِبٍ﴾: صفة (دم)، وانظر الشرح، وجملة: (جاءوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر يعود إلى يعقوب. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿سَوَّلَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَمْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلام مقدر، أي: ليس الأمر كما تدعون، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصَبْرٌ﴾: الفاء: حرف استئناف. (صبر): خبر لمبتدإ محذوف، أو هو مبتدأ خبره محذوف انظر الشرح، وقراءة النصب فيه أيضا، والكلام مستأنف على القراءتين لا محل له. (الله): مبتدأ. ﴿الْمُسْتَعانُ﴾: خبره. ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿الْمُسْتَعانُ،﴾ وتقدير الكلام: المستعان على الذي، أو شيء تصفونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ التقدير: المستعان على وصفكم، أي: على ادعائكم، والجملة الاسمية (الله...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾: رفقة يسيرون من مدين إلى مصر، فنزلوا قريبا من الجب، وكان ذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف فيه، وكان ماؤه ملحا، فعذب حين ألقي فيه يوسف. ﴿فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ أي: الذي يستقي لهم الماء، واسمه مالك بن ذعر الخزاعي وهو من العرب، وعبر
следующие страницы →