Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
والحليف، وابن العم، والنصير، والصاحب الصدوق. وانظر شرح: ﴿أَحَدٌ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇. وانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١] وشرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] وإعلال مستقيم مثل إعلال ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵊، والصراط هو الطريق الذي يسلكه الإنسان يكون ماديا، ويكون معنويا. هذا؛ وحذف مقابل ﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ﴾ للدلالة عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ﴾ إذ التقدير: والآخر ناطق خفيف على مولاه، أينما يوجهه؛ يأت بخير.
الإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً:﴾ ماض، وفاعله، ومفعول به ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ بدل من مثلا، منصوب مثله وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَحَدُهُما:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَبْكَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿رَجُلَيْنِ﴾. ﴿مَثَلاً:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُما﴾. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان وقيل: صفة ﴿أَبْكَمُ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(هُوَ كَلٌّ):﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿عَلى مَوْلاهُ:﴾ متعلقان ب ﴿كَلٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية ﴿(هُوَ...)﴾ إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل رفع مثلها. وقيل:
في محل نصب حال. ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بفعل شرطه. وقيل: متعلق بالجواب. ﴿يُوَجِّهْهُ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى مولاه، والهاء مفعول به. هذا؛ ويقرأ: «(يوجّه)» بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَبْكَمُ﴾ أيضا، والجملة الفعلية ابتدائية على تعليق الظرف به، وفي محل جر بإضافة ﴿أَيْنَما﴾ إليها على اعتباره متعلقا بالجواب. ﴿مَثَلاً:﴾ نافية. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿أَبْكَمُ﴾ أيضا. ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية:
﴿أَيْنَما..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ (هو). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِي﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُما﴾. ﴿هُوَ:﴾
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوف على الضمير المستتر، وجملة: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ:﴾ صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة، وجملة: ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ..﴾. إلخ في محل
стр. 3082
نصب حال من فاعل ﴿يَأْمُرُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوف على جملة الصلة، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن العباد فيهما.
والمعنى: أن علمه سبحانه نافذ في جميع الأشياء. خفيّها وجليّها، حاضرها، ومعدومها، لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء. وقال ابن عباس-﵄ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خزائنهما. وانظر الآية رقم [٣]. ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ﴾ أي: وما أمر قيام القيامة في سرعته، وسهولته. ﴿إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي: أسرع من لمح البصر؛ لأن لمح البصر يحتاج إلى زمان، وحركة، قال الزجاج: لم يرد أن القيامة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها؛ أي: يقول للشيء: كن فيكون. انتهى.
أقول: قول الزجاج هو الحق؛ لأن للساعة علامات صغرى، وقد ظهرت، وعلامات كبرى ستظهر متوالية، وقد ذكرت ذلك كله في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، و (أو) ليست للشك هنا، وإنما هي للتمثيل بأيهما أراد الممثل، مثل قولك: جالس محمدا، أو محمودا؛ أي: فأنت مخير بذلك. وقيل: هي بمنزلة: «بل». وانظر شرح الساعة في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر).
﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر مقتدر، فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة واحدة، كما قدر على إحيائهم متدرجا، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿غَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو:
حرف عطف. (ما): نافية، ﴿أَمْرُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿كَلَمْحِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الخبر، وتكون مضاف و (لمح): مضاف إليه، و (لمح): مضاف، و ﴿الْبَصَرِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَمْرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَقْرَبُ:﴾ معطوفة أيضا، والمفضل عليه محذوف، انظر الشرح. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها أيضا.
стр. 3083
﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي: جهالا، لا تعرفون شيئا من أمور دينكم، ودنياكم، وتدبير معايشكم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي:
أعطاكم الله هذه الحواس لتستفيدوا بها، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة، وهي الدلائل السمعية؛ لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم الأبصار؛ لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا به على وحدانيته، وجعل لكم الأفئدة؛ لتعقلوا بها، وتفهموا معاني الأشياء، التي جعلها دلائل وحدانيته. انتهى. خازن.
تنبيه: وحّد السمع دون القلوب، والأبصار؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال:
سمعت الشيء، سماعا وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات القلب والبصر مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب.
هذا؛ ونص الآية وظاهرها يدلّ على أنّ الحواس الثلاث خلقت بعد الإخراج من البطون، وقد قال العلماء الأفذاذ: إنّ تقديم الإخراج، وتأخير ذكر الحواس لا يدلّ على أنّ خلقها كان بعد الإخراج؛ لأن الواو لمطلق الجمع، ولا توجب الترتيب؛ ولأن العرب تقدم، وتؤخر في كلامها، وخذ قول الأحوص: [الوافر]
ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام
فقد عطف المقدم على متبوعه، قال ابن هشام في مغنيه: وهو مما اختصت به الواو. وانظر الشاهد [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: كي تعرفوا ما أنعم الله به عليكم طورا بعد طور، فتشكروه على تلك النعم، انظر الشكر في الآية رقم [٧] و [٣٩] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة، والسّلام.
هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!.
هذا؛ و ﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ جمع أم، والقياس أن يكون جمعها: (أمات) قال الزمخشري:
والهاء مزيدة في: أمات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ : [الرجز]
أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب
стр. 3084
وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع]
قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع
وأم يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قول جرير: [الوافر]
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام
ومما يدل أيضا على زيادة الهاء في «أمهة» قولهم: أم بينة الأمومة-بغير هاء-ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:
تأمّهت أمّا، فتأمّهت: تفعّلت بمنزلة: تنبهت مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية، كان ذلك أولى فيها، والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به، لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا؛ والأم تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت: ويقرأ (أمها) بضم الهمزة وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة وفتح الميم، وبكسرهما معا.
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿أَخْرَجَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ بُطُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بُطُونِ:﴾ مضاف، و ﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾
مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى (الله).
﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ معطوفان على ﴿السَّمْعَ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخْرَجَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وهذا على اعتبار الواو لا تقتضي ترتيبا. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعلّ). والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لتلك النعم لا محل لها.
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا:﴾ ألم ينظر الكفار ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ نظر تبصر واعتبار. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾
стр. 3085
مذللات لأمر الله تعالى. وقيل: مذللات لمنافعكم. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ:﴾ الجو: الفضاء الواسع بين السماء والأرض. وهو الهواء، وأضافه إلى السماء لارتفاعه عن الأرض. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ:﴾ يعني: في حال قبض أجنحتها، وبسطها، واصطفافها في الهواء. وفي هذا حث على الاستدلال بها على أنّ لها مسخرا سخّرها، ومذلّلا ذلّلها، وممسكا أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالآيات دون غيرهم.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾ حال من ﴿الطَّيْرِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فِي جَوِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُسَخَّراتٍ؛﴾ لأنه اسم مفعول، و ﴿جَوِّ:﴾
مضاف، و ﴿السَّماءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُمْسِكُهُنَّ:﴾ مضارع، والهاء في محل نصب مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فاعل، وجملة: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ..﴾. إلخ: في محل نصب حال ثانية من الطير، أو من الضمير المستتر في مسخرات، فتكون حالا متداخلة، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها.
هذا؛ وإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥] تأمل، وتدبر.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ التي هي من الحجر، والمدر. ﴿سَكَناً:﴾ مسكنا تسكنونه، وتهدأ جوارحكم فيه من الحركة، وقد تتحرك فيه، وتسكن في غيره، وعدّ سبحانه هذا في جملة النعم، فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك؛ لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلقه ساكنا كالأرض؛ لكان كما خلق، وأراد، والسكن: مصدر يوصف به الواحد والجمع.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً:﴾ يعني: الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط، المتخذة من الأدم، والأنطاع. ﴿تَسْتَخِفُّونَها:﴾ يخف عليكم حملها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ أي: في يوم سيركم، ورحيلكم في أسفاركم. ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ﴾ أي: وتخف عليكم في إقامتكم، وحضركم.
وقد بينت الآية الكريمة: أن المساكن على قسمين: أحدهما ما لا يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة، والخشب، ونحوهما، والقسم الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي الخيام، والفساطيط المتّخذة من جلود الأنعام.
стр. 3086
﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها﴾ أي: الأنعام، فالصوف للغنم، والوبر للإبل، والشعر للماعز. ﴿أَثاثاً﴾ أي: تتخذون ممّا ذكر أثاثا، والأثاث متاع البيت الكبير، وأصله من: أثّ إذا كثر، وتكاثف وقيل: الأثاث: ما يلبس، ويفترش في البيوت. وهو المعتمد، قال الشاعر: [الوافر]
أهاجتك الظعائن يوم بانوا... بذي الزّيّ الجميل من الأثاث
﴿وَمَتاعاً:﴾ انتفاعا، وتلذذا، وتمتع، واستمتع بكذا: انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء. وأمتعه الله، ومتّعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور: أي: ما يغرّ، ويخدع، ولا يغرّ إلا ضعفاء النفوس والإيمان. وخاب الفسقة الذين يقولون: إنّ متاع الغرور هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها من خرق، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقرّه ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللّغة. وقال الخليل: الأثاث، والمتاع واحد، وجمع بينهما لاختلاف اللفظ، فإن قلت: لا بد من فرق بينهما؛ حتى يصح العطف؛ لأنه يقتضي المغايرة، فالجواب: أن الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه، فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة، فظهر الفرق بين اللفظين.
﴿إِلى حِينٍ﴾ أي: إلى حين يبلى ذلك الأثاث. وقيل: إلى حين الموت. وانظر شرح «الحين» في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ ويقرأ ﴿(ظَعْنِكُمْ)﴾ بسكون العين، وفتحها كالشّعر والشّعر. هذا؛ والظعينة: المرأة؛ لأن زوجها يظعن بها؛ أي: يرتحل، ويقال: الظعينة في الأصل: الهودج فيه امرأة، أم لا، ثم سميت به المرأة ما دامت فيه، ثم سميت به، وإن كانت في بيتها، والظعينة فعيلة بمعنى: مفعولة، وجمعها: ظعن-بضم فسكون-وظعن-بضمتين- وظعائن، وجمع الجمع: أظعان، وظعنات بضمتين، قال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]
تبصّر خليلي، هل ترى من ظعائن... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني: تقدّم على الأول.
﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَكَناً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَكَناً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأحد الجارين مفعوله الثاني، والآخر حال كما في الجملة السابقة. ﴿تَسْتَخِفُّونَها:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿بُيُوتاً﴾. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿ظَعْنِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر
стр. 3087
بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَمِنْ أَصْوافِها:﴾ معطوفان على ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ﴾. ﴿وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَثاثاً:﴾ معطوف على ﴿بُيُوتاً﴾. (متاعا):
معطوف على ما قبله. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب: (متاعا)، أو بمحذوف صفة له.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ﴾ أي: من الشجر، والجبال، والأبنية. ﴿ظِلالاً:﴾
تستظلون به من حر الشمس، ويقيكم البرد أيضا. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً:﴾ جمع كن، وهو ما يستكن فيه الإنسان من شدة الحر والبرد، والمراد: ما يوجد في الجبال من الكهوف، والبيوت المنحوتة فيها، كالغيران، ونحوها انظر (أكنة) في الآية [٤٦] من سورة (الإسراء). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: ثيابا من الصوف، والكتان، والقطن، وغيرها تحفظكم من الحر؛ أي: والبرد، فاكتفى بذكر الحر عنه. ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ:﴾
المراد: الدروع، وسائر ما يلبس للوقاية من ضربات السيوف والرماح، والبأس شدة الحرب هنا.
وقد استعاره لبيد-﵁-للإسلام؛ الذي وفقه الله إليه بقوله: [البسيط]
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي... حتّى اكتسيت من الإسلام سربالا
﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يتم نعمه عليكم كإتمام النعم الكثيرة التي تقدم ذكرها.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي: تؤمنون، وتستسلمون، وتنقادون إلى معرفة الله، وعبادته، وطاعته شكرا على نعمه، وقرئ شاذا بفتح التاء، ومعناه: تسلمون من الجراح بلبس الدروع، أو تسلمون من العذاب. وقرئ: «(تتمّ)» ورفع: (نعمته). وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧٨]، وانظر: ﴿جَعَلَ﴾ و ﴿خَلَقَ﴾ في الآية رقم [٣]، وانظر (سرابيل) في الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ظِلالاً،﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٦٦] و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، وجملة: ﴿خَلَقَ:﴾
صلة (ما)، أو صفتها، والفاعل يعود إلى (الله)، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء خلقه. ﴿ظِلالاً:﴾ مفعول به، وإعراب: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾
стр. 3088
مثلها بلا فارق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على المفعول الأول، وقل مثل ذلك في كل ما تقدم. ﴿سَرابِيلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿تَقِيكُمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿سَرابِيلَ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿الْحَرَّ:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿سَرابِيلَ،﴾ ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ:﴾
لا خفاء في إعرابه، وهو معطوف على ما قبله. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يتم نعمته عليكم إتماما كائنا مثل إتمام النعم المذكورة فيما تقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُتِمُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿نِعْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تُسْلِمُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لإتمام النعمة، والكلام ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾
الشرح: المعنى: فإن أعرضوا عن النظر في تلك النعم الكثيرة، ولم يستدلوا بها على قدرة الله تعالى، ولم يؤمنوا به سبحانه؛ فلا يهمك ذلك، وليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فهي لله وحده. وانظر مثل ذلك في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء، يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا، ومجازا. هذا؛ وتولى الشيء: باشره بنفسه، ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات في مصعب بن الزبير-﵄: [الطويل]
تولّى قتال المارقين بنفسه... وقد أسلماه مبعد وحميم
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وعلى هذا في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة. وقيل: ﴿تَوَلَّوْا:﴾ مضارع أصله: تتولوا فحذفت إحدى التاءين، وعليه فلا التفات في الكلام. تأمل. وعليه فعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. والأول: أقوى معنى، تأمل، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا لومك عليك، ونحوه، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان
стр. 3089
بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة البلاغ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية. تأمل.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها:﴾ لقد اختلف في هذه النعمة، فقيل: هي محمد ﷺ وإنكار هذه النعمة عدم تصديقه والإيمان به. وقيل: هي ما عدّد الله في هذه السورة من نعم، وإنكارها. قولهم: ورثناها عن آبائنا، أو قولهم: هي بشفاعة آلهتنا. وقيل: غير ذلك.
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ أي: الجاحدون نعم الله تعالى عنادا، وبطرا، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو؛ لأنه يقام مقام الكل، كما في قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾. هذا؛ وانظر: ﴿الْكافِرُونَ﴾ في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٣٥].
الإعراب: ﴿يَعْرِفُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، وهذا على اعتبار ﴿تَوَلَّوْا﴾ ماضيا، والرابط: الضمير فقط، وهي مستأنفة على اعتباره مضارعا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُنْكِرُونَها:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ:﴾ الواو: واو الحال.
(أكثرهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ أي: واذكر يوم نبعث من كل أمة شهيدا يشهد عليهم بالإيمان، أو بالكفر، فهو مثل قوله تعالى من سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ انظرها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والمراد: رسول كل أمة يشهد يوم القيامة على أمته بالإيمان، أو بالكفر، وهو أعدل شاهد عليها. ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذار، والكلام كما في قوله تعالى في سورة (المرسلات). ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٢] من سورة (الحجر). وقيل: لا يؤذن لهم بالرجوع إلى دار الدنيا ليتوبوا، ويؤمنوا. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يكلفون أن يرضوا ربهم؛ لأن
стр. 3090
الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون إلى الدنيا، فيتوبون. هذا؛ والاستعتاب طلب العتاب، والمعتبة هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب العتاب من خصمه دلّ ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل]
فإن كنت مظلوما، فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى، فمثلك يعتب
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧] من سورة (الروم)، ففيها فضل بيان.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر يوم، أو هو مفعول به، وهو الأقوى. ﴿نَبْعَثُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره:
«نحن». ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَهِيداً..﴾.
إلخ، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيداً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿نَبْعَثُ..﴾.
إلخ في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْذَنُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بنائب فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُؤْذَنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْتَعْتَبُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.
﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، والمعاصي. ﴿الْعَذابَ﴾ أي:
عذاب النار. ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: العذاب. ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون، ولا يمهلون.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿ظَلَمُوا:﴾ ماض، وفاعله والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿رَأَى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة إذا إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (لا): نافية.
﴿يُخَفَّفُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى العذاب، ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ جواب (إذا) لا محل لها، ونقل الجمل عن السمين وجوب
стр. 3091
تقدير مبتدأ محذوف؛ أي: فهو لا يخفف لأجل أن تكون الجملة اسمية، ويصح اقترانها بالفاء؛ لأن المضارعية لا يصح قرنها بها. انتهى. والسبب في ذلك؛ لأنها تصلح لأن تكون جوابا، وإذا كان الشرط جازما، يظهر الجزم على آخر المضارع. تأمل. وجملة: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ..﴾.
إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له. ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله.
﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا رَأَى..﴾. إلخ: أي: إذا رأى الكافرون المشركون أصنامهم التي عبدوها في الدنيا من دون الله تعالى، وذلك أن الله يبعث تلك الأصنام والمعبودين، فيتبعهم المشركون حتى يوردوهم النار، فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى يوم القيامة: «من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتّبع من كان يعبد الطواغيت الطّواغيت».
خرجه مسلم. وفي رواية أخرى للترمذي من حديث الرسول ﷺ : «فيمثّل لصاحب الصّليب صليبه، ولصاحب التّصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتّبعون ما كانوا يعبدون». هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل، إنما هو لتحقق وقوعه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم) صلّى الله على نبينا، وعليه وسلم. ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ..﴾. إلخ: أي: يقول المشركون: هؤلاء آلهتنا الذين كنا نعبدهم ونقدسهم من دونك يا الله. ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ..﴾. إلخ أي: رد المعبودون على عابديهم، وأجابوهم بأنكم كاذبون في تسميتنا آلهة، وما دعوناكم إلى عبادتنا، وهو كقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ الآية رقم [٨٣]، وانظر رد الشيطان على أتباعه في الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وأزكى سلام.
تنبيه: الأصنام التي عبدوها جمادات لا تنطق، فلا يبعد أن يبعثها الله تعالى، ويعيدها في الآخرة، ويخلق فيها الحياة، والنطق، والعقل، ويراها الكفار الذين عبدوها. وهي في غاية الذلة، والمهانة، والحقارة. فيزدادون بذلك غما، وحسرة، وندامة، والله على كل شيء قدير.
هذا؛ وأطلق الله على الأصنام اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع، انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها.
الإعراب: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة من
стр. 3092
إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿شُرَكاؤُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾.
إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة شركاؤنا. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون. و (نا): اسمه. ﴿نَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والجملة الفعلية في محل نصب خبر كنا، وجملة:
﴿كُنّا..﴾. إلخ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذين كنا ندعوهم. ﴿مِنْ دُونِكَ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿فَأَلْقَوْا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ألقوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾
خبر إن مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب مقول القول للمصدر، وجملة: ﴿فَأَلْقَوْا..﴾. إلخ مستأنفة؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، فكأنّ سائلا سأل: ما كان جواب الشركاء؟ قيل: ﴿فَأَلْقَوْا..﴾. إلخ.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أي: استسلم المشركون لأمر الله، وانقادوا لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا. وقيل: استسلم العابد، والمعبود لحكم الله تعالى. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم ما كانوا يفترون، ويكذبون من أن الأصنام تنصرهم، وتشفع لهم، وذلك بعد أن كذبوهم، وتبرءوا منهم. وانظر استسلام الكافرين عند الموت في الآية رقم [٢٨] والتعبير بالماضي عن المستقبل هو كما في الآية السابقة.
هذا؛ و ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان، وتنوين (إذ) فيه عوض عن جملة محذوفة، تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: «يوم إذا يرى المشركون شركاءهم، ويحصل ما بينهم من المخاطبة»، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين، كما كسرت في:
صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، و (ضلّ) معناه هنا:
غاب، كما رأيت، وأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى: كفر وخرج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد «اهتدى» و «استقام»، وضل الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم
стр. 3093
في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لمحمد ﷺ :
﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.
هذا؛ وأصل (ألقوا) قبل دخول واو الجماعة (ألقي) فقل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار (ألقاوا) فالتقى ساكنان: ألف العلة وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على القاف دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: (ألقيوا) فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (ألقيوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، فحذفت ياء العلة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ، تنبه لذلك، واحفظه.
هذا؛ وإذا ولي الواو ساكن مثل ﴿رَأَوُا الْعَذابَ،﴾ ونحوه تحرك الواو بالضمة، ولم تحرك بالكسرة لأن الكسرة لا تناسبها. وقيل: حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت لنجحت) وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة. وقيل: غير ذلك.
الإعراب: ﴿وَأَلْقَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقوا): انظر إعرابه في الآية السابقة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَلْقَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (ضل): ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأول، والثاني: مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير:
ضلّ عنهم افتراؤهم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ و ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر كان.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: أضافوا إلى كفرهم منعهم الناس عن الدخول في الإسلام، والإيمان بالله، ورسوله، انظر شرح (المقتسمين) في الآية رقم [٩٠] من
стр. 3094
سورة (الحجر). ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ..﴾. إلخ: وهذه الزيادة بسبب صدهم الناس عن الإسلام بالإضافة لما يستحقونه من العذاب على كفرهم الأصلي، وقد اختلفوا في هذه الزيادة ما هي؟.
فقال عبد الله بن مسعود-﵁: عقارب لها أنياب كأمثال النخل الطوال. وقال سعيد بن جبير-﵁-حيات كالبخت، وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفا. وقال ابن عباس، ومقاتل-﵄: خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل، يعذبون فيها ثلاثة على مقدار الليل، واثنان على مقدار النهار.
وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها. وقيل: يضاعف لهم العذاب، ضعفا بسبب كفرهم، وضعفا بسبب صدّهم الناس عن سبيل الله. انتهى. خازن. وإفسادهم: هو صدّهم النّاس عن الإسلام.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿زِدْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿عَذاباً،﴾ و ﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:
﴿زِدْناهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من واو الجماعة، كما أجيز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، التقدير: أذم. واعتباره خبرا لمبتدإ محذوف وجوبا، التقدير: هم الذين. وعلى الوجوه الثلاثة فجملة: ﴿زِدْناهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والوجه الأول: هو المعتمد، والواضح.
﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا﴾ و (ما) وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء. والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿زِدْناهُمْ،﴾ التقدير: زدناهم... بسبب إفسادهم. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى. تأمل، وتدبر.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٨٤] وفي هذا تكرير لزيادة التهديد، وشدة التحذير من ذلك اليوم على وجه، يزيد على ما أفهمته الآية السابقة، وهو أنّ الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم. ﴿وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ﴾ أي: جئنا بك يا محمد شهيدا على قومك الذين كذبوك، وعادوك، وأخرجوك من بلدك مكة. والتعبير بالماضي عن المستقبل
стр. 3095
لتحقق وقوعه، وقد ذكرته كثيرا. ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ..﴾. إلخ: أي: ونزلنا عليك القرآن مبينا، وموضحا لكل شيء تحتاجه من أمور الدين والدنيا، وهو مثل الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء). ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: رشدا وبيانا، وهداية من الضلالة، ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن، وانتفع به. وخص المسلمين بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وتعاليمه. وانظر الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇؛ تجد ما يسرك.
هذا؛ والتبيان مصدر، ولم يجئ من المصادر على هذه الزنة إلا لفظان: هذا؛ والتلقاء، وهو في الأسماء كثير، نحو التمثال، والتمساح.
هذا؛ وقد قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنا﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا﴾ وهو يفيد أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة، وهذا ممّا يريبهم، كما حكى ذلك عنهم:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله:
﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾.
تنبيه: اعتبار القرآن تبيانا لكل شيء، إما في نفسه كما هو مشاهد وموجود في كثير من الآيات، وإما بإحالته على السّنّة؛ أي: على الأحاديث الشريفة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤] و [٦٤]، أو بإحالته على الإجماع، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾.
إلخ، أو على القياس، كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ والاعتبار: النظر، والاستدلال، اللذان يحصل بهما القياس، فهذه أربعة طرق، لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبيانا لكل شيء، فاندفع ما قيل: كيف قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ونحن نجد كثيرا من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصّا، كعدد ركعات الصلوات، ومدة المسح والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة، وغير ذلك، ومن ثمّ اختلف الأئمة في كثير من الأحكام. انتهى. جمل نقلا من كرخي، بتصرف كبير مني.
الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر يوم، أو هو مفعول به. ﴿نَبْعَثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيداً:﴾ مفعول به.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيداً﴾. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَهِيداً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَبْعَثُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. (جئنا): فعل، وفاعل. ﴿بِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَهِيداً:﴾ حال من الكاف. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بعلى، والهاء
стр. 3096
حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿شَهِيداً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة:
﴿وَجِئْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، والكلام: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ..﴾. إلخ كله مستأنف. ﴿وَنَزَّلْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (نزلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿اِجْتَبَيْنا:﴾ حال من الكتاب، أو هو مفعول لأجله، وهو أقوى.
﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿اِجْتَبَيْنا؛﴾ لأنه مصدر، و (كل): مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿اِجْتَبَيْنا،﴾ فهي مثله حالا. ﴿لِلْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بأحد الأسماء الثلاثة، أو بمحذوف صفة لواحد منها، وذلك على التنازع، وجملة: ﴿وَنَزَّلْنا..﴾.
إلخ: مستأنفة. واعتبارها معطوفة على ما قبلها يخل بالمعنى؛ لأن التنزيل حصل في الدنيا، وأما البعث وما بعده لا يحصلان إلا في الآخرة. تأمل، وتدبر.
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالتسوية في الحقوق فيما بينكم، وترك الظلم، وإيصال كل ذي حق إلى حقّه. انتهى. نسفي. وهذا أحسن ما قيل في تفسيره من أقوال كثيرة.
هذا؛ وفسره البيضاوي بالتوسط وبالاعتدال في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر، والقدر، وعملا كالتعبد بأداء العبادات الواجبات المتوسط بين البطالة، والترهب، وخلقا كالجود المتوسط بين البخل، والتبذير.
﴿وَالْإِحْسانِ﴾ أي: إلى من أساء إليكم عملا بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ وقيل في تفسير العدل والإحسان: فالأول: المفروض من العبادات، والثاني:
المندوب منها؛ لأن الفرض لا بد أن يقع فيه نقص، أو تفريط، فيجبره الندب، ويعضده قول النبي ﷺ : «إنّ أوّل ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأوّل ما يحاسب به الصّلاة، ويقول الله: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامّة؛ كتبت تامّة، وإن كانت ناقصة؛ يقول: انظروا هل لعبدي من تطوّع؟ فإن وجد له تطوّع؛ تمّت الفريضة من التطوع، ثم قال: انظروا هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامة؛ كتبت تامة، وإن كانت ناقصة؛ قال: انظروا هل له صدقة؟ فإن كانت له صدقة؛ تمّت له زكاته». رواه أبو يعلى عن أنس-﵁.
هذا؛ وفسر الإحسان بالإخلاص، وهو مأخوذ من قول النبي ﷺ لجبريل ﵇:
«الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». والإحسان يفسر بحبّ الخير للناس كما يحبّه المرء لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، فإن كان أحدهم مؤمنا؛ يحبّ أن يزداد أخوه إيمانا، وطاعة لربه، وإن كان أحدهم كافرا؛ يحبّ أن يكون أخاه في الإسلام مؤمنا مثله.
стр. 3097
﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى:﴾ إعطاء ذوي القرابات شيئا من المال، إن كان المرء في سعة، وهم محتاجون، فإن لم يكن أحدهما، أو كلاهما؛ فدعاء حسن، وتودد، وزيارة، ومثله قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ الآية رقم [٢٦]، وينبغي أن تعلم أن ﴿ذِي﴾ بمعنى:
صاحب، ويجمع جمع تكسير (ذوين وذوون) وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه (أولون وأولين) وهو كثير مثل أولو الألباب، ونحوه.
﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ﴾ أي: الزنى، ويدخل تحته ما قبح من الأقوال والأفعال، والأخلاق المذمومة جميعها، و ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ هو ما استقبحه الشرع والعقل، والفطرة السليمة، وهو يعم جميع الرذائل والمعاصي والدناءات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها، وتباين درجاتها، والمعروف بعكسه، وقد شرحتهما في غير ما آية.
﴿وَالْبَغْيِ:﴾ هو الظلم والاعتداء على حق غيرك، وعواقبه ذميمة. ومآل الباغي وخيم، وعقباه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى والرمل والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصديق-﵁:
(ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه)، وتلا الآيات الثلاث. وعن النبي ﷺ أنه قال: «أسرع الخير صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس-﵄-أنه قال:
«لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي» ورحم الله من يقول: [البسيط]
يا صاحب البغي، إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله
وكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]
والبغي يصرع أهله... والظّلم من مرتعه وخيم
هذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزّمن) وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي، والسيئات، فيسبب لها الخلود في جهنم.
﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: إنما أمركم بما أمركم به، ونهاكم عما نهاكم عنه في هذه الآية؛ لكي تتعظوا، وتتذكروا. فتعملوا بما فيه رضا الله تعالى، قال ابن مسعود-﵁: إن أجمع آية في القرآن لخير وشرّ هذه الآية، وكانت هذه الآية سببا لإسلام عثمان بن
стр. 3098
مظعون-﵁، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية؛ لصدق عليه أنه تبيان لكلّ شيء، وهدى ورحمة للعالمين.
قال عكرمة: قرأ النبي ﷺ على الوليد بن المغيرة: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ..﴾. إلخ فقال: يا ابن أخي أعد عليّ، فأعادها عليه، فقال: والله إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وأعلاه لمورق-أو لمثمر-وما هو بقول بشر! وذكر الغزنوي أنّ عثمان بن مظعون هو القارئ. انتهى. قرطبي. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧٨].
تنبيه: يروى: أن الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز-﵁-قد أمر بتلاوة هذه الآية بدلا من القذف الذي كان يعقب خطبة الجمعة بالإمام علي بن أبي طالب-﵁، وكرم الله وجهه. وفي الآية الكريمة من البلاغة ما فيها، مثل الإيجاز الموفي بالمعنى، والتقسيم، والطباق اللفظي، والمقابلة، وحسن النسق، وتآلف الألفاظ، والمعاني، والمساواة بينهما، وكل ذلك يظهر بأدنى تأمل، ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ:﴾ معطوفان على العدل، و (إيتاء) مضاف، و ﴿ذِي﴾ مضاف إليه، مجرور وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَعِظُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ينهى المستتر، والرابط: الضمير، ويجوز اعتبار الجملة مستأنفة، لا محل لها. وانظر إعراب مثل ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ومحلها في الآية رقم [٨١].
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)﴾
الشرح: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ:﴾ قال القرطبي: لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان، ويلتزمه الإنسان من بيع، أو صلة، أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وهذه الآية مضمون قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ..﴾. إلخ؛ لأن المعنى فيها: افعلوا كذا واتركوا كذا، فعطف على ذلك التقدير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] من سورة (الرّعد). تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِذا عاهَدْتُمْ﴾
стр. 3099
أي: الله، أو الرسول ﷺ ، أو أي مخلوق من الناس. فحذف المفعول للتعميم. ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ﴾ أي: العهود والمواثيق التي تعطونها الناس، وتقطعونها على أنفسكم. وقيل: المراد بالأيمان:
جمع اليمين، وهو الحلف بالله والقسم به، وهو يشمل النذور التي ينذرها المسلم لله تعالى. ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها:﴾ تشديدها، وتغليظها. هذا؛ ويقال: تأكيدها بإبدال الواو همزة، وهما لغتان في الاستعمال سواء مثل: «ورّخت الكتاب، وأرّخته».
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً:﴾ شاهدا. ويقال: حافظا. ويقال: ضامنا. وفي الكلام استعارة، أو مجاز مرسل. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ:﴾ من نقض العهد والوفاء به. هذا؛ وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣١]، وشرح (الأيمان) في الآية رقم [٣٨]، والفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، انظر الآية رقم [٧٤].
الإعراب: ﴿وَأَوْفُوا:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. انظر الشرح. (أوفوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و (عهد): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿عاهَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا:﴾ إليها، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على كلام مقدر انظر الشرح. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَنْقُضُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ. والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْأَيْمانَ:﴾ مفعول به.
﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿تَوْكِيدِها:﴾ مضاف إليه، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿وَلا تَنْقُضُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَفِيلاً﴾ بعدهما. ﴿كَفِيلاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من لفظ الجلالة، وجملة: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو والضمير. ﴿الْأَيْمانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تفعلونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم فعلكم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿الْأَيْمانَ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
стр. 3100
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ أي: ناقضي العهد، أو في نقضه. ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أي: من بعد إبرامه، وإحكامه، قال الكلبي، ومقاتل-رحمهما الله تعالى-: هذه امرأة من قريش، يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم، وكانت خرقاء حمقاء، بها وسوسة، وكانت قد اتخذت مغزلا قدر ذراع، وصنارة مثل الإصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف، أو الشعر، أو الوبر، وتأمر جواريها بالغزل، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا من دأبها. والمعنى: أن هذه المرأة لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك من نقض العهد، لا تركه، ولا حين عاهد وفى به. انتهى. خازن.
﴿أَنْكاثاً:﴾ جمع نكث، والنّكث والنقض بمعنى، المفعول بكسر النون، والمصدر:
النّكث بفتح النون، ومعنى ﴿أَنْكاثاً﴾ جعل الغزل طاقات. ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ أي:
تتخذون العهود، والمواثيق التي تبرمونها مع غيركم خداعا، وخيانة، وغشّا، ولفّا، ودورانا، ومكرا. هذا؛ والدخل، والدّخن، والدّغل بمعنى: واحد تقريبا.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ:﴾ والمعنى: لا تنقضوا ما أبرمتم من العهود، من أجل أن تكون قبيلة أقوى شكيمة من القبيلة التي عاهدتموها، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: وذلك: أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر من ذلك، وأعز؛ نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا الأكثر. ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ أي: يختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهد، وهو أعلم بكم.
وقيل: الخطاب للمسلمين، والمعنى: إنما يختبركم بكون قريش أقوى منكم لينظر أتتمسكون بما عاهدتم الله ورسوله، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم، وتنفرون من قلة المؤمنين، وفقرهم.
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: في الدنيا من مصدّق بالبعث، والحساب، ومكذّب بذلك، فحينئذ يثبت المصدق الطائع، ويعاقب المكذب المسيء المخالف.
بعد هذا انظر شرح: ﴿أُمَّةٌ﴾ في الآية رقم [٣٦] وشرح (يبين) في الآية رقم [٤٤] وشرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٢٥] وإعلال كنتم في الآية [٤٣].
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف
стр. 3101
للتفريق. ﴿كَالَّتِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى:
مثل فهي الخبر، وتكون مضافة، و (التي) اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
﴿نَقَضَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (التي). ﴿غَزْلَها:﴾ مفعول به، و (ها):
في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿غَزْلَها،﴾ و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿قُوَّةٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿أَنْكاثاً:﴾ حال من ﴿غَزْلَها،﴾ أو هو مفعول به ثان على تضمين ﴿نَقَضَتْ﴾ معنى: صيرت، وجوز الزجاج فيه وجها ثالثا، وهو النصب على المصدرية؛ لأن معنى ﴿نَقَضَتْ﴾ نكثت، فهو مطابق لعامله في المعنى. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: فجعلته أنكاثا، وجملة: ﴿نَقَضَتْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا تَكُونُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أوفوا...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿تَتَّخِذُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَيْمانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿دَخَلاً:﴾ مفعول به ثان. وقال مكي: مفعول لأجله، وليس بالقوي. تأمل.
﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿دَخَلاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَتَّخِذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المستتر في متعلق ﴿كَالَّتِي﴾ واعتبارها خبرا ثانيا للفعل الناقص أجود. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿أُمَّةٌ:﴾ فاعل ﴿تَكُونَ﴾ على تمامه، واسمه على نقصانه. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَرْبى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿مِنْ أُمَّةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿أَرْبى؛﴾ لأنه صيغة تفضيل. والجملة الاسمية: ﴿هِيَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿أُمَّةٌ،﴾ أو هي في محل نصب خبر تكون على نقصانه. هذا؛ والكوفيون يجوزون اعتبار ﴿هِيَ﴾ فصلا، فيكون (أربى) صفة ﴿أُمَّةٌ،﴾ أو خبر ﴿تَكُونَ،﴾ والبصريون لا يجوزونه؛ لأن ما قبله نكرة، ولو كان معرفة؛ لجاز بالاتفاق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لكون أمة... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَتَّخِذُونَ﴾. وهو عند البصريين على تقدير:
مضاف، واقع مفعولا لأجله، التقدير: مخافة أن تكون... إلخ، وعند الكوفيين، التقدير:
لئلا تكون... إلخ. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَبْلُوكُمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يبينن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، وأجيز تعليقه بمحذوف حال، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّما:﴾ مفعول به، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، كما في الآية السابقة واللاحقة، وباقي
стр. 3102
الإعراب واضح إن شاء الله تعالى، وقد مرّ معنا كثير مثله، وجملة: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ..﴾. إلخ جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف، وجوابه كلام معطوف على الجملة قبله، لا محل له مثلها.
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: على ملة واحدة، ودين واحد، وهو الإسلام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٨] من سورة (هود) ﵇، فإنه جيد جدا.
﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ إضلاله، وذلك بخذلانه إيّاه عدلا منه. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته بتوفيقه إياه فضلا منه، وتكرما. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرّعد)، ففيها القول الفصل. ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: في الدنيا سؤال تبكيت، وتأنيب، ومجازاة.
فيجازي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، أو يغفر له. وانظر سؤال الكافرين في الآية رقم [٩٢] من سورة (الحجر).
بعد هذا انظر شرح: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٢] وأما (لتسألنّ) فأصله: (تسألون) فلمّا اتصلت به نون التوكيد؛ صار (لتسألوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار (لتسألونّ) ثم حذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على اللام لتدل على الواو المحذوفة، فصار (لتسألنّ).
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جعلكم أمة):
ماض ومفعولاه، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل لها. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة ﴿أُمَّةً﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُضِلُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله).
﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يضل الذي، أو شخصا يشاء الله إضلاله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو)، لا محل لها أيضا، وجملة:
﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة لا محل لها أيضا. ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (تسألن): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة نائب فاعله، والنون حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل
стр. 3103
الموصولة والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير عن الذي، أو عن شيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن عملكم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:
﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية السابقة، وهذا تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا، ومبالغة في قبح المنهي، قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، نهاهم عن نقض عهده؛ لأن الوعيد الذي بعده، وهو: قوله : ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يليق بنقض عهد غيره.
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها:﴾ مثل يذكر لكل من وقع في بلاء، ومحنة بعد عافية، ونعمة، أو سقط في ورطة بعد سلامة. تقول العرب لكل واقع في بلاء بعد عافية: زلت قدمه. قال الشاعر: [الطويل]
سيمنع منك السّبق إن كنت سابقا... وتقتل إن زلّت بك القدمان
وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]
تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها... وذبيان قد زلّت بأقدامها النّعل
ولا ريب: أنه استعارة للمستقيم الحال يقع في شرّ عظيم، ويسقط فيه، والمراد: أقدام كثيرة، وإنما وحّد ونكر للدلالة على: أنّ زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟!
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: تذوقوا العذاب في الدنيا بسبب كفركم، ومنعكم الناس من الدخول في دين الإسلام. ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: في الآخرة. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده، قال الشماخ يصف فرسا: [الطويل]
فذاق، فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وقد يعبّر بالذوق عمّا يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
стр. 3104
وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتذوقته: أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق: أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر]
وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق
وأصله من: الذوق بالفم، و (ذوقوا) في كثير من الآيات أمر للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلة وفي (العذاب) استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ والواو فاعله. ﴿أَيْمانَكُمْ:﴾ مفعول به أول. ﴿دَخَلاً:﴾ مفعول به ثان.
﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿دَخَلاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، والتكرير للتوكيد.
﴿فَتَزِلَّ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. ﴿قَدَمٌ:﴾ فاعل. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿ثُبُوتِها:﴾ مضاف إليه، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم اتخاذ... فزلّ قدم... إلخ.
(تذوقوا): مضارع معطوف على (تزل) منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله.
﴿السُّوءَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَدَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصدكم الناس، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: ولا تنقضوا عهودكم، وتطلبوا بنقضها عوضا من الدنيا قليلا، ولكن، أوفوا بها. هذا؛ وإنما كان عرض الدنيا قليلا؛ وإن كثر؛ لأنه ممّا
стр. 3105
يزول، فهو على التحقيق قليل: وقد فسرت ذلك الآية التالية؛ حيث بينت الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة بأنّ هذه تنفد، وتزول، وما عند الله من مواهب فضله، ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد، وثبت على العقد. ولقد أحسن من قال: [الكامل]
المال ينفد حلّه وحرامه... يوما، وتبقى في غد آثامه
ليس التقيّ بمتّق لإلهه... حتّى يطيب شرابه وطعامه
وقال آخر: [الوافر]
هب الدنيا تساق إليك عفوا... أليس مصير ذاك إلى انتقال؟
وما دنياك إلاّ مثل فيء... أظلّك، ثمّ آذن بالزّوال
﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ..﴾. إلخ: أي: أنّ الذي عند الله من الثواب لكم على الوفاء بالعهد خير وأفضل من حطام الدنيا العاجل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ الفرق بين عرض الدنيا، وحطامها الزائل، وثواب الآخرة الباقي الدائم. هذا؛ وانظر (عهد الله) في الآية رقم [٢٠] من سورة (الرعد). وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام.
قيل: نزلت الآية وما بعدها في امرئ القيس بن عابس الكندي، وخصمه عبدان بن أسوع، اختصما في أرض، فأراد امرؤ القيس أن يحلف، فلما سمع هذه الآية؛ نكل، وأقرّ له بحقه.
وهذا يعني: أن الآيتين مدنيتان. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
وعن أبي موسى الأشعري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى».
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَشْتَرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (عهد) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّما:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما):
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾
متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وجملة:
﴿إِنَّما..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٣] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنتم تعلمون ذلك؛ فلا تشتروا... إلخ، أو فلا تنقضوا.. إلخ.
стр. 3106
﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
الشرح: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: من متاع الدنيا ولذاتها يفنى ويذهب. ﴿وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ أي: من ثواب الآخرة، ونعيم الجنة. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على السرّاء والضرّاء، وعلى الوفاء بالعهد، وعلى الطاعات على اختلاف أنواعها، وعن المعاصي على تفاوت مراتبها ودرجاتها، وعلى أذى الكفار. وانظر «الصبر» في الآية رقم [١١٥] من سورة (هود) ﵇.
وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر)، ويقرأ الفعل بالياء. ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الطاعات، من واجبات، ومندوبات. هذا؛ وقد قال الزمخشري: إنّ كلّ ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب مثل: نفق، ونفخ، ونفذ، ونفد... إلخ.
هذا؛ وإعلال ﴿باقٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇.
الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَنْفَدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للخبرية، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها. ﴿باقٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نجزين): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، أو هو. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَحْسَنِ:﴾ متعلقان بالفعل نجزين. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٩٣] ففيها الكفاية، وجملة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾
الشرح: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً..﴾. إلخ: يخبرنا الله جلت حكمته بهذه الآية: أنه يثيب العاملين أعمالا صالحة بحياة طيبة في الدنيا، فإنه إن كان موسرا؛ فالأمر واضح، وإن كان معسرا فيطيب عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر، والمنافق،
стр. 3107
فإنه إن كان معسرا؛ فظاهر، وإن كان موسرا؛ لم يدعه الحرص، وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه، فيعلم من هذا أنّ عيش المؤمن في الدنيا، وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر، وإن كان غنيا؛ لأن المؤمن لما علم: أنّ رزقه من عند الله، وذلك بتقديره، وتدبيره، وعرف: أنّ الله محسن كريم متفضل، لا يفعل إلا الصواب، فكان راضيا عن الله، راضيا بما قدّره الله له، فاستراحت نفسه من الكدّ والحرص، فطاب عيشه بذلك، وأما الكافر، أو الجاهل بهذه الأصول-وإن كان مسلما-لحريص على طلب الرزق، فيكون أبدا في حزن، وتعب، وعناء، وحرص، وكد، ولا ينال من الرزق إلا ما قدّر له، فظهر بهذا: أن عيش المؤمن القنوع أطيب من عيش غيره.
هذا؛ وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر؛ لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا، وتعبها. وقال قتادة، ومجاهد: المراد بالحياة الطيبة: الجنة. وروي عن الحسن: أنه قال: لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة؛ لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلك، وسعادة بلا شقاوة، فثبت بهذا: أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولقوله في سياق الآية: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ..﴾. إلخ لأن ذلك الجزاء إنما يكون في الجنة. انتهى.
خازن. وينبغي أن تعلم: أنه قد روعي لفظ (من) بإعادة الضمير مفردا بقوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ وروعي معناها بإعادة الضمير جمعا بقولهم: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ..﴾. إلخ. وانظر رقم [٩٤] من سورة (الأنبياء).
تنبيه: ذكر الله في الآية الكريمة قبول الأعمال الصالحة من العاملين ذكورا، وإناثا، ووعدهم عليها الحياة الطيبة، والجزاء الحسن في الآخرة، وهو ممّا يستدل به على أنّ الذّكر، والأنثى من بني آدم في المسئولية، والتكليف سواء، وفي الإثابة، والعقاب على سواء أيضا، كيف لا وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٩٥]: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ ووصف النساء، والرجال بعشر صفات في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأحزاب). وأما ما نشاهده في كثير من الآيات من تخصيص الذّكور بالذّكر، مثل (المؤمنين) و (المتقين) و (الفاسقين) و (الظالمين) ... إلخ؛ فإنما هو من باب التغليب، أو إنّ الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: لقد شرط الله الإيمان لقبول الأعمال الصالحة؛ لأن العمل الصالح بدون إيمان بالله وبمحمد ﷺ لا يغني فتيلا، وذكر الإيمان مع العمل الصالح يسمّى في علم البديع: احتراسا، فلولا شرط الإيمان؛ لفهم: أنّ كل عمل صالح مقبول، وأنّ كل عامل خيرا يدخل الجنة. وانظر أعمال الكافرين وجزاءهم في الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇. وانظر احتراسا آخر في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). وانظر الإيمان في الآية [٣٨].
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو».
стр. 3108
﴿صالِحاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ المستتر، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على ﴿ذَكَرٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب حال ثانية من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نحيينه): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم المقدر، وجوابه في محل جزم جواب الشرط. ﴿حَياةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة؛ فجملة: ﴿عَمِلَ صالِحاً..﴾. إلخ صلتها، وخبرها الجملة القسمية التي رأيت تقديرها، واقترنت الفاء بالخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وجملة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه لمّا كان غير محتاج إلى الاستعاذة، وقد أمر بها فغيره أولى بذلك، ولمّا كان الشيطان ساعيا في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، وكانت الاستعاذة بالله مانعة من ذلك، لهذا السبب أمر الله رسوله ﷺ والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة؛ حتى تكون مصونة من وساوس الشيطان.
هذا؛ وظاهر اللفظ يدلّ على أنّ الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين. ومذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة، وفقهاء الأمصار:
أنّ الاستعاذة مقدمة على القراءة. قالوا: ومعنى الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن؛ فاستعذ بالله.
مثله قوله جل وعز: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ..﴾. إلخ، ومثله من الكلام إذا أردت أن تأكل؛ فقل: بسم الله، وإذا أردت أن تسافر؛ فتأهب، والجمهور على أنّ الأمر للاستحباب. وفيه دليل على أنّ المصلي يستعيذ في كلّ ركعة، ومذهب عطاء: أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن في الصّلاة وغيرها.
فعن عبد الله بن مسعود-﵁، قال: قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرجيم؛ فقال: «قل أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم؛ هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللّوح المحفوظ».
стр. 3109
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية [٨٥] ﴿قَرَأْتَ:﴾ فعل، وفاعل.
﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.
﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (استعذ): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿الرَّجِيمِ:﴾ صفة ﴿الشَّيْطانِ﴾ وجملة:
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان. ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ:﴾ تسلط وولاية. ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: على أولياء الله تعالى المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون، أوامره، ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة، ولذلك أمروا بالاستعاذة، فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لا يوهم أن له قدرة وولاية على الذين آمنوا، ولذا قال سفيان:
ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر، وبالجملة كما قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوّة على طاعة إلا بتوفيق الله تعالى.
بعد هذا انظر التوكل في الآية رقم [٤٢] وانظر ما قال إبليس اللعين، وما رد عليه رب العالمين في الآية [٣٩ - ٤٣] من سورة (الحجر). هذا؛ و ﴿سُلْطانٌ﴾ من معانيه: الحجة، والبرهان. قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه، كالسلطان يقهر غيره. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه.
هذا؛ وجمعه بمعنى الحاكم والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى: الحجة والبرهان.
الإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر ليس تقدم على اسمها. ﴿سُلْطانٌ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سُلْطانٌ،﴾ أو بمحذوف صلة له، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.
وجملة: ﴿لَيْسَ لَهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿وَعَلى:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(عَلى رَبِّهِمْ):﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَتَوَكَّلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ:﴾ تسلطه، وولايته. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ:﴾ يحبونه، ويطيعون، أوامره. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: بالله يشركون معه غيره في العبادة. وقيل: يعود الضمير
стр. 3110
إلى الشيطان، والمعنى والذين هم بسبب الشيطان مشركون، وذلك بوسوسته، وإغوائه، وإضلاله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿سُلْطانُهُ:﴾ مبتدأ. والهاء: في محل جر بالإضافة.
﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (الذين): معطوف على سابقه، فهو مبني على الفتح في محل جر مثله. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْرِكُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ:﴾ وهذا التبديل يكون بالنسخ حيث يجعل الله الآية الناسخة مكان الآية المنسوخة لفظا، أو حكما. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ أي: الله أعلم بما ينزل من الناسخ، وبما هو أصلح لخلقه، فلعل ما يكون مصلحة في وقت، يصير مفسدة في وقت بعده فينسخه، وما لا يكون فيه مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه، وهذا نوع توبيخ، وتقريع للكفار على قولهم للنبي ﷺ ، كما حكى الله عنه: ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي:
مختلق ومتقوّل على الله. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ حكمة الله في أحكامه من ناسخ ومنسوخ، ولا يميزون الخطأ من الصواب. هذا؛ وذكر الأكثر: إما لأنّ بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصير في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو؛ لأنه يقام مقام الكل.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة حين قال المشركون من أهل مكة: إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه، وإن أردت بيان النسخ وشرحه انظر الآية رقم [١٠٦] من سورة (البقرة). هذا؛ وانظر شرح: ﴿آيَةً﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الحجر)، وإعلال ﴿مُفْتَرٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇، ولا تنس: أنّ ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس على بابه، وإنما هو بمعنى: عالم؛ لأنه تعالى لا يشركه أحد في علم، ولا في قدرة.
стр. 3111
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر مثلها في الآية رقم [٨٥]. ﴿بَدَّلْنا:﴾
فعل، وفاعل. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به أول. ﴿مَكانَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿آيَةً﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء ينزله. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو فقط، والأول: أقوى. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة.
﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُفْتَرٍ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، وعطفها على ما قبلها يخل بالمعنى؛ لأنها ليست من مقول المشركين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآن ناسخه ومنسوخه. ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أي: جبريل ﵊، والمعنى: الروح المقدسة، أضيف إلى القدس، وهو الطهر، كما يقال: حاتم الجود، وطلحة الخير. هذا؛ ويقرأ ﴿الْقُدُسِ﴾ بضم الدال وسكونها. وانظر (الرسل) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد).
﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليثبت بالقرآن قلوب المؤمنين، فيزدادوا إيمانا، ويقينا، واطمئنانا ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ انظر الآية رقم [٨٩] ففيها الكفاية. وانظر (نزلنا) في الآية [٨٩] أيضا. وانظر شرح (الحق) في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود) ﵇.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿نَزَّلَهُ:﴾ ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿رُوحُ:﴾ فاعله. و ﴿رُوحُ:﴾ مضاف، و ﴿الْقُدُسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿نَزَّلَهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِيُثَبِّتَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى
стр. 3112
﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَّلَهُ﴾. (هدى): معطوف على محل: ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ أي: فهو مفعول لأجله منصوب، أو هو معطوف على لفظ المصدر المنسبك من «أن» والمضارع، فهو مجرور، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف أي: وهو هدى، فهو مرفوع، وعليه: فالجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، والفتحة، أو الكسرة، أو الضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَبُشْرى:﴾
معطوف على سابقه على جميع الاعتبارات فيه. ﴿لِلْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بأحد الاسمين السابقين، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وذلك على التنازع. وانظر مثله في الآية رقم [٨٩].
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ:﴾ وذلك: أن كفار مكة قالوا: إنما يتعلم محمد هذه القصص، وهذه الأخبار من إنسان آخر، وهو آدمي مثله، وليس هو من عند الله، كما يزعم، فردّ الله عليهم بهذه الآية، واختلفوا في ذلك البشر: من هو؟ فقيل: هو جبر الرومي غلام عامر بن الحضرمي. وقيل: كان عبدان لعبيد الله بن مسلمة، يقال لأحدهما: يسار، ويقال للآخر: جبر، كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة، والإنجيل، وكان رسول الله ﷺ يمر عليهما، ويسمع ما يقرءانه. وقيل: هو عائش كان مملوكا لحويطب بن عبد العزى، كان نصرانيا، وقد أسلم، وحسن إسلامه. وقيل: هو عدّاس غلام عتبة بن ربيعة.
والحاصل: أن المشركين اتهموا رسول الله ﷺ بأنه يتعلم ما يسمعهم إياه من غيره، ثم هو يضيفها لنفسه، ويزعم أنه وحي من الله ، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ أي: لغة الشخص الذي يميلون ويشيرون إليه أعجمية. هذا؛ والإلحاد: الميل، يقال: لحد، وألحد؛ أي: مال عن القصد، وقرئ: «(يلحدون)» بفتح الياء والحاء، والأعجمي:
هو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كلّ من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم أعجميا. وقال الفراء: الأعجم الذي في لسانه عجمة، وإن كان عربيا. انتهى. ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة مع كونه من العرب، والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليهم. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول: الأعراب كما في الآية رقم [٩٠] من سورة (التوبة) وما بعدها، وجمع الثاني: العرب.
стр. 3113
﴿وَهذا﴾ أي: القرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ . ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بين الفصاحة، والبلاغة: فكيف يأتي به أعجمي لا يحسن العربية، ولا يتكلّم بها، وأنتم يا معشر قريش، فرسان البلاغة والفصاحة، وقد عجزتم عن إتيان سورة من مثله مع كونه قد تحدّاكم مرارا. ولا يعزب عن بالك أن الله جلّت قدرته قد أطلق كلمة لسان على القرآن بكامله، كما أطلقه العرب على كلمة السوء، وعلى القصيدة من الشعر، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، ففيها فضل بيان. وانظر إعلال ﴿مُبِينٌ﴾ ومعناه في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).
هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: الفلك، تطلق على المفرد، والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنّها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و (بشر) يطلق على المفرد كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الآية رقم [٢٥] من سورة (مريم) أيضا.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الحجر) ففيها فضل بيان. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِنَّما:﴾
كافة ومكفوفة. ﴿يُعَلِّمُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، ﴿بَشَرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) اسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿نَعْلَمُ،﴾ وجملة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ..﴾.
إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿لِسانُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿يُلْحِدُونَ:﴾
مضارع، وفاعله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿أَعْجَمِيٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لِسانُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف عطف. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿لِسانُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَرَبِيٌّ مُبِينٌ:﴾ صفتان له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 3114
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: لا يصدقون بآيات القرآن المنزلة من عند الله على الرسول ﷺ . ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ:﴾ لا يوفقهم للإيمان، أو لا يدلهم على طريق النجاة، والفلاح المؤدي إلى الجنة. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة، هددهم على كفرهم بالقرآن، بعد ما أماط شبهتهم، وردّ طعنهم فيه في الآية السابقة، ثم قلب الأمر عليهم بالآية اللاحقة.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يَهْدِيهِمُ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء: مفعول به.
﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبارها حالا من الضمير المنصوب غير مستبعد.
﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ أي: يختلق الكذب، ويصطنعه، بل ويمتهنه. ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ:﴾ هو مثل الآية السابقة. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي: الكاذبون على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب، المولعون به؛ لأن تكذيب آيات القرآن، والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب، أو هم الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه خلق، ولا دين، ولا مروءة، وقد أخبر الله تعالى عن حالهم بقوله: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ..﴾. إلخ ثم وصفهم بقوله: ﴿هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ ليدل على أنّ الكذب نعت لازم لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت، وأنت كاذب؛ أي: كذبت في هذا القول، ومن عادتك الكذب
قال الخازن-رحمه الله تعالى-وفي الآية دليل على أنّ الكذب من أفحش الذنوب الكبار؛ لأن الكاذب المفتري هو الذي لا يؤمن بآيات الله. روى البغوي، بإسناد الثعلبي عن عبد الله بن جراد، قال: قلت: يا رسول الله! المؤمن يزني؟ قال: «قد يكون ذلك». قلت: المؤمن يسرق؟ قال: «قد يكون ذلك». قلت: المؤمن يكذب؟ قال: «لا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ..﴾. إلخ». انتهى.
أقول، وجاء في كتاب الترغيب، والترهيب ما يلي: عن صفوان بن سليم-﵁ قال: قيل: يا رسول الله! أيكون المؤمن جبانا؟ قال: «نعم». قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال
стр. 3115
«نعم». قيل له: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال: «لا». رواه مالك هكذا مرسلا. هذا؛ والأحاديث المنفّرة من الكذب، والمرغبة في الصدق كثيرة مشهورة، أكتفي منها بما يلي: عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالصّدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصّدق؛ حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري، ومسلم. كيف لا؟ والرسول ﷺ جعل الكذب صفة من صفات النفاق. هذا؛ وانظر الصدق، وماله في حديث كعب بن مالك-﵁-في الآية [١١٩] من سورة (التوبة)، ولا تنس: أنه قد ورد الترغيب في الصدق، والترهيب من الكذب في الشعر العربي أكتفي بقول الشاعر هنا: [البسيط]
لا يكذب المرء إلاّ من مهانته... أو فعله السّوء أو من قلّة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة... من كذبة المرء في جدّ وفي لعب
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، وهي مفيدة للحصر. ﴿يَفْتَرِي:﴾ مضارع مرفوع
إلخ. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. الواو:
حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل لا محل له. ﴿الْكاذِبُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا، و ﴿الْكاذِبُونَ﴾ خبره؛ فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك) والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ أي: من كفر من بعد إيمانه، ورجع عن الإسلام، فعليه غضب الله، قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن خطل، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. انتهى. قرطبي.
وهؤلاء هم الذين شرحت صدورهم بالكفر، فاستحقوا غضب الله في الدنيا، وفي الآخرة؛ حيث اعتقدوه، وطابت نفوسهم به.
стр. 3116
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي: على الافتراء، أو كلمة الكفر. ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ أي: لم تتغير عقيدته، وقلبه ثابت على الإيمان، والمراد: به عمار بن ياسر-﵄-فقد روي: أن قريشا أكرهوا عمارا، وأبويه ياسرا، وسمية على الارتداد عن الإسلام، فربطوا سمية بين بعيرين، ثم جاء أبو جهل الخبيث، فجعل يسبها، ويرفث، ثم طعن فرجها بحربة خرجت من فمها، فقتلها-﵂، وأرضاها، وقتلوا ياسرا-﵁، وهما أول قتيلين شهيدين في الإسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله! إن عمارا كفر، فقال: «كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من فرقه، إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».
وأتى عمار-﵁-يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه. وقال: «مالك؟». قال:
يا رسول الله نلت منك، وقلت: كذا، وكذا! فقال: «كيف وجدت قلبك». قال: مطمئنا بالإيمان، قال: «لا حرج عليك، وإن عادوا لك؛ فعد لهم بما قلت».
وفيه دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين، كما فعله أبو عمار-﵃. وقد روي: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين مسلمين، فقال لأحدهما ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فماذا تقول فيّ؟ قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر، ما تقول: في محمد؟ قال رسول الله ﷺ ، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: أما الأول؛ فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني؛ فقد صدع بالحق، فهنيئا له. انتهى. بيضاوي بتصرف.
قال العلماء: أول من أظهر الإسلام مع رسول الله ﷺ سبعة: أبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وأبوه ياسر، وأمه سمية-﵃ أجمعين-فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله من أذى المشركين بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر-﵁؛ فمنعه قومه، وعشيرته، وأخذ الآخرون، وألبسوا أدراع الحديد، وأجلسوا في حر الشمس بمكة، فأما بلال-﵁، فكانوا يعذبونه، وهو يقول: أحد أحد؛ حتى اشتراه أبو بكر، وأعتقه، وقتل ياسر، وسمية كما تقدم. وقال خباب: لقد، أوقدوا لي نارا، ما أطفأها إلا ودك ظهري. وأجمعوا على أنّ من أكره على الكفر، لا يجوز له أن يتلفظ بكلمته تصريحا، بل يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان، غير معتقد ما يقوله من كلمة الكفر، ولو صبر؛ حتى قتل؛ كان أفضل؛ لأن ياسرا، وسمية قتلا، ولم يتلفظا بكلمة الكفر، ولأن بلالا صبر على العذاب، ولم يلم على ذلك.
قال العلماء: من الأفعال ما يتصور الإكراه عليها، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير والميتة، ونحوها، فمن أكره بالسيف، أو القتل على أن يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، أو لحم الخنزير، أو نحوها؛ جاز ذلك له، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ،﴾ وقد بيّن الله حكم الضرورة في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٣] من سورة (المائدة)، والآية
стр. 3117
رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) أحسن بيان، ومن الأفعال، ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا؛ لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنع انتشار الآلة، فلا يتصور الإكراه فيه.
واختلف العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي، وأكثر العلماء، لا يقع طلاق المكره.
وقال أبو حنيفة، يقع. وهذا الاختلاف ناشئ من تأويل الحديث: «لا طلاق في إغلاق» فالشافعي ومن معه فسروا الإغلاق بالإكراه، وأبو حنيفة فسره بالغضب الشديد الذي يغيب فيه وعي الرجل، وصوابه، وعقله رحم الله الجميع رحمة واسعة، ورحمنا معهم بفضله، وكرمه، ومنّه.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وما بينهما اعتراض، أو من (أولئك) أو من الضمير المستتر في ﴿الْكاذِبُونَ،﴾ أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، أو هو مبتدأ، خبره محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وعليه يجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولا، وشرطا، فعلى الثاني: تكون الفاء واقعة في جواب الشرط، وعلى الأول: تكون الفاء زائدة لتحسين اللفظ، وجاز ذلك؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿كَفَرَ:﴾ ماض، وهو في محل جزم فعل الشرط على الاعتبار الثاني: في (من) والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿كَفَرَ:﴾ المستتر و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿إِيمانِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية المحذوفة التي رأيت تقديرها خبر ﴿مَنْ،﴾ أو في محل جزم جوابها على الاعتبار الثاني فيها، وخبرها جملتا الشرط والجواب على ما هو الراجح عند المعاصرين، وعليه تكون الجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل على المعتمد. ﴿أُكْرِهَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلتها لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُطْمَئِنٌّ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبتدأ، وجملة:
﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿فَعَلَيْهِمْ:﴾
الفاء: زائدة لتحسين اللفظ.. إلخ. (عليهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة غضب، أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ شرطية، ولكن متى جعلت شرطية؛ فلا بد من إضمار مبتدأ قبلها؛ لأنه لا يليها الجمل الشرطية ولذا قيل: (لكن): مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن.
قاله الشيخ، وإنما لم تقع الشرطية بعد (لكن)؛ لأن الاستدراك لا يقع في الشروط، وكذا قيل:
وهو ممنوع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية
стр. 3118
السابقة، وهو ممّا يضعف البدلية في ﴿مَنْ﴾ ويرجح اعتبارها مبتدأ. ولا يعزب عن بالك: أنه قد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في رجوع الفاعل إليها، وروعي معناها في: (عليهم) و (لهم) وهو الجمع.
تأمّل.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى غضب الله الذي استحقوه. وقيل: الإشارة إلى الكفر بعد الإيمان. ﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ اختاروا العاجلة الفانية على الآجلة الباقية وفضلوها عليها. ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي: لا يرشدهم إلى الإيمان، ولا يوفقهم للعمل به، وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا، وشأنهم لما اختاروا غير الكفر. هذا؛ وقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها بنو آدم بالدنيا لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
وانظر شرح الآخرة في الآية رقم [٣٠]، وشرح: ﴿الْقَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٣]، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ جمع: كافر، والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها، كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها، وكفر الشيء: غطاه، وستره، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اِسْتَحَبُّوا:﴾ ماض، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). ﴿الْحَياةَ﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أن): حرف مشبه بالفعل.
стр. 3119
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة القوم منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على سابقه.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين اختاروا الفانية على الباقية. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ فلا يفهمون المواعظ. ﴿وَسَمْعِهِمْ:﴾ فلا يسمعون كلام الله سماع تعقل، وتدبر.
﴿وَأَبْصارِهِمْ:﴾ فلا يبصرون آيات الله في السموات، وفي الأرض. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ:﴾
الكاملون في الغفلة عما يراد بهم؛ إذ أغفلتهم الدنيا عن تدبر العواقب. وانظر توحيد السمع وجمع غيره في الآية رقم [٧٨] هذا؛ ومعنى ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ ختم عليها؛ إذ الطبع في الأصل: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، والطبع: السّجيّة والخلق الذي جبل عليه الإنسان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، وجملة:
﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وإعراب: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٥].
﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)﴾
الشرح: ﴿لا جَرَمَ..﴾. إلخ: ردّ لما يدعونه، وإثبات لعكسه، وضدّه. ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا ليربح في الآخرة، فإذا دخل النار بان خسرانه، وظهر غبنه؛ لأنّه ضيع رأس ماله، وهو الإيمان، ومن ضيع رأس ماله فهو خاسر، وأيّ خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها، الذي لا ينقطع؟! هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران: إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة، جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران المبين، فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة، ومسكنا في النّار، فأمّا المؤمنون؛ فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل
стр. 3120
الكفّار، ويجعل الكفار في منازلهم في النّار». أخرجه ابن ماجة، وهذا تأويل قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
الإعراب: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] ففيها الكفاية. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْخاسِرُونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ: قال القرطبي: هذا كلّه في عمّار بن ياسر-﵁. انتهى. والمراد: بالفتنة ما رأيته في الآية رقم [١٠٦] حيث عذبه المشركون؛ حتى نطق بكلمة الكفر. وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون، وقد تقدّم ذكرهم في هذه السورة؛ أي: في الآية رقم [٤١]. وقال الخازن:
نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا أبي جهل من الرضاعة. وقيل: كان أخاه لأمّه، وفي أبي جندل بن سهيل، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن أسد الثقفي، فتنهم المشركون، وعذّبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا؛ ليسلموا من شرهم، ثم إنّهم هاجروا بعد ذلك، وجاهدوا.
هذا؛ وقرأ ابن عامر: «(فتنوا)» بالبناء للمعلوم، فيكون المعنى: من بعد ما عذبوا المؤمنين، كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتدّ عن الإسلام، ثمّ أسلما، وهاجرا إلى المدينة. بعد هذا انظر الهجرة في الآية رقم [٤١].
وقال البيضاوي: و ﴿ثُمَّ﴾ لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك؛ أي: حال المؤمنين المهاجرين، وحال المطبوع على قلوبهم، وسمعهم، وأبصارهم من الكافرين، والمجرمين، والفاسقين من المسلمين.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وخبر ﴿إِنَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الثانية واسمها تأكيد للأولى، واسمها، فكأنه قيل: ثم إن ربك، إن ربك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في الجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ﴾ وجهان: أن يتعلقا بالخبرين على التنازع، أو بمحذوف على سبيل البيان، كأنه قيل: الغفران، والرحمة للذين هاجروا. الثاني: أنّ الخبر هو نفس الجار بعدها، كما تقول: إن زيدا لك؛ أي: هو لك لا عليك، بمعنى: هو ناصرهم، لا خاذلهم. قال معناه
следующие страницы →