Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
يا صريخ المستصرخين! ويا غوث المستغيثين! ويا مفرّج كرب المكروبين قد ترى مكاني، وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري! فلما قالها؛ حفّته الملائكة، واستأنس في الجبّ. وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجبّ؛ قال: يا شاهدا غير غائب! ويا قريبا غير بعيد! ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا ممّا أنا فيه، وكان عمره اثنتي عشرة سنة على أصح الأقوال، ومكث في الجب ثلاثة أيام. انتهى. كشاف وخازن بتصرف.
وفي القرطبي: فلما قام على الصخرة، قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلكم، فآنس بعضكم بعضا؛ فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم؛ فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابّا؛ فاذكروا شبابي، فقال له جبريل ﵇: يا يوسف كفّ عن هذا، واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان، ثم علمه فقال:
قل: اللهمّ يا مؤنس كلّ غريب، ويا صاحب كلّ وحيد، ويا ملجأ كلّ خائف، ويا كاشف كلّ كربة، ويا عالم كلّ نجوى، ويا منتهى كلّ شكوى، ويا حاضر كلّ ملإ، يا حيّ يا قيّوم أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي حتّى لا يكون لي همّ وشغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنّك على كلّ شيء قدير، فقالت الملائكة: إلهنا نسمع صوتا ودعاء؛ الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي. انتهى.
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: (حين) عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿ذَهَبُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (هود). ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾: مضارع منصوب ب «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والتقدير: أجمعوا على جعله، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. وجوز فيها الحالية، وتكون: (قد) مقدرة قبلها. ﴿فِي غَيابَتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و ﴿غَيابَتِ﴾:
مضاف، و ﴿الْجُبِّ﴾: مضاف إليه، وجواب (لمّا) محذوف. تقديره: فعلوا به ما فعلوا، وقال الكوفيون: الجواب جملة (أوحينا...) إلخ والواو زائدة، كما قيل به في الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وهو هنا أرجح من هناك. تأمل. (أوحينا): فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان
стр. 2662
بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (لمّا) على القول بزيادة الواو، وهي مستأنفة على قول البصريين، أو هي معطوفة على جواب لما المحذوف. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (تنبئنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة أمرهم، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية:
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مفسر ل (أوحينا)؛ لأنه بالمعنى هو الموحى ليوسف. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، تقديره: بذلك وقت الإنباء، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الغائب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَجاؤُ..﴾. إلخ: وإنما رجعوا وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب، فلما بلغوا منزل يعقوب؛ جعلوا يبكون ويصرخون، فسمع أصواتهم، ففزع من ذلك، وقال: ما لكم يا بني؟! وأين يوسف؟! هذا؛ ويقرأ: «(عشيّا)» وهو تصغير عشيّ، وعشى بالضم والقصر جمع: أعشى. (جاءوا): هذا الفعل يكون متعديا إن كان بمعنى: وصل وبلغ، كما في هذه الآية، ويستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ هذا؛ والبكا بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد إسالة الدمع مع رفعه، قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت. قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁: [الوافر]
بكت عيني وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء ولا العويل
تنبيه: قال العلماء: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى، كما قال حكيم: [الوافر]
إذا اشتبكت دموع في خدود... تبيّن من بكى ممّن تباكى
وروي أن امرأة حاكمت زوجها إلى شريح القاضي، وبكت، فقال له الشعبي: يا أبا أمية! أما تراها تبكي؟! فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون، وهم ظلمة، ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.
стр. 2663
الإعراب: ﴿وَجاؤُ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَباهُمْ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف إلخ، والهاء مفعول به. ﴿عِشاءً﴾:
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يَبْكُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: (جاءوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نشتد، ونعدو، والمعنى: نستبق على الأقدام ليتبين أينا أسرع ركضا، وأخف حركة. ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾: عند ثيابنا. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي: في حال استباقنا، وغفلتنا عنه. ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾: بمصدق لقولنا. ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي: في قولنا، وذلك لسوء ظنك بنا، وشدة محبتك ليوسف.
قال السدي، وابن حبان: لما قالوا: أكله الذئب، خر يعقوب مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه، فلم يحس بنفس، ولم يتحرك له عرق، فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديان يوم الدين، ضيعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر، فأفاق ورأسه في حجر روبيل، فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ فقال: يا أبت كف عني بكاءك أخبرك، فكف بكاءه، فقال: ﴿يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿قالُوا يا أَبانا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [١١]. ﴿أَبانا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿ذَهَبْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿نَسْتَبِقُ﴾:
مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط. (تركنا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿أَرْسَلْنا﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (هود) ﵇. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾:
مضاف، و ﴿مَتاعِنا﴾: مضاف إليه، و (نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: (تركنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾: ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا ذَهَبْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال.
(ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (مؤمن): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت
стр. 2664
(ما) مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره. ﴿لَنا﴾: متعلقان ب (مؤمن)، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الذِّئْبُ،﴾ والرابط: الواو فقط على حد الآية رقم [١٤]. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿تَرَكْنا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمها. ﴿صادِقِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَلَوْ كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير، فهي حال متداخلة، هذا؛ واعتبر الجلال (لو) امتناعية شرطية، وقدر لها جوابا بقوله: «ولو كنا صادقين عندك لاتهمتنا في هذه القصة»، وردّ ذلك الجمل وفنده، فيكون المعتمد الأول.
﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: بدم مكذوب فيه، كان دم سخلة، أو جدي، أو دم ظبية لطخوا القميص فيه، ولم يشقوه، فقال يعقوب ﵇ حين رأى القميص هكذا:
كيف أكله الذئب، ولم يشق قميصه؟! فاتهمهم بذلك، وقيل: إنهم أتوه بذئب، وقالوا: هذا أكله، فقال: أيها الذئب أنت أكلت ولدي، وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله، وقال: والله ما أكلت ولدك، ولا رأيته قط، ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فأطلقه يعقوب، هذا؛ وقرئ: «(كذبا)» بالنصب على الحال من الواو، أي: جاءوا كاذبين، وقرئ: «(كدب)» بالدال، أي: بدم كدر، أو طري؛ إذ يقال للدم الطري: الكدب.
هذا؛ وأصل دم دمي، وقيل: دمو، حذفت لامه للتخفيف، فيثنى على لفظه: دمان بدون رد لامه، ويثنى: دميان أو دموان برد لامه، أما في الجمع فلا بد من ردّ لامه، فيقال: دماي، أو دماو، فيقال في إعلاله: تحركت الياء، أو الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة فأبدلت الثانية همزة، فصار دماء، وانظر إعلال (أخ) في الآية رقم [٥٩].
روي: أنه لما سمع بخبر يوسف؛ صاح، وسأل عن قميصه، فأخذه وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني، ولم يمزق عليه قميصه، ولذلك قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي: سهلت لكم أنفسكم، وزينت، أو هونت في أعينكم أمرا عظيما، وأيقن: أن الذئب لم يأكله، فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا، وقال: يا معشر ولدي دلوني على ابني، فإن كان حيا رددته إلي، وإن كان ميتا كفنته ودفنته. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فحالي، وشأني، أو: أمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل، وفي الحديث: «الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق». وانظر ما ذكرته في الآية
стр. 2665
رقم [١١٥] من سورة (هود)، هذا؛ وقرئ: «(صبرا جميلا)» على تقدير: فلأصبرنّ صبرا جميلا.
﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي: أفوض أمري إلى الله، وأستعين به على احتمال ما تدّعونه من هلاك يوسف، وانظر ما ذكرته في الآية [٨٤] الآتية، ففيها كبير فائدة.
تنبيه: حكى الماوردي أن في القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قدّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه يعقوب، فارتد بصيرا، أقول: وهذا لا يعني: أنه قميص واحد، وإنما هو مختلف في الحالات الثلاث.
الإعراب: ﴿وَجاؤُ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ولا تنس أن ﴿عَلى﴾ بمعنى فوق، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من دم، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا إن جوز تقديم الحال على صاحبها المجرور، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِدَمٍ﴾: متعلقان بالفعل: (جاءوا).
﴿كَذِبٍ﴾: صفة (دم)، وانظر الشرح، وجملة: (جاءوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ﴾:
ماض، وفاعله مستتر يعود إلى يعقوب. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿سَوَّلَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿أَمْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلام مقدر، أي: ليس الأمر كما تدعون، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصَبْرٌ﴾: الفاء: حرف استئناف. (صبر): خبر لمبتدإ محذوف، أو هو مبتدأ خبره محذوف انظر الشرح، وقراءة النصب فيه أيضا، والكلام مستأنف على القراءتين لا محل له. (الله): مبتدأ. ﴿الْمُسْتَعانُ﴾: خبره. ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿الْمُسْتَعانُ،﴾ وتقدير الكلام: المستعان على الذي، أو شيء تصفونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ التقدير: المستعان على وصفكم، أي: على ادعائكم، والجملة الاسمية (الله...) إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾: رفقة يسيرون من مدين إلى مصر، فنزلوا قريبا من الجب، وكان ذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف فيه، وكان ماؤه ملحا، فعذب حين ألقي فيه يوسف. ﴿فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ أي: الذي يستقي لهم الماء، واسمه مالك بن ذعر الخزاعي وهو من العرب، وعبر
стр. 2666
بجمع المذكر على المعنى، ولو عبر على اللفظ لقال: فأرسلت واردها، مثل وجاءت، وجمع وارد: وراد جمع تكسير، وواردون جمع تصحيح، وانظر الآية رقم [٩٨] من سورة (هود) تجد ما يسرك.
﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾: فأنزل دلوه في الجب ليملأه ماء، فتعلق به يوسف ﵇، هذا؛ وجمع دلو في القلة أدل، فإذا كثرت؛ قلت: دليّ، ودليّ، فقلبت الواو ياء؛ لأن الجمع بابه التغيير، وجمعه المشهور: دلاء، هذا؛ والدلو ما يدلى لإخراج الماء، فإذا امتلأ ماء، قيل: ذنوب وسجل، وهذا له نظائر في اللغة، فالخوان ما يوضع عليه الطعام، فإذا وضع عليه، قيل: مائدة، ولا يقال: كأس إلا وفيها شراب، وإلا فهي قدح، ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا فهو أنبوب.
﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾: نادى البشرى بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنه قال: تعالي، فهذا أوانك فاحضري، وقيل: هو اسم لصاحب له، ناداه ليعينه على إخراجه، وضعفه النحاس؛ لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا، وإنما يأتي بالكناية، وهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وهو عقبة بن أبي معيط، وبعده: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً،﴾ هذا؛ وقرئ:
«(يا بشراي)» و «(يا بشراي)»، «(يا بشريّ)». ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أي: أخفاه الوارد، وأصحابه عن سائر الرفقة، وقيل: أخفوا أمره، وقالوا لهم: دفعه لنا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وقيل: الضمير يعود لإخوة يوسف، وذلك لأن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم، فأتاه يومئذ، فلم يجده في الجب، فأخبر إخوته، فأتوا الرفقة، وقالوا: هذا غلام لنا أبق منا، فاشتروه، فسكت يوسف ﵇ مخافة أن يقتلوه. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: عليم بما يعمل مالك؛ الذي وجده، وأصحابه الذين أخفوا أمره، أو عليم بصنيع إخوة يوسف بأبيهم، وأخيهم، وما أرادوا من إهلاكه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: لما أخرجوا يوسف من الجب؛ دهشوا لجماله، وكان أحسن ما يكون من الغلمان، وذكر البغوي بسند متصل: أن النبي ﷺ قال: «أعطي يوسف شطر الحسن». ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس الحسن، وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار قال:
كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين، والعضدين، والساقين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور من ثناياه، لا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان شبه آدم ﵇ يوم خلقه الله، ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية.
الإعراب: ﴿وَجاءَتْ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿سَيّارَةٌ﴾:
فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (أرسلوا): ماض والواو فاعله، والألف للتفريق.
стр. 2667
﴿وارِدَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (أرسلوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا.
﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿وارِدَهُمْ﴾. (يا): حرف نداء ينوب مناب: (أدعو).
(بشرى): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم المقدر على الألف في محل نصب، وعلى القراءات الأخرى، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، هذا؛ وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، والمعنى: أيها البشرى احضري، فهذا أوانك، وله نظائر كثيرة في كتاب الله، مثل:
يا حسرتى، يا ويلتى، ونحوهما، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، ومثلها الجملة الاسمية: ﴿هذا غُلامٌ﴾ وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أسروه): ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِضاعَةً﴾:
حال، وهو في الحقيقة معمول لحال محذوفة؛ إذ التقدير: جاعليه بضاعة. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عليم بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ التقدير: عليم بعملهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه، فقد يطلق لفظ الشراء على البيع، يقال: شريت الشيء، بمعنى بعته، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع؛ لأن واو الجماعة تعود إلى شيء واحد، وذلك أن إخوته زهدوا فيه، فباعوه، وقيل: إن الضمير يعود على مالك بن ذعر وأصحابه، وعليه يكون لفظ الشراء على بابه. ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: نقص بمعنى منقوص؛ لأن غرض إخوته لم يكن في ثمنه، وإنما كان قصدهم إبعاده عن وجه أبيه؛ ليخلو لهم، كما رأيت فيما تقدم، وقيل:
معنى: بخس حرام، أو ظلم؛ لأن ثمن الحر حرام. ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: قليلة، فعن ابن عباس وابن مسعود-﵃: باعوه بعشرين درهما، أخذ كل واحد من إخوته درهمين.
﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أي: من الراغبين عن يوسف، فإن كانت واو الجماعة عائدة على الإخوة فالأمر ظاهر، وإن كان للرفقة، وكانوا بائعين له، فزهدهم فيه؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء، متهاون به، خائف من انتزاعه منه، مستعجل في بيعه، وإن كانوا مبتاعين؛ فلأنهم اعتقدوا: أنه عبد آبق.
стр. 2668
قال محمد بن إسحاق: اشتمل فعل أولاد يعقوب على جرائم كثيرة، من قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد، والكذب مع أبيهم، ونسبته إلى الضلال، ومحض الحسد، هو من أمهات الكبائر، وقد عفا الله عن ذلك حتى لا ييئس أحد من رحمة الله تعالى، وقال بعض أهل العلم: عزموا على قتله، وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا ذلك؛ لهلكوا جميعا، وكل ذلك قبل أن نبأهم الله. انتهى. خازن وغيره بتصرف.
أقول: لم تثبت نبوتهم بحديث صحيح، وإن كانوا أنبياء؛ فليسوا رسلا قطعا.
الإعراب: ﴿وَشَرَوْهُ﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (شروه): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة، مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والهاء مفعول به، والجمل الفعلية معطوفة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿بِثَمَنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَخْسٍ﴾: صفة: ثمن. ﴿دَراهِمَ﴾: بدل من (ثمن) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: صفة:
﴿دَراهِمَ﴾. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان ب ﴿الزّاهِدِينَ،﴾ إن كانت (ال) للتعريف، ومتعلقان بمحذوف يبينه: ﴿الزّاهِدِينَ،﴾ إن كانت موصولة بمعنى (الذي) لأن متعلق الصلة لا يتقدم عليها. ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: (كانوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، ومثل هذه الجملة في إعرابها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الآية رقم [١٣٠] من سورة (البقرة)، وقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ الآية رقم [١١٦] من سورة (المائدة)، وذلك على اعتبار (ال) للتعريف، أو موصولة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ﴾: وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، واسمه قطفير، أو إطفير، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقي، وقد آمن بيوسف، ومات في حياته، وقيل: كان فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ﴾ والمشهور: أنه من أولاد فرعون يوسف، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء، روي: أن العزيز اشتراه، وهو ابن سبع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان؛ وكان ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة، والعلم، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي، وهو ابن مائة وعشرين سنة، واختلف في الثمن الذي اشتراه
стр. 2669
به من مالك بن ذعر، فقيل: بعشرين دينارا، وزاده حلة، ونعلين، وقيل: تزايدوا في ثمنه، فبلغ أضعاف وزنه مسكا، وعنبرا، وحريرا، وورقا وذهبا، ولآلئ، وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن. ﴿لاِمْرَأَتِهِ﴾: اسمها راعيل، أو زليخا، وهو المشهور.
﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾: اجعلي مقامه عندنا كريما حسنا، فأكرميه في المطعم، والمشرب والملبس، والمثوى في الأصل: المنزل الذي يكون فيه الإقامة، والفرق بينه وبين المأوى، فهو مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى، فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقتا.
﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ أي: إن أردنا بيعه بعناه بربح، أو يكفينا بعض أمورنا، ويقضي حوائجنا؛ إذا قوي وبلغ. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ أي: نتبناه، وكان عقيما لا ولد له.
﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما مننا على يوسف بإنقاذه من القتل، وإخراجه من الجب مكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها، وصاحب الأمر والنهي فيها. وانظر الآية رقم [٥٦] الآتية. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي: تعبير الرؤيا وتفسيرها المنبهة على أمور تقع في المستقبل ليستعد لها، ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل برؤيا الملك الآتية، وقيل: المراد إقامة العدل إذا حكم، وتدبير أمور الناس، وفهم معاني كتاب الله وأحكامه، وانظر ما ذكرته في الأحاديث في الآية رقم [٦]. ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ قيل: الضمير يرجع إليه تعالى، ويكون المعنى: الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا راد لقضائه، ولا يغلبه شيء، وقيل:
الضمير راجع إلى يوسف، ومعناه أنه تعالى مستول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة، لا يكله إلى أحد سواه، حتى يبلغ منتهى ما قدره له، من علو الشأن، ورفيع المنزلة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يطلعون على الغيب. أو المراد: لا يعلمون حكمة الله في أحكامه، وتصريفه الأمور على حسب مشيئته وتقديره، وذكر الأكثر؛ لأن البعض لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر، وقيل: المراد بالأكثر: الجميع؛ لأن أحدا لا يعلم الغيب.
هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود)، وانظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود)، وفي الآية الكريمة التفات من التكلم إلى الغيبة، انظر الالتفات في الآية رقم [٥٠] من سورة (يونس).
فائدة: قال عبد الله بن مسعود-﵁-أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى: ﴿اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر حين استخلف عمر-﵄-هذا؛ وأقول: إن فراسة خديجة ﵂ بالنبي ﷺ أعظم فراسة.
الإعراب: ﴿وَقالَ الَّذِي﴾ ماض وفاعله. ﴿اِشْتَراهُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد والجملة الفعلية صلة الموصول
стр. 2670
لا محل لها. ﴿مِنْ مِصْرَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع ممكن الصرف للعلمية والعجمة، ﴿لاِمْرَأَتِهِ﴾: متعلقان بالفعل: (قال)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكْرِمِي﴾: أمر مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله. ﴿مَثْواهُ..﴾.: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَكْرِمِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَسى﴾: ماض دال على الترجي، وهو تام هنا. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿يَنْفَعَنا﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى يوسف، و (نا): مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿عَسى،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفيدة للترجي. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نَتَّخِذَهُ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَلَداً﴾: مفعول به ثان. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله بعده، التقدير: مكنا ليوسف تمكينا كائنا مثل إنقاذنا له من القتل، وإخراجنا له من الجب. ﴿مَكَّنّا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما والمفعول به محذوف، التقدير: الأمور، هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، فيكون يوسف مفعولا به مجرورا لفظا، منصوبا محلاّ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان به أيضا، والجملة الفعلية: (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها. (لنعلمه): مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿تَأْوِيلِ﴾: مضاف، و ﴿الْأَحادِيثِ﴾: مضاف إليه، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على مقدر محذوف، التقدير: ليتصرف فيها بالعدل، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ..﴾. إلخ: وقيل: الواو زائدة، وعليه يتعلق الجار والمجرور بالفعل ﴿مَكَّنّا﴾ مباشرة.
﴿وَاللهُ غالِبٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿عَلى أَمْرِهِ﴾: متعلقان ب ﴿غالِبٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وفي ﴿غالِبٌ﴾ ضمير مستتر فيه هو فاعله. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ﴾: اسمها، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: مضارع وفاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا بَلَغَ﴾ أي: يوسف ﵇. ﴿أَشُدَّهُ﴾: منتهى شبابه، وشدته، وقوته، وهو ثلاث وثلاثون سنة على المعتمد، هذا؛ وأشده عند سيبويه جمع، واحده شدّة، وقال الكسائي: واحده: شدّ، وزعم أبو عبيد: أنه لا واحد له من لفظه عند العرب. ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾
стр. 2671
وَعِلْماً أي: نبوة وفقها في الدين، وقيل: إصابة في القول، وعلما بتأويل الرؤيا، وقيل: الفرق بين الحكيم، والعالم: أن العالم هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها، والحكيم هو الذي يعمل بما يوجبه العلم. ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي: وكما أنعمنا على يوسف بهذه النعم كلها. ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فيه إشارة إلى أن الله تعالى إنما منحه ما منحه من النعم جزاء إحسانه، هذا؛ والمحسن: هو الذي يحسن معاملته مع الله تعالى بأداء ما أمر، والابتعاد عن ما نهى عنه، ويحسن إلى عباده، فيعطف على ضعيفهم، ويواسي فقيرهم، ويرشد جاهلهم إلخ.
تنبيه: قال الطبري: هذا؛ وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن، فالمراد به محمد ﷺ ، يقول الله تعالى: كما فعلت بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى، ثم أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من شركي قومك، الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض. انتهى. قرطبي.
تنبيه: لعلك تدرك معي: أن الله تعالى قال في حق موسى ﵇ في سورة (القصص): ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى﴾ ولم يقل هنا ﴿وَاسْتَوى﴾ والسبب في ذلك: أن الله أرسل موسى على رأس الأربعين، وهو سن الاستواء، والنضج عقلا، وجسما، وتفكيرا... إلخ، أما الأشد وهو سن الثلاث والثلاثين، فإنه لا يزال في ازدياد إلى سن الأربعين، وليس بعده نضج ولا كمال ولا تمام، وقد يثبت عليه إلى سن الخمسين، ثم يأخذ بالنقصان في كل شيء، عقلا، وجسما، وتفكيرا، وحواسه تأخذ بالضعف، وكل ذلك مشاهد، وجلي.
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٥]. ﴿بَلَغَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى (يوسف). ﴿أَشُدَّهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿آتَيْناهُ﴾: ماض وفاعله ومفعوله الأول. ﴿حُكْماً﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (علما): معطوف على ما قبله. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل الجزاء الذي جزيناه يوسف. ﴿نَجْزِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مفعول به أول منصوب... إلخ، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: خيرا ونحوه؛ لأن الفعل ينصب مفعولين، وجملة: (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: إن امرأة العزيز طلبت من يوسف الذي هو خادمها وفي بيتها الفعل القبيح، ودعته إلى نفسها؛ ليواقعها.
стр. 2672
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾: قيل: كانت سبعة، وتشديد اللام للتكثير، أو للمبالغة، وفعلت ذلك لشدة خوفها، ولأن مثل هذا لا يكون إلا في ستر، وخفية. ﴿وَقالَتْ﴾ أي: زليخا. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: هلم، وأقبل، وتعال، وهو اسم فعل جامد لا يتصرف، قال النحاس: فيها سبع قراءات، فمن أجلّ ما فيها، وأصحّه إسنادا ما رواه الأعمش عن أبي وائل، قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقرأ: ﴿(هَيْتَ لَكَ)﴾ أي: بفتح التاء، قال: فقلت: إن قوما يقرءونها «(هيتِ لك)» فقال: إنما أقرأ كما علمت، وقرئ «(هَيْتُ)» قال طرفة بن العبد: [الخفيف]
ليس قومي بالأبعدين إذا ما... قال داع من العشيرة هيت
فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهن مفتوحة، وقرئ: «(هِيتُ لك)» و «(هِيتَ لك)» بكسر الهاء فيهما، وضم التاء أو فتحها، وقرئ: «(هِيتُ لك)» و «(هئت لك)» بكسر الهاء فيهما وسكون الهمزة. وضم التاء وفتحها، وقرئ أيضا: «(هَيْتِ لك)» كجير و «(هيّأت)» وأجودها أولها كما رأيت، قال شاعر يدعو علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق: [مجزوء الكامل]
أبلغ أمير المؤمني... ن أخا العراق إذا أتيت
إنّ العراق وأهله... سلم إليك فهيت هيت
بعد هذا قال مجاهد وغيره: هي لغة عربية، وقال غيره: هي لغة عبرانية، أو قبطية، فمن قال: إنها بغير لغة العرب، يقول: إن العرب وافقت أصحاب هذه اللغة، فتكلمت بها على وفق لغات غيرهم، كما وافقت لغة العرب الروم في القسطاس ولغة العرب الفرس في التنور، ولغة العرب الترك في الغساق، ولغة العرب الحبشة في ناشئة الليل، وبالجملة فإن العرب إذا تكلمت بكلمة صارت لغة لها، وانظر ما ذكرته في الآية [٢].
﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾: أعوذ بالله، وأعتصم به، وألجأ إليه فيما دعوتني إليه، ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي:
سيدي ومولاي العزيز قطفير. ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾: أكرمني، فلا أخونه بأهله، وقيل: إن الضمير في ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعود إلى الله، والمعنى: إن الله تولاني بلطفه، حيث آواني إليكم، ومن بلاء الجب نجاني. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾: يعني إن فعلت هذا الفعل؛ فأنا ظالم، ولا يسعد الظالمون.
تنبيه: في الآية الكريمة معنى بلاغي عظيم، فإنّ استعمال الموصول في قوله: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها﴾ يعطي معنى أرفع من التصريح باسمها زليخا؛ لأن وجوده في بيتها، وتحت إمرتها، وإغلاق الأبواب بإحكام يجعله في أمان تام، واطمئنان كامل من أن يطلع عليه أحد لو فعل معها الفاحشة، واستجاب لرغبتها، ومع ذلك فقد أعرض عنها، والله هو الذي تولاه بلطفه، وحماه من مواقعة الفاحشة.
الإعراب: ﴿وَراوَدَتْهُ﴾: الواو: حرف استئناف. (راودته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على
стр. 2673
الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي بَيْتِها﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والجملة الفعلية (راودته...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: الجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ..﴾. إلخ إلى هنا اعتراض. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ معطوفة على ما قبلها، ولعلك تدرك معي: أن تغليق الأبواب كان قبل المراودة. (قالت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي هُوَ..﴾. إلخ. ﴿هَيْتَ﴾: اسم فعل أمر، مبني على الفتح، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وقيل: هو اسم فعل ماض، والمعتمد الأول. ﴿لَكَ﴾: متعلقان ب ﴿هَيْتَ،﴾ واللام للتبيين كالتي في (سقيا لك) أي: تبيين المفعول المخاطب، فكأنها قالت: الكلام معك، والخطاب لك، هذا؛ وعلى قراءة «(هئت)» فهو فعل وفاعل، و ﴿لَكَ﴾ متعلقان به، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَ﴾:
ماض، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿مَعاذَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، و ﴿مَعاذَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الناتجة من المصدر الميمي وفعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿رَبِّي﴾: خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة لياء المتكلم، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿مَثْوايَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل (إنّ) أو في محل نصب حال من ﴿رَبِّي﴾ فتكون «قد» قبلها مقدرة، والرابط الضمير فقط. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿رَبِّي﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، فتكون الجملة الاسمية: ﴿رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وجوز اعتبار ﴿رَبِّي﴾ بدلا من الهاء، فتكون الجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها.
﴿لا﴾: نافية. ﴿يُفْلِحُ﴾: مضارع. ﴿الظّالِمُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: الهم: هو المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، فمعنى:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أرادته وقصدته، فكان همها به عزمها على المعصية والزنى، وهمّ يوسف، ولم يواقع ما هم به، فبين الهمتين فرق، ومن الثاني قول عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]
стр. 2674
هممت، ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله
هذا؛ ولقد كثرت أقوال المفسرين في هذه القصة، وها أنا ذا ألخصها لك، وأطلب من الله التوفيق إلى الصواب، وسلوك طريق النجاح والسداد، فأقول: همت به همّ عزم وقصد لما تبغي من الفاحشة، وهم بها همّ الطباع مع الامتناع، قاله الحسن، ولا صنع للعبد فيما يخطر في القلب من ذلك، ولا مؤاخذة عليه، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين، وقيل: هم بها: شارف أن يهم بها، وقل: هم بها: هم بزجرها، ووعظها، وقيل:
هم بضربها، ودفعها عن نفسه، وقيل: هم بها همها: امتناعه، وجواب ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ محذوف، تقديره: لخالطها، أو لكان ما كان، والبرهان الحجة.
هذا؛ وما روي عن ابن عباس-﵄-من أنه قال: حل يوسف الهميان، وجلس منها مجلس الخائن، فهو مكذوب عليه، وحاشاه أن يقول ذلك، وما قاله مجاهد وغيره: حل سراويله، وجعل يعالج ثيابه، وقعد منها مقعد الرجل من زوجته، فهو باطل، ويدل على بطلانه قوله تعالى: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولو كان ذلك منه أيضا لما برأ نفسه من ذلك، وقوله تعالى:
﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفا عنه، وقوله:
﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ولو كان كذلك لخانه بالغيب، وقول النسوة: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ بل وتصريح زليخا ببراءته في قولها: ﴿قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ وشهادة زوجها بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ وشهادة المولود ببراءته، قال تعالى:
﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها..﴾. إلخ، ولأنه لو وجد منه شيء من ذلك، لذكرت توبته واستغفاره، كما كان لآدم ونوح، وذي النون، وداود على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وأزكى سلام، وقد سماه الله مخلصا، فعلم بالقطع: أنه ثبت في ذلك المقام، وجاهد نفسه مجاهدة أهل العزم، ناظرا في دلائل التحريم، حتى استحق من الله الثناء الجميل.
وأما قوله: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ..﴾. إلخ فهذا منه على سبيل التواضع والاعتراف لمخالف النفس لما زكي به، قبل وبرئ، وما روي: أن جبريل ﵇، وقيل:
مثل له يعقوب، فضرب على صدره، فخرجت شهوته من أنامله لا أصل له.
وأما البرهان الذي رآه يوسف، فقد فسره المحققون بوجوه: الأول: قال جعفر الصادق:
البرهان هو النبوة التي جعلها الله في قلبه، فحالت بينه وبين ما يسخط الله تعالى. الثاني:
البرهان حجة الله على العبد في تحريم الزنى، والعلم بما على الزاني من العقاب.
الثالث: أن الله طهر نفوس الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام-من الأخلاق الذميمة، والأفعال الرذيلة، وجبلهم على الأخلاق الشريفة الطاهرة المقدسة، فتلك الأخلاق الطاهرة الشريفة،
стр. 2675
تحجزهم عن فعل ما لا يليق فعله، وبالجملة: فالبرهان آية من آيات الله، أراها يوسف ﵇؛ حتى قوي إيمانه، واشتد يقينه، فامتنع عن المعصية، ولا يلتفت لما يقال من أقوال.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَمَّتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا.
﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. و ﴿وَهَمَّ بِها﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿رَأى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿بُرْهانَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾:
مضاف إليه، و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿رَأى﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، وتقدير الكلام: لولا رؤيته برهان ربه موجودة في ذلك الوقت لواقع المعصية، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر، أو الحال كذلك، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده، التقدير: لنصرف عنه السوء والفحشاء صرفا كائنا مثل رؤيته برهان ربه. ﴿لِنَصْرِفَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان به. ﴿السُّوءَ﴾: مفعول به. (الفحشاء): معطوف عليه، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه الكلام، التقدير: أريناه البرهان لصرف السوء والفحشاء عنه. ﴿إِنَّهُ﴾:
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ عِبادِنَا﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾: صفة: ﴿عِبادِنَا﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وهو يقرأ بفتح اللام وكسرها، والأول بمعنى المختارين المصطفين، والثاني من إخلاص العبادة لله تعالى، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل لصرف السوء عنه.
﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي: تسابق يوسف، وزليخا إلى الباب الخارجي، ففي الكلام حذف واختصار؛ إذ التقدير: ولما رأى برهان ربه هرب منها، فتبعته؛ لترده، فأدركته قبل أن يخرج من الباب، فتعلقت بقميصه من خلفه، وجذبته إليها؛ حتى لا يخرج، فذلك قوله : ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: فشقته من خلف، فغلبها يوسف، فخرج، وخرجت خلفه،
стр. 2676
هذا؛ والقدّ: الشق طولا، والقطّ: الشق عرضا.. ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾: وجد يوسف وزليخا قطفير العزيز زوجها واقفا، وقيل: جالسا عند الباب، هذا؛ والقبط يسمون الزوج سيدا.
﴿قالَتْ ما جَزاءُ..﴾. إلخ: بادرت في الكلام إيهاما بأنها فرت من يوسف تبرئة لساحتها عند زوجها، ولتغير قلبه على يوسف، ولتغريه به انتقاما منه حيث لم يستجب لرغبتها فيما طلبت منه، ولكنها لا تزال تكنّ له الحب الشديد؛ ولذا لم تطلب له عقوبة القتل، وإنما عينت عقوبته بنفسها، السجن، أو التعذيب بضرب السياط، وإنما بدأت بذكر السجن دون التعذيب؛ لأن المحب لا يشتهي إيلام المحبوب، وهي كذلك، وقد أرادت أن يسجن يوما أو يومين تريد بذلك إخضاعه لإرادتها، وهيمنتها عليه، خذ هذا؛ وافهمه، فإنه جيد إن شاء الله تعالى.
بعد هذا انظر شرح (أهلك) في الآية رقم [٨١] من سورة (هود)، وشرح (القول) في الآية [١٨] منها أيضا، و (سيد) أصله: سيود من ساد، يسود، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال ميت وهين ونحوهما. ﴿عَذابٌ﴾: اسم مصدر؛ لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب، فهو من عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿أَلِيمٌ﴾: مؤلم، أي: موجع بكسر اللام، فهو اسم فاعل، وقال الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة، إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد (جدّ جدّه) انتهى. بتصرف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاسْتَبَقَا﴾: الواو: حرف عطف. (استبقا): ماض، وألف الاثنين فاعله.
﴿الْبابَ﴾: منصوب بنزع الخافض، وقيل: يضمن الفعل معنى: ابتدر الباب فهو مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ..﴾. إلخ فيكون: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ معترضا بين المتعاطفين، جيء به تقريرا لنزاهة يوسف ﵇. (قدت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿قَمِيصَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (قدت...) إلخ معطوفة على ما قبلها. (ألفيا): ماض، والألف فاعله. ﴿سَيِّدَها﴾: مفعول به أول، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿لَدَى﴾: ظرف مكان بمعنى:
(عند) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وهو متعلق بالفعل قبله، و ﴿لَدَى﴾:
مضاف، و ﴿الْبابَ﴾: مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: واقفا، أو جالسا، وجملة: (ألفيا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿ما﴾: نافية. ﴿جَزاءُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَرادَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ﴾. ﴿بِأَهْلِكَ﴾: متعلقان ب ﴿أَرادَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُوءاً،﴾
стр. 2677
كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿سُوءاً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَنْ﴾:
حرف مصدري ونصب. ﴿يُسْجَنَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب فاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف.
﴿عَذابٌ﴾: معطوف على المصدر المؤول. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، و ﴿جَزاءُ﴾ خبره، ويكون المصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾. في محل رفع بدلا من ﴿جَزاءُ،﴾ ولا يجوز اعتباره استثناء منصوبا لعطف عذاب عليه. تأمل، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: قال يوسف: هي طالبتني بفعل الفحشاء. فأبيت، وفررت منها، وإنما قال ذلك حين لطخت عرضه، ودفعا لما عرضته له من السجن، أو العذاب، ولو لم تكذب عليه؛ لما قاله. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾: اختلفوا في ذلك الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبيا، فأنطقه الله ، وهو رواية عن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «تكلّم أربعة، وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم». ذكره البغوي بغير سند، قيل: كان الصبي ابن عم المرأة، أو ابن خالها، وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا، ولكنه كان رجلا حكيما ذا رأي: وعقل، وكان الوزير يستشيره في أموره، وهو من أقرباء المرأة، وكان مع زوجها حينما خرجا يتراكضان خلف بعضهما، وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها، ليكون ألزم عليها.
﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ..﴾. إلخ: لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها، أو أنه أسرع خلفها، فتعثر بذيله، فانقد جيب قميصه.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿راوَدَتْنِي﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر يعود إلى زليخا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ هِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَنْ نَفْسِي﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة.
﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾: ماض وفاعله. ﴿مِنْ أَهْلِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والأولى تعليقهما ب
стр. 2678
﴿شاهِدٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿قَمِيصُهُ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قُدَّ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى قميصه. ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَصَدَقَتْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صدقت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وهي على تقدير «قد» قبلها؛ إذ التقدير: فقد صدقت. ﴿وَهُوَ﴾: الواو:
واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (صدقت) المستتر، والرابط: الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ والجملة الشرطية: ﴿إِنْ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به؛ لأن (شهد) بمعنى قال، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقال: ﴿إِنْ كانَ..﴾. إلخ وقد صرح الجلال بتقدير هذا القول. تأمل.
﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٧)﴾
الشرح: أقول: بالإضافة لما أدلى به الشاهد من شهادة معتمدا في شهادته على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة من قدّ القميص مقبلا في حال الإرادة، والإغارة، ومن قدّه مدبرا في حال الإكراه، والملاحقة، والمطاردة، فهناك علامات كثيرة تدل على صدق يوسف ﵇، وتنفي عنه الريبة، والتهمة: منها أن يوسف ﵇ كان في الظاهر مملوك هذه المرأة، والمملوك لا يجرؤ على مراودة سيدته، وطلب الفاحشة منها. ومنها: أن زوجها ومن كان معه قد شاهدوا يوسف يعدو هاربا منها، والطالب لا يهرب، ومنها: أنهم رأوا المرأة قد تزينت بأكمل الزينة، فكان إلحاق التهمة بها أولى، ومنها: أنهم عرفوا يوسف ﵇ في المدة الطويلة بينهم، فلم يروا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذه الحالة، فمجموع هذه العلامات دلالة على صدقه مع قرينة الحال التي استدل به الشاهد على نزاهته وبراءته مما قذفته به، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وقد قرئ «(قبل ودبر)» بضم كل حروفهما، قال الزجاج: بجعلهما غايتين كقبل وبعد، كأنه قال: من قبله ومن دبره، فلما حذف المضاف إليه، وهو مراد صار المضاف غاية نفسه، بعد أن كان المضاف إليه غاية له، وقرئ: «(من قبْل ومن دبْر)» بسكون عينهما وجر لامهما، وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: «(من قبلَ، ومن دبرَ)» بفتح لامهما وضم عينهما، كأنه جعلهما علمين
стр. 2679
للجهتين، فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن كلاهما معرفة ومزال عن بابه، وينبغي أن تعلم أن القراءة الأولى سبعية، وهي قراءة الجمهور، وأما القراءات الثلاث الأخيرة فمن الشواذ.
الإعراب: بعد هذا فإعراب هذه الآية ظاهر إن شاء الله تعالى؛ لأنه مثل إعراب الآية السابقة بلا فارق، هذا؛ وقد قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت: كيف جاز الجمع بين (إن) التي هي للاستقبال، وبين (كان) التي هي للماضي، قلت: لأن المعنى: أنه يعلم إن كان قميصه قدّ، ونحوه قولك: إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك من قبل لمن يمتنّ عليك بإحسانه، تريد: إن تمتنّ علي أمتنّ عليك. انتهى. وإن ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: لما رأى قطفير القميص مشقوقا من خلفه، وعلم كذب زوجته، وصدق يوسف وبراءته، مما قذفته به؛ ﴿قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن قولك: ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ،﴾ أو إن هذا الأمر، وهو طمعها في يوسف. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: الخطاب لها ولأمثالها، أو لسائر النساء، وإنما كان كيدهن عظيما؛ لأنه ألصق، وأعلق بالقلب، وأشد تأثيرا في النفس، ولأنهن يواجهن الرجال به، والشيطان يوسوس مسارقة.
وقال بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً،﴾ وقال للنساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وقال مقاتل: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً،﴾ وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولا تنس قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»﴾.
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٥] ﴿رَأى﴾: ماض، وفاعله يعود إلى قطفير العزيز. ﴿قَمِيصَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿رَأى قَمِيصَهُ﴾ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قُدَّ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: ﴿قَمِيصَهُ﴾. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾:
متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، إن كان (رأى) علميا، وفي محل نصب حال، إن كان بصريا، وتكون: «قد» قبلها مقدرة. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى قطفير أيضا. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر (إن)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول،
стр. 2680
وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ مؤكدة لسابقتها، وهي من مقول قطفير أيضا.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي: يا يوسف أعرض عن هذا الأمر، فلا تذكره لأحد؛ حتى لا يشيع، وينتشر بين الناس، أو المعنى: لا تكترث به، فقد بان عذرك، وبراءتك. ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أي: توبي واعتذري إلى إلهك ممّا رميت به يوسف، وهو بريء، وقيل: إن هذا من قول الشاهد، يقول للمرأة: اعتذري لزوجك ليصفح عنك. ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ أي: من المذنبين حيث خنت زوجك، ورميت يوسف بالتهمة، وهو بريء، وفي قوله ﴿الْخاطِئِينَ﴾ تغليب للذكور على النساء، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، مثل:
﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ هذا؛ وقد قال الجمل نقلا عن كرخي: كان العزيز قليل الغيرة، بل قال في البحر إن تربة مصر تقتضي هذا، ولهذا لا ينشأ فيها الأسد، ولو دخل فيها لا يبقى. انتهى.
وقال القرطبي: إن الله سلبه الغيرة، وكان فيه لطف بيوسف، حتى كفي بادرته، وعفا عنها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يُوسُفُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة. ﴿أَعْرِضْ﴾: فعل أمر وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول. تأمل. (استغفري): أمر مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: استغفري إلهك؛ لأن هذا الفعل قد ينصب مفعولين صريحين، وقد يتعدى للثاني بحرف الجر، كما هنا، وانظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (يونس). ﴿لِذَنْبِكِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكِ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتِ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْخاطِئِينَ﴾:
متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتِ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكِ..﴾. إلخ تعليل للأمر وهي بدورها من مقول قطفير العزيز.
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾: ما حدث ليوسف ﵇ مع زليخا لم يبق سرّا بل تحدثت به النساء بينهن، وكن خمسا: امرأة حاجب العزيز،
стр. 2681
وامرأة صاحب دوابّه، وامرأة خبّازة، وامرأة ساقيه، وامرأة صاحب سجنه، وقلن: امرأة العزيز زليخا تطلب مواقعة عبدها الكنعاني، وهو يمتنع عنها. ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي: إن حبه قد شق شغاف قلبها-وهو حجابه-حتى وصل إلى فؤادها، وقيل: إن حبه قد أحاط بقلبها كإحاطة الشغاف بالقلب، حتى أصبحت لا تعرف شيئا سواه. ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في خطأ بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف، والستر، والمحافظة على الشرف، وانظر إعلال (نرى) في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود).
-بعد هذا فالمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من حي وهو آدم ﵉، وتجمع المرأة من غير لفظها، ففي القلة جمعها نسوة، بكسر النون وضمها، وفي الكثرة جمعها: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان، فهي مطبوعة عليه، إما كذبا، وإما إهمالا، ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه. ﴿فَتاها﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٦٢] الآتية، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٥٣] الآتية، هذا؛ والشغف مصدر: شغفه الحب إذا خرق شغاف قلبه؛ حتى وصل للفؤاد، والشغاف: حجاب القلب المحيط به، وقيل: بل هو جلدة رقيقة، يقال لها: لسان القلب إذا دخله الحب لم يخرج منه، قال النابغة الذبياني: [الطويل]
وقد حال همّ دون ذلك داخل... دخول الشّغاف تبتغيه الأصابع
هذا ويقرأ: «(شعفها)» بالعين من: شعف البعير: إذا هنأه، فأحرقه بالقطران، قال امرؤ القيس: [الطويل]
أتقتلني، وقد شعفت فؤادها... كما شعف المهنوءة الرجل الطّالي؟
المعنى: أتقتلني المحبوبة، والحال أني قد شعفت فؤادها، أي: علوته كما يعلو الرجل الطالي الإبل المهنوءة؛ إذا هنأها بالقطران.
الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: ماض. ﴿نِسْوَةٌ﴾: فاعله، ولم يؤنث الفعل؛ لأن الفاعل اسم جمع كما رأيت، وما كان من هذا القبيل يجوز تأنيث فاعله، وتذكيره. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نِسْوَةٌ﴾. ﴿اِمْرَأَتُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه. ﴿تُراوِدُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إليها. ﴿فَتاها﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾:
متعلقان بالفعل ﴿تُراوِدُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تُراوِدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اِمْرَأَتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
стр. 2682
(قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿شَغَفَها﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فَتاها،﴾ و (ها): مفعول به. ﴿حُبًّا﴾: تمييز محول عن الفاعل، فإن الأصل: قد شغفها حبه، وجملة: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ يجوز أن تكون في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وأن تكون في محل نصب حال من الفاعل، أو من المفعول، وأن تكون مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَراها﴾: اللام: هي المزحلقة. (نراها): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فِي ضَلالٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة: ﴿ضَلالٍ... ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: فلما سمعت زليخا بغيبة النسوة إياها، وذمها، وقيل: إنها أطلعتهن على سرها فأفشينه، فسمى الله ذلك مكرا. ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾: قيل: صنعت وليمة عظيمة، ودعت إليها أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن الخمس اللاتي تكلمن فيها، وقد أرادت أن تقيم عذرها عندهن في محبة يوسف ﵇. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: ووضعت لهن نمارق ووسائد يتكئن عليها، وقال ابن عباس-﵄-وغيره: يعني طعاما، وإنما سمي الطعام متكأ؛ لأن كل من دعوته ليطعم عندك، فقد أعددت له وسائد يجلس، ويتكئ عليها، فسمى الطعام متكأ على الاستعارة؛ ولذلك جاء النهي عنه في قول النبي ﷺ : «لا آكل متكئا».
وقال بعضهم: إنه الأترجّ وعسل يؤكل به، قال جميل بن معمر العذري: [الخفيف]
فظللنا بنعمة واتّكأنا... وشربنا الحلال من قلله
قيل: إنها طلبت النسوة، فأتين على كره منهن، وقد قال فيهن أمية بن أبي الصلت: [مخلع البسيط]
حتى إذا جئنها قسرا م... هّدت لهنّ أنضادا وكبابا
هذا؛ وقد قرئ: ﴿مُتَّكَأً﴾ بقراءات مختلفة. ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً﴾: أعطت كل واحدة من النسوة سكينا؛ لتقطع بها الطعام، كما هو عادة المترفين، والسكين تؤنث، وتذكر، والثاني رجحه الأصمعي. ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: وكان يخاف من مخالفتها، فخرج عليهن فجأة، وهن يحاولن قطع الطعام، وكانت قد زينته بأكمل زينة، وعطرته. ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: لما رأى
стр. 2683
النسوة يوسف عظمنه، وهبنه لحسنه الفائق، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال الرسول ﷺ :
«رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر». قيل: كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران، وانظر وصفه في الآية رقم [١٩]. وعن ابن عباس: أكبرنه: أمنين، وأمذين من الدهش، قال الشاعر: [الطويل]
إذا ما رأين الفحل من فوق قارة... صهلن، وأكبرن المنيّ المدفّقا
القارة: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، وقيل: معناه: حضن، قال الشاعر: [البسيط]
تأتي النساء على أطهارهنّ، ولا... تأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
وكأن أبا الطيب المتنبي أخذ من هذا التفسير قوله: [الطويل]
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
هذا؛ وقد تفزع المرأة، أو تدهش، فتسقط ولدها أو تحيض، وانظر تفسير: (ضحكت) بحاضت في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة، ولم يجدن ألما لذلك، وقال وهب:
مات منهن جماعة. ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾: بإثبات ألف بعد الشين وحذفها، وهما قراءتان سبعيتان، ويقرأ «(حاشا الله)» بغير لام بمعنى: براءة الله، و «(حاشا لله)» بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر، وقال مكي: معنى (حاشا لله) بعد يوسف عن الذي رمي به لله، أي: لخوفه لله، ومراقبته له، ولم أجد هذا لغيره.
تنبيه: في ﴿حاشَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون فعلا متعديا متصرفا، تقول: حاشيته، بمعنى: استثنيته، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
الثاني أن تكون تنزيهية، ومنه الآية الكريمة على التفسير الثاني، والصحيح: أنها اسم مرادف للبراءة من كذا. الثالث أن تكون للاستثناء، فذهب سيبويه، وأكثر البصريين إلى أنها حرف دائما بمنزلة إلا، لكنها تجر المستثنى، وذهب الجرمي، والمازني، والمبرد، والزجاج، والأخفش، وأبو زيد، والفراء، وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرا حرفا جارّا، وقليلا فعلا متعديا جامدا لتضمنه معنى (إلا)، والكوفيون يعتبرونها فعلا دائما. انتهى. من مغني اللبيب باختصار، ولذلك شواهد انظر شرحها وإعرابها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿ما هذا بَشَراً﴾: نفين عنه البشرية لفرط حسنه وجماله، والمقصود من هذا إثبات الحسن المفرط ليوسف؛ لأنه تقرر في النفوس: أنه لا شيء أحسن من الملك، فلذلك وصفنه بكونه ملكا، فقلن: ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ هذا؛ ويقرأ: «(ما هذا بشر)» بالرفع، وهي لغة بني تميم، وقراءة
стр. 2684
النصب لغة أهل الحجاز، وهو أقوى، كما قرئ: «(ما هذا بشرى)» بكسر الباء والشين، أي: ما هو بعبد مشترى لئيم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح: ﴿بَشَراً﴾ في الآية [٢٧] من سورة (هود).
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٥]. ﴿سَمِعَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والنون في كل الآية حرف دال على جماعة الإناث، وجملة:
﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ جواب: (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (آتت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿كُلَّ﴾: مفعول به أول، و ﴿كُلَّ﴾: مضاف، و ﴿واحِدَةٍ﴾: مضاف إليه.
﴿مِنْهُنَّ﴾: متعلقان ب ﴿واحِدَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿سِكِّيناً﴾: مفعول به ثان، وجملة:
(آتت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿اُخْرُجْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية [١٥]. ﴿رَأَيْنَهُ﴾: ماض مبني على السكون، والنون فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية يقال فيها مثل جملة: ﴿سَمِعَتْ..﴾. إلخ. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وهذا على التفسير ب (عظمنه) واعتبار الضمير عائدا على يوسف، وأما على التفسيرين الأخيرين فالهاء للسكت، وهي حرف لا محل له، وعلى الوجهين فالجملة جواب:
(لما) لا محل لها، وجملة: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. (قلن): فعل وفاعل. ﴿حاشَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف، أو هو مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة أو هو مفعول مطلق، لفعل محذوف، وذلك على تفسيره ب «تنزيه» أو ب «تنزيها»، انظر الشرح. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان ب ﴿حاشَ﴾ على الاعتبارين فيه، أعني الفعلية والمصدرية، وأما على اعتباره مبتدأ، فالجار والمجرور متعلقان بخبره، أو هما متعلقان به فيكون الخبر محذوفا، تقديره موجود، وجملة: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ سواء أكانت فعلية، أم اسمية، فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلن...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
﴿فَلَمّا﴾: نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿فَلَمّا،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَشَراً﴾: خبر: ﴿فَلَمّا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى: ﴿فَلَمّا﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.
﴿مَلَكٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.
стр. 2685
﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي: قالت زليخا للنسوة اللاتي دهشن بيوسف عند رؤيتهن له: ﴿فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ،﴾ وإنما قالت ذلك إقامة لعذرها فيما حصل منها، وتكلمن فيها، وإنما قالت: ﴿فَذلِكُنَّ..﴾. إلخ بعد ما قام من المجلس، وذهب، أو قالت ذلك بحضرته، وأدخلت على اسم الإشارة لام البعد، وكاف الخطاب، رفعا لمكانته، ومنزلته، لا لبعده عن المجلس، فكأنه لعلو شأنه بعيد عنها؛ حتى صار يشار إليه بذلك.
﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: فامتنع عن إجابتي لما طلبت منه من الوقاع، وإنما صرحت بذلك؛ لأنها أيقنت أن لا ملامة عليها منهن، وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته.
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾: فهذا تصريح منها بأنها لا تزال ترغب في مواقعته، وإن لم يطاوعها فيما تريد لتعاقبنه بالسجن، ولتجعلنه من الأذلاء المهانين، فكان منهن أن قلن له جميعا:
يا يوسف أطع سيدتك فيما تدعوك إليه، فاختار يوسف السجن على المعصية حين توعدته المرأة بذلك، قال الزمخشري: وهذا بيان لما كان من يوسف-﵇-لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان. رحم الله الزمخشري.
فائدة: قال مكي في مثل: ﴿وَلَئِنْ لَمْ﴾ دخلت (إن) على (لم) ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن (لم) ترد لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت (لم) ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي، ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.
الإعراب: ﴿قالَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿فَذلِكُنَّ﴾: الفاء:
زائدة لتحسين اللفظ. (ذلكن): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ واعتبره الجلال، ووافقه الجمل على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو الذي، وعليه فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والأول أولى بالاعتبار؛ لخلوه من التقدير، والتكلف. ﴿لُمْتُنَّنِي﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والنون المشددة علامة جمع الإناث، والنون المخففة للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿فَذلِكُنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
стр. 2686
﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [٢٤] لإعرابه. ﴿راوَدْتُهُ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. (استعصم):
ماض، والفاعل يعود إلى يوسف، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف.
(إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَفْعَلْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آمُرُهُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به، وهو في الأصل مجرور بحرف جر، فحذف الجار، واتصل الضمير بالفعل، فانتصب به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: وإن لم يفعل أمري، وهو ضعيف معنى كما ترى، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (يسجنن): مضارع مبني للمجهول، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى يوسف، والجملة الفعلية جواب القسم، وحذف جواب الشرط على القاعدة المذكورة في الآية رقم [١٤]، والكلام كله في محل نصب مقول القول.
﴿وَلَيَكُوناً﴾: الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب القسم بسبب العطف. (يكونا):
مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة التي هي حرف لا محل له، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى يوسف أيضا. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (يكونا)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (ليكونا...) إلخ معطوفة على جواب القسم.
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: توجه بهذا الدعاء إلى الله بعد أن هددته زليخا بالسجن، وكل النسوة قلن له: أطع سيدتك فيما تريده منك، والمعنى: يا رب دخول السجن آثر عندي من موافقتها، وتلبية رغبتها، نظرا إلى العاقبة الحميدة عندك، وإسناد الدعوة إلى جميع النسوة؛ لأنهن حذرنه من مخالفتها، وزيّن له مطاوعتها، وقيل: دعونه إلى أنفسهن، كل واحدة خلت به على انفراد لتنصحه في مطاوعة زليخا، وهي تريد أن يقضي
стр. 2687
وطرها، وقيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وكان الأولى به أن يسأل الله العاقبة، ولذا رد رسول الله ﷺ على من كان يسأل البلاء والصبر، فعن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سلوا الله العفو والعافية، فإنّ أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية». وانظر شرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، وانظر شرح (أحب) في الآية [١٨]. هذا؛ وقرئ «(رُب)» بضم الباء على النداء، كما قرئ بالضم وجر السجن على الإضافة، وهذا في الشواذ، والمعنى: صاحب السجن أي: لقاؤه أحبّ إليّ. ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾: إن لم تصرف عني ما يردن مني من تحبيب ذلك إليّ، وتحسينه عندي، وذلك بالتثبيت على العصمة والحفظ من كيدهن. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أمل إليهن، وما يبغين مني، وذلك بطبعي، ومقتضى شهوتي، والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنه: (الصبا) بكسر الصاد؛ لأن النفوس البشرية تستطيبها، وتميل إليها. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي: من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن العاقل لا يفعل القبائح، أو أكن من الذين لا يعملون بما يعلمون، فإنهم والجهال سواء، وانظر شرح ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (هود) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف ﵇. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر ما يجوز فيه من أوجه الإعراب في الآية رقم [٤]. ﴿السِّجْنُ﴾: مبتدأ. ﴿أَحَبُّ﴾:
خبره. ﴿إِلَيَّ﴾: متعلقان ب ﴿أَحَبُّ﴾. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَحَبُّ﴾ أيضا، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿يَدْعُونَنِي﴾: مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.
﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَدْعُونَنِي،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب ﴿إِلَيْهِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿السِّجْنُ..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِلاّ﴾:
الواو: حرف عطف أو هي زائدة لتحسين اللفظ. (إن لا) إن: حرف شرط جازم. (لا): نافية.
﴿تَصْرِفْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِّي﴾: متعلقان بما قبلهما.
﴿كَيْدَهُنَّ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون علامة جمع الإناث، وجملة:
﴿تَصْرِفْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَصْبُ﴾:
مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿إِلَيْهِنَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَكُنْ﴾: الواو: حرف عطف. (أكن): مضارع ناقص معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أكن)، وجملة: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
стр. 2688
﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾: فأجاب الله دعاءه الذي تضمنه قوله: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ..﴾. إلخ ولطف به، وعصمه من الوقوع في الزنى، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: حيث ثبته ربه بالعصمة؛ حتى وطن نفسه على مشقة السجن، وأثرها على اللذة المتضمنة للعصيان، وانظر المراد من:
﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في الآية السابقة، ولماذا جمع الضمير. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لدعاء الملتجئين إليه.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بأحوالهم وما يصلحهم.
في الآية الكريمة دليل على أنه لا يقدر أحد عن الانصراف عن المعصية إلا بعصمة الله ولطفه به، اللهم تولّني بعنايتك ورعايتك، واحفظني، وعقبي، وجميع المؤمنين، والمؤمنات من الوقوع في الفواحش، والمنكرات، فإنك خير مسئول يا أرحم الراحمين، هذا؛ والسين والتاء زائدتان بالفعل استجاب؛ لأنه بمعنى أجاب، قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل]
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
الإعراب: ﴿فَاسْتَجابَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (استجاب): ماض. ﴿لَهُ﴾: متعلقان به.
﴿رَبُّهُ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (صرف): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّهُ،﴾ ﴿عَنْهُ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون علامة جمع الإناث، وجملة: (صرف...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ﴾:
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إن) على المحل، وعلى هذين الوجهين ف ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أول ل (إنّ)، والعليم خبر ثان، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، فيكون ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبرين له، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها.
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أي: للعزيز، وقطفير، وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الإعراض، وكتم الحال، وقد ألحت زليخا على زوجها، وقالت له:
إن العبد العبراني قد فضحني؛ يقول للناس: إني قد راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي، فأخرج، فأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه، فرأى حبسه: ﴿مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ أي: الدالة على صدق يوسف ﵇ وبراءته، من قد القميص من دبر، وكلام الطفل، وقطع النساء أيديهن، وذهاب
стр. 2689
عقولهن عند رؤيته. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى مدة يرون رأيهم فيها، وقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة الناس. انتهى. وهذا هو المعتمد. هذا؛ وقرئ: «(عتى حين)» بقلب الحاء عينا، وهي لغة هذيل، وثقيف في ﴿حَتّى،﴾ والحين: الوقت قليلا، كان، أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة، وجمعه: أحيان. وجمع الجمع: أحايين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، وهو بكسر الحاء، وأما بفتحها؛ فهو الهلاك والموت.
هذا؛ وأصل رأوا: (رأى) فلما اتصل به واو الجماعة صار (رءاوا) فالتقى ساكنان:
الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم حركت الواو بالضمة لالتقائها ساكنة مع ما بعدها، ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية، وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت؛ لنجحت) وقيل:
ضمت لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك، وأصل ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: (بسجن)، فاتصل به واو الجماعة فصار (يسجنون)، فاتصل به نون التوكيد الثقيلة، فصار (ليسجنوننّه) فحذفت النون التي هي علامة الرفع لتوالي النونات، فصار (ليسجنونّه) فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على النون قبلها دليلا عليها، فصار ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ،﴾ هذا؛ وقرئ «(لتسجننه)» بالتاء، ولا يتغير الإعلال والإعراب، وقرئ: «(عتى)» بلغة هذيل.
الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَدا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿لَهُمْ﴾:
متعلقان به. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿رَأَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿الْآياتِ﴾:
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من بعد رؤيتهم الآيات. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف (يسجننه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿حَتّى حِينٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وحتى بمعنى إلى، وجملة: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ..﴾. إلخ جواب قسم محذوف لا محل لها. بعد هذا في فاعل ﴿بَدا﴾ ثلاثة أوجه، أحدها: هو محذوف دل عليه الكلام بعده، التقدير: ثم بدا لهم سجنه، وعليه فالقسم وجوابه معمول لقول مضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: قائلين: والله ليسجننه، والثاني: أن الفاعل مضمر، وهو مصدر ﴿بَدا،﴾ أي: بدا لهم بداء، فأضمر، وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي: لم يكونوا يعرفونه، وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه، هذا؛ وأجاز هشام وثعلب -وهما كوفيان-اعتبار الجملة القسمية فاعلا للفعل: ﴿بَدا،﴾ انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» والكلام عليه.
стр. 2690
وقال ابن هشام في المغني: ويجوز أن يكون ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جوابا ل ﴿بَدا؛﴾ لأن أفعال القلوب، لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، قال: [الكامل]
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي... إنّ المنايا لا تطيش سهامها
وهذا هو الشاهد رقم [٧٥٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ أي: غلامان كانا للوليد ملك مصر، أحدهما: خبازه، والآخر: صاحب شرابه، وكان قد غضب عليهما الملك فحبسهما، والسبب في ذلك: أن جماعة من أشراف مصر أرادوا قتله، فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسمّا الملك في طعامه وشرابه، فأجابا إلى ذلك، ثم إن الساقي ندم، فرجع عن ذلك، وقبل الخباز الرشوة، وسم الطعام، فلما حضر الطعام والشراب بين يدي الملك، قال الساقي: لا تأكل أيها الملك؛ فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب؛ فإن الشراب مسموم، فقال للساقي: اشرب فشربه، فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى، فأطعم منه دابة فهلكت، فأمر الملك بحبسهما، فحبسا مع يوسف، وكان يوسف ﵇ لما دخل السجن جعل ينشر علمه، ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الغلامين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا الغلام العبراني، فتراءيا له رؤيا، فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئا، وقيل: بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقية، فرآهما يوسف مهمومين، فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنهما غلامان للملك، وقد حبسهما، وقد رأيا رؤيا قد غمتهما، فقال: قصا علي ما رأيتما، فقصّا عليه ما رأياه. قال أحدهما-وهو صاحب شراب الملك- ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾: إني رأيت في المنام أعصر عنبا، وهو حكاية حال ماضية، وسمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه.
وقال الآخر: أي: الخباز. ﴿إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي: رأيت في المنام أني حامل فوق رأسي خبزا، والطير تنهش منه. ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾: خبرنا بتفسير ما رأينا، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا، ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من العالمين بتعبير الرؤيا. ويكون الإحسان بمعنى العلم، وقال الضحاك: إحسانه كان إذا مرض إنسان في السجن؛ عاده، وقام عليه، وإذا ضاق على أحد؛ وسع عليه، وإذا احتاج أحد جمع له شيئا، وكان مع هذا يجتهد في العبادة؛ يصوم النهار، ويقوم الليل كله للصلاة، فأحبه أهل السجن لذلك.
стр. 2691
بعد هذا انظر شرح (أحد) في الآية رقم [١٨] من سورة (هود)، وشرح القول في الآية [١٨] منها، وشرح ﴿أَنْباءِ﴾ في الآية [١٢٠] منها أيضا، وانظر الفتى في الآية رقم [٦٢] الآتية، هذا؛ و ﴿الطَّيْرُ﴾ اسم جمع مثل: خيل، وغنم، وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل صحب وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ، وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان عمله الذي قلده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: لا طير إلاّ طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله. انتهى. مختار.
الإعراب: ﴿وَدَخَلَ﴾: الواو: حرف عطف. (دخل): ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿السِّجْنَ﴾: مفعول به. ﴿فَتَيانِ﴾: فاعل (دخل) مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (دخل...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ﴾: ماض.
﴿أَحَدُهُما﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.
﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أَرانِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.
﴿أَعْصِرُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿خَمْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿أَرانِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب ما قبلها. ﴿فَوْقَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وأجيز تعليقه بمحذوف حال من: ﴿خُبْزاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و ﴿فَوْقَ﴾: مضاف، و ﴿رَأْسِي﴾:
مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿خُبْزاً﴾: مفعول به. ﴿تَأْكُلُ﴾: مضارع.
﴿الطَّيْرُ﴾: فاعله. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ في محل نصب صفة: ﴿خُبْزاً،﴾ وجملة: ﴿وَقالَ الْآخَرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿نَبِّئْنا﴾:
أمر، وفاعله (أنت)، و (نا): مفعوله الأول. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَبِّئْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿نَراكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره «نحن» والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿نَراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وهي بدورها في محل نصب مقول القول.
стр. 2692
تنبيه: لقد عوملت (رأى) الحلمية هنا معاملة «رأى» العلمية في التعدي إلى مفعولين، كما تعدت بهمزة التعدية إلى الثالث، كما تعدى إلى الثالث، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (الأنفال)، كما عوملت الحلمية معاملة العلمية في اتحاد فاعلها ومفعولها، وهما ضميران متصلان وللمتكلم، وهذا لا يجوز في غير باب علم، وحسب وفقد، تنبه لذلك واحفظه؛ فإنه جيد.
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ أي: لا يأتيكما طعام من منازلكما تأكلانه في ليل أو في نهار إلا أخبرتكما بقدره، ولونه، والوقت الذي يصل إليكما فيه، وهذا مثل معجزة عيسى ﵇ حيث قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (آل عمران). ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾: قبل أن يصل إليكما ذلك الطعام. ﴿ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي:
إن ما أخبركما به إنما هو من تعليم الله إلي، وفضله عليّ بالإلهام والوحي، وليس من قبيل السحر، والكهانة، والتنجيم. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾: المراد ب ﴿قَوْمٍ﴾ العزيز وأهل بيته الذين عاشرهم وعاش معهم هذه المدة الطويلة، وقد كانوا على الكفر، وكان يوسف بينهم مقيما على التوحيد، والإيمان الصحيح. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي: وهم لا يعتقدون بالآخرة، وما فيها من الحساب، والجزاء، والجنة، والنار.
(أتى): وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني الآية الكريمة، ومثلها كثير، والمراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث، والحساب، ودخول الجنة، والخلود فيها، ودخول النار، والخلود فيها، انظر ﴿كَفُورٌ﴾ في الآية [٩] من سورة (هود)، هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا وكفورا، وكفرانا، إذا جحدها وسترها وأخفاها، وكفر الشيء: غطاه وستره، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
﴿مِلَّةَ قَوْمٍ﴾: طريقتهم، وديانتهم، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف تقديره: «هو». ﴿لا﴾: نافية.
﴿يَأْتِيكُما﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به،
стр. 2693
والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿طَعامٌ﴾: فاعل. ﴿تُرْزَقانِهِ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، وألف الاثنين نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿طَعامٌ،﴾ وجملة: ﴿لا يَأْتِيكُما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.
﴿نَبَّأْتُكُما﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾:
متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل (نبأ)، و ﴿قَبْلَ﴾: مضاف، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَبَّأْتُكُما..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿ذلِكُما﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم والألف... إلخ. ﴿مِمّا﴾:
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿عَلَّمَنِي﴾:
ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿رَبِّي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: من الذي، أو من شيء علمني إياه ربي، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: ذلكما من تعليم ربي إياي، والجملة الاسمية مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿تَرَكْتُ﴾:
فعل وفاعل. ﴿مِلَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿قَوْمٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿تَرَكْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلقان ب ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل مؤكد لسابقه. ﴿كافِرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم.. إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾.
إلخ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، ومؤكدة لها، فهي في محل جر مثلها.
﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي..﴾. إلخ: واتبعت طريقة آبائي الأنبياء الأصفياء، وانظر أعمارهم في الآية رقم [٧١] من سورة (هود). وانظر الحديث الشريف في الآية رقم [٤]. ﴿ما﴾
стр. 2694
﴿كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: ما صح وما جاز لنا معاشر الأنبياء أن نتخذ مع الله إلها، أو نجعل له ندّا في العبادة، بعد أن اختارنا لنبوته، واصطفانا لرسالته، وإنما ذكر ذلك لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق به، فأظهر أنه من أهل بيت النبوة، وأن آباءه كلهم أنبياء، لهم الدرجة العليا في الدنيا عند الخلق، والمنزلة الرفيعة في السماء في الآخرة، ولذلك جوز للخامل المغمور أن يصف نفسه حتى يعرف، فيقتبس منه، وينتفع الناس به.
﴿ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ﴾ أي: ذلك التوحيد وعدم الإشراك، والنبوة، والعلم الذي رزقنا من فضل الله، وكرمه علينا، وعلى الناس؛ حيث اختارنا لإرشادهم، وتبيين طرق الخير والهداية لهم. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾: المبعوث إليهم الرسل. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾: هذا الفضل، فيعرضون عنه، ولا ينتبهون له، هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (هود). هذا؛ والفعل: (شكر) يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته وشكرت له، كما تقول: نصحته ونصحت له، والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله فيما خلق لأجله، هذا؛ ومن أسماء الله «الشكور»، ومعناه هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة.
﴿النّاسِ﴾: اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، انظر الآية [١٢] من سورة (يونس) ﵇، وهو يطلق على الإنس والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
الإعراب: ﴿وَاتَّبَعْتُ﴾: الواو: حرف عطف. (اتبعت): فعل وفاعل. ﴿مِلَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿آبائِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: بدل مما قبله، بدل بعض من كل مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
﴿وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: معطوفان على ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ وعلامة الجر فيهما مثله، وجملة: (اتبعت...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَرَكْتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾:
ماض ناقص. ﴿لَنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ﴾ في محل رفع خبر ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف
стр. 2695
الجر الزائد، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿مِنْ فَضْلِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿فَضْلِ﴾: مضاف، و ﴿بِاللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان ب ﴿فَضْلِ،﴾ وهما مفعوله في المعنى. ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وهي مع ما قبلها من مقول يوسف ﵇ ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢١] وهي معطوفة على ما قبلها.
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي: يا ساكني السجن، وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه، كقوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. أو أضافهما إلى السجن على الاتساع في الظرف، كقوله: (يا سارق الليلة أهل الدار). ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي: آلهة شتى من ذهب، وفضة، وخشب، وحديد إلخ، وصغير، وكبير، ومتوسط، وهي مع ذلك لا تضر، ولا تنفع، وإنما جمعت الأرباب جمع مذكر سالما مع أنها من الجمادات؛ لأنهم يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير في القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٤]. ﴿خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي: أهذه الأصنام التي تعبدونها أحق في العبادة، والتقديس والتعظيم، أم الله المتصف بصفات الكمال والقهر والغلبة لكل موجود في الدنيا، هذا؛ والأصنام المعبودة في الباطل لا خيرية فيها، وإنما خاطبهم بذلك مجاراة لهم على زعمهم: أن فيها خيرا، وأن عبادتها تنفعهم، وتدفع السوء عنهم، وإن كانت في الحقيقة لا خير فيها قطعا.
بعد هذا (صاحبي): تثنية صاحب، وهو هنا بمعنى: الساكن كما رأيت، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار، أي: مالكها، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع على: أصحاب وصحب وصحابة، وصحاب وصحبة وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. ﴿خَيْرٌ﴾: أفعل تفضيل، أصله أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ، اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]
стр. 2696
يا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
﴿الْواحِدُ﴾: قال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو المنقطع عن القرين والشريك، والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ لأن ذلك يكثر بانضمام بعضها إلى بعض، والواحد ليس كذلك، فهو الله الواحد الذي لا مثل له، ولا يشبهه شيء من خلقه. ﴿الْقَهّارُ﴾: قال الخطابي: هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة، وقهر العباد كلهم بالموت، وقال غيره: هو الذي قهر كل شيء، وذلله، فاستسلم، وانقاد له، ولا تنس: أن القهار صيغة مبالغة، وانظر شرح: ﴿الْقاهِرُ﴾ في الآية رقم [١٨] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (صاحبي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و (صاحبي): مضاف، و ﴿السِّجْنِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَأَرْبابٌ﴾:
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أرباب): مبتدأ. ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾: صفته مرفوع... إلخ.
﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمِ﴾: حرف عطف، وهي معادلة هنا لهمزة الاستفهام. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾: صفتان للفظ الجلالة، أو هما بدلان منه، والآية الكريمة بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله، وقد خاطبهم بلفظ الجمع، وابتدأ الخطاب بالتثنية؛ لأنه أراد جميع من في السجن، من المشركين، أو أراد أهل مصر كلهم، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٢] من سورة (هود). ﴿أَسْماءً﴾: جمع اسم، انظر إعلاله في بسملة هذه السورة.
﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أي: آلهة وأربابا، وهي لا تستحق أن تسمى بذلك؛ لأنها جمادات لا تضر، ولا تنفع، وانظر الآية السابقة. ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي: إن آباءكم سبقوكم إلى تسميتها آلهة فتبعتموهم في ذلك. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بهذه التسمية حجة، ولا برهانا، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود) لشرح ﴿سُلْطانٍ﴾. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي:
الحكم، والقضاء، والأمر، والنهي، كل ذلك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد وانظر الآية رقم [٦٧] الآتية. ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾: لأنه هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي سميتموها آلهة. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحق، وأنتم لا تميزون المعوج من القويم.
стр. 2697
قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، بين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يسمّونها آلهة ويعبدونها، لا تستحق الإلهية، فإن استحقاق العبادة، إما بالذات، وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عنها، ثم نص على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم، الذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه. انتهى. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: ذلك فيخبطون في جهالتهم. هذا؛ و ﴿الْقَيِّمُ﴾ أصل (القيوم) فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. و ﴿الدِّينُ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و ﴿الدِّينُ﴾ أيضا الملة والشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. و ﴿الدِّينُ﴾ الحساب والجزاء ومنه يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدّين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ،﴾ هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة: القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
﴿دُونِهِ﴾: من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، هذا؛ ويأتي (دون) بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]
تريك القذى من دونها، وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا؛ ومثله: (أدنى) وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو، إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ،﴾ وقيل:
الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا، وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.
الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾:
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَسْماءً﴾: مفعول به. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، فتحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و (ها): مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آلهة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَسْماءً﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مؤكد
стр. 2698
لتاء الفاعل. (آباؤكم): معطوف على تاء الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾:
نافية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾: ماض وفاعله. ﴿بِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانٍ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ثانية ل ﴿أَسْماءً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿سُلْطانٍ﴾: حرف نفي. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾:
حرف حصر. ﴿اللهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَمَرَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الله.
﴿إِلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿إِيّاهُ﴾:
ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَمَرَ... ،﴾ وتقدير الكلام: أمر بعدم عبادة معبود غير الله، والجملة الفعلية: ﴿أَمَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿ذلِكَ الدِّينُ﴾: مبتدأ وخبر.
﴿الْقَيِّمُ﴾: صفة: ﴿الدِّينُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢١] ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها من مقول يوسف ﵇. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)﴾
الشرح: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: لما فرغ يوسف ﵊ من الدعاء إلى الله وعبادته رجع إلى تعبير رؤيا الغلامين، فناداهما هذا النداء؛ لينتبها لما يقول. ﴿أَمّا أَحَدُكُما﴾:
وهو الساقي؛ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ أي: فإنه يرجع إلى عمله عند الملك، وهو القيام بصنع شرابه، وتقديمه له. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: وهو الخباز، وصاحب طعام الملك؛ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾: قال ابن مسعود ﵁: فلما سمعا قول يوسف ﵇، قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا نلعب، فقال يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي: وجب حكم الله عليكما بالذي سألتما عنه؛ رأيتما شيئا، أم لم تريا.
تنبيه: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له، أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف؛ لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا، فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته، فإن
стр. 2699
قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إني رأيت كأني أعشبت، ثم أجدبت، ثم أعشبت، ثم أجدبت، فقال له عمر ﵁: أنت رجل تؤمن، ثم تكفر، ثم تؤمن، ثم تكفر، ثم تموت كافرا، فقال الرجل:
ما رأيت شيئا، فقال له: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف؛ قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان محدّثا، وإذا تكلم به؛ وقع على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة. انتهى.
هذا؛ والتحلم حرام قطعا، وهو يستوجب غضب الله تعالى؛ لأنه كذب على الله، فقد روى الترمذي عن ابن عباس-﵄، عن النبي ﷺ قال: «من تحلّم كاذبا كلّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، ولن يعقد بينهما». ورواه البخاري كما يلي: «من تحلّم بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل». هذا؛ وانظر شرح ﴿قُضِيَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك. هذا؛ و (يسقي) ماضيه: سقى، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمز تارة، وبدونها أخرى، وشاهد المهموز: قوله تعالى:
﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً،﴾ يحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً،﴾ وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد في قول لبيد ﵁ اللغتان جميعا: [الوافر]
سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال
ولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، وفرق الأعلم بينهما، فقال: تقول: سقيته ماء إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيته إذا حصلت له سقيا.
الإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿أَمّا﴾: أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يكن من شيء فإن أحدكما فيسقي... إلخ، فأنيبت ﴿أَمّا﴾ مناب (مهما) و (يكن من شيء)، فصار: ﴿أَمّا أَحَدُكُما،﴾ وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد أنه واقع لا محالة، لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. ﴿أَحَدُكُما﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فَيَسْقِي﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمّا﴾. (يسقي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿أَحَدُكُما﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَمْراً﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية (يسقي...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: مبتدأ. ﴿فَيُصْلَبُ﴾: الفاء: واقعة في جواب (أما).
(يصلب): مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الْآخَرُ،﴾ والجملة الفعلية في محل
стр. 2700
رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿قُضِيَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ﴾:
نائب فاعل. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿الْأَمْرُ﴾. ﴿فِيهِ﴾:
متعلقان بما بعدهما. ﴿تَسْتَفْتِيانِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والألف فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: تستفتيانني فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿قُضِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والآية بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف تسليم.
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: يوسف. ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أي: علم وتيقن، فالظن هنا بمعنى اليقين، ﴿أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا﴾ أي: ناج من القتل، وهو الساقي. ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: عند سيدك، وهو الملك الأكبر، والرب بمعنى السيد معروف في اللغة، قال الأعشى: [الكامل]
ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
ومعنى ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: قل له: إن في السجن غلاما محبوسا مظلوما طال حبسه. ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: في الضمير قولان: أحدهما أن يعود إلى الساقي، والمعنى أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك، والقول الثاني أن الضمير يعود إلى يوسف ﵇، والمعنى: إن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه حتى طلب الإعانة من مخلوق مثله على دفع الضرر، وتلك غفلة عرضت له، فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة، لكن لما كان مقام يوسف أعلى المقامات، ورتبته أشرف المراتب، وهي منصب النبوة والرسالة، صار مؤاخذا بذلك؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وانظر شرح ﴿رَبَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، وشرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة أول هذه السورة.
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: لقد اختلفوا في البضع، والأصح أنه ما بين الثلاث إلى التسع، والمراد فيه في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبلها في السجن خمس سنين، فجملة ذلك اثنتا عشرة سنة، قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: لما قال يوسف للساقي: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ،﴾ قال الله له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك! فبكى، وقال:
يا رب أنسى قلبي ذكرك كثرة البلوى، فقلت: كلمة. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله يوسف لولا الكلمة الّتي قالها ما لبث في السّجن ما لبث».
وقيل: إن جبريل ﵇ دخل السجن، فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، ما
следующие страницы →