← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

قولك: ما شاء الله كان، والصلاة والسّلام على الرسول يمنع ذلك أيضا، وفي قول الرسول ﷺ للعاين: (توضأ) أمر له بالوضوء الكامل للصلاة في إناء، ثم يغتسل المصاب بماء الوضوء، فإنه شفاء له بإذن الله، وهذا إذا عرف العائن، وإذا لم يعرف؛ فالقرآن شفاؤه، أي: للمصاب، فتلاوة الفاتحة والمعوذتين عليه شفاء له بإذن الله تعالى، هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أنه لا يشترط أن يكون العائن فقيرا، أو فاسقا، أو كافرا، فقد يكون من أغنى الأغنياء، وقد يكون من أتقى الأتقياء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. الإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف عطف، (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب أبيهم. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿لا تَدْخُلُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ﴾: صفة باب. ﴿وَادْخُلُوا﴾: الواو: حرف عطف. (ادخلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضم لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في قولك (ادخلا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: (ادخلي): والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة. ﴿مِنْ أَبْوابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾: صفة أبواب. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية: ﴿أُغْنِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَنْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما وأجيز تعليق ﴿مِنَ اللهِ﴾ بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما أُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ياء المتكلم، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير. ﴿إِنِ﴾: حرف نفي. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَعَلَيْهِ﴾: الواو: حرف عطف. (عليه): متعلقان بما بعدهما. الفاء: زائدة، (ليتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 2732

﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا﴾ أي: المدينة. ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: من أبواب متفرقة. ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: أي: لم ينفعهم رأي يعقوب بالدخول من أبواب متفرقة، أو لم ينفعهم الدخول نفسه. ﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾: وهي شفقته عليهم، وتحرزه من أن ينالهم سوء، أو يعانوا بلاء وشدة. ﴿قَضاها﴾: أظهرها، ووصى بها أولاده، قيل: هي خوفه عليهم من العين، وقيل: خوفه من حسد أهل مصر. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي: صاحب علم وعمل بما يعلم. ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ أي: لتعليمنا إياه ذلك العلم، وذلك بالوحي ونصب الحجج والبراهين، ولذا لم يغتر بتدبيره وإرشاده، فقال: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يعلم يعقوب من أمر دينه، وقال البيضاوي: لا يعلمون سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر. الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿دَخَلُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وحيث مبني على الضم في محل جر. ﴿أَمَرَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿أَبُوهُمْ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿دَخَلُوا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿لَمّا﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى رأي يعقوب المفهوم من المقام. أو إلى الدخول نفسه المفهوم من (دخلوا). ﴿يُغْنِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، وفاعله، يعود إلى ما عاد إليه اسم كان. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: انظر إعرابهما في الآية السابقة، ويزاد جواز اعتبار: ﴿شَيْءٍ﴾ فاعلا ل ﴿يُغْنِي﴾ وهو ضعيف، وجملة: ﴿يُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها قال سليمان الجمل: وفيه حجة لمن يدعي كون (لمّا) حرفا، لا ظرفا؛ إذ لو كانت ظرفا لعمل فيها جوابها؛ إذ لا يصلح للعمل سواه، لكن ما بعد ما النافية لا يعمل فيها قبلها، وأجاز أبو البقاء اعتبار جملة: ﴿آوى..﴾. إلخ في الآية التالية جوابا ل (لمّا) هذه، وللثانية الآتية، كقولك: لمّا جئتك، ولمّا كلمتك؛ أجبتني، ثم قال: وحسن ذلك: أن دخولهم على يوسف يعقب دخولهم من الأبواب، كما أجاز اعتبار الجواب محذوفا، تقديره: امتثلوا، أو قضوا حاجة أبيهم ونحوه، وعلى الاعتبارين فجملة: ﴿ما﴾

стр. 2733

كانَ... إلخ في محل نصب حال من الضمائر العائدة على أولاد يعقوب، والرابط: الواو، والضمير، والتقدير: حالة كونه غير مغن عنهم، دخولهم متفرقين، ولا يخفى: أن الإعراب الأول أولى بالاعتبار. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء منقطع، بمعنى لكن. ﴿حاجَةً﴾: منصوب. على الاستثناء، وقال أبو البقاء: مفعول لأجله. ﴿فِي نَفْسِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة حاجة، و ﴿نَفْسِ﴾ مضاف، ويعقوب مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿قَضاها﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، و (ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿يَعْقُوبَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط: رجوع الفاعل إليه، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَذُو﴾: اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو): مضاف، و ﴿عِلْمٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية (إنه...) إلخ في محل نصب حال من ﴿يَعْقُوبَ،﴾ فهي حال متعددة، أو من فاعل ﴿قَضاها،﴾ فتكون حالا متداخلة، وعلى الاعتبارين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿لَمّا﴾: اللام: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَلَّمْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: علمناه إياه، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿عِلْمٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، التقدير: لتعليمنا إياه، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة، فيكون التقدير: وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه إياه، وهو معنى صحيح. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢١] وهي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط محذوف، وهو مفعول الفعل؛ إذ التقدير: لا يعلمون ذلك العلم. ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أي: في محل حكمه، ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾: ضم إليه أخاه (بنيامين)، تقول: أوى إليه: إذا التجأ، واطمأن إليه، وأصل ﴿آوى﴾: (أأوى) بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، مثل: آمن وآدم ونحوهما، فلا تبتئس: فلا تغتم بسوء عملهم، والبؤس: الضيق والشدة والفقر... إلخ، والبؤس الحزن الشديد، قال الشاعر: [الطويل] وكم من خليل، أو حميم رزئته... فلم أبتئس والرّزء فيه جليل يقال: ابتأس الرجل: إذا بلغه شيء يكرهه، والابتئاس حزن في استكانة. تنبيه: قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: أيها الملك هذا أخونا الذي طلبت منا إحضاره! فقال لهم: أحسنتم ثم أنزلهم عنده، وصنع لهم طعاما، وأجلس كل اثنين

стр. 2734

على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا، فبكى، وقال: لو كان أخي يوسف حيّا لأجلسني معه، فقال لهم يوسف: أنا أجلسه معي، فأجلسه معه على مائدته، فلما أتى الليل؛ أمر لهم بمثل ذلك من الفراش، وقال: كل اثنين ينامان في بيت واحد، وقال: هذا ينام عندي، فلما خلا به، قال له: إني أنا أخوك يوسف، وقام إليه وعانقه، وقال له: لا تبتئس... إلخ، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، فقال يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه وحزنه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد، قال: لا أبالي افعل ما بدا لك، فإني لا أفارقك، قال يوسف: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك، قال: افعل ما شئت! والآيات التالية توضح ذلك، وتشرحه. الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف عطف. لما: انظر الآية رقم [٥٩]، وقل في جملة: ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ ما رأيته في الآية السابقة. ﴿آوى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَخاهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آوى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾ أيضا. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا أَخُوكَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، قال أبو البقاء: وهكذا كل ما اقتضى جوابا، وذكر جوابه، ثم جاءت بعده (قال) فهي مستأنفة. ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران): ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا..﴾. إلخ. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، وانظر الآية رقم [٦٣]، ﴿تَبْتَئِسْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فلا تبتئس بسبب الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فلا تبتئس بسبب عملهم الذي عملوه معنا. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبرها. وجملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والتقدير على اعتبار الفاء فصيحة: وإذا عرفت أني أخوك؛ فلا تبتئس إلخ.

стр. 2735

﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: انظر الشرح في الآية رقم [٥٩] مع ملاحظة اقتران الكلام هنا بالفاء، واقترانه هناك بالواو، والسبب في ذلك أن الواو لمطلق الجمع، والتجهيز هناك كان متصلا بمجيئهم ومعرفتهم وإكرامهم، والفاء للتعقيب، والتجهيز هنا قد تمادى عن دخولهم على يوسف بسبب إكرامهم وضيافتهم مدة طويلة، خذ هذا، وافهمه فإنه جيد لم يذكره أحد من المفسرين. هذا؛ وقال الجمل: عبر هنا بالفاء إشارة إلى طلب سرعة سيرهم، وذهابهم لبلادهم؛ لأن الغرض منه قد حصل، وقد عرفت حالهم، بخلاف المرة الأولى كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم. انتهى. قارن بين قولي، وقوله، وانظر أي: القولين أصح. ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ هذا السقاية والصواع الآتي شيء واحد: إناء له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد، ويكال الطعام بالرأس الآخر، قاله النقاش عن ابن عباس-﵄-وكل شيء يشرب به فهو صواع، واختلف في جنسه، فقيل: هو من ذهب، وقيل: هو من فضة، وقيل: هو من زبرجد. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: انظر شرح الرحل في الآية رقم [٦٢] ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى مناد بصوت رفيع، بعد انفصالهم عن مجلس يوسف. فأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، وخرجوا من العمارة، ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم، بل قيل: إنهم وصلوا إلى بلبيس، وردّوا من عندها. والأذان في اللغة: الإعلام. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أيتها القافلة، هذا؛ والعير كل ما امتير عليه من الإبل، والبغال، والحمير، والأول أشهر، والمراد أصحاب العير، فهو على حد قول الرسول ﷺ : «يا خيل الله اركبي». ﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ أي: فقفوا، والسرقة أخذ مال الغير في خفاء. تنبيه: إن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعا، وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ والجواب: أن الحزن كان قد غلب على قلب يعقوب، بحيث لا يؤثر عليه فقد بنيامين كل التأثير، أولا تراه لما فقده؛ قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ ولم يعرج على ذكر بنيامين، ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي. وإن قيل: كيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته، وهم براء، والجواب: أن القوم كانوا قد سرقوه من أبيه فألقوه في الجب، ثم باعوه، فاستحقوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم، فهو من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. وقيل: المراد: أيتها

стр. 2736

العير حالكم حال السراق، وقيل: إن معنى الكلام الاستفهام، المعنى: أيتها العير أإنكم لسارقون؟ والغرض ألا يعزى الكذب إلى يوسف ﵇، وقيل: غير ذلك. الإعراب: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٥٩]. ﴿جَعَلَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف، والمراد جنوده. ﴿السِّقايَةَ﴾: مفعول به. ﴿فِي رَحْلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به ثان، و ﴿رَحْلِ﴾: مضاف، و ﴿أَخِيهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، هذا؛ وقال البيضاوي: وقرئ: «(وجعل)» على حذف جواب (لمّا)، التقدير: أمهلهم حتى انطلقوا، ولم أره لغيره، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: فعل وفاعل. أيتها: منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة نداء محذوفة، و (ها): حرف تنبيه لا محل لها، أقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿الْعِيرُ﴾: بدل من أية، أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَسارِقُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (سارقون) خبر (إن) مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ هذا؛ والجملتان: الندائية والاسمية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿أَذَّنَ﴾ لأنه بمعنى نادى؛ وهو أولى من تقدير فعل محذوف، وجملة: ﴿أَذَّنَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها على الاعتبارين فيه. ﴿قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: إخوة يوسف. ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾: قال أصحاب الأخبار: لما وصل رسل الملك إليهم قالوا لهم موبخين: ألم نكرمكم، ونوف إليكم الكيل، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا بلى! وما ذاك، قالوا: فقدنا سقاية الملك. هذا؛ والفقد: غيبة الشيء عن الحس، بحيث لا يعرف مكانه. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿وَأَقْبَلُوا﴾: الواو: واو الحال. (أقبلوا) فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿تَفْقِدُونَ﴾: مضارع وفاعله، وهو يقرأ بفتح التاء، وضمها أيضا من: أفقدته: إذا وجدته فقيدا، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ما الذي تفقدونه، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به تقدم على عامله، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 2737

﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المؤذن، ومن معه. ﴿نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾: الصواع: هو السقاية المذكورة في الآية رقم [٧٠]، وهو يقرأ: «(صياع)» و (صواع)، و «(صَوَع)» و «(صُوَع)»، و «(صُوَغ)» بالغين و «(صواغ)» أيضا من الصياغة، والصاع والصواع لغتان معناهما واحد وكلها شاذة ما عدا الأولى، وهو آلة الكيل، وتقدم أنه هو السقاية. ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: من الطعام جعلا له، وانظر شرح: ﴿بَعِيرٍ﴾ في الآية رقم [٦٥]، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل، وهذا قول المؤذن وحده، فهو الذي كفل وضمن، هذا؛ والزعيم، والكفيل، والحميل، والضمين، والقبيل بمعنى واحد، والزعيم: الرئيس، وزعيم القوم من يدير شئونهم. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿نَفْقِدُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿صُواعَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْمَلِكِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلِمَنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لمن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿جاءَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد، أو الرابط. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿جاءَ بِهِ﴾ صلة (من)؛ أو صفتها. ﴿حِمْلُ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿حِمْلُ﴾: مضاف، و ﴿بَعِيرٍ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَأَنَا﴾: الواو: حرف استئناف. (أنا): مبتدأ. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿زَعِيمٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول؛ لأن قائل الجملة أحد القائلين بقوله تعالى: ﴿قالُوا..﴾. إلخ ومع اعتبارها مستأنفة، فلا محل لها، فتكون لها محل باعتبار، ولا محل لها باعتبار آخر. ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: إخوة يوسف، وانظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود) ﵇. ﴿تَاللهِ﴾: قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل من الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة وتا الرحمن. والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا..﴾. إلخ. قال المفسرون: قد حلفوا على أمرين: أحدهما: أنهم ما جاءوا لأمر الفساد في الأرض، والثاني: أنهم ما جاءوا سارقين، وإنما قالوا: هذه المقالة؛ لأنه كان ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم، وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير، والطاعة؛ حتى بلغ من أمرهم أنهم سدوا أفواه دوابهم؛ لئلا تؤذي زرع الناس، ومن كانت هذه

стр. 2738

صفته فالفساد في حقه ممتنع، وكونهم غير سارقين لأنهم قد كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، ولم يستحلوا أخذها، ومن كانت هذه صفته فليس بسارق. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿تَاللهِ﴾: متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿ما﴾: نافية معلقة للفعل قبلها عن العمل. ﴿جِئْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِنُفْسِدَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ما جِئْنا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي علمتم المعلق عن العمل لفظا بسبب (ما) النافية، وجملة: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿سارِقِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المنادي ومن معه. ﴿فَما جَزاؤُهُ..﴾. إلخ: أي: فما جزاء السارق في شريعتكم، وإنما سألوا هذا السؤال ليأخذ يوسف أخاه بشريعة آبائه وأجداده، كما ستعرفه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في قولكم: ما جئنا لنفسد... إلخ، هذا؛ والجزاء والمجازاة: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني ما في الآية الكريمة، وكقوله تعالى، وهو كثير: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل: (إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر) هذا؛ والفعل (جزى يجزي) ينصب مفعولين. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿فَما﴾: الفاء: زائدة، أو هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، دل عليه ما بعدها. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جَزاؤُهُ﴾: خبر المبتدأ ويجوز اعتباره مبتدأ مؤخرا، و (ما) خبرا مقدما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿كاذِبِينَ..﴾.: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها

стр. 2739

ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: إن كنتم كاذبين؛ فما جزاء السارق؟ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال إخوة يوسف: ﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أي: جزاء السارق في شريعتنا أن يستعبد، ويسترق سنة عقوبة له على جرمه وسرقته، وكان في حكم ملك مصر، وقانونه أن يعزر السارق بالضرب، ويغرم ضعفي قيمة المسروق. ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أي: ما ذكر جزاؤه، وفي هذه الجملة معنى التوكيد. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي: كذلك نفعل في السارقين إذا سرقوا، هذا؛ وقيل: هذه الجملة من بقية كلام إخوة يوسف، وقيل: هي من كلام أصحابه، ويكون المعنى: نفعل به ما قلتم وحكمتم على أنفسكم؛ إن وجد في رحل أحدكم. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿جَزاؤُهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وُجِدَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى الصاع. ﴿فِي رَحْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، هذا وجه للإعراب، والوجه الثاني اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازما مبتدأ، والفعل ﴿وُجِدَ﴾ شرطه، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط والجواب في محل رفع خبر ﴿مَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ وُجِدَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿جَزاؤُهُ،﴾ الوجه الثالث: اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ وُجِدَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿جَزاؤُهُ﴾ هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿جَزاؤُهُ﴾ مبتدأ خبره محذوف، التقدير: جزاء السارق عندنا كجزائه عندكم، كما أجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: المسئول عنه جزاؤه، وهذان وجهان ضعيفان لا يعتد فيهما. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿جَزاؤُهُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ أو في محل جزم جواب الشرط، أو هي مؤكدة لمعنى ما قبلها، وذلك على حسب أوجه الإعراب المتقدمة. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نجزي الظالمين جزاء كائنا مثل جزاء سارق الصاع، واللام للبعد، والكاف حرف

стр. 2740

خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل، مستتر تقديره: «نحن». ﴿الظّالِمِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة... إلخ، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ أي: بدأ المؤذن يفتش رحالهم، وأمتعتهم، وقيل: بدأ يوسف؛ لأنهم ردوا إلى المدينة، وإنما بدأ برحالهم لنفي التهمة، ودفع الشبهة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. ثم استخرجها من وعاء أخيه: أي: أخرج السقاية، أو الصواع عند من يؤنثه، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا، ولا ينظر وعاء إلا استغفر تأثما مما قذفهم به، حتى لم يبق إلا رحل بنيامين. قال: ما أظن أن هذا أخذ شيئا، قال إخوته: والله لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه، هذا؛ ويقرأ ﴿وِعاءِ﴾ بكسر الواو وضمها، وقلب الواو همزة، ومثله: وشاح ووسادة، فلما رأى إخوة (بنيامين) الصواع يخرج من رحله نكسوا رءوسهم، وظنوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه، وقالوا: ويلك يا بنيامين، ما رأينا كاليوم قط، ولدت أمك راحيل أخوين لصين، فقال لهم: والله ما سرقته، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي. ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي: ومثل ذلك الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا به ليوسف، ولفظ الكيد مستعار للحيلة والخديعة، وهذا في حق الله محال، فيجب تأويل هذه اللفظة بما يليق بجلال الله ، فنقول: الكيد هنا جزاء الكيد، يعني: كما فعلوا بيوسف في الابتداء فعلنا بهم، فالكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق، والمعنى كما ألهمنا إخوة يوسف بأن حكموا أن جزاء السارق أن يسترق؛ كذلك ألهمنا يوسف حتى دس الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته. انتهى. خازن. وإن اعتبرته من باب المشاكلة؛ فقد اتضح الأمر وزال الخفاء. وقال القرطبي: معناه: صنعنا، وهو منقول عن ابن عباس-﵄، وعن القتبي: معناه دبرنا، وقال ابن الأنباري: معناه أردنا، قال الشاعر: [الكامل] كادت، وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من عهد الصّبابة ما مضى

стр. 2741

وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة). ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: في حكم الملك وقانونه؛ لأن حكمه أن يضرب السارق، ويغرم ضعفي قيمة المسروق، كما رأيت في الآية السابقة، وانظر شرح الدين في الآية رقم [٤٠]. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي: ما حصل ما ذكر إلا كائنا بمشيئة الله ووحيه وإذنه وإلهامه ليوسف ﵇. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي: بالعلم، والإيمان، والحكمة، والتقوى، والصلاح. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾: قال ابن عباس-﵄-فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، فالله فوق كل عالم؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعليم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه، ويستشعر التواضع لمواهب الله تعالى، ولا يطمع نفسه في الغلبة؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم فوقه. الإعراب: ﴿فَبَدَأَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (بدأ): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف، أو إلى المؤذن. ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله وأجيز تعليقه بمحذوف حال، و ﴿قَبْلَ﴾: مضاف، و ﴿وِعاءِ﴾: مضاف إليه، و ﴿وِعاءِ﴾: مضاف، و ﴿أَخِيهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (بدأ...) إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اِسْتَخْرَجَها﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف، أو إلى المؤذن، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ وِعاءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿وِعاءِ﴾: مضاف، و ﴿أَخِيهِ﴾: مضاف إليه... إلخ. ﴿كَذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: كدنا ليوسف كيدا مماثلا لما قاله إخوته من أخذ السارق واسترقاقه عاما؛ ليتحقق له ما أراد من ضم أخيه إليه، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿كِدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه يعود إلى (يوسف) ﵇. ﴿لِيَأْخُذَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿أَخاهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي دِينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و ﴿دِينِ﴾: مضاف، و ﴿الْمَلِكِ﴾: مضاف إليه، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، التقدير: ما كان مريدا لأخذ أخيه، والجملة الفعلية: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿نَرْفَعُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿دَرَجاتٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه

стр. 2742

جمع مؤنث سالم، ودرجات مضاف. و ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نرفع درجات الذي أو شخص نشاؤه، هذا؛ وعلى قراءة التنوين. ف ﴿مِنْ﴾ هو المفعول به، ويكون ﴿دَرَجاتٍ﴾ منصوبا بنزع الخافض، التقدير: نرفع في درجات من نشاء رفعه، وجملة: ﴿نَرْفَعُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة مذكورة بحروفها في الآية رقم [٨٣] من سورة (الأنعام). ﴿وَفَوْقَ﴾: الواو: حرف استئناف. (فوق): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و (فوق): مضاف، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف إليه، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿ذِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾: مضاف، و ﴿عِلْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا لها. ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: إخوة يوسف. ﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾ أي: (بنيامين). فقد سرق أخ له من قبل: يعنون يوسف ﵇، واختلف في السرقة التي نسبت إليه على أقوال كثيرة: قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: كان لأبي أمه صنم، فسرقه يوسف، وألقاه في الجيف، وقيل: سرق عناقا، أو دجاجة، وأعطاها لسائل، وقيل: أخذ من كنيسة تمثالا من ذهب، وقيل غير ذلك، والصحيح ما ذكره محمد بن إسحاق: أنه كان عند عمته بعد موت أمه راحيل، فحضنته وأحبته حبّا شديدا، فلما كبر أحبه أبوه، وطلبه من عمته، فقالت: لا أعطيكه، فألح عليها، فقالت: دعه عندي أياما أنظر إليه، لعل ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت إلى منطقة كانت لأبيها إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر وكانت أكبر أولاد إسحاق، فكانت عندها؛ فشدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه، وهو صغير لا يشعر، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، ففتشوا أهل البيت، فوجدوها مع يوسف، فقالت: إنه ليسلم لي عاما، وذلك على الشريعة التي ذكرتها لك من أن السارق يسترق ويحبس عاما، فوافق يعقوب على إبقائه عندها حتى ماتت، فلذا عيره إخوته بالسرقة، قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة، ولكنها تشبه السرقة، فعيروه بها عند الغضب. ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾. في مرجع الضمير ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعود للكلمة التي بعده، وهي ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ والثاني: أنه يعود للكلمة التي قالوها في حقه، وعليه يكون المعنى: أسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه، والثالث: أن الضمير يعود إلى الحجة، فيكون المعنى: فأسر يوسف ﵇ الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة، ولم يظهرها لهم. ﴿قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي: أنتم شر منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة في

стр. 2743

صنيعكم ب (يوسف)؛ لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقة. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أي: بحقيقة ما تقولون وتدعون. وقد قيل: إن إخوة يوسف لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَسْرِقْ﴾: فعل الشرط، والفاعل يعود إلى بنيامين، والمفعول محذوف للعلم به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَرَقَ أَخٌ﴾: ماض وفاعله، والمفعول محذوف للعلم به عندهم. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف صفة أخ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَخٌ﴾: بعد وصفه بما تقدم و ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿فَقَدْ..﴾. إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَسَرَّها﴾: الفاء: حرف استئناف. (أسرها): ماض ومفعوله. ﴿يُوسُفُ﴾: فاعله. ﴿فِي نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (أسرها...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُبْدِها﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل يعود إلى يوسف، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿مَكاناً﴾: تمييز، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر بخلاف ﴿أَعْلَمُ﴾ في الآية رقم [٨٦] فإنه مضارع. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ على تأويله ب «علم»، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الله عالم بالذي، أو بشيء تصفونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بوصفكم ما تقولون، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر بشر، والرابط: الواو، والضمير. أو هي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: يخاطبون يوسف ﵇. وكان قد أسند إليه وزارة قطفير بعد موته، وكانوا يخاطبون الوزير بالعزيز كما قد رأيت. ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ أي: في

стр. 2744

السن أو الجاه أو القدر؛ لأنه نبي من الأنبياء، ذكروا له حاله استعطافا عليه. ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾: استعبد بدله بمقتضى قانون السرقة في شريعة يعقوب كما تقدم. ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إلينا فأتمم إحسانك ومعروفك، فهم يريدون أن يصل (بنيامين) إلى أبيه ليعرف حقيقة الأمر. بعد هذا انظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود)، وانظر شرح ﴿شَيْخاً﴾ في الآية رقم [٧٢] منها، وشرح (أحد) في الآية رقم [٨١] منها أيضا، هذا؛ وأب أصله أبو، فحذفت الواو بعد نقل حركتها إلى الباء قبلها للتخفيف بدليل رجوعها في التثنية، تقول: أبوان، أبوين، ومثله قل في إعلال ﴿أَخٌ﴾ المذكور في الآية السابقة. الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر إن مقدم. ﴿أَباً﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿شَيْخاً﴾: صفة أولى. ﴿كَبِيراً﴾: صفة ثانية. ﴿فَخُذْ﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٣] (خذ): أمر والتماس، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَحَدَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مَكانَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَخُذْ أَحَدَنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وصحيحا فخذ... إلخ. ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣٦]، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾: أعوذ بالله، وأعتصم به، وألجأ إليه في أن نأخذ إلا... إلخ. فإن أخذ غيره ظلم على فتواكم وشريعتكم، لم يقل: من سرق؛ تحرزا عن الكذب؛ لأنه يعلم أن أخاه لم يسرق. ﴿إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ أي: إن أخذنا بريئا بذنب غيره. تنبيه: قال الخازن: فإن قلت: كيف استجاز يوسف ﵇ أن يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه، ولم يخبره بمكانه، وحبس أخاه أيضا عنده مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، ففيه من العقوق، وقطيعة الرحم، وقلة الشفقة؟! وكيف يجوز ليوسف على نبينا، وعليه أفضل صلاة وأزكى سلام مع علو منصبه من النبوة والرسالة أن يزور على إخوته، ويروج عليهم مثل هذا مع ما فيه من الإيذاء لهم؛ فكيف يليق به هذا كله؟!. قلت: قد ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة كثيرة أحسنها، وأصحها: أنه إنما فعل ذلك بأمر الله تعالى له، لا عن أمره، وإنما أمره الله بذلك بلاء ليعقوب ﵇، فيضاعف له

стр. 2745

الأجر على البلاء، ويلحقه بدرجة آبائه الماضين، ولله تعالى في صنعه أسرار لا يعلمها أحد من خلقه، فهو المتصرف بخلقه بما يشاء، وهو الذي أخفى خبر يوسف عن يعقوب طول هذه المدة مع قرب المسافة، لما يريد أن يدبره فيهم، والله أعلم بأحوال عباده. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿مَعاذَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، و ﴿مَعاذَ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الناتجة من المصدر الميمي وفعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر الميمي. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وَجَدْنا﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب (نا)، و (نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة، وهكذا قل في إعراب كل فعل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك. مثل وجدت وجدن، ويقال اختصارا: فعل وفاعل. ﴿مَتاعَنا﴾: مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿وَجَدْنا﴾ أو هو متعلق بمحذوف مفعول ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ صلة من، أو صفتها. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿إِذاً﴾: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له، وهو بمعنى حينئذ، وعلى هذا فهو ظرف زمان متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف (إذ) إليها، وعليه فتقدير الكلام كما يلي: إنا لظالمون حين نأخذ غيره به؛ وهو جيد معنى، افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد، والله ولي التوفيق. ﴿لَظالِمُونَ﴾: خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ أي: يئسوا من أخيهم (بنيامين)، وقيل: أيسوا من يوسف أن يرده عليهم، وزيادة السين والتاء للمبالغة، مثل عجب، واستعجب، وسخر واستسخر، هذا؛ وقرئ: «(استايسوا)» بدون همز. ﴿خَلَصُوا﴾: انفردوا، واعتزلوا وحدهم. ﴿نَجِيًّا﴾ أي:

стр. 2746

خلا بعضهم إلى بعض يتناجون، وهو بمعنى: متناجين، وإنما وحده لأنه مصدر، أو بزنته، وجمعه أنجية، كما في قول سحيم بن وثيل اليربوعي: [الرجز] إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه هناك أوصيني، ولا توصي بيه قال كبيرهم: أي: في السن، وهو: «روبيل»، أو في الرأي، وهو «شمعون»، وقال ابن عباس-﵄-هو: (يهوذا)، وكان أعقلهم. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ﴾: عهدا وثيقا، وهو ما ذكر في الآية رقم [٦٦] ﴿وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾: والمعنى ألم تعلموا تفريطكم في يوسف من قبل ذلك حتى ضيعتموه. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: يعني: الأرض التي أنا فيها، وهي أرض مصر. ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ أي: في الخروج من أرض مصر، فيدعوني إليه. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾: أو يقضي الله بالرجوع منها، أو بخلاص أخي، أو بالمقاتلة معهم بالسيف لإنقاذه. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أي: لأنه لا يقضي إلا بالحق والعدل. روي: أنهم كلموا يوسف في إطلاقه، فقال (روبيل): أيها العزيز! والله لتتركن أخي، أو لأصيحن صيحة تضع الحوامل منها حملها، ووقفت شعور جسده حتى خرجت من ثيابه. فقال يوسف ﵇ لابن له: قم إلى جنبه فمسه، وكان بنو يعقوب على نبينا، وعليه أفضل الصلاة وأزكى التحية والسّلام، إذا غضب أحدهم فمسه واحد منهم سكن غضبه، فقال: «روبيل»: من هذا؟ إن في هذا البلد لبذرا من بذر يعقوب. انتهى بيضاوي، هذا؛ ونسب القرطبي ما ذكر إلى يهوذا، مع التطويل الممل. الإعراب: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿اِسْتَيْأَسُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿خَلَصُوا﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿نَجِيًّا﴾: حال من واو الجماعة، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿كَبِيرُهُمْ﴾: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَعْلَمُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿أَباكُمْ﴾: اسم (أنّ) منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً﴾ في محل رفع خبر (أنّ). ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿مَوْثِقاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و (أن) واسمها وخبرها

стр. 2747

في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿تَعْلَمُوا﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وانظر قول أبي البقاء في الآية رقم [٦٩]. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ الواو: واو الحال. ﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿فَلَمَّا﴾: زائدة. ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي يُوسُفَ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير (قد) قبلها، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿فَلَمَّا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: عطفه على المصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها، التقدير: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم الميثاق، وتفريطكم في يوسف، والثاني: عطفه على اسم ﴿أَنَّ،﴾ والثالث: هو في محل رفع مبتدأ مؤخر، و ﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وهذا فيه ضعف؛ لأن (قبل) إذا وقعت خبرا، أو صلة لا تقطع عن الإضافة، لئلا تبقى ناقصة. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف على محذوف، التقدير: سأبقى في مصر ولن أبرحها، وهو تكلف لا حاجة له. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿أَبْرَحَ﴾: مضارع منصوب ب (لن)، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَأْذَنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد حتى. ﴿لِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَبِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل ﴿يَأْذَنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بدورها من مقول كبيرهم. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿يَحْكُمَ﴾: معطوف على ﴿أَبْرَحَ﴾ منصوب مثله، وأجيز اعتباره منصوبا ب «أن» مضمرة بعد ﴿أَوْ﴾. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿لِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ﴾: الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ﴾: خبره، وهو مضاف، و ﴿الْحاكِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ﴾: يعقوب. ﴿فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ﴾: بنيامين. ﴿سَرَقَ﴾: إنما قالوا هذه المقالة؛ لأنهم شاهدوا الصواع قد أخرج من رحله، فغلب على ظنهم: أنه سرق، فلذلك نسبوه إلى السرقة. وقرئ «(سُرق)» بضم السين وتشديد الراء المكسورة، أي: نسب إلى

стр. 2748

السرقة. ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا﴾ أي: لم نقل ذلك إلا بعد أن رأينا إخراج الصواع من متاعه. ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أي: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى مصر، وقال ابن عباس-﵄: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه مراقبين، وحافظين. الإعراب: ﴿اِرْجِعُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى أَبِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَقُولُوا﴾: الفاء: حرف عطف. (قولوا): أمر وفاعله. (يا): حرف نداء... إلخ. (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف... إلخ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اِبْنَكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَرَقَ﴾: ماض، أو مبني للمجهول، وفاعله أو ونائب فاعله، ضمير يعود إلى ﴿اِبْنَكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قولوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، وكلتاهما من مقول كبيرهم. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿شَهِدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل ﴿شَهِدْنا،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا بالذي، أو بشيء علمناه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: إلا بعلمنا، والجملة الفعلية: ﴿وَما شَهِدْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿لِلْغَيْبِ﴾: متعلقان بما بعدها. ﴿حافِظِينَ﴾: خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها أيضا. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ أي: واسأل أهل القرية، فقد حذف المضاف للإيجاز، وهذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب، والمراد بالقرية: المدينة التي يقطنها يوسف ﵇، وقال ابن عباس: هي قرية من قرى مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش. ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أي: واسأل القافلة التي كنا فيها، وكان قد صحبهم في ذهابهم وإيابهم قوم من كنعان من جيران يعقوب. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي: فيما قلناه سواء أنسبتنا إلى التهمة أو لم تنسبنا؟ ففي هذه معنى التأكيد، وانظر شرح العير في الآية رقم [٧٠]. هذا؛

стр. 2749

والقرية في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من قريت الماء في المكان جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها: قروي، وقريي. الإعراب: ﴿وَسْئَلِ﴾: الواو: حرف عطف. (اسأل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْقَرْيَةَ﴾: مفعول به، وانظر الشرح لحذف المضاف. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْقَرْيَةَ﴾. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿فِيها﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا فِيها﴾ صلة التي. (العير): معطوف على القرية. ﴿الَّتِي﴾: صفة العير، وجملة: ﴿أَقْبَلْنا فِيها﴾ صلة ﴿الَّتِي﴾. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لَصادِقُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (صادقون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ ومتعلقه محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، وفيها معنى التأكيد للكلام قبلها، والآية الكريمة بكاملها من قول كبيرهم. تأمل. ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ: أي: فرجعوا إلى أبيهم، وقصوا عليه قصة بنيامين، وما قاله كبيرهم أيضا، فأجابهم أبوهم بهذا الجواب، وهو نفس الجواب الذي أجابهم به حينما فعلوا بيوسف ما فعلوا، وجاءوا أباهم عشاء يبكون، انظر الآية رقم [١٨] ففيها الكفاية، والمعنى هنا: سهلت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فقررتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته؟! مع فارق جدير بالذكر، وهو أن يعقوب على نبينا، وعليه أزكى صلاة وأتم تسليم هناك استعان بالله على ما قالوا وذكروا؛ لأنه استشف كذبهم كما رأيت، وهنا رجا الله من فضله أن يرد إليه يوسف وبنيامين، والثالث الذي بقي هناك، وإنما رجا الله ذلك؛ لأنه لما طال حزنه، واشتد بلاؤه، ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجا عن قريب، أو أن يعقوب علم بما يجري عليه وعلى بنيه من رؤيا يوسف التي قصها عليه في أول السورة، فلما اشتد البلاء عليه رجا تحقيق تلك الرؤيا، فقال: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ..﴾. إلخ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بحزني ووجدي عليهم. ﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبيره وتقديره. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿سَوَّلَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر

стр. 2750

بالإضافة. ﴿أَمْراً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلام مقدر، أي: ليس الأمر كما تدعون، بل سولت... إلخ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف وصفته، أي: فحالي وشأني، أو أمري صبر جميل، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فصبر جميل أجمل. هذا؛ ويقرأ: «(صبرا جميلا)» على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فلأصبرنّ صبرا جميلا، والكلام مستأنف على القراءتين. ﴿عَسَى﴾: ماض جامد دال على الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿اللهُ﴾: اسم عسى، و ﴿أَنْ يَأْتِيَنِي﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر عسى، ويجب تأويله باسم الفاعل، فيصير التقدير: عسى الله آتيا بهم؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعاً﴾: حال مؤكدة من الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: أحدها ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له. الثاني: ﴿هُوَ﴾ توكيد لاسم (إن) على المحل، وعليهما ف ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر أول والحكيم خبر ثان ل (إنّ) والثالث: اعتبار الضمير مبتدأ، و ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾: أعرض يعقوب عن أولاده التسعة كراهة لما سمعه منهم عن بنيامين، فحينئذ تناهى حزنه، واشتد بلاؤه، والإعراض والتولي والإدبار عن الشيء يكون بالجسم كما في هذه الآية، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا، وهو كثير في القرآن الكريم. ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾: الأسف شدة الحزن على ما فات، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه، والحادث رزؤهما؛ لأن رزأه كان قاعدة المصيبات، وقال الخازن: وإنما جدد حزنه على يوسف عند وجود هذه الواقعة؛ لأن الحزن القديم إذا صادفه حزن آخر؛ كان ذلك أوجع للقلب، وأعظم لهيجان الحزن الأول، كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدد حزنه على أخيه مالك: [الطويل] يقول: أتبكي كلّ قبر رأيته... لقبر ثوى بين اللّوى والدّكادك؟ فقلت له: إنّ الأسى يبعث الأسى... فدعني، فهذا كلّه قبر مالك ومعنى ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾: يا رب ارحم أسفي على يوسف، بدليل قوله الآتي: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ هذا؛ وقد قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم يكن عند يعقوب ما

стр. 2751

في كتابنا من الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وقال البيضاوي: وفي الحديث: «لم تعط أمّة من الأمم ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد ﷺ ». ألا ترى إلى يعقوب ﵇ حين أصابه ما أصابه، لم يسترجع، وقال: ﴿يا أَسَفى.﴾. إلخ. ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: لم يبصر بهما ست سنين، وإنه عمي، قاله مقاتل، وقيل: قد تبيض العين، ويبقى شيء من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب ﵇، وإنما ابيضت عيناه من البكاء، ولكن سبب البكاء الحزن؛ فلهذا قال تعالى: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾. انتهى. قرطبي. وقال البيضاوي: وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم، وقال: «القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرّبّ، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». انتهى. والمذموم إنما هو الصياح والنياحة، ولطم الخدود والصدور، وقص الشعور، وشق الثياب ونحو ذلك. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه قال الله تعالى: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء كربا أو هو فعيل بمعنى فاعل، قال تعالى: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قال قتادة: الكظيم: هو الذي يردد حزنه في جوفه، ولم يقل إلا خيرا، وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه، وقيل: كانت مدة الفراق أربعين سنة. الإعراب: ﴿وَتَوَلّى﴾: الواو: حرف عطف. (تولى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى يعقوب. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مؤكدة من الفاعل المستتر، التقدير: وتولى معرضا عنهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ بَلْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى يعقوب. ﴿يا أَسَفى﴾: منادى، التقدير: يا أسفا تعال فهذا أوانك، وانظر إعراب: ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود)، وانظر إعراب: ﴿يا أَبَتِ﴾ في الآية رقم [٤] وانظر تقدير الكلام في الشرح فإنه يفيد أن أسفا مفعول به لفعل محذوف وأن المنادى محذوف والجملة: ﴿يا أَسَفى﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى يُوسُفَ﴾: متعلقان بالأسف؛ لأنه مصدر، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَابْيَضَّتْ﴾: (ابيضت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَيْناهُ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ابيضت ابيضاضا كائنا من الحزن، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.

стр. 2752

﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال إخوة يوسف لأبيهم. ﴿تَاللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٣] ﴿تَفْتَؤُا﴾ أي: لا تفتأ، فهذا الفعل من أفعال الاستمرار، بمعنى لا تزال، وقد حذفت منه (لا) في جواب القسم؛ لأنه لا يلتبس بالإثبات؛ لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي، ومثل الآية في الشعر العربي قول امرئ القيس: [الطويل] فقلت: يمين الله أبرح قاعدا... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي وحذف (لا) هذه يطرد مع الفعل المضارع، إذا كان جوابا للقسم، قال أحدهم: [الطويل] ويحذف النّافي مع شروط ثلاثة... إذا كان (لا) مع المضارع في قسم ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ أي: تالفا، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من حزن، أو عشق، أو هرم، قال العرجي: [البسيط] إني امرؤ لجّ بي حبّ فأحرضني... حتّى بليت، وحتّى شفني السّقم هذا؛ والحرض مصدر لا يجمع ولا يثنى، ولا يذكر ولا يؤنث، ويقرأ في الآية بفتح الحاء مع فتح الراء وكسرها وبضمتين مثل جنب. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ أي: الميتين، وغرضهم منع أبيهم من البكاء والحزن شفقة عليه. الإعراب: ﴿قالُوا تَاللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]. ﴿تَفْتَؤُا﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، وجملة: ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿تَفْتَؤُا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بمعنى إلى. ﴿تَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿حَرَضاً﴾: خبره، و «أن» المضمرة وتكون في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿تَكُونَ﴾: معطوف على ما قبله، منصوب مثله، واسمه تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْهالِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر تكون. ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي﴾: أصل البث: إثارة الشيء وتفريقه، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر، قال ابن قتيبة: البث: أشد الحزن، وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه،

стр. 2753

كان هما، فإذا ذكره لغيره، كان بثا، وعلى هذا يكون المعنى: إنما أشكو حزني العظيم وحزني القليل إلى الله لا إليكم، هذا؛ وقد قيل: سميت المصيبة بثّا مجازا، قال ذو الرمة: [الطويل] وقفت على ربع لميّة ناقتي... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه... تكلّمني أحجاره وملاعبه ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من رحمته وإحسانه أنه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، وفيه إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف، ويتوقع رجوعه، وقيل: المعنى: وأعلم أن رؤيا يوسف حق وصدق، وأنا سنجده جميعا، وقيل: قال يعقوب لملك الموت: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا، فأكد هذا رجاءه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٣]. روى الحاكم من حديث أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كان ليعقوب أخ مؤاخ، فقال له ذات يوم: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك؟ وما الذي قوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السّلام، ويقول لك: أما تستحيي أن تشكو إلى غيري... ؟!، فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو يا يعقوب». انتهى. خازن. وخذ قول القائل: [الكامل] وإذا بليت بعسرة فاصبر لها... صبر الكرام فإنّ ذلك أحزم لا تشكون إلى العباد فإنّما... تشكو الرّحيم إلى الذي لا يرحم هذا؛ وفي الترغيب والترهيب للحافظ المنذري زيادة على ما تقدم في الحديث: (ثم قال يعقوب: أي: رب أما ترحم الشيخ الكبير؟ أذهبت بصري، وقوست ظهري، فاردد عليّ ريحانتيّ أشمهما شمة قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردت، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن الله يقرئك السّلام، ويقول لك: أبشر وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما، فاصنع طعاما للمساكين، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين وتدري: لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا؟ إنكم ذبحتم شاة، فأتاكم مسكين يتيم، وهو صائم فلم تطعموه منها شيئا، قال: فكان يعقوب ﵇ بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغدّ مع يعقوب، وإن كان صائما أمر مناديا فنادى: ألا من كان صائما من المساكين فليفطر مع يعقوب ﵇. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أَشْكُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿بَثِّي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها

стр. 2754

اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿وَحُزْنِي﴾: الواو: حرف عطف. (حزني): معطوف على ما قبله. ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله المستتر، التقدير: ملتجئا إلى الله. (أعلم): مضارع بخلافه في الآية رقم [٧٧] وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّما..﴾.: موصولة، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأعلم الذي، أو شيئا لا تعلمونه، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: قال القرطبي: هذا يدل على أنه تيقن حياة يوسف، إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أول القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه، وهو أظهر. انتهى. والتحسس: طلب الخبر بالحاسة، وهو قريب من التجسس بالجيم، وقيل: إن التحسس بالحاء يكون في الخير، والجيم يكون في الشر، ومنه الجاسوس، وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس. ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾: ولا تقنطوا من فرج الله وتنفيسه، وقرئ: «(رُوح)» أي: من رحمته التي يحيي بها العباد، وقيل القراءتان بمعنى واحد. ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ أي: بالله وصفاته، فإن المؤمن العارف بالله لا يقنط من رحمته تعالى في حال من الأحوال، فيصبر عند البلاء، فينال به خيرا، ويحمد عند الرخاء، فينال به خيرا، والكافر بضد ذلك. الإعراب: ﴿يا بَنِيَّ﴾: انظر الآية رقم [٦٧] ﴿اِذْهَبُوا﴾: أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، وانظر إعراب ادخلوا في الآية رقم [٦٧]. ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾: الفاء: حرف عطف. (تحسسوا): أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ يُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. (أخيه). معطوف على يوسف مجرور مثله، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا تَيْأَسُوا﴾: الواو: حرف عطف. ﴿تَيْأَسُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ رَوْحِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿رَوْحِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه؛ أي: إن الحال والشأن. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَيْأَسُ﴾: مضارع. ﴿مِنْ رَوْحِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿رَوْحِ﴾: مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر.

стр. 2755

﴿الْقَوْمُ﴾: فاعل. ﴿الْكافِرُونَ﴾: صفة القوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿لا يَيْأَسُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والآية بكاملها من قول يعقوب على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: على يوسف، وفي الكلام اختصار وحذف؛ إذ أصل الكلام: فخرجوا من عند أبيهم قاصدين مصر، فلما دخلوا عليه. ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: القادر الممتنع، وهو لقب الوزير كما رأيت سابقا، وقيل: هو لقب ملك مصر، وليس بشيء، انظر الآية رقم [٣٠] ﴿مَسَّنا﴾: أصابنا. ﴿وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة، والشدة، وأرادوا بأهلهم من خلفهم ومن وراءهم من العيال، وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر، بل واجب على الإنسان أن يشكو ما به من الفقر وغيره إذا خاف على نفسه الضرر إلى من يرجو منه النفع، كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط، والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وهو ما قاله يعقوب في الآية [٨٦]. هذا؛ وقيل: الضّر (بضم الضاد) خاص بما في النفس كمرض وهزال، والضّر (بفتح الضاد) شائع في كل ضرر ومصيبة، وفي القاموس المحيط: الضّرّ والضّرّ والضّرر: ضد النفع والشدة والضيق وسوء الحال، النقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار. ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾: رديئة، أو قليلة، ترد وتدفع رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً﴾ قيل: كانت البضاعة دراهم زيوفا، وقيل: صوفا وسمنا، وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: غير ذلك. ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد الوافي، وإن كانت بضاعتنا رديئة وغير حسنة. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أي: تكرم علينا برد أخينا إلى أبينا، والمسامحة وقبول بضاعتنا الرديئة. ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أحسن الجزاء في الآخرة، قال الضحاك: لم يقولوا: إن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن. روي أن يعقوب ﵇ كتب كتابا إلى يوسف ﵇ حين حبس عنده بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله!، ابن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر، أما بعد، فإنا أهل بيت وكّل بنا البلاء، أما جدي، فشدت يداه ورجلاه، وألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا

стр. 2756

وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه، ووضعت السكين على قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن، وكان أحب أولادي إلي، فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، وقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي، ثم كان لي ابن آخر، وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به، وإنك حبسته، وزعمت: أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق، ولا نلد سارقا، فإن رددته إلي، وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فلما قرأه يوسف ﵇؛ اشتد بكاؤه، وعيل صبره، وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ الآية التالية. الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] وجملة: ﴿دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿الْعَزِيزُ﴾: بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل أن الاسم الواقع بعد أي: واسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: (أي) منصوب محلاّ، فكذا التابع، أعني ﴿الْعَزِيزُ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منعا من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع لا إعراب ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو يدعى، وهو مع ما فيه من التكليف يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بال، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه بأي، أي: مع قرنها بحرف التنبيه، ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. ﴿مَسَّنا﴾: ماض؛ و (نا): مفعول به. (أهلنا): معطوف على (نا)، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الضُّرُّ﴾: فاعل مسنا. (جئنا): فعل وفاعل. ﴿بِبِضاعَةٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُزْجاةٍ﴾: صفة بضاعة. ﴿فَأَوْفِ﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٣] (أوف): أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَهْلَنَا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَيْلَ﴾: مفعول به، وجملة: (أوف...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكرنا واقعا؛ فأوف... إلخ، وجملة: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها.

стр. 2757

﴿يَجْزِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، والكلام ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف من إرادة قتله، وإهانته ثم بيعه كما تباع العبيد، وما فعلتم من إهانة بنيامين وإذلاله، وتنغيص عيشه بعده؟ وهذا بعد أن قرأ كتاب أبيه الذي ذكرته لك في الآية السابقة، وكلامه هذا تصديق لوعد الله تعالى إليه ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ الآية رقم [١٥] ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أي: قبح فعلكم، أو عاقبته، أو فعلتم ما فعلتم في وقت الصبا والطيش، فيكون هذا كالعذر لهم، وحثّا لهم على التوبة، وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتذللهم، لا معاتبة وتوبيخا، والأول أولى، وانظر ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (هود) ﵇. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام وتذكير وتوبيخ. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: هل علمتم الذي أو شيئا فعلتموه، واعتبارها مصدرية ضعيف. ﴿بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: انظر إعرابهما في الآية رقم [٨٧]. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل فعلتم، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والكلام ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ الشرح: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾: هذه القراءة على الاستفهام، قال ابن عباس ﵄: لما قال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؛ تبسم، فرأوا ثناياه كاللؤلؤ تشبه ثنايا يوسف، فشبهوه بيوسف، فقالوا استفهاما: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ،﴾ وقرئ: «(إنك لأنت يوسف)» على الخبر، وقال فيه ابن عباس، أيضا في رواية عنه: إنهم لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان له في قرنه علامة تشبه الشامة، وكان ليعقوب، ولإسحاق، ولسارة مثلها فعرفوه بها، وقالوا: أنت يوسف؛ قال: أنا يوسف: أي: المظلوم، والمراد قتله، ولم

стр. 2758

يقل: أنا هو تعظيما وتفخيما لما صنعوا به من القبائح والمساوئ. ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي: بالسلامة وكل عز في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾: الله، ويبتعد عن الفواحش. ﴿وَيَصْبِرْ﴾: على البلاء والطاعات، وعن المعاصي والسيئات، والهاء ضمير الشأن. ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: وضع سبحانه المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين، والصابرين، وقيل: من يتق مولاه، ويصبر على بلواه فإن الله لا يضيع أجره في دنياه وأخراه. تنبيه: قرأ ابن كثير «(يتقي)» بإثبات الياء، وفيها توجيهان: الأول اعتبار ﴿مَنَّ﴾ اسما موصولا، وحينئذ يرفع (يصبر) ومن قرأ بتسكينه مع إثبات الياء يكون قد سكن للتخفيف، والتوجيه الثاني اعتبار ﴿مَنَّ﴾ شرطية، وثبوت الياء لغة، فقيل: هذه الياء للإشباع، وياء العلة محذوفة، وقيل: هذه الياء أصلية، بناء على قول من يجزم المعتل بالحركة المقدرة، ويقر حرف العلة على حاله، ومثل الآية الكريمة قول قيس بن زهير العبسي: [الوافر] ألم يأتيك، والأنباء تنمي... بما لاقت لبون بني زياد؟ الإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَإِنَّكَ﴾: الهمزة: حرف استفهام. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَأَنْتَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوسُفُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) وجوز اعتبار الضمير فصلا، ولا وجه له، والجملة الاسمية: (إنك...) إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفُ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَخِي﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ قال أبو البقاء: مستأنفة، وقيل: هي حال من ﴿يُوسُفُ﴾ و ﴿أَخِي،﴾ وفيه بعد لعدم العامل في الحال، و ﴿أَنَا﴾ لا يعمل في الحال، ولا يصح أن يعمل فيه (هذا)؛ لأنه إشارة لواحد، و ﴿عَلَيْنا﴾ راجع إليهما جميعا. انتهى، والجملة الاسمية: ﴿وَهذا أَخِي﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿مَنَّ﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّقِ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل يعود إلى ﴿مَنَّ﴾. (يصبر): معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿مَنَّ﴾ أيضا. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسم (إنّ) والجملة الفعلية: ﴿لا يُضِيعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾.

стр. 2759

إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنَّ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿مَنَّ﴾ موصولة فهي مبتدأ؛ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في خبر المبتدأ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وانظر ما ذكرته في الشرح، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقال الفارسي: من موصولة، فلهذا أثبتت الياء في (يتقي) وإنها ضمنت معنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في الخبر، وجزم يصبر على توهم معنى ﴿مَنَّ﴾. انتهى. ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ (٩١)﴾ الشرح: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي: فضّلك الله علينا، واختارك بالعلم والحلم، والحكم والعقل والملك، وحسن الصورة، وكمال السيرة، والإيثار التفضيل ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يفضلون غيرهم على أنفسهم. ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أي: والحال أننا كنا مذنبين بما فعلنا معك، ولذا أعزك الله بالملك، وأذلنا بالتمكن بين يديك، هذا؛ و (خاطئين) اسم فاعل من خطئ الثلاثي، ومخطئين من أخطأ الرباعي، والفرق بينهما أن يقال: خطئ خطأ إذا تعمد، وأخطأ إذا كان غير معتمد. الإعراب: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٧٣]. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة مهمل لا عمل له. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿لَخاطِئِينَ﴾: اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات وهي لازمة. (خاطئين): خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَإِنْ كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) المجرورة محلاّ ب «على»، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٩٢)﴾ الشرح: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لا تعيير ولا توبيخ، ولا لوم عليكم اليوم، وقال البيضاوي: لا تأنيب عليكم، تفعيل من الثرب، وهو الشحم الذي يغشى الكرش للإزالة كالتجليد، فاستعير للتقريع، الذي يمزق العرض، ويذهب ماء الوجه. ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ: هذه جملة دعائية، بعد أن صفح عنهم دعا لهم بالمغفرة. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾: فإنه يغفر الذنوب الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب بمنه وكرمه، هذا؛ ومن كرم يوسف على نبينا،

стр. 2760

وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام: أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه، وقالوا: إنك تدعونا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم ﵇. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل إن. ﴿تَثْرِيبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ تقديره: موجود. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان، وفي متعلقه قولان: أحدهما أنه يرجع إلى ما قبله، أي: إنه متعلق بما تعلق به ﴿عَلَيْكُمُ،﴾ وعليه فالوقف على آخره، والثاني أنه متعلق بما بعده، وعليه فالوقف ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ورجح القرطبي الأول؛ لأن الابتداء ب ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ جزم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بين. انتهى. بتصرف. والجملة الفعلية: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ مستأنفة على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، هذا؛ والكلام ﴿لا تَثْرِيبَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ الشرح: ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا..﴾. إلخ: هذا بعد أن عرفهم يوسف نفسه، وسألهم عن حال أبيه، فقالوا: ذهب بصره من كثرة بكائه عليك، فأعطاهم قميصه، وقال لهم: ﴿اِذْهَبُوا..﴾. إلخ، وانظر شأن القميص في الآية رقم [١٥] وإنما أرسل القميص إلى أبيه بأمر من جبريل ﵇. قال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل القميص يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب، فأحزنته، وأنا أحمله الآن لأسره، وليعود إليه بصره فحمله، حكاه السدي. انتهى. قرطبي. حمله، وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: بنسائكم وذراريكم ومواليكم؛ لتتخذوا مصر دارا وقرارا، قال مسروق: فكانوا ثلاثة وتسعين ما بين رجل وامرأة. الإعراب: ﴿اِذْهَبُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِقَمِيصِي﴾: متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من واو الجماعة. التقدير: اذهبوا ومعكم قميصي: وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر

стр. 2761

بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة (قميصي)، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فَأَلْقُوهُ﴾: (ألقوه): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى وَجْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و ﴿وَجْهِ﴾: مضاف، و ﴿أَبِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تلقوه... يأت، وعلامة جره حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿أَبِي﴾. ﴿بَصِيراً﴾: حال من الفاعل المستتر. ﴿وَأْتُونِي﴾: الواو: حرف عطف. (ائتوني): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به ﴿بِأَهْلِكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لما قبله مجرور، وعلامة الجر الياء... إلخ بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، سواء الجمل معطوفة ومعطوفا عليها. ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولا، إذا انفصل منه، وجاوز حيطانه، وهذا الفعل يكون لازما ومتعديا، وانظر شرح العير في الآية رقم [٧٠] ﴿قالَ أَبُوهُمْ﴾ أي: لمن حضره من أحفاده ونسائه. ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أي: لأشم رائحته، قيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، وكانت المسافة ثلاث ليال، وقيل: مسيرة ثماني ليال، وقال الحسن: مسيرة عشر ليال. ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تنسبوني إلى الفند، وهو نقصان العقل بسبب الهرم، وهو ما يسمى بالخرف، وقيل: تسفهوني، وقيل: تجهلوني، وقيل: تغلطوني، قال رجل يخاطب ابنه: [الطويل] وسمّيتني باسم المفنّد رأيه... وفي رأيك التّفنيد لو كنت تعقل وخذ قول دعبل الخزاعي: [البسيط] ما أكثر النّاس، لا بل ما أقلّهم... الله يعلم أنّي لم أقل فندا إنّي لأغمض عيني ثمّ أفتحها... على كثير، ولكن لا أرى أحدا وفي القاموس: الفند بالتحريك: الخرف، وإنكار العقل لهرم، أو مرض، والخطأ في الرأي، والقول، والكذب، ولا تقل: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن ذات رأي: أبدا، انتهى. يريد: أنها لم تكن في شبابها ذات رأي، فتفند في كبرها، أقول: قد كان منهن ذات رأي: آسية ومريم، وخديجة الكبرى.

стр. 2762

تنبيه: قال أهل المعاني: إن الله تعالى أوصل ريح يوسف إلى يعقوب ﵉ عند انقضاء مدة المحنة من المكان البعيد، ومنع وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل في مدة المحنة صعب، وكل صعب زمن الإقبال سهل. الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني، والجملة الفعلية: ﴿فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وهي ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿أَبُوهُمْ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. اللام: هي المزحلقة. (أجد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رِيحَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، ويوسف مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (أجد...) إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿تُفَنِّدُونِ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: لولا تفنيدكم لي أو إياي موجود، وجواب لولا محذوف أيضا، تقديره: لصدقتموني، ولولا ومدخولها في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الحاضرون عند يعقوب من أحفاده ونسائه وقرابته، وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده، ولم يرجع إلى يوسف. ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: لفي ذهابك عن الصواب قديما في إفراط محبتك ليوسف، أو في خطئك القديم من حب يوسف، وكان عندهم أنه قد مات، وتفسير الضلال بما ذكر هو الحق، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨] تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿قالُوا تَاللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٣] ففيها الشرح والإعراب. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَفِي ضَلالِكَ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿(لَفِي ضَلالِكَ)﴾: متعلقان بمحذوف

стр. 2763

خبر (إن)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْقَدِيمِ﴾: صفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ أي: المبشر بخبر يوسف، وهو يهودا كما رأيت في الآية رقم [٩٣] ﴿أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي: ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب، وكان قد سبق العير. ﴿فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ أي: فرجع بصيرا بعد أن كان قد عمي، وعادت إليه قوته بعد الضعف، وسروره بعد الحزن. قال: ألم أقل... إلخ: ذكرهم بقوله لهم في الآية رقم [٨٦]. روي أن يعقوب قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته ملك مصر، قال: وما أصنع بالملك؟! على أي: دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، أي: دين التوحيد، قال: الآن تمت النعمة، ويقال: إن يعقوب ﵇ علم البشير كلمات مكافأة له على بشارته، كان قد ورثها عن أبيه إسحاق، وهو عن أبيه إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا أفضل صلاة، وأزكى سلام، وهي: «يا لطيفا فوق كلّ لطيف! الطف بي في أموري كلّها كما أحبّ، ورضّني في دنياي وآخرتي» هذا؛ وزيدت ﴿أَنْ﴾ بعد لما في هذه الآية للتوكيد، أكدت وجود الفعلين، مرتبا أحدهما على الآخر، كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمن، كأنه قيل: لما أحسّ بمجيء البشير؛ فاجأه بإلقاء القميص على وجهه، من غير ريث خيفة عليه من الخيبة وقطع الأمل من مجيء يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما زيدت ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [١٩] من سورة (القصص)، وفي الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت)، علما بأنها لم تزد في الآية رقم [٧٧] من سورة (هود). الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٩٤] ﴿أَنْ﴾: زائدة، وجملة: ﴿جاءَ الْبَشِيرُ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وهي ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا وهو الراجح لوجود الفاصل بينها وبين الجملة المضافة إليها، وعلى إبقاء (لمّا) على ظرفيتها، فهذه الآية ترجح تعليق لما بفعل شرطها لوجود الفاصل المذكور. ﴿أَلْقاهُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى البشير، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿عَلى وَجْهِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَارْتَدَّ﴾: الفاء: حرف عطف. (ارتد): ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿بَصِيراً﴾: حال من الفاعل المستتر، وهذا على اعتبار (ارتد) بمعنى رجع، وأما إذا كان بمعنى صار، فهو ناقص، والمستتر اسمه، و ﴿بَصِيراً﴾ خبره، وجملة: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ معطوفة على جواب

стр. 2764

لما، لا محل لها مثله، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير وتوبيخ. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿أَقُلْ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها، وجملة ﴿أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وانظر إعرابها في الآية رقم [٨٦] والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وانظر ما ذكرته عن أبي البقاء في الآية رقم [٦٩]. ﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (٩٧)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا أَبانَا..﴾. إلخ: في الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر، ودخلوا على يعقوب؛ قالوا... إلخ. والمعنى اسأل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا التي اجترحناها بسبب ما فعلنا بك وبيوسف لأننا كنا مخطئين في عملنا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩١]، هذا فقد اعترفوا بذنبهم، ومن حق المعترف له بالذنب أن يصفح عن المسيء ويسأل الله له المغفرة. قال القرطبي: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه، أو ماله، أو غير ذلك ظالما له، فإنه يجب عليه أن يتحلل له، ويخبره بالمظلمة وقدرها، وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه، أو شئ فليحلّله منه اليوم قبل ألاّ يكون دينار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه، فحمل عليه». الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْتَغْفِرْ﴾: أمر والتماس، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لَنا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا﴾: مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أَبانَا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿خاطِئِينَ﴾: خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا خاطِئِينَ..﴾. في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿أَبانَا..﴾. إلخ تعليل للأمر، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ الشرح: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾: أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يستحل لهم من يوسف، أو يعلم أنه عفا عنهم،

стр. 2765

فإن عفو المظلوم شرط المغفرة، ويؤيده ما روي: أنه استقبل القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبريل ﵇، فقال: إن الله تعالى قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة، وهو إن صح فدليل على نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل استنبائهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾: لذنوب عباده. ﴿الرَّحِيمُ﴾: بجميع خلقه. قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ..﴾. وقول يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿سَوْفَ﴾: حرف تسويف واستقبال. ﴿أَسْتَغْفِرُ﴾: مضارع والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٨٣]، والكلام ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: قيل: إن يوسف ﵇ بعث مع البشير مائتي راحلة وجهازا وأموالا، وسأل أباه أن يأتيه بأهله وولده جميعا، واستقبله يوسف، والملك، وأهل مصر، وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلا وامرأة، وقال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين، وكانوا حين خرجوا مع موسى وهارون ﵉ ستمائة ألف، وخمسمائة، وبضعة وسبعين رجلا سوى الذرية والهرمى التي بلغت ألف ألف ومائتي ألف بعد أن أقاموا أربعمائة سنة. وقال المرحوم عبد الوهاب النجار: وكان بين ورودهم إلى مصر، وخروجهم منها على يد موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام خمس عشرة سنة، ومائتا سنة على ما حققه رحمة الله الهندي. انتهى. وأعتمد الأول. وفي قوله تعالى: ﴿أَبَوَيْهِ﴾ تغليب الأب على الأم، وكذا في (والديه) تغليب أيضا، والمراد بأبويه هنا: أبوه وخالته (ليّا) لأن أمه (راحيل) توفيت في نفاس (بنيامين)، فنزلت الخالة منزلة الأم تكريما وتعظيما، كما أن العم ينزل منزلة الأب لذلك، هذا؛ والمراد بالدخول الأول: دخول

стр. 2766

أرض مصر حين استقبلهم، والمراد بالدخول الثاني دخول قصره الذي يسكنه، وقيل بالعكس، فيكون في الكلام تقديم وتأخير، ويكون الاستثناء بالمشيئة مقارنا لدخولهم أرض مصر، وهو الذي يقتضيه المقام، و ﴿آمِنِينَ﴾ أي: من المكاره، والمظالم، وقيل: إن الناس كانوا يخافون من ملوك مصر، فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم، فقال لهم يوسف: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ..﴾. إلخ. تنبيه: خرج يوسف لاستقبال أبيه بعسكره وحشمه وأبهته، وكان يعقوب يمشي، وهو يتوكأ على يد ابنه يهوذا، فلمّا نظر إلى الخيل والناس؛ قال: يا يهودا هذا فرعون مصر، قال: لا بل هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد من صاحبه أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام، فقال له جبريل: خل يعقوب يبدأ بالسلام، فقال يعقوب: السّلام عليك يا مذهب الأحزان! وقيل: إنهما نزلا، وتعانقا، وفعلا كما يفعل الوالد بولده، والولد بوالده، وبكيا، وقيل: إن يوسف قال لأبيه: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك. الإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٩٤] وجملة: ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وهي ابتدائية لا محل لها على اعتبارها حرفا. ﴿آوى﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَبَوَيْهِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آوى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿اُدْخُلُوا﴾: أمر، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٦٧] ﴿مِصْرَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿شاءَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ﴾: فاعله، وهذا الشرط لا جواب له، فيما أرى؛ لأن المعنى بمشيئة الله، وقد اختلف في هذه المشيئة، فقيل: هي من متعلق قول يعقوب ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ،﴾ وقيل: هي من متعلق الدخول، وقيل: هي من متعلق ﴿آمِنِينَ﴾ وعليه وعلى الأول في الكلام تقديم وتأخير، واعتراض بين متلازمين. ﴿آمِنِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب؛ وعلامة نصبه الياء... إلخ وجملة المشيئة معترضة بين الحال وصاحبها، فهي للتبرك، وليست للتعليق، وجملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 2767

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ الشرح: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: على السرير الذي كان يوسف يجلس عليه، والرفع النقل إلى العلو. ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ أي: سقط يعقوب وزوجته (ليّا) وبنوه سجدا ليوسف ﵇، وكانت تحية الناس يومئذ السجود وهو الانحناء والتواضع، ولم يرد به حقيقة السجود من وضع من وضع الجبهة على الأرض على سبيل العبادة، وقد استجاز يوسف أن يسجد له أبوه، وهو أكبر منه، وأعلى منصبا في النبوة والشيخوخة بأمر الله تعالى لتحقيق رؤياه التي رأيتها في أول السورة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر)، وقيل: المعنى خروا لأجله سجدا، لله شكرا، وقيل: الضمير في ﴿لَهُ﴾ لله تعالى، والمعتمد الأول. وقال: ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: التي رأيتها في الصغر في نومي. ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أي: حققها في اليقظة، اختلفوا في المدة التي كانت بين رؤياه وتأويلها على أقوال كثيرة، أشهرها أنها كانت ثمانين سنة، وعن الحسن أن عمر يوسف يوم ألقي في الجب كان سبع عشرة سنة، وأقام في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، وأقام مع أبيه وإخوته وأقاربه ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. وأقام يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أحسن حال، ومات بمصر، وأوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق بالشام ففعل، ثم انصرف إلى مصر، قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، ووافق ذلك يوم مات عيصو أخوه، فدفنا في قبر واحد؛ وكانا قد ولدا في بطن واحد. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي: أنعم علي، وأحسن بي وإليّ بمعنى واحد. ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾: لم يقل من الجب استعمالا للكرم والمروءة، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به بعد عفوه عنهم بقوله: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن كانت أعظم من إخراجه من الجب، وسبب ذلك أن خروجه من الجب كان سببا لحصوله في العبودية والرق، وخروجه من السجن كان سببا لوصوله إلى الملك والسيادة والعزة. ﴿وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: من البادية، والبدو في الأصل: البسيط من الأرض، يبدو الشخص فيه من بعد، أي: يظهر، والبدو خلاف

стр. 2768

الحضر، والبادية خلاف الحاضرة، وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية فسكنوا البادية، أي: وهم في الأصل من أهل الحاضرة؛ لأن الله لم يبعث نبيا من أهل البادية، وقيل: إنهم خرجوا إلى بدا، وهو موضع، وإياه عنى جميل بثينة بقوله: [الطويل] وأنت التي حبّبت شغبا إلى بدا... إليّ وأوطاني بلاد سواهما فشغب وبدا موضعان، وليعقوب بهذا الموضع مسجد حتى جبل بدا. انتهى. قرطبي. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد ما بيني وبين إخوتي، أحال ذنبهم على الشيطان تكرما، وهذا على سبيل المجاز، لا على الحقيقة؛ لأن الفاعل المطلق المختار هو الله تعالى، وليس للشيطان مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش، لإفساد ذات البين، وذلك بإقدار الله إياه على ذلك. هذا؛ والنزغ، والنخس، والنسغ، والنفر، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، قال تعالى: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الآية رقم [١٩٩] من سورة (الأعراف)، فقد شبه الله سبحانه وسوسة الشيطان، وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾: لطيف التدبير له؛ إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها، وقال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون، كقوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بوجود المصالح والتدبير. ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يفعل كل شيء في وقته على وجه يقتضي الحكمة. روي: أن يوسف طاف بأبيه ﵉ في خزائنه، فلما أدخله خزانة القراطيس، قال: يا بني ما أعقك! عندك هذه القراطيس، وما كتبت إلي على ثماني مراحل، قال: أمرني جبريل ﵇، قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني، فسأله، فقال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فقال: فهلا خفتني. الإعراب: ﴿وَرَفَعَ﴾: الواو: حرف عطف. (رفع): ماض، وفاعله يعود إلى (يوسف). ﴿أَبَوَيْهِ﴾: مفعول به منصوب... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. (خروا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿سُجَّداً﴾: حال من واو الجماعة، وجملة: (خروا...) إلخ معطوفة على ما قبلها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿يا أَبَتِ﴾: انظر الشرح والإعراب في الآية رقم [٤] ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿تَأْوِيلُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿رُءْيايَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر وياء

стр. 2769

المتكلم في محل جر بالإضافة: من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُءْيايَ،﴾ والعامل اسم الإشارة، أو هما متعلقان ب ﴿رُءْيايَ،﴾ وقول الجمل: متعلقان بمحذوف صفة ل ﴿رُءْيايَ،﴾ أي: رؤياي الكائنة من قبل، أي: من قبل الحوادث التي وقعت، لا وجه له؛ لأن رؤياي معرفة. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلَها﴾: ماض ومفعوله. ﴿رَبِّي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَقًّا﴾: صفة مفعول مطلق محذوف، أي: جعلا حقّا، أو هو مفعول به ثان على اعتبار (جعل) من أفعال التصيير، ويجوز أن يكون حالا، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا من غير لفظ الفعل، بل من معناه؛ لأن جعلها بمعنى حققها، وحقّا في معنى تحقيق. انتهى. عكبري، وجملة: ﴿قَدْ جَعَلَها..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رُءْيايَ﴾ والرابط الضمير فقط. ﴿وَقَدْ﴾: الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق... إلخ. ﴿أَحْسَنَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿رَبِّي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، واعتبره الجمل حرف تعليل. ﴿أَخْرَجَنِي﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ربي، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، أو هي للتعليل لا محل لها. ﴿مِنَ السِّجْنِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ربي، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. (جاء): ماض والفاعل يعود إلى ربي. ﴿بِكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾: متعلقان بما قبلهما أيضا. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: كل ذلك من بعد، وهذه الجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق. وجملة: (جاء...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخْرَجَنِي﴾ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿نَزَغَ﴾: ماض في محل نصب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعله. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، ﴿وَبَيْنَ﴾: معطوف على ما قبله، و (بين) مضاف. و ﴿إِخْوَتِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل ﴿نَزَغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه، التقدير: من بعد نزغ الشيطان... إلخ. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسمها منصوب... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَطِيفٌ﴾: خبر (إن). ﴿لِما﴾: متعلقان ب ﴿لَطِيفٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط

стр. 2770

محذوف، التقدير: لطيف للذي، أو لشيء يشاؤه. ﴿يا أَبَتِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ أي: بعض الملك، وهو ملك مصر فقط. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي: فهم الكتب، أو علم تعبير الرؤيا، كما رأيت فيما سلف، و ﴿مِنَ﴾ أيضا للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وأصل الفطر: الشق، يقال: فطر ناب البعير: إذا شق وظهر، وفطر الله الخلق أوجده وأبدعه. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: معيني ومتولي أموري وناصري. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً﴾: موحدا، وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام الحادثة التي جاء بها محمد ﷺ ، وانظر الكلام الشافي على ذلك في الآية رقم [٦٧] من سورة (آل عمران). ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾: من آبائي وأجدادي، أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة. فإذا قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين؟ وقد تمنى ذلك سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ذلك بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ!﴾ أجيب: بأن الصالح الكامل، هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب في سورة (النمل). بعد هذا قال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد، نبيّ ولا غيره إلا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم، وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه ، وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما، وهذا قول الجمهور، وقال سهل بن عبد الله التستري: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفر من أقدار الله عليه، أو مشتاق محب للقاء الله . وثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنّيا، فليقل: اللهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي». رواه مسلم. تنبيه: ذكرت لك فيما مضى عمره، وأولاده، وأضيف: أنه لما مات تشاح الناس فيه، فطلب كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا أن يقتتلوا، ثم اتفقوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر، وأن يدفنوه في النيل بحيث يجري الماء عليه، ويتفرق عنه، وتصل بركته، إلى الناس أجمعين، فبقي إلى أن أخرجه موسى ﵊، وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة، وكان قد أوصى بذلك قبل وفاته، فسبحان من لا انقضاء لملكه!.
следующие страницы →