← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل-وهو الشاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم محتملا للمدح والذمّ بسبب تقدير الجار والمجرور، كما يجوز تقدير (عن) أو (في) في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ومثل يرغب: ادّعى، يقال: ادّعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم. ومثله: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدلّ على اتساع اللغة العربية. ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ دينه، وطريقته، وشريعته. هذا؛ والملة بفتح الميم: الرّماد الحار. ﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ:﴾ استمهنها، وأذلّها، واستخفّ بها. قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعدّ، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ : «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص النّاس» أي: تحتقرهم، والأول من باب: طرب، والثاني من باب: ظرف. هذا؛ وجاء في المختار: وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلمّا حوّل الفعل إلى الرّجل؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنّه صار في معنى سفّه نفسه بالتّشديد. هذا قول البصريين، والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز: غلامه ضرب زيد. وقال الفرّاء: لمّا حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها؛ خرج ما بعده مفسّرا ليدلّ على أنّ السّفه فيه، وكان حكمه من النفس سفه زيد نفسا؛ لأنّ المفسّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب، كنصب النّكرة تشبيها بها، ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسّر لا يتقدّم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا، والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى بحروفه. ﴿اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ اخترناه على غيره بالرّسالة والخلّة. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: الذين لهم الدّرجات العلى. هذا؛ والصّلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سأل الله هذه المنزلة يوسف الصدّيق، عليه وعلى نبينا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام، سأله هذه المنزلة قبل وفاته، وقد حكى القرآن ذلك عنه: ﴿*رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وسألها إبراهيم ﵇، وحكاها القرآن عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (الشعراء). وطلبها سليمان ﵇، وحكاها القرآن الكريم عنه: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ سورة (النمل)، وقال تعالى في حقّ إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.

стр. 317

تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أن عبد الله بن سلام-﵁-كان من أحبار اليهود، وقد أسلم، ودعا ابني أخيه إلى الإسلام، وهما: مهاجر، وسلمة، فقال لهما: قد علمنا: أن الله تعالى قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيّا اسمه أحمد، فمن آمن به؛ فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به، فهو ملعون. فأسلم سلمة، وامتنع مهاجر عن الإسلام، فنزلت الآية الكريمة. والعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، فهو تعريض، وتوبيخ لليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأنّ اليهود، والنّصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم؛ لأنهم من بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به؛ لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة الرسول في آخر الزمان، فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول، الذي هو دعوة إبراهيم؛ فقد رغب عن ملّة إبراهيم. انتهى الخازن، وغيره. هذا؛ وروى حجّاج بن حجّاج الأحول المعروف ب «زق العسل» قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إنّ الصّالحين أنت أصلحتهم، ورزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم، فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنّا. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْغَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، ﴿عَنْ مِلَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِلَّةِ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿يَرْغَبُ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو حرف استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع بدل من الضمير المستتر في: ﴿يَرْغَبُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، ورجّح الأول؛ لأن الكلام منفي معنى. ﴿سَفِهَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: ﴿نَفْسَهُ﴾ منصوب على التمييز، مثل: غبن رأيه. وألم رأسه كما قيل: هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: سفه على نفسه، وجملة: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها. ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿اِصْطَفَيْناهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به: والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٥]. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّهُ﴾): حرف مشبه

стр. 318

بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان باسم فاعل محذوف: التقدير: وإنّه صالح في الآخرة. وقيل: متعلقان بمصدر محذوف، تقديره: صلاحه في الآخرة. وهذا لأن (ال) بمعنى الموصول، والجار والمجرور صلة، ولا تتقدم الصّلة على الموصول. وقول ثالث: إنّ ﴿الصّالِحِينَ﴾ ليس بمعنى: الذين صلحوا، ولكنّه اسم قائم بنفسه، كما يقال: الرجل، والغلام، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي: اثبت على الإسلام، واستقم على نهجه، وطريقته، لأنه كان مسلما، ولأن الأنبياء جميعا نشئوا على الإسلام والتوحيد. قال ابن عباس-﵄: قال له ذلك حين خرج من السّرب، وذلك عند استدلاله بالكواكب، والشّمس، والقمر، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وافتقارها إلى محدث مدبّر، كما ذكر الله في سورة (الأنعام) رقم [٧٥] وما بعدها، فلما عرف ذلك؛ قال له ربه: أسلم، ﴿قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: قال إبراهيم، -على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: خضعت بالطّاعة، وأخلصت العبادة لمالك الخلائق ومدبّرها، ومحدثها. هذا؛ والمراد بالإسلام: التوحيد، وليس المراد الإسلام المتعارف عليه في شريعة محمد ﷺ ، وكذلك ما يذكر عن إسلام كثير من الأنبياء السّابقين، فإن المراد: التّوحيد، والاستسلام، والانقياد. هذا؛ والسّرب الذي ذكره ابن عباس-﵄: يشير إلى أنّ إبراهيم ﵇ قد ربّي خفية عن النّمرود الجبّار؛ الذي ادعى الألوهية، وأن تربية إبراهيم كانت في السّرب بعيدة عن الناس خوفا من النّمرود، فهي شبيهة بتربية موسى ﵇. هذا؛ وفي الآية الكريمة التفات من التكلّم في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآية؛ إذ كان مقتضى الكلام: «إذ قلنا...» إلخ، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقّلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختصّ كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبنيّ على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وقيل: هو ظرف للفعل ﴿اِصْطَفَيْناهُ﴾ وقيل: هو بدل من الجار والمجرور: «فى الدنيا». وهذا ضعيف جدّا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَسْلِمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية

стр. 319

في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ تقديره: هو. ﴿أَسْلَمْتُ:﴾ فعل وفاعل، ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ربّ) مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿أَسْلَمْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَوَصّى:﴾ وقرئ: («وأوصى») والأول أبلغ. ﴿بِها:﴾ بالملّة، وقيل: بالكلمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ﴿إِبْراهِيمُ بَنِيهِ:﴾ بنو إبراهيم هم: إسماعيل وأمّه هاجر، ولد قبل: إسحاق بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، وكانت سنّه يوم مات أبوه تسعا وثمانين سنة، وإسحاق وأمّه سارة، وعاش مائة وثمانين سنة، ثمّ لمّا توفيت سارة تزوج إبراهيم ﵇ قطورا بنت يقطن الكنعانية، فولدت له مدين، ومديان، ويقشان، وزمران، ويشبق، وسوح، فهم ستة مع الاختلاف في تسميتهم بحسب الروايات. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ أي: أوصى بنيه، وهم اثنا عشر ولدا، وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وريالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ويوسف، وبنيامين، ولا تنس أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم جدّه، وهو النافلة بنصّ القرآن. ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: هذا من وصية يعقوب لبنيه، وأصل بنيّ: «بنين لي» فحذفت اللام الجارة، ثم حذفت النون للإضافة، ثم أدغمت ياء المتكلم في ياء الجمع. و ﴿اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ:﴾ اختار لكم دين الإسلام، وهو التوحيد، الذي ذكرته فيما مضى. ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: الزموا الإسلام، ودوموا عليه، ولا تفارقوه حتّى تموتوا، فالنّهي في اللفظ عن الموت على غير الإسلام، وهو في المعنى على غير ذلك؛ إذ المعنى: لا تفارقوا الإسلام حتى تموتوا، كما في قولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، والمعنى: صلّ الصّلاة مقترنة بالخشوع، وهذه الجملة مذكورة في سورة آل عمران برقم [١٠٢]. الإعراب: ﴿وَوَصّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ أَسْلَمْتُ..﴾. إلخ. في الآية السابقة: لا محل لها مثلها. ﴿بَنِيهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَعْقُوبُ:﴾ معطوف على إبراهيم، فهو مرفوع مثله. وقيل: هو مبتدأ حذف خبره،

стр. 320

التقدير: ويعقوب وصّى بنيه أيضا، والأول أقوى. هذا؛ ويقرأ بالنصب عطفا على ﴿بَنِيهِ﴾ وهو بعيد؛ لأنّ يعقوب لم يكن بين أولاد إبراهيم لمّا وصاهم. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به، والكلام: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ فيه وجهان: أحدهما: أنّه من مقول ﴿إِبْراهِيمُ﴾ وذلك على القول بعطف (﴿يَعْقُوبُ﴾) على ﴿إِبْراهِيمُ﴾. الثاني: أنه من مقول (﴿يَعْقُوبُ﴾) على القول برفعه على الابتداء، ويكون قد حذف مقول ﴿إِبْراهِيمُ﴾ للدّلالة عليه، وعلى كل تقدير فالكلام منصوب بقول محذوف على رأي البصريين، أي: فقال: يا بني... إلخ، وبفعل الوصية؛ لأنها في معنى القول عند الكوفيين. انتهى. جمل نقلا من السّمين. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٢]: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا..﴾. إلخ. حيث قال البصريون: إنّ قوله: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول لقول محذوف وقال الكوفيون: في محل نصب مفعول به للفعل: (﴿نادى﴾) وخذ قول الراجز، وهو الشاهد رقم [٧٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فالقول فيه مثل الآيتين: [الرجز] رجلان من مكة أخبرانا... إنّا رأينا رجلا عريانا ﴿فَلا:﴾ الفاء: أراها الفصيحة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة. (لا): ناهية. ﴿تَمُوتُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة: فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل لها، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ الشرح: روي: أن اليهود قالوا للنبيّ ﷺ : ألست تعلم: أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات؟! فنزلت الآية الكريمة، وفيها توبيخ لهم، وتقريع. ﴿شُهَداءَ:﴾ حضورا، جمع: شاهد، وشهيد. ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعد موتي. أراد تقريرهم على التوحيد، والإسلام، وأخذ

стр. 321

ميثاقهم على الثبات عليها، وأتى ب ﴿ما﴾ التي لغير العاقل؛ لأن المعبودات في ذلك الزّمان كانت غير عاقلة، كالأوثان، والشّمس، والقمر، فعرف بنوه ما أراد، فأجابوه بالحق؛ إذ الجواب على وفق السؤال. هذا؛ وقد عدّ إسماعيل ﵇ أبا يعقوب مع كونه عمّه أخا أبيه تغليبا للأب، والجدّ، أو لأنه كالأب في التقدير والاحترام، وقد قال النبي ﷺ : «عمّ الرجل صنو أبيه». وقال في عمّه العباس: «هذا بقية آبائي». وقدّم إسماعيل على إسحاق في الذكر لسببين: أولهما: أنّه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة، وثانيهما: أنه جدّ نبينا محمد ﷺ ، فاستحق التّقدير لذلك. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: موحّدون، مطيعون، خاضعون، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ هذا؛ والإسلام هو ملّة الأنبياء، وطريقة الرّسل قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وذكرت لك: أنّ معنى الإسلام التّوحيد. وقال النبيّ المعظم ﷺ : «نحن معشر الأنبياء أولاد علاّت، ديننا واحد». الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة، وبمعنى: بل، والهمزة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت، وقال لبنيه ما قال؛ فلم تدعون اليهودية عليه؟! أو هي متصلة بمحذوف، تقديره: أكنتم غائبين، أو شهداء وقت حضر... إلخ. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على المقدّر على الوجهين. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السّكون في محل نصب متعلّق ب ﴿شُهَداءَ﴾. ﴿حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿لِبَنِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جرّ بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿نَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿إِلهَكَ:﴾ مفعول به: والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (﴿إِلهَ﴾): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿آبائِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ بدل من ﴿آبائِكَ﴾ بدل كل من كل، أو هو عطف بيان عليه، مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية.

стр. 322

﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ:﴾ معطوفان على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مجروران مثله. ﴿إِلهاً:﴾ بدل من (﴿إِلهَ آبائِكَ﴾) بدل كل من كل. ﴿واحِداً:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ المستتر، والرّابط: الواو، والضمير، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿نَعْبُدُ..﴾. إلخ، والأول أقوى. وقيل: معترضة؛ ولا وجه له، والجار والمجرور: ﴿لَهُ﴾ متعلقان ب ﴿مُسْلِمُونَ﴾ بعدها. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ:﴾ الإشارة إلى إبراهيم وذريته الطّيبة، على نبينا، وعليهم أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم، وأنث لتأنيث الخبر. ﴿أُمَّةٌ:﴾ جماعة. ﴿خَلَتْ:﴾ مضت، وأصله: خلات، حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. ﴿لَها ما كَسَبَتْ:﴾ أي ما عملت من الأعمال، وقدّمت من الصّالحات في دنياها لآخرتها. ﴿وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ:﴾ مثله، يريد من خير، وشر. والمعنى: إنّ انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمال إبراهيم، وذرّيته. وإنّما تنتفعون بموافقتهم، واتّباعهم بأعمالهم، كما قال النبي ﷺ لأقربائه: «لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالأنساب». ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا..﴾. إلخ، أي: لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. هذا؛ وفي الآية دليل على: أن العبد يضاف إليه الأعمال كسبا، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيرا؛ فبفضله، وإن شرّا، فبعدله. وهذا مذهب أهل السنة، والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة، فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى: أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار، وحركة الرّعشة مثلا، وذلك التمكّن هو مناط التكليف، وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد، وأنّه كالنبات الّذي تصرّفه الرياح، وقالت القدرية، والمعتزلة خلاف هذين القولين، وأن العبد يخلق أفعاله. الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أُمَّةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، والتاء حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. هذا؛ وقال القرطبي: وإن شئت كانت الجملة خبر المبتدأ، وتكون ﴿أُمَّةٌ﴾ بدلا من: ﴿تِلْكَ﴾. وهذا غير مسلم له؛ لأنه لا يبدل من اسم الإشارة إلا الاسم المقرون بال. والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

стр. 323

﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿أُمَّةٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: لها الذي، أو شيء كسبته، وعلى المصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: لها كسبها، وعلى كلّ فالجملة اسمية، وهي في محل رفع صفة ثانية ل ﴿أُمَّةٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال من فاعل: ﴿خَلَتْ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ:﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، و ﴿ما﴾ تحتمل ما ذكرته في الأولى. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو: نائب فاعله. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: عن عملهم، وجملة: ﴿وَلا تُسْئَلُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل في: ﴿كَسَبْتُمْ،﴾ وهي حال مؤكدة، والرابط: الواو، والضمير، والحالية أقوى من العطف، وقال أبو البقاء: مستأنفة لا غير، ولا وجه له. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبرها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿كُونُوا:﴾ صيروا. ﴿هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا:﴾ تكونوا على الحق، وتكونوا من المهتدين. ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ..﴾. أي: قل يا محمد: بل نتبع ملّة إبراهيم. ﴿حَنِيفاً:﴾ أي: مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحقّ دين إبراهيم، ﵇، قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين ورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كلّ واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف بن قيس: [الرجز] والله لولا حنف برجله... ما كان في فتيانكم من مثله

стр. 324

وقال قوم: الحنف الاستقامة، فسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمّي المعوجّ الرّجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة كما قيل للديغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. انتهى قرطبي. والعرب تسمّي كل من حجّ، أو اختتن: حنيفا، تنبيها على أنه على دين إبراهيم. هذا؛ ومناسبة الآية لما قبلها: أن الله تعالى لمّا ذكر: أنّ ملة إبراهيم هي الملة الحنيفية السمحة، وأنّ من لم يؤمن بها، ورغب عنها؛ فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة، والسفاهة؛ ذكر تعالى في هذه الآية ما عليه أهل الكتاب من الدّعاوى الباطلة من زعمهم: أن الهداية في اتباع اليهودية، والنصرانية، وبيّن: أن تلك الدّعاوى لم تكن عن دليل، أو شبهة، بل هي مجرد جحود، وعناد. ثمّ عقّب ذلك بأنّ الدين الحق هو التمسك بالإسلام، وهو دين إبراهيم، ودين جميع الأنبياء، والمرسلين، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قالُوا﴾): ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة في المعنى على الآية رقم [١١١]، ومستأنفة في الإعراب. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُوداً:﴾ خبر: ﴿كُونُوا:﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على ﴿هُوداً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿تَهْتَدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تكونوا هودا؛ تهتدوا، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، ومتعلقه محذوف. ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: بل نتبع ملّة، و ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وقيل: منصوب على الإغراء، وقدّر البيضاوي فعلا ناقصا: «نكون» ولا وجه له. هذا؛ وقرئ برفع: («ملّة») على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: بل ملّتنا ملة، أو: بل ملّة إبراهيم ملّتنا. و ﴿مِلَّةَ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزء منه، قال ابن مالك-﵀-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا وقيل: هو منصوب بإضمار: أعني، ولا وجه له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود إلى إبراهيم. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور

стр. 325

متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متعدّدة، ومؤكّدة لما قبلها، والجملة المقدرة: «بل نتبع ملة إلخ» في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ الشرح: ﴿قُولُوا:﴾ أمر للرسول ﷺ ولأمته، فقد أخرج البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁-قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها لأهل الإسلام بالعربيّة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله. وما أنزل...» إلخ. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: المراد به: الصّحف التي أنزلت على إبراهيم، وقد عمل بها إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وأحفاده، وهم بالطبع أحفاد لإبراهيم، ثم صار أولاد يعقوب الاثنا عشر قبائل، يطلق عليها: الأسباط، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل، وانظر سبب ذكر إسماعيل، وسبب تقديمه على إسحاق في الآية رقم [١٣٣]. ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي: التوراة. ﴿وَعِيسى:﴾ أي: أوتي الإنجيل. ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ والمعنى: آمنا بالتوراة، والإنجيل، والكتب، والصحف التي أوتي جميع الأنبياء، والمرسلين. وصدّقنا: أن ذلك كلّه حقّ، وهدى، ونور، وأنّ الجميع من عند الله. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نفعل ذلك كما فعل اليهود، والنصارى، كما قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ الآيتان [١٥٠ - ١٥١] من سورة (النساء): ﴿وَنَحْنُ لَهُ:﴾ لله. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خاضعون، منقادون، مخلصون له في العبادة، مقرّون له بالألوهيّة، والربوبيّة. هذا؛ والأسباط جمع سبط، وهو ولد الولد، وهو: الحافد، والحفيد. ومنه قيل للحسن، والحسين: سبطا رسول الله ﷺ . وجمع إبراهيم: براهيم، وجمع إسماعيل: سماعيل قاله الخليل، وسيبويه، وقاله الكوفيون أيضا. وحكوا: براهمة، وسماعلة، وبراهم، وسماعل. وسماعيل. وجمع إسحاق: أساحيق، وجمع يعقوب: يعاقيب، وحكى الكوفيون: أساحقة، وأساحق، ويعاقبة، ويعاقب. هذا، والأسماء في هذه الآية كلها تجمع جمعا مذكرا سالما، فيقال: إبراهيمون، وإسحاقون، ويعقوبون... إلخ. هذا؛ وروي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل،

стр. 326

ومحمدا صلّى الله عليهم وسلم أجمعين. بعد هذا ينبغي أن تعلم أنّ هذه الآية مذكورة في سورة آل عمران برقم [٨٤] مع الاختلاف في بعض الكلمات، وبعض الحروف. والمعنى واحد مع ملاحظة: أنّ الأمر هنا موجّه إلى المسلمين عامّة، وفي سورة (آل عمران) موجّه إلى الرسول ﷺ . الإعراب: ﴿قُولُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُولُوا..﴾. إلخ مبتدأة أو مستأنفة لا محل لها. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (الله). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿إِلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والأسماء بعده معطوفة عليه. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) لا محل لها والعائد محذوف، التقدير: والذي أوتيه موسى وعيسى. ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا ثانيا للفعل ﴿أُوتِيَ،﴾ التقدير: منزّلا من ربهم، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُفَرِّقُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: نحن. ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَحَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ وجملة: ﴿لا نُفَرِّقُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط، والجملة الاسمية: (﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾) في محل نصب حال ثانية من (نا) أيضا، وهي حال مؤكدة للإيمان، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولأمته. والمعنى: فإن أتوا بإيمان كإيمانكم، وتوحيد كتوحيدكم-والمراد: ما ذكر في الآية السابقة-. ولم يفرقوا بين الرّسل، وبين الكتب السّماوية. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: أصابوا الحق، وأرشدوا إليه- ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان الصحيح بعد قيام الحجة، والبرهان. ﴿فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾ أي: في خلاف معكم. هذا؛ وللشقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله

стр. 327

تعالى حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ. والثاني: الضلال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾. والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ لأنّ كل واحد من المتشاقين يكون في شقّ غير شقّ صاحبه في ناحية وجهة، قال الشاعر: [الوافر] وإلاّ فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ:﴾ وعد من الله لرسوله، وللمؤمنين بالحفظ من كيدهم، والنّصر عليهم. وقد حقّق الله ما وعد بقتل بعضهم، وإجلاء بعضهم، كما هو معروف، ومسطور. وفي هذا الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣١]. وهذا الحرف: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ هو الذي وقع عليه دم عثمان بن عفان-﵁-حين قتل بإخبار النّبيّ ﷺ . ﴿السَّمِيعُ:﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم، وما في ضمائرهم من الحقد، والحسد، والعداوة، والبغضاء. وهما صيغتا مبالغة. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع عما سبق في الآية قبلها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِمِثْلِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. مثل: مجرور لفظا، صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: فإن آمنوا إيمانا مثل ما... إلخ. وقيل: (مثل) هي الصلة، والتقدير: بما آمنتم به، فعلى الأول (مثل) مضاف، و ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وعلى الثاني فالباء حرف جر، و ﴿ما:﴾ اسم موصول في محل جر بالباء: والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول على الوجهين السابقين، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ فالجملة صفتها. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِهْتَدَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. و (إن) ومدخولها كلام مفرع على ما قبله لا محل له من الإعراب. هذا؛ وزيادة لفظ (مثل) قيل به في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية رقم [١١] من سورة الشورى، وبه قيل في قول أوس بن حجر: [المتقارب] وقتلى كمثل جذوع النّخي... ل يغشاهم مطر منهمر ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة

стр. 328

الفعلية لا محل لها مثل سابقتها. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي شِقاقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جواب الشرط، والشرط ومدخوله معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. والسين: حرف استقبال، وهو هنا متحقّق الوقوع، (يكفيكهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والهاء مفعول به ثان. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، والضمير، وقيل: مستأنفة، والأول أقوى. تنبيه: اتصل بالفعل: (يكفي) ضميران: ضمير المخاطب، وضمير الغائب، والأول أعرف كما في قوله تعالى في سورة (هود) حكاية عن قول نوح لقومه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ فيجب تقديم الأعرف في هذه الحالة إذا اتصلا بالفعل، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وقدّم الأخصّ في اتّصال... وقدّمن ما شئت في انفصال علما بأنّ ضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب، وضمير المخاطب أعرف من ضمير الغائب. هذا؛ ويجوز وصل الضميرين بالفعل: (يكفي) و (نلزم) وفصلهما. وكذلك يجوز الأمران في حال اتصالهما بالأفعال: منع وسأل، وأعطى، وكسا، وألبس. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وصل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى كذاك خلتنيه واتّصالا... أختار غيري اختار الانفصالا ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)﴾ الشرح: ﴿صِبْغَةَ اللهِ:﴾ دين الله. قال ابن عباس-﵄: وإنّما سماه الله صبغة؛ لأن أثر الدين يظهر على المتديّن، كما يظهر أثر الصّبغ على الثّوب، وذلك بطريق الاستعارة. وقد ورد عن ابن عباس-﵄-قال: «إنّ بني إسرائيل قالوا: يا نبيّ الله هل يصبغ ربّك؟ فقال: اتقوا الله! فناداه: يا موسى! إن سألوك: هل يصبغ ربّك؟ فقل: نعم، أنا أصبغ الألوان: الأحمر، والأبيض، والأسود، والألوان كلّها من صبغي». والمعنى: تطهير الله، لأنّ الإيمان يطهّر النفوس. والأصل فيه: أنّ النّصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمّونه المعموديّة، ويقولون: هو تطهير لهم، فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك؛ قال: الآن صار نصرانيّا حقّا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله بالإيمان صبغته، ولم

стр. 329

نصبغ صبغتكم. وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة، كقولك لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرام. انتهى نسفي. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ أي: لا أحد أحسن من الله صبغة، أي: دينا. وقيل: تطهيرا؛ لأنّه يطهر من أوساخ الكفر. ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ مطيعون، ولا نعصيه. هذا؛ وقال بعض شعراء ملوك همدان: [المتقارب] وكلّ أناس لهم صبغة... وصبغة همدان خير الصّبغ صبغنا على ذاك أبناءنا... فأكرم بصبغتنا في الصّبغ الإعراب: ﴿صِبْغَةَ:﴾ مفعول مطلق، وقال أبو البقاء: انتصابه بفعل محذوف، أي: اتبعوا دين الله، وقيل: هو منصوب على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله، وقيل: هو بدل من ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ،﴾ وقال النسفي: هو مصدر مؤكد، عن قوله: ﴿آمَنّا بِاللهِ،﴾ وهذا يعني: أنه مفعول مطلق، عامله: ﴿آمَنّا،﴾ وانظر الكلام في الشرح، والكلام اللاحق، و ﴿صِبْغَةَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿صِبْغَةَ:﴾ تمييز، والجملة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها. والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ:﴾ معطوفة على قوله تعالى: ﴿آمَنّا بِاللهِ..﴾. إلخ في الآية رقم [١٣٦]. وهذا العطف يدلّ على أنّ قوله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ داخل في مفعول: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ﴾ أي: قولوا: هذا، وهذا. ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ وهذا يرد قول من قال: إنّ ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ بدل من: ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ﴾ أو نصب على الإغراء بمعنى: عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم، وإخراج الكلام عن التئامه، وانتصابها على أنّها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام. انتهى. نسفي. وهو من الكشاف للزّمخشري. وقال الجمل: وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ معترض بين المعطوف، والمعطوف عليه. انتهى نقلا من أبي السعود. وهذا مبني على أنّ التقدير: صبغنا الله صبغة. وما ذكره النسفي أولى بالاعتبار. ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، وتعليم له في مخاطبة اليهود الذين قالوا للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم من قبلتكم، ولم تكن الأنبياء من العرب، ولو كان محمد نبيّا؛ لكان منّا. ﴿أَتُحَاجُّونَنا:﴾ أتخاصموننا في شأن الله: أنه بعث نبيّا من العرب؟. ﴿وَهُوَ رَبُّنا﴾

стр. 330

﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ هو مالكنا، ومالككم، ومتولي شئوننا وشئونكم. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ العبادة. ﴿وَلَنا أَعْمالُنا:﴾ نجازى عليها. ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ تجزون عليها؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وتكرر هذا المعنى في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. هذا؛ والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. قال ﷺ : «إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا؛ فهو لشريكي، يا أيّها الناس! أخلصوا أعمالكم لله تعالى، فإنّ الله تعالى لا يقبل إلاّ ما خلص له، ولا تقولوا: لله، وللرّحم، فإنّها للرّحم، وليس لله منها شيء». رواه الضحاك بن قيس الفهري؛ قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره. خرّجه الدارقطني. وقال رويم: الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عوضا في الدّارين، ولا حظّا من الملكين. وقال الجنيد رحمه الله تعالى: الإخلاص بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك، فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله، وذكر أبو القاسم القشيري، وغيره عن النبي ﷺ : أنه قال: «سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت ربّ العزّة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سرّ من أسراري، استودعته قلب من أحببته من عبادي». انتهى قرطبي. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الزمر): ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾. وقد قال الرسول ﷺ : «من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة؛ فارقها؛ والله راض عنه». رواه ابن ماجة، والحاكم عن أنس-﵁. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَتُحَاجُّونَنا﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿تُحَاجُّونَنا﴾) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (نا) مفعوله. ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال، هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّنا:﴾ خبره، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ:﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، والضمير. ﴿وَلَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالُنا:﴾ مبتدأ مؤخّر. و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال، وأيضا الجملتان بعدها معطوفتان عليها، وإن اعتبرتها أحوالا متعددة؛ فلست مفنّدا. والجار والمجرور: ﴿لَهُ﴾ متعلقان ب ﴿مُخْلِصُونَ﴾ بعدهما.

стр. 331

﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ الشرح: ﴿أَمْ تَقُولُونَ:﴾ خطاب لليهود، والنصارى، وفيه توبيخ لهم. ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ:﴾ انظر الآيتين رقم [١٣٣] و [١٣٦]. ﴿كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى﴾ والمعنى: أتزعمون أنّ إبراهيم، وبنيه كانوا على دينكم، وملّتكم؟ وإنما حدثت اليهودية، والنصرانية بعدهم، فثبت كذبكم يا معشر اليهود والنصارى على إبراهيم، وبنيه. ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ أي: هل أنتم أعلم بديانتهم أم الله؟ وقد شهد الله لهم بملة الإسلام، وبرّأهم من اليهودية، والنصرانية، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ فكيف تزعمون: أنهم على دينكم؟. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ﴾ أي: أخفى: قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-كانوا يقرءون في كتاب الله الذي آتاهم: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ وإنّ محمدا رسول الله، وإنّ إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا براء من اليهودية، والنّصرانية، فشهد الله بذلك، وأقرّوا على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك. انتهى. والمعنى: ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله، فكتمها، وأخفاها. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تكرر ورود هذه الجملة في مواطن كثيرة من القرآن، قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: ولا تأتي هذه الجملة إلا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة: أن الله لا يترك أمرهم سدى. انتهى. والجملة فيها تهديد، ووعيد شديدان، والمعنى: أن الله لا يترك أمرهم سدى. انتهى. والمعنى: أن علمه تعالى محيط بأعمالهم صغيرها، وكبيرها، ويجزيهم بها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي تحتمل الاتصال، والانقطاع، وعلى الاتصال فهي معادلة للهمزة في قوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونَنا﴾ في الآية السابقة. ﴿تَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة على الانقطاع لا محل لها، ومعطوفة على جملة: ﴿أَتُحَاجُّونَنا﴾ على الاتصال، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ اسمها، والأسماء المذكورة معطوفة عليه. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُوداً﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على: ﴿هُوداً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.

стр. 332

﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿أَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي معادلة للهمزة. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الله أعلم، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كَتَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: هو، والجملة صلة: (من) أو صفتها. ﴿شَهادَةً:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: كتم الناس شهادة. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهادَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية، وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿كَتَمَ،﴾ ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» ﴿اللهُ﴾ اسم (﴿مَا﴾)، ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (﴿مَا﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و (﴿مَا﴾): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ ب (عن) التقدير: عن عملكم. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ انظر شرح هذه الآية وإعرابها برقم [١٣٤]. وكرّرت للمبالغة في التهديد، والتخويف، وللمبالغة في الزّجر عمّا هم فيه من الافتخار بالآباء، والاتكال على أعمالهم، والمعنى: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم، وفضلهم يجازون بكسبهم؛ فأنتم أحرى. ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ الشرح: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ..﴾. إلخ: السين: حرف استقبال، وهذه الآية نزلت قبل الآية رقم [١٤٤] الآتية، وهي مترتبة على ما يذكر فيها من تحويل القبلة إلى الكعبة المعظمة، فإذا هي من

стр. 333

الإخبار بالغيب، والحكمة من الإخبار بما يقول قبل وقوعه توطين نفوس المؤمنين على الصبر؛ إذ المفاجأة بالمكروه أشد، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأبلغ في الحجة، فقبل الرمي يراش السهم. وهذه الآية متقدّمة في نظم القرآن، متأخرة في النزول عن الآية التي أشرت إليها، ويعزون هذا إلى ابن عباس-﵄-وإلى غيره. فمعنى: ﴿سَيَقُولُ..﴾. إلخ: أنّهم يستمرّون على هذا القول، وإن كانوا قد قالوه. وحكمة الاستقبال: أنهم كما قالوا ذلك في الماضي، منهم من يقوله أيضا في المستقبل. انتهى ملخصا من الجمل. هذا؛ و ﴿السُّفَهاءُ﴾ جمع: سفيه، وهو الجاهل، ضعيف الرأي، قليل المعرفة بالمنافع والمضار. وأصل السّفه: الخفة، والرّقة، من قولهم: ثوب سفيه: إذا كان خفيف النّسج، والمراد: اليهود، والمنافقون. ﴿ما وَلاّهُمْ:﴾ ما صرفهم. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها:﴾ التي كانوا يتوجهون إليها في صلاتهم، وهي بيت المقدس. ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ:﴾ أي جميع جهاتها فهي ملك لله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء. ﴿يَهْدِي:﴾ يوجه، ويدل، ويرشد. ﴿مَنْ يَشاءُ:﴾ هدايته، وتوفيقه. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ لا اعوجاج فيه، وانظر سورة (الفاتحة)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وخرّج البخاري-رحمه الله تعالى-عن البراء بن عازب-﵁: أن النبي ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه أول صلاة صلاها-أي: إلى الكعبة-العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممّن كان صلى مع النبي ﷺ ، فمرّ على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا، كما هم قبل البيت ففي هذه الرواية كانت الصلاة صلاة العصر، وفي رواية مالك: صلاة الصبح، وقيل: صلاة الظهر. والمراد بأهل المسجد الذين مرّ عليهم الرّجل: أهل مسجد قباء. هذا؛ وقيل: نزل ذلك على النبي ﷺ في مسجد بني سلمة، وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها، فتحول في الصلاة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين. وكان التحوّل إلى الكعبة قبل موقعة بدر. هذا واختلف في اتجاه النبي ﷺ في صلاته قبل الهجرة، فقالت طائفة: إلى بيت المقدس، وبالمدينة ستة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى: إلى الكعبة. قاله ابن عباس ﵄. وقال آخرون: أول ما فرضت عليه الصّلاة إلى الكعبة، فلمّا هاجر؛ أمر بالتوجّه إلى بيت المقدس، ثمّ صرفه الله إلى الكعبة، قال أبو عمر: وهذا أصح القولين عندي. وقال أبو حاتم البستي: صلّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء، وذلك: أنّ قدومه المدينة كان يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول،

стр. 334

وأمره الله باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. انتهى كلّه من القرطبي بتصرّف كبير منّي. الإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ السين: حرف استقبال. (يقول السّفهاء): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السُّفَهاءُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَلاّهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾)، تقديره: هو، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما وَلاّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا عَلَيْها﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿الْمَشْرِقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لِلّهِ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف، أي: هدايته، وتوفيقه. والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. وقيل: هي في محل نصب مقول القول، والأوّل أقوى. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الإشارة إلى مفهوم الآية السابقة؛ أي: كما جعلناكم مهديّين إلى الصّراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل؛ جعلناكم... إلخ ﴿أُمَّةً وَسَطاً:﴾ خيارا، أو عدولا مزكّيين بالعلم، والعمل. وهو يستوي فيه المذكر، والمؤنث. ولمّا جعل الله هذه الأمة

стр. 335

وسطا؛ خصّها بأكمل الشّرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ وفي سورة (ن): ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أعدلهم، وخيرهم، وقال زهير في معلقته: [الطويل] هم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى اللّيالي بمعظم وفي الحديث: «خير الأمور أوساطها». وفيه عن علي-﵁: «عليكم بالنّمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النّازل». وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء، والوسط بسكون السين: الظرف، تقول: صليت وسط القوم، وجلست وسط القوم. قال الجوهري: كل موضع صلح فيه «بين» فهو وسط، وإن لم يصلح فيه «بين» فهو وسط بالتّحريك. وانظر الآية رقم [٢٣٧] الآتية. ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ هذا يكون يوم القيامة، يوم يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم السّابقة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ فينكرون، ويقولون: ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا! قد بلغنا، فيسألهم البينة-وهو أعلم بهم-إقامة للحجّة، فيقولون: أمّة محمد ﷺ تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد، ﵊ فيشهدون لهم: أنهم قد بلّغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا، وإنّما كانوا بعدنا؟ فيسأل الله هذه الأمّة، فيقولون: أرسلت إلينا رسولا كريما، وأنزلت عليه كتابا مبينا، أخبرتنا فيه بتبليغ الرّسل، وأنت صادق فيما أخبرت. ثم يؤتى بمحمّد سيّد الخلق، وحبيب الحقّ، فيسأل عن حال أمّته، فيزكّيهم ويشهد بصدقهم. انتهى. خازن. ﴿شُهَداءَ:﴾ جمع شاهد، أو شهيد. ﴿الرَّسُولُ﴾ المراد به هنا محمّد ﷺ . ﴿الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أي: أوّلا، وهي الكعبة المعظّمة، وكان النبيّ ﷺ يتوجّه إليها في صلاته، وهو في مكّة، كما رأيت فيما سبق، فلمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة؛ أمره ربّه باستقبال بيت المقدس، تألّفا لليهود، فصلّى مستقبلا إيّاه، كما رأيت فيما سبق، ثمّ حوّل، وهو ما تراه في الآية التالية. ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ..﴾. إلخ أي: لنمتحن به الناس، ونميّز من يتّبعك في التّوجه إليها ممّن يرتدّ عن دينك شكّا، وتحيّرا. وقد ارتدّ جماعة. هذا؛ والتعبير بقوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ استعارة تمثيلية؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ الآية [١٤٠] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (محمد ﷺ . ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ أي: وإنّ هذا التوجه والتحويل إلى الكعبة كان امتحانا كبيرا، وشاقّا على ضعفاء الإيمان، لكنّ الذي كتب الله لهم السعادة ثبتهم على الإيمان،

стр. 336

واتّباع الرسول ﷺ ، فلم يرتابوا. هذا؛ واسم (﴿كانَ﴾) يعود إلى القبلة، أو التّحويلة، أو التولية، فلذا أنث الفعل. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي: وما كان ليضيع ثواب صلاتكم إلى بيت المقدس. وذلك أنّ بعض اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس: إن كانت على هدى؛ فقد تحوّلتم عنه، وإن كانت على ضلالة؛ فقد دنتم الله بها مدّة، ومن مات منكم عليها؛ فقد مات على ضلالة؟! فانطلق جماعة من المسلمين إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! قد صرفك الله إلى ملّة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟! فأنزل الله: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾. انتهى جمل بتصرّف. هذا؛ وقد عبّر الله تعالى عن الصّلاة بالإيمان لعظم شأنها، وجلالة قدرها، وأنّها قاعدة الإسلام، وروح الإيمان. ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الرأفة: شدة الرحمة، والعطف والحنان، وفي الصّحيح: أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت كلّما وجدت صبيّا من السّبي؛ أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلمّا وجدته؛ ضمّته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه طارحة ولدها في النّار؛ وهي تقدر على ألا تطرحه؟». قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها!». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٦] فإنّه جيّد، والحمد لله!. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَذلِكَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَعَلْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أول. ﴿أُمَّةً،﴾ مفعول به ثان. ﴿وَسَطاً:﴾ صفة. ﴿أُمَّةً﴾ وجملة: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، انظر تأويل الكلام في الشرح. ﴿لِتَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبره. و «أن» المضمرة والفعل: (تكونوا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أي: جعلناكم لكونكم شهداء على الناس في المستقبل. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿شَهِيداً﴾. ﴿وَيَكُونَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿الرَّسُولُ:﴾ اسمه. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شَهِيداً﴾. و ﴿شَهِيداً:﴾ خبر ل (﴿يَكُونَ﴾). ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقِبْلَةَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْقِبْلَةَ﴾. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كُنْتَ،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿الَّتِي،﴾ وتقدير الكلام:

стр. 337

جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿لِنَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿مَنْ:﴾ مفعول به. وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. وجملة: ﴿يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الاستثناء؛ إذ المعنى: وما رددناك إلى القبلة الّتي تحب أن تستقبلها، إلا امتحانا للناس، وابتلاء؛ لنعلم.... ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان بالفعل (نعلم) ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والأول أقوى. ﴿يَنْقَلِبُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما في محل نصب حال من الفاعل المستتر، التقدير: ينقلب مرتدّا على عقبيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (﴿ما جَعَلْنَا..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) الواقعة فاعلا؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرّابط: الواو، والضمير، وهو (نا). ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنْ﴾): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها تقديره: هي، يعود إلى التولية المفهومة من الكلام السابق، أو إلى القبلة، والأول أقوى معنى. ﴿لَكَبِيرَةً:﴾ اللام: هي الفارقة بين «إن» النّافية، والمخفّفة المهملة. هذا؛ ويقول الكوفيون: إنّ (إن) نافية بمعنى «ما» واللام بمعنى «إلاّ» وهو ضعيف جدّا، وغير مسلّم لهم. (كبيرة): خبر كانت. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب (كبيرة) أو بمحذوف صفة لها. ﴿هَدَى:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: على الذين هداهم الله، وجملة: ﴿وَإِنْ كانَتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من التولية، أو من القبلة، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها؛ فلست مفندا. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لِيُضِيعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: وما كان الله مريدا إضاعة إيمانكم، وجملة: (﴿ما كانَ اللهُ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِيمانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِالنّاسِ:﴾ متعلقان بأحد الاسمين بعدهما على التنازع، ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (رءوف رحيم) خبران ل ﴿إِنْ﴾ والجملة الاسمية تعليل للنفي المتقدّم لا محل لها.

стр. 338

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ الشرح: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ:﴾ ذكرت لك: أن هذه مقدّمة في النزول على الآية رقم [١٣٨]، ومعنى ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ:﴾ تردّد وجهك في جهة السماء تطلّعا للوحي، قال السّدّي: كان النبي ﷺ إذا صلى نحو بيت المقدس؛ رفع رأسه إلى السّماء ينظر ما يؤمر به، وكان يحبّ أن يصلي إلى قبل الكعبة. وخصّ السماء بالذكر؛ إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها، ويعود منها كالمطر، والرحمة، والوحي. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ:﴾ فلنجعلنك تتوجه في صلاتك إلى الكعبة المعظمة، التي ﴿تَرْضاها:﴾ تحبّها، وتتشوّق بالاتجاه إليها. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ:﴾ اصرف وجهك، وتوجّه في صلاتك. ﴿شَطْرَ:﴾ جهة. قال الشاعر: [الوافر] أقول لأمّ زنباع أقيمي... صدور العيس شطر بني تميم هذا؛ وشطر الشيء: نصفه، ومنه قول النبي ﷺ : «الطّهور شطر الإيمان» وجمعه: أشطر، وشاطره ماله: إذا ناصفه إياه. والشّاطر: المتصف بالدّهاء، والمكر، والخبث. والشّطير: البعيد، والغريب، ومنه قول الشّاعر، وهو الشّاهد رقم [٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] لا تتركنّي فيهمو شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: المحرّم فيه الظلم، والاعتداء، ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه، ومن دخله كان آمنا، والمراد بالمسجد الحرام الكعبة المعظمة، ويطلق أيضا على ما حولها مهما اتّسع. ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ:﴾ في أيّ أرض، وفي أيّ مكان من المعمورة. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:﴾ فتوجّهوا في صلاتكم إليه، واجعلوه قبلتكم، والفعل منه من الأضداد يتغيّر معناه بتغيّر الجار. يقال: أشطر إلى كذا: إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا: إذا أبعد منه، وأعرض عنه، وانظر الآية رقم [١٣٠]. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ المراد بهم اليهود الذين كانوا في عصره ﷺ . ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ..﴾. إلخ: ذلك؛ لأن من صفات النبي ﷺ في كتبهم: أنه يصلّي إلى القبلتين: الكعبة، وبيت المقدس، ويستقر الأمر بالتوجّه إلى الكعبة المعظمة. والضمير المتصل ب: ﴿أَنَّهُ﴾ عائد إلى التوجّه إلى الكعبة المفهوم من الكلام السابق. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤٠].

стр. 339

تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أنّ النبيّ ﷺ بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة أمره ربه أن يستقبل بيت المقدس في صلاته تأليفا لليهود، فرضي، وأحبّ، وامتثل، وصلّى نحوه ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، ومع ذلك كان يحبّ بطبعه أن يستقبل الكعبة؛ لأنّها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين، وأدعى للعرب إلى الإيمان، ولمخالفة اليهود اللّؤماء؛ الذين ناصبوه العداء، فقال لجبريل ﵇: «وددت لو حوّلني الله إلى الكعبة» فقال جبريل ﵇: إنّما أنا عبد مثلك. وجعل ﵊ يديم النظر إلى السّماء رجاء أن ينزل جبريل ﵇ بما يحبّ من أمر القبلة، فأنزل الله تحقيقا لأمنيته، واستجابة لرغبته: ﴿قَدْ نَرى..﴾. إلخ. انتهى. خازن، وبيضاوي بتصرف. ورحم الله من يقول: [الكامل] كم للنّبيّ المصطفى من آية... غرّاء حار الفكر في معناها لمّا رأى الباري تقلّب وجهه... ولاّه أيمن قبلة يرضاها الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، وقيل: هي حرف تكثير هنا. ﴿نَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، وهو بصري، اكتفى بمفعول واحد، وهو: ﴿تَقَلُّبَ﴾. و ﴿تَقَلُّبَ﴾ مضاف، و ﴿وَجْهِكَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿تَقَلُّبَ﴾. وأجيز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من: ﴿وَجْهِكَ﴾ أي: متطلّعا في السّماء. والجملة الفعلية: ﴿قَدْ نَرى..﴾. إلخ هي في المعنى علّة ثانية لقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا..﴾. إلخ في الآية السابقة. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تفريع عما سبق. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نولينك): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل لها، والكاف: مفعول به أول. ﴿قِبْلَةً:﴾ مفعول به ثان، والفاعل: مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه كلام مفرّع عما قبله، لا محل له. ﴿تَرْضاها:﴾ (ترضى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر، و (ها): مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قِبْلَةً﴾ أي: قبلة مرضية عندك، أو لك. ﴿فَوَلِّ﴾ الفاء: هي الفصيحة، (ولّ): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت. ﴿وَجْهِكَ:﴾ مفعول به، الكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَطْرَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: هو مفعول ثان: وهو مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة المسجد، والجملة الفعلية: ﴿فَوَلِّ..﴾. إلخ

стр. 340

لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا» إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فولّ إلخ. ﴿وَحَيْثُ ما:﴾ الواو: حرف عطف. (حيثما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بمحذوف في محل نصب خبر ل ﴿كُنْتُمْ﴾ تقدّم عليه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فَوَلُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ولّوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها شرط غير ظرفي. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿شَطْرَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿وَحَيْثُ ما..﴾. إلخ ومدخولها كلام معطوف على الشرط المقدّر السابق، ومدخوله، لا محل له مثله. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿إِنَّ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو: نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَيَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، واللام هي المزحلقة. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر (أنّ)، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (يعلمون)، ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الحق، والجملة الفعلية: ﴿لَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من التوجه إلى الكعبة المفهوم من الكلام السابق، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٤٠]. ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ..﴾. إلخ أي: وعزتي، وجلالي لئن جئت اليهود، والنّصارى بكلّ معجزة، وبرهان، وحجّة على صدقك في أمر القبلة، وغيره ممّا بعثك الله به؛ ما اتبعوك يا محمد! ولا صلّوا إلى قبلتك! فهو قطع لأمل الرسول ﷺ في إيمانهم؛ لأنهم لم يتركوا الإيمان لشبهة تزيلها الحجّة، وإنما كفروا مكابرة، وعنادا. ﴿وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ:﴾ هذا قطع

стр. 341

لأطماعهم، فإنّهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا؛ لكنا نرجو: أنه صاحبنا الّذي ننتظره. وهم كاذبون في قولهم هذا. ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أي: إنّ اليهود لا يصلّون إلى قبلة النّصارى، وهي مشرق الشّمس، وإن النّصارى لا يصلون إلى قبلة اليهود، وهي بيت المقدس، فهذا إعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ..﴾. إلخ: هذا على سبيل الفرض، والتقدير. ومحال أن يتّبع الرّسول ﷺ آراءهم الزائفة! ومثله في الآية رقم [١٢٠]. ﴿إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم باتّباع ما لم يأذن به الله. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿بِكُلِّ﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَتَيْتَ،﴾ و (كل) مضاف، و ﴿آيَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَبِعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿قِبْلَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والجملة القسمية، والشرطية كلتاهما معطوفتان على جملة: (حيثما...) إلخ في الآية السابقة، والاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (﴿ما﴾). ﴿بِتابِعٍ:﴾ الباء حرف جر صلة. (تابع): خبر (﴿ما﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿قِبْلَتَهُمْ:﴾ مفعول به ل (تابع)، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الشرطية، وإعراب: ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلها، وهي أيضا معطوفة على ما قبلها، ولا يخفى عليك بعد ما تقدم إعراب: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِتَّبَعْتَ،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿جاءَكَ﴾ المستتر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل

стр. 342

والكاف اسمه. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء، لا عمل له هنا. هذا؛ وإن اعتبرته ظرفا متعلقا ب ﴿الظّالِمِينَ﴾ بعده؛ فلست مفندا. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من ﴿الظّالِمِينَ﴾): متعلقان بمحذوف خبر (إن)، التقدير: إنك لكائن من الظالمين حينئذ، والجملة الاسمية جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهذا الكلام معطوف على سابقه. ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ هم اليهود، والنّصارى، والمراد: علماؤهم. ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ الضمير يعود لرسول الله ﷺ وإن لم يسبق له ذكر؛ لدلالة الكلام عليه، وعدم اللّبس. ويقال: بل سبق ذكره بلفظ الرسول مرّتين، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم، وذلك بنعته في كتبهم. قال عبد الله بن سلام-﵁: لقد عرفت محمّدا كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشدّ، فقال له عمر-﵁: ولم؟ قال: لأنّي لست أشكّ في محمّد: أنه نبيّ، فأمّا ولدي، فلعل والدته قد خانت، فقبّل رأسه، وفي رواية: أنّ عمر-﵁-قال لعبد الله بن سلام-﵁: أتعرف محمدا ﷺ ، كما تعرف ابنك؟ قال: نعم، وأكثر! بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمّه. وإنّما خصّ الأبناء بالذّكر دون البنات؛ لأنّ الذكور أشهر، وأعرف، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. انتهى كشاف. ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً:﴾ جماعة من اليهود، والنصارى، والمراد رؤساهم، وعلماؤهم. ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ:﴾ ليخفون، وينكرون صفات النّبيّ ﷺ الموجودة في التوراة، والإنجيل، وهم يعلمون: أنّ كتمان الحق، ونكرانه معصية من أعظم المعاصي، وهو ظاهر في صحة الكفر عنادا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾. عن عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-قال: لقيت عبد الله بن عمرو-﵄، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: «أجل، والله إنّه لموصوف في التّوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وحرزا للأميّين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل؛ ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسّيئة السّيئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعين عميّ، وآذان صمّ، وقلوب غلف». رواه البخاريّ، وأحمد.

стр. 343

الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ ويجوز اعتبار الموصول صفة ل ﴿الظّالِمِينَ﴾ أو بدلا منه، وعليه فجملة: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يعرفونه معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم... إلخ. وانظر: ﴿كَما سُئِلَ﴾ في الآية رقم [١٠٨]. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿فَرِيقاً:﴾ اسمها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقاً:﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿لَيَكْتُمُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يكتمون): مضارع، وفاعله. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المقدر في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة؛ التي هي فاعل (يكتمون) فهي حال متداخلة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ الشرح: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: ما أنت عليه يا محمد من الهدى، والنور إنما هو الحقّ، ومن ذلك استقبال الكعبة، لا ما أخبرك به اليهود من استقبال بيت المقدس. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ الشّاكين في الذي أنت عليه، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنه من المحال أن يشكّ النّبيّ ﷺ ، فيما أنزل إليه من ربه، هذا؛ وقيل: الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد أمته؛ لأن النهي المذكور محال في حقه ﷺ . وحاصل الجواب: أن متعلّق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقيّة القرآن، وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنه من باب التهييج، والتّحريض على الأمر. والامتراء: الشك، ومنه المراء، والتماري، والمماراة؛ لأنّ كلّ واحد منهم يشك في قول صاحبه. وانظر مثل هذه الآية في مماراة النّصارى لسيّد الخلق في شأن عيسى في الآية رقم [٦٠] من سورة (آل عمران). الإعراب: ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وجوز أن يكون

стр. 344

﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبره محذوفا؛ أي: الحقّ من ربك يعرفونه، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ﴾ وهو ضعيف كما ذكرته فيما مضى. هذا؛ وقرئ بنصب («الحقّ»)، وخرج على وجوه: على أنّه منصوب ب ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ أو على تقدير: الزم الحق، أو على اعتباره بدلا من سابقه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم بلا الناهية، والنون حرف لا محل له، اسمه ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونَنَّ:﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المحذوف المقدر ب «إذا»، والشرط المقدر، ومدخوله كلام مستأنف لا محل له فيما يظهر. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ:﴾ أي: لكلّ فريق من المسلمين، واليهود، والنصارى. وجهته. والقياس: جهة، مثل: زنة، وعدة، وقد جاء على الأصل المتروك في عدة، وزنة. هذا؛ وقيل: سلمت الواو في ﴿وِجْهَةٌ﴾ للفرق بين عدة، وزنة؛ لأنّ «جهة» ظرف، وتلك مصادر، ومعنى ﴿وِجْهَةٌ:﴾ قبلة يتّجه إليها في صلاته، فقبلة المسلمين الكعبة، وقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النّصارى مشرق الشمس. ﴿هُوَ:﴾ في هذا الضمير وجهان: أحدهما هو ضمير اسم الله، والثّاني: هو ضمير (كلّ) فعلى الأولى المعنى: الله موجّه من يشاء إلى الجهة التي يشاؤها، وعلى الثاني المعنى: صاحب القبلة مولّيها نفسه. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ أي: سارعوا، وبادروا، وتنافسوا في الخيرات، وهي الطّاعات. قال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، وقال جلّ ذكره: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾. ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً:﴾ أي: يجمعكم يوم القيامة للحساب، والجزاء، فيجازيكم بأعمالكم، والله قادر مقتدر، لا يعجزه شيء. هذا؛ والرسول ﷺ حثنا كذلك على المسابقة في الأعمال الصالحات، والمسابقة إلى الخيرات قبل فوات الأوان، وضياع الفرص، فقال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرّجل مؤمنا، ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدّنيا». أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁. فالله ورسوله لم يحثّا العباد على جمع الدّنيا، والركض فيها، والتّفاني في جمع حطامها الفاني، بل حثّا على المسابقة على الطّاعات، والمسارعة إلى الأعمال الصّالحات.

стр. 345

الإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِكُلٍّ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿وِجْهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُوَلِّيها:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر فيه، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: موليها ذلك الفريق بأمره. وهذا على اعتبار: ﴿هُوَ:﴾ ضمير اسم الله، وأما على الاعتبار الثاني فيه، فالتقدير: ﴿هُوَ﴾ أي: الفريق مولّي الوجهة نفسه، وهذا أقوى من الأول، ويؤيده قراءة: («هو مولاّها») بفتح اللام، وصيغة المفعول. فنائب الفاعل-وهو المفعول الأول-يعود إلى كل فريق، و (ها): مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ في محل رفع صفة: ﴿وِجْهَةٌ﴾. هذا؛ وقال مكيّ: واللام في (﴿لِكُلٍّ﴾) متعلق ب: (مولي)، وهي زائدة. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. ﴿الْخَيْراتِ:﴾ منصوب بنزع الخافض، والناصب له عند البصريين النزع، وعند الكوفيين الفعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فاستبقوا الخيرات. ﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، وبعضهم يعتبر (﴿ما﴾) زائدة. فيكون مبنيّا على الفتح، وهو في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف في محل نصب خبر ﴿تَكُونُوا؛﴾ لأنه ناقص، وهو فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلة ابتدائية لا محل لها بمفردها. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ومتعلقه محذوف. انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والشرط ومدخوله كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ إعراب هذه الجملة واضح إن شاء الله تعالى، وهي تعليل لمدخول الشرط. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ أي: من أيّ مكان خرجت للسّفر، وفي أيّ مكان كنت فيه. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: التوجه إلى الكعبة حيثما وجد المسلم. وكرّر الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لتأكيد أمر القبلة، وتشديده، لأنّ النّسخ من مظانّ الفتنة، والشبهة، فكرّر عليهم ليثبتوا، على أنّه نيط بكلّ واحد ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها. انتهى. نسفي. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤٠] ويقرأ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء، والتاء. الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): حرف جر. ﴿حَيْثُ:﴾ اسم مبني على الضم في محل جر ب (﴿مِنْ﴾)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ولّ) الآتي. ﴿خَرَجْتَ﴾ فعل

стр. 346

وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿فَوَلِّ:﴾ الفاء: حرف جر صلة، وإن اعتبرتها حرفا أصليّا دالاّ على الاستئناف؛ فالواو تكون زائدة. (ولّ): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، الفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به أوّل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَطْرَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: هو مفعول ثان، وهو مضاف، و ﴿الْمَسْجِدِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ،﴾ والجملة الفعلية: (ولّ...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها. هذا؛ وهناك أوجه أخر في إعراب ما تقدّم، فبعضهم يعتبر ﴿حَيْثُ﴾ شرطا يحتاج إلى فعل شرط، وجواب، والفعل ﴿خَرَجْتَ﴾ شرطه، وجملة ﴿فَوَلِّ﴾ جوابه، وهذا غير مسلّم؛ لأنه يشترط أن تتصل (ما) ب ﴿حَيْثُ﴾ لتكون من أدوات الشرط الجازمة، وبعضهم يعلق: ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ بفعل محذوف عطف عليه: ﴿فَوَلِّ،﴾ والتقدير: ومن حيث خرجت افعل ما أمرت به فول... إلخ، وهذا ظاهر فيه التكلف. فالوجه ما ذكرته أولا. والله أعلم. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿إِنَّهُ﴾): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَلْحَقُّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (الحق): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من التوجه المفهوم من الكلام السابق، وهو أقوى من الاستئناف، والعطف لا وجه له هنا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (الحق)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس»، ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على (ما) قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، والرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو: عن شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن) التقدير: بغافل عن عملكم. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ..﴾. إلخ: هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض. وقد اختلفوا في حكمة هذا التّكرار ثلاث مرّات، فقيل: تأكيد

стр. 347

لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نصّ عليه ابن عباس، وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأول: لمن شاهد الكعبة، والأمر الثاني: لمن هو في مكة غائبا عن الكعبة، والأمر الثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول: لمن هو في مكة، والثاني: لمن هو في بقيّة الأمصار، والثالث: لمن خرج في الأسفار. ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ:﴾ المراد بهم اليهود، فإنّهم يعلمون من صفة هذه الأمّة التوجّه إلى الكعبة، فإن فقدوا ذلك من صفتها؛ ربما احتجّوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجّوا بموافقة المسلمين إيّاهم في التوجّه إلى بيت المقدس. وقال أبو العالية: يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه، وكانت حجّتهم على النبي ﷺ انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا: سيرجع إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: إلا المعاندين منهم: اليهود، والمشركون، فاليهود قالوا: ما تحوّل محمد إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين آبائه، وحبّا لبلده. والمشركون قالوا: رجع محمّد إلى قبلة إبراهيم، وسيرجع إلى دين آبائه، وأجداده. وجواب الجميع: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربّه تعالى في ذلك، ثمّ صرفه إلى قبلة إبراهيم، وهي الكعبة، فامتثل أمر الله تعالى في ذلك أيضا، فهو-صلوات الله وسلامه عليه-مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله تعالى طرفة عين، وأمته تبع له. ذكر الأخفش، والفرّاء، وأبو عبيدة، ومعمر بن المثنى: أنّ «إلاّ» تأتي عاطفة بمنزلة الواو في التّشريك في اللفظ، والمعنى، وجعلوا منه: ﴿إِلاَّ﴾ في هذه الآية، والآية رقم [١١] من سورة النّمل، وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع، وخذ قول الفرزدق: [البسيط] ما بالمدينة دار غير واحدة... دار الخليفة إلاّ دار مروانا فالعطف فيه ظاهر، وأيضا قول الآخر: [الكامل] وأرى لها دارا بأغدرة ال... يدان لم يدرس لها رسم إلاّ رمادا هامدا دفعت... عنه الرّياح خوالد سحم هذا؛ والمراد بحجّتهم الاعتراض، والمجادلة بالباطل، لا الحجّة حقيقة، والمجادلة الباطلة قد تسمّى حجة، كقوله تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لشبهها لها صورة، وسمّاها الله تعالى حجّة، وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة. والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة؛ حيث قالوا: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ وتحيّر محمّد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تصدر إلا من عابد وثن، أو من يهوديّ، أو منافق.

стр. 348

﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ:﴾ فلا تخافوا جدالهم في التوجّه إلى الكعبة. ﴿وَاخْشَوْنِي:﴾ خافوني بامتثال أمري، واجتناب نهيي، هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر خشية، والرّجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي خشي بمعنى: علم القلبيّة، قال الشاعر المسلم: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾. قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية أصلها: طمأنينة في القلب تبعث على الترقّي. والخوف: فزع القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفة الأعضاء سمّي خوفا. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالهداية، والتوفيق إلى القيام بما آمركم به، والابتعاد عمّا أنهاكم عنه، وأيضا بالرّضا، والتسليم، والاستسلام لكلّ ما شرعت من الأحكام، من تغيير، وتبديل، وناسخ، ومنسوخ من التعاليم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ توفّقون إلى الحق. وإلى ما ضلّت عنه الأمم، وهديناكم إليه، وخصصناكم به، وبهذا كانت هذه الأمّة أشرف الأمم، وأفضلها. الإعراب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ هو مثل الآية السابقة بلا فارق، وهي معطوفة عليها، ومؤكّدة لها. ﴿وَحَيْثُ ما:﴾ الواو: حرف عطف. (حيثما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية. وبعضهم يقول: مبني على الضمّ على اعتبار (ما) زائدة، متعلق بمحذوف في محل نصب خبر ل ﴿كُنْتُمْ﴾ تقدّم عليه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فَوَلُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ولوا): فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَطْرَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، والجملة الفعلية: (ولوا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿لِئَلاّ..﴾. إلخ: اللام: حرف تعليل وجر. (أن): حرف مصدري ونصب مدغم في (لا) النافية. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن». ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف المقدّم. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حُجَّةٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، ﴿حُجَّةٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر، و «أن» والفعل: ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعلنا ذلك لقطع حجة

стр. 349

الناس عليكم. وهذا الكلام مستأنف مبين لحكمة التوجه إلى الكعبة المشرفة. ﴿إِلاَّ﴾ حرف استثناء ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من (النّاس)، وجملة: ﴿ظَلَمُوا:﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان للموصول. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة فيما أرى، ويعتبرها ابن هشام للسببية المحضة، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخْشَوْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿وَاخْشَوْنِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلِأُتِمَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: أنا، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ..﴾. إلخ. وقال الزجاج: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم نعمتي، فهما متعلقان ب «عرفتكم». ﴿نِعْمَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (أتمّ). ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية معطوفة على (ما) قبلها، فهي تعليل ثالث لقطع حجّة الناس عليكم. ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ الشرح: ﴿كَما أَرْسَلْنا:﴾ انظر الإعراب لربطه بما قبله. أو بما بعده. ﴿فِيكُمْ:﴾ الخطاب للعرب. ﴿رَسُولاً:﴾ هو محمد ﷺ ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من العرب المخاطبين، ولم يبعثه من العجم كما لم يبعثه ملكا من الملائكة. ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [١٢٩] مع ملاحظة الغيبة هناك، والخطاب هنا. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ:﴾ هذه الجملة بعد سابقتها من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لإفادة

стр. 350

الشمول، وهذا يسمّى في البلاغة بالإطناب، والمعنى: يعلمكم أمورا لا تعلمونها بعقولكم، ولا تصل إليها أفهامكم، وذلك بأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وأخبار الحوادث المستقبلة، بالإضافة إلى الأمور التشريعية؛ التي لم تكن موجودة في الديانات السابقة ولا علم لكم بها. هذا؛ ومعنى الآية الكريمة: أن الله تعالى يذكّر عباده المؤمنين بما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ ، فهو يقرأ عليهم آيات القرآن البينات، ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة المطهرة وغير ذلك مما ذكرته سابقا، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول العقلاء، والحكماء، فانتقلوا ببركة رسالته، وبمنّ دعوته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علما، وأبرّهم قلوبا، وأطهرهم نفوسا، وأصدقهم حجة، وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٦٤]: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وقال تعالى في سورة الجمعة رقم [٢]: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. الإعراب: ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيكُمْ:﴾ صفة ﴿رَسُولاً﴾ و (ما) المصدرية، والفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل: (أتمّ) في الآية السابقة، وتقدير الكلام: لأتمّ نعمتي عليكم إتماما كائنا مثل إرسالنا فيكم رسولا. هذا؛ وجوز البيضاوي، والنّسفي تبعا للزمخشري تعليق الجار والمجرور بالآية التالية؛ أي: فاذكروني كما ذكرتكم بإرسال رسول... إلخ، والأول قاله الفرّاء، واستحسنه ابن عطيّة. والثاني اختاره الزجّاج. وقال القرطبيّ: وهو اختيار الترمذيّ الحكيم في كتابه... إلخ، كما أجيز تعليقهما بمحذوف حال من الكاف، والميم، والمعنى: ولأتمّ نعمتي عليكم في هذه الحال. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولاً﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رَسُولاً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، والجمل بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (﴿يُزَكِّيكُمْ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى رسولا، والكاف مفعول به، (﴿يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾): مضارع، ومفعولاه، والفاعل يعود إلى رسولا أيضا. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله. (﴿يُعَلِّمُكُمُ﴾): مضارع ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولاً.﴾. ﴿ما:﴾

стр. 351

تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يعلمكم الذي، أو: شيئا لم تكونوا تعلمونه. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: معناه: اذكروني بطاعتي؛ أذكركم بمعونتي. وقيل: اذكروني في النعمة، والرّخاء؛ أذكركم في الشدّة والبلاء. وقال أهل المعاني: اذكروني بالتّوحيد، والإيمان؛ أذكركم بالجنان، والرّضوان، وقيل: اذكروني بالإخلاص؛ أذكركم بالخلاص، وقيل غير ذلك. هذا؛ وقال أرباب المعاني: ربط بني إسرائيل بذكر النّعمة؛ حيث قال: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٠]، وأسقطه عن أمّة محمد ﷺ ، ودعاهم إلى ذكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ليكون نظر الأمم من النّعمة إلى المنعم، ونظر أمّة محمد ﷺ من المنعم إلى النّعمة. وقال بعض العارفين: عبيد النّعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إسرائيل بنعمه عليهم؛ حتّى يعرفوا منها المنعم. فقال: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ، وأما أمّة محمد ﷺ ، فقد ذكّرهم بالمنعم، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ليتعرفوا من المنعم على النّعمة، وشتّان ما بين الأمرين. هذا؛ وانظر الشكر في الآية رقم [٥٢]. ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أي: لا تجحدون، وسمّي الجحود كفرانا؛ لأنه مثل الكفر في التغطية، والستر، وقلب الشيء عن وجهه. بعد هذا فقد جعل الله لكل طاعة، وعبادة أولا وآخرا إلا الذكر، فإنّه لا أوّل له، ولا آخر، قال تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٥]: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ أي: كثيرا، وقال فيها أيضا رقم [٤١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ وقال ابن عباس-﵄: لم يفرض الله- -على عباده فريضة إلا وجعل لها حدّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر؛ غير الذّكر، فإنّه لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلّبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلّها، فقال تعالى في سورة النساء رقم [١٠٣]: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ وقال جل ذكره: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ يعني: باللّيل والنّهار، في البرّ والبحر، في الصّحة والمرض، في السرّ والعلانية، وقيل: الذّكر الكثير هو أن لا ينساه أبدا. وخذ ما يلي:

стр. 352

فعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟». قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». قال معاذ بن جبل-﵁: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من عجز منكم عن اللّيل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدوّ أن يجاهده؛ فليكثر ذكر الله». رواه الطّبراني، والبيهقيّ، وغيرهما. وعن عبد الله بن عمرو-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «إنّ لكلّ شيء صقالة، وإنّ صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولو أن يضرب بسيفه؛ حتّى ينقطع». رواه البيهقيّ، وغيره. وعن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدّنيا، والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطّبراني. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال النّبي ﷺ : «مثل الّذي يذكر ربّه، والّذي لا يذكر الله مثل الحيّ والميت». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وغيره. وفي التّحذير من غفلة القلب عن ذكر الله خذ ما يلي: فعن عائشة-﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ساعة تمرّ بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير؛ إلاّ تحسّر عليها يوم القيامة». رواه البيهقي، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيّهم؛ إلاّ كان عليهم ترة، فإن شاء؛ عذّبهم، وإن شاء؛ غفر لهم». رواه أبو داود، والترمذي، والبيهقي. وتكرّم النبيّ ﷺ ، وتفضل بما يلي: «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه أبو داود، والترمذي، والنّسائي عن أبي هريرة-﵁. وعن سعد بن أبي وقاص-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير الذّكر الخفيّ، وخير الرّزق ما يكفي». رواه ابن حبّان، وأبو عوانة في صحيحيهما. نعم أفضل الذكر

стр. 353

الخفيّ، وأما الذين يذكرون الله رقصا، ودبكا، وصياحا؛ فليسوا على شيء! وانظر ما ذكرته بشأن هؤلاء الجهلة في سورة (ص) رقم [٤٤] وفي (الزّمر) رقم [٢٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقال عبد الله بن زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى: ظننت أنّي أحبه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ،﴾ وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو قد رضي عني، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وظننت: أني أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ -ولا تنس الآية التي نحن بصدد شرحها-. وظننت أني أتوب، فإذا هو قد تاب عليّ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾. الإعراب: ﴿فَاذْكُرُونِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، (اذكروني): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاذكروني. ﴿أَذْكُرْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تذكروني أذكركم، وعليه فالفاء للاستئناف لاستحالة تقدير شرطين على مدخول واحد، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكْفُرُونِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [١٠٤]. هذا؛ ولمّا فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، وعدم الجحود للنّعم شرع في بيان الصبر، والإرشاد، والاستعانة بالصبر، والصلاة على متاعب الحياة، ومحنها، فإنّ العبد إما أن يكون في نعمة؛ فيشكر عليها، أو في نقمة؛ فيصبر عليها، كما جاء في قول النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن، إنّ أمره له كلّه خير، وليس ذلك إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء؛ شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء؛ صبر، فكان خيرا له»، رواه مسلم عن صهيب الرّومي-﵁، وبيّن الله أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المصائب الصبر، والصّلاة، انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي: بالمعونة، والهداية، والتوفيق، والرعاية، والسّداد. هذا؛ ومعية الله على نوعين: عامّة، وخاصّة، فالأولى: لكلّ الناس، وهي معيّة بالعلم، والقدرة، والإحاطة. والثانية: للمؤمنين المتّقين، والمحسنين، هي: الحفظ، والنصر، والتأييد، والمعونة... إلخ، قال

стр. 354

تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. هذا، وبالإضافة لما ذكر فيما تقدم بشأن الصّلاة؛ فخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟! قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا». رواه الستّة إلا أبا داود. ولكن يجب أن تعلم: أنّ الصلاة يمحو الله بها الصّغائر من الذّنوب، وأما الكبائر؛ فلا يمحوها صوم، ولا صلاة، ولا حجّ، ولا زكاة، وعلى الأخص حقوق النّاس، فقد قال الرسول ﷺ : «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ، إذا اجتنبت الكبائر». وفي رواية: «ما لم تفش الكبائر». الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له أقحم للتّوكيد، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (﴿أَيُّهَا﴾)، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِسْتَعِينُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها، لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿الصّابِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ الشرح: نزلت هذه الآية الكريمة فيمن قتل من المسلمين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعمير بن أبي وقاص، وعمرو بن نضلة، وعاقل بن البكير، ومهجع مولى لعمر بن الخطاب، وصفوان ابن بيضاء، وثمانية من الأنصار، وهم: سعد بن خيثمة، ومبشّر بن عبد بن المنذر، ويزيد بن الحارث، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلّى، وحارثة بن سراقة، وعوف، ومعوّذ، ابنا الحارث، وأمّهما اسمها عفراء-﵃ أجمعين-، كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا، ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية، وهي برهان قاطع على أنّ حياة الشّهداء ليست بالجسد، ولا من جنس ما يحسّ به من الحيوانات، وإنّما هي أمر لا يدرك بالعقل، بل بالوحي. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّ الشهداء أحياء عند ربهم، تعرض

стр. 355

أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الرّوح، والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوّا، وعشيّا، فيصل إليهم الوجع، والألم. وفي هذه الآية دلالة على: أنّ الأرواح جواهر قائمة بنفسها، مغايرة لما يحسّ به من البدن، تبقى بعد الموت داركة. وعليه جمهور الصّحابة، والتابعين، وبه نطقت الآيات، والسّنن، وعلى هذا فتخصيص الشّهداء لاختصاصهم بالقرب من الله، ومزيد البهجة والكرامة. انتهى. بيضاوي، وغيره بتصرّف. ففيه دليل على أن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم. وهم في قبورهم، وكذا العصاة يعذبون في قبورهم، والنعيم والعذاب في القبر، إنما هو للروح فقط؛ لأنّ الجسد يطرأ عليه الفناء كما هو معروف. ﴿وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا ترونهم أحياء، فتعلمون ذلك حقيقة، وإنما تعلمون ذلك بإخباري إيّاكم. هذا؛ والثابت في القرآن والسنة النبوية: أن جميع المطيعين من المسلمين، يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم، وإنما خص الشهداء بالذكر؛ لأنهم فضلوا على غيرهم بمزيد من النعيم، والتكريم، والتعظيم، وعلوّ الدّرجات، وكثير النفحات، والبركات. وخذ ما يلي: فعن معاذ بن جبل-﵁: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ فقد وجبت له الجنّة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثمّ مات، أو قتل؛ فإنّ له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة؛ فإنّها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك». رواه أبو داود، والتّرمذيّ. وعن أبي هريرة-﵁. أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السّماء والأرض». رواه البخاريّ. وعن أنس-﵁-عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وإنّ له ما على الأرض من شيء إلاّ الشّهيد، فإنّه يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا، فيقتل عشر مرّات؛ لما يرى من الكرامة». وفي رواية: «لما يرى من فضل الشّهادة». رواه الشيخان، وغيرهما. وعنه أيضا-﵁: أنّ الرّبيّع بنت البراء-﵂-وهي أمّ حارثة بن سراقة-أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! ألا تحدّثني عن حارثة-وكان قتل يوم بدر-فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك؛ اجتهدت عليه في البكاء! فقال: «يا أمّ حارثة إنّها جنان، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى». أخرجه البخاريّ. وانظر الآية رقم [١٩٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.
следующие страницы →