← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

الشرح. ﴿قَرِيباً﴾: صفة ظرف مكان محذوف، التقدير: مكانا قريبا متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْ دارِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿قَرِيباً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَحُلُّ..﴾. إلخ معطوفة أيضا على جملة: ﴿تُصِيبُهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» المضمرة. ﴿وَعْدُ﴾: فاعل، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَحُلُّ﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُخْلِفُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمِيعادَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾. إلخ تعليلية أو مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فيه تعزية وتسلية لسيد الرسل ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله له أسوة في ذلك الأنبياء الذين كانوا قبله، وتلك سنة متبعة في الأولين والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الله، وإلى الإصلاح والخير، إلا وقوبل بالاستهزاء والسخرية. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الإملاء أن يترك مدة طويلة من الزمان في دعة وأمن، واطمئنان، وقد يكون على سبيل الاستدراج، كما قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: يعني بالعذاب بعد الإمهال، فعذبتهم في الدنيا بالجدب والقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي: فكيف رأيت ما صنعت بالأمم السابقة من الإهلاك بعد الإمهال، فكذلك أصنع بقومك يا محمد؛ ليكونوا عبرة لمن يعتبر. الإعراب: ﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ﴾: في محل رفع نائب فاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة رسل، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (أمليت): فعل وفاعل. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (أمليت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: حرف استئناف.

стр. 2837

(كيف): اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿عِقابِ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وجملة: (كيف...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وهي مفيدة للتعجب. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة بقوله: ﴿وَلَقَدِ﴾ وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على إن الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به وبقاء حرف القسم، فالجواب: أن المقسم به قد حذف حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: وربّ الضّحى، وربّ السماء. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أي: حافظها، ورازقها، ورقيب عليها: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أي: بما عملت من خير أو شر، فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت، والجواب محذوف؛ إذ التقدير: كمن ليس بقائم، بل هو عاجز عن أي شيء، والمراد بذلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ أي: أصناما أشركوها مع الله في العبادة، والله سبحانه هو المستحق للعبادة وحده. ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: يا محمد قل لهؤلاء الجهلة الذين عبدوا الحجارة: صفوهم وتعرفوا حقيقتهم، ثم انظروا هل هذه الحجارة جديرة بالعبادة والتقديس والتعظيم، والمعنى على التهديد، فقد سموا بعض الأصنام اللاّت، والعزّى، ومناة وهبل... إلخ. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أفتخبرون الله بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم، أو بصفات لهم يستحقونها لا يعلمها، وهو العالم بكل شيء، ولو كان لعلمه. ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أم تسمون الأصنام آلهة بظاهر من القول، من غير حقيقة، واعتبار معنى، كتسمية كل زنجي كافورا، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز. انتهى.

стр. 2838

بيضاوي، وقيل: معناه: بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته، وقيل: معناه: بباطل من القول، ومنه قول الشاعر: [الطويل] أعيّرتنا ألبانها ولحومها... وذلك عار، يا ابن ريطة ظاهر أي: باطل، وقيل: كذب من القول. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄-زين لهم الشيطان الكفر، وإنما فسر المكر بالكفر؛ لأن مكرهم برسول الله ﷺ كفر منهم، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق، لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه، فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط، ولا يقدر على إضلال أحد، أو هدايته إلا الله تعالى، ويدل عليه آخر الآية. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: صرفوا عن سبيل الدين والرشد والهداية، ومنعوا من ذلك، والصاد المانع لهم هو الله تعالى، وقرئ «(صَدوا)» بالبناء للمعلوم، ويكون المعنى: صدوا غيرهم عن الإيمان بالله تعالى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي: من يضله الله ويبعده عن الإيمان فلن تجد له وليا مرشدا وهاديا إلى الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية [٢٩] بعد هذا انظر شرح النفس في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، وانظر إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] منها، فإعلال هاد مثله. الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام، الفاء: حرف عطف، أو هي حرف استئناف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هُوَ قائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان بقائم؛ لأنه اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، و ﴿كُلِّ﴾: مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾: مضاف إليه. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿قائِمٌ﴾ أيضا وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء كسبته، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبها، وخبر المبتدأ محذوف: التقدير: كمن ليس بقائم، وقد صرح به في الآية رقم [٢١] والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة على مثال ما رأيت في الآية [٢١] والكلام كله مستأنف لا محل له. (جعلوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، أو هما متعلقان بشركاء بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة: (جعلوا...) إلخ فيها أوجه: عطفها على جملة: ﴿كَسَبَتْ﴾ واعتبارها مستأنفة، واعتبارها حالا من المضمر المستتر بقائم، والرابط: الواو ولفظ الجلالة المصرح به، فأقيم الظاهر مقام المضمر تقريرا للإلهية، وتصريحا بها، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿اُسْتُهْزِئَ..﴾. إلخ فيكون ما بينهما اعتراضا، وهو أضعف الأوجه. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله

стр. 2839

مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَمُّوهُمْ﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف. ﴿تُنَبِّئُونَهُ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل مثل سابقتها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء لا يعلمه، وعلى اعتبار المصدرية، التقدير: بعدم علمه. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وجملة: ﴿تُنَبِّئُونَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿سَمُّوهُمْ﴾ وهو عند التحقيق عطف استفهام على متقدم في المعنى؛ لأن قوله ﴿سَمُّوهُمْ﴾ معناه ألهم أسماء الخالقين، أم تنبئونه إلخ، وقيل: المعنى قل لهم: أتنبئون الله بباطن لا يعلمه... إلخ، وقيل: إن الجملة الفعلية معطوفة على ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. ﴿بِظاهِرٍ﴾: معطوفان على ﴿بِما لا..﴾. إلخ من القول: متعلقان بظاهر. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مَكْرُهُمْ﴾: نائب فاعل والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وقرأ ابن عباس ومجاهد ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للفاعل، ونصب (مكرهم)، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، وجملة: ﴿زُيِّنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (صدوا): مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وقرئ بالبناء للفاعل، فيكون فعلا وفاعلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو مفعول به مقدم، ﴿يُضْلِلِ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم. ﴿اللهُ﴾: فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: يضلله الله. ﴿فَما﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَمَنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿هادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، وعلى اعتبارها مفعولا مقدما فتكون الجملة فعلية، وعلى الوجهين فالكلام مستأنف لا محل له. ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: للمشركين الصادين عذاب في الحياة الدنيا بالقتل، والسبي، والأسر، وغير ذلك من الأسقام والمصائب. ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾: أشد وأصعب لدوامه... ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾: من حافظ ومانع يمنعهم من عذابه، وانظر شرح (عذاب

стр. 2840

وسلام) في الآية رقم [٢٦]، هذا؛ وإعلال ﴿واقٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇. الإعراب: ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان ب ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَعَذابُ﴾: الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿أَشَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو هما متعلقان ب ﴿واقٍ﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿واقٍ﴾: مبتدأ مؤخر مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، و ﴿مِنَ﴾ حرف جر صلة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفة الجنة التي هي مثل في الغرابة، ووقوع المثل بمعنى الصفة موجود في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي وقوع المثل بمعنى الصفة، وقال: إنما معناه الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك، وقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وفي بعض الآيات ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي: بين أيديهم ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور والنزهة والفرجة، وانظر: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ في الآية رقم [٢٣] وانظر شرح الأنهار في الآية رقم [٣]. ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾: لا ينقطع ثمرها، كما جاء في أحاديث النبي ﷺ ، إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى. ﴿وَظِلُّها﴾ أي: دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس؛ لأنه لا يوجد في الجنة شمس ولا قمر، ولا ظلمة. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: الجنة الموصوفة مآل المتقين، ومقرهم، ومصيرهم. ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾: مآل الكافرين، والمجرمين النار وبئس القرار، وانظر شرح ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾ في الآية رقم [٢٤]. وفي ذكر (عقبى الفريقين): إطماع للمتقين. وتيئيس للكافرين من رحمة الله تعالى، وقد ذكرت المقابلة بين الإيمان والكفر، وبين المؤمنين والكافرين، وبين الطاعة والمعصية في الآية رقم [٢٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 2841

الإعراب: ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، اختلف في خبره، فقال سيبويه: محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم مثل الجنة. وقال الخليل: خبره جملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ أي: صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، كقولك: قولي يقوم زيد، وانظر الشرح، وقال الفراء: المثل مقحم للتأكيد، والمعنى: الجنة التي وعد... إلخ، والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل، وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، و ﴿مَثَلُ﴾: مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة الجنة. ﴿وُعِدَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول؛ إذ التقدير: التي وعدها المتقون. ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الجنة، وهذان الاعتباران إنما هما على رأي: سيبويه، وهي في محل رفع خبر المبتدأ على رأي: الخليل والفراء مع اختلاف تقديرهما. تأمل. ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، و (ها): في محل جر بالإضافة، ويجوز في الجملة الاسمية ما جاز في الجملة الفعلية قبلها من الاعتبارات. (ظلها): مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة خبر الأول عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عُقْبَى﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿عُقْبَى﴾: مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّقَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (عقبى): مبتدأ مرفوع... إلخ، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿النّارُ﴾: خبر المبتدأ، أو ﴿النّارُ﴾: مبتدأ مؤخر، و (عقبى) خبر مقدم لمناسبة الأول، ولعله أقوى، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ..﴾. إلخ: المراد بهم الذين أسلموا من اليهود، كعبد الله بن سلام، وأصحابه، ومن آمن من النصارى، وهم ثمانون رجلا: أربعون من نجران، وثمانية من اليمن، واثنان وثلاثون من الحبشة، أو عامتهم فإنهم يفرحون بما يوافق كتبهم،

стр. 2842

والمعتمد الأول، وقيل: هم أصحاب محمد ﷺ يفرحون بنور القرآن، قاله قتادة، ومجاهد، وابن زيد، والمعتمد الأول، ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: كفرة اليهود والنصارى الذين تحزبوا على عداوة رسول الله ﷺ ككعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب وأشياعهما من نصارى نجران ومن لف لفهم من مشركي العرب، وهؤلاء كانوا ينكرون بعض ما في القرآن؛ أي: الذي لا يوافق هواهم، وقيل: إن كفار قريش كانوا ينكرون لفظ (الرحمن) من أسماء الله تعالى، ولا ينكرون لفظ الجلالة (الله) وانظر ما ذكرته لك في الآية رقم [٣٢] هذا؛ والأحزاب جمع حزب، وهو في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، أي: أهمه. ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾: هذا جواب للمنكرين بعض القرآن، والمعنى: قل: يا محمد لهؤلاء: إني أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله، وأوحده، وهو العمدة في الدين، ولا سبيل لكم إلى إنكاره، وأما ما تنكرونه من القرآن مما يخالف هواكم، ويخالف شريعتكم، فليس هذا ببدع ولا بغريب؛ لأنه لا بد أن تخالف بعض الشرائع بعضها حسب مقتضيات الأحوال، وتطور الأزمان. ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ أي: أدعو الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده. ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي: إلى الله مرجعي في أموري كلها، وأيضا إلى الله مرجعي يوم القيامة، فهو الذي يحكم بيني وبينكم بالحق، وهو خير الحاكمين. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف استئناف، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول. ﴿الْكِتابَ﴾: مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿يَفْرَحُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها، التقدير: يفرحون بالذي، أو بشيء أنزل إليك، والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ صلة ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، هذا هو الإعراب الظاهر، ولا أعتمده وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] من سورة (التوبة) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أُمِرْتُ﴾: ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللهَ..﴾. في محل نصب مفعول به ثان لأمر؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر، كما هو

стр. 2843

معروف، فإن قدرت المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، فيكون الجار والمجرور متعلقين بالفعل (أمرت) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿أُشْرِكَ﴾: معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقرئ الفعل ﴿أُشْرِكَ﴾ بالرفع، فتكون الجملة الفعلية مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿أَدْعُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿أَدْعُوا﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط. (إليه): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَآبِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، وهذه تقوي الحالية. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾: الضمير للقرآن. ﴿حُكْماً عَرَبِيًّا﴾: وتقدير الكلام: كما أنزلنا الكتب على الرسل السابقين بلغاتهم ولسانهم أنزلنا عليك يا محمد القرآن عربيا بلسانك ولسان قومك، وإنما سمي القرآن حكما لأن فيه جميع التكاليف والأحكام وتبيين الحلال والحرام، والنقض والإبرام، وتوضيح النافع من الضار، وتمييز الحسن من القبيح، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇ تجد ما يسرك. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما﴾ أي: فيما يدعونك إليه من تقرير دينهم، والصلاة إلى قبلتهم بعد أن حولت عنها من بعد ما عرفت أنك على الحق وقبلتك الكعبة هي المفضلة على جميع الاتجاهات، وقيل: الداعي له هم المشركون، فقد دعوه إلى أشياء كثيرة فيها مجاملة، ومداهنة، وقد نهاه الله عن متابعة أهوائهم، وما في الآية إنما هو على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن من المحال أن يتبع الرسول ﷺ أهواء الزائغين من اليهود والنصارى والمشركين. ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ أي: ليس لك نصير ولا حافظ يمنعك من عذاب الله وعقابه، إن اتبعت أهواء الضالين المضلين، ففيه قطع لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم، وانظر شرح الهوى في الآية رقم [٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇.

стр. 2844

الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أنزلناه حكما عربيا إنزالا كائنا مثل إنزال الكتب بلغة الرسل والأمم التي أنزلت عليهم قبلك يا محمد، وانظر إعراب (كذلك) مفصلا في الآية رقم [٣٢] ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿حُكْماً﴾: حال من الضمير المنصوب. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿وَلَئِنِ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، أي: دالة عليه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتَ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْدَ ما﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و (بعد) مضاف، و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ما، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل (جاء) المستتر العائد إلى (ما)، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿حُكْماً﴾ وجملة: ﴿جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّبَعْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿حُكْماً﴾: نافية. ﴿كَذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف نفسه، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنَ﴾: حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأجيز اعتبار (ما) حجازية، وهو ضعيف هنا بسبب عطف ما بعده عليه، ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿واقٍ﴾: معطوف على ما قبله مجرور تبعا للفظه، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للقسم المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة التي رأيت شرحها في الآية رقم [١٤] من سورة (يوسف) ﵇، والكلام ﴿وَلَئِنِ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ﴾: روي: أن اليهود، وقيل: المشركين عابوا على النبي ﷺ الزواج، وعيروه بذلك، وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا؛ لكان مشتغلا بالنبوة، والزهد وترك الدنيا، فأنزل الله هذه الآية التي تبين: أن من سنّة المرسلين الزواج، وكان لهم ذرية، فقد كان لسليمان ﵇ ثلاثمائة امرأة حرة، وسبعمائة سرية، وكان لأبيه داود ﵇ مائة امرأة، فلم يقدح ذلك في نبوتهما. ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً﴾

стр. 2845

وَذُرِّيَّةً أي: جعلناهم بشرا يتمتعون بما أحل الله لهم من شهوات الدنيا، وإنما خصوا بنزول الوحي عليهم. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾: هذا جواب لعبد الله بن أبي أمية وغيره من المشركين الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات، واقترحوا عليه أن يريهم المعجزات، كما رأيت في الآية رقم [٣١]. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي: لكل حدث يحدث وقت معين لا يتخطاه، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: لكل كتاب أجل، أي: لكل أمر كتبه الله تعالى أجل مؤجل، ووقت معلوم محتم، لا يتأخر عنه، ولا يتقدم. هذا؛ والرسول ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر به فهو نبي، هذا؛ والنبي مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنه يخبر عن ربه فيما أوحي إليه، وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق، وانظر عدد الأنبياء والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٨٦] من سورة (الأنعام)، هذا؛ والنبي يجمع جمع مذكر سالما، وجمع تكسير، وأما الرسول فلا يجمع إلا جمع تكسير: (رسل) بضم الراء والسين، ويجوز تسكينها، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل عسر، ويسر، ورحم، وحلم، وأسد. ﴿اللهِ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأوقات عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال. تنبيه: هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه، وتنهى عن التبتل، وهو ترك الزواج، وهذه سنة المرسلين، كما نصت عليه هذه الآية، والأحاديث الشريفة واردة بمعناها، قال الرسول ﷺ : «تزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم». وعن معقل بن يسار-﵁-قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال، إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثمّ أتاه الثانية، فقال له مثل ذلك، ثمّ أتاه الثالثة فقال له: «تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم». رواه أبو داود، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٠] من سورة (المائدة) بشأن الذين أرادوا التبتل، والانقطاع للآخرة. وقد روي عن عمر بن الخطاب-﵁: أنه كان يقول: إني لأتزوج المرأة، وما لي فيها من حاجة، وأطؤها وما أشتهيها، قيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟! قال: حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي ﷺ النبيين يوم القيامة، وإني سمعته يقول: «عليكم بالأبكار، فإنّهنّ أعذب أفواها، وأحسن أخلاقا، وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير، وإنّي

стр. 2846

مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». انتهى. قرطبي. وفسر (أرضى باليسير) بأحد شيئين: الجماع، أو النفقة، أو بهما معا. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ انظر إعراب: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ في الآية رقم [٣٢] ففيه الكفاية. ﴿رُسُلاً﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلاً﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، والأول أقوى، والكاف في محل جر بالإضافة. (جعلنا): ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿أَزْواجاً﴾: مفعول به. ﴿وَذُرِّيَّةً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: (جعلنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف، (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِرَسُولٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَأْتِيَ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والأول أقوى؛ لأنه يفيد الحصر، و (إذن): مضاف، و ﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿(ما كانَ...)﴾ إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِكُلِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (كل): مضاف، و ﴿أَجَلٍ﴾: مضاف إليه، ﴿كِتابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للنفي لا محل لها من الإعراب. ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قال النحاس: وحدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس-﵄ يقول: يبدل الله من القرآن ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وقيل: المعنى يمحو سيئات التائب، ويثبت الحسنات مكانها، وقيل: يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء، ويترك غيره مثبتا، أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه، وقيل: يمحو قرنا، ويثبت آخر، وقيل: يمحو الفاسدات، ويثبت الكائنات، وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء: الخلق، والخلق، والأجل، والرزق، والسعادة والشقاوة، وقال ابن عمر-﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ السعادة والشقاوة والموت». بعد هذا أذكر: أنه يوجد قضاء معلق، وقضاء مبرم، فالمحو يكون في القضاء المعلق، والمبرم لا يكون فيه محو، والقضاء المعلق هو الذي يطلع الله عليه الملائكة، ويقول لهم: إن فعل فلان كذا، أو كذا من أعمال البر، والخير، فرزقه كذا، وإذا لم يفعل؛ فرزقه كذا، وفلان عمره أربعون سنة مثلا، فإن وصل رحمه وعمل كذا وكذا من أعمال البر والخير؛ فزيدوه إلى

стр. 2847

خمسين، أو إلى ستين مثلا، وإن لم يصل رحمه؛ فعمره أربعون فقط، ثم إن سبق في علم الله الأزلي بأن رزقه كذا يوفقه لعمل الخير لينال الزيادة في الرزق والعمر، وإن لم يسبق في علم الله الأزلي بأن له كذا فلا يوفقه لعمل الخير، وهذا أحد تفسيرين لقول الرسول ﷺ : «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة ﵁. وفي القرطبي: وقيل لابن عباس-﵄-لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله أنه قال: «من أحبّ أن يمدّ الله في عمره وأجله، ويبسط له في رزقه فليتّق الله؛ وليصل رحمه». كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني، من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلا الله، فإذا اتقى العبد، ووصل رحمه؛ زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه؛ نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البرزخ، فإذا تحتم الأجل في علمه السابق، امتنع الزيادة والنقصان، لقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فتوافق الخبر والآية، وهذه زيادة في نفس العمر، وذات الأجل على ظاهر اللفظ في اختيار حبر الأمة، والله أعلم انتهى بحروفه. هذا؛ ولا يفوتني أن أقول: إن الزيادة في الرزق والعمر، إنما تكون بالبركة، وهذا ملموس في واقعنا، وتفسيره بأن الله يوفق واصل رحمه للعمل الصالح، وطاعة الله وامتثال أوامره، فيسجل في صحيفته حسنات في ثلاثين سنة أكثر مما يسجله غيره في ثمانين سنة أو أكثر. هذا؛ والأم: أصل الشيء، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا، ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة المكرمة، ومنه: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أي: إنه ساقط على أم رأسه في الهاوية، أي: إنهم يهوون في النار على رءوسهم. الإعراب: ﴿يَمْحُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يمحو الله الذي، أو شيئا يشاء محوه، (يثبت): مضارع معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمفعول محذوف، التقدير: يثبته، وقرئ بتشديد الباء، والجملة الفعلية: ﴿يَمْحُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أُمُّ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿أُمُّ﴾: مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل (يثبت) فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.

стр. 2848

﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾: الخطاب للرسول ﷺ . ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: من العذاب في الدنيا، وقد مر كثير من التهديد والوعيد للكفار. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: نميتك قبل أن نريك ما نعدهم به من العذاب. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة، وليس عليك شيء من حسابهم، و ﴿الْبَلاغُ﴾ اسم أقيم مقام التبليغ مثل ﴿سَلامٌ﴾ في الآية رقم [٢٤] ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ أي: حسابهم علينا، فنحن نجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇. الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إما): هي إن الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. ﴿نُرِيَنَّكَ﴾: مضارع فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿بَعْضَ﴾: مفعول به ثان، والفاعل بصري وقد تعدى إلى المفعول الثاني بهمزة التعدية؛ لأنه من الرباعي، و ﴿بَعْضَ﴾: مضاف، و ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: نعدهم إياه، والجملة الفعلية: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذاك شافيك من أعدائك. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه وفي محل جملته، ويقدر له جواب ب: فلا تقصير منك، ولا لوم عليك. وانظر الآية رقم [٤٦] من سورة (يونس) ﵇، ﴿فَإِنَّما﴾: الفاء: حرف تعليل. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وتقديمهما أفاد القصر والحصر. ﴿الْبَلاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط الثاني المحذوف. (علينا): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحِسابُ﴾: مؤخر مبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾: المعنى: أولم ير كفار مكة أنا نأتي الأرض، فنفتحها لمحمد ﷺ أرضا بعد أرض حوالي أراضيهم، أفلا يعتبرون فيتعظون، ومعنى نقصان الأرض: فتح بلاد الشرك، فإن ما زاد في دار الإسلام فقد نقص في دار الشرك، وهذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين، وقيل: نقصان الأرض: موت علمائها،

стр. 2849

وصلحائها، وقيل: موت الأشراف من أحبار اليهود والنصارى، وقيل: هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها، وعن عطاء: هو ذهاب فقهائها، وخيار أهلها، وقيل: المراد بالنقصان: نقصان بركاتها وثمارها. ٧٤٤ وأعتمد الأول من هذه الأقوال؛ لأن الكلام مع كفار قريش، وهم المقصودون بهذا الكلام، ففيه تهديد ووعيد لهم، لعلهم يعتبرون، فيتعظون بما يرون من استيلاء المسلمين على أرض الشرك، من خيبر، وفدك، ومساكن بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وهذا على أن الآية مدنية، وأطراف: جمع طرف بفتح الطاء والراء، وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) ﵇ تجد ما يسرك. ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي: لا راد لحكمه، ولا ناقض لقضائه، والمعقب: هو الذي يعقب غيره بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقب؛ لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب، ومحصله: أنه سبحانه حكم للإسلام بالإقبال، وحكم على الكفر بالإدبار، وهو سريع الحساب، فيحاسبهم بعد زمن قليل في الآخرة، بعد ما عذبهم بالقتل، وأخرجهم من ديارهم في الدنيا، فلا تستبطئ عقابهم، فإنه آت لا محالة، وكل آت قريب، انتهى جمل. وفي القرطبي: سريع الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمنين، وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى روية قلب، ولا عقد بنان. انتهى. و ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، وصف سبحانه نفسه بسرعة الحساب مع ما ذكر ليدل بذلك على كمال قدرته؛ لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج إلى آلة، ولا أمارة، ولا مساعد، فلا جرم كان قادرا أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمحة. تنبيه: في الآية الكريمة التفات من التكلم إلى الغيبة، كما يكون من الغيبة إلى التكلم، وإلى الخطاب، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، وقد نبهت على ذلك فيما مضى، كما أنبه عليه في محاله الآتية، إن شاء الله تعالى، وله فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. انتهى. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف على محذوف مقدر، أو هي حرف استئناف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَرَوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَأْتِي﴾: مضارع

стр. 2850

مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به. ﴿نَنْقُصُها﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به. ﴿مِنْ أَطْرافِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿نَنْقُصُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَأْتِي،﴾ أو من الأرض، والرابط على الاعتبارين الضمير، وجملة: ﴿نَأْتِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ألم ينظروا في ذلك، ولم يروا... إلخ، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿مُعَقِّبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِحُكْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿لا مُعَقِّبَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل يحكم المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَهُوَ﴾: الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿سَرِيعُ﴾: خبره، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: سريع حسابه، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَحْكُمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، وعلى الأول فهو من تعدد الحال، وهو جملة. ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل مشركي قريش من الأمم الماضية الذين مكروا بأنبيائهم، والمكر: الاحتيال والتدبير في إيصال المكروه والضر للإنسان من حيث لا يشعر، كما مكر نمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، ومكر كفار قريش هو ما بيتوه في ليلة الهجرة، من قتل النبي ﷺ ، أو حبسه، أو نفيه من مكة. ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ أي: عنده تعالى جزاء مكرهم، فهو يعاقبهم عليه. وقال الواحدي: يعني جميع مكر الماكرين له، ومنه، أي: هو من خلقه وإرادته، فالخير والشر بيده، وإليه النفع والضر، هذا؛ والله منزه عن المكر بالمعنى الأول، واستعمال العقاب والجزاء بلفظ المكر، إنما هو من باب المشاكلة، وقد مر معنا كثير من هذا، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال). ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: جميع أعمال العباد وتأثيراتها معلومة لله تعالى، وهو خالقها.

стр. 2851

فيجازي عليها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾: يقرأ بالجمع على أن المراد بهم جماعة المستهزءين بالنبي ﷺ ، وهم خمسة نفر من كفار مكة، ويقرأ بالإفراد على أن المراد به أبو جهل الخبيث. ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي: العاقبة المحمودة، فلا ريب أن المحمودة للمؤمنين، والمذمومة في الدنيا والآخرة للمشركين حين يدخلون جهنم، وبئس المصير. هذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان، وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات، دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. الإعراب: ﴿وَقَدْ﴾: الواو: حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَرَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا من واو الجماعة فيه بعد. ﴿فَلِلّهِ﴾: الفاء: هي الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَكْرُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعاً﴾: حال من ﴿الْمَكْرُ﴾ إذ المراد أنواع المكر، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف، والجملة الاسمية (لله...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب «إذا» التقدير: وإذا كان قد حصل ذلك منهم فلله... إلخ، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تكسبه كل نفس، وعلى الثالث تؤول ﴿ما﴾ مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم كسب كل نفس، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: رجوع الفاعل إليها، والاستئناف ممكن، وفيها معنى التفسير لمكر الله تعالى. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾: الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾: مضارع وفاعله. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (من) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿عُقْبَى﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر،

стр. 2852

و ﴿عُقْبَى﴾: مضاف، و ﴿الدّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿لِمَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل (يعلم) والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها على اعتبارها مستأنفة. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المراد بهم مشركو العرب، وقيل: المراد بهم رؤساء اليهود. ﴿لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ أي: من عند الله، بل أنت متقول، وإنما قالوا للنبي ﷺ ذلك حين لم يأتهم بما اقترحوا عليه من المعجزات والآيات. ﴿قُلْ﴾: أي: قل لهم يا محمد. ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: المراد بشهادة الله على نبوة محمد ﷺ ما أظهر على يديه من المعجزات الباهرات، والآيات القاهرة الدالة على صدقه، وأعظمها القرآن الكريم؛ الذي أسكت فصحاءهم، وأخرس بلغاءهم، وتحداهم بأن يأتوا بمثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك، بل هم أعجز وأعجز. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ أي: ومن عنده علم الكتاب يشهد على نبوتك وصدقها، وهذا احتجاج على مشركي العرب؛ لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب أي: من آمن منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري، والنجاشي وأصحابه، قاله قتادة وسعيد بن جبير، ورد هذا بأن السورة مكية، وهؤلاء إنما أسلموا بالمدينة. أقول: وهذا يصح على القول إن السورة مدنية، وهو لا غبار عليه، وانظر ما ذكرته في أول السورة. وقيل: المراد به جبريل ﵇، وهو ضعيف؛ لأن جبريل لا تمكن شهادته ورؤيته، وقيل: المراد به المؤمنون من هذه الأمة، وهو ضعيف؛ لأن الكفار لا يقبلون شهادة المؤمنين، هذا؛ وقرئ: ﴿(وَمَنْ عِنْدَهُ)﴾ بكسر الميم والدال فيكون المعنى: ومن عند الله علم الكتاب، أي: القرآن، كما قرئ: ﴿(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)﴾ بكسر الميم، وضم العين في (علم) على أنه ماض بالبناء للمجهول، وهو بمعنى سابقه. ﴿لَسْتَ﴾: حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين؛ إذ أصله ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك، سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار لست. ﴿كَفى﴾: هذا الفعل بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى وأغنى، فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا

стр. 2853

لمفعولين كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾. (بين): ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، هذا؛ والبين: الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير ﵁: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول الإعراب: ﴿وَيَقُولُ﴾: يقول: مضارع. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿لَسْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء، اسمه. ﴿مُرْسَلاً﴾: خبر ليس، والجملة: ﴿لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (يقول...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿بِاللهِ﴾: الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿شَهِيداً﴾: تمييز، ويقال: حال. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف مكان متعلق بشهيد منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على لفظ الجلالة، ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿عِنْدَهُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، هذا؛ وعلى القراءة بكسر الميم والعين فيكون جارا ومجرورا متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و (علم) مبتدأ مؤخر، وعلى القراءة الثالثة فعلم مبني للمجهول، والكتاب نائب فاعله، ويكون من عنده متعلقين بالفعل بعدهما، وعليه فالجملة فعلية، وهي صلة الموصول، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على الهادي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الرعد) بحمد الله وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2854

سورة ابراهيم على نبينا وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وأزكى سلام وهي مكية سوى آيتين، وهما قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً..﴾. إلخ وهي اثنتان وخمسون آية، وثمانمائة، وإحدى وستون كلمة، وثلاثة آلاف، وأربعمائة، وأربعة وثلاثون حرفا. تنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وأزكى سلام، وانظر شرح: ﴿الر﴾ وإعرابها في أول سورة (يونس) ﵇. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ الشرح: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا الكتاب أنزلناه إليك يا محمد، والمراد به: القرآن الكريم، وانظر شرح: ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: لتنقذ الناس بهذا القرآن من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الهدى والحق، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الرعد). ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ:﴾ بتوفيقه، وتسهيله، فهو مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب، وأضيف الفعل إلى النبي ﷺ ؛ لأنه الداعي، والمنذر الهادي. ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى دين الإسلام. هذا والصراط في الأصل: الطريق، استعير لدين الإسلام في كثير من الآيات، وهو يذكر، ويؤنث، والأول أكثر، و ﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي الغالب الذي لا يغلب، و ﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال. الإعراب: ﴿كِتابٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أو هذا كتاب، أو هذا القرآن كتاب، وهناك وجه آخر: وهو اعتبار ﴿الر﴾ مبتدأ وكتاب خبره، ونظيره الآية رقم [١] من سورة (الأعراف). ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة كتاب. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لِتُخْرِجَ:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام

стр. 2855

التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا). ﴿مِنَ الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل: (تخرج). ﴿إِلَى النُّورِ:﴾ متعلقان به أيضا، ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله، أو من مفعوله وتقدير الأول: مأذونا لك، وتقدير الثاني: مأذونا لهم، و (إذن): مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلى صِراطِ:﴾ الجار والمجرور بدل من ﴿إِلَى النُّورِ﴾ وأجاز الزمخشري الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي نور، فقيل: ﴿إِلى صِراطِ..﴾. إلخ، و ﴿صِراطِ:﴾ مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَمِيدِ:﴾ بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾ أو عطف بيان عليه، وقيل: نعت له، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى، والاسم لا يوصف بالاسم. ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾ الشرح: ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٠] من سورة (الرعد). ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، واختراعا. هذا؛ وإطلاق ﴿ما﴾ على ما ذكر فيه تغليب، لأن فيه كثيرا من العقلاء. هذا؛ وفي الكلام تهديد، ووعيد لمن ترك عبادة من يستحق العبادة، وعبدوا من لا يملك شيئا في السموات والأرض، بل هو مملوك لله؛ لأنه من جملة ما خلق في هذا الكون. هذا ﴿(وَيْلٌ):﴾ كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة العذاب والهلاك. وقال ابن عباس-﵄-الويل: شدة العذاب، وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا، قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل: مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه وعينه معتلتان، ومثله ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع، وقيل: يجمع على ويلات بدليل قول امرئ القيس: [الطويل] ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي وإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا. هذا؛ و ﴿(وَيْلٌ):﴾ نقيض الوأل، وهو النجاة. أقول: وقد ينادى الويل إذا أضيف لياء المتكلم، أو نا، وسبقته أداة النداء، وانظر: ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) ﵇، وانظر: ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أنه قد أنث الويل في الآيتين المذكورتين.

стр. 2856

الإعراب: ﴿اللهِ:﴾ يقرأ بالجر على أنه بدل من العزيز الحميد، أو عطف بيان، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، خبره ما بعده، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الله، واعتباره مبتدأ، وخبره محذوف دل عليه ما قبله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة على قراءة الجر، وفي محل رفع خبره على قراءة الرفع. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها. ﴿(ما)﴾ في الأرض، عطف على ما قبلهما، والإعراب والاعتبار مثل ذلك، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ ما فِي..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهِ..﴾. إلخ على قراءة الرفع مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَوَيْلٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(وَيْلٌ):﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة الدعاء؛ لأنه من المسوغات سواء أكان دعاء له، أو عليه... إلخ. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ويل بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلقا ب: ﴿(وَيْلٌ)﴾ لأجل الفصل. انتهى. عكبري، وقال أبو السعود: متعلقان به على معنى يولون، ويضجون منه، والأول أولى. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية: ﴿(وَيْلٌ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ يختارون الفانية على الباقية، ويفضلون العاجلة على الآجلة. ﴿وَيَصُدُّونَ:﴾ يمنعون، ويصرفون، وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ويأتي بضم الصاد وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد، والصدد: القرب، يقال: داري صدد داره، أي قبالتها وقربها، والصدد: القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده، أي بقصده، وهو أيضا الميل بفتح الياء والناحية، قال البيضاوي: وقرئ بضم الياء من أصده، وهو منقول من صد صدودا: إذا تنكب، وليس فصيحا؛ لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه وشريعته، وانظر شرح: ﴿سَبِيلِي﴾ في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً:﴾ يطلبون لها اعوجاجا، وميلا عن القصد والاستقامة، وذلك بمنعهم الناس عن الدخول في الإسلام، وأنث الضمير على اعتبار السبيل مؤنثة. هذا والعوج بكسر العين وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول:

стр. 2857

في دينه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: ضلوا عن سبيل الله الحق، وحادوا عنه بمراحل عديدة. هذا؛ وفي إسناد البعد إلى الضلال مجاز عقلي؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جد جده. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من الكافرين، أو هو صفة لهم، أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، أو هو مبتدأ، خبره ما بعده، فهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع، وجملة: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: حالة كونها مفضلة على الآخرة، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿(يَبْغُونَها):﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، وها: مفعول به، وقد كان هذا الضمير مجرورا بحرف الجر، فلما حذف الجار اتصل بالفعل، وانتصب به على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. ﴿عِوَجاً:﴾ مفعول به ثان على التوسع. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير مفعول به صراحة، و ﴿عِوَجاً﴾ حال من الضمير بمعنى: معوجة، ولا بأس به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة على الوجهين الأولين في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ. تأمل، وتدبر. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ:﴾ إلا بلغة قومه الذين هو منهم، وبعث فيهم. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي: ما أمروا به، فيفهموه عنه بيسر، وسهولة، وسرعة، ثم ينقلوه، ويترجموه لغيرهم، فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم. ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ انظر الكلام على هاتين الجملتين في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). ﴿الْعَزِيزُ:﴾ هو القوي الغالب الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ هو الذي يضع الأمور مواضعها، وقدم العزيز، لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. هذا وقد قرئ: «(بلسن)» بصيغة الجمع بضم اللام، وضم السين، وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، ويذكر فيجمع على ألسنة كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء كما في قول الشاعر: [الوافر]

стр. 2858

لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت، وما حسبتك أن تحينا فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر كقول الآخر: [المتقارب] أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر وقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط] إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر قال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها وكسرها، أي أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله مع التذكير في سورة (النحل)، الآية رقم [١٠٣] حيث قال جل ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلت قدرته: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة، وألف سلام. تنبيه: قال القرطبي: ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه، أي في نفي بعثة الرسول ﷺ إلى الناس كافة؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي ﷺ ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ وقال ﷺ : «والّذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ ولا نصرانيّ، ثمّ لم يؤمن بالّذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار». أخرجه مسلم، وقال: «أرسل كلّ نبيّ إلى أمّته بلسانها، وأرسلني الله إلى كلّ أحمر، وأسود من خلقه». انتهى. وقال الخازن: بعث رسول الله ﷺ من العرب، وبلسانهم، والناس تبع للعرب، فكان مبعوثا إلى جميع الخلق؛ لأنهم تبع للعرب، ثم إنه يبعث إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم، ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم، وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه، وكانت دعوته خاصة، وكان كتابه بلسان قومه، كان أقرب لفهمهم عنه، وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه، ونقل عنهم؛ انتشر عنهم علمه، وقامت التراجم ببيانه، وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب واحدا بلغة واحدة، مع اختلاف الأمم، وتباين اللغات، كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين، في تعليم معانيه، وتفهيم فوائده، وغوامضه، وأسرار علومه، وجميع حدوده وأحكامه. انتهى. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(ما):﴾ نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِلِسانِ:﴾ متعلقان

стр. 2859

بمحذوف حال من رسول، التقدير: إلا متكلما بلسان، وساغ ذلك منه مع كونه نكرة لتقدم النفي عليه، و (لسان) مضاف، و ﴿قَوْمِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولٍ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، التقدير: للتبيين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَيُضِلُّ﴾ الفاء: حرف استئناف. (يضل الله): مضارع وفاعله. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يضل الذي، أو شخصا يشاء إضلاله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَهُوَ﴾ الواو: واو الحال. ﴿(هُوَ):﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَشاءُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا:﴾ المراد بالآيات: المعجزات التي جاء بها موسى ﵇، مثل: العصا، واليد، وفلق البحر، وغير ذلك من المعجزات العظيمة الباهرة، وقد رأيت ذلك مفصلا في سورة (الأعراف)، وغيرها مما تقدم. ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: أخرج قومك بالدعوة إلى الإيمان من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الرعد). ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ أي: بوقائع الله في الأمم السابقة، وأيام العرب حروبها ووقائعها، وقيل: ذكرهم ببلائه ونعمائه، وانظر شرح يوم في الآية رقم [٣] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: من التذكير بما ذكر. ﴿لَآياتٍ:﴾ لعظات، وعبرة. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ:﴾ فهما صيغتا مبالغة بمعنى: كثير الصبر، وكثير الشكر، وإنهما خصهما الله بالاعتبار بالآيات، وإن كان فيها عبرة لجميع الناس؛ لأنهما هما اللذان ينتفعان بها دون غيرهما، فهو كقوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ؛﴾ لأن الانتفاع بالآيات لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا شاكرا، أما من لم يكن كذلك؛ فلا ينتفع بها البتة. بعد هذا انظر الصبر في الآية رقم [١١٥] من سورة (هود) ﵇، والآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وانظر الشكر في الآية رقم [٧] الآتية، وانظر تذكير موسى لقومه في الآية رقم [٦١] من سورة (الكهف).

стр. 2860

الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من موسى، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير؛ لأن معنى الإرسال القول، أو هي مصدرية. ﴿أَخْرِجْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿قَوْمَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل أخرج. ﴿إِلَى النُّورِ:﴾ متعلقان به أيضا، وجملة: ﴿أَخْرِجْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار ﴿أَنْ﴾ تفسيرية، وتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: «بأن أخرج» على اعتبارها مصدرية، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿(ذَكِّرْهُمْ):﴾ أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْ أَخْرِجْ..﴾. إلخ ﴿بِأَيّامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (أيام): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب اسم ﴿أَنْ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنْ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة آيات، و (كلّ): مضاف، و ﴿صَبّارٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر قبلها لا محل لها. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ أي: واذكر وقت قال موسى لقومه مذكرا لهم بنعم الله عليهم. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ فسر النعمة هنا بالإنجاء من كيد فرعون، واستعباده لهم، وفسرها في الآية رقم [٢٢] من سورة (المائدة) بجعل الأنبياء فيهم كثيرين، وبجعلهم ملوكا، وبإيتائهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، وهذا كله كان بعد أن أنجاهم الله من هيمنة فرعون عليهم واستعباده لهم، فالفرق واضح بين النعمتين، وما في هذه الآية يضارع الآية رقم [٤٩] من سورة (البقرة) و [١٤١] من

стр. 2861

سورة (الأعراف). ﴿إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ:﴾ يذيقونكم. وقيل: معناه: يديمون تعذيبكم. ﴿سُوءَ الْعَذابِ:﴾ أشده وأفظعه، وإن كان كله سيئا؛ لأنه أقبح بالإضافة إلى سائره. و ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ أي: الذكور. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ يتركون بناتكم أحياء. وسبب ذلك: أنّ فرعون رأى في منامه رؤيا أفزعته، فعبرها له الكهنة بأن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون ذهاب ملك فرعون على يده. ﴿بَلاءٌ:﴾ اختبار وامتحان، ويكون في الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ فيمتحن الله تعالى بالخير؛ ليشكروا، وبالشر؛ ليصبروا، وقال ابن كيسان: أبلاه وبلاه في الخير والشر، وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر بلوته، وفي الاختبار: ابتليته، وبلوته. قاله النحاس. واسم الإشارة: ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى الإنجاء، وهو خير محبوب، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذبح، وهو شر مكروه. هذا؛ وموسى في الأصل (موشى) بالشين مركبا من اسمين: الماء والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: «مو»، والشجر يقال له: «شا» فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص)، وموسى هو ابن عمران بن قاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: الفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر وكسرى، لملكي الفرس والروم، وكان فرعون موسى ﵇ مصعب بن ريان، وقيل: هو ابن مصعب، واسمه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف ﵇: هو الريان بن الوليد، وقد رأيت: أنه قد أسلم على يد يوسف، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة. هذا والسوء كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي، أو أخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ وقيل: إن السوأى تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والسوء أيضا: العمل السيئ، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه يسوء صاحبه، ويغمه عند مجازاته به في الدنيا وفي الآخرة. و ﴿بَلاءٌ:﴾ أصله: (بلاو) فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وأصل أبناء: (أبناو) وأصل نساء: (نساي) فإعلالهما مثل إعلال: ﴿(بَلاءٌ)﴾ بلا فارق. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(إِذْ):﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وجملة: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿(إِذْ)﴾ إليها. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ أمر مبني على حذف

стр. 2862

النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿نِعْمَةَ اللهِ،﴾ أو بمحذوف حال منه، وجملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق ب: ﴿نِعْمَةَ اللهِ،﴾ أو هو بدل منها بدل اشتمال، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾. ﴿أَنْجاكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به. ﴿مِنْ آلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿آلِ:﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله الأول، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير المخاطبين، أو من آل فرعون، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ إذ الأصل: العذاب السوء، وجملة: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها، ومثلها جملة: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(فِي):﴾ حرف جر. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب ﴿(فِي)،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم في الجميع حرف دال على جمع المذكر. ﴿بَلاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَلاءٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة بلاء، والجملة الاسمية: ﴿وَفِي ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول موسى ﵇، وقيل: معطوفة على الجمل الفعلية قبلها، وقيل: محتملة للحالية. تنبيه: قال في سورة (البقرة): ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واو، وقال هنا: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بزيادة الواو، والسبب في ذلك: أن قوله ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ في سورة (البقرة) تفسير لقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، ودخول الواو هنا لبيان: أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح، وبالتذبيح أيضا، فهو نوع من أنواع العذاب، فالواو للتنويع. تنبيه: تذبيح الصبيان وقلتهم بلاء ظاهر، وترك البنات أحياء بلاء من حيث أن الفراعنة كانوا يستخدمونهن كالإماء، بالإضافة لما يتبع ذلك من انتهاك أعراضهن، وامتهان شرفهن، فهو أكبر بلاء عند ذوي المروءات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ:﴾ تأذن، وأذن بمعنى: أعلم، وأخبر. مثل، أوعد وتوعد، والثاني أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: لئن

стр. 2863

شكرتم إنعامي؛ لأزيدنكم من فضلي، وقال ابن عباس-﵄-أي: لئن شكرتم نعمتي؛ لأزيدنكم من طاعتي. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ:﴾ المراد بالكفر هنا جحود النعم؛ لأنه مذكور في مقابلة الشكر. ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ أي: عقابي الشديد لمن جحد نعمتي، وسمى سبحانه جحود النعمة كفرا؛ لأن معنى الكفر اللغوي: الستر، والتغطية كما رأيت في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇، فمن جحد النعمة كان بمنزلة من سترها، وغطاها. وجملة القول: إن شكر العبد لله على نعمه يعود على نفسه بالثواب العظيم، والنفع العميم، وعدم الشكر لا يضر الله شيئا، خذ قوله تعالى في سورة (النمل) حكاية عن قول سليمان ﵇: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فائدة: وعد الله بالمزيد من النعم إن شكره العبد عليها، ولم يستثن، بينما استثنى في خمسة أشياء بعد الوعد فيها، فاستثنى الإغناء، فقال: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ﴾ وفي الإجابة، فقال: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ وفي الرزق، فقال: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفي المغفرة، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وفي التوبة، فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ ومعنى الاستثناء التعليق بالمشيئة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. ﴿(إِذْ):﴾ هي مثل ما قبلها في الآية السابقة. ﴿تَأَذَّنَ:﴾ ماض. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿(إِذْ)﴾ إليها. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿شَكَرْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والمفعول محذوف، التقدير: شكرتموني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أزيدنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: لأزيدنكم نعمة فوق نعمتكم، والجملة الفعلية هذه جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقال: لئن... إلخ، أو في محل نصب مفعول به ل: ﴿تَأَذَّنَ؛﴾ لأنه يجري مجرى قال. انتهى. بيضاوي. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ إعرابه مثل سابقه، وجواب القسم محذوف، التقدير: لأعذبنكم، دل عليه ما بعده،

стр. 2864

وإنما حذف هنا، وصرح به في جانب الوعد؛ لأن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد، ويعرّض بالوعيد. انتهى. بيضاوي. والكلام معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم المصدر لفاعله. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لما قبلها. هذا؛ والكلام: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ..﴾. إلخ من كلام موسى ﵇ فهو في محل نصب مقول القول، وقيل: هو من قول الله تعالى، فيكون مستأنفا. ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ أي: لقومه. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ أي: من الإنس والجن وغيرهما، ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ:﴾ عن شكركم لنعمه، وغني عن إيمانكم وطاعتكم. ﴿حَمِيدٌ:﴾ مستحق للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم، حيث حرمتموها مزيد الإنعام من فضله، وعرضتموها للعذاب الشديد. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(قالَ مُوسى):﴾ ماض وفاعله. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: بالله، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما سبق. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد لواو الجماعة. ﴿(مَنْ):﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على واو الجماعة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة وما عطف عليها، فهي حال مؤكدة. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير: فلن تضروا الله شيئا؛ فتكون الجملة الاسمية تعليلا لهذا المحذوف، وهو كلام سديد، و (إن) الشرطية ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(قالَ مُوسى...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية رقم [٦] فهي في محل جر مثلها. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ:﴾ قال بعض المفسرين: يحتمل أن يكون هذا من كلام موسى لقومه حكاه الله عنه، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى

стр. 2865

ابتداء لنبينا ﷺ ، والمخاطب بذلك كفار قريش، وانظر الكلام على الأقوام الثلاثة مفصلا في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇، والمقصود منه التذكير بأمر القرون الماضية، والأمم الخالية، وحصول العبرة، والعظة بأحوال من تقدم، وهلاكهم بسبب سوء أعمالهم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الأقوام الثلاثة. ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ:﴾ لا يحصي عددهم، ولا يعرف نسبهم إلا الله تعالى، كما قال جل ذكره: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾. والنسابون في جميع العصور، وإن نسبوا إلى آدم؛ فلا يدّعون إحصاء جميع الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويمسكون عن نسب البعض، وقد روي عن النبي ﷺ لما سمع النسابين ينسبون إلى معد بن عدنان، ثم زادوا، فقال: «كذب النسابون: إن الله يقول: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ»﴾. وقد روي عن عروة بن الزبير-﵄: أنه قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل، وقال ابن عباس-﵄-بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالدلالات الواضحات، والمعجزات الباهرات. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ:﴾ عضوها غيظا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسّلام، فيكون كقوله تعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ،﴾ أو وضعوا أيديهم على أفواههم تعجبا مما جاءت به الرسل، أو استهزاء عليه، كمن غلبه الضحك، أو هو إسكات للرسل، أي أشاروا بأيديهم إلى أفواههم: أن اسكتوا تكذيبا لهم، أو هو أمر لهم بإطباق الأفواه، وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم، وما نطقت به من قولهم: ﴿إِنّا كَفَرْنا﴾ إشارة على أن لا جواب لهم سواه، أو المعنى ردوا الأيدي في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلا، وقيل: الأيدي بمعنى: الأيادي، أي أيادي الأنبياء، التي هي مواعظهم، وما، أوحي إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم؛ لأنهم إذا كذبوا، ولم يقبلوا، فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه. هذا؛ وجمع ﴿أَفْواهِهِمْ﴾ على الأصل؛ لأن الأصل في فم: فوه، مثل حوض، وأحواض، وثوب، وأثواب. وانظر شرح اليد في الآية رقم [٥٠] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: كفرنا بما تدعون، وتزعمون: أن الله أرسلكم به؛ لأنهم لم يعترفوا بأن الله أرسلهم ولو اعترفوا لكانوا مؤمنين. ﴿وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ﴾ أي: من التوحيد، وعبادة إله واحد، ونبذ عبادة الأصنام. ﴿مُرِيبٍ:﴾ موقع في الريبة. الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. ﴿(لَمْ):﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿(لَمْ)،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿نَبَؤُا:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمِ:﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ،﴾ بدل بعض من كل، و ﴿قَوْمِ﴾ مضاف،

стр. 2866

و ﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿(عادٍ):﴾ معطوف على ما قبله. ﴿(ثَمُودَ):﴾ معطوف أيضا مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وقيل: والتأنيث بدل العجمة. ﴿(الَّذِينَ):﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، لا: نافية. ﴿يَعْلَمُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة معترضة بين المفسر، وهو ﴿نَبَؤُا الَّذِينَ﴾ وتفسيره، وهو قوله: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ هذا وجه للإعراب، وقيل: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على قوم نوح... الخ، أو على ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ وقوله: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ اعتراض كما ذكر، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأن قوله تعالى: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ لا يفسر نبأ الذين، وإنما الوجه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وعليه فالاعتراض واقع بين الحال وصاحبها. هذا، وأجاز أبو البقاء اعتبار ﴿(الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)﴾ بدلا من سابقه، وأجاز في الجملتين الفعليتين بعده الحالية، والاستئناف، كما أجاز اعتبار ﴿(الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ خبره، أو حال من الاستقرار، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ﴾ الخبر، ويعني خبرا ثانيا على اعتبار الأولى خبرا، أو خبرا واحدا على اعتبار الأولى حالا. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقد رأيت الأقوال في محل الجملة الفعلية. (ردّوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿فِي أَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة: (ردّوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَفَرْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، وتقدير القرطبي المصدرية لا وجه له البتة، وجملة: ﴿كَفَرْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا إِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والكلام ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ يحتمل أن يكون من كلام موسى فهو في محل نصب مقول القول، ومستأنف على احتماله مبتدأ من كلام الله تعالى. (إنا): مثل سابقتها. ﴿لَفِي﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شكّ) متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿شَكٍّ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَدْعُونَنا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، و (نا): مفعوله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿شَكٍّ،﴾ وجملة: ﴿تَدْعُونَنا﴾

стр. 2867

إِلَيْهِ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (إلى)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَفِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ الشرح: ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أي: هل تشكون في الله؟ وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة. ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما ومخترعهما، ومنشئهما، وموجدهما بعد العدم لينبه على قدرته فلا تجوز العبادة إلا له. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أي: إلى عبادته وطاعته، والإيمان بالرسل، والكتب، والملائكة، واليوم الآخر وغير ذلك. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: يدعوكم لما ذكر ليغفر لكم ذنوبكم، إن آمنتم وصدقتم. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى حين انقضاء آجالكم، فلا يعاجلكم بالعقوبة. ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي: لستم إلا مثلنا في الهيئة والصورة، تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، ولستم ملائكة، فلا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوة دوننا؟ ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل. ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا:﴾ تمنعونا. ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي: من الحجارة، والأوثان. ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة واضحة على صحة دعواكم، وهذا جدال ومحال منهم، فإن الرسل ما دعوهم إلى الإيمان إلا وقد أيدهم الله بالمعجزات، ولكنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات الواضحة، والحجج الدامغة، واقترحوا عليهم آيات أخرى تعنتا، ولجاجا. الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، وحذف متعلقه اكتفاء بذكره في الآية التالية. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفِي﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿(فِي اللهِ):﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَكٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿شَكٌّ﴾ فاعلا بالجار والمجرور لاعتمادهما على الاستفهام، وفي الحقيقة هو نائب فاعل بفعل محذوف، التقدير: أيوجد في الله شك، أو هو فاعل، التقدير: أيثبت في الله شك، وعليه فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿فاطِرِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة

стр. 2868

على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل (يغفر) أيضا، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض أي: يغفر بعض ذنوبكم، وعليه يقتصر الغفران على حقوق الله تعالى وحدها، وقيل: (من) زائدة، وهذا على مذهب الأخفش الذي يجيز زيادة من في الإيجاب وعليه فالغفران يشمل جميع الذنوب؛ لأن الإيمان يجبّ ما قبله، ويكون ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ مفعولا به منصوبا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ:﴾ معطوف على (يغفر) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة أجل مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُنا:﴾ صفة بشر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ أَنْتُمْ...﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تُرِيدُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَصُدُّونا:﴾ مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون... الخ، والواو فاعله، و (نا): مفعول به، و ﴿إِنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ وحمل على معناه؛ لأنه بمنزلة القوم والرهط. كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا،﴾ أو هي في محل نصب حال من بشر بعد وصفه بما تقدم، وجوز فيها أن تكون مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب «عن»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء كان يعبده آباؤنا، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿يَعْبُدُ:﴾ مضارع. ﴿آباؤُنا:﴾ فاعله. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وليس الكلام من باب التنازع؛ لأنه كان يجب أن تثبت واو الجماعة على إعمال أحد الفعلين في الاسم الظاهر، والإضمار في الآخر. ﴿فَأْتُونا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ائتونا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل

стр. 2869

لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما تدعونه حقا؛ فأتونا. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة له. ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ الشرح: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: نحن كما قلتم بشر، لا ننكر ذلك، ولا نترفع عنه. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي: بالهداية للإيمان، والتوفيق للطاعة، ويصطفي للنبوة من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم الشريف، ويختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: ليس لنا مع ما خصنا الله به من النبوة، وشرفنا به من الرسالة أن نأتيكم بحجة، وبرهان، ومعجزة تدل على صدق دعوانا إلا بإذن الله، ومشيئته، وإرادته. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فليعتمدوا عليه لا على غيره، فهو الذي يحفظهم، ويرد عنهم كيد أعدائهم، وفحواه: أننا نتوكل على الله في معاندتكم، ومعاداتكم. عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، وهو ما يفيده الآية التالية. الإعراب: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ:﴾ انظر الإعراب في الآية السابقة. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة بشر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(لكِنَّ):﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَمُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿يَمُنُّ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿يَشاءُ﴾ صفة ﴿يَمُنُّ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و ﴿يَمُنُّ﴾ بيان لما أبهم في ﴿يَمُنُّ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَمُنُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية: ﴿(لكِنَّ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾ في محل رفع اسمها مؤخرا. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير:

стр. 2870

إلا مأذونا لنا. هذا؛ وأجاز أبو البقاء ومكي اعتبار المصدر المؤول في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ و ﴿بِإِذْنِ﴾ متعلقين بمحذوف خبرها، وعليه يكون ﴿لَنا﴾ متعلقين ب: ﴿كانَ،﴾ و ﴿بِإِذْنِ﴾ مضاف، و ﴿اللهَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿(ما كانَ لَنا...)﴾ إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرسل كما هو واضح. الواو: فيما أرى زائدة. ﴿وَعَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الزائدة، والواو عاطفة. (ليتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في مثلها: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى هنا: إن اعتدى أحد علينا؛ فنحن نتوكل على الله، وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ أي: أيّ عذر لنا في ترك التوكل على الله، وعدم الاعتماد عليه. ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ أي: وقد دلنا على الطرق التي نعرفه بها، ونعلم أن كل شيء بمشيئته وإرادته، وبيّن لنا الطرق التي توصل إلى رحمته، وتنجي من سخطه ونقمته. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ أي: والله لنصبرن على أذاكم قولا كان، أو فعلا. وعلى الله، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه فليعتمد المعتمدون: وليفوضوا شئونهم وأمورهم إليه، وليستسلموا لحكمه وقضائه وقدره، فهو الذي يكفيهم، ويدفع عنهم شر أعدائهم؛ إن توكلوا واعتمدوا عليه. هذا؛ وفي الآية التفات بالنسبة لما قبلها، وذلك من الغيبة إلى التكلم، وانظر الالتفات في الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد)، وانظر التوكل في الآية رقم [٦٧] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. تنبيه: قال الخازن: فإن قلت: كيف كرر الأمر بالتوكل، وهل من فرق بين التوكلين؟ قلت: نعم التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل، والتوكل الثاني، فيه إشارة إلى السعي في التثبيت على ما استحدثوا من توكلهم، وإبقائه وإدامته، فحصل الفرق بين التوكلين. الإعراب: ﴿وَما﴾ الواو: حرف استئناف، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿نَتَوَكَّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم التوكل، أو في ترك التوكل، والجار والمجرور متعلقان

стр. 2871

بمحذوف حال من (نا) والعامل الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَدانا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ و (نا): مفعول به أول. ﴿سُبُلَنا:﴾ مفعول به ثان، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿(قَدْ هَدانا...)﴾ إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، والجملة الاسمية: ﴿(ما لَنا...)﴾ إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرسل. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالله، اللام: واقعة في جواب القسم، (نصبرن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه من مقول الرسل أيضا. وانظر سورة (الرعد) [٣٢] ﴿عَلَى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ مصدرية، ﴿آذَيْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و (نا): مفعول به، وما والفاعل في تأويل مصدر في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، انظر الشرح. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: على الذي آذيتمونا به، وانظر إعراب مثل: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في الآية السابقة. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ..﴾. إلخ: حلف كفار الأمم السابقة على أحد أمرين مهدّدين لرسلهم: إما إخراجهم من بلدهم وأرضهم، أو عودهم إلى دينهم وطريقتهم، وهو يوهم بظاهره: أن الرسل كانوا على دين أقوامهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها، وهذا محال في حق الرسل عليهم الصلاة والسّلام؛ لأنهم من أول نشأتهم نشئوا على التوحيد، وهو بمعنى: الصيرورة هنا؛ إذ المعنى: لتصيرن في ملتنا، وهذا التعبير مستعمل في كلام العرب، وفيه تأويل آخر، وهو أن الرسل قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما أرسلوا إليهم أظهروا مخالفتهم، ودعوهم إلى الله، فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ظنا منهم: أنهم كانوا على ملتهم، ثم خالفوهم، وقد تقدم مثل هذا في الآية رقم [٨٧] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ:﴾ فأخبرهم ربهم بعد هذه المخاطبات، والمحاورات. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين. هذا وأصل ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ لتعودننّ فحذفت نون الرفع لتوالي النونات، فصار: لتعودون فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الدال دليلا عليها.

стр. 2872

تنبيه: كثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم وكيف نكّل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب، والتعبير عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين... إلخ ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم من ظلم، واعتداء، وفسوق، وإسراف، وغير ذلك من الأعمال التي يبغضها الله ورسوله. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِرُسُلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿(قالَ)﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نخرجنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(قالَ الَّذِينَ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، أو اسمه، والنون حرف لا محل لها، والجملة الفعلية المعطوفة على ما قبلها. ﴿فِي مِلَّتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبره. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَوْحى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أوحى): ماض. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وإعراب ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ مثل إعراب ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ،﴾ والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أو في محل نصب مفعول به ل: (أوحى) إجراء له مجرى ﴿(قالَ)،﴾ وجملة: (أوحى...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ:﴾ الخطاب للرسل، والمراد بالأرض: أرض الكفرة، وديارهم، وقد حقق الله ذلك للرسل؛ حيث أهلك أقوامهم، وأورثهم أرضهم، كما قال تعالى:

стр. 2873

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ هذا وقرئ: «(ليهلكن)» «(وليسكننكم)» بالياء اعتبارا لأوحى. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الموحى به، وهو إهلاك الظالمين، وإسكان المؤمنين مع المرسلين. ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ أي: موقفي، وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحساب يوم القيامة. أو المعنى: خاف قيامي عليه، ومراقبتي له، وحفظي لأعماله. والمقام: مصدر كالقيام، يقال: قام قياما، ومقاما، والمقام أيضا: مكان الإقامة، وبالضم فعل الإقامة. وأصله: (مقوم) بفتح الميم، أو ضمها، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل؛ وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار، بعد هذا انظر «الخوف» في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد)، وانظر «الوعد والوعيد» في الآية رقم [٣١] منها. الإعراب: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ:﴾ انظر إعراب ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾ في الآية السابقة، والكاف مفعول به أول. ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام)، ويجب أن نلاحظ هنا أن الفعل متعد بالهمزة إلى الثاني، فعومل معاملة المفعول الواحد؛ إذا كان الفعل ثلاثيا، أي غير متعد بالهمزة. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ على ما فيها من اعتبارات. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، وجملة: ﴿خافَ مَقامِي﴾ صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿(خافَ...)﴾ إلخ معطوفة عليها. ﴿وَعِيدِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومثله قل في: ﴿مَقامِي﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: واستنصروا، أي: أذن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم، قاله ابن عباس-﵄-في رواية عنه، وبه قال مجاهد، وقتادة.

стр. 2874

وفي رواية أخرى عن ابن أبي عباس، وبه قال ابن زيد وغيره: استفتحت الأمم بالدعاء، كما قالت قريش: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال)، وقيل: إن الرسل والأمم استفتحوا، فالرسول كان يقول: «إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا» كما في الآية رقم [٨٩] من سورة (الأعراف)، والأمم كانت تقول: إن كان هؤلاء صادقين؛ فعذبنا، نظيره قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: خسر، وهلك، والخيبة: قطع الأمل من الشيء المرغوب فيه، والمطلوب تحصيله. ﴿جَبّارٍ:﴾ المتكبر الذي لا يرى لأحد حقا عليه، بل يرى نفسه فوق كل الناس. ﴿عَنِيدٍ:﴾ المعاند للحق، المجانب له، والعنيد والعنود والعاند: المعاند للحق، والمخالف له، وفعله يأتي من الباب الأول والثاني، والرابع، والخامس، والمصدر عندا، وعنودا، وعندا وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، أي أخذ في ناحيته معرضا، قال الشاعر: [الرجز] إذا نزلت فاجعلوني وسطا... إنّي كبير لا أطيق العندا والعنيد والجبار لفظان مترادفان بمعنى: واحد، وإن اللفظ مختلف. تنبيه: ذكرت في كتابي فتح القريب المجيب الشاهد [٧٤] أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك، كان خليفة، وكان خليعا فاسقا، متهتكا مولعا بالرذائل والمفاسد، جبارا عنيدا، لاهيا عن تدبير أمور الرعية، وأحوال الخلافة، وقد فتح المصحف مستفتحا، فوافق ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ..﴾. إلخ فمزقه بيديه، وأنشد: [الوافر] أتوعد كلّ جبّار عنيد... فها أنا ذاك جبّار عنيد إذا ما جئت ربّك يوم حشر... فقل يا ربّ مزّقني الوليد فلم يلبث أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده، ومزقه الله شرّ ممزّق ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾. الإعراب: (استفتحوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، وقرئ بصيغة الأمر، عطفا على جملة: ﴿لَنُهْلِكَنَّ..﴾. إلخ فيكون موجها إلى الرسل خاصة، وإذنا لهم بالدعاء على أقوامهم. (خاب): ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿جَبّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: كل شخص جبار، ﴿عَنِيدٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هو بدل من جبار على الترادف، وجملة: ﴿(خابَ...)﴾ إلخ معطوفة على جملة محذوفة، أي فنصر الرسل وسعدوا، وربحوا، وخاب... إلخ.

стр. 2875

﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ الشرح: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: من أمام الجبار العنيد، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿جَهَنَّمُ﴾ أي: فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها في الآخرة، وقيل: المعنى من وراء حياة الجبار العنيد جهنم. ﴿وَيُسْقى﴾ أي: الجبار العنيد. ﴿مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع: أسد؛ أي: مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه، وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم، وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة، والزواني، وانظر الآية التالية. الإعراب: ﴿مِنْ وَرائِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على الموصوف، وفي الحقيقة نائب فاعل لفعل مقدر؛ أي: يوجد من ورائه جهنم. هذا؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة للموصوف المحذوف، أو حال منه على نحو ما تقدم. ﴿وَيُسْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (يسقى): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى الشخص الجبار، وهو المفعول الأول. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿صَدِيدٍ:﴾ عطف بيان، أو بدل من ﴿ماءٍ،﴾ وقيل: هو نعت ل: ﴿ماءٍ،﴾ كما تقول: هذا خاتم حديد، والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وأجازه الكوفيون، وتبعهم الفارسي، وهو بصري. وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ معطوفة على الصفة قبلها، فهو عطف جملة فعلية على مثلها على الإعراب الأول في: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ وعطف جملة فعلية على اسمية على الإعراب الثاني، وقيل: الجملة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: يلقى فيها، ويسقى، فيكون المحل للمقدرة، وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ تابعة لها. ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتحسى الجبار العنيد الماء الصديد، ويشربه لا بمرة واحدة، بل يبتلعه جرعة بعد جرعة لمرارته، وكراهته، وحرارته، ونتنه، فعن أبي أمامة-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: «يقرّب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه، قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره».
следующие страницы →