← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، فيكون الخبر قد تعدد، وهو شبه جملة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿والٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهذا الاسم دخله الإعلال كما في ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من قوم، والرابط: الواو، والضمير هذا؛ ومجيء الحال من النكرة على حد قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾. هذا؛ ويجوز اعتبارها معطوفة على جواب (إذا)، واعتبارها مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، والاستئناف أقوى من كل الوجوه. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: البرق: مصدر برق يبرق: إذا لمع، والرعد: مصدر رعد يرعد، وهما معروفان ومشاهدان للناس جميعا، وتفسيرهما في الشرع غير تفسيرهما وشرحهما في العلم الحديث. ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾: هذا الخوف والطمع من رؤية البرق يكون من وجوه؛ الأول: عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر ومن على بيدره التمر والزبيب والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزراع ونحوهم. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه المناسبين لسقوطه، وخذ قول أبي الطيب في ممدوحه: [الطويل] فتى كالسّحاب الجون يخشى ويرتجى... يرجّى الحيا منه، وتخشى الصّواعق هذا؛ وقيل: خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، وطمعا أن يكون ممطرا، قاله ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [الرمل] لا يكن برقك برقا خلّبا... إنّ خير البرق ما الغيث معه والبرق الخلّب: الذي لا غيث فيه كأنه خادع. ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز: إنما أنت كبرق خلّب، والخلّب أيضا: السحاب الذي لا مطر فيه. هذا؛ وأصل الخوف انزعاج في الباطن، يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل، وأما التّخوّف فإنه يأتي بمعنى التنقص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ يروى: أن الفاروق ﵁، قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ﴾

стр. 2802

يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوّف التنقّص، قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط] تخوّف الرحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال عمر-﵁: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً..﴾. إلخ الآية رقم [١٨١] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢٨] من سورة (البقرة). هذا؛ والطمع: نزوع النفس إلى الشيء المحبوب والحرص على حصوله في المستقبل. ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أي: ويخلق الله الغيوم ويظهرها، والسحاب غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هذا؛ وقيل: السحاب الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء، وأصل السحب: الجر، وسمي السحاب سحابا، إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره، هذا؛ ووصفه الله بالثقال لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم، وما أحراك أن تنظر الحديث الذي ذكرته في الآية رقم [٣]. هذا؛ والسحاب اسم جنس، واحده سحابة، فذلك وصف بالجمع، وهو الثقال جمع ثقيلة، وتجمع السحابة على سحاب وسحائب وسحب. الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿يُرِيكُمُ﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل والفاعل مستتر يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو بصري تعدى إلى الثاني بهمزة التعدية، وانظر إعلال ﴿تُوقِنُونَ﴾ في الآية رقم [٢] فهو مثله إذ أصله: «يؤريكم» والكاف مفعوله الأول، والبرق: مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد: رجوع الفاعل إليه، ﴿خَوْفاً﴾: مفعول لأجله، وقيل: حال من كاف المخاطبين بمعنى: ذوي خوف، وذوي طمع. ﴿وَيُنْشِئُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿السَّحابَ﴾: مفعول به. ﴿الثِّقالَ﴾: صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وأجيز اعتبار خوفا مفعولا مطلقا، وهو ضعيف. ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بحمد الله تعالى، ويسبح كذلك سامعوه من بني آدم المؤمنين، وهل الرعد اسم ملك أو صوت ملك؟ خلاف، وهو خلاف ما يقوله العلم الحديث،

стр. 2803

هذا؛ والتسبيح والتقديس عبارة عن تنزيه الله عن جميع النقائض. ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: تسبح الملائكة بحمد الله تعالى من خوفه، أو من خوف الرعد هذا؛ و (خيفة) أصلها (خوفة) وقعت الواو ساكنة إثر كسرة، فقلبت ياء، فهو واوي من الخوف. ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾: جمع صاعقة، وهي العذاب النازل من البرق، فيحترق من تصيبه، وقيل: هي الصوت الشديد النازل من الجو، ثم يكون فيه نار، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد. ﴿فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ أي: فيصيب الله بالصواعق من يشاء إصابته، أو هلاكه. ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾: حيث يكذبون رسول الله ﷺ فيما يصف ربه تعالى به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وإعادة الناس يوم القيامة للحساب والجزاء، هذا؛ والجدال: التشدد في الخصومة، من الجدل وهو الفتل. ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾: شديد الأخذ، أو شديد القوة، أو شديد الانتقام إلى غير ذلك، وهو بكسر الميم، ويقرأ بفتحها على أنه بمعنى الحول، والمحاولة بمعنى المغالبة، والمكايدة، وفي القاموس المحيط: والمحال ككتاب: الكيد، وروم الأمر بالحيل، والتدبير، والقدرة، والجدال، والعذاب، والعقاب، والعداوة، والمعاداة كالمماحلة، والقوة، والشدة، والهلاك، والإهلاك. تنبيه: قال ابن عباس-﵄: من سمع صوت الرعد، فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة: فعليّ ديته. وكان عبد الله بن الزبير-﵄-إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، وكان يقول: إن الوعيد لأهل الأرض شديد. تنبيه: روي: أن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة العامري الصحابي، وفدا على رسول الله ﷺ قاصدين لقتله، وكان عامر قد تواطأ مع أربد، وقال له: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه، واضربه بالسيف، فجعل يخاصم النبي ﷺ ، ويجادله بعد أن ذهب به بعيدا عن أصحابه، فاخترط أربد من سيفه شبرا، ثم حبسه الله، فلم يقدر على سله، ويبست يده على سيفه، فتنبه له الرسول ﷺ ، وقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت». فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا، وقال: يا محمد! دعوت ربك على أربد حتى قتله، والله لأملأنها عليك خيلا جردا، وفتيانا مردا، فقال ﵊: «يمنعك الله من ذلك، وأبناء قيلة». يعني الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة من بني سلول، وخرجت على ركبته غدة عظيمة فجأة، فقال: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية! فركب فرسه، وجعل يجول ويصول، ويقول: يا ملك الموت ادن! حتى سقط على الأرض ميتا. فذهب إلى جهنم، وبئس القرار، وقد نزلت الآية الكريمة فيهما. الإعراب: ﴿وَيُسَبِّحُ﴾: (يسبح): مضارع. ﴿الرَّعْدُ﴾: فاعله. ﴿بِحَمْدِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الرعد، التقدير: ملتبسا بحمده، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾: معطوف

стр. 2804

على الرعد. ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (الملائكة) أيضا، أو بمحذوف مفعول لأجله، أي: هائبين من خيفته، وجملة: ﴿وَيُسَبِّحُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُرِيكُمُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والاستئناف ممكن بلا ضعف، وجملة: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ معطوفة عليها. (يصيب): مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِها﴾: متعلقان به. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: فيصيب الذي، أو شخصا يشاء إصابته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من ﴿مِنْ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وعليه فيجب اعتبارها بمعنى الجمع ليتوافق صاحب الحال والرابط، واعتبارها مستأنفة لا بأس به، بل هو قوي، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير فهي حال متداخلة من وجه، و ﴿شَدِيدُ﴾: مضاف، و ﴿الْمِحالِ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: شديد محاله. ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤)﴾ الشرح: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي: لله دعوة الصدق، قال علي-كرم الله وجهه-دعوة الحق: التوحيد، وقال ابن عباس-﵄: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وقال البيضاوي: الدعاء الحق، فإنه الذي يحق أن يعبد، أو يدعى إلى عبادته دون غيره، أو له الدعوة المجابة، فإن من دعاه أجابه، ويؤيده ما بعده. انتهى. وهو جيد. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: والأصنام التي يدعونها آلهة من دون الله ويعبدونها. ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرر إن دعوهم. ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ أي: إلا استجابة كائنة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه يطلب إليه أن يبلغ فاه ويصل إليه ليشرب منه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه، فضلا عن إجابته، وكذلك الأصنام التي يعبدونها جمادات لا تحس بدعائهم، ولا تقدر على إجابتهم. قال القرطبي: ضرب الله الماء مثلا ليأسهم من الإجابة لدعائهم؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد، قال: [الطويل] فأصبحت فيما كان بيني وبينها... من الودّ مثل القابض الماء باليد

стр. 2805

وقال آخر: [الطويل] وإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم... كقابض ماء لم تطعه أنامله وقال آخر: [الطويل] ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض... على الماء خانته فروج الأصابع قال علي ﵁: هو (أي: عابد الصنم، أو الطالب منه حوائجه) كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغ قعر الماء ولا الماء يرتفع إليه، هذا؛ وقرئ في الشواذ «(تدعون)» بالتاء، وبتنوين (باسط). ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: ليست عبادة الكافرين الأصنام، أو طلبهم منها حوائجهم إلا في ضياع وباطل. تنبيه: في الآية الكريمة تشبيه تمثيلي حيث شبه الله تعالى دعوة الكفار آلهتهم ليستجيبوا لهم، وعدم استجابتها؛ بمن يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وهو بعيد عنه مع رجائه أن يستجيب الماء له، وهو جماد لا يشعر ولا يحس، وقيل: شبهوا في قلة نفع دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه، فبسطهما ناشرا أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا، ولم يبلغ طلبته. الإعراب: ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَعْوَةُ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿دَعْوَةُ﴾: مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: والمشركون الذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول لدلالة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ عليه، أو التقدير: والأصنام الذين يدعوهم المشركون، ويكون جمعها مثل جمع ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَسْتَجِيبُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كَباسِطِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا استجابة كائنة كاستجابة باسط، و (باسط): مضاف، و ﴿كَفَّيْهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، هذا؛ وعلى قراءة تنوين باسط فيكون ﴿كَفَّيْهِ﴾ مفعولا صريحا منصوبا، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة... ﴿إِلَى الْماءِ﴾: متعلقان ب (باسط). ﴿لِيَبْلُغَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الماء. ﴿فاهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء

стр. 2806

الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان ب (باسط). ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال، (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِبالِغِهِ﴾: الباء: حرف جر صلة. بالغه: خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة، فتكون الباء زائدة في خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ في محل نصب حال من فاعل (يبلغ) المستتر، أو من مفعوله، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية مهملة. ﴿دَعاهُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، انظر الشرح لتقديره. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، ﴿فِي ضَلالٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ: قال الخازن: في معنى السجود قولان: أحدهما: أن المراد منه السجود على الحقيقة، وهو وضع الجبهة على الأرض، ثم على هذا القول ففي معنى الآية وجهان: أحدهما: أن اللفظ، وإن كان عاما، إلا أن المراد منه الخصوص، فقوله ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ يعني الملائكة، ومن في الأرض يعني المؤمنين، ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ يعني من المؤمنين من يسجد لله طوعا، وهم المؤمنون المخلصون لله العبادة، و (كرها): يعني: المنافقين الداخلين في المؤمنين، وليسوا منهم، فإن سجودهم لله على كره منهم؛ لأنهم لا يرجون على سجودهم ثوابا، ولا يخافون عقابا، بل سجودهم وعبادتهم خوف من المؤمنين. الوجه الثاني: هو حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال وهو أن جميع الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن يسجدون لله طوعا، ومنهم من يسجد له كرها كما تقدم، وأما الكفار من الإنس والجن فلا يسجدون لله البتة، فهذا؛ وجه الإشكال، والجواب عنه: أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في الأرض أن يسجد لله، فعبر بالوجوب عن الوقوع والحصول، وجواب آخر: وهو أن يكون المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من في السموات، ومن في الأرض من إنس وجن، فإنهم يقرون لله بالعبودية، والتعظيم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾.

стр. 2807

والقول الثاني في معنى هذا السجود: هو الانقياد والخضوع، وترك الامتناع، فكل من في السموات، ومن في الأرض ساجد لله بهذا المعنى، وهذا الاعتبار؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل، فهم خاضعون له، ومنقادون لأوامره، انتهى. بحروفه. أقول: وهذا الوجه هو المرضي عندي، ولعله المرضي عند الكثير، ويؤيده قوله في سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وهو باتفاق تسبيح دلالة، لا تسبيح عبادة. ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾: قال المفسرون: إن ظل كل شيء يسجد لله، سواء ظل المؤمن وظل الكافر، وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق الله للظلال عقولا وأفهاما، تسجد بها وتخشع، كما جعل للجبال أفهاما حتى سبحت لله مع داود، قال القشيري: في هذا نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأما الظلال فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير الحياة لها، وقيل: المراد بسجود الظلال: ميلانها من جانب إلى جانب آخر، وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (النحل)، قاله ابن عباس وغيره، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال تعظم وتكثر في هذين الوقتين، وقيل: لأنهما طرفان فيدخل وسطه فيما بينهما. بعد هذا (الغدو): جمع غدوة بضم الغين فيهما، وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وقيل: إلى الضحوة الكبرى، وتجمع أيضا على غدى، والغداة في الأصل الضحوة، ولو حملها حامل على أول النهار لجاز له التذكير، والجمع غدوات، والآصال: جمع أصيل، وهو الوقت بين العصر والمغرب، ويجمع أيضا على أصائل، وأصل، وأصلان، هذا؛ وقيل: الآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل] لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل هذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء، مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب، وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران)، والآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام)، ففيهما كبير فائدة. هذا؛ والآية التي الكلام فيها يسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته، واستماعه لها، فهي من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود لتلاوتها واستماعها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٥] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، وانظر الكلام على (من) في الآية [٤٨] من سورة (النحل)، وانظر الكلام على السجود في الآية رقم [٥٠] منها أيضا. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ﴾: الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بما بعدهما، وتقديمهما أفاد الاختصاص. ﴿يَسْجُدُ﴾: مضارع، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل.

стр. 2808

﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في السموات. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿طَوْعاً﴾: حال بمعنى طائعا، وقيل: مفعول لأجله. وقيل: مفعول مطلق، ولا وجه له. ﴿وَكَرْهاً﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَظِلالُهُمْ﴾: معطوف على ﴿مَنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وقد راعى معنى ﴿مَنْ﴾ وهو الجمع، وفي تأويل طوعا ب (طائعا) يكون راعى لفظها. تأمل. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآصالِ﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ..﴾. الشرح: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ ، كلاحقه، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله: من مالك السموات والأرض؟ ومن مدبرهما وخالقهما؟ قل: الله: أي: أجب عنهم بذلك؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه البين الذي لا يمكن الجدال فيه، وإنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض، وخالق كل شيء، كما ذكر عنهم ذلك في آيات كثيرة. ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ..﴾. إلخ؟: هذا توبيخ وتقريع للمشركين الذين يعبدون الحجارة والأوثان، التي لا تستطيع أن تنفع نفسها بشيء، وإذا أرادها إنسان بضر لا تستطيع دفعه، وهذا مع اعترافهم بأن الله هو الخالق والمدبر لما في السموات والأرض، وإذا كانت تلك الأصنام لا تملك ذلك لنفسها، فكيف تملكه لمن يعبدها؟!. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾: هذا مثل ضربه الله للكافر الذي لا يبصر الحق، والمؤمن الذي يعرف الحق ويتبعه، والآية رقم [٢١] الآتية توضح هذا؛ وتبينه، وقيل: الأعمى مثل لما عبدوه من دون الله، والبصير مثل الله تعالى، والأولى أولى، وعلى الاعتبارين في الكلام استعارة، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ أي: الشر والإيمان، والمعنى: كما أن الأعمى والبصير لا يكونان سواء، كذلك الكافر والمؤمن لا يستويان، وكما أن الظلمات والنور لا يكونان سواء كذلك الكفر والإيمان لا يستويان. هذا؛ والظلمات جمع ظلمة، وقد جمعت في القرآن الكريم في آيات كثيرة باعتبار تعدد معانيها؛ إذ المراد ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الجهل، وظلمة يوم القيامة، أو المراد ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة، ووحد النور؛ لأنه نوع واحد لا يختلف، وقدم الظلمات؛ لأنها مخلوقة قبل النور، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، ثمّ ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه

стр. 2809

ضلّ». ذكره البغوي، هذا؛ والظلمات بمعانيها المتقدمة مستعارة من ظلمة الليل الحقيقية، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كل منهما، كما أن النور بمعناه المتقدم مستعار من نور النهار، أو من نور المصباح المضيء، والجامع بينهما الاهتداء في كل منهما، ولا تنس الطباق في الآية الكريمة بين الأعمى والبصير، وبين الظلمات والنور، وهذا من المحسنات البديعية. الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ﴾: خبره، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اللهُ..﴾.: مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله رب... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. الفاء: حرف عطف، أو هي صلة. ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾: (اتخذتم): فعل ماض، والتاء فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، وهو أولياء، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر بعد الهمزة، أي: أعلمتم أن ربهما هو الله الذي ينقاد لأوامره من فيهما كافة فاتخذتم... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وعلى اعتبار الفاء صلة، فيكون الكلام جملة واحدة، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَمْلِكُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما أو هما متعلقان بما بعدهما على اعتبارهما مصدرين، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَفْعاً﴾: مفعول به. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿ضَرًّا﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿أَوْلِياءَ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام ونفي. ﴿يَسْتَوِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْأَعْمى﴾: فاعل مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (البصير): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿... أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ الشرح: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، فهي داخلة تحت حكم الاستفهام الإنكاري و ﴿شُرَكاءَ﴾ أي: في العبادة. ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أي: أخلقوا

стр. 2810

سماوات، وأرضين، وشمسا، وقمرا، وجبالا، وبحارا، وإنسا، وجنّا؟. ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لم يميزوا بين خلق الله، وبين ما خلقت آلهتهم وأصنامهم التي يعبدونها. ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: المعنى إذا تفكر هؤلاء المشركون بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء، وما يعبده هؤلاء جمادات مخلوقة، بل هي من جملة ما خلق الله تعالى. ﴿وَهُوَ الْواحِدُ﴾ أي: المنفرد بخلق الأشياء كلها. ﴿الْقَهّارُ﴾: لعباده، حتى يدخلهم تحت قضائه، وقدره، وإرادته، وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، هذا؛ وفي الآية الكريمة رد على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، كما أنها ترد على من لا يعترف بالصانع الحكيم أيضا. الإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف. ﴿جَعَلُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿شُرَكاءَ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿خَلَقُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿كَخَلْقِهِ﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: خلقوا خلقا مشبها خلقه، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿شُرَكاءَ،﴾ وجملة: ﴿جَعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَتَشابَهَ﴾: الفاء: حرف عطف. (تشابه): ماض. ﴿الْخَلْقُ﴾: فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة: (تشابه...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها؛ لأنها مفرعة عنها. ﴿اللهُ خالِقُ﴾: مبتدأ وخبر، و ﴿خالِقُ﴾: مضاف، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (كلّ): مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. والحالية ضعيفة. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: من السحاب، أو من السماء نفسها، فإن المبادئ منها، قال الخازن: لما شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير، وشبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور ضرب لذلك مثلا، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يعني: المطر. ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أي: فجرت أودية، والأودية لا تجري؛ فهو مثل: جرى النهر والمراد جرى الماء في النهر،

стр. 2811

فحذف لدلالة الكلام عليه، ومعنى بقدرها: بملئها، الكبير بقدره، والصغير بقدره، وفيه احتراس من أن السيل غير ضار للممطور، بل هو نافع له. وقال ابن عباس-﵄-أنزل من السماء ماء، يعني: قرآنا، وهذا مثل ضربه الله تعالى، ويريد بالأودية القلوب، شبه نزول القرآن الجامع للهدى والنور والبيان بنزول المطر؛ لأن المطر إذا نزل عم نفعه، وكذلك نزول القرآن، وشبه القلوب بالأودية؛ لأن الأودية يستقر فيها الماء، وكذلك القلوب يستقر فيها القرآن، والعرفان ببركة نزول القرآن فيها، وهذا خاص للمؤمنين؛ لأنهم الذين انتفعوا بالقرآن وخذ ما يلي: عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيّبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنّما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فتعلّم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». متفق عليه. قال العلماء: الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس؛ لأنهم منها خلقوا، فالنوع الأول من أنواع الأرض: الطيبة التي تنتفع بالمطر، فتنبت به العشب، فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك، وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى وغير ذلك من العلم، فيحيا به قلبه، ويحفظه، ويعمل به، ويعلمه غيره، فينتفع به وينفع غيره. النوع الثاني من الأرض: أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة لغيرها، وهي إمساك الماء لغيرها؛ لينتفع به الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة، فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم، فيأخذه منهم، فينتفع به هو وغيره. النوع الثالث من الأرض: أرض سبخة، لا تنبت مرعى، ولا تمسك ماء، كذلك النوع الثالث من الناس، ليس لهم قلوب حافظة ولا أفهام ثاقبة، فإذا بلغهم شيء من العلم، لا ينتفعون به في أنفسهم، ولا ينفعون غيرهم، والله أعلم. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً﴾ أي: حمل السيل المذكور الحاصل من سيلان الأودية فوق سطحه زبدا، وهو ما يعلو الماء من الرغوة. ﴿رابِياً﴾: منتفخا مرتفعا، قال الخازن: وهنا تم المثل. ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾: هذا مثل آخر، والمعنى ينشأ زبد آخر مثل زبد الماء فوق ما يغلى في النار. ﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾: والمراد بذلك ما يغلى في النار من الأتربة المخلوطة ببعض المعادن كالذهب والفضة ونحوهما، لاستخراجه من التراب بواسطة النار، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى ما يطلب للزينة والحلية من المعادن الثمينة، وإن لم يكن مذكورا؛ لأن الحلية لا تطلبه

стр. 2812

إلا منها. ﴿أَوْ مَتاعٍ﴾ أي: طلب متاع آخر غير المعادن الثمينة مما ينتفع به الناس كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب، وتتخذ منه الأواني وغيرها كآلات الحرب، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء على الغيبة، وبالتاء على الخطاب، والمتاع: كل ما يتمتع به، ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: هذا الزبد مثل الزبد الذي يعلو فوق سطح السيل. ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي: يمثل الله الحق والباطل بما ذكر، فالحق هو الجوهر الصافي الثابت، والباطل هو الزبد الطافي فوقه الذي لا ينتفع به. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ أي: ضائعا باطلا، حيث يتفرق ويضيع على حافتي الوادي المفعم بالسيل. ولا تنس: أن الزبد هذا يراد به زبد السيل وزبد الماء المغلى. ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾: يعني الماء الصافي. والجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب. ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يثبت، ويبقى، ولا يذهب، هذا؛ ومكث يمكث بمعنى: أقام يقيم. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟ والمكث بضم الميم وتكسر، وهذا على أنه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب نصر، فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب كرم، فهو بفتح الميم. ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾: قال أهل التفسير والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحالات، فإن الله يمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة الحسنة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد، ويبقى الماء الصافي الذي ينتفع به، وكذلك الصافي من الجواهر والمعادن يبقى، ويذهب ما يعلو فوقه من الكدر، وانظر ما ذكرته من تفسير وتمثيل آنفا، واقرأ الحديث جيدا وتفهمه وتدبره، والله يتولاني ويتولاك بعنايته ورعايته. الإعراب: ﴿أَنْزَلَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿السَّماءِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (سالت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَوْدِيَةٌ﴾: فاعل. ﴿بِقَدَرِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة أودية، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: (سالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿رابِياً﴾: صفة زبدا. (مما): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: ﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما) الموصولة، والعائد الضمير المجرور محلا ب ﴿عَلَيْهِ﴾. ﴿فِي النّارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ ب (على) ومنع القرطبي الاعتبار الأول. ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مفعول لأجله،

стр. 2813

وجوز اعتباره حالا، بمعنى مبتغين، و ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مضاف، و ﴿حِلْيَةٍ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، ﴿مَتاعٍ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿زَبَدٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِثْلُهُ﴾: صفة ﴿زَبَدٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية السابقة؛ لأنها قسيمة؛ لأنها تضمنت مثلا آخر مثلها. تأمل. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله الحق والباطل ضربا، أي: مثلا مماثلا لما ذكر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي فعل مضارع وفاعله ومفعوله كما ترى. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (أما): أداة شرط وتوكيد وتفصيل، وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿الزَّبَدُ﴾: مبتدأ. ﴿فَيَذْهَبُ﴾: الفاء: واقعة في جواب (أما). (يذهب): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الزَّبَدُ﴾. ﴿جُفاءً﴾: حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَمّا﴾: الواو: حرف عطف. (أما): مثل سابقتها. ﴿مِمّا﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَنْفَعُ النّاسَ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما يَنْفَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كَذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله الأمثال ضربا كائنا كما ذكر، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، وهي مضارع وفاعله ومفعوله كما هو ظاهر. ﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)﴾ الشرح: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: أجابوا، فالسين والتاء زائدتان، قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب والمعنى: أجابوا ربهم لما دعاهم إليه من التوحيد، والإيمان به وبرسوله. ﴿الْحُسْنى﴾: يعني الجنة، وقيل: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع، والأول أولى، وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) ﵇. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي: لم يستجيبوا لربهم بما استجاب له المؤمنون من التوحيد والإيمان، وهم الكفار الذين استمروا على كفرهم.

стр. 2814

﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: أي: لو ملكوا كل ذلك؛ لقدموه فداء لأنفسهم من عذاب يوم القيامة، ولكن لا يقبل منهم كما أفادته آية المائدة رقم [٣٩] وآية آل عمران رقم [٩١] مع كونهم لا يملكون فتيلا يوم القيامة، ولكن كل ذلك على سبيل الفرض والتقدير. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ أي: للكافرين سوء الحساب، وهو أن يحاسب أحدهم على الفتيل، والنقير، والقطمير، كما أفاده قول الرسول ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب». رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂. وهو بتمامه كما يلي: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من نوقش الحساب عذّب». فقلت: يا رسول الله أليس يقول الله: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ فقال: «إنّما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاّ هلك». رواه البخاري ومسلم وأبو داود الطيالسي والترمذي. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مقرهم، ومآلهم إلى جهنم، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (يوسف) ﵇، ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ أي: المستقر، أو الفراش الذي مهدوه لأنفسهم. الإعراب: ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اِسْتَجابُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِرَبِّهِمُ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْحُسْنى﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَضْرِبُ﴾ السابق، و ﴿الْحُسْنى﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، والأول أقوى. تأمل. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في الأرض. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من ﴿ما﴾ ومؤكدة لها؛ لأنها بمعنى الجمع. ﴿وَمِثْلَهُ﴾: معطوف على ﴿ما﴾ منصوب مثلها، وقيل: منصوب. على المعية، ولا وجه له. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (مثله)، والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر، وفيه قولان: أحدهما، وهو قول سيبويه: أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف، التقدير: لو كان ما في الأرض جميعا ثابت لهم، والثاني قول المبرد: أنه في محل رفع على الفاعلية، رافعه محذوف،

стр. 2815

التقدير: لو ثبت كون ما في الأرض جميعا لهم، وقول المبرد هو المرجح في مثل هذا؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، واللام واقعة في جواب ﴿لَوْ،﴾ و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في رفع خبر أول للمبتدإ الذي هو الذين، وهو خلاف كلام الزمخشري الذي يعتبر الموصول معطوفا على سابقه، ويعتبر لو ومدخولها كلاما مستأنفا لا محل له وهو ضعيف جدا. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون ﴿سُوءُ﴾ فاعلا بذلك المتعلق، وهو وجه صحيح لا غبار عليه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَمَأْواهُمْ﴾: الواو: حرف عطف. (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَبِئْسَ﴾: الواو: حرف استئناف. (بئس): ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ﴾: فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة هي، والجملة: (بئس...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أي: فيؤمن به، ويعمل بما فيه. ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ أي: أعمى البصيرة لا أعمى البصر، وهو الكافر، فلا يؤمن بالقرآن، ولا يعمل بما فيه، قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية في حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وأبي جهل بن هشام، هذا؛ وخصوص السبب لا يمنع التعميم، أي: إن الآية تعم المهتدي وغير المهتدي، إلى يوم القيامة، والمعنى لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الله تعالى الكافر والجاهل بالأعمى؛ لأن الأعمى لا يهتدي لرشد، وربما وقع في مهلكة، وكذلك الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد، وهما واقعان في المهالك. ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ﴾: يتعظ. ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي: أصحاب العقول السليمة، وما آية (الأعراف) رقم [١٧٨] منك ببعيد.

стр. 2816

هذا؛ وفي ﴿أَفَمَنْ﴾ المذهبان اللذان رأيتهما في ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (هود) ﵇ من أن الفاء مؤخرة من تقديم، أو هي عاطفة على محذوف، وهو مدخول الهمزة، والمراد بالذي ﴿أُنْزِلَ﴾ القرآن الكريم، والمخاطب بذلك النبي ﷺ ، وقوله ﴿أَعْمى﴾ استعارة، انظر الآية رقم [١٧]. ﴿الْأَلْبابِ﴾: جمع لب: وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين، إما لبنائه من لب بالمكان: أقام به، وإما من اللباب، وهو الخالص من كل شيء، هذا؛ واللبيب العاقل الفاهم، والجمع: الباء، والأنثى لبيبة، وجمعها لبيبات، ولبائب، واللب: خالص كل شيء، وأما ﴿أُولُوا﴾ فهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: (ذو) المضاف إن كان مرفوعا، و (ذا) مضاف إن كان منصوبا، و (ذي) المضاف إن كان مجرورا، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الله قد وصف أولي الألباب بثماني صفات في الآيات الثلاث التالية وهو ما تجده مفصلا فيما يلي، وأبواب الجنة ثمانية، فمن اتصف بالصفات كلها دخل من أي: أبواب الجنة شاء. الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكار واستبعاد. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هي نكرة موصوفة وهي للعاقل. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى من. ﴿أَنَّما﴾: (أن): حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم (أن)، وهي لغير العاقل. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما). ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان به. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وجملة: ﴿أُنْزِلَ..﴾. إلخ: صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي يعلم، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون مضافة، و (من) مضاف إليه. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْمى﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْمى﴾: صلة (من) أو صفتها. والعائد أو الرابط: الضمير المنفصل، والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيستوي المؤمن والكافر، أفمن يعلم... إلخ، وهذا الكلام كله مستأنف أيضا. ﴿أَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: مضارع. ﴿أُولُوا﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿أُولُوا﴾: مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.

стр. 2817

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾: العهد: اسم للجنس، أي: بجميع عهود الله، وهي أوامره، ونواهيه؛ التي وصى بها عباده، ويدخل في هذه الألفاظ جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي، هذا؛ وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود؛ الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ في قديم الأزل بأن يقروا بربوبيته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧١] من سورة (الأعراف)، والعهد الثاني خص به النبيين المرسلين بأن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٧] من سورة (الأحزاب)، والعهد الثالث خص به العلماء من كل أمة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية رقم [١٨٧] من سورة آل عمران. ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾: النقض: فك التركيب، وأصله فك طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد استعارة تصريحية مطلقة، وهي التي يذكر فيها ملائم المشبه. قال قتادة: تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق، ونهى عنه في بضع وعشرين آية. انتهى. قرطبي. ﴿الْمِيثاقَ﴾: أصله الموثاق، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وترد الواو لأصلها في الجمع؛ لأن جمع التكسير يرد الأشياء إلى أصولها، فجمعه: مواثيق، وقل مثل ذلك في ميعاد، وميقات، وميزان، وميراث، ونحو ذلك. الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: فيه وجوه: الأول: إتباعه لأولي الألباب على البدلية، أو على النعت، الثاني: هو منصوب على المدح بفعل محذوف. الثالث: هو مرفوع على اعتباره مبتدأ خبره الجملة الاسمية الآتية ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿يُوفُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِعَهْدِ﴾: متعلقان به، و (عهد) مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد: واو الجماعة، وجملة: ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: قال ابن عباس-﵄: يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل، يعني: يصل بينهم بالإيمان، ولا يفرق بين أحد منهم. انتهى. أقول: ويندرج فيه موالاة المؤمنين، ومراعاة جميع حقوق العباد، والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : أنا الله، وأنا الرحمن خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن

стр. 2818

وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أو قال: بتتّه». رواه أبو داود والترمذي. وعن عائشة ﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». متفق عليه. هذا؛ والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، والرحم: كل ذكر أو أنثى يمت إليك بالقرابة من جهة الأم أو الأب، وأولى بل وأحق بالبر والصلة الأبوان. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: مع وفائهم بعهد الله وميثاقه، والقيام بحقوق الرحم يخافون ربهم، والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، هذا؛ والماضي خشي، والمصدر خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك، أي: أشد خوفا منه، هذا؛ وقد يأتي الفعل (خشي) بمعنى علم القلبية؛ قال الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه علمت، وقوله تعالى: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه كرهنا، وانظر رقم [٨١] من سورة (الكهف). الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ما قبله على جميع وجوهه. ﴿يَصِلُونَ﴾: مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَمَرَ اللهُ﴾: ماض وفاعله. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَمَرَ،﴾ وهما في محل نصب مفعول به؛ إذ الأصل: ما أمرهم الله به، فحذف المفعول به، وقام الجار والمجرور مقامه. وجملة: ﴿أَمَرَ اللهُ بِهِ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء، ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ما، وأن ويوصل في تأويل مصدر، في محل جر بدل من الضمير، بدل ظاهر من مضمر، وقيل: في محل نصب بدلا من ﴿ما﴾ والأول أولى لقربه، وجوز أن يكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الوصل، وقيل: مفعول لأجله على حذف المضاف، التقدير: كراهية وصله، أو التقدير: لئلا يوصل، ولا وجه لهما البتة، وجملة: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾: هذه الصفة الخامسة من صفات أولي الألباب، وانظر الصبر في الآية رقم [١١٥] من سورة (هود) ﵇، وقوله ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته

стр. 2819

تعالى، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا في ذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره، وأشد قوته على تحمل النوازل! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم لا ينيل صاحبه ما يذكر فيما يأتي، وقد يعرضه لشديد غضب الله ونقمته، لذا فإن قوله ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ احتراس من أن يفهم منه أن كل صبر محمود. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾: هذه هي الصفة السادسة من صفات أولي الألباب، انظر شرحها في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇؛ تجد ما يسرك. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي: بعض الذي رزقناهم إياه، ف (من) الجارة معناها التبعيض وهو أولى ليدخل فيه إخراج المال في جميع وجوه البر والخير. ﴿سِرًّا﴾: خفية. ﴿وَعَلانِيَةً﴾: جهرا، ومثله: العلن والإعلان، وما أكثر ما يتردد هذان اللفظان في القرآن الكريم انظر الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم)، والمعنى: ينفقون المال في جميع الحالات من سر، وإعلان، ومما ينبغي التنبه له: أن الإسرار في صدقة التطوع أفضل من الجهر بها، والأحاديث المرغبة في ذلك كثيرة مشهورة، وأما الزكاة الواجبة فالجهر بها أفضل لأمرين؛ أولهما: ليقتدي الناس بفاعلها، وثانيهما: لئلا يتهم بمنعها، ولا سيما إذا كان ظاهر الغنى، وما في الآية الكريمة يحتمل أن يكون المراد به الزكاة المفروضة، وأن يكون صدقة التطوع، وأن يكون المراد كليهما وهو أولى ليدخل فيه إخراج المال في جميع وجوه البر، والخير. ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: قال ابن عباس-﵄: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيئ، فيكون المراد كما في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، وقال الحسن رحمه الله تعالى: «إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا» فيكون المراد كما في الآية رقم [١٩٨] من سورة (الأعراف)، انظر شرحها هناك تجد ما يسرك ويثلج صدرك، ومن هذا القبيل، ومن هذه المشكاة قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (فصلت). ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة لأولي الألباب الموصوفين بالصفات المذكورة. ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي: العقبى المحمودة، والدار الآخرة أعم منها؛ لأنها تشمل الجنة والنار، والدليل على هذا النعت المحذوف قوله في المقابل: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ والعقبى: الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، هذا؛ ولا ريب أنه يوجد بعد الموت داران، هما: الجنة والنار، خذ قول القائل: [البسيط] الموت باب، وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟ أجيب من طرف الغيب: [البسيط]

стр. 2820

الدّار جنة عدن، إن عملت بما... يرضي الإله، وإن خالفت فالنّار هما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟ الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على سابقيه. ﴿صَبَرُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مفعول لأجله، وقيل: هو حال بمعنى مبتغين، والأول أقوى، ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مضاف، و ﴿وَجْهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿وَجْهِ﴾: مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿صَبَرُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب «من»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو من شيء رزقناهم إياه، واعتبار (ما) مصدرية ضعيف هنا. ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ حالان بمعنى: مسرين ومعلنين، قال أبو البقاء: هما مصدران في موضع الحال أي: ذوي سر وعلانية، أو هما مفعولا مطلق، أي: إنفاق سر وعلانية، أو على الظرفية؛ أي: وقتي سر وعلانية، وجملة: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، هذا؛ وإعراب: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢٠] بلا فارق، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين) الأول على اعتباره مبتدأ، ومستأنفة على الاعتبارات الأخرى فيه، وعلى الاعتبار الأول فالجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ .. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿جَنّاتُ﴾: جمع جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها وكثافتها، وانظر أسماء الجنات في الآية رقم [٢٥] من سورة (يونس) ﵇، و ﴿عَدْنٍ﴾: إقامة وخلود، يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه المعدن، أي: الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله، الّتي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلاّ ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون، والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء ﵁، وانظر الآية رقم [٧٣] من سورة (التوبة) إن أردت أن تعرف المزيد من رضوان الله على المطيعين من أولي الألباب.

стр. 2821

﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾: قيل: المعنى يدخل جنات عدن من اتصف بالصفات المذكورة، ويدخلها معهم من كان صالحا من هؤلاء، أي: لا يدخلونها بالأنساب والقرابات، وقيل: المعنى؛ يدخلها أولو الألباب مع من صلح من آبائهم... إلخ، وإن لم يعمل مثل أعمالهم يلحقه الله بهم كرامة لهم، وأرى هذا ضعيفا جدّا؛ لأن أولي الألباب هم الجديرون بالكرامة الإلهية، وقال الزجاج: إن الإنسان لا ينتفع بغير أعماله الصالحة، وقال ابن عباس-﵄: يعني ومن صدق من آبائهم بما صدقوا به، فهو يعني بهذا الصلاح الإيمان بالله ورسوله. قال الواحدي: والصحيح ما قاله ابن عباس: لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل الآتي بالأعمال الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم يكن ذلك كرامة للمطيع، ولا فائدة في الوعد به؛ إذ كل من كان صالحا يدخل الجنة في عمله. انتهى. خازن بتصرف. أقول: ينبغي أن لا يعزب عن بال كل عاقل أن الله شرط الصلاح لدخول الآباء والأزواج والذرية مع أولي الألباب المتصفين بالصفات التي رأيتها، كيف لا؟ وإبراهيم ﵊ لم ينفع أباه مع عدم صلاحه، ونوح ﵇ لم ينفع امرأته ولا ابنه مع عدم صلاحهما، وكذاك لوط عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى العام: أن النعمة تتم على المطيعين في الجنة بأن جعلهم الله مجتمعين مع قراباتهم فيها، وإن دخلها كل إنسان بعمل نفسه، بل برحمة الله تعالى، هذا؛ و (آباء) يدخل تحته الأمهات بدون ريب، فهو من باب التغليب، أو بإلحاقهن بالآباء إلحاقا، ولعلهن لا يرضين بالإلحاق، بل يرضين بالتغليب. ﴿وَأَزْواجِهِمْ﴾: جمع زوج، وهو يطلق على الرجل والمرأة على الانفراد، وانظر شرح ﴿زَوْجَيْنِ﴾ في الآية رقم [٣] ﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾: جمع ذرية، وهي النسل من بني آدم، وهي تقع على الجمع وعلى الواحد أيضا كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قيل: هي مشتقة من الذّرا، بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذال: أعلى الشيء، وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أبدلت همزة الذرء ياء، ثم شددت الياء وتبعتها الراء في التشديد. ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ أي: من أبواب الجنة الثمانية، أو من أبواب المنازل التي يسكنونها في الجنة، يدخلون عليهم بالتحف والهدايا تكرمة لهم، هذا؛ والملائكة أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة

стр. 2822

كفر، وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كل فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب وعتيد، ومنكر ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار. الإعراب: ﴿جَنّاتُ﴾: بدل من ﴿عُقْبَى الدّارِ،﴾ أو تفسير لها، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي جنات، أو هو مبتدأ، و ﴿جَنّاتُ﴾: مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾: مضاف إليه. ﴿يَدْخُلُونَها﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، و (ها): مفعوله على التوسع بإجراء اللازم مجرى المتعدي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ على الوجوه الثلاثة الأولى فيها، وهي في محل رفع خبره على الوجه الأخير، والرابط على جميع الاعتبارات الضمير المنصوب. هذا؛ وقرئ في سورة (فاطر) رقم [٣٣] بنصب ﴿جَنّاتُ﴾ على الاشتغال على إضمار فعل يفسره المذكور. (من): اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع، معطوفة على أولئك، أو على واو الجماعة، وساغ ذلك لوجود الفاصل بالضمير المنصوب، ويجوز أن تكون في محل نصب مفعول معه، وجوز اعتبارها فاعلا لفعل محذوف، التقدير: ويدخلها من إلخ. ﴿صَلَحَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها، وينبغي أن تعلم أنه راعى لفظ (من) في رجوع الفاعل إليها، وراعى معناها في الضمائر الآتية المجرورة بالإضافة. ﴿مِنْ آبائِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿صَلَحَ﴾ المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والهاء في الجميع في محل جر بالإضافة والميم حرف دال على جماعة الذكور. (الملائكة): مبتدأ، وجملة: ﴿يَدْخُلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ﴿مِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿بابٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية (الملائكة...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، اعتبارات كلها جائزة فيما أرى. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: هذا من قول الملائكة كما ستعرفه، ومعناه الدعاء لهم بالسلامة من الآفات والمحن، وقيل: هو دعاء لهم بدوام السلامة، و ﴿سَلامٌ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تسليم؛ لأن الفعل سلّم يسلّم بتشديد اللام فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عذاب، وعطاء، ونبات، لعذب، وأعطى، وأنبت. ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أي: هذا الثواب، وهذا النعيم حاصل بصبركم، وفي القرطبي: عن عبد الله بن سلام، وعلي بن الحسين-﵃-أنهما قالا: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: ليقم

стр. 2823

أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب، قالوا: نعم، فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: ما كان صبركم، قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا، قال علي بن الحسين، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين، وقال ابن سلام: فتقول لهم الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. هذا؛ وقيل: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أي: على الجهاد في سبيل الله. فعن عبد الله بن عمرو-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «المجاهدون، الذين تسدّ بهم الثّغور، وتتّقى بهم المكاره، فيموت أحدهم، وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة، فيدخلون عليهم من كلّ باب، فيقولون: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار». وينبغي أن تؤول قوله ﵊: «هل تدرون من يدخل الجنة». أي: في الأول، وبدون حساب، وإلا فجميع المؤمنين يدخلون الجنة بعد الحساب، وانظر قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) ﵇، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (مريم) ﵍، هذا؛ والحديث المذكور في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، بأوسع من هذا؛ وبإبدال (المجاهدون) ب (الفقراء المهاجرون). تأمل. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾: انظر الآية رقم [٢٤] لشرح عقبى الدار، وأما نعم فهي فعل ماض لإنشاء المدح، وضدها (بئس) ماض لإنشاء الذم: فنعم منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين، إذا أصاب النعمة، و (بئس) منقول من: بئس فلان بفتح الباء وكسر الهمزة، إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم وبئس بكسر وسكون وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن، ثم نعم وبئس، بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أنه يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبئس بفتح فسكون، والرابعة نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما. ولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة)، وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير).

стр. 2824

وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير. والمعتمد في ذلك قول البصريين، هذا؛ ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في الآية الكريمة، أو ضميرا مميزا بنكرة، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ أو كلمة (ما) نحو قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. هذا بالإضافة إلى تفسير الدار بما رأيت، أقول: الدار هي منزل الإنسان ومسكنه في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكر، أصلها دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها ديار ودور، وأدؤر وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل ديار دوار، قلبت الواو ياء لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب، هذا؛ والدار أيضا البلد، والقبيلة، ودار القرار في الآخرة، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب بلاد العدو. هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر والخيام، لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم وخيامهم ميتين، وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك لجمع الدار، فعلم من كلامه، أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر] أمرّ على الدّيار، ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا وما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا الإعراب: ﴿سَلامٌ﴾: مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة الدعاء، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، واقع حالا من الملائكة، أي: قائلين: سلام عليكم. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الكرامة بسبب صبركم، ولا يجوز تعليقهما ب ﴿سَلامٌ﴾ للفصل بالخبر، وهو أجنبي، والجملة هذه من جملة مقول الملائكة. ﴿فَنِعْمَ﴾: الفاء: حرف عطف. (نعم): ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿عُقْبَى﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿عُقْبَى﴾: مضاف، و ﴿الدّارِ﴾: مضاف إليه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: الممدوحة هي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فتكون من مقول الملائكة أيضا، هذا؛ وقيل: الفاء الفصيحة، ولا وجه له كما ترى.

стр. 2825

﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾: لما ذكر الله أحوال السعداء، وما أعد لهم من الكرامات والخيرات، ذكر بعده أحوال الأشقياء، وما أعد لهم من العقوبات، ومعنى ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف بربوبيته، والقبول لعهده الذي أخذه عليهم في عالم الذر، أو بالذي أودعه فيهم من العقول، وغيرها مما ميزوا به عن عالم الحيوانات والجمادات، ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ أي: من الإيمان بالرسول ﷺ ، وصلة الأرحام، وموالاة المؤمنين، وعدم التفرقة بين الرسل والكتب في التصديق. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالكفر والمعاصي والظلم وإثارة الفتن. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: الطرد من رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي: سوء المنقلب والمرجع والمآب، وهو جهنم وبئس القرار. تنبيه: لقد كرر الله لعن الكفار في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة)، كما لعن الظالمين والكاذبين، والناقضين للعهد والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره فقد استحق اللعن من الله والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار، أي: جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله. وهو الصحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت ﵁ أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، خذ قوله: [الكامل] لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور السلمي وغيرهم الذين قدموا المدينة، بعد موقعة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق ذلك على سيد الخلق وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال: «إني أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، كيف لا؟ وآية اللعان في سورة (النور) تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.

стр. 2826

وأما العصاة من المسلمين، فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق، فيجوز، كما في قولك: لعن الله الفاسقين والفاسقات، والفاسدين والفاسدات... إلخ لما روي أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ : «الواشمة والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل هذا في الصحيح. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْقُضُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿عَهْدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: عهدهم الله، أي: معاهدتهم الله، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة، وليس بشيء، وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له، و ﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و ﴿مِيثاقِهِ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على العهد، وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا إلى اسم الله تعالى، وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٣]، وجملة: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ معطوفة عليها أيضا لا محل لها ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢٠] بلا فارق بينهما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ .. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ لا محل لها، وهذا على اعتبار (الذين) الأول مبتدأ كما رأيت هناك، ومستأنفة على اعتباره تابعا لأولي الألباب. ﴿وَلَهُمْ﴾: الواو: حرف عطف. ﴿لَهُمُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الدّارِ﴾: مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾: لما بيّن الله عاقبة المؤمنين المتصفين بالصفات النبيلة الثمانية، وعاقبة المشركين، الناقضين للعهد والميثاق، القاطعين ما أمر الله به أن يوصل، المفسدين في الأرض؛ بيّن في هذه الآية أنه تعالى يوسع في الرزق على من يشاء، ويضيق على من يشاء في هذه الدنيا؛ لأنها دار امتحان واختبار، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته، بل قد يكون استدراجا له، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على إهانتهم، بل ربما

стр. 2827

يكون امتحانا لصبرهم وتكفيرا لذنوبهم، أو رفع درجاتهم، ومعنى (يقدر) يضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق. ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: فرح أهل مكة لما وسع الله عليهم في الرزق، فبطروا، وأشروا، وانظر الفرح في الآية رقم [٥٨] من سورة (يونس) ﵇، وانظر شرح الحياة الدنيا في الآية رقم [٢٣] منها أيضا، ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في جنبها، وبالنسبة إليها. ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ أي: من الأمتعة التي يتمتع فيها، مثل القصعة، والقدر، ونحوهما، وقال البيضاوي: إلا متعة لا تدوم كعجالة الراكب، وزاد الراعي. انتهى. أي: ثم تذهب وتفنى، كذلك الحياة الدنيا ذاهبة لا بقاء لها. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿يَبْسُطُ﴾ في الآية رقم [٢٤٤] من سورة (البقرة) بالسين والصاد. الإعراب: ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَبْسُطُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الرِّزْقَ﴾: مفعول به. ﴿لِمَنْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) موصولة، أو موصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص يشاؤه، وجملة: (يقدر) مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، والجملة الفعلية: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَفَرِحُوا﴾: الواو: حرف استئناف. (فرحوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿فَتَحُوا﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (يوسف). ﴿بِالْحَياةِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة (الحياة) مجرورة... إلخ، وجملة: (فرحوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وقول القرطبي: معطوفة على ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ،﴾ وفي الآية تقديم وتأخير، لا وجه له البتة. ﴿وَمَا﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية مهملة. ﴿بِالْحَياةِ﴾: مبتدأ. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة مرفوع... إلخ. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ وهو على رأي من يجيز مجيء الحال من المبتدأ، والذي دعا إلى ذلك عدم صحة تعليقهما في الحياة، ولا في الدنيا؛ لأنهما لا يكونان في الآخرة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مَتاعٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الحياة الدنيا، والرابط: الواو وإعادة صاحب الحال بلفظه، وكان حقه الإضمار، وإنما أعيد بلفظه زيادة في تحقير الحياة الدنيا، وصرفا للأنظار عنها. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من أهل مكة، والقائل هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأصحابه. ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلا أنزل على محمد ﷺ آية ومعجزة كالعصا، واليد، والناقة، ونحو ذلك. ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إضلاله، فلا ينفعه نزول الآيات، وكثرة

стр. 2828

المعجزات، إن لم يهده الله ، وذلك لأن الآيات الباهرة التي ظهرت على يد الرسول ﷺ بلغت في الكثرة، وقوة الدلالة إلى حالة يستحيل فيها أن تصير مشتبهة على العاقل، فطلب آيات أخرى بعد ذلك لا يفيد شيئا. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الحق، أو إلى الإسلام، أو إلى الله. ﴿مَنْ أَنابَ﴾: رجع إليه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ ومصدر الفعل ﴿يُضِلُّ﴾ الإضلال، وهو: خلق فعل الضلال في العبد، والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد، هذا هو الحقيقة عند أهل السنّة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله؟ والجواب: أن معنى خلق الضلال... إلخ: تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه، لم يختر سوى الكفر والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال، بعد أن بين الله لكل واحد الخير والشر، والحسن والقبيح، كما قال الله : ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. الإعراب: ﴿وَيَقُولُ﴾: الواو: حرف استئناف. (يقول): مضارع. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان به. ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ..﴾.: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يُضِلُّ﴾: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يضل الذي، أو شخصا يشاء الله إضلاله، وجملة: ﴿يُضِلُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾: أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه تعالى، أو بذكر رحمته، بعد القلق من خشيته، أو بذكر دلائله، الدالة على وجوده ووحدانيته، أو بكلامه، يعني: القرآن الذي هو أقوى المعجزات. انتهى. بيضاوي. وقيل: تطمئن بوعده، أو تطمئن بذكر

стр. 2829

فضله، وإنعامه، كما توجل بذكر عدله وانتقامه وقضائه، وقال ابن عباس-﵄-هذا في الحلف، وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء؛ سكنت قلوب المؤمنين إليه. ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: تسكن قلوب المؤمنين، ويستقر اليقين فيها، بسبب ذكر الله تعالى. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الأنفال) في الآية رقم [٢] أن قلوب المؤمنين توجل من ذكر الله تعالى، وذكر هنا أن قلوبهم تطمئن وتسكن لذكره تعالى!؟ والجواب: أن الوجل إنما يكون عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب، وهذا مقام الخوف والرجاء، وقد جمعا في آية الزمر: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ والمعنى: تقشعر جلودهم من ذكر عقاب الله ووعيده، ثم تلين وتطمئن جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله ورجاء ثوابه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿مَنْ أَنابَ﴾ أو عطف بيان عليه، أو هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: أمدح ونحوه، وأجيز اعتباره مبتدأ خبره الموصول في الآية التالية، كما أجيز اعتباره خبر مبتدأ محذوف، وهذان الوجهان ضعيفان جدا، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، واعتبارها حالا لا يجوز إلا على تقدير مبتدأ قبلها، أي: وهم تطمئن قلوبهم، والضعف يظهر على الاعتبارين، وأرى، بل وأعتمد وأرجح أن الواو صلة، وعليه فالجملة تحتمل وجهين في محل رفع خبر الذين على اعتباره مبتدأ، وفي محل نصب حال على اعتباره بدلا مما قبله، أو على اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، وزيادة الواو قيل بها في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وخذ قول ابن الذئبة ربيعة بن عبد ياليل: [الطويل] فما بال من أسعى لأجبر عظمه... حفاظا، وينوي من سفاهته كسري؟ إذا الأصل (ينوي) وفي الآيات الكريمة جملة: (ناديناه) جواب لما كما هو ظاهر. هذا؛ ومثلها الآية رقم [٢٥] من سورة (الحج)، والجملة: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار الموصول مبتدأ، ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿بِذِكْرِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وجوز أبو البقاء اعتبارهما مفعولا به للفعل بعدهما، كما جوز تعليقهما بمحذوف حال من القلوب، وكلاهما ضعيفان. ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان،

стр. 2830

والعمل بالأركان، أي: الجوارح، وانظر زيادته ونقصه في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال). ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلافها وتفاوت درجاتها ومراتبها. ﴿طُوبى﴾: اختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة، فقال ابن عباس-﵄-فرح لهم وقرة عين، وقال عكرمة: نعمى لهم، وقال الزجاج: طوبى من الطيب، وقيل: تأويلها الحال المستطابة لهم، وهو كل ما استطابه هؤلاء في الجنة، من بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وقيل: غير ذلك، وقيل: هي شجرة في الجنة، ويؤيده ما رواه سهل بن سعد-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها». متفق عليه، وفي رواية عن أبي سعيد الخدري تشبه رواية سهل، وزاد البخاري في رواية عن أبي هريرة: «واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ»﴾. و ﴿طُوبى﴾ مصدر كبشرى ورجعى وزلفى، والأصل «طيبى» فقلبت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها، كما قالوا: موسر وموقن، والأصل ميسر وميقن. قال الأزهري: طوبى لك، وطوباك لحن، لا تقوله العرب، وهو قول أكثر النحويين، وقال الأخفش: من العرب من يضيفها، فيقول: طوباك، وقال الشهاب الخفاجي ما حاصله: إن اللام مقدرة في طوباك، والمقدر في حكم الملفوظ، فلا يعد خطأ، وفي مغني اللبيب لابن المعتز قوله: [البسيط] يا نفس صبرا، لعلّ الخير عقباك... خانتك بعد لذيذ العيش عيناك مرّت بنا سحرا طير، فقلت لها... طوباك يا ليتني إيّاك طوباك ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: مرجع، يقرأ بضم النون وفتحها بسبب عطفه على ما قبله، والإضافة ل: ﴿مَآبٍ﴾ قراءتان سبعيتان، ويقرأ شاذا بفتح النون، ورفع (مآب) و (حسن) على هذا فعل ماض، نقلت ضمة سينه إلى الحاء، وهذا جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم. انتهى. عكبري. تنبيه: عطف العمل الصالح على الإيمان يسمى في فن البديع احتراسا، وهو يفيد: أن الإيمان وحدة قد لا يكفي بدون عمل صالح، ومن قرأ القرآن بتدبر وتفهم يجد العمل الصالح معطوفا على الإيمان في كثير من الآيات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٢] من سورة (الحجر) باختصار، وما ذكرته في رسالة الحج والحجاج بإسهاب وإطناب، وإلى الله المرجع والمآب. الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿طُوبى﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ وساغ الابتداء بها لما فيها من معنى الدعاء، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وأجيز

стр. 2831

اعتبار ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من قوله: ﴿مَنْ أَنابَ﴾ وعليه يكون ﴿طُوبى﴾ منصوبا بفعل محذوف، تقديره: جعل طوبى لهم، كما قيل: ﴿طُوبى﴾ خبر لمبتدإ محذوف، وعليهما فاللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان مثل سقيا لك، ورعيا لك، أو هو منصوب على الحال، وعليه يكون ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين ب: ﴿طُوبى﴾ و ﴿حُسْنُ مَآبٍ﴾ انظر أوجه القراءات في الشرح، والإعراب يتغير تبعا لها. ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ أي: إرسالك يا محمد إلى قومك كائن مثل إرسال الرسل السابقين إلى أممهم. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أي: مضت أمم كثيرة قبل الأمة التي أرسلت إليها. ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي: لتقرأ على أهل مكة القرآن الذي أنزل إليك بواسطة جبريل. ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ أي: لا يؤمنون بالبليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء. ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي: متولي أموري، وخالقي، ورازقي. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾: لا إله موجود في هذا الكون إلا الله. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: اعتمدت ووثقت به. ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ أي: مرجعي ومصيري إلى الله تعالى. قال مقاتل وابن جريج: نزلت الآية الكريمة في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال النبي ﷺ لعلي-﵁ «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة-يعنون: مسيلمة الكذاب-اكتب باسمك اللهم، وهكذا كان الجاهليون يكتبون، فقال النبي ﷺ لعلي-كرم الله وجهه-: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله». فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله، ثم قاتلناك، وصددناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فقال أصحاب الرسول ﷺ : دعنا نقاتلهم، فقال: «لا، ولكن اكتب ما يريدون». فنزلت. وقال ابن عباس-﵄: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ : «اسجدوا للرحمن». قالوا: وما الرحمن؟ وقيل: سمع أبو جهل رسول الله ﷺ يدعو في الحجر، ويقول: «يا الله يا رحمان». فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا..﴾ .. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أرسلناك في أمة إرسالا كائنا مثل إرسال الرسل من قبلك لأممهم، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الحال والشأن كما أرسلناك... إلخ، واللام

стр. 2832

للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَرْسَلْناكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿فِي أُمَّةٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أُمَمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و (ها): في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على ﴿أُمَّةٍ﴾ باعتبار لفظها، وقد عادت عليها الضمائر فيما يأتي جمعا باعتبار معناها. ﴿أُمَمٌ﴾: فاعل خلت، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿أُمَّةٍ﴾. ﴿لِتَتْلُوَا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أرسلنا). ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أوحيناه. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب ﴿عَلَيْهِمُ﴾ والرابط: الواو والضمير، وقيل: مستأنفة، وهو ضعيف، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿رَبِّي﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن): ﴿إِلهَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيها كونه بدلا من (لا) وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ هو، أو هي في محل رفع خبر ربي على اعتباره مبتدأ ثانيا، وتكون الجملة الاسمية: ﴿رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿هُوَ﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (إليه): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَتابِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 2833

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ أي: زعزعت الجبال عن مقارها لعظمة هذا القرآن وهيبته، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾: تصدعت من خشية الله عند قراءته، أو شققت فجعلت عيونا أو أنهارا. ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ أي: فتقرأه، أو فتسمع وتجيب عند قراءته، وجواب (لو) محذوف، اختلف في تقديره، فقال قوم: التقدير: ولو أن قرآنا فعل به كذا وكذا، لكان هذا القرآن، وإنما حذف اكتفاء بمعرفة السامع مراده، فهو كقول الشاعر: [الطويل] فأقسم لو شيء أتانا رسوله... سواك؛ ولكن لم نجد لك مدفعا أراد: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، وقال آخرون: جواب (لو) دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: ولو أن قرآنا سيرت... لكفروا به ولم يؤمنوا لما سبق في علمنا فيهم، وقد أظهر ما أضمر هنا في الآية رقم [١١١] من سورة (الأنعام)، وهي: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ ... ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ أي: هو المالك لجميع الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تطلبونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله. ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قال الكلبي: هو بمعنى: أفلم يعلم، وهي لغة النخع، وقيل: هي لغة هوازن، ويؤيده ما روي أن عليا وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين-رضوان الله عليهم أجمعين-قرءوا «(أفلم يتبين)» وهو تفسيره وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون، وقال الليث وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم، واستدلوا لهذا اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي: هو لمالك بن عوف النصري: [الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟ زهدم اسم فرس سحيم، وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييئس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟ ﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ أي: ولكنه لم يشأ لما سبق في علمه الأزلي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] وفي الآية رد على القدرية وغيرهم. ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما﴾

стр. 2834

﴿صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ أي: داهية تفزعهم وتقلقهم بسبب كفرهم، مرة بالجدب، ومرة بالسلب، ومرة بالقتل والأسر، كما حصل في غزوة بدر. ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ أي: تنزل القارعة والبلية قريبا من مكة دار المشركين، والمراد بذلك السرايا والبعوث التي كان الرسول ﷺ يبعثها إلى قبائل العرب حول مكة، فتقتل من المشركين، وتنهب من أموالهم ومواشيهم، وقيل: إن المراد أن النبي ﷺ قد حل بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية. ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ أي: الموت، أو فتح مكة، أو يوم القيامة لأن الله يجمعهم فيه، فيجازيهم بأعمالهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾: فيه تسلية للنبي ﷺ ، وتشجيع قلبه، وإزالة الحزن عنه، وتثبيته في الملمات. هذا؛ والوعد يستعمل في الخير وفي الشر، فإذا قلت: وعدت فلانا؛ من غير أن تتعرض لذكر الموعود به، كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به، كان ذلك شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلقته: [الطويل] وإنّي، وإن أوعدته، أو وعدته... لمخلف إيعادي، ومنجز موعدي وهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعد به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً،﴾ ومن الثاني قوله جل شأنه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وأنشدوا: [الطويل] إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما كما يستعمل (أوعد) فيهما أيضا، كقوله: (أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرا)، هذا؛ والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا، كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا، كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم. هذا؛ والثابت عند الأشاعرة أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما، وعند الماتريدية: لا يجوز، وأما الوعد فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا، دليل الأشاعرة قول النبي ﷺ : «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا، فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه». تنبيه: نزلت الآية الكريمة في نفر من قريش، منهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية كانوا خلف الكعبة، وأرسلوا خلف النبي ﷺ فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن سرك أن نتبعك، فسيّر جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى تنفتح عنا، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس الأشجار ونتخذ البساتين، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسير معه، أو سخرها لنا لنركبها إلى الشام لميرتنا، وحوائجنا ونرجع

стр. 2835

في يومنا، كما سخرت لسليمان، فلست كما زعمت بأهون على ربك من سليمان، أو أحي لنا جدك قصيا، أو من شئت من موتانا، لنسأله عن أمرك، أحق هو أو باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست كما زعمت بأهون على الله من عيسى، فأنزل الله الآية. الإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿قُرْآناً﴾: اسمها. ﴿سُيِّرَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجِبالُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ وجملة: ﴿قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، وكذا جملة: ﴿كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ معطوفة أيضا، فهي في محل رفع مثلها، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو ثبت تسيير الجبال، ونحوه، وقال سيبويه هو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: ولو تسيير الجبال ثابت أو واقع، وقول المبرد هو المرجح هنا؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، انظر تقديره في الشرح، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَمْرُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من الأمر مؤكدة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (فلم): الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَيْأَسِ﴾: مضارع مجزوم ب (لم). ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، ولو ومدخولها في محل رفع خبر (أن) والإعراب واضح لا خفاء فيه، و (أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَيْأَسِ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة محذوفة حسب ما تراه في الكلام على ﴿أَفَلَمْ،﴾ وعلى الوجهين فالكلام مستأنف لا محل لها. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَزالُ﴾: مضارع ناقص. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿تُصِيبُهُمْ﴾: مضارع، والهاء مفعول به. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء صنعوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصنعهم. ﴿قارِعَةٌ﴾: فاعل تصيبهم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿(لا يَزالُ)﴾ وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿تَحُلُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (قارعة) أو تقديره: «أنت» انظر

стр. 2836

الشرح. ﴿قَرِيباً﴾: صفة ظرف مكان محذوف، التقدير: مكانا قريبا متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْ دارِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿قَرِيباً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَحُلُّ..﴾. إلخ معطوفة أيضا على جملة: ﴿تُصِيبُهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» المضمرة. ﴿وَعْدُ﴾: فاعل، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَحُلُّ﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُخْلِفُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمِيعادَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾. إلخ تعليلية أو مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فيه تعزية وتسلية لسيد الرسل ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله له أسوة في ذلك الأنبياء الذين كانوا قبله، وتلك سنة متبعة في الأولين والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الله، وإلى الإصلاح والخير، إلا وقوبل بالاستهزاء والسخرية. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الإملاء أن يترك مدة طويلة من الزمان في دعة وأمن، واطمئنان، وقد يكون على سبيل الاستدراج، كما قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: يعني بالعذاب بعد الإمهال، فعذبتهم في الدنيا بالجدب والقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي: فكيف رأيت ما صنعت بالأمم السابقة من الإهلاك بعد الإمهال، فكذلك أصنع بقومك يا محمد؛ ليكونوا عبرة لمن يعتبر. الإعراب: ﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ﴾: في محل رفع نائب فاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة رسل، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (أمليت): فعل وفاعل. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (أمليت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: حرف استئناف.

стр. 2837

(كيف): اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿عِقابِ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وجملة: (كيف...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وهي مفيدة للتعجب. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة بقوله: ﴿وَلَقَدِ﴾ وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على إن الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به وبقاء حرف القسم، فالجواب: أن المقسم به قد حذف حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: وربّ الضّحى، وربّ السماء. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أي: حافظها، ورازقها، ورقيب عليها: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أي: بما عملت من خير أو شر، فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت، والجواب محذوف؛ إذ التقدير: كمن ليس بقائم، بل هو عاجز عن أي شيء، والمراد بذلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ أي: أصناما أشركوها مع الله في العبادة، والله سبحانه هو المستحق للعبادة وحده. ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: يا محمد قل لهؤلاء الجهلة الذين عبدوا الحجارة: صفوهم وتعرفوا حقيقتهم، ثم انظروا هل هذه الحجارة جديرة بالعبادة والتقديس والتعظيم، والمعنى على التهديد، فقد سموا بعض الأصنام اللاّت، والعزّى، ومناة وهبل... إلخ. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أفتخبرون الله بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم، أو بصفات لهم يستحقونها لا يعلمها، وهو العالم بكل شيء، ولو كان لعلمه. ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أم تسمون الأصنام آلهة بظاهر من القول، من غير حقيقة، واعتبار معنى، كتسمية كل زنجي كافورا، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز. انتهى.

стр. 2838

بيضاوي، وقيل: معناه: بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته، وقيل: معناه: بباطل من القول، ومنه قول الشاعر: [الطويل] أعيّرتنا ألبانها ولحومها... وذلك عار، يا ابن ريطة ظاهر أي: باطل، وقيل: كذب من القول. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄-زين لهم الشيطان الكفر، وإنما فسر المكر بالكفر؛ لأن مكرهم برسول الله ﷺ كفر منهم، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق، لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه، فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط، ولا يقدر على إضلال أحد، أو هدايته إلا الله تعالى، ويدل عليه آخر الآية. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: صرفوا عن سبيل الدين والرشد والهداية، ومنعوا من ذلك، والصاد المانع لهم هو الله تعالى، وقرئ «(صَدوا)» بالبناء للمعلوم، ويكون المعنى: صدوا غيرهم عن الإيمان بالله تعالى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي: من يضله الله ويبعده عن الإيمان فلن تجد له وليا مرشدا وهاديا إلى الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية [٢٩] بعد هذا انظر شرح النفس في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، وانظر إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] منها، فإعلال هاد مثله. الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام، الفاء: حرف عطف، أو هي حرف استئناف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هُوَ قائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان بقائم؛ لأنه اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾: مضاف إليه. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿قائِمٌ﴾ أيضا وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء كسبته، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبها، وخبر المبتدأ محذوف: التقدير: كمن ليس بقائم، وقد صرح به في الآية رقم [٢١] والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة على مثال ما رأيت في الآية [٢١] والكلام كله مستأنف لا محل له. (جعلوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، أو هما متعلقان بشركاء بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة: (جعلوا...) إلخ فيها أوجه: عطفها على جملة: ﴿كَسَبَتْ﴾ واعتبارها مستأنفة، واعتبارها حالا من المضمر المستتر بقائم، والرابط: الواو ولفظ الجلالة المصرح به، فأقيم الظاهر مقام المضمر تقريرا للإلهية، وتصريحا بها، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿اُسْتُهْزِئَ..﴾. إلخ فيكون ما بينهما اعتراضا، وهو أضعف الأوجه. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله

стр. 2839

مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَمُّوهُمْ﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف. ﴿تُنَبِّئُونَهُ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل مثل سابقتها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء لا يعلمه، وعلى اعتبار المصدرية، التقدير: بعدم علمه. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وجملة: ﴿تُنَبِّئُونَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿سَمُّوهُمْ﴾ وهو عند التحقيق عطف استفهام على متقدم في المعنى؛ لأن قوله ﴿سَمُّوهُمْ﴾ معناه ألهم أسماء الخالقين، أم تنبئونه إلخ، وقيل: المعنى قل لهم: أتنبئون الله بباطن لا يعلمه... إلخ، وقيل: إن الجملة الفعلية معطوفة على ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. ﴿بِظاهِرٍ﴾: معطوفان على ﴿بِما لا..﴾. إلخ من القول: متعلقان بظاهر. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مَكْرُهُمْ﴾: نائب فاعل والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وقرأ ابن عباس ومجاهد ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للفاعل، ونصب (مكرهم)، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، وجملة: ﴿زُيِّنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (صدوا): مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وقرئ بالبناء للفاعل، فيكون فعلا وفاعلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو مفعول به مقدم، ﴿يُضْلِلِ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم. ﴿اللهُ﴾: فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: يضلله الله. ﴿فَما﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَمَنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿هادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، وعلى اعتبارها مفعولا مقدما فتكون الجملة فعلية، وعلى الوجهين فالكلام مستأنف لا محل له. ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: للمشركين الصادين عذاب في الحياة الدنيا بالقتل، والسبي، والأسر، وغير ذلك من الأسقام والمصائب. ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾: أشد وأصعب لدوامه... ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾: من حافظ ومانع يمنعهم من عذابه، وانظر شرح (عذاب

стр. 2840

وسلام) في الآية رقم [٢٦]، هذا؛ وإعلال ﴿واقٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇. الإعراب: ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان ب ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَعَذابُ﴾: الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿أَشَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو هما متعلقان ب ﴿واقٍ﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿واقٍ﴾: مبتدأ مؤخر مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، و ﴿مِنَ﴾ حرف جر صلة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفة الجنة التي هي مثل في الغرابة، ووقوع المثل بمعنى الصفة موجود في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي وقوع المثل بمعنى الصفة، وقال: إنما معناه الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك، وقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وفي بعض الآيات ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي: بين أيديهم ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور والنزهة والفرجة، وانظر: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ في الآية رقم [٢٣] وانظر شرح الأنهار في الآية رقم [٣]. ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾: لا ينقطع ثمرها، كما جاء في أحاديث النبي ﷺ ، إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى. ﴿وَظِلُّها﴾ أي: دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس؛ لأنه لا يوجد في الجنة شمس ولا قمر، ولا ظلمة. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: الجنة الموصوفة مآل المتقين، ومقرهم، ومصيرهم. ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾: مآل الكافرين، والمجرمين النار وبئس القرار، وانظر شرح ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾ في الآية رقم [٢٤]. وفي ذكر (عقبى الفريقين): إطماع للمتقين. وتيئيس للكافرين من رحمة الله تعالى، وقد ذكرت المقابلة بين الإيمان والكفر، وبين المؤمنين والكافرين، وبين الطاعة والمعصية في الآية رقم [٢٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
следующие страницы →