Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: يهلكهم في أسفارهم، أو في ليلهم، أو نهارهم، وفي جميع أحوالهم. ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ:﴾ الله، ولا يفوتونه، ولا يهربون من عقابه وانتقامه.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فيكون ﴿يَأْخُذَهُمْ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية مفرّعة عما قبلها، واعتبار الفاء فصيحة، والجملة الاسمية جوابا لشرط مقدر جيد لا بأس به، ويكون التقدير: وإذا كان ذلك ممكنا، وليس متعذرا فما هم بمعجزين الله. تأمل، وتدبر.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على مخافة بأن يهلك قوما غيرهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب، وهم متخوفون. وقال الضحاك: المعنى: يأخذ طائفة، ويدع طائفة، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس، ومجاهد-﵄: أي: على تنقص من أموالهم، ومواشيهم، وزروعهم، بل: وأنفسهم؛ حتى أهلكهم كلهم، هذا؛ وتخوّنه الدّهر، وتخوّفه بالفاء والنون بمعنى، يقال: تخوّنني فلان حقي إذا تنقصه، قال لبيد: [الوافر]
عذافرة تقمّص بالرّدافى... تخوّنها نزولي وارتحالي
أي: تنقص لحمها، وشحمها كثرة الأسفار، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). وقال الليث بن سعد: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ على عجل. وقيل غير ذلك. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾
انظر الآية رقم [٧]، ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من الغيبة إلى الخطاب. انظر الآية رقم [٢٢] ومعنى رأفته هنا: عدم المعاجلة بالعقاب، بل يمهل، ولكنه لا يهمل.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أو من الفاعل المستتر. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر
стр. 3047
(إنّ)، واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ:﴾ المراد: أهل مكة، ويقرأ الفعل بالتاء على الخطاب لجميع الناس، والفعل بصري، والمعنى: أو لم ينظروا بعين البصيرة إلى صنع الله، فيعتبروا، وتظهر لهم قدرة الله، فيخافوا منه، ويعبدوه، والمراد ب: ﴿شَيْءٍ:﴾ ماله جسم قائم، له ظل، من شجرة، أو جبل، ونحو ذلك. ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ أي: يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال، فيتقلص، ثم يعود في آخر النهار إلى حالة أخرى، فدورانه وميلانه من موضع إلى موضع سجوده، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء؛ لأنه يفيء من المغرب إلى المشرق؛ أي: يرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل، سواء أكان قبل الزوال، أو بعده، وهو ما توحيه الآية.
وقيل: ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء. وقيل: بل يختصّ الظلّ بما قبل الزوال، والفيء بعده، فالفيء لا يكون إلا في العشي، وهو ما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون في الغداة، وهو ما لم تنله الشمس، وفي «القاموس»: الظل: الفيء، والجمع:
ظلال، وأظلال، وظلول، وظلّ الليل: سواده. ﴿وَهُمْ داخِرُونَ:﴾ خاضعون، صاغرون؛ إذ الدخور: الصغار، والذل. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد) هذا وقد قرئ: «(تتفيأ)» بالتاء، و (الشمائل) جمع: شمال على غير قياس؛ إذ القياس: أشمل، كذراع، وأذرع.
تنبيه: في إفراد ﴿الْيَمِينِ﴾ وجمع الشمال أجوبة: أحدها أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيء واحد، فلذلك وحد اليمين، ثم ينتقص شيئا فشيئا، وحالا بعد حال، فهو بمعنى: الجمع، فصدق على كل حال لفظة «الشمال» فتعدد بعدد الحالات. الثاني: قال الزمخشري: واليمين بمعنى: الأيمان، يعني: أنه مفرد قائم مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعان، كقوله تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار. الثالث: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
تنبيه: والجمع في قوله: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّ من جملة ما خلق الله فيه من يعقل، فيكون في الكلام تغليب؛ أي: تغليب العقلاء على غيرهم، وهذا على اعتبار ﴿تَدَّخِرُونَ﴾
стр. 3048
عائدا إلى ﴿ما خَلَقَ اللهُ﴾. والثاني: لما وصف الله الظلال بالطاعة، والانقياد لأمره، وذلك صفة من يعقل؛ عبّر عنها بلفظ من يعقل، وجاز جمعها بالواو، والنون، وهو جمع العقلاء، وهذا على اعتباره عائدا إلى ﴿ظِلالُهُ﴾ تأمل.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧] (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلى الذي، أو شيء خلقه الله.
﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿يَتَفَيَّؤُا:﴾ مضارع. ﴿ظِلالُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ظِلالُهُ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿عَنِ﴾ اسما بمعنى: جانب، فيكون ظرف مكان متعلقا بالفعل قبله، ويكون مضافا و ﴿الْيَمِينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالشَّمائِلِ:﴾ معطوف على ﴿الْيَمِينِ﴾.
﴿سُجَّداً:﴾ حال من ﴿ظِلالُهُ﴾. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بسجدا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿سُجَّداً،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي معطوفة على ﴿سُجَّداً،﴾ فتكون حالا ثانية.
﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ﴾ ... ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾ قال العلماء: السجود على نوعين: سجود طاعة، وعبادة، كسجود المسلم لله . وسجود انقياد، وخضوع، كسجود الظلال، والجمادات، وسائر الحيوانات، ولفظ «الدابة» اسم لكل حيوان يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، ووحش، وهوام، وغير ذلك؛ فلذا يطلق لفظ دابة على الذكر، والأنثى ممّا ذكر. وفي العرف يطلق لفظ الدابة على ذوات الأربع من الحيوان. وانظر الآية رقم [٥٦] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ خصوا بالذكر كما خص جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة للتشريف، والتعظيم. ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ عن عبادة ربهم، وهذا ردّ على كفار قريش حيث زعموا: أن الملائكة بنات الله. وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد). وانظر «الكبر» في الآية رقم [٢٣] وانظر شرح ﴿السَّماواتِ﴾ و ﴿الْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣].
стр. 3049
تنبيه: الأصل أن تكون «من» للعاقل، و «ما» لغير العاقل، وقد يعكس هذا فتستعمل «من» لغير العاقل كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل «ما» للعاقل كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل كما في الآية الكريمة في حكم واحد، وقوله سبحانه:
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فإن كل ما في السموات والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو: السجود والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت سبحا من بعد: (انظر إلى ما أرى) و «من» و «ما» تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى والجمع، والمذكر، والمؤنث، وانظر الآية [٦٧] من سورة (الإسراء).
تنبيه: ملخص ما تقدم: أنّ «من» تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل:
١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام؛ التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء.
٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٨] من سورة (الحج).
٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية النور المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع.
وتستعمل «ما» للعاقل في ثلاث مسائل أيضا:
١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، وهو كثير كالآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه): ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾.
٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء): ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير.
٣ - تستعمل «ما» في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت شبحا من بعيد «انظر إلى ما أرى».
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿يَسْجُدُ:﴾ مضارع. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ مثل ما قبله. ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾
стр. 3050
متعلقان بمحذوف حال من (ما) و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: (ما). ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على ما، عطف خاص على عام. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (الملائكة)، والرابط:
الواو، والضمير.
﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: الملائكة يخافون الله تعالى. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يخافون أن ينزل عليه عذابا من فوقهم، أو يخافونه، وهو فوقهم بالقهر، والاستعلاء، فهم تحت التسخير، والتذليل بما علاهم من الاقتدار، والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه، وهذا يعني أن لا فوقية معلومة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ،﴾ ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ:﴾
وفي سورة (التحريم): ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فهم مطبوعون على الطاعة، والامتثال لأوامر الله تعالى، ولا عصيان أبدا، وفي الآية الكريمة دليل على أن الملائكة مكلفون، مدارون بين الخوف، والرجاء.
عن أبي ذر الغفاري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وملك واضع جبهته ساجدا لله... إلخ». أخرجه الترمذي، وقال: عن أبي ذر موقوفا. وفي القاموس: أطّ الرّحل، ونحوه، يئطّ أطيطا: صوّت، والإبل أنّت تعبا، أو حنينا، والأطّاط: الصّيّاح.
تنبيه: يسن السجود عند تلاوة الآيات الثلاث من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى قوله:
﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ للقارئ، والمستمع، فهي من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود لتلاوتها، واستماعها، في الصلاة، وخارجها، والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن عمر-﵄ «أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتّى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة». متفق عليه، وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسجود، فأبيت، فلي النّار». رواه مسلم. والله أعلم، وأجل، وأكرم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَبَّهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء فيهما في
стр. 3051
محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَخافُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من (الملائكة) والرابط:
الضمير فقط، أو هي حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة، أو هي بدل من جملة: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لأن من خاف الله لا يستكبر عن عبادته. (يفعلون): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُؤْمَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا يؤمرون به، وجملة: ﴿وَيَفْعَلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها.
﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ:﴾ قال الخازن رحمه الله تعالى: لما أخبر الله في الآية المتقدمة: أن كل ما في السموات والأرض خاضعون له، منقادون لأمره، عابدون له، وأنهم في ملكه، وتحت قدرته، وقبضته؛ نهى في هذه الآية عن الشرك، وعن اتخاذ إلهين اثنين. ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: لأن الإلهين لا يكونان إلا متساويين في الوجود، والقدم، وصفات الكمال، والقدرة، والإرادة، فصارت الاثنينية منافية للإلهية، وقد تقرر هذا في غير ما آية، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ وانظر شرح: ﴿الْواحِدُ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇.
﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فخافوني، والرّهب: خوف من حزن، واضطراب، وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور، وهو من طريق الالتفات؛ لأنه أبلغ في الترهيب من قوله: فإياه فارهبوا، فهو من بديع الكلام، وبليغه. وفي تقديم الضمير حصر، فالمعنى: لا يرهب الخلق إلا منه، ولا يرجون إلا كرمه، وفضله، وإحسانه. ولا تنس: أن في الآية التالية التفاتا آخر إلى الغيبة.
وانظر الالتفات في الآية رقم [٢٢].
الإعراب: ﴿وَقالَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِلهَيْنِ:﴾ مفعول به. ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ توكيد لما قبله. وقيل: هو صفة لما قبله. منصوب مثله، وعلامة النصب الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما مثنى، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد، وعلى هذا فالفعل متعدّ لواحد فقط، ويكون بمعنى: لا تعبدوا... إلخ، ويجوز أن يكون متعديا لاثنين كأصله، والثاني: محذوفا؛ أي: لا تتخذوا إلهين اثنين معبودا. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ مفعولا أولا، و ﴿إِلهَيْنِ﴾ هو المفعول الثاني، والجمهور على التوكيد. تأمل.
стр. 3052
﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿فَإِيّايَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١] (إياي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف، التقدير: فإياي ارهبوا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك هو الواقع والصحيح فإياي ارهبوا. ﴿فَارْهَبُونِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ارهبون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على المقدرة قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: مفسرة لها، وليس بشيء؛ لأن الفاء تمنع التفسير.
هذا؛ وإن اعتبرت الضمير (إياي) مفعولا مقدما للفعل المذكور بعده، واعتبرت الفاء زائدة، فهو وجه صحيح لا غبار عليه، ولا حذف، ولا تقدير، والله أعلم، وإليه المرجع والمصير.
﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولله ملك السموات والأرض وما فيهما خلقا وعبيدا وملكا. ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً﴾ أي: له العبادة، والطاعة، وإخلاص العمل دائما ثابتا، والواصب الدائم، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان، ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة، أو بالموت إلا الحق ، فإن طاعته واجبة أبدا؛ لأنه المنعم على عباده المالك لهم، فكانت طاعته واجبة ثابتة أبدا. هذا؛ وقيل: الوصب: التعب، والإعياء؛ أي: تجب طاعة الله؛ وإن تعب فيها العبد. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ:﴾ هذا الاستفهام بمعنى: التعجب والإنكار؛ إذ المعنى كيف تتقون غيره، وتخافون سواه، وهو المالك لما ذكر، والمتصرف فيه؟! وانظر شرح ﴿الدِّينُ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (يوسف) ﵇، وشرح (غير) في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد).
الإعراب: (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ ما فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية:
﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿واصِباً:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، أعني: الخبر المحذوف. وقيل: حال من المبتدأ، وهو ﴿الدِّينُ﴾ وهذا لا يسوغ إلى على اعتباره فاعلا بالظرف على مذهب الأخفش، ومن يوافقه على عدم اشتراط الاعتماد على النفي، أو شبهه لعمله، وأما اعتباره مبتدأ؛ فلا يصح مجيء الحال منه؛ لأن الحال تبين هيئة فاعل، أو مفعول. وانظر الشاهد [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف
стр. 3053
على محذوف، التقدير: أبعد ما تقرر من توحيد الله، وبعد ما عرفتم: أن كل ما سواه محتاج إليه؛ فتتقون غيره. (غير): مفعول به مقدم، وغير مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿تَتَّقُونَ:﴾
مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة محذوفة حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧].
﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ أي: أيّ شيء وصل إليكم من نعم: صحة جسم، وسعة رزق، وولد، وإيمان، وراحة بال؛ فهو من الله وحده، فيجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم. ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ:﴾ الفقر، أو المرض، أو البلاء بأنواعه. ﴿فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ:﴾
تتضرعون، وتضجون بالدعاء. و «الجؤار»: رفع الصوت بالدعاء، والاستغاثة، و «الجؤار» صوت البقر، مثل الخوار، قال الأعشى يصف بقرة وحشية: [الطويل]
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة... وكان النكير أن تطيف وتجأرا
هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق «ربّ» و «لا» العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.
هذا؛ و «ثمّ» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى:
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ نِعْمَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، و (من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَمِنَ:﴾ الفاء:
حرف صلة لتحسين اللفظ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.
(من الله): متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) شرطية مبتدأ، وفعل شرطها محذوف، التقدير: وأيّ: شيء بكم، أو اتصل بكم، والجار والمجرور بكم متعلقان بالفعل المقدر. وقال ابن هشام في «مغني اللبيب»: التقدير: وما يكن بكم من نعمة؛ فمن الله، وهذا يعني: أن الفعل «يكن» تاما بمعنى: وما يوجد بكم. ﴿مِنْ نِعْمَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل الفعل المقدر والمستتر، والفاء: واقعة في جواب الشرط، وعليه فالجار والمجرور: (من الله) متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو من الله، أو فهي من الله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) مختلف فيه: هل هو جملة
стр. 3054
الشرط، أو جملة الجواب، أو هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّكُمُ الضُّرُّ:﴾ ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على المشهور المرجوح. الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. إليه: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَجْئَرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية لا محل له مثلها.
﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ أي: ما تقدّم من المرض، ونحوه. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: طائفة منكم يضيفون كشف الضر إلى العوائد، والأسباب، ولا يضيفونه إلى الله تعالى، فهذا من جملة شركهم، وجحودهم فضل الله عليهم، وهذا بعد دعائهم، وتضرعهم إلى الله، . وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقد تقدم في (الأنعام) الآية رقم [٦٣] وفي سورة (يونس) الآية رقم [١٢] وغير ذلك كثير. هذا؛ و (الفريق) الطائفة من الناس، و (الفريق): أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ك: «رهط ومعشر» ... إلخ.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية السابقة. (كشف): ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الضُّرَّ:﴾ مفعول به. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِذا:﴾ فجائية. وانظر الآية رقم [٤].
﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما.
﴿يُشْرِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَرِيقٌ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وهذا على اعتبار (إذا) الفجائية ظرفا، والجملة الاسمية جواب إذا الشرطية وإذا الفجائية واقعة في جواب ﴿إِذا﴾ الشرطية كما إذا وقعت الفاء في جوابها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة لا محل له مثله، وفي الآية دليل على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية لا يعمل فيما قبلها. هذا؛ واعتبر أبو البقاء؛ ﴿إِذا﴾ الثانية شرطية، وهو سهو منه. تأمل.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ أي: أشركوا بالله؛ ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر، والبلاء. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ لفظه أمر، ومعناه: التهديد، والوعيد، والمعنى:
стр. 3055
فاسرحوا في هذه الدنيا، وامرحوا إلى انتهاء آجالكم. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تهديد بعد تهديد، والمراد تغليظ الوعيد، وقرئ الفعل بالياء. هذا؛ وانظر الكفر في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇. وانظر «التمتع» في الآية رقم [٣٠] من سورة (إبراهيم) ﵇، ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
الإعراب: ﴿لِيَكْفُرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: لام العاقبة، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُشْرِكُونَ﴾ على اعتبار اللام للتعليل، ومتعلقان بفعل محذوف على اعتبار اللام للعاقبة، التقدير: آل أمرهم للكفر. وقيل: اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم، لا منصوب، فتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها، ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء آتيناهموه. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تمتعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقل لهم يا محمد: تمتعوا. وهذه الجملة لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير، وإذا كان هذا حالهم، وعملهم؛ فقل لهم: تمتعوا. هذا؛ ويقرأ الفعل «(فتمتّعوا)» بالبناء للمجهول والماضي، عطفا على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ وهذا على اعتبار اللام للأمر.
﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع
إلخ، والواو فاعله والمفعول محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
تنبيه: هذه الآية متفقة في المعنى والإعراب بل وبالحروف أيضا مع الآية رقم [٦٦] من سورة (العنكبوت) ومع الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم)، وقد أطلت الكلام على الآيتين المذكورتين، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ:﴾ هذا نوع آخر من جهالة كفار قريش، ومن على شاكلتهم من العرب، وهو أنهم كانوا يجعلون للأصنام التي لا تضر، ولا تنفع قسما كبيرا من زروعهم، وثمارهم، ومواشيهم يتقربون به إليها، والواو في: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ عائدة على المشركين. وقيل: عائدة للأوثان، وجمع بواو الجماعة، إجراء له مجرى من يعقل. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] وانظر الإعراب يتضح لك المعنى، وهذا الجعل للأصنام بيّنه ربنا أحسن بيان في سورة (الأنعام) الآية رقم [١٣٦] وما بعدها.
стр. 3056
﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ:﴾ أقسم الله بنفسه على نفسه: أنه يسألهم يوم القيامة عما كانوا يكذبون في الدنيا من قولهم: إن هذه الحجارة آلهة، وإن لها نصيبا من أموالهم، وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٢٢]، وانظر سؤال الكافرين في الآية رقم [٩٢ و ٩٣] من سورة (الحجر).
الإعراب: ﴿وَيَجْعَلُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يجعلون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والمصدرية. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد واو الجماعة، التقدير:
ويجعلون لآلهتهم التي لا علم لها؛ لأنها جماد، أو التقدير: التي لا يعلمونها، فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم، وتشفع لهم، فيكون العائد محذوفا، وتكون الواو عائدة على المشركين، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، ويكون التقدير: يجعلون لعدم علمهم. ﴿نَصِيباً:﴾ مفعول (يجعلون). ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نَصِيباً،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقناهم إياه، ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: نصيبا كائنا من رزقنا لهم، وجملة: ﴿وَيَجْعَلُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، قال الجمل: لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى؛ أي: يفعلون ما يفعلون من الجؤار إلى الله تعالى عند مسّ الضرّ، ومن الإشراك به عند كشفه، ويجعلون... إلخ. ﴿تَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. ﴿لَتُسْئَلُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تسألن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ وإعراب:
﴿عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الآية رقم [٢٨] بلا فارق.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ:﴾ المراد: قبيلة خزاعة وكنانة، فإنّهم قالوا: الملائكة بنات الله، وإنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء التي تحتجب عن أعين الناظرين، أو لدخول التاء المربوطة التي هي علامة التأنيث على لفظ الملائكة. ﴿سُبْحانَهُ:﴾
نزه الله نفسه عن الولد، والبنات. وانظر الآية رقم [١] فالبحث فيها جيد. ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي: ويجعلون لأنفسهم البنين الذكور ويأنفون من البنات، فيخصون أنفسهم بالأفضل، قال
стр. 3057
تعالى في سورة (الصافات) موبخا، ومؤنبا لهم: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٩] وما بعدها. وانظر الإسراء رقم [٤٠].
الإعراب: (يجعلون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿الْبَناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وعليه فالجملة القسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف معترضة لا محل لها.
﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ولهم الذي، أو شيء يشتهونه، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير، أو هي معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، وعليهما فالجملة التنزيهية معترضة لا محل لها.
هذا ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ معطوفة على ﴿الْبَناتِ،﴾ فيكون الجار والمجرور (لهم) متعلقين بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعول به على أن (يجعلون) بمعنى: يختارون، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف، مع أنه مقرر في القواعد النحوية: أن اتحاد الفاعل والمفعول لا يجوز في غير باب «ظنّ» وأخواتها، وما ألحق بها من فقد، وعدم، سواء تعدّى الفعل إلى ضميره بنفسه، أو بحرف الجر، فلا يجوز: أن زيد ضربه؛ أي: ضرب نفسه، ولا زيد مرّ به؛ أي: مرّ بنفسه، ويجوز زيد ظنه قائما، وزيد فقده، وعدمه؛ أي: ظن نفسه قائما، وفقد نفسه، وعدمها. انتهى. جمل وبيضاوي بتصرف كبير مني، وأجاز ابن هشام في المغني عطف (لهم) على ﴿لِلّهِ،﴾ وقدّر الكلام:
ولأنفسهم ما يشتهون.
﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى:﴾ البشارة: عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولمّا كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن والغم يظهر أثره على الوجه، وهو الكمودة التي تعلو الوجه عند حصول الغم والحزن، فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى: ﴿وَإِذا﴾
стр. 3058
﴿بُشِّرَ..﴾. إلخ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه، ودام النهار كله مسودا من الكآبة، والحياء من الناس، والمقت الذي حصل له من تلك البشارة. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ:﴾
مملوء غيظا، وحزنا. وانظر زيادة على ذلك في الآية رقم [٨٤] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه أعظم صلاة، وأزكى سلام. وانظر شرح: ﴿أَحَدُهُمْ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇. وانظر شرح (ظلوا) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحجر).
الإعراب: (إذا): انظر الآية رقم [٥٣] ﴿بُشِّرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْأُنْثى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿ظَلَّ:﴾ ماض ناقص. ﴿وَجْهُهُ:﴾ اسم ﴿ظَلَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿مُسْوَدًّا:﴾ خبر ظل، وجملة: ﴿ظَلَّ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقال الجمل: الجملة حال من الواو في يجعلون، وينقصه أن إذا للاستقبال، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾
الشرح: ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ:﴾ يستخفي منهم، وذلك: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قربت ولادة زوجة أحدهم؛ توارى من القوم إلى أن يعلم ما ولد له، فإن كان ولدا؛ ابتهج، وسرّ بذلك، وظهر، وإن كانت أنثى؛ حزن، ولم يظهر أياما؛ حتّى يفكر ما يصنع بها.
﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ:﴾ يختفي من قبح الذي بشر به، وهو ولادة الأنثى. ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ:﴾ على هوان وذلة، وذكّر الضمير؛ لأنه عائد إلى ما بشر به في قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ ومعنى إمساكه: إبقاؤه حيا. ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ:﴾ يخفي الذي بشر به في التراب، والدّسّ: إخفاء الشيء في الشيء. ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما يصنعون ويقضون حيث جعلوا لله ما يكرهون، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون، قال تعالى في سورة (النجم) موبخا لهم:
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي: جائرة، وكاذبة.
تنبيه: قال أهل التفسير: إنّ مضر، وخزاعة، وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء، والسبب في ذلك: إما خوف الفقر، وكثرة العيال، ولزوم النفقة، أو الحميّة. فيخافون عليهن من الأسر، ونحوه، أو طمع غير الأكفاء فيهنّ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل. ولذا
стр. 3059
اضطر الواحد منهم إلى الزواج من قبيلة أخرى بمهر كبير جدا؛ فكان الرجل منهم في الجاهلية؛ إذا ولدت له بنت، وأراد أن يستحييها؛ تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبّة من صوف، أو شعر، وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها؛ تركها حتى إذا صارت سداسيّة، قال لأمّها زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، ويكون قد حفر لها حفرة في الصحراء، فإذا بلغ بها تلك الحفرة، قال لها: انظري إلى هذه البئر، فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر، ثم يهيل عليها التراب، وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق الشاعر؛ إذا أحس بشيء من ذلك؛ وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك، فقال الفرزدق يفتخر بذلك: [المتقارب]
وعمّي الّذي منع الوائدات... وأحيا الوئيد فلم يوأد
وجملة القول: أن العرب جميعا كانوا في الجاهلية يكرهون البنات، ويتبرمون من الأخوات، ويحزنون عند ولادة الأنثى، ويعاملونها معاملة لا ترضي المولى، وخطب إلى عقيل بن علّفة ابنته الجرباء، فقال: [الرجز]
إني وإن سيق إليّ المهر... ألف وعبدان وخور عشر
أحبّ أصهاري إليّ القبر
الخور: جمع: خوارة، وهي الناقة الغزيرة اللّبن. وقال عبد الله بن طاهر: [الطويل]
لكلّ أبي بنت يراعي شئونها... ثلاثة أصهار إذا حمد الصّهر
فبعل يداريها، وخدر يكنّها... وقبر يواريها وخيرهم القبر
فلما جاء الإسلام؛ دفع عن البنت هذا الاستهتار، وحماها من الاضطهاد، ورفع لها الشأن، والعماد، ومنحها من الحقوق والواجبات ما لم تحلم به أنثى في ديانة من الديانات، فحرّم وأدها، وملكها ميراثها، وأعطاها حق الإعراب عن رأيها، وجعلها مسئولة أمام الله عن عملها، تثاب على عمل الخير، وتعاقب على عمل الشر، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الآية رقم [٩٧] الآتية.
بل ذهب الإسلام في رعاية البنت مذهبا فريدا، وسلك في كفالة الأخت مسلكا عظيما؛ حيث جعل لمن أنفق عليهنّ، وقام بتربيتهن، وصبر على رعايتهن حتى يمتن، أو يتزوجن ثواب المجاهدين الصادقين وأجر الصائمين القائمين، فعن أبي سعيد الخدري-﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهنّ، واتّقى الله فيهنّ فله الجنة». رواه الترمذي. وعن ابن عباس-﵄-قال:
стр. 3060
قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أنثى، فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده الذكور عليها أدخله الله الجنّة». رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كنّ له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهنّ، وضرّائهنّ، وسرّائهنّ؛ أدخله الله الجنة برحمته إيّاهنّ». فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟! قال: «واثنتان». قال رجل: يا رسول الله! وواحدة؟ قال: «وواحدة». رواه الحاكم، وهذا قليل من كثير، أوصى به النبي الكريم عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.
خاتمة: لا تزال آثار الجاهلية فاشية في كثير من بيوت المسلمين، فهناك رجال مسلمون يكرهون ذرية البنات، هؤلاء الذين يكرهون ولادة البنت، كما غفلوا كل الغفلة عن الرضا بقضاء الله وقدره، وعن الحكمة الإلهية التي تتجلى في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً﴾ بلغ بأعداء الأنثى ولو كانت من بناتهم أنهم يؤثرون أخاها بما يملكون، ويحرمونها ممّا يتركون عن طريق تسجيل أملاكهم إلى الذكور خاصة.
ما أتعسه، وما أشد عذابه! كيف لم يجد من الأعمال التي يختم بها حياته إلا أن يظلم ابنته؟! وما ذنبها في أنها خلقت أنثى؟ وما أحقها برحمته وعطفه إن كان ممّن لهم ضمير يؤنب، أو دين يرشد! وما هي إلا خطوة واحدة إلى الدار الآخرة حتى يرى سوء ما عمل من هذا التفريق بين الأولاد، وحتى يرى من صنوف البلاء، وحتى يقول: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾. وخذ ما يلي إن كنت ممّن يعقلون.
عن النعمان بن بشير-﵄: أن أمه عمرة بنت رواحة سألت زوجها بعض الموهبة من ماله لابنها النعمان، فلما أجابها قالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ على ما وهبت لابني، فأتى رسول الله ﷺ ، وقال: يا رسول الله! إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها. فقال رسول الله ﷺ : «أكلّ ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: إذا لا أشهد على جور! اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
فلم يكن بشير، ولا زوجته يتوقعان: أن الرسول سينكر عملهما، وظنّ بشير: أنه مالك يتصرف في ماله كيف شاء، ولكن النبي ﷺ بيّن: أنه لا يجوز له أن يحابي بعض ولده بشيء من ماله؛ لأن ذلك يزرع الضغينة في قلوبهم، ويورث العداوة في أعقابهم. وقد شاهدنا ذلك في واقعنا، وحاضرنا نحن معشر المسلمين.
الإعراب: ﴿يَتَوارى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿كَظِيمٌ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وساغ ذلك لاختلاف معنى الحرفين، فإن الأول: للابتداء، والثاني: للعلة. و ﴿سُوءِ﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم
стр. 3061
موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿بُشِّرَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بشر، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ لا محل لها. ﴿أَيُمْسِكُهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (يمسكه): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلى هُونٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير، ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَدُسُّهُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه، والهاء مفعول به.
﴿فِي التُّرابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملتان ﴿أَيُمْسِكُهُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به لمحذوف واقع حالا من فاعل يتوارى، وتقدير الكلام: يتوارى ناظرا، أو متفكرا: أيمسكه على هون... إلخ. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وإعراب ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مثل إعراب:
﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٥] بلا فارق بينهما، والجملة مستأنفة، لا محل لها.
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾
الشرح: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ:﴾ صفة السوء، وهي الحاجة إلى الولد الذكر، وكراهتهم الإناث، ووأدهن؛ خشية الفقر والجوع. ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي: الصفة العليا المقدسة، وهي الوجوب الذاتي، والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، وأنّ له جميع صفات الجلال، والكمال من العلم، والقدرة، والبقاء السرمدي، وغير ذلك من الصفات التي وصف الله بها نفسه. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب، الممتنع في كبريائه، وجلاله، وعظمته. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في جميع أفعاله، وتصرفاته.
هذا والسوء بضم السين بمعنى: المكروه والشر والبلاء والضرر، وهي بفتح السين بمعنى:
الفساد والرداءة. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (إبراهيم) ﵇.
تنبيه: لقد أضاف الله المثل هنا إلى نفسه، وقد قال في الآية رقم [٧٤] الآتية:
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ..﴾. إلخ والجواب: أن المنهي عنه ضرب الأمثال التي توجب الأشباه، والنقائص، والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له، ولا نظير، جلّ، وتعالى عمّا يقول الظالمون، والجاحدون علوا كبيرا. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مَثَلُ:﴾ مضاف، و ﴿السَّوْءِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَثَلُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة المثل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
стр. 3062
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بكفرهم، ومعاصيهم، وافترائهم عليه المفتريات، فيعاجلهم بالعقوبة، والهلاك. ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: على الأرض، فالضمير يعود إلى غير مذكور، لكن دل عليه لفظ «الدابة» فإن «الدابة» لا تدب إلا على الأرض، والمعنى المراد من ﴿دَابَّةٍ﴾ كافرة. وقيل: المعنى: أنه لو أهلك الآباء بكفرهم؛ لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء، فلم يبق على وجه الأرض أحد. هذا؛ وقد قال الله في آخر سورة (فاطر): ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ،﴾ وانظر الآية رقم [٥٨] من سورة (الكهف). ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يمهلهم كرما، وفضلا، وحلما. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو وقت انتهاء آجالهم، وانقضاء أعمارهم.
﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ:﴾ يعني: إذا حل وقت عذابهم، وهلاكهم. ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ:﴾ يعني: فلا يمهلون، ولا يؤخّرون قدر ساعة، ولا أقل من ساعة، فالسين زائدة بالفعلين كما هو واضح، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف، وهذا يرد عليهم حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى: أن لهم وقتا، فإذا جاء ذلك الوقت، وهو وقت إهلاكهم؛ فلا يؤخرون عنه، ولا يقدمون. هذا؛ ويمكن أن يراد به أجل الموت لكل إنسان. هذا؛ وكثيرا ما يطلق اسم الساعة على القيامة، وإطلاقها على القيامة؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك. ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته، وقت مقدّمات الموت، وما فيه من أهوال؛ ولذا قال النبي ﷺ : «من مات؛ فقد قامت قيامته». وينبغي أن تعلم أن قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ..﴾. إلخ قد ذكر بحروفه في الأعراف رقم [٣٤]، وذكر بحروفه في سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام برقم [٤٩]، ولم يقترن جواب (إذا) بالفاء في الأعراف وفي هذه السورة؛ لتقدم الفاء عليها، واقترن جوابها بالفاء في سورة (يونس) لعدم تقدم الفاء عليها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: في الآية الكريمة بيان: أن الله لو عاجل المذنبين بالعقاب؛ لأهلكهم، وأهلك الناس جميعا معهم، قال عبد الله بن مسعود-﵁-وقرأ هذه الآية: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين؛ لأصاب العذاب جميع الخلائق حتى الجعلان في جحرها، ولأمسك الأمطار من السماء، والنبات من الأرض، فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو، والفضل، كما قال:
﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الشورى)، فإن قيل: كيف يعم بالهلاك مع
стр. 3063
أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟! قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاما، وجزاء، وهلاك المؤمن معوّضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا؛ أصاب العذاب من كان فيهم، ثمّ بعثوا على نيّاتهم». انتهى. قرطبي. ولا تنس: ما قالت زينب-﵂-يا رسول الله! أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد)، والآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء).
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿يُؤاخِذُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعوله. ﴿بِظُلْمِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يُؤاخِذُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَرَكَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله، ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿دَابَّةٍ..﴾. إلخ.
﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما تَرَكَ..﴾. إلخ جواب لو، لا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن):
حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وإعلاله مثل إعلال (هدى) في الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇، وجملة: ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب لو، لا محل لها مثله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٣]. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعل والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، ومتعلقه محذوف لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، و (إذا) ومدخولها كلام مفرع عمّا قبله لا محل له؛ لأنه مستأنف.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾
الشرح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أي: يجعل مشركو العرب لله ما يكرهون لأنفسهم من البنات، وأراذل الأموال، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون من البنين، وكرائم الأموال. ﴿وَتَصِفُ﴾
стр. 3064
أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي: ويدعون كذبا، وافتراء: أن لهم الجزاء الحسن، والعاقبة المحمودة عند الله تعالى، كقول بعضهم: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ وهذا على فرض وجود البعث في زعمه. هذا؛ وقرئ «(الكذب)» بضم الكاف والذال والباء جمع: كذوب، مثل: رسول ورسل، وصبور وصبر، وشكور وشكر، وانظر رقم [١١٦] ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ:﴾ رد لما يدعونه، وإثبات لضده، وعكسه. ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ:﴾ مقدّمون إلى النار، والفارط: هو الذي يتقدم إلى الماء، ومنه قول النبي ﷺ : «وأنا فرطكم على الحوض». وقال القطامي: [البسيط]
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا... كما تعجّل فرّاط لورّاد
والفرّاط: المتقدمون في طلب الماء، والورّاد المتأخرون. هذا؛ ويقرأ: «(مفرطون)» بكسر الراء وتخفيفها، ومعناه مسرفون في الذنوب والمعاصي، كما قرئ بتشديد الراء مفتوحة من فرطته في طلب الماء، وبتشديدها مكسورة؛ أي: مضيعون أمر الله، فيكون للمبالغة، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (طه) ففيها مزيد فائدة. وانظر شرح «اللسان» في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.
الإعراب: ﴿وَيَجْعَلُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يجعلون): مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا يكرهونه، والجملة الفعلية: ﴿وَيَجْعَلُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطفها على ما قبلها غير مستبعد. (تصف): مضارع. ﴿أَلْسِنَتُهُمُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها وخبرها في محل نصب بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾ بدل كل من كل، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:
بأن... إلخ والمعتمد الأول. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف: ﴿الْكَذِبَ﴾ صفة لما قبله، ويكون المصدر المؤول في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَتَصِفُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ انظر الآية رقم [٢٣] ففيها الكفاية. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُفْرَطُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول قبله على جميع الاعتبارات فيه.
﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: المعنى: كما أرسلناك إلى هذه الأمة؛ لقد أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب. ففيه تعزية، وتسلية للنبي ﷺ . ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ﴾
стр. 3065
الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي: الخبيثة من الكفر والتكذيب، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله.
والمزين في الحقيقة هو الله تعالى، هذا مذهب أهل السنّة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته؛ سلطه عليه حتى يقبل وسوسته. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ:﴾ ناصرهم في الدنيا، وعبر باليوم عن زمانها، أو فهو وليهم حين كان يزين لهم، أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية، أو آتية. هذا؛ والولي: القرين، والصاحب، وهو أيضا الذي يتولى شئون غيره. والنصير المعين، والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (النمل): فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله مجاز، وله طريقان في علم البيان: أحدهما أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أن يكون من المجاز الحكمي، فالطريق الأول:
أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة والترفّه، ونفارهم عمّا يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة-صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾.
والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها، زينها لهم فعمهوا عنها وضلّوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال، وأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية.
الإعراب: ﴿تَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ ماض، وفاعله، ﴿إِلى أُمَمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة أمم، والكاف في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: رسلا، والجملة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَزَيَّنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (زين):
ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَزَيَّنَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثلها.
﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
стр. 3066
﴿وَلِيُّهُمُ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (ولي)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة أيضا، لا محل لها.
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾
الشرح: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في أمر الدين، والأحكام، فتبين الهدى من الضلال، والحق من الباطل، والحلال من الحرام، وأحوال المعاد، وأحكام الأفعال. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي: رشد وبيان، وهداية من الضلالة، ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن، وانتفع به. وانظر إعلال: (هدى) في الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالقرآن، والعاملون بتعاليمه، والمهتدون بهديه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤]، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ ماض، و (نا) فاعله، ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِتُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويقال: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي:
ما أنزلنا عليك الكتاب في حال من الأحوال إلا في حال التبيين. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً:﴾ مفعولان لأجله، وهما في المعنى معطوفان على محل ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ أي: للتبيين، وللهدى، وللرحمة. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم).
﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أي: بالنبات والزروع بسبب هطول المطر عليها. ﴿بَعْدَ مَوْتِها:﴾ بعد يبسها وجدبها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً:﴾ دلالة واضحة على قدرة الله، ودلالة أيضا على بعث الناس من قبورهم بعد فنائهم. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
стр. 3067
أي: سماع إنصاف، وتدبر، وتفكر؛ لأن سماع القلوب هو النافع لاسماع الآذان، فمن سمع آيات القرآن بقلبه، وتدبرها، وتفكر فيها؛ انتفع، ومن لم يسمع بقلبه؛ لم ينتفع بالآيات ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
هذا و «يسمعون» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات، تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين، والثاني منهما: جملة فعلية، مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. وانظر شرح: ﴿لِقَوْمٍ﴾ في الآية رقم [٣١].
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله)، وهو العائد. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
(أحيا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بِهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف حال من ﴿الْأَرْضَ﴾ و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها:﴾ مضاف إليه، و (ها) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَحْيا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة (آية)، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أي: في خلق الأنعام، والتفكر فيها لدلالة على قدرة الله تعالى. وانظر شرح ﴿الْأَنْعامِ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ:﴾ الضمير يعود إلى (الأنعام) وإنما ذكّره، ووحّده هنا مراعاة للفظه، وأنثه في الآية رقم [٥] وفي سورة (المؤمنون) الآية رقم [٢١] للمعنى، فإن الأنعام اسم جمع؛ ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على «أفعال» كأخلاق، وكقولهم: ثوب أكياش. ومن قال: إنه جمع «نعم» جعل الضمير للبعض، فإن اللبن لبعضها، دون جميعها، أو لواحده، أو له على المعنى، فإن المراد به الجنس. هذا؛ ويقرأ
стр. 3068
الفعل بضم النون وفتحها، فالأول: من الرباعي، والثاني: من الثلاثي، وقرئ شاذّا بالتاء، والياء. وانظر شرح: (يسقي) في الآية رقم [٤١] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. وانظر شرح دم في الآية رقم [١٨] منها.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً:﴾ فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي الأشياء المأكولة، المنهضمة بعض الانهضام في الكرش، فعن ابن عباس-﵄: إن البهيمة إذا اعتلفت، وانطبخ العلف في كرشها؛ كان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف، فتقسم الدم، وتميزه، وتجريه في العروق، وتجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو في الكرش: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾.
ولعله إن صح؛ فالمراد: أن أوسطه يكوّن مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن؛ لأنهما لا يتكونان في الكرش، بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش، ويبقى ثفله، وهو الفرث، ثم يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا، فيحدث أخلاط أربعة: معها مائية، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين، وتدفعها إلى الكلية، والمرارة، والطحال، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها، فيجري إلى كلّ حقّه على ما يليق به بتقدير العليم الحكيم، ثم إن كان الحيوان أنثى؛ زاد أخلاطها على قدر غذائها، لاستيلاء البرودة، والرطوبة على مزاجها، فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأجل الجنين، فإذا انفصل؛ انصب ذلك الزائد، أو بعضه إلى الضروع، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض، فيصير لبنا.
ومن تدبّر صنع الله تعالى، في إحداث الأخلاط، والألبان، وإعداد مقارّها ومجاريها، والأسباب المولدة لها، والقوى المتصرفة فيها كلّ وقت على ما يليق به؛ اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته، وتناهي رحمته. انتهى. بيضاوي.
﴿خالِصاً﴾ أي: من حمرة الدم، وقذارة الفرث، وقد جمعهما وعاء واحد، أو هو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه. وقيل: معناه خالصا بياضه. ﴿سائِغاً لِلشّارِبِينَ:﴾ سهل المرور في حلوق شاربيه، ولذيذا هينا، لا يغص به من شربه. وقيل: إنه لم يشرق أحد باللبن.
الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نُسْقِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي بُطُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من
стр. 3069
﴿لَبَناً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و ﴿بَيْنِ:﴾ مضاف، و ﴿فَرْثٍ:﴾ مضاف إليه. (دم): معطوف على ما قبله. ﴿لَبَناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿خالِصاً:﴾ صفة له. ﴿سائِغاً:﴾ صفة ثانية. ﴿لِلشّارِبِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سائِغاً﴾ مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿نُسْقِيكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب المجرورة محلا باللام، أو من ﴿الْأَنْعامِ﴾ والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. وقيل: مفسرة ل: (عبرة).
﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ﴾ أي: ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل، والأعناب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ أي: تتخذون من ثمرات النخيل والأعناب خمرا يسكر، ورزقا حسنا: أي: كالتمر، والزبيب، والخل، والدبس. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يستعملون عقولهم، ويتأملون فيما خلق الله في هذا الكون الفسيح الأرجاء. وانظر شرح: ﴿لِقَوْمٍ﴾ في الآية رقم [١٣].
تنبيه: لقد كثر الكلام في هذه الآية، واضطربت كلمة العلماء فيها اضطرابا كثيرا، وأرجح أنّ الآية نزلت في معرض الامتنان، وهي منسوخة بما نزل بعدها من آيات بشأن الخمر، والسبب في ذلك أنها مكية بلا خلاف، وما نزل بعدها بشأن الخمر كله مدني، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١٩] من سورة (البقرة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ:﴾ في تعليق الجار والمجرور أربعة أوجه: أحدها: أنهما متعلقان بمحذوف، تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل، والأعناب؛ أي: من عصيرها، وحذف لدلالة ما قبله عليه، الثاني: كونهما متعلقين بالفعل بعدهما، ومنه تكرير للظرف، وتوكيد له، وقد اختلف في مرجع الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على أقوال كثيرة. الثالث: أنهما معطوفان على قوله:
﴿فِي الْأَنْعامِ﴾ الرابع: أنهما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ومن ثمرات النخيل، والأعناب ثمر. انتهى. جمل باختصار كبير. هذا؛ وعلقهما أبو البقاء بفعل محذوف، تقديره: وخلق لكم، أو وجعل، و ﴿ثَمَراتِ:﴾ مضاف، و ﴿النَّخِيلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَعْنابِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿تَتَّخِذُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿سَكَراً﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿سَكَراً:﴾ مفعول به.
﴿وَرِزْقاً:﴾ معطوف على سكرا. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿تَتَّخِذُونَ..﴾. إلخ مستأنفة على
стр. 3070
اعتبار الجار والمجرور متعلقين بفعل محذوف، أو على تعليقهما بالفعل نفسه، وصفة للمبتدإ المقدر على وجه رأيته، وصفة لمفعول محذوف على قول أبي البقاء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٦٥].
﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله جلت قدرته عجائب صنعته الدالة على وحدانيته، من: إخراجه اللبن، من بين فرث ودم، وإخراج السكر، والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب؛ ذكر في هذه الآية، ولاحقتها إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة، هي النحلة. والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، وهو يعم كل فرد من الناس، ممن له عقل يستدل به على كمال قدرة الله، ووحدانيته. وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا؛ حيث تبني بيوتها على شكل هندسيّ يعجز عنه العقل البشري، ولها تنظيم في حياتها يدهش الألباب، ومن اقتنى النحل، ولاحظ تصرفاته؛ أدرك: أن ذلك من تدبير العليم الحكيم، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة، الدالة على مزيد الذكاء والفطنة، دلّ ذلك على الإلهام الإلهي، فكان ذلك شبيها بالوحي، فلذا قال جل ذكره: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ..﴾. إلخ. انتهى. خازن بتصرف كبير.
قال الزجاج: يجوز أن يقال: سمي هذا الحيوان نحلا؛ لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، بمعنى: أعطاهم إياه. وقال غيره: النحل يذكر، ويؤنث، وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز، وكذا أنثها الله تعالى، وكذا يؤنث كل جمع جنس ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، مثل تمر وتمرة، ونعم ونعمة ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ..﴾. إلخ: وذلك أن النحل منه وحشي، وهو الذي يسكن الجبال والشجر، ويأوي إلى الكهوف، ومنه أهلي، وهو الذي يأوي إلى البيوت، ويربيه الناس عندهم، وقد جرت العادة أن الناس يبنون للنحل الأماكن التي تأوي إليها، ولا سيما في هذا العصر حيث يربى النحل تربية فنية، وذلك للمنافع التي تستفاد منه، بعد هذا يقرأ ﴿النَّحْلِ﴾ بسكون الحاء، وفتحها، ويقرأ ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بكسر الراء وضمها.
ولا تنس: أنه قد ورد النهي عن قتل النحل، فعن ابن عباس-﵄-قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: «الهدهد، والصّرد، والنّملة، والنّحلة». أخرجه أبو داود، وهذا إذا لم يكن واحد منهن مؤذيا، وإلا فقتل المؤذي حلال، كما سأذكره في سورة (النّمل) إن شاء الله تعالى.
стр. 3071
الإعراب: ﴿وَأَوْحى:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (أوحى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى النَّحْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اِتَّخِذِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، والياء فاعله. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿مِنَ الْجِبالِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من بيوتا كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٦٦] ﴿بُيُوتاً:﴾ مفعول به، وجملة:
﴿اِتَّخِذِي..﴾. إلخ مفسرة لا محل لها. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل، أوحى، وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وحذف مثل ﴿بُيُوتاً،﴾ اكتفاء به. (مما): معطوفان أيضا على ما قبلهما. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء يعرشونه.
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ من كل ثمرة تشتهيها، والمراد: زهور الأشجار على اختلاف أنواعها. ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أي: الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها لأجل طلب الأشجار والنباتات التي تأكلين منها. ﴿ذُلُلاً:﴾ جمع ذلول، وهو المنقاد الخاضع لما يراد منه، والمراد: السبل، بمعنى: أنها مسهلة لك، لا يتوعر عليك مكان تسلكينه، أو المراد: هي مذللة؛ أي: مسخرة مطيعة لمن يملكها، لا تستعصي عليه.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ:﴾ المراد به: العسل ما بين أبيض، وأحمر، وأصفر، وغير ذلك على حسب ما تأكل من النباتات، والأزهار، والورود وهو يختلف حسب فصول السنة. وقيل: يختلف باختلاف سنها، ثم يستحيل في بطونها عسلا بقدرة الله تعالى، ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب. ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ:﴾ إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض؛ إذ قلما يكون دواء معجون، إلا والعسل داخل فيه، قال ابن مسعود-﵁: العسل شفاء من كلّ داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. وفي رواية عنه: عليكم بالشفاءين: القرآن، والعسل. وروى نافع أن ابن عمر-﵄، ما كانت تخرج به قرحة، ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل، ويقرأ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾.
стр. 3072
فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ : فقال: إنّ أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله ﷺ : «اسقه عسلا». فسقاه، ثمّ جاءه، فقال: إني سقيته عسلا، فلم يزده إلاّ استطلاقا، فقال له ثلاث مرات، ثمّ جاء الرابعة، فقال: «اسقه عسلا». فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلاّ استطلاقا! فقال ﵊: «صدق الله، وكذب بطن أخيك».
فسقاه فبرأ. متفق عليه.
هذا؛ وقال مجاهد: المراد: القرآن؛ لأنه شفاء من أمراض الشرك، والجهالة، والضلالة، وهو هدى للناس، ورحمة. والقول الأول أصح لأن الضمير يجب أن يعود إلى أقرب مذكور، وهو ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾ هذا؛ ومن بدع الروافض أن المراد بالنحل عليّ وبنوه-﵃ أجمعين-، وعن بعضهم أن رجلا قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال بعض من حضر: جعل الله طعامك مما يخرج من بطونهم، فضحك المهدي، وحدّث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم. انتهى. نسفي.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيعتبرون، فإنّ من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة، والأفعال العجيبة حق التدبر؛ علم قطعا: أنه لا بد من قادر حكيم يلهمها ذلك، ويحملها عليه، وهي تأكل الحامض، والمر، والحلو، والمالح، والحشائش الضارة، فيجعله الله عسلا حلوا، وشفاء، وفي هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله تعالى. وأخيرا انظر ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (الرعد).
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كُلِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿الثَّمَراتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَاسْلُكِي:﴾
الفاء: حرف عطف. (اسلكي): مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿سُبُلَ:﴾ مفعول به، و ﴿سُبُلَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكِ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُلُلاً:﴾ حال من ياء المخاطبة، أو من سبل، انظر الشرح. ﴿يَخْرُجُ:﴾ مضارع. ﴿مِنْ بُطُونِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة، ﴿شَرابٌ:﴾ فاعل ﴿يَخْرُجُ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ صفة له. ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة. وجملة: ﴿يَخْرُجُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِفاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شِفاءٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية ل:
﴿شَرابٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ وإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 3073
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ أي: أوجدكم من العدم، وأخرجكم إلى الوجود، ولم تكونوا شيئا.
﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ أي: يميتكم بقبض أرواحكم بآجال مختلفة، صبيانا، أو شبانا، أو كهولا، كما هو مشاهد لكل إنسان. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسّه، وأردئه، وهو سن الهرم، والشيخوخة الذي يشابه الطفولية في نقصان العقل، وضعف الحواس. ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً:﴾
فيصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان، وسوء الفهم، وضعف الحواس، والعجز.
فعن أنس بن مالك-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والهرم، والبخل. وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات». متفق عليه، وفي حديث سعد بن أبي وقاص-﵁-عن النبي ﷺ : «وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر». الحديث أخرجه البخاري.
هذا-وقد قال ابن عباس-﵄-ليس هذا في المسلمين؛ لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله، وعقلا، ومعرفة. وقال عكرمة-﵁: من قرأ القرآن؛ لم يردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئا. وقال ابن عباس في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يريد الكافر، ثم استثنى المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ سورة (التين). هذا؛ وانظر نص الآية رقم [٥] من سورة (الحج).
أقول: فمن المشاهد أن هناك أناسا ردّوا إلى أرذل العمر، وقد حفظ الله عليهم عقولهم وقواهم وحواسهم وتصرفاتهم، وهم في الأغلب من أهل التقى والإيمان الذين حاسبوا أنفسهم على ما يعملون، وراقبوا ربهم في كل ما يصنعون، فلم تشغلهم الفانية عن الباقية، بل امتثلوا، أوامر الله في كل ما أمر، وفي كل ما زجر عنه، وتتبعوا خطوات الرسول ﷺ ، فاهتدوا بهديه، وساروا على نهجه، واقتدوا بأعماله، وتخلقوا بأخلاقه: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾.
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ:﴾ انظر إعراب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ في الآية رقم [٣٦] ففيه الكفاية لذوي الدراية. ﴿يُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود
стр. 3074
إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلى أَرْذَلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿أَرْذَلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْعُمُرِ:﴾ مضاف إليه.
﴿لِكَيْ لا:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (كي): حرف ناصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (كي)، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ:﴾
مضاف، و ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، واكتفى ﴿يَعْلَمَ﴾ بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: يعرف وقيل: تنازعه الفعل، والمصدر، ولا أرى له وجها قويا، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد)، و (كي) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُرَدُّ،﴾ التقدير: يرد إلى أرذل العمر لعدم علمه بعد علم شيئا، وجملة: ﴿يُرَدُّ..﴾.
إلخ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. وعند التأمل يظهر لك: أن العطف على جملة محذوفة، مفرعة عما قبلها؛ إذ التقدير: فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسمه وعقله، ومنكم من... ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ:﴾ خبران لها. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ أي: جعل بعضكم أغنياء، وبعضكم فقراء، وهذا التفضيل ليس مقصورا على المال والرزق، بل يكون أيضا من الخلق، والخلق، والعقل، والصحة، والسقم، والحسن، والقبح، والعلم، والجهل، وغير ذلك، فهم متفاوتون في ذلك كله، وهذا مما اقتضته الحكمة الإلهية، والقدرة، فعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم... إلخ» الحديث. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أي: من العبيد حتى يستووا فيه، هم وعبيدهم، والمعنى: هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقهم سواء، وقد جعلوا مخلوقات الله من حجارة وأخشاب شركاء لله في ملكه وسلطانه، والمراد ما عبدوه من دون الله. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي: هم متساوون في أن الله يرزق الجميع من بحر كرمه وجوده وإحسانه، وأنّ المالك لا يرزق المملوك، بل الرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى.
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: ينكرون فضل الله وإحسانه، فيه إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره، أو هم يجحدون البراهين الساطعة، والحجج الدامغة بعد ما أنعم الله عليهم ببيانها، وإيضاحها على يد رسول الله ﷺ .
الإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿فَضَّلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل ﴿فَضَّلَ﴾ والجملة
стр. 3075
الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿فُضِّلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: على غيرهم، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِرَادِّي:﴾ الباء: حرف جر صلة. (رادّي): خبر ما مجرور لفظا، منصوب محلا، وعلامة الجر اللفظي، أو النصب المحلي الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بِرَادِّي:﴾ مضاف، و ﴿رِزْقِهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والهاء في محل جر بالإضافة وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى ما:﴾
متعلقان ب: (رادّي)، و ﴿فَمَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿مَلَكَتْ:﴾
ماض، والتاء للتأنيث، ﴿أَيْمانُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿فَمَا،﴾ والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ملكته أيمانهم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَا الَّذِينَ..﴾. إلخ مفرعة ومستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على المنفي؛ أي: لم يردوه عليهم ردا بحيث يشركونهم فيه. وقال أبو البقاء: الجملة من المبتدأ والخبر هنا واقعة موقع الفعل والفاعل، والتقدير: فما الذين فضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا فيه. وهذا الفعل منصوب على جواب النفي، ويجوز أن يكون مرفوعا عطفا على موضع ﴿بِرَادِّي؛﴾ أي: فما الذين فضلوا يردون فما يستوون. ﴿أَفَبِنِعْمَةِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف؛ أي: أيشركون به، فيجحدون نعمته؟ (بنعمة): متعلقان بما بعدهما، وهذا لا يصح إلا على تضمين الفعل معنى يكفرون؛ لأن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ متعد بنفسه، و (نعمة): مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ أي: خلق حواء من آدم. وقيل: المعنى: خلق لكم أزواجا من جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقتكم، وهو أولى؛ لأنه أعم، ومشاهد لكل إنسان، وتخصيصه بآدم، وحواء، ليس فيه دليل، وقد أحسن الجلال حيث قال: فخلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال، والنساء. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ:﴾ أولادا ذكورا، وإناثا. ﴿وَحَفَدَةً:﴾ جمع: حافد، وأما حفيد فجمعه: حفداء، وهم أولاد الأولاد.
стр. 3076
وقيل: هم الأصهار. وقيل: هم الأعوان والأنصار. وقيل: هم الخدم، والحشم. وقيل: هم الربائب أولاد الزوجات، والمعتمد الأول، وهو ما قاله الأزهري، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وهو ظاهر نصّ القرآن الكريم، حيث جعل الحفدة، والبنين من النساء.
وقال ابن العربي: الأظهر عندي في قوله تعالى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أن البنين أولاد الرجل لصلبه، والحفدة أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا. هذا؛ والحافد: المسرع في الخدمة، المسارع إلى الطاعة ومنه قولك في الدّعاء: «وإليك نسعى ونحفد» أي: نسرع إلى طاعتك.
تنبيه: الحفدة الذين يكون الاعتزاز بهم هم أبناء الأبناء، بخلاف أبناء البنات؛ لأن أبناء الأبناء هم عصبة الجد، بخلاف أبناء البنات فإنّهم أرحام، وينسب للفرزدق قوله: [الطويل]
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: النعم التي أنعم الله عليكم بها من أنواع الثمار، والحبوب، والأنعام، والأشربة المستطابة الحلال من ذلك كله. ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالأصنام يؤمّلون أن تنفعهم، أو الباطل هو ما يحرمونه من الحلال، كالبحيرة، والسائبة ونحو ذلك، وما يحلونه من الحرام، وهو أكل الميتة، ونحو ذلك مما يزينه الشيطان لهم. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ:﴾
يجحدون نعم الله عليهم، ويضيفونها إلى الأصنام؛ التي لا تضر، ولا تنفع.
هذا؛ و «باطل» بمعنى: فاسد، وهو ضد الحق، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل-بفتحتين: الشجاع. والبطل -بضم فسكون-: الباطل والكذب، والبطالة التعطل والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع حديث، وعريض، وفظيع.
هذا؛ وأزواج جمع: زوج، وهو يطلق على الذكر، والأنثى، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة، والكلام في: ﴿أَفَبِالْباطِلِ﴾ مثله في: ﴿أَفَمَنْ﴾ و ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧]، ولا تنس: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. وانظر الآية رقم [٢٢].
الإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أزواجا على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦٦] ﴿أَزْواجاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة:
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها كإعرابها. ﴿وَحَفَدَةً:﴾
معطوف على ما قبله. (رزقكم): ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمفعول الثاني: محذوف، التقدير: رزقكم من الطيبات ما تشتهون، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَفَبِالْباطِلِ:﴾ الهمزة:
стр. 3077
حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير:
أي: أيكفرون بالله الذي هذا شأنه، فيؤمنون. (بالباطل): متعلقان بما بعدهما، والكلام مستأنف على الاعتبارين. (بنعمة): متعلقان بما بعدهما، و (نعمة): مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ مع المتعلق في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فلا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.
تنبيه: ذكر سبحانه هنا ﴿هُمْ﴾ وفي سورة (العنكبوت) الآية رقم [٦٧] بدونها؛ لأن ما هنا اتصل بقوله: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ وهو بالخطاب، ثم انتقل إلى الغيبة، فقال:
﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ فلو ترك ﴿هُمْ﴾ لالتبست الغيبة بالخطاب بأن تبدل الياء تاء. انتهى.
جمل نقلا عن كرخي.
هذا، ولاحظ معي: أن الآيات الثلاث صدّرت بذكر لفظ الجلالة للتعظيم، والتشريف، وإن كان حق العربية أن تصدر الثانية والثالثة بالضمير «هو»، وفي ذلك وجه بلاغي يدرك بأدنى تأمل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: الكفار والمشركون يعبدون الأصنام وغيرها من الجمادات، وهي لا تقدر على إنزال المطر الذي في السموات خزائنه، ولا تقدر على إخراج النبات الذي في الأرض معدنه، لا قليلا، ولا كثيرا، ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: ولا يقدرون على أي: شيء من نفع، أو ضر. وانظر جمع ما لا يعقل في الآية رقم [٢٠]، وشرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣]، وشرح ﴿شَيْئاً﴾ في الآية رقم [٣٥]، وشرح «العبادة» في الآية رقم [٣٦]، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣١].
الإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعبدون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال، و ﴿يَعْبُدُونَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماواتِ:﴾
متعلقان ب: ﴿رِزْقاً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ل: ﴿رِزْقاً؛﴾ لأنه اسم مصدر يعمل عمله، أو هو بدل منه، أو هو نائب مفعول مطلق، على
стр. 3078
معنى: لا يملك لهم ملكا؛ أي: شيئا، والأول: هو قول الكوفيين، والثاني: هو قول البصريين، وقد وافق الكوفيين من البصريين أبو علي الفارسي، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، وقد راعى في الجملة الأولى لفظ ﴿ما﴾ فوحّد الضمير، وراعى في الثانية معناها، وجوّز رجوع الضمير إلى الكفار، وجملة: ﴿(يَعْبُدُونَ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ أي: لا تشبهوا الله بخلقه، فإنه لا مثل له، ولا شبيه، ولا شريك له من خلقه؛ لأن الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه، فكيف يشبّه الخالق بالمخلوق، أو الرازق بالمرزوق، أو القادر بالعاجز. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له، ويعلم فساد ما تقولون عليه من الأقيسة. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: خطأ ما تضربون من الأمثال، ولو علمتموه؛ لما اجترأتم عليه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ و ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه
بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأن العلم، والمعرفة يتناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تَضْرِبُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول محذوف كما رأيت، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. وقيل: في محل نصب حال.
стр. 3079
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾
الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما نهاهم الله عن ضرب الأمثال، لقلة علمهم؛ ضرب هو لنفسه مثلا، فقال تعالى: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، كمثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ كريم مالك قادر، قد رزقه الله مالا، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف يشاء، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم، والإجلال، فلمّا لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة، والصورة البشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله الخالق القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام؛ التي لا تملك، ولا تقدر على شيء البتة. انتهى.
وقال عطاء: العبد المملوك هو أبو جهل، ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً﴾ هو أبو بكر الصديق-﵁، والمعتمد القول الأول، وهو الذي يقتضيه نص الآيات. هذا؛ ومعنى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً:﴾ بيّن شبها. وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ،﴾ ولم يقل: هل يستويان؛ لأن (من) اسم مبهم يصلح للواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ويكون المعنى هل يستوي الأحرار، والعبيد، وكذلك لا يستوي المطيعون، والعاصون.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ حمد الله نفسه؛ لأنه المستحق لجميع المحامد؛ لأنه المنعم المتفضل على عباده، دون ما يعبدون؛ إذ لا نعمة للأصنام عليهم، ولا معروف فتحمد عليه، وإنما الحمد الكامل لله. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: المشركون. ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن الحمد لله وحده. وقيل: أراد أكثر الناس لا يعلمون، وذلك: أن أكثرهم المشركون، وقد صرح سبحانه في غير ما آية: أن أكثر الناس لا يعلمون. وانظر الآية رقم [١٠١] الآتية.
الإعراب: ﴿ضَرَبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مَثَلاً:﴾ مفعول به. ﴿عَبْداً:﴾ بدل منه.
﴿مَمْلُوكاً:﴾ صفة ﴿عَبْداً﴾. ﴿مَثَلاً:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿عَبْداً﴾.
﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿عَبْداً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿عَبْداً﴾.
﴿رَزَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿رَزَقْناهُ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وجملة:
﴿ضَرَبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْفِقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.
стр. 3080
﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به؛ لأن (من) دالة على التبعيض.
﴿سِرًّا:﴾ مفعول مطلق؛ إذ التقدير: إنفاق سر، أو هو حال بمعنى: مسرا. ﴿وَجَهْراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُنْفِقُ مِنْهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ..﴾. إلخ مستأنفة ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه التوبيخ، والإنكار. ﴿يَسْتَوُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا.
﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ:﴾ وهذا مثل آخر ضربه الله لنفسه ولما يعبدون من الأوثان. ﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ:﴾ أخرس لا يفهم، ولا يفهم غيره. ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ:﴾ من الصنائع والتدابير لعجزه التام، ونقصانه الكامل. ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أي: ثقيل على من يلي أمره، ويعوله. ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ أي: حيثما يرسله، ويصرفه في طلب حاجة، أو كفاية مهمّ. ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: لا يأت بنجح؛ لأنه أخرس عاجز، لا يحسن الكلام، ولا يفهم. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أي: الموصوف بالصفات المذمومة، من البكم، وعدم القدرة، والضعف. ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: من هو سليم الحواس، كريم الطباع، نفاع، ذو كفايات، ذو رشد، يأمر الناس بالعدل والخير. ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على سيرة صالحة، ودين قويم، فيجب أن يكون الآمر بالعدل عالما قادرا، مستقيما في نفسه؛ حتى يتمكن من الأمر بالعدل. والجواب:
لا يستويان!.
وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه، ولما يفيض على عباده من إنعامه، ويشملهم به من آثار رحمته، وألطافه، وللأصنام التي هي أموات جمادات لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كلّ على عابديها؛ لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل، والنقل، والخدمة. وقيل:
كلا المثلين للمؤمن، والكافر. وقيل غير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وجمع أبكم: بكم، مثل أعمى، وعمي، وأصم، وصمّ، قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾. المولى: يطلق، ويراد به المعبود بحق، كما يطلق على السيد، والعبد،
стр. 3081
والحليف، وابن العم، والنصير، والصاحب الصدوق. وانظر شرح: ﴿أَحَدٌ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇. وانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١] وشرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] وإعلال مستقيم مثل إعلال ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵊، والصراط هو الطريق الذي يسلكه الإنسان يكون ماديا، ويكون معنويا. هذا؛ وحذف مقابل ﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ﴾ للدلالة عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ﴾ إذ التقدير: والآخر ناطق خفيف على مولاه، أينما يوجهه؛ يأت بخير.
الإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً:﴾ ماض، وفاعله، ومفعول به ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ بدل من مثلا، منصوب مثله وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَحَدُهُما:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَبْكَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿رَجُلَيْنِ﴾. ﴿مَثَلاً:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُما﴾. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان وقيل: صفة ﴿أَبْكَمُ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(هُوَ كَلٌّ):﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿عَلى مَوْلاهُ:﴾ متعلقان ب ﴿كَلٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية ﴿(هُوَ...)﴾ إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل رفع مثلها. وقيل:
في محل نصب حال. ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بفعل شرطه. وقيل: متعلق بالجواب. ﴿يُوَجِّهْهُ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى مولاه، والهاء مفعول به. هذا؛ ويقرأ: «(يوجّه)» بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَبْكَمُ﴾ أيضا، والجملة الفعلية ابتدائية على تعليق الظرف به، وفي محل جر بإضافة ﴿أَيْنَما﴾ إليها على اعتباره متعلقا بالجواب. ﴿مَثَلاً:﴾ نافية. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿أَبْكَمُ﴾ أيضا. ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية:
﴿أَيْنَما..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ (هو). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِي﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُما﴾. ﴿هُوَ:﴾
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوف على الضمير المستتر، وجملة: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ:﴾ صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة، وجملة: ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ..﴾. إلخ في محل
стр. 3082
نصب حال من فاعل ﴿يَأْمُرُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوف على جملة الصلة، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن العباد فيهما.
والمعنى: أن علمه سبحانه نافذ في جميع الأشياء. خفيّها وجليّها، حاضرها، ومعدومها، لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء. وقال ابن عباس-﵄ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خزائنهما. وانظر الآية رقم [٣]. ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ﴾ أي: وما أمر قيام القيامة في سرعته، وسهولته. ﴿إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي: أسرع من لمح البصر؛ لأن لمح البصر يحتاج إلى زمان، وحركة، قال الزجاج: لم يرد أن القيامة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها؛ أي: يقول للشيء: كن فيكون. انتهى.
أقول: قول الزجاج هو الحق؛ لأن للساعة علامات صغرى، وقد ظهرت، وعلامات كبرى ستظهر متوالية، وقد ذكرت ذلك كله في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، و (أو) ليست للشك هنا، وإنما هي للتمثيل بأيهما أراد الممثل، مثل قولك: جالس محمدا، أو محمودا؛ أي: فأنت مخير بذلك. وقيل: هي بمنزلة: «بل». وانظر شرح الساعة في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر).
﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر مقتدر، فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة واحدة، كما قدر على إحيائهم متدرجا، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿غَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو:
حرف عطف. (ما): نافية، ﴿أَمْرُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿كَلَمْحِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الخبر، وتكون مضاف و (لمح): مضاف إليه، و (لمح): مضاف، و ﴿الْبَصَرِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَمْرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَقْرَبُ:﴾ معطوفة أيضا، والمفضل عليه محذوف، انظر الشرح. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها أيضا.
стр. 3083
﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي: جهالا، لا تعرفون شيئا من أمور دينكم، ودنياكم، وتدبير معايشكم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي:
أعطاكم الله هذه الحواس لتستفيدوا بها، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة، وهي الدلائل السمعية؛ لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم الأبصار؛ لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا به على وحدانيته، وجعل لكم الأفئدة؛ لتعقلوا بها، وتفهموا معاني الأشياء، التي جعلها دلائل وحدانيته. انتهى. خازن.
تنبيه: وحّد السمع دون القلوب، والأبصار؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال:
سمعت الشيء، سماعا وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات القلب والبصر مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب.
هذا؛ ونص الآية وظاهرها يدلّ على أنّ الحواس الثلاث خلقت بعد الإخراج من البطون، وقد قال العلماء الأفذاذ: إنّ تقديم الإخراج، وتأخير ذكر الحواس لا يدلّ على أنّ خلقها كان بعد الإخراج؛ لأن الواو لمطلق الجمع، ولا توجب الترتيب؛ ولأن العرب تقدم، وتؤخر في كلامها، وخذ قول الأحوص: [الوافر]
ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام
فقد عطف المقدم على متبوعه، قال ابن هشام في مغنيه: وهو مما اختصت به الواو. وانظر الشاهد [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: كي تعرفوا ما أنعم الله به عليكم طورا بعد طور، فتشكروه على تلك النعم، انظر الشكر في الآية رقم [٧] و [٣٩] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة، والسّلام.
هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!.
هذا؛ و ﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ جمع أم، والقياس أن يكون جمعها: (أمات) قال الزمخشري:
والهاء مزيدة في: أمات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ : [الرجز]
أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب
стр. 3084
وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع]
قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع
وأم يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قول جرير: [الوافر]
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام
ومما يدل أيضا على زيادة الهاء في «أمهة» قولهم: أم بينة الأمومة-بغير هاء-ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:
تأمّهت أمّا، فتأمّهت: تفعّلت بمنزلة: تنبهت مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية، كان ذلك أولى فيها، والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به، لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا؛ والأم تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت: ويقرأ (أمها) بضم الهمزة وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة وفتح الميم، وبكسرهما معا.
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿أَخْرَجَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ بُطُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بُطُونِ:﴾ مضاف، و ﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾
مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى (الله).
﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ معطوفان على ﴿السَّمْعَ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخْرَجَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وهذا على اعتبار الواو لا تقتضي ترتيبا. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعلّ). والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لتلك النعم لا محل لها.
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا:﴾ ألم ينظر الكفار ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ نظر تبصر واعتبار. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾
стр. 3085
مذللات لأمر الله تعالى. وقيل: مذللات لمنافعكم. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ:﴾ الجو: الفضاء الواسع بين السماء والأرض. وهو الهواء، وأضافه إلى السماء لارتفاعه عن الأرض. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ:﴾ يعني: في حال قبض أجنحتها، وبسطها، واصطفافها في الهواء. وفي هذا حث على الاستدلال بها على أنّ لها مسخرا سخّرها، ومذلّلا ذلّلها، وممسكا أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالآيات دون غيرهم.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾ حال من ﴿الطَّيْرِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فِي جَوِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُسَخَّراتٍ؛﴾ لأنه اسم مفعول، و ﴿جَوِّ:﴾
مضاف، و ﴿السَّماءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُمْسِكُهُنَّ:﴾ مضارع، والهاء في محل نصب مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فاعل، وجملة: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ..﴾. إلخ: في محل نصب حال ثانية من الطير، أو من الضمير المستتر في مسخرات، فتكون حالا متداخلة، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها.
هذا؛ وإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥] تأمل، وتدبر.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ التي هي من الحجر، والمدر. ﴿سَكَناً:﴾ مسكنا تسكنونه، وتهدأ جوارحكم فيه من الحركة، وقد تتحرك فيه، وتسكن في غيره، وعدّ سبحانه هذا في جملة النعم، فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك؛ لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلقه ساكنا كالأرض؛ لكان كما خلق، وأراد، والسكن: مصدر يوصف به الواحد والجمع.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً:﴾ يعني: الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط، المتخذة من الأدم، والأنطاع. ﴿تَسْتَخِفُّونَها:﴾ يخف عليكم حملها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ أي: في يوم سيركم، ورحيلكم في أسفاركم. ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ﴾ أي: وتخف عليكم في إقامتكم، وحضركم.
وقد بينت الآية الكريمة: أن المساكن على قسمين: أحدهما ما لا يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة، والخشب، ونحوهما، والقسم الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي الخيام، والفساطيط المتّخذة من جلود الأنعام.
следующие страницы →