Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
يا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
﴿الْواحِدُ﴾: قال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو المنقطع عن القرين والشريك، والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ لأن ذلك يكثر بانضمام بعضها إلى بعض، والواحد ليس كذلك، فهو الله الواحد الذي لا مثل له، ولا يشبهه شيء من خلقه. ﴿الْقَهّارُ﴾: قال الخطابي: هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة، وقهر العباد كلهم بالموت، وقال غيره: هو الذي قهر كل شيء، وذلله، فاستسلم، وانقاد له، ولا تنس: أن القهار صيغة مبالغة، وانظر شرح: ﴿الْقاهِرُ﴾ في الآية رقم [١٨] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (صاحبي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و (صاحبي): مضاف، و ﴿السِّجْنِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَأَرْبابٌ﴾:
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أرباب): مبتدأ. ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾: صفته مرفوع... إلخ.
﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمِ﴾: حرف عطف، وهي معادلة هنا لهمزة الاستفهام. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾: صفتان للفظ الجلالة، أو هما بدلان منه، والآية الكريمة بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله، وقد خاطبهم بلفظ الجمع، وابتدأ الخطاب بالتثنية؛ لأنه أراد جميع من في السجن، من المشركين، أو أراد أهل مصر كلهم، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٢] من سورة (هود). ﴿أَسْماءً﴾: جمع اسم، انظر إعلاله في بسملة هذه السورة.
﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أي: آلهة وأربابا، وهي لا تستحق أن تسمى بذلك؛ لأنها جمادات لا تضر، ولا تنفع، وانظر الآية السابقة. ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي: إن آباءكم سبقوكم إلى تسميتها آلهة فتبعتموهم في ذلك. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بهذه التسمية حجة، ولا برهانا، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود) لشرح ﴿سُلْطانٍ﴾. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي:
الحكم، والقضاء، والأمر، والنهي، كل ذلك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد وانظر الآية رقم [٦٧] الآتية. ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾: لأنه هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي سميتموها آلهة. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحق، وأنتم لا تميزون المعوج من القويم.
стр. 2697
قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، بين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يسمّونها آلهة ويعبدونها، لا تستحق الإلهية، فإن استحقاق العبادة، إما بالذات، وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عنها، ثم نص على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم، الذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه. انتهى. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: ذلك فيخبطون في جهالتهم. هذا؛ و ﴿الْقَيِّمُ﴾ أصل (القيوم) فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. و ﴿الدِّينُ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و ﴿الدِّينُ﴾ أيضا الملة والشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. و ﴿الدِّينُ﴾ الحساب والجزاء ومنه يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدّين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ،﴾ هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة: القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
﴿دُونِهِ﴾: من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، هذا؛ ويأتي (دون) بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]
تريك القذى من دونها، وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا؛ ومثله: (أدنى) وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو، إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ،﴾ وقيل:
الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا، وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.
الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾:
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَسْماءً﴾: مفعول به. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، فتحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و (ها): مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آلهة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَسْماءً﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مؤكد
стр. 2698
لتاء الفاعل. (آباؤكم): معطوف على تاء الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾:
نافية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾: ماض وفاعله. ﴿بِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانٍ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ثانية ل ﴿أَسْماءً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿سُلْطانٍ﴾: حرف نفي. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾:
حرف حصر. ﴿اللهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَمَرَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الله.
﴿إِلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿إِيّاهُ﴾:
ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَمَرَ... ،﴾ وتقدير الكلام: أمر بعدم عبادة معبود غير الله، والجملة الفعلية: ﴿أَمَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿ذلِكَ الدِّينُ﴾: مبتدأ وخبر.
﴿الْقَيِّمُ﴾: صفة: ﴿الدِّينُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢١] ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها من مقول يوسف ﵇. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)﴾
الشرح: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: لما فرغ يوسف ﵊ من الدعاء إلى الله وعبادته رجع إلى تعبير رؤيا الغلامين، فناداهما هذا النداء؛ لينتبها لما يقول. ﴿أَمّا أَحَدُكُما﴾:
وهو الساقي؛ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ أي: فإنه يرجع إلى عمله عند الملك، وهو القيام بصنع شرابه، وتقديمه له. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: وهو الخباز، وصاحب طعام الملك؛ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾: قال ابن مسعود ﵁: فلما سمعا قول يوسف ﵇، قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا نلعب، فقال يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي: وجب حكم الله عليكما بالذي سألتما عنه؛ رأيتما شيئا، أم لم تريا.
تنبيه: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له، أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف؛ لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا، فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته، فإن
стр. 2699
قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إني رأيت كأني أعشبت، ثم أجدبت، ثم أعشبت، ثم أجدبت، فقال له عمر ﵁: أنت رجل تؤمن، ثم تكفر، ثم تؤمن، ثم تكفر، ثم تموت كافرا، فقال الرجل:
ما رأيت شيئا، فقال له: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف؛ قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان محدّثا، وإذا تكلم به؛ وقع على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة. انتهى.
هذا؛ والتحلم حرام قطعا، وهو يستوجب غضب الله تعالى؛ لأنه كذب على الله، فقد روى الترمذي عن ابن عباس-﵄، عن النبي ﷺ قال: «من تحلّم كاذبا كلّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، ولن يعقد بينهما». ورواه البخاري كما يلي: «من تحلّم بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل». هذا؛ وانظر شرح ﴿قُضِيَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك. هذا؛ و (يسقي) ماضيه: سقى، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمز تارة، وبدونها أخرى، وشاهد المهموز: قوله تعالى:
﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً،﴾ يحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً،﴾ وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد في قول لبيد ﵁ اللغتان جميعا: [الوافر]
سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال
ولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، وفرق الأعلم بينهما، فقال: تقول: سقيته ماء إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيته إذا حصلت له سقيا.
الإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿أَمّا﴾: أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يكن من شيء فإن أحدكما فيسقي... إلخ، فأنيبت ﴿أَمّا﴾ مناب (مهما) و (يكن من شيء)، فصار: ﴿أَمّا أَحَدُكُما،﴾ وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد أنه واقع لا محالة، لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. ﴿أَحَدُكُما﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فَيَسْقِي﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمّا﴾. (يسقي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿أَحَدُكُما﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَمْراً﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية (يسقي...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: مبتدأ. ﴿فَيُصْلَبُ﴾: الفاء: واقعة في جواب (أما).
(يصلب): مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الْآخَرُ،﴾ والجملة الفعلية في محل
стр. 2700
رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿قُضِيَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ﴾:
نائب فاعل. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿الْأَمْرُ﴾. ﴿فِيهِ﴾:
متعلقان بما بعدهما. ﴿تَسْتَفْتِيانِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والألف فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: تستفتيانني فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿قُضِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والآية بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف تسليم.
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: يوسف. ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أي: علم وتيقن، فالظن هنا بمعنى اليقين، ﴿أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا﴾ أي: ناج من القتل، وهو الساقي. ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: عند سيدك، وهو الملك الأكبر، والرب بمعنى السيد معروف في اللغة، قال الأعشى: [الكامل]
ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
ومعنى ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: قل له: إن في السجن غلاما محبوسا مظلوما طال حبسه. ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: في الضمير قولان: أحدهما أن يعود إلى الساقي، والمعنى أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك، والقول الثاني أن الضمير يعود إلى يوسف ﵇، والمعنى: إن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه حتى طلب الإعانة من مخلوق مثله على دفع الضرر، وتلك غفلة عرضت له، فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة، لكن لما كان مقام يوسف أعلى المقامات، ورتبته أشرف المراتب، وهي منصب النبوة والرسالة، صار مؤاخذا بذلك؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وانظر شرح ﴿رَبَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، وشرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة أول هذه السورة.
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: لقد اختلفوا في البضع، والأصح أنه ما بين الثلاث إلى التسع، والمراد فيه في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبلها في السجن خمس سنين، فجملة ذلك اثنتا عشرة سنة، قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: لما قال يوسف للساقي: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ،﴾ قال الله له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك! فبكى، وقال:
يا رب أنسى قلبي ذكرك كثرة البلوى، فقلت: كلمة. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله يوسف لولا الكلمة الّتي قالها ما لبث في السّجن ما لبث».
وقيل: إن جبريل ﵇ دخل السجن، فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، ما
стр. 2701
لي أراك بين الخاطئين، فقال له جبريل: يا طاهر! يا بن الطاهرين، يقرأ عليك السّلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استغثت بالآدميين، فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين! قال يوسف: وهو في ذلك عني راض، قال: نعم، قال: إذن لا أبالي.
هذا؛ و (أنساه) من النسيان، وهو مصدر نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين:
أحدهما: ترك الشيء عن ذهول وغفلة، والثاني عن تعمد وقصد، وما هنا من الأول. وأصل ﴿ناجٍ﴾: ناجي بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الجيم مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: ناج بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للجيم، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال، والإضافة، سواء كان ثلاثيا أم رباعيا.
الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى يوسف.
﴿لِلَّذِي﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ظَنَّ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف أيضا. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿ناجٍ﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْهُمَا﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ناجٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الذي)، ولا يكونان متعلقين ب ﴿ناجٍ؛﴾ لأن المعنى ليس عليه، بل يختل المعنى، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ظن، وجملة: ﴿ظَنَّ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.
﴿اُذْكُرْنِي﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنْساهُ﴾:
الفاء: حرف عطف. (أنساه): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به.
﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعل. ﴿ذِكْرَ﴾: مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (أنساه...) إلخ معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. (لبث): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿فِي السِّجْنِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿بِضْعَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿بِضْعَ﴾:
مضاف، و ﴿سِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (لبث...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
стр. 2702
﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾
الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-قالوا: فلما انقضت سبع سنين، وهذه السبع سوى الخمس سنين التي كانت قبل ذلك، ودنا فرج يوسف ﵇، وأراد الله إخراجه من السجن رأى ملك مصر الأكبر، رؤيا عجيبة هالته، وذلك أن رأى في منامه سبع بقرات سمان قد خرجن من البحر، ثم خرج عقيبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال، فابتلع العجاف السمان، ودخلن في بطونهن، ولم ير منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبع سنبلات أخر يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى علون عليهن، ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والمعبرين، وقص عليهم رؤياه التي رآها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى..﴾. إلخ. ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ﴾ أي: يا أيها الأشراف والكبراء والعظماء فسروا لي رؤياي واشرحوها لي. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ أي: إن كنتم تحسنون علم تعبير الرؤيا وتأويلها.
هذا؛ وجمع (الرؤيا) رؤى، وسمي هذا العلم تعبيرا؛ لأن المفسر للرؤيا عابر من ظاهرها إلى باطنها ليستخرج معناها، وفي القرطبي: العبارة: مشتقة من عبور النهر، بمعنى عبرت النهر، وبلغت شاطئه، فعابر الرؤيا يعبر بما يؤول إليه أمرها، هذا؛ وانظر شرح ﴿الْمَلَأُ﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود)، وشرح ﴿أَرى﴾ في الآية نفسها، وإعلال (كنت) في الآية رقم [٢٨] منها. ﴿وَأُخَرَ﴾: جمع: أخرى التي هي تأنيث آخر. ﴿بَقَراتٍ﴾: جمع بقرة، وهي تقع على الذكر والأنثى نحو حمامة، ولا صفة تميز الذكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر وبقرة أنثى، وقيل:
بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر الثور، نحو: ناقة وجمل، وأتان وحمار، وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث، ومنه بقر بطنه، هذا؛ وأهل اليمن يسمون البقرة: باقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصدقة لأهل اليمن: «في ثلاثين باقورة بقرة». انتهى. مختار الصحاح. والباقر: جماعة البقر مع رعاتها، والتبقر: التوسع في العلم، ومنه محمد الباقر لتبقره في العلم، أي: لتبحره وتعمقه فيه.
تنبيه: لقد ذكرت لك في الآية رقم [٦٤] من سورة (يونس): أن البشرى في الحياة الدنيا فسرت بالرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو ترى له، وذكرت هناك حديثين عن النبي ﷺ انظرهما، وأضيف هنا ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة؛ فكيف يكون الكافر والكاذب، والمخلط أهلا لها، وقد وقعت من بعض الكفار، وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن،
стр. 2703
ورؤيا بختنصر التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي ﷺ ومنام عاتكة عمة النبي ﷺ في أمره، وهي كافرة؟! والجواب: أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان، لا تكون من الوحي، ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، ومن المعلوم: أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق، فيصدق، لكن ذلك على الندور، والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء، قال المهلب: وإنما ترجم البخاري:
(باب رؤيا أهل السجن) لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها؛ إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة. انتهى.
الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾: ماض وفاعله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.
﴿أَرى﴾: مضارع مرفوع إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿سَبْعَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿بَقَراتٍ﴾: مضاف إليه، ﴿سِمانٍ﴾: صفة: ﴿بَقَراتٍ،﴾ ويجوز في غير القرآن نصبه على اعتباره نعتا ل ﴿سَبْعَ،﴾ وكذا ﴿خُضْرٍ،﴾ على حد قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ ولكنه لم يقرأ به. ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾: مضارع، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿سَبْعَ﴾:
فاعل. ﴿عِجافٌ﴾: صفة: ﴿سَبْعَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿بَقَراتٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، وإن اعتبرت الجملة في محل نصب مفعول به ثان ل ﴿أَرى،﴾ فلست مفندا؛ لأنها حلمية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٦]. وجملة: ﴿أَرى..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
(قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. (سبع):
معطوف على مثله، وهو مضاف، و ﴿سُنْبُلاتٍ﴾: مضاف إليه. ﴿خُضْرٍ﴾: صفة: ﴿سُنْبُلاتٍ﴾.
﴿وَأُخَرَ﴾: معطوف على (سبع). ﴿يابِساتٍ﴾: صفة (أخر) منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها):
(أي): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ﴾: بدل من (أي)، أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿أَفْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فِي رُءْيايَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿سِمانٍ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿لِلرُّءْيا﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، واللام هي لام التقوية، أي: زائدة، وعليه ف (الرؤيا): مفعول به مقدم، فهو مجرور لفظا منصوب محلاّ،
стр. 2704
انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٧] من سورة (هود) ﵇. ﴿تَعْبُرُونَ﴾: مضارع مرفوع
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿لِلرُّءْيا﴾ متعلقين بمحذوف خبر (كان)، وعليه فجملة: ﴿تَعْبُرُونَ﴾ في محل نصب خبر ثان ل (كان) أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ إذ التقدير:
«إن كنتم... فأفتوني» والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول.
﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي: تخاليط أحلام، جمع ضغث، وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات، وحزم ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس، ووساوس الشيطان، وتراها في المنام، هذا؛ و (الضغث) يكون جنسا واحدا من النبات، أو أجناسا مختلطة، وهو أصغر من الحزمة، وأكبر من القبضة، فمن مجيئه من جنس واحد قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾. ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾: هذا اعتراف من السحرة والكهنة بعجزهم عن تعبير رؤيا الملك؛ التي رآها في منامه، وقد جعل الله تعبير هذه الرؤيا سببا لخلاص يوسف ﵇ من السجن، وهو ما تراه فيما يأتي، هذا؛ و ﴿الْأَحْلامِ﴾ جمع حلم، بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها: ما يراه النائم في منامه، وهو بكسر الحاء وسكون اللام: الأناة والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل، ومقابله السفه، والطيش الذي حدثتك عنه كثيرا، و (الحليم) من أسماء الله الحسنى، ومعناه في حقه تعالى: الذي لا يستفزه عصيان العاصي، ولا يستثيره جحود الجاحدين.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَضْغاثُ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أضغاث، وهو مضاف، و ﴿أَحْلامٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها. ﴿بِتَأْوِيلِ﴾: متعلقان ب (عالمين) بعدهما، و (تأويل) مضاف، و ﴿الْأَحْلامِ﴾:
مضاف إليه. ﴿بِعالِمِينَ﴾: الباء: حرف جر زائد. (عالمين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وإن كانت (ما) تميمية، ف ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ والباء زائدة في الخبر، وعلى الوجهين فالجملة:
﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وهو أقوى.
стр. 2705
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ أي: من القتل والسجن، وهو ساقي الملك. ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي:
تذكر يوسف، وقوله: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وأصل الفعل: اذتكر، فوقعت تاء الافتعال بعد الذال، فأبدلت ذالا، فاجتمع متقاربان في المخرج، فأبدل الأول من جنس الثاني وأدغم، وقرأ الحسن «(واذكر)» بالذال، ووجودها بأنه إبدال للتاء من جنس الأولى وأدغم. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد مدة من الزمن، وهي سبع سنين كما رأيت، وانظر الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇.
﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ﴾: أنا أخبركم. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتعبير هذه الرؤيا. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: إلى من عنده علم بتأويله، أو إلى السجن، خاطب الملك بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، أو خاطبه وأهل مجلسه من السحرة والكهان.. إلخ، هذا؛ وقرئ: «(بعد إمة)» بكسر الهمزة، أي: بعد نعمة، أي: بعد أن أنعم الله عليه بالنجاة، وقرئ «(بعد أمه)» بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وكسر الهاء، أي: بعد نسيان، يقال: أمه، يأمه أمها: إذا نسي، قال الشاعر: [الوافر]
أمهت، وكنت لا أنسى حديثا... كذاك الدّهر يؤدي بالعقول
الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿نَجا﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه.
﴿مِنْهُما﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿نَجا﴾ المستتر، ولا يصح تعليقهما بالفعل؛ لأن المعنى يختل بذلك. (ادكر): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: (ادكر...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿نَجا﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وتكون (قد) قبلها مقدرة. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا..﴾.
إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأرى جواز اعتبارها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أرسلون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان الأمر كما أقول ﴿فَأَرْسِلُونِ،﴾ وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
стр. 2706
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: فهنا كلام محذوف؛ إذ التقدير: فأرسلوه، فأتى يوسف في السجن، وقال: يا يوسف! وإنما وصفه بالصدق وبصيغة المبالغة؛ لأنه لم يجرب عليه كذبا قط، ولأنه صدق في تعبير رؤياه التي رآها في السجن. ﴿أَفْتِنا فِي سَبْعِ..﴾. إلخ، وهي رؤيا رآها الملك. ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ﴾ أي: أرجع بتأويل هذه الرؤيا إلى الملك، ومن معه، فهم ينتظرون الجواب مني. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: تأويل هذه الرؤيا منك، فترتفع منزلتك، ويعلو شأنك، وإنما لم يبث الكلام فيهما؛ لأنه لم يكن جازما بالرجوع فيما ذهب إليه.
الإعراب: ﴿يُوسُفُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) المحذوفة النائبة مناب أدعو. ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: انظر إعراب: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ في الآية [٤٣]. ﴿أَفْتِنا﴾: أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿فِي سَبْعِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبْعِ﴾: مضاف، و ﴿بَقَراتٍ﴾:
مضاف إليه. ﴿سِمانٍ﴾: صفة: ﴿بَقَراتٍ،﴾ وجملة: ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ في محل جر صفة ثانية ل ﴿بَقَراتٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، و ﴿وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾:
معطوف على ما قبله. (أخر): معطوف على (سبع) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة والعدل. ﴿يابِساتٍ﴾: صفة: (أخر). ﴿لَعَلِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرْجِعُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلَى النّاسِ﴾:
متعلقان بالفعل ﴿أَرْجِعُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾.
إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تعليل آخر، وفيها معنى التأكيد لما قبلها، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول للقول المقدر، انظر الشرح والتفسير.
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ..﴾. إلخ: لما قصّ الساقي على يوسف ﵇ رؤيا الملك المتقدم ذكرها، قال له: السبع من البقرات السمان والسنبلات الخضر، إنما هي سبع سنين مخصبات، وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبات، وكأن الساقي سأل يوسف ﵇ عن كيفية تدبير الأمور حين تبدأ السنوات الخصبة، فقال: ﴿تَزْرَعُونَ،﴾ أي:
ازرعوا، فالمضارع خبر بمعنى الأمر، هذا إن لم نقل: إن الآيات الثلاث متضمنة لتعبير الرؤيا،
стр. 2707
وبيان كيفية تدبير الأمور، فيكون الكلام خبرا على ظاهره. ﴿دَأَباً﴾: يقرأ بفتح الهمزة وسكونها، وفسر بمتوالية متتابعة، وفسر بعادتكم في الزراعة، وفسر بازرعوا بجهد واجتهاد، هذا؛ والدأب:
العادة والشأن، والحال، وهو أيضا مصدر: دأب في العمل من باب قطع: إذا جد، واستمر فيه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أي: مستمرين في سيرهما. ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾: إنما أمرهم بترك ما حصدوه من الحنطة في سنبله لئلا يفسد، ويقع فيه السوس، وذلك أبقى له على طول الزمان؛ وليكون القصب علفا للدواب. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: ادرسوا قليلا من الحنطة للأكل بقدر الحاجة، واتركوا الأكثر في سنبله لوقت الحاجة أيضا، وهو وقت السنين المجدبة.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف ﵇. ﴿تَزْرَعُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف يدل عليه المقام. ﴿سَبْعَ﴾: ظرف زمان، متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿سِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿دَأَباً﴾:
مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تدأبون دأبا، وهذه الجملة في محل نصب حال، وقيل:
عامله دل عليه ﴿تَزْرَعُونَ،﴾ أي: فيكون عامله من غير لفظه، مثل (قعد القرفصاء) والأول أقوى، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿دَأَباً﴾ حالا، أي: فهو مصدر في موضع الحال، وجملة: ﴿تَزْرَعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.
﴿حَصَدْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿فَذَرُوهُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ذروه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً﴾: مستثنى ب ﴿إِلاّ﴾. ﴿مِمّا﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قَلِيلاً،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء تأكلونه، وجملة: ﴿فَذَرُوهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، هذا؛ ويجوز اعتبار: (ما) الأولى موصولة وتكون الجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: فالذي حصدتموه، وتكون جملة: (ذروه... إلخ) في محل رفع خبره؛ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويحصل إشكال بوقوع الجملة الطلبية خبرا، انظر الآية رقم [١٥] من سورة (النساء) ففيها بحث كاف شاف، والكلام مستأنف، وهو بدوره في محل نصب مقول القول.
стр. 2708
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: بعد السنين المخصبة. ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾: سبع سنوات مجدبة ممحلة شديدة على الناس. ﴿يَأْكُلْنَ﴾: يأكل أهلهن. ﴿ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: ما ادخرتم لأجلهن، فأسند الفعل للسنوات على سبيل المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به، ونحوه قول القائل: [الطويل]
نهارك يا مغرور سهو وغفلة... وليلك نوم، والرّدى لك لازم
والنهار لا يسهو، والليل لا ينام، وإنما يسهى في النهار وينام في الليل. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾: تحرزون لبذور الزراعة، والإحصان: الإحراز، وهو إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع، وانظر شرح (ثم) في الآية رقم [١] من سورة (هود) ﵇.
الإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَأْتِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿سَبْعٌ﴾:
فاعل: ﴿يَأْتِي﴾. ﴿شِدادٌ﴾: صفة، وقد ذكّر لفظ: ﴿سَبْعٌ؛﴾ لأن المعدود مؤنث، والعدد المحصور بين ثلاثة وتسعة يكون بعكس معدودة في التذكير والتأنيث. ﴿يَأْكُلْنَ﴾: مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يأكلن الذي، أو شيئا قدمتموه. ﴿لَهُنَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة:
﴿يَأْكُلْنَ..﴾. إلخ صفة ثانية ل ﴿سَبْعٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾: إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في الآية السابقة، والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول يوسف ﵇.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد السنوات المجدبة. ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ أي:
يمطرون من (الغيث) الذي هو المطر، وقيل: هو من الغوث، من قولهم: استغثت بفلان، فأغاثني.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يعصرون العنب خمرا، والزيتون زيتا، والسمسم دهنا، المراد به كثرة الخير والنعم على الناس، وكثرة الخصب في الزروع والثمار، هذا؛ وما في هذه الآية خبر من يوسف-على نبينا، وعليه أزكى صلاة وأتم تسليم-عن شيء لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله. قال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، إظهارا لفضله، وإعلاء لشأنه، ولعله اقتبسه من سنة الله في خلقه على أنه يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 2709
الإعراب: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ﴾: هو مثل الآية السابقة في إعرابها. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿يُغاثُ﴾: مضارع مبني للمجهول. ﴿النّاسُ﴾: نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿عامٌ﴾. (فيه): متعلقان بما بعدهما. ﴿يَعْصِرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون.. إلخ، والواو فاعله، والفعل يقرأ بتاء المضارعة أيضا، كما يقرأ بالبناء للمجهول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والآية الكريمة بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول يوسف ﵇.
﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: وذلك أن الساقي رجع إلى الملك، وأخبره بما عبر به يوسف رؤياه، فعرف: أن الذي قاله كائن لا محالة، فأراد أن يراه، فطلب حضوره إليه، فرجع الساقي إلى يوسف، وقال له: أجب الملك، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ ولكنه أبى أن يخرج معه حتى تظهر براءته للملك ولأعوانه مما رمي به، ولا يراه بعين النقص، وليعلم الملك: أنه سجن ظلما. ﴿قالَ﴾ أي: يوسف. ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى سيدك، وهو الملك. ﴿فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ اذكر النساء جملة ليدخل امرأة العزيز فيهن مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح، وذلك حسن عشرة وأدب، وفي الكلام محذوف، أي: فاسأله أن يتعرف حال النسوة، قال ابن عباس-﵄: فأرسل الملك إلى النسوة، وإلى امرأة العزيز، وكان العزيز قد مات. ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أي:
إن الله تعالى عالم بصنيعهن، وما احتلن في هذه الواقعة من الحيل العظيمة حين قلن لي: أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن، والاستشهاد بعلم الله عليه، وعلى أنه بريء مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن.
وفي النسفي-: وقال نبينا ﷺ : «لقد عجبت من يوسف، وكرمه، وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف، والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول، فقال: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ،﴾ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة، وبادرت الباب، ولما ابتغيت العذر، إن كان لحليما ذا أناة، ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به، وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن». انتهى.
هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق ويراد بها: القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على: النعمة، والمعروف، ويقال: لفلان يد عندي،
стр. 2710
أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه ولا تدبير، وانظر شرح ﴿اِئْتُونِي﴾ في الآية رقم [٥٤] الآتية.
الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾: ماض وفاعله. ﴿اِئْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَمّا﴾: الفاء:
حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٤] الآية. ﴿جاءَهُ﴾: ماض ومفعوله. ﴿الرَّسُولُ﴾:
فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿اِرْجِعْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلى رَبِّكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَسْئَلْهُ﴾:
الفاء: حرف عطف. (اسأله): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فَلَمّا﴾:
اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بالُ﴾: خبره، وهو مضاف، و ﴿النِّسْوَةِ﴾:
مضاف إليه. ﴿اللاّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿النِّسْوَةِ﴾.
﴿قَطَّعْنَ﴾: ماض والنون فاعله. ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿قَطَّعْنَ..﴾. إلخ صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿ما بالُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، واعتبرها القرطبي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، وقدر: فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة، وهو تكلف لا داعي له، وجملة: (اسأله...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.
﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين، وهي في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١)﴾
الشرح: ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ..﴾. إلخ: هذا بعد أن عاد الرسول من عند يوسف بالكلام الذي بلغه إياه، فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، وخاطبهن بهذا الكلام، هذا؛ والخطب:
стр. 2711
الحال والشأن، وجمعه: خطوب، والمراودة: المحاولة وإرادة الشيء، والمراد بها ما عرفته في الآية رقم [٢٣]. ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾: انظر الآية رقم [٣١] ففيها الكفاية. ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾:
من ذنب، أو من خيانة في شيء من الأشياء. ﴿قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾: انظر شرح ذلك في الآية رقم [٣١] أيضا. ﴿آلْآنَ﴾: انظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس) ﵇. ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾:
تبين وظهر، أو ثبت واستقر، وانظر شرح: ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود). ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أنا طلبت منه ما طلبت من فعل السوء. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في قوله:
﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وهذا القول، وإن لم يكن سأل عنه؛ هو إظهار لتوبتها، وتحقيق لصدق يوسف ورفع مكانته؛ لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه، فجمع الله ليوسف ﵇ لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا يخامر نفسا ظن، ولا يخالطها شك.
هذا؛ وقد قيل: إن السبب في إقرارها أن النسوة أقبلهن عليها، فعزرنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها، فأقرت، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى الملك. ﴿ما﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَطْبُكُنَّ﴾: خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر خطب؛ لأنه في معنى الفعل؛ إذ المعنى ما فعلتن وما أردتن به في ذلك الوقت؟. ﴿راوَدْتُنَّ﴾: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعله، والنون علامة جمع الإناث، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣١]. ﴿ما﴾: نافية. ﴿عَلِمْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُوءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واكتفى (علم) بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: عرف، وجملة: ﴿ما عَلِمْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَتِ﴾: ماض والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَةُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْآنَ﴾: ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب متعلق بما بعده. ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾:
فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿راوَدْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: الواو: واو الحال.
стр. 2712
(إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إنه...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر.
﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ..﴾. إلخ: لقد اختلف في بيان قائل هذا الكلام وما بعده على قولين:
أحدهما: أنه من قول زليخا، ووجه هذا القول: أن هذا كلام متصل بما قبله، وهو إقرارها، واعترافها بما حصل منها، ويكون المعنى اعترافي بذلك ليعلم يوسف: أني لم أخنه في حال غيبته، وهو في السجن، وإن كنت قد قلت فيه ما قلت في حضرته، والقول الثاني: وعليه أكثر المفسرين: أنه من قول يوسف ﵇، ووجه هذا القول: أنه لا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر وإذا دلت قرينة عليه.
فعلى هذا يكون معنى الآية: أنه لما بلغ يوسف اعتراف المرأة بمراودتها له، قال يوسف ذلك، أي: الذي فعلت من رد رسول الملك ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في حال غيبته، فيكون كلام يوسف قد اتصل بكلام المرأة السابق من غير تمييز بين الكلامين لمعرفة السامعين لذلك مع غموض فيه، ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن قول فرعون لملئه: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ،﴾ من قول الملأ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ من قول بلقيس، ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من قول الله تصديقا لها.
وعلى هذا فقد اختلف المفسرون أيضا: هل كان يوسف ﵇ في السجن، حين قال هذا الكلام، أو قاله حين حضر عند الملك؟ روايتان عن عبد الله بن عباس-﵄.
﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾: لا يوفق، ولا يسدد خطا الخائنين، فإن كان من كلامها، فهي تعني فضيحتها، وإن كان من كلام يوسف فهو يعرض بزليخا في خيانتها زوجها، ويؤكد أمانته وعفته عما دعته إليه، ولعله أراد: لو كنت خائنا لما خلصني من هذه الورطة، وحيث أنقذني منها، ظهر أني بريء مما نسبوني إليه.
الإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِيَعْلَمَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى العزيز، أو إلى يوسف حسب ما رأيت. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لِيَعْلَمَ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿أَخُنْهُ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لِيَعْلَمَ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من المفعول، وجملة: ﴿لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ في محل رفع
стр. 2713
خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي يعلم، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير: طلبت إظهار براءتي ليعلم... إلخ.
والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾: (أن) واسمها. ﴿لا﴾:
نافية. ﴿يَهْدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن). ﴿كَيْدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْخائِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول السابق. تأمل، وتدبر.
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي..﴾. إلخ: إن كان هذا الكلام من قول المرأة، فيكون معناه: وما أبرئ نفسي من مراودتي يوسف وكذبي عليه، وإن كان من قول يوسف ﵇؛ فيكون هذا الكلام هضما لنفسه، وتواضعا لله ، فإن رؤية النفس في مقام العصمة والتزكية ذنب عظيم، فأراد إزالة العجب عن نفسه، وإبعاد التزكية عن ذاته، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾: إلا من عصم ربي وحفظه من فعل السوء والهم به، ف ﴿ما﴾ هنا بمعنى (من)، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ انظر شرحها في الآية رقم [٣] من سورة (النساء)، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ﴾: يغفر ذنوب المذنبين إذا استغفروا وتابوا وأنابوا، فهو صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده إذا استغفروا وانظر شرح البسملة، هذا؛ وتأكيد الجملة الاسمية ب ﴿إِنَّ﴾ لأن المقام يقتضي ذلك، فكأن سائلا سأل عن سبب النفي فجيء ب ﴿إِنَّ﴾ المؤكدة، وهذا من مباحث علم المعاني، كما لا يخفى.
بعد هذا؛ والسوء لفظ جامع لكل ما يهم به الإنسان من الأمور القبيحة، الدنيوية والأخروية، والسيئة: الفعلة القبيحة، وجمع السوء: أسواء، وهو بضم السين من: ساءه، وهو بفتحها المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ هذا؛ وأما ﴿النَّفْسَ﴾ فإنها تجمع في القلة أنفس، وفي الكثرة نفوس، و ﴿النَّفْسَ﴾ تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص، أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا أم أنثى؟ فعلى الأول، قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.
قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ﴾
стр. 2714
﴿الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً،﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:
روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار.
هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم أن النفس على خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة والمطمئنة، والراضية، والمرضية، ويزاد الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة ومحكومة للشهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات سميت: لوامة، وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات سميت: ملهمة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنة، فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم؛ سميت: كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات كما ذكرت، وقدمت، وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي رحمه الله تعالى: وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه، أفضى بكم إلى شرّ غاية؟ وإن أهنتموه وأعريتموه، وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟! قالوا: يا رسول الله، هذا شرّ صاحب، قال: فو الّذي نفسي بيده، إنها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم».
الإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُبَرِّئُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿نَفْسِي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿أَخُنْهُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ﴾:
حرف مشبه بالفعل. ﴿النَّفْسَ﴾: اسمها. ﴿لَأَمّارَةٌ﴾: خبرها، واللام هي المزحلقة. ﴿بِالسُّوءِ﴾ متعلقان ب (أمارة). ﴿إِلاّ﴾ أداة استثناء. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾: ماض وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي، أو شخصا رحمه ربي، هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار (ما) مصدرية، وقدر: إن النفس لأمارة بالسوء إلا وقت رحمة ربي، والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ..﴾. إلخ تعليل للنفي لا محل لها، وهي تحتمل أن تكون جوابا لسؤال مقدر، كأن قائلا قال: لم لا تبرئ نفسك؟ قال: لأن النفس..
إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر.
стр. 2715
﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ..﴾. إلخ: وذلك أنه لما تبين للملك عذر يوسف، وعرف أمانته وعلمه؛ طلب حضوره إليه، وأراد أن يكون من خاصته، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع شوائب الاشتراك، وإنما أراد ذلك وطلبه؛ لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة العزيزة، ولا يشاركهم فيها أحد من الناس، وإذا أراد الله أمرا؛ هيأ له أسبابه، فألهم الملك ذلك ليكون يوسف من خاصته، ومن المقربين عنده. ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أي: فلما أتوا وكلمه وشاهد منه الرشد والذكاء. قال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: ذو مكانة عالية، ومنزلة رفيعة مؤتمن على كل شيء، فهي كلمة جامعة لكل الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا.
-روي أن يوسف ﵇ لما قام ليخرج من السجن دعا لأهله، فقال: اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعمّ عليهم الأخبار، فلما خرج كتب على باب السجن: هذا بيت البلواء، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء، ثم اغتسل، وتنظف، ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك، قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه بالعربية، فقال الملك: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل، ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، وكان الملك يعرف سبعين لسانا، فكلمه بها، فأجابه بجميعها، فتعجب منه، فقال: أحب أن أسمع رؤياي منك، فحكاها له، ونعت له البقرات والسنابل، وأماكنها على ما رآها، فأجلسه على السرير، وفوض إليه أمره، وقيل: توفي قطفير العزيز في تلك الليالي فنصبه مكانه، وزوّجه زليخا، فوجدها عذراء، وولد له منها ولدان: إفرائيم، وميشا، وبنت واحدة هي: رحمة امرأة أيوب، وإفرائيم ولد له نون، وولد لنون يوشع فتى موسى على نبينا، وعليهم أفضل صلاة، وأزكى تسليم.
-هذا؛ و ﴿اِئْتُونِي﴾ أمر من أتى يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان في النطق، فإذا ابتدأت الكلام قلت:
ايتوني بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائتوني.
﴿لَدَيْنا﴾: ظرف مكان بمعنى عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف (لدى) إلى مضمر كما هنا، قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر والمضمر، ثم اعلم أن (عند) أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب. وعند
стр. 2716
فلان علم به، ويمتنع ذلك في (لدي) ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.
هذا؛ و «الكلام» بالنسبة إلى البشر يدل على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد: تكليمك إياه.
وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ، لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [الكامل]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين) وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ثم انظر إلى قول الشاعر وهو عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون، ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
بعد هذا انظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود) ﵇، وانظر شرح ﴿كَلَّمَهُ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.
الإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: انظر الآية رقم [٥٠] ﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو مجزوم عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تأتوني... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به، والجملة مع ما قبلها في محل نصب مقول القول.
﴿لِنَفْسِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٥٩] الآتية. ﴿كَلَّمَهُ﴾: ماض، والهاء
стр. 2717
مفعوله، والفاعل يعود إلى يوسف أو إلى الملك والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْمَلِكُ﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿لَدَيْنا﴾: ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله ب (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بما بعده أيضا، ﴿مَكِينٌ﴾: خبر إن. ﴿أَمِينٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب لما، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾
الشرح: فلما جاء يوسف عند الملك، وقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا..﴾. إلخ بعد أن شرح له يوسف رؤياه، قال له الملك: فماذا ترى أن نفعل؟ قال: اجمع الطعام، وازرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وادخر الطعام في سنبله وقصبه؛ فإنه أبقى له، فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب، وتأمر الناس أن يرفعوا الخمس من زرعهم أيضا، فيكفيك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، وتأتيك سائر الخلق للميرة من سائر النواحي، ويجتمع عندك من الكنوز والأموال ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا، ومن يجمعه، ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه؟ فعند ذلك قال يوسف ﵇: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي:
ولني أمرها، وحفظها، و ﴿الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض، أما سمعت إلى قوله: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي: للخزائن ممن لا يستحقها. ﴿عَلِيمٌ﴾: بوجوه التصرف فيها، فقال له الملك: ومن أحق بذلك منك؟! وولاه ذلك، وعن مجاهد: أن الملك أسلم على يده.
فعن ابن عباس-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «يرحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخّر ذلك سنة». بقي أن تعرف كيف طلب يوسف ﵇ الإمارة، مع النهي عنها؟! والجواب: إنما يكره طلبها إذا لم يتعين على الإنسان ذلك، فإذا تعين طلبها وجب ذلك عليه، ولا كراهية فيه، فأما يوسف ﵊ فكان عليه طلب الإمارة؛ لأنه مرسل من الله تعالى، والرسول أعلم بمصالح الخلق من غيره، وإذا كان مكلفا برعاية المصالح، ولا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة؛ وجب عليه طلبها، وفيه دليل على جواز طلب التولية لكل إنسان إذا عرف من نفسه القدرة على إقامة الحق، وعدم المداهنة للكافر، والفاجر، بل يؤجر على هذه التولية ما دامت نيته حسنة مع الإخلاص في العمل لله رب العالمين.
стр. 2718
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف ﵇. ﴿اِجْعَلْنِي﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى خَزائِنِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿خَزائِنِ﴾: مضاف، و ﴿الْأَرْضِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿حَفِيظٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما أنعمنا على يوسف في تقريبه إلى قلب الملك، وتحبيبه إليه، وإنجائه من السجن؛ مكناه في أرض مصر، فجعلناه على خزائنها، وصاحب الأمر والنهي فيها، ومعنى التمكين: التمليك، وهو أن لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾: ينزل من بلادها وقصورها حيث يهوى ويريد، وهو تفسير للتمكين المتقدم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ الآية رقم [٩٣] من سورة (يونس). ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ﴾ أي: نختص بنعمتنا من نبوة وغيرها من نعم الدنيا من نشاء اختصاصه بها من عبادنا. ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ابن عباس ووهب: يعني:
الصابرين، لصبر يوسف في الجب، وفي الرق، وفي السجن، وفي صبره عن محارم الله تعالى عما دعته المرأة إليه. انتهى. قرطبي. وأضيف أن الإحسان يشمل كل عمل خيري، دنيوي وأخروي، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، والإحسان إلى كل مخلوق.
وانظر شرح (رحمتي) في الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ﴿حَيْثُ﴾:
مبنية، وإنما بنيت؛ لأنها لا تدل على موضع بعينه، ولأن ما بعدها من تمامها، كالصلة من الموصول، وبنيت على حركة؛ لأن ما قبل آخرها ساكن، وكان الضم أولى بها بحركتها؛ لأنها غاية، فأعطيت غاية الحركات، وهي الضمة؛ لأن الضمة أقوى الحركات، وقيل: بنيت على الضم؛ لأن أصلها (حوث) فدلت الضمة على الواو، ويجوز فتحها، وفي (حيث) ست لغات، بالياء مع الضم والفتح والكسر، وبالواو مع الضم والفتح والكسر، وهي حيث، وحيث، وحيث وحوث، وحوث، وحوث، وانظر شرح وإعلال: (يصيب) في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده. التقدير: مكنا ليوسف تمكينا كائنا مثل إنقاذنا له من السجن وتقريبه إلى قلب الملك. ﴿مَكَّنّا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما
стр. 2719
والمفعول به محذوف، التقدير: الأمور، هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، فيكون يوسف مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلاّ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان به أيضا، والجملة الفعلية: (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿يَتَبَوَّأُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى يوسف. ﴿مِنْها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وأجيز اعتباره مفعولا به، فهو مبني على الضم في محل نصب، ﴿يَشاءُ﴾: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى يوسف، وعلى قراءته بالنون ففاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (حيث) إليها، وجملة: ﴿يَتَبَوَّأُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من يوسف، والرابط الضمير فقط. ﴿نُصِيبُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِرَحْمَتِنا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نصيب برحمتنا الذي، أو شخصا نشاؤه، وجملة: ﴿نُصِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُضِيعُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَجْرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور..
إلخ، وجملة: ﴿وَلا نُضِيعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ..﴾. إلخ: أي: ما يعطيه الله ليوسف في الآخرة خير وأكثر مما أعطاه في الدنيا؛ لأن أجر الآخرة دائم وأجر الدنيا ينقطع، وظاهر الآية العموم في كل متق ومؤمن، وهو أولى، قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، وتلا الآية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
-روي: أن الملك توج يوسف، وختمه بخاتمه، ورداه بسيفه، ووضع له سريرا من ذهب، مكللا بالدر واليواقيت، فقال: أما السرير، فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي، ولا لباس آبائي، فجلس على السرير، ودانت له الأمور، وفوض الملك إليه أمره، وأقام العدل بمصر، وأحبه الصغير والكبير، فلما اطمأن يوسف في ملكه؛ دبر في جمع الطعام أحسن التدبير، فبنى الحصون، والبيوت الكثيرة.
فلما دخلت السنون الخصبة أمر بزراعة جميع الأراضي، وصار يدخر الأقوات، كما بين للملك فيما سبق، وذلك إعداد للسنوات المجدبة حتى خلت المخصبة، ودخلت السنون المجدبة بهول وشدة لم ير الناس مثلهما، ونهى عن زراعة الأراضي في تلك السنوات، وأسلم على يديه
стр. 2720
الملك وكثير من الناس، وباع أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق معهم شيء منها، وفي الثانية بالحلي والجواهر، وفي الثالثة بالدواب والمواشي كلها، وفي الرابعة بالعبيد والإماء حتى استولى عليها كلها، وفي الخامسة بالدور والعقارات، وفي السادسة بأولادهم وذراريهم، وفي السابعة برقابهم حتى استرقهم جميعا، وهذا هو معنى التمكين الذي ذكره الله في الآية السابقة، ثم أعتق أهل مصر، ورد عليهم أموالهم، وأملاكهم، وكان لا يبيع لأحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، وأصاب أرض كنعان ما أصاب مصر من القحط والجدب. وذاع أمر يوسف ﵇ في الآفاق للينه، وعطفه، ورحمته، ورأفته، وعدله، وسيرته.
-فقال يعقوب ﵇ لبنيه: بلغني: أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام، فتجهزوا له واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون إليه من الطعام، وأمسك عنده بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه، وأرسل عشرة مع كل واحد منهم بعير، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿وَلَأَجْرُ﴾: الواو: واو الحال. اللام: لام الابتداء. (أجر): مبتدأ، وهو مضاف، والآخرة مضاف إليه، ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بخير. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: (بالله) والجملة الفعلية صلة الموصول. (كانوا):
ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان) وجملة: (كانوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، والجملة الاسمية: (لأجر...) إلخ في محل نصب حال من أجر المحسنين، والرابط: الواو فقط، هذا؛ وقد قال الجمل: اللام واقعة في جواب قسم، وهو يعني أن الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والجملة الاسمية: (لأجر...) إلخ جواب هذا القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، والاعتبار الأول أولى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾: فيه حذف كلام كثير، انظر ما ذكرته في الآية السابقة، وهذا من اختصار القرآن المعجز. ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: وهو على سرير الملك، وفي هيبته وجلاله، وحوله الخدم، والحشم. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾: أنهم إخوته واحدا واحدا، ولم ير بينهم أخاه بنيامين.
﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لم يعرفوه؛ لأنهم باعوه صبيّا، ولم يقع في خلدهم أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من العزة والمكانة ورفعة الشأن مع طول المدة، وهم أربعون سنة، بل واعتقدوا هلاكه وموته؛ ولذا لم يخطر على بالهم في وقت من الأوقات: أنه حي على وجه الأرض، أما
стр. 2721
هم فلا يزالون على ما كانوا عليه في الملبس والهيئة والزي مع تكلمهم باللغة العبرانية التي هي لغتهم الأصلية، فلما كلموه بها قال: لعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي، قالوا: معاذ الله! قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا، فهلك في البرية، وكان أحبنا إليه، وبقي شقيقه، فاحتبسه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم، ثم قال لهم: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إننا ببلاد غربة، لا يعرفنا أحد، قال: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا راض بذلك منكم، وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي، ولا تقربوا بلادي! وانظر أسماءهم في الآية رقم [٧].
الإعراب: ﴿وَجاءَ﴾: الواو: حرف استئناف. جاء: ماض. ﴿إِخْوَةُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و ﴿يُوسُفَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (جاء...) إلخ مستأنفة لا محل لها. (دخلوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. عليه: متعلقان بما قبلهما.
عرفهم: ماض، ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿يُوسُفَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْكِرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو
إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: يقال: جهزت القوم تجهيزا، إذا تكلفت لهم جهاز سفرهم، وهو ما يحتاجون إليه في سفرهم، و (الجهاز) بفتح الجيم، وقرئ بكسرها، والأولى أفصح. قال ابن عباس-﵄: حمل لكل واحد منهم بعيرا من الطعام، وأكرمهم في النزول، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم، هذا؛ وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند الإهداء للزوج. قال: ﴿اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ أي: لأعلم صدقكم فيما تدعون من كونكم أولاد نبي، وأن أخا لكم آخر قد احتبسه أبوكم عنده ليتسلى به عن الفقيد، وقيل: طلب منهم رهينة عنده حتى يأتوه بأخيه، فاقترعوا فيما بينهم، فأصابت القرعة (شمعون) فبقي عنده. أقول:
ولا داعي لذلك ما دام منعهم الميرة من عنده، ولما ذهبوا إلى أبيهم ذكروا له منع الميرة، ولم يذكروا رهينة عند يوسف، ومنع الميرة في تلك الآونة الراهنة أشق شيء عليهم من غيره
﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أتمه. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: المضيفين. وكان قد أحسن ضيافتهم
стр. 2722
ووفادتهم عليه، كما رأيت فيما سبق، وقول الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام يضعف قول من يقول: إنه اتهمهم، ونسبهم إلى أنهم جواسيس.. إلخ. أقول: لعله قال ذلك ليدفع عن نفسه الشبهة، وليهيمن عليهم، ويجعلهم حذرين منه، مع شدة إكرامه لهم، هذا؛ و (أخ) أصله:
أخو، فحذفت الواو بعد نقل حركتها إلى الخاء للتخفيف بدليل رجوعها في التثنية حيث تقول:
أخوان، أخوين، وانظر: إعلال (دم) في الآية رقم [١٨].
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف عطف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: (حين) عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جَهَّزَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعوله، والفاعل يعود إلى يوسف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿بِجَهازِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف أيضا. ﴿اِئْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِأَخٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: (أخ). ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (أخ)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (أخ) بعد وصفه بما تقدم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ..﴾.
إلخ لا محل له مثلها. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَرَوْنَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُوفِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْكَيْلَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أُوفِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنِّي،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي:
﴿تَرَوْنَ﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَنَا﴾: الواو: واو الحال.
(أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ﴾: خبره: وهو مضاف، والمنزلين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء.. إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿أُوفِي﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾
الشرح: معنى الآية الكريمة، فإن لم تحضروا أخاكم من أبيكم؛ لأتحقق من صحة قولكم، فلست أعطيكم طعاما مرة ثانية، ولا تدخلوا بلادي، بل ولا ترجعوا إليها ثانية، وهذا هو نهاية
стр. 2723
التخويف لأنهم كانوا محتاجين للطعام، وانظر شرح الآيتين السابقتين، وانظر شرح ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٣٢].
الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَأْتُونِي﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما.
﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل إن. ﴿كَيْلَ﴾: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (لا)، ﴿عِنْدِي﴾: ظرف مكان متعلق بما تعلق به. ﴿لَكُمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلا كَيْلَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد.
﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْرَبُونِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وهي مكسورة، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، هذا؛ وأجيز اعتبار (لا) نافية، فيكون الفعل مرفوعا، وقد حذفت نون الوقاية، وياء المتكلم أيضا، وعلى الوجهين فالجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل جزم مثلها، وإن ومدخولها كلام مستأنف، وهو في محل نصب مقول القول؛ لأنه من كلام يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾: سنطلبه منه، ونجتهد، ونحتال في ذلك؛ حتى نأتي به إليك. ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾: ما أمرتنا به لا نتوانى في ذلك، فإن قيل: كيف استجاز يوسف ﵇ أن يفعل ذلك، وهو مما يزيد حزن أبيه بطلب أخيه؟! فأجيب بأجوبة كثيرة، أظهرها: أن يكون الله أمره بذلك ابتلاء ليعقوب؛ ليعظم أجره، وثوابه، ويلحقه بدرجة أبيه، وجده.
الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. السين: حرف استقبال. (نراود): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَباهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وقد حذفت ألفها، وبقيت نونها، وذلك للتخفيف. ﴿لَفاعِلُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة، (فاعلون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد،
стр. 2724
والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل (نراود)، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿سَنُراوِدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ أي: قال يوسف ﵇ لغلمانه، ورجاله الكيالين. ﴿اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ﴾: أراد بالبضاعة ثمن الطعام الذي دفعوه، وكانت دارهم ودنانير، وحكى الضحاك عن ابن عباس-﵄: أنها كانت النعال والجلود. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها﴾:
يعرفون بالبضاعة التي دفعوها ثمنا للطعام. ﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ﴾: إذا رجعوا إلى أهلهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلينا، أو إلى بلادنا.
واختلف في السبب الذي دعا يوسف ﵇ لأن يرد على إخوته ثمن الطعام على أقوال كثيرة؛ أرجحها: أنه خاف أن لا يكون عند أبيه شيء آخر من المال؛ لأن الزمان كان زمان قحط وشدة، وقيل: إنه رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم لشدة حاجتهم، وقيل: أراد أن يريهم بره، وكرمه، وإحسانه إليهم؛ ليكون ذلك أدعى إلى الرجوع إليه.
هذا؛ و ﴿رِحالِهِمْ﴾ جمع: رحل، وهو يطلق على منزل الرجل، وعلى محلة القوم التي يقطنونها، والرحل للناقة؛ كالسرج للفرس، والبردعة للحمار، وهو يطلق على أثاث الرجل وأمتعته، والمراد به في الآية الكريمة: الوعاء الذي يوضع فيه الطعام ويحمل على ظهر الجمل بدليل ما يأتي في الآية رقم [٧٥] وما بعدها، هذا؛ وقرئ: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ و «(لفتيته)» وكلاهما جمع:
فتى، لكن الأول جمع كثرة، والثاني جمع قلة، وهو أشبه من الأول هنا؛ لأن الذين تولوا هذا العمل قليلون، هذا؛ والفتى: الشاب، ويطلق على السيد، والشريف، والكريم؛ كما يطلق على المستخدم من عبد وغيره، كما في الآية الكريمة، وكما في فتى موسى ﵇، و (الفتاء) بالمد: الشباب، والفتوة، الشجاعة، والسيادة، والشرف هذا؛ وقيل: الفتوة: بذل الندى، وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم، ويجمع الفتى أيضا على: فتوّ، كما في قول جذيمة الأبرش: [الخفيف]
في فتوّ أنا رابئهم... من كلال غزوة ماتوا
وهو شاذ؛ لأن أصل (فتى) فتيّ، فهو يائي، وليس واويا. تأمل.
الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف عطف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف على نبينا، وعليه أفضل صلاة وأزكى تحية وتسليم. ﴿لِفِتْيانِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر
стр. 2725
بالإضافة، ﴿اِجْعَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِضاعَتَهُمْ﴾: مفعول به أول. ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْرِفُونَها﴾: مضارع وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها.
﴿إِذَا﴾: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿اِنْقَلَبُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى أَهْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير:
راجعين إلى أهلهم، وجملة: ﴿اِنْقَلَبُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، واعتبارها شرطية ضعيف، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ تعليل آخر لجعل البضاعة في رحالهم.
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: منعنا ملك مصر الميرة من عنده إن لم نأخذ له «بنيامين» ... وأخبروه بما كان من أمرهم، وإكرامه لهم، وما دار بينهم من أحاديث حتى طلب بنيامين ليتأكد من صحة أحاديثهم. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا﴾: بنيامين. ﴿نَكْتَلْ﴾: نرفع المانع من الميرة، هذا؛ ويقرأ: «(يكتل)» بالياء، أي: يكتل (بنيامين) حمل بعير آخر يضاف لأحمالنا. ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أي: من أن يناله مكروه وحتى نرده إليك سالما غانما.
الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف، (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿رَجَعُوا﴾: ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى أَبِيهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ﴾ مثل جملة: ﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ قالوا: ماض وفاعله. يا: أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أبانا):
منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُنِعَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿مِنَّا﴾: متعلقان ب ﴿مُنِعَ﴾. ﴿الْكَيْلُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَأَرْسِلْ﴾: الفاء:
حرف عطف على رأي: من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (أرسل): أمر والتماس، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة.
стр. 2726
﴿أَخانا﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿نَكْتَلْ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، أو هو حسب ما رأيت، والجملة الفعلية لا محل لها، وجملة: (أرسل...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: (وإذا كان ما ذكر حاصلا فأرسل...) إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ بلا فارق.
﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب ﵇. ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ..﴾. إلخ: أي: كيف آمنكم على بنيامين، وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم، وقد تعهدتم بحفظه ورعايته، أي: فلم يطمئن لحفظهم، ورعايتهم ل (بنيامين). ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً﴾ أي: فإذا كان لا بد من إرساله معكم، فإني أكل حفظه إلى الله تعالى، ففيه التفويض إلى الله تعالى، والاعتماد عليه في جميع الأمور. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾: وهذا يدل على أنه وافق على إرساله معهم، وإنما أرسله معهم؛ لأنه لم ير بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد ما كان بينهم وبين «يوسف»، أو أنه شاهد منهم الخير والصلاح لما كبروا، أو أن شدة القحط وضيق الحال أحوجه إلى ذلك.
قال كعب الأحبار: لما قال يعقوب ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً﴾ قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردن عليك ابنيك كليهما بعد ما توكلت علي! هذا؛ وقرئ: «فالله خير حفظا»، وقرئ: «خير حافظ»، وقرئ: «(خير الحافظين)».
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»؛ يعود إلى أبيهم يعقوب. ﴿هَلْ﴾:
حرف استفهام معناه النفي. ﴿آمَنُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعوله. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿عَلى أَخِيهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بما قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَخِيهِ،﴾ وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: لا آمنكم عليه إلا ائتمانا كائنا مثل ائتماني لكم على أخيه، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر
стр. 2727
المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿فَاللهُ﴾: الفاء: هي الفصيحة، انظر الشرح. (الله): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبره، ﴿حافِظاً﴾: تمييز، وقيل: حال من لفظ الجلالة، ولا تجوز الحالية على قراءة «(حفظا)»، وعلى قراءة الجر ف ﴿خَيْرٌ﴾: مضاف، و ﴿حافِظاً﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿حافِظاً﴾ فلست مفندا.
﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أي: أوعيتهم ورحالهم. ﴿وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾: وجدوا ثمن الطعام الذي دفعوه ليوسف ﵇ قد دس في رحالهم. ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: قرئ بكسر الراء وضمها. ﴿قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾: ماذا نطلب وماذا نريد؟! أي: أي شيء نريد من ملك مصر فوق هذا الإحسان وهذا الإكرام، فقد أحسن مثوانا، وباعنا، ورد علينا ثمن الطعام الذي أعطيناه له؟! أو المعنى: ﴿ما نَبْغِي﴾ من البغي وتجاوز الحد، أي: لا نكذب ولا نتجاوز الحد في وصف الملك. ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾: هذه أثمان الطعام الذي أتينا به من ملك مصر قد رد إلينا بكامله، فهل بعد هذا الإحسان إحسان؟! ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ أي: نجلب الطعام لأهلنا، إن أرسلت معنا بنيامين إلى الملك ليتحقق من صحة قولنا، وقرئ بضم النون، بمعنى: نعين أهلنا على الميرة. ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ أي: من المكاره والمخاوف في ذهابنا، وإيابنا حتى نرده إليك سالما غانما. ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: حمل جمل لأخينا إن ذهب معنا؛ لأن الملك لا يعطي الرجل أكثر من حمل جمل واحد. ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: إن ما أتينا به من الطعام لا يكفينا لأنه قليل، أو المعنى إن حمل جمل ل «بنيامين» شيء قليل، وهين على الملك لا يضايقه، فهو يعطينا إياه بسهولة ويسر، هذا؛ والبعير يشمل الجمل والناقة كالإنسان للرجل والمرأة، وإنما يسمى بعيرا إذا بزل نابه، أي: ظهر، ويجمع على أبعرة، وبعران، وجمع الجمع: أباعر وأباعير.
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿فَتَحُوا﴾: ماض مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال اختصارا:
стр. 2728
فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ﴿مَتاعَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿وَجَدُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿رُدَّتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل مستتر تقديره هي. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ في محل نصب مفعول به ثان. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿يا أَبانا﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو: (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): في محل جر بالإضافة، ﴿لَمّا﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، إن كان الفعل متعديا، وفي محل رفع مبتدأ، إن كان لازما، هذا؛ وأجيز اعتبارها نافية. ﴿نَبْغِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» وقرئ بتاء المضارعة خطابا ليعقوب ﵇، فيكون الفاعل مستترا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار ﴿لَمّا﴾ مبتدأ، والفعل لازما، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هذِهِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِضاعَتُنا﴾: خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ في محل نصب حال من ﴿بِضاعَتُنا﴾ والرابط عود نائب الفاعل إليه، وهي على تقدير (قد) قبلها، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهي على نحو: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً..﴾. والجملة الاسمية: ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وإن قيل: هي مستأنفة موضحة لقوله: ﴿ما نَبْغِي﴾ فلا بأس به. ﴿وَنَمِيرُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن». ﴿أَهْلَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: (نمير...) إلخ معطوفة على جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إن بضاعتنا ردت إلينا، فنستعين بها ونمير أهلنا، والجملتان ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ معطوفتان عليها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَيْلَ﴾: خبره. ﴿يَسِيرٌ﴾:
صفة كيل، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب. ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾ أي: «بنيامين». ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ﴾ أي: حتى تؤتون عهدا مؤكدا بذكر الله، أو بإشهاد الله. ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾: لترجعن ببنيامين من مصر؛ إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك، أو إلا أن تهلكوا جميعا. ﴿فَلَمّا آتَوْهُ﴾
стр. 2729
﴿مَوْثِقَهُمْ﴾: فلما أعطوه عهدهم المؤكد بإشهاد الله. ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب: ﴿اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: على ما طلبت من العهد، وعلى ما أعطيتموه الله رقيب وشاهد، وقيل: حافظ، هذا؛ ولا تنس: أن إعلال: ﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾ مثل إعلال ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ في الآية رقم [٣٥].
الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال.
﴿أُرْسِلَهُ﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به.
﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿تُؤْتُونِ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد حتى، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بكسرة النون مفعول به أول، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَوْثِقاً﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بموثقا، أو بمحذوف صفة له.
﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المفهوم مما قبلها. (تأتنني): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون المشددة للتوكيد، والمخففة للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم؛ إذ التقدير والمعنى: حتى تحلفوا بالله لتأتنني. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.
﴿أَنْ يُحاطَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿بِكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما نائب فاعل، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء المفرغ من عموم الأحوال، التقدير: لتأتنّني به على كل حال من الأحوال إلا حال الإحاطة بكم، أو من أعم العلل على تضمين الكلام معنى النفي، أي: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم.
﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿آتَوْهُ﴾: ماض وفاعله ومفعوله الأول. ﴿مَوْثِقَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿آتَوْهُ..﴾. إلخ لها محل، أو لا محل لها انظر الآية السابقة. ﴿قالَ﴾:
ماض وفاعله مستتر يعود إلى يعقوب. ﴿اللهِ﴾: مبتدأ. ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿فَلَمّا﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والجار والمجرور متعلقان بوكيل بعدهما، الذي هو خبر المبتدأ، وتقدير الكلام: الله وكيل على الذي، أو على شيء نقوله، وعلى اعتبار ﴿فَلَمّا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿وَكِيلٌ،﴾ وتقدير الكلام الله وكيل على قولنا، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
стр. 2730
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾: يوصي يعقوب ﵇ بنيه أن يدخلوا مدينة يوسف، أي: عاصمته من أبواب متفرقة، وكان للمدينة أربعة أبواب، وإنما أوصاهم بذلك؛ لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة، مشتهرين بالقربة والكرامة عند الملك مع كونهم أبناء رجل واحد، فخاف عليهم، إذا دخلوا في كوكبة واحدة أن يصابوا بالعين، ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى؛ لأنهم كانوا مجهولين حينئذ، أو كان الداعي لذلك خوفه على بنيامين.
﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: مما قضى عليكم، بما أشرت به إليكم، فإن الحذر لا يمنع القدر مجتمعين كنتم أو متفرقين. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾: يصيبكم بما أراد لا محالة إن قضى عليكم بشيء وقدره، ولا ينفعكم ما أوصيتكم به. وانظر الآية رقم [٤٠]. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت في أموري كلها على الله لا على غيره. ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه فليعتمد المعتمدون، وليفوضوا أمورهم وشئونهم إليه.
هذا؛ والتوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وقالوا:
المتوكل من إن دهمه أمر، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.
بعد هذا انظر شرح ﴿واحِدٍ﴾ في الآية رقم [٣٩]، وأصل ﴿يا بَنِيَّ﴾ يا بنين لي، فحذف حرف الجر، واتصلت ياء المتكلم بالاسم، فحذفت النون للإضافة، ثم أدغمت ياء المتكلم بالياء التي هي لجمع المذكر السالم، وانظر الإعراب.
تنبيه: ذكرت لك أن يعقوب ﵇ خاف على أولاده من العين، وقد ثبت أن للعين تأثيرا، وقد أقر نبينا وحبيبنا ﷺ ذلك في أحاديثه الشريفة، فمن ذلك قوله: «إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر» ومنه تعوذه ﷺ «أعوذ بكلمات الله التّامّة، من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة». وهذا الحديث رواه البخاري وأصحاب السنن. انتهى. جمل. عن ابن عباس-﵄، وعنه أيضا عن رسول الله ﷺ قال: «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». رواه مسلم، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال جل شأنه: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾.
هذا؛ ويروى أن عامر بن ربيعة أصاب أبا سهل بن حنيف بالعين، فقال رسول الله ﷺ :
«علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت، إنّ العين حقّ. توضّأ له». ومعنى بركت: هلا قلت:
تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، ومفهومه: أن التبريك يدفع أذى العين، ومن ذلك
стр. 2731
قولك: ما شاء الله كان، والصلاة والسّلام على الرسول يمنع ذلك أيضا، وفي قول الرسول ﷺ للعاين: (توضأ) أمر له بالوضوء الكامل للصلاة في إناء، ثم يغتسل المصاب بماء الوضوء، فإنه شفاء له بإذن الله، وهذا إذا عرف العائن، وإذا لم يعرف؛ فالقرآن شفاؤه، أي: للمصاب، فتلاوة الفاتحة والمعوذتين عليه شفاء له بإذن الله تعالى، هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أنه لا يشترط أن يكون العائن فقيرا، أو فاسقا، أو كافرا، فقد يكون من أغنى الأغنياء، وقد يكون من أتقى الأتقياء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.
الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف عطف، (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب أبيهم.
(يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة.
﴿لا تَدْخُلُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ﴾: صفة باب. ﴿وَادْخُلُوا﴾:
الواو: حرف عطف. (ادخلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضم لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في قولك (ادخلا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: (ادخلي): والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة.
﴿مِنْ أَبْوابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾: صفة أبواب. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال.
(ما): نافية: ﴿أُغْنِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَنْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما وأجيز تعليق ﴿مِنَ اللهِ﴾ بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة. ﴿مِنْ﴾:
حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما أُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ياء المتكلم، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير.
﴿إِنِ﴾: حرف نفي. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَعَلَيْهِ﴾: الواو: حرف عطف. (عليه): متعلقان بما بعدهما. الفاء: زائدة، (ليتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها.
стр. 2732
﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا﴾ أي: المدينة. ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: من أبواب متفرقة. ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: أي: لم ينفعهم رأي يعقوب بالدخول من أبواب متفرقة، أو لم ينفعهم الدخول نفسه. ﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾: وهي شفقته عليهم، وتحرزه من أن ينالهم سوء، أو يعانوا بلاء وشدة. ﴿قَضاها﴾: أظهرها، ووصى بها أولاده، قيل: هي خوفه عليهم من العين، وقيل: خوفه من حسد أهل مصر. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي: صاحب علم وعمل بما يعلم. ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ أي: لتعليمنا إياه ذلك العلم، وذلك بالوحي ونصب الحجج والبراهين، ولذا لم يغتر بتدبيره وإرشاده، فقال: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يعلم يعقوب من أمر دينه، وقال البيضاوي: لا يعلمون سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر.
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿دَخَلُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وحيث مبني على الضم في محل جر. ﴿أَمَرَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿أَبُوهُمْ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿دَخَلُوا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿لَمّا﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى رأي يعقوب المفهوم من المقام. أو إلى الدخول نفسه المفهوم من (دخلوا). ﴿يُغْنِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، وفاعله، يعود إلى ما عاد إليه اسم كان.
﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: انظر إعرابهما في الآية السابقة، ويزاد جواز اعتبار: ﴿شَيْءٍ﴾ فاعلا ل ﴿يُغْنِي﴾ وهو ضعيف، وجملة: ﴿يُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها قال سليمان الجمل: وفيه حجة لمن يدعي كون (لمّا) حرفا، لا ظرفا؛ إذ لو كانت ظرفا لعمل فيها جوابها؛ إذ لا يصلح للعمل سواه، لكن ما بعد ما النافية لا يعمل فيها قبلها، وأجاز أبو البقاء اعتبار جملة: ﴿آوى..﴾. إلخ في الآية التالية جوابا ل (لمّا) هذه، وللثانية الآتية، كقولك: لمّا جئتك، ولمّا كلمتك؛ أجبتني، ثم قال:
وحسن ذلك: أن دخولهم على يوسف يعقب دخولهم من الأبواب، كما أجاز اعتبار الجواب محذوفا، تقديره: امتثلوا، أو قضوا حاجة أبيهم ونحوه، وعلى الاعتبارين فجملة: ﴿ما﴾
стр. 2733
كانَ... إلخ في محل نصب حال من الضمائر العائدة على أولاد يعقوب، والرابط: الواو، والضمير، والتقدير: حالة كونه غير مغن عنهم، دخولهم متفرقين، ولا يخفى: أن الإعراب الأول أولى بالاعتبار. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء منقطع، بمعنى لكن. ﴿حاجَةً﴾: منصوب. على الاستثناء، وقال أبو البقاء: مفعول لأجله. ﴿فِي نَفْسِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة حاجة، و ﴿نَفْسِ﴾ مضاف، ويعقوب مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿قَضاها﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، و (ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿يَعْقُوبَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط: رجوع الفاعل إليه، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿لَذُو﴾: اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو): مضاف، و ﴿عِلْمٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية (إنه...) إلخ في محل نصب حال من ﴿يَعْقُوبَ،﴾ فهي حال متعددة، أو من فاعل ﴿قَضاها،﴾ فتكون حالا متداخلة، وعلى الاعتبارين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿لَمّا﴾: اللام: حرف جر. (ما):
مصدرية. ﴿عَلَّمْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: علمناه إياه، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿عِلْمٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، التقدير: لتعليمنا إياه، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة، فيكون التقدير: وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه إياه، وهو معنى صحيح. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢١] وهي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط محذوف، وهو مفعول الفعل؛ إذ التقدير: لا يعلمون ذلك العلم.
﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أي: في محل حكمه، ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾: ضم إليه أخاه (بنيامين)، تقول: أوى إليه: إذا التجأ، واطمأن إليه، وأصل ﴿آوى﴾: (أأوى) بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، مثل: آمن وآدم ونحوهما، فلا تبتئس: فلا تغتم بسوء عملهم، والبؤس: الضيق والشدة والفقر... إلخ، والبؤس الحزن الشديد، قال الشاعر: [الطويل]
وكم من خليل، أو حميم رزئته... فلم أبتئس والرّزء فيه جليل
يقال: ابتأس الرجل: إذا بلغه شيء يكرهه، والابتئاس حزن في استكانة.
تنبيه: قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: أيها الملك هذا أخونا الذي طلبت منا إحضاره! فقال لهم: أحسنتم ثم أنزلهم عنده، وصنع لهم طعاما، وأجلس كل اثنين
стр. 2734
على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا، فبكى، وقال: لو كان أخي يوسف حيّا لأجلسني معه، فقال لهم يوسف: أنا أجلسه معي، فأجلسه معه على مائدته، فلما أتى الليل؛ أمر لهم بمثل ذلك من الفراش، وقال: كل اثنين ينامان في بيت واحد، وقال: هذا ينام عندي، فلما خلا به، قال له:
إني أنا أخوك يوسف، وقام إليه وعانقه، وقال له: لا تبتئس... إلخ، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، فقال يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه وحزنه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد، قال: لا أبالي افعل ما بدا لك، فإني لا أفارقك، قال يوسف: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك، قال: افعل ما شئت! والآيات التالية توضح ذلك، وتشرحه.
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف عطف. لما: انظر الآية رقم [٥٩]، وقل في جملة:
﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ ما رأيته في الآية السابقة. ﴿آوى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَخاهُ﴾:
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آوى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾ أيضا.
﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا أَخُوكَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها، قال أبو البقاء: وهكذا كل ما اقتضى جوابا، وذكر جوابه، ثم جاءت بعده (قال) فهي مستأنفة. ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران):
﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا..﴾. إلخ.
﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، وانظر الآية رقم [٦٣]، ﴿تَبْتَئِسْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فلا تبتئس بسبب الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فلا تبتئس بسبب عملهم الذي عملوه معنا.
﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبرها. وجملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والتقدير على اعتبار الفاء فصيحة: وإذا عرفت أني أخوك؛ فلا تبتئس
إلخ.
стр. 2735
﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: انظر الشرح في الآية رقم [٥٩] مع ملاحظة اقتران الكلام هنا بالفاء، واقترانه هناك بالواو، والسبب في ذلك أن الواو لمطلق الجمع، والتجهيز هناك كان متصلا بمجيئهم ومعرفتهم وإكرامهم، والفاء للتعقيب، والتجهيز هنا قد تمادى عن دخولهم على يوسف بسبب إكرامهم وضيافتهم مدة طويلة، خذ هذا، وافهمه فإنه جيد لم يذكره أحد من المفسرين.
هذا؛ وقال الجمل: عبر هنا بالفاء إشارة إلى طلب سرعة سيرهم، وذهابهم لبلادهم؛ لأن الغرض منه قد حصل، وقد عرفت حالهم، بخلاف المرة الأولى كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم. انتهى. قارن بين قولي، وقوله، وانظر أي: القولين أصح.
﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ هذا السقاية والصواع الآتي شيء واحد: إناء له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد، ويكال الطعام بالرأس الآخر، قاله النقاش عن ابن عباس-﵄-وكل شيء يشرب به فهو صواع، واختلف في جنسه، فقيل: هو من ذهب، وقيل: هو من فضة، وقيل: هو من زبرجد. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾:
انظر شرح الرحل في الآية رقم [٦٢] ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى مناد بصوت رفيع، بعد انفصالهم عن مجلس يوسف. فأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، وخرجوا من العمارة، ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم، بل قيل: إنهم وصلوا إلى بلبيس، وردّوا من عندها. والأذان في اللغة:
الإعلام.
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أيتها القافلة، هذا؛ والعير كل ما امتير عليه من الإبل، والبغال، والحمير، والأول أشهر، والمراد أصحاب العير، فهو على حد قول الرسول ﷺ : «يا خيل الله اركبي».
﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ أي: فقفوا، والسرقة أخذ مال الغير في خفاء.
تنبيه: إن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعا، وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ والجواب: أن الحزن كان قد غلب على قلب يعقوب، بحيث لا يؤثر عليه فقد بنيامين كل التأثير، أولا تراه لما فقده؛ قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ ولم يعرج على ذكر بنيامين، ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي.
وإن قيل: كيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته، وهم براء، والجواب: أن القوم كانوا قد سرقوه من أبيه فألقوه في الجب، ثم باعوه، فاستحقوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم، فهو من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. وقيل: المراد: أيتها
следующие страницы →