← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي: على الافتراء، أو كلمة الكفر. ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ أي: لم تتغير عقيدته، وقلبه ثابت على الإيمان، والمراد: به عمار بن ياسر-﵄-فقد روي: أن قريشا أكرهوا عمارا، وأبويه ياسرا، وسمية على الارتداد عن الإسلام، فربطوا سمية بين بعيرين، ثم جاء أبو جهل الخبيث، فجعل يسبها، ويرفث، ثم طعن فرجها بحربة خرجت من فمها، فقتلها-﵂، وأرضاها، وقتلوا ياسرا-﵁، وهما أول قتيلين شهيدين في الإسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله! إن عمارا كفر، فقال: «كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من فرقه، إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه». وأتى عمار-﵁-يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه. وقال: «مالك؟». قال: يا رسول الله نلت منك، وقلت: كذا، وكذا! فقال: «كيف وجدت قلبك». قال: مطمئنا بالإيمان، قال: «لا حرج عليك، وإن عادوا لك؛ فعد لهم بما قلت». وفيه دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين، كما فعله أبو عمار-﵃. وقد روي: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين مسلمين، فقال لأحدهما ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فماذا تقول فيّ؟ قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر، ما تقول: في محمد؟ قال رسول الله ﷺ ، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: أما الأول؛ فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني؛ فقد صدع بالحق، فهنيئا له. انتهى. بيضاوي بتصرف. قال العلماء: أول من أظهر الإسلام مع رسول الله ﷺ سبعة: أبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وأبوه ياسر، وأمه سمية-﵃ أجمعين-فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله من أذى المشركين بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر-﵁؛ فمنعه قومه، وعشيرته، وأخذ الآخرون، وألبسوا أدراع الحديد، وأجلسوا في حر الشمس بمكة، فأما بلال-﵁، فكانوا يعذبونه، وهو يقول: أحد أحد؛ حتى اشتراه أبو بكر، وأعتقه، وقتل ياسر، وسمية كما تقدم. وقال خباب: لقد، أوقدوا لي نارا، ما أطفأها إلا ودك ظهري. وأجمعوا على أنّ من أكره على الكفر، لا يجوز له أن يتلفظ بكلمته تصريحا، بل يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان، غير معتقد ما يقوله من كلمة الكفر، ولو صبر؛ حتى قتل؛ كان أفضل؛ لأن ياسرا، وسمية قتلا، ولم يتلفظا بكلمة الكفر، ولأن بلالا صبر على العذاب، ولم يلم على ذلك. قال العلماء: من الأفعال ما يتصور الإكراه عليها، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير والميتة، ونحوها، فمن أكره بالسيف، أو القتل على أن يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، أو لحم الخنزير، أو نحوها؛ جاز ذلك له، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ،﴾ وقد بيّن الله حكم الضرورة في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٣] من سورة (المائدة)، والآية

стр. 3117

رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) أحسن بيان، ومن الأفعال، ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا؛ لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنع انتشار الآلة، فلا يتصور الإكراه فيه. واختلف العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي، وأكثر العلماء، لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة، يقع. وهذا الاختلاف ناشئ من تأويل الحديث: «لا طلاق في إغلاق» فالشافعي ومن معه فسروا الإغلاق بالإكراه، وأبو حنيفة فسره بالغضب الشديد الذي يغيب فيه وعي الرجل، وصوابه، وعقله رحم الله الجميع رحمة واسعة، ورحمنا معهم بفضله، وكرمه، ومنّه. الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وما بينهما اعتراض، أو من (أولئك) أو من الضمير المستتر في ﴿الْكاذِبُونَ،﴾ أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، أو هو مبتدأ، خبره محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وعليه يجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولا، وشرطا، فعلى الثاني: تكون الفاء واقعة في جواب الشرط، وعلى الأول: تكون الفاء زائدة لتحسين اللفظ، وجاز ذلك؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿كَفَرَ:﴾ ماض، وهو في محل جزم فعل الشرط على الاعتبار الثاني: في (من) والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿كَفَرَ:﴾ المستتر و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿إِيمانِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية المحذوفة التي رأيت تقديرها خبر ﴿مَنْ،﴾ أو في محل جزم جوابها على الاعتبار الثاني فيها، وخبرها جملتا الشرط والجواب على ما هو الراجح عند المعاصرين، وعليه تكون الجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل على المعتمد. ﴿أُكْرِهَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلتها لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُطْمَئِنٌّ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبتدأ، وجملة: ﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿فَعَلَيْهِمْ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ.. إلخ. (عليهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة غضب، أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ شرطية، ولكن متى جعلت شرطية؛ فلا بد من إضمار مبتدأ قبلها؛ لأنه لا يليها الجمل الشرطية ولذا قيل: (لكن): مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن. قاله الشيخ، وإنما لم تقع الشرطية بعد (لكن)؛ لأن الاستدراك لا يقع في الشروط، وكذا قيل: وهو ممنوع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية

стр. 3118

السابقة، وهو ممّا يضعف البدلية في ﴿مَنْ﴾ ويرجح اعتبارها مبتدأ. ولا يعزب عن بالك: أنه قد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في رجوع الفاعل إليها، وروعي معناها في: (عليهم) و (لهم) وهو الجمع. تأمّل. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى غضب الله الذي استحقوه. وقيل: الإشارة إلى الكفر بعد الإيمان. ﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ اختاروا العاجلة الفانية على الآجلة الباقية وفضلوها عليها. ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي: لا يرشدهم إلى الإيمان، ولا يوفقهم للعمل به، وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا، وشأنهم لما اختاروا غير الكفر. هذا؛ وقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها بنو آدم بالدنيا لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار وانظر شرح الآخرة في الآية رقم [٣٠]، وشرح: ﴿الْقَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٣]، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ جمع: كافر، والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها، كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها، وكفر الشيء: غطاه، وستره، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته: [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اِسْتَحَبُّوا:﴾ ماض، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). ﴿الْحَياةَ﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أن): حرف مشبه بالفعل.

стр. 3119

﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة القوم منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على سابقه. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين اختاروا الفانية على الباقية. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ فلا يفهمون المواعظ. ﴿وَسَمْعِهِمْ:﴾ فلا يسمعون كلام الله سماع تعقل، وتدبر. ﴿وَأَبْصارِهِمْ:﴾ فلا يبصرون آيات الله في السموات، وفي الأرض. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ:﴾ الكاملون في الغفلة عما يراد بهم؛ إذ أغفلتهم الدنيا عن تدبر العواقب. وانظر توحيد السمع وجمع غيره في الآية رقم [٧٨] هذا؛ ومعنى ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ ختم عليها؛ إذ الطبع في الأصل: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، والطبع: السّجيّة والخلق الذي جبل عليه الإنسان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، وجملة: ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وإعراب: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٥]. ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)﴾ الشرح: ﴿لا جَرَمَ..﴾. إلخ: ردّ لما يدعونه، وإثبات لعكسه، وضدّه. ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا ليربح في الآخرة، فإذا دخل النار بان خسرانه، وظهر غبنه؛ لأنّه ضيع رأس ماله، وهو الإيمان، ومن ضيع رأس ماله فهو خاسر، وأيّ خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها، الذي لا ينقطع؟! هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران: إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة، جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران المبين، فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة، ومسكنا في النّار، فأمّا المؤمنون؛ فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل

стр. 3120

الكفّار، ويجعل الكفار في منازلهم في النّار». أخرجه ابن ماجة، وهذا تأويل قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. الإعراب: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] ففيها الكفاية. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْخاسِرُونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ: قال القرطبي: هذا كلّه في عمّار بن ياسر-﵁. انتهى. والمراد: بالفتنة ما رأيته في الآية رقم [١٠٦] حيث عذبه المشركون؛ حتى نطق بكلمة الكفر. وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون، وقد تقدّم ذكرهم في هذه السورة؛ أي: في الآية رقم [٤١]. وقال الخازن: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا أبي جهل من الرضاعة. وقيل: كان أخاه لأمّه، وفي أبي جندل بن سهيل، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن أسد الثقفي، فتنهم المشركون، وعذّبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا؛ ليسلموا من شرهم، ثم إنّهم هاجروا بعد ذلك، وجاهدوا. هذا؛ وقرأ ابن عامر: «(فتنوا)» بالبناء للمعلوم، فيكون المعنى: من بعد ما عذبوا المؤمنين، كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتدّ عن الإسلام، ثمّ أسلما، وهاجرا إلى المدينة. بعد هذا انظر الهجرة في الآية رقم [٤١]. وقال البيضاوي: و ﴿ثُمَّ﴾ لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك؛ أي: حال المؤمنين المهاجرين، وحال المطبوع على قلوبهم، وسمعهم، وأبصارهم من الكافرين، والمجرمين، والفاسقين من المسلمين. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وخبر ﴿إِنَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الثانية واسمها تأكيد للأولى، واسمها، فكأنه قيل: ثم إن ربك، إن ربك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في الجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ﴾ وجهان: أن يتعلقا بالخبرين على التنازع، أو بمحذوف على سبيل البيان، كأنه قيل: الغفران، والرحمة للذين هاجروا. الثاني: أنّ الخبر هو نفس الجار بعدها، كما تقول: إن زيدا لك؛ أي: هو لك لا عليك، بمعنى: هو ناصرهم، لا خاذلهم. قال معناه

стр. 3121

الزمخشري. والثاني: أنّ خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، يعني: أنه محذوف لفظا لدلالة ما بعده عليه. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: وهذا يسمى: الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وإن اعتبرت: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى وما بينهما اعتراض، وحذف خبر الثانية لفظا، فيكون من حذف الثاني لدلالة الأول عليه. تأمّل. وانظر مبحث الحذف في كتابنا: «فتح القريب المجيب» الشاهد رقم [١٠٤٩] وما بعده. ﴿هاجَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿دَخَلُوا﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (الحجر)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿فُتِنُوا:﴾ ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعله، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد فتنتهم، وجملة: ﴿جاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ معطوفتان على جملة الصلة لا محل لهما مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ معطوفة على الكلام السابق، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ الثانية مؤكدة للأولى. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع أيضا، و (ها): في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على: «الفتنة». وقيل: عائدة على الهجرة، والجهاد، والصبر. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غفور): خبر (إنّ) الأولى، أو الثانية حسب ما رأيت سابقا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان. هذا؛ ومثلها في جميع وجوه الإعراب الآية رقم [١١٩] الآتية. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ أي: اذكر يوم تأتي كل نفس تخاصم وتحاج عن نفسها. أي: فهي تشتغل بالمجادلة، لا تتفرغ إلى غيرها، والمراد بالنفس الأولى: الروح، وبالثانية: الذات؛ أي: البدن، وبالثالثة: الروح، والبدن. وقيل: معنى هذه المجادلة: الاعتذار بما لا يقبل، كقولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ،﴾ ونحو ذلك من الاعتذارات. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي: جزاء ما عملت في الدنيا من خير، أو شر. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:﴾ لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا، بل يوفون ذلك كاملا من غير زيادة، أو نقصان، وواو الجماعة عائدة على معنى النفس الثالثة؛ فلذا جمع مذكرا، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇. وانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١]. تنبيه: روي: أن عمر بن الخطاب-﵁-قال لكعب الأحبار: يا كعب! خوّفنا هيّجنا حدّثنا نبّهنا! فقال له كعب: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل

стр. 3122

عمل سبعين نبيا، لأتت عليك تارات لا يهمّك إلا نفسك، وإنّ لجهنم زفرة، لا يبقى ملك مقرّب، ولا نبيّ منتخب، إلا وقع جاثيا على ركبتيه؛ حتى إنّ إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة، فيقول: يا رب! أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي. قال: يا كعب! أين تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ..﴾. إلخ. وقال ابن عباس-﵄-في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: رب لم تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أعقل به، حتى جئت، فدخلت في هذا الجسد، فضعّف عليه أنواع العذاب ونجّني! فيقول الجسد: رب أنت خلقتني بيدك، فكنت كالخشبة، ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى به، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فيه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعّف عليه أنواع العذاب ونجّني منه! قال: فيضرب الله لهما مثلا أعمى، ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمرة، والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد الأعمى: ايتني فاحملني آكل وأطعمك. فدنا منه، فحمله، فأصابوا من الثمرة، فعلى من يكون العذاب؟ قال: عليكما جميعا العذاب. ذكره الثعلبي. انتهى. قرطبي، وخازن. وفي النفس من هذه القصة شيء؛ لذا أقول: والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. وقيل: مفعول به لهذا المحذوف. هذا؛ وقيل: متعلق ب: ﴿رَحِيمٌ﴾. ﴿تَأْتِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿كُلُّ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿تَأْتِي..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿تُجادِلُ:﴾ مضارع والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ﴾. ﴿عَنْ نَفْسِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كل نفس، والرابط: الضمير فقط. (توفى): مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله وهو المفعول الأول، و ﴿كُلُّ:﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا عملته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: عملها، وجملة: ﴿وَتُوَفّى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تُجادِلُ..﴾. إلخ، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.

стр. 3123

﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ الشرح: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً﴾ أي: جعل الله القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا، وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن يراد قرية مقدرة؛ أي: على سبيل الفرض والتقدير، هذه صفتها، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلا لمكة، إنذارا من مثل عاقبتها، وكان الرسول ﷺ قد دعا على مشركي مكة. وقال: «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». فابتلوا بالقحط؛ حتى أكلوا الجيف، والحشرات. ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ أي: ذات أمن، لا يخاف أهلها من مداهمة عدوّ عليهم. ﴿مُطْمَئِنَّةً:﴾ قارة بأهلها لا ينتقلون عنها كما كان العرب ينتقلون من مكان إلى مكان طلبا للماء والكلأ. ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي: يحمل إليها الرزق من جميع النواحي، من البر والبحر، كقوله تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وذلك بدعوة إبراهيم ﵊، وهو قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أي: القرية، والمراد: أهلها جحدوا نعم الله عليهم. ﴿بِأَنْعُمِ اللهِ:﴾ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو هو جمع نعم كبؤس، وأبؤس، والمراد: جميع النعم؛ التي أنعم الله بها على أهل مكة، وانظر الآية رقم [١٢١] الآتية لتعرف أنه جمع قلة. وقيل: هذا الكفران هو: تكذيب الرسول ﷺ . ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ﴾ أي: أذاق أهلها. ﴿لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ:﴾ فقد استعار الإذاقة لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم، واشتمل عليهم من الجوع، والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير: [الكامل] غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا... غلقت لضحكته رقاب المال فإنه استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء، لما يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف، والنوال، لا وصف الرداء، نظرا إلى المستعار له، وقد ينظر إلى المستعار، كقول الشاعر: [الوافر] ينازعني ردائي عبد عمرو... رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشّطر الذي ملكت يميني... ودونك فاعتجر منه بشطر

стр. 3124

استعار الرداء لسيفه، ثم قال: فاعتجر نظرا إلى المستعار. انتهى بيضاوي. ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ هو أبلغ من «يعملون» من حيث: إنّ الصنع عمل الإنسان بعد تدرّب فيه، وتروّ، وتحري إجادة، ولذلك ذم به خواص اليهود في الآية رقم [٦٣] من سورة (المائدة)، بينما ذم عوامهم ب: (يعملون) في الآية السابقة لها. تنبيه: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-وأكثر المفسرين أن هذه الآية نزلت بالمدينة، وهو صحيح؛ لأن الله تعالى وصف القرية بستّ صفات كانت موجودة في أهل مكة، فضربها الله مثلا لأهل المدينة، يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم من الجوع، والخوف، ويشهد لصحته أن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ كان من البعوث والسرايا، التي كانت للنبي ﷺ يبعثها في قول جميع المفسرين؛ لأنه ﵇ لم يؤمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث البعوث، والسرايا إلى حول مكة، يخوفهم بذلك وهو بالمدينة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهى. الإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿قَرْيَةً:﴾ بدل من ﴿مَثَلاً:﴾ ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى القرية، ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً:﴾ خبران ل: ﴿كانَتْ،﴾ وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَرْيَةً﴾. ﴿يَأْتِيها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و (ها): مفعول به. ﴿رِزْقُها:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثالث ل: ﴿كانَتْ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾. ﴿رَغَداً:﴾ حال من رزقها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿مَكانٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَضَرَبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (كفرت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى قرية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب صفة مثلها. ﴿بِأَنْعُمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (أنعم): مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. (أذاقها): ماض، وها: مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِباسَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْجُوعِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْخَوْفِ:﴾ معطوف على الجوع، ويقرأ بنصبه عطفا على ﴿لِباسَ،﴾ ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. وانظر تفصيل مثله في الآية رقم [٩٣ و ٨٧] وجملة: ﴿فَأَذاقَهَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ:﴾ هو محمد ﷺ ، يعرفون نسبه، ويعرفونه قبل النبوة بالصدق، والأمانة، والشيم الكريمة، والخلال الحميدة. ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ رفضوا دعوته. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: الجوع، والخوف. وقيل: القتل يوم بدر. ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾

стр. 3125

أنفسهم بالكفر الذي هو أعظم الذنوب. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَسُولٌ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد)، وشرح العذاب في الآية رقم [٢٥] منها أيضا. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣] ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿(لَقَدْ...)﴾ إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ معطوفة على جملة جواب القسم لا محل لها. وأيضا جملة: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ معطوفة أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل. ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ الشرح: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ في المخاطبين بهذا قولان: أحدهما: أنهم المسلمون، وهو قول جمهور المفسرين، والثاني: أنهم هم المشركون من أهل مكة، قال الكلبي: لما اشتد الجوع بأهل مكة؛ كلم رؤساؤهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنك إنما عاديت الرجال، فما بال النساء، والصبيان؟ فأذن رسول الله ﷺ للناس أن يحملوا الطعام إليهم، حكاه الواحدي وغيره. والقول الأول: هو الصحيح. انتهى. خازن. ﴿حَلالاً طَيِّباً:﴾ من الغنائم وغيرها، قال ابن عباس-﵄-يا معشر المسلمين كلوا ممّا رزقكم يريد الغنائم. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ أي: التي أنعم بها عليكم، انظر الآية رقم [٧] ورقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر العبادة في الآية [٣٦]. الإعراب: ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة. (كلوا): أمر مبني على حذف النون، وهو للإباحة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وهما مفعوله، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة هنا، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه. ﴿حَلالاً:﴾ حال من المفعول الثاني: المقدر، وكلام الجمل يشعر باعتبار (ما) مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر و ﴿حَلالاً:﴾ حال من ذلك المصدر؛ إذا قدر الكلام كما يلي: كلوا من رزق الله حال كونه حلالا طيبا، وذروا ما تفترون من تحريم البحائر، ونحوها، ويكون قد أهمل المفعول الثاني ل: (رزق)، فإنه ينصب مفعولين، وقد قررته كثيرا فيما مضى. ﴿طَيِّباً:﴾ حال ثانية على الاعتبارين، وجملة: ﴿فَكُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقد حصل في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظره في الآية رقم [٢٢] (اشكروا): أمر، وهو للوجوب. ﴿نِعْمَتَ:﴾

стр. 3126

مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ انظر إعراب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ في الآية رقم [٤٣] فهو مثله، ولا تنس: أنّ ﴿إِيّاهُ﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنتم إياه تعبدون؛ فاشكروا نعمته جلّت قدرته، وتعالت حكمته. ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ الشرح: هذه الآية مذكورة بحروفها كاملة في الآية رقم [١٧٣] من سورة (البقرة)، وهي هناك مشروحة شرحا وافيا، ومعربة إعرابا كاملا، انظرها، وقد حذوت حذو القرطبي، والخازن رحمهما الله تعالى، فإنهما لم يذكرا فيها شيئا هنا، وأحالا على الآية المذكورة، كما: أنّ آية الأنعام رقم [١٤٥] تضمنت أكثر أحكامها، انظرها أيضا، والله ولي التوفيق. ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ:﴾ هذا نهي للكفار الذين كانوا يحرمون، ويحلّلون من غير استناد إلى كتاب، أو سنّة؛ أي: لا تقولوا الكذب على الله تعالى لأجل كلام تنطق به ألسنتكم من غير دليل، ولا حجة تعتمدونها. ﴿هذا حَلالٌ:﴾ إشارة إلى ما كانوا يحلونه من ميتة بطون الأنعام. ﴿وَهذا حَرامٌ:﴾ إشارة إلى ما كانوا يحرمونه من البحيرة، والسائبة، ونحو ذلك. ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي: لا تقولوا: إن الله أمرنا بكذا، ونهانا عن كذا، فتكذبوا على الله، وتفتروا عليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا ينجون من العذاب. وقيل: لا يفوزون بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح. هذا؛ ويقرأ (الكذب) الأول: بضم الكاف، والذال، والباء، ويقرأ بفتح الكاف وكسر الذال مع فتح الباء وكسرها. وانظر الآية رقم [٦٢]. هذا؛ والحلال: ضد الحرام، وهو ما أبيح تناوله، وأكله إن كان يؤكل، ولم يضر بالبدن ضررا بينا، أما الحرام، والمحرم: فهو في الأصل كلّ ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات كل ممنوع منك، ممّا بينك وبين غيرك، قولهم: لفلان بي حرمة؛ أي: أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو: الممنوع من المال، والتلذذ به، والإحرام بالحج، والعمرة هو: المنع من أمور

стр. 3127

معروفة في الفقه الإسلامي، والشهر الحرام، والمسجد الحرام المحرم فيهما أشياء معروفة، قد تكون مباحة في غيرهما. تنبيه: إذا أردت أن تعرف ما كان الجاهليون يفعلونه من تحريم، وتحليل حسب ما تزينه لهم نفوسهم، وما كان يأمرهم به شياطينهم، فانظر سورة (الأنعام) الآية رقم [١٣٦] وما بعدها. وانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (المائدة)، والله يتولاني، وإياك بعنايته، ورعايته. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأول، والثاني: مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشيء تصفه ألسنتكم، وعليه فالكذب مفعول ل: ﴿تَقُولُوا،﴾ وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، وعليه يكون ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعولا. ل: ﴿تَصِفُ،﴾ ويكون التقدير: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصفكم الكذب. هذا؛ وعلى قراءته بضم الكاف، والذال، والباء فهو صفة: الألسنة، وعلى قراءته بالجر، فهو بدل من (ما) على جميع الاعتبارات فيها، وعلى قراءته بفتح الباء فيه وجهان: أحدهما: ما تقدم، والثاني: اعتباره منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أعني. والجملة الاسمية: ﴿هذا حَلالٌ﴾ في محل نصب مقول القول على اعتبار: ﴿الْكَذِبَ﴾ منصوبا ب: ﴿تَصِفُ﴾ وعلى قراءته بالرفع والجر، هي بدل من الكذب على اعتباره منصوبا ب: ﴿تَقُولُوا؛﴾ لأن قولهم ﴿هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ﴾ نفس الكذب. ﴿لِتَفْتَرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور: ﴿لِما تَصِفُ..﴾. إلخ ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (كلوا...) إلخ لا محل لها مثلها، فيكون ما بينهما كلاما معترضا لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ الشرح: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: ما يفترون لأجله، أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع، وقد اعتبره الله قليلا لقصر مدته، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين، قال النبي ﷺ : «ما الدّنيا في الآخرة إلا مثل

стр. 3128

ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». وانظر: ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ في الآية رقم [٩٥] ﴿وَمَتاعاً﴾ في الآية رقم [٨٠]. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ في الآخرة بسبب افترائهم على الله الكذب. الإعراب: ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، انظر الشرح، أو هو مبتدأ خبره محذوف التقدير: لهم متاع. ﴿قَلِيلٌ:﴾ صفة ﴿مَتاعٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ الشرح: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود، سموا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أو سموا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ما ذكره الله في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام). ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ:﴾ بتحريم ما حرمنا عليهم. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: إنما حرمنا عليهم ما حرمنا بسبب كفرهم، وبغيهم، وظلمهم أنفسهم، كما بيّن الله ذلك في الآية رقم [١٦٠] وما بعدها من سورة (النساء)، بعد هذا انظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر). هذا؛ ومعنى ﴿قَصَصْنا:﴾ ذكرنا فيما مضى، وأخبرناك به، ومنه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾. والقصص: تتبع الأثر، يقال: خرج فلان يقصّ أثر فلان؛ أي: يتبعه ليعرف أين ذهب؟ ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، والقصص: مصدر قولهم: قص فلان الحديث قصّا، وقصصا. الإعراب: ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(عَلَى الَّذِينَ):﴾ متعلقان بالفعل ﴿حَرَّمْنا،﴾ وجملة: ﴿هادُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي قصصناه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وانظر إعراب: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ..﴾. إلخ في الآية رقم [٣٣] والجملة الأولى في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الثانية: ﴿وَلكِنْ..﴾. إلخ معطوفة عليها على الاعتبارين فيها.

стр. 3129

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ قال الخازن رحمه الله تعالى: المقصود من هذه الآية بيان فضل الله، وكرمه، وسعة مغفرته، ورحمته؛ لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح، فيدخل تحته الكفر، وسائر المعاصي، وكل ما لا ينبغي، وكلّ من عمل السوء إنما يفعله بجهالة؛ لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح، فمن صدر عنه فعل قبيح من كفر، أو معصية، فإنما يصدر عنه بسبب جهله، إما لجهله بقدر ما يترتب عليه من العقاب، أو لجهله بقدر من يعصيه، فثبت بهذا: أن فعل السوء، إنما يفعل بجهالة، ثمّ إنّ الله تعالى وعد من عمل سوءا بجهالة ثم تاب، وأصلح العمل في المستقبل أن يتوب عليه، ويرحمه. انتهى بحروفه. هذا؛ وللتوبة المقبولة شروط يجب توافرها، فإن كانت من حقّ الله تعالى؛ فشروطها ثلاثة: الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان، وإن كانت من حق العباد يجب رد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإن لم يرد الحقوق لأصحابها لا تقبل توبته وإن تاب ألف توبة! وانظر الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) إن أردت الزيادة. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: العمل. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها:﴾ من بعد التوبة النصوح؛ التي تتوافر فيها الشروط المذكورة. ﴿لَغَفُورٌ﴾ أي: يغفر عمل السوء لمن تاب، وأناب إليه. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بعباده جميعا، فهما صيغتا مبالغة. بعد هذا؛ وعمل السوء هو الذي يسوء صاحبه، ويغمّه عند مجازاته به في الدنيا، والآخرة. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ دل عليه خبر ﴿إِنَّ﴾ الآتي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] فهذه مثلها في جميع وجوه الإعراب، وجملة: ﴿عَمِلُوا السُّوءَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله تعالى، وبعقابه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فيكون ما بينهما اعتراضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف ﴿تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الجملتان معطوفتان على جملة الصلة لا محل لهما مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ الثانية مؤكدة للأولى. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3130

﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ:﴾ انظر شرح ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ونسبه... إلخ في الآية رقم [٣٥] من السورة المسماة باسمه. ﴿أُمَّةً:﴾ انظر الآية رقم [٣٦] وإنما أطلق على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇ لفظ ﴿أُمَّةً؛﴾ لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال، وصفات الخير، والأخلاق الحميدة ما اجتمع في أمة كاملة، ومنه قول أبي نواس: [السريع] ليس على الله بمستنكر... أن يجمع العالم في واحد ثم للمفسرين في هذه اللفظة أقوال: أحدها: قول ابن مسعود-﵁: الأمة: معلم الخير. الثاني: قال مجاهد: إنه كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كفار، ومنه قول النبي ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعثه الله أمة وحده». وإنما قال فيه هذه المقالة؛ لأنه كان قد فارق الجاهلية، وما كانوا عليه من عبادة الأصنام. الثالث: قال قتادة: ليس من أهل دين، إلا وهم يتولونه، ويرضونه. وقيل غير ذلك. ﴿قانِتاً لِلّهِ:﴾ مطيعا خاضعا لله، قائما بأوامره، منتهيا عن نواهيه. ﴿حَنِيفاً﴾ أي: مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق، قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. «وما كان من المشركين:» تعريض باليهود، والنصارى، ومشركي العرب، فإنهم ينتسبون إلى إبراهيم، ويدعون اتباعه، والاقتداء به، وهم مشركون. وهو سبب ربط الآية بما قبلها. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿أُمَّةً:﴾ خبر كان. ﴿قانِتاً:﴾ خبر ثان. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قانِتاً﴾ لأنه اسم فاعل، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَنِيفاً:﴾ خبر ثالث، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُ﴾ وجملة: ﴿وَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من اسم كان المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة كما ستقف عليه في الآية التالية. ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ الشرح: ﴿شاكِراً:﴾ انظر شرح (الشكر) في الآية رقم [٧] و [٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿لِأَنْعُمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٢]. وقال البيضاوي: ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه

стр. 3131

كان لا يخل بشكر النعم القليلة، فكيف بالكثيرة. ﴿اِجْتَباهُ:﴾ اختاره لنبوته، واصطفاه لخلته. ﴿وَهَداهُ:﴾ وفقه، وثبته، وسدّد خطاه. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ هو دين التوحيد، دين الإسلام؛ لأنه لا اعوجاج فيه. وانظر إعلال: ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇، فإعلال ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مثله. الإعراب: ﴿شاكِراً:﴾ خبر رابع ل: ﴿كانَ،﴾ أو هو حال من اسم ﴿يَكُ﴾ المستتر، فتكون حالا متداخلة، أو متعددة، وعلى اعتباره خبرا ل: ﴿كانَ﴾ فتكون جملة: ﴿وَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ معترضة في وجه كما رأيت. ﴿لِأَنْعُمِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شاكِراً؛﴾ لأنه اسم فاعل، وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِجْتَباهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية أجاز فيها أبو البقاء اعتبارها حالا؛ أي: من الضمير المجرور بالإضافة، وتكون: «قد» مقدرة قبلها، واعتبارها خبرا ثانيا ل: ﴿إِنَّ،﴾ واعتبارها مستأنفة. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا خامسا ل: ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿وَهَداهُ:﴾ معطوفة عليها. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل (هداه)، وقول الجمل: يجوز تعلقه بأحد الفعلين على التنازع لا أراه قويا. ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ أعطيناه، ومنحناه. ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ هي النبوة، والخلّة. وقيل: هي لسان الصدق، والثناء عليه، وهو الذي طلبه في دعائه في الآية رقم [٨٤] من سورة (الشعراء) ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ وهو القبول العام عند جميع الأمم، فإن الله حببه إلى جميع خلقه، فكل أهل الأديان يتولونه: المسلمون، واليهود، والنصارى، ومشركو العرب، وغيرهم. وقيل: هو قول المصلي في التشهد: (اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم... إلخ). وقيل: إنه آتاه أولادا أبرارا على الكبر. وانظر شرح ﴿الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧]. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: في أعلى مقامات الصالحين في الجنة. وقيل: معناه: وإنه في الآخرة لمع الصالحين يعني: الأنبياء في الجنة، فتكون: (من) بمعنى: مع. وانظر شرح ﴿الْآخِرَةِ﴾ في الآية [٣٠] هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى التكلم في هذه. انظر الالتفات في الآية رقم [٢٢] وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠١] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام بشأن الصالحين. الإعراب: ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناه): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَسَنَةً،﴾ كان صفة له،

стр. 3132

فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة التي رأيتها في الآية [٦٦] ﴿حَسَنَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى بسبب الالتفات. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الصّالِحِينَ﴾ بعدهما. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من الصالحين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، و ﴿ثُمَّ﴾ إما لتعظيمه، والتنبيه على أنّ أجلّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ﷺ ملّته، أو لتراخي أيامه. ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ أي: في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه. انتهى. بيضاوي. وقيل: أمر الله النبي ﵊ باتباع إبراهيم ﵇ في جميع ملته إلا ما أمر بتركه، والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ بالله، بل كان من الموحدين المخلصين من صغره إلى كبره. تنبيه: في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول، ولا نقص في حق الفاضل في ذلك؛ لأن النبي ﷺ ، أفضل الأنبياء جميعا ﵈، وقد أمر بالاقتداء بهم، قال الله له: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ،﴾ وقال هنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ كيف لا؟ والرسول أفضل من جبريل بكثير، وهو بمنزلة المعلم له! ولا تنس: أخيرا: أن الله تعالى لمّا وصف إبراهيم-﵊-بتلك الصفات العالية، والخصال المجيدة، والشيم الحميدة، أمر حبيبنا، وشفيعنا باتباعه، والاقتداء به، فيا نعم المقتدي، والمقتدى به! وانظر تعليم الخضر لموسى في الآية [٦٧] من سورة (الكهف) وما بعدها. بعد هذا انظر شرح الوحي في الآية رقم [٦٨] و (الملة): الطريقة، والديانة، وهي بكسر الميم، وبفتح الميم: الرّماد الحار. وانظر شرح الباقي في الآية رقم [١٢٠] وشرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] والله ولي التوفيق. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اِتَّبِعْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من إبراهيم، وقال مكي: حال من فاعل اتبع

стр. 3133

المستتر، ولا يحسن أن يكون حالا من ﴿إِبْراهِيمَ؛﴾ لأنه مضاف إليه، ولا وجه له؛ لأن شرط مجيء الحال من المضاف إليه أن يكون المضاف كالجزء من المضاف إليه من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول، وهذا الشرط متوفر؛ إذ يصح أن يقال: أن اتبع إبراهيم حنيفا، وخذ قول ابن مالك رحمه تعالى في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن... إلخ، والأول: أقوى وهو المعتمد، وجملة: ﴿أَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من إبراهيم أيضا، والرابط: الواو، ورجوع الضمير إليه. هذا؛ والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾ الشرح: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: فرض تعظيم يوم السبت على الذين اختلفوا فيه، وهم اليهود، روى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس-﵃ أجمعين-قال: قال أمرهم موسى ﵇ بتعظيم يوم الجمعة، فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من صنعتكم، وستة أيام لصنعتكم، فأبوا عليه. وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق، وهو يوم السبت، ففرض ذلك اليوم عليهم، وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى ﵇ أيضا بيوم الجمعة، فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، يعنون اليهود فاتخذوا الأحد، فاعطى الله الجمعة لهذه الأمة، فقبلوها، فبورك لهم فيها. انتهى خازن. عن أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة؛ بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، فاختلفوا فيه، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى». متفق عليه. هذا؛ وقال قتادة: الذي اختلف فيه اليهود، استحله بعضهم، وحرمه بعضهم، فعلى هذا القول يكون معنى قوله: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أي: وبال السبت، ولعنته على الذين اختلفوا

стр. 3134

فيه، وهم اليهود، فأحلّه بعضهم، فاصطادوا فيه، فلعنوا، ومسخوا قردة، وخنازير في زمن داود ﵇، وقد تقدمت القصة في تفسير سورة (الأعراف) الآية رقم [١٦٣] وما بعدها، والقول الأول: أقرب إلى الصحة. انتهى. خازن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ..﴾. إلخ: أي: الذين اختلفوا في أمر السبت، فيحكم الله بينهم يوم القيامة، فيجازي المحقين بالثواب، والمبطلين بالعقاب. قال القرطبي: ووجه الاتصال بما قبله: أن النبي ﷺ أمر باتباع الحق، وحذّر الله الأمة من الاختلاف، فيشدد عليهم، كما شدد على اليهود. انتهى. وقال البيضاوي: وذكرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. انتهى. الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿جُعِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿السَّبْتُ:﴾ نائب فاعله. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّما جُعِلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَيَحْكُمُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يحكم): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب (في)، ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: «يختلفون فيه» في محل نصب خبر (كان). ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ الشرح: ﴿اُدْعُ:﴾ هذا أمر للنبي ﷺ ، وهو يشمل كلّ داع إلى خير، وطاعة، وعبادة لله، وكل ناه عن منكر. ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ:﴾ دينه الذي اصطفاه للناس جميعا، وهو دين الإسلام الذي بعث فيه حبيبه، ونبيّه عليه أفضل صلاة، وأتم تسليم. ﴿بِالْحِكْمَةِ:﴾ وهي المقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق، المزيل للشبهة. وقال أبو بكر بن دريد: الحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح. ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ:﴾ هي الترغيب والترهيب بالخطابات المقنعة، والعبر النافعة. والأولى لدعوة خواصّ الأمة، الطالبين للحقائق. والثانية لدعوة عوامّهم. ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة

стр. 3135

من الرفق، واللين، من غير فظاظة، ولا تعنيف، وإيثار ذلك على غيره، فإنه أنفع في تسكين حنق المعاندين، وتهدئة شغبهم، وضجيجهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ أي: عالم. ﴿بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ حاد عن الصراط المستقيم، وأعرض عن الدين القويم. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ الذين هدوا إلى الصراط المستقيم. ومحصّله: أن عليك يا محمد البلاغ، ودعوة الناس إلى دين الله وتوحيده، وأما حصول الهداية، والضلال، والمجازاة عليهما؛ فليس ذلك إليك، بل الله أعلم بالفريقين، وهو المجازي للناس أجمعين. قال القرطبي: هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله، وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة، وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في حقّ العصاة من الموحّدين، ومنسوخة بالقتال في حقّ الكافرين. انتهى. الإعراب: ﴿اُدْعُ:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والمفعول محذوف، التقدير: الناس... ﴿إِلى سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه... ﴿بِالْحِكْمَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿اُدْعُ﴾ المستتر؛ أي: ملتبسا بها. ﴿وَالْمَوْعِظَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْحَسَنَةِ:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية: ﴿اُدْعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجادِلْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ في محل رفع خبر إن. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦)﴾ الشرح: لقد ذكرت لك في مقدمة السورة: أن الآية وما بعدها إنما نزلت في المدينة بعد الهجرة، فقد روى الدّارقطنيّ عن ابن عباس-﵄، قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد؛ انصرف رسول الله ﷺ ، فرأى منظرا ساءه، رأى حمزة-﵁-قد شقّ بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: «لولا أن يحزن النساء، أو تكون سنة بعدي لتركته

стр. 3136

حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير! لأمثلن مكانه بسبعين رجلا منهم». فأنزل الله الآية، فقال رسول الله ﷺ : «بل نصبر». وأمسك عما أراد، وكفّر عن يمينه. انتهى. قرطبي بتصرف. وأما معنى الآية وتفسيرها: فقد سمى الفعل الأول: ﴿عاقَبْتُمْ﴾ باسم الثاني للمشاكلة في الكلام. فهو عكس قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ حيث سمى الثاني، وهو بمعنى: جازاهم بلفظ الأول للمشاكلة، والمزاوجة في الكلام، والمعنى: إن فعل بكم أحد سوءا من قتل، أو مثله، أو ظلم بأخذ مال، ونحوه وتمكنتم منه، فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أمر الله برعاية العدل، والإنصاف في هذه الآية في باب استيفاء الحقوق، فإن استيفاء الزيادة ظلم، والظلم لا يجوز في عدل الله، وشرعه، ورحمته، وما يذكر إلا أولو الألباب. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿عاقَبْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة الذكور، والمفعول محذوف، التقدير: عاقبتم المؤذي، أو المضر، ونحوه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعاقِبُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عاقبوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿بِمِثْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عُوقِبْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿فَعاقِبُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن صبرتم): مثل سابقه. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف (هو خير): مبتدأ، وخبر. ﴿لِلصّابِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، وحذف جواب الشرط، لدلالة جواب القسم عليه، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والكلام: ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ:﴾ هذا أمر من الله لرسوله ﷺ ، وإعلام له: أنّ صبره لا يكون إلا بتوفيق الله ومعونته. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الكافرين؛ الذين ناصبوك العداء،

стр. 3137

وفعلوا ما فعلوا بأصحابك في حرب أحد. وقيل: المعنى: لا تحزن على قتلى أحد، وما فعل بهم، فإنهم أفضوا إلى رحمة الله، ورضوانه. ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا تغتمّ يا محمد، ولا يضيقنّ صدرك بسبب مكرهم، فإن الله مذلهم، وخاذلهم، وناصرك عليهم. هذا؛ وقرئ: (ضيق) بفتح الضاد وكسرها، وهما لغتان كالقول والقيل، ويجوز أن يكون بالفتح مخففا من المشدد، مثل تخفيف: هين، ولين، ونحوهما. وقال الفراء: الضّيق: ما ضاق عنه صدرك، والضّيق: ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثوب. هذا؛ والمكر تدبير الأمر في الخفاء. وانظر شرح: ﴿تَكُ﴾ وإعلاله في الآية رقم [١٠٩] من سورة (هود) ﵇، وانظر الآية رقم [٧٠] من سورة (النّمل) حيث تجد الآية بحروفها كاملة. الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): أمر، وفاعله: أنت، ومتعلقه محذوف للتعميم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿صَبْرُكَ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْزَنْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي ضَيْقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُ﴾. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: من مكرهم، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿ضَيْقٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة فيه ضعف لا يخفى، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ﴾ أي: بالنصر والمعونة، والتأييد والتوفيق لصالح الأعمال، هذا؛ ومعيّة الله على نوعين: عامة، وخاصة، فالأولى لكل الناس، وهي معية بالعلم، والقدرة، والثانية للمؤمنين المتقين، والمحسنين، وهو ما تقدم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. ﴿اِتَّقَوْا﴾ أي: خافوا الله، فعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه. وانظر مثله في الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل من صلاة،

стр. 3138

وغيرها، وكذلك أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتجاوز عن سيئاتهم، والنصح معهم في بيعهم، وشرائهم، وأخذهم، وعطائهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُحْسِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر والنهي في الآية السابقة. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. انتهت سورة (النحل) -بعونه تعالى-تفسيرا وإعرابا، والله الموفق، والمعين، وبه نستعين. والحمد لله رب العالمين. **

стр. 3139

سورة الإسراء وهي مكية إلا ثلاث آيات، قوله : ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٣] وما بعدها، وقوله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٨٠] وقال مقاتل: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٠٧] وقال ابن مسعود-﵁ في (بني إسرائيل) و (الكهف) و (مريم): إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي. يريد: من قديم كسبه. وهي مائة وعشر آيات. وقيل: وإحدى عشرة آية، وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف، وأربعمائة وستون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ الشرح: ﴿سُبْحانَ الَّذِي..﴾. إلخ: نزه الله نفسه عن كل النقائص، والمعايب التي يمكن أن يتصف بها بنو آدم، كما نزه نفسه عن العجز، والضعف، وغيرهما من الصفات التي يتصف بها الآدميون في كل وقت وحين. وانظر الآية رقم [١] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿أَسْرى:﴾ فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بهمزة الوصل من الأول، وبقطعها من الثاني، وقد جمع حسان بن ثابت-﵁-بين اللغتين في بيت واحد: [الكامل] حيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليّ ولم تكن تسري و «سرى» و «أسرى» بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد، والثانية: لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث، وأما «سار» فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى: مشى. هذا؛ والسرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري، سرى، ومسرى، وسرية، وسراية، وأسرى إسراء. هذا؛ والسّرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، كأنهم جعلوه جمع: سرية.

стр. 3140

﴿بِعَبْدِهِ:﴾ المراد به: سيد الخلق، وحبيب الحق محمد ﷺ بإجماع الأمة، والإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وتفخيم وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في تلك الحالة العلية، وفي معناه أنشدوا: [السريع] يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السامع والرّائي لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي علما بأنه ﷺ لم يذكر باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران) وسورة (الأحزاب)، وسورة (محمد)، وسورة (الفتح) وذكر باسم أحمد في سورة (الصف)، وذكر باسم طه في سورة (طه)، وذكر باسم ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك؛ قال القشيري: لمّا رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية؛ ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة. ﴿لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: المسجد الذي حول الكعبة المشرفة، ومعنى الحرام: المحرم فيه اللغو، والرفث، والإيذاء، وكل فعل قبيح، وعمل فاحش، وإن كان في غيره حراما، فهو أشد فيه حرمة، وكذلك محرم على الكفار، فلا يجوز أن يدخله كافر أبدا. وانظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك. وانظر: ﴿الْحَرامِ﴾ في الآية رقم [١١٦] من سورة (النحل). ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى:﴾ بيت المقدس في فلسطين، سمي «أقصى» لبعده عن المسجد الحرام، أو؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وأول من بناه آدم ﵇، بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، فهو أول مسجد بني في الأرض بعد الكعبة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٦] من سورة (آل عمران)، ففيها كبير فائدة. ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ أي: بكثرة الأنهار، والأشجار، والثمار، أو سماه مباركا؛ لأنه مقرّ الأنبياء، ومهبط الملائكة، والوحي، وقبلة الأنبياء قبل نبينا ﷺ ، وفيه يكون الحشر يوم القيامة. هذا؛ و «حول» ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله، وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه. ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ أي: من عجائب قدرتنا؛ أي: فقد رأى ﷺ في تلك الليلة الأنبياء، وصلى بهم، ووقف على مقاماتهم، وغير ذلك من المشاهدات. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ أي: الله سميع لأقوال محمد ﷺ ودعائه. ﴿الْبَصِيرُ:﴾ بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك. وقيل: المعنى: السميع لما قالت له قريش حين أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس، وما شاهده من العجائب. وقيل: إنه هو السميع لأقوال خلقه، البصير بأعمالهم، فيجازي كل عامل بعمله، وحمله على العموم أولى. هذا؛ وقال أبو البقاء: وقيل: الضمير للنبي ﷺ ؛ أي: إنه السميع لكلامنا، البصير لذاتنا. وهو قول انفرد به.

стр. 3141

تنبيه: في الآية الكريمة التفات من الغيبة في قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي..﴾. إلخ إلى التكلم في قوله: إلى ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ..﴾. إلخ ثم التفات ثان إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ. هذا؛ وقرئ: «(ليريه)» بياء المضارعة، فيكون في الآية أربعة التفاتات، الأول: من الغيبة إلى التكلم. والثاني: من التكلم إلى الغيبة. والثالث: من الغيبة في «ليريه» إلى التكلم في: ﴿آياتِنا﴾ والرابع: من التكلم إلى الغيبة في إعادة الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح. فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا؛ والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». رواه مالك في موطئه، وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد. وعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي هذا بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». رواه الطبراني. تنبيه: لقد أطال المفسرون الكلام في حديث الإسراء والمعراج، وها أنا ذا أقتصر على الحديث الذي رواه البخاري برقم [٣٢٠٧] عن مالك بن صعصعة-﵁-قال: قال النبي ﷺ : «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان-وذكر: يعني رجلا بين الرجلين-فأوتيت بطست من ذهب، ملئ حكمة، وإيمانا، فشق من النحر إلى مراقّ البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة، وإيمانا، وأوتيت بدابة أبيض دون البغل، وفوق الحمار (البراق) فانطلقت مع جبريل ﵇؛ حتى أتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قيل: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على آدم ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من ابن، ونبي. فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يحيى، وعيسى، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبا بك من أخ، ونبي. فأتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يوسف، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ، ونبي. فأتينا السماء الرابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ ، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إدريس ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ ونبي. فأتينا السماء الخامسة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قيل: محمد ﷺ ، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على هارون ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ، ونبي. فأتينا السماء السادسة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل:

стр. 3142

مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على موسى، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ، ونبي. فلما جاوزت؛ بكى، قيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث من بعدي، يدخل الجنة من أمته أفضل ما يدخل من أمتي. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ ، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من ابن، ونبي. فرفع إليّ البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك؛ إذا خرجوا؛ لم يعودوا آخر ما عليهم. ورفعت إليّ سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كآذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان؛ ففي الجنّة، وأما الظاهران فالفرات، والنيل. ثم فرضت علي خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فرضت علي خمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق، فارجع إلى ربك فاسأله (التخفيف) فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله فجعلها ثلاثين، ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشرا، فأتيت موسى، فقال: مثله فجعلها خمسا، فأتيت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسا، فقال: مثله، قلت: سلمت، فنودي: إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا». انتهى. وفي رواية، قال الله تعالى: «يا محمد! هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة»؛ أي: في الأجر، والثواب. هذا؛ ولم يذكر في هذه الرواية مجيئه إلى بيت المقدس، وفي رواية ثانية: فركبته-أي: البراق-حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء، وصليت فيه ركعتين إماما بالأنبياء، والملائكة، وأرواح المؤمنين. وهنا يرد سؤال: كيف صلى النبي ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس؟ ثم وجدهم على مراتبهم في السموات، وسلموا عليه، ورحّبوا به، وكيف تصح الصلاة من الأنبياء بعد الموت، وهم في الدار الآخرة. والجواب: أما صلاته ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس؛ فيحتمل أن الله تعالى جمعهم له ليصلي بهم، وليعرفوا فضله، وتقدمه عليهم، ثم إن الله أراه إياهم في السموات على مراتبهم، ليعرف هو مراتبهم، وفضلهم. وأما صلاة الأنبياء، وهم في الدار الآخرة، فهم في حكم الشهداء، بل هم أفضل منهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ﴾ فالأنبياء أحياء بعد الموت. وأما حكم صلاتهم، فيحتمل: أنها الذكر والدعاء، وذلك من أعمال الآخرة فإن الله تعالى قال: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾. انتهى. خازن بتصرف كبير.

стр. 3143

أقول: وكل ذلك بالأرواح لا بالأشباح، فإن أرواح الأنبياء غير أرواحنا، ولمكانة الرسول ﷺ عند ربه كشف عنه الحجب حتى التقت روحه الشريفة بأرواح الأنبياء عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام في الأرض، وفي السموات. تنبيه: لقد قيل: إن إسراء الرسول ﷺ كان مناما، وبالروح لا بالجسد، وهذا تردّه النصوص الصحيحة الصريحة: أنه كان يقظة، وبالجسد، والروح معا، ولو كان مناما لما كانت فيه آية، ولا معجزة، ولما قالت له أم هانئ بنت عمه-﵂-لا تحدث الناس، فيكذبوك، ولا فضل أبو بكر-﵁-بالتصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع، والتكذيب، وقد كذبوه فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا؛ لم يستنكر، وقد سأله بعض القرشيين عن أمور رآها في مسراه، فأخبرهم بها على وجهها الصحيح، وإذا كان هناك من يشك في قدرة الله تعالى بسبب ذهاب الرسول ﷺ إلى بيت المقدس، وعروجه إلى السماء، وعودته إلى بيته في ليلة واحدة، فلينظر إلى ما اخترع من طائرات نفاثة، وأقمار صناعية تجوب الفضاء ليلا نهارا، وتقطع المسافات البعيدة في مدّة قصيرة من الزمن. وجملة القول: إن الإسراء قد ثبت بهذه الآية الكريمة، فمن أنكره كان كافرا بالإجماع، وأما المعراج فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة، وآيات النجم تشير إليه، فمن أنكره كان فاسقا، بقي أن تعلم الوقت الذي حصلت فيه حادثة الإسراء، فالمعتمد: أنها حصلت قبل الهجرة بعام واحد، بعد وفاة خديجة-﵂-التي كانت تواسيه بنفسها، وتنفس عنه كروبه، وهمومه. الإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح. وقال أبو عبيدة: انتصب على النداء، كأنه قال: يا سبحان الله، يا سبحان الذي. ولم يقله غيره.. وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة من إضافة اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة اسم المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿أَسْرى﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِعَبْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلاً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: حال كونه مبتدئا مسراه من المسجد. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ:﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال أيضا؛ أي: منتهيا إلى المسجد. ﴿الْأَقْصَى:﴾ صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ثانية. ﴿بارَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِنُرِيَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل

стр. 3144

مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وذلك لنريه. ﴿مِنْ آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعلى هذين الوجهين فالسميع خبر (إنّ)، والثالث: أن يكون مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿الْبَصِيرُ:﴾ خبر ثان ل: (إنّ)، أو للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢)﴾ الشرح: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: أعطينا موسى التوراة. ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً..﴾. إلخ: أي: جعلنا الكتاب. وقيل: جعلنا موسى هاديا لبني إسرائيل من الضلال. ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ ويقرأ: «(ألا يتخذوا)». وانظر الإعراب يتضح لك المعنى. ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ أي: ربا غيري، تكلون إليه أموركم، والوكيل: من يوكل إليه الأمر، ويعتمد عليه في المهمات وانظر الآية [٥٤]. هذا؛ وقدّر القرطبي الكلام كما يلي: كرمنا محمدا ﷺ بالإسراء، والمعراج، وأكرمنا موسى بالتوراة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و «بني» أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع ابن مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ومعناه بالعبريّة صفوة الله، أو عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و «إيل» هو الله، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد في حياة جده إبراهيم، وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة عندي: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه على أمّه؛ فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبّارين، وسمي يعقوب لذلك، والله أعلم بحقيقة ذلك. الإعراب: ﴿وَآتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعوله الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً:﴾ ماض، وفاعله ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها،

стр. 3145

وعلامة نصب ﴿هُدىً﴾ فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِبَنِي:﴾ متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز تعليقهما بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني): مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، أو للعلمية، والتركيب المزجي. ﴿أَلاّ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتبار (أن) بمعنى: «أي» مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي. والثاني: اعتبار (لا) زائدة، والتقدير: مخافة أن تتخذوا. والثالث: اعتبار «أن» زائدة. وضعفه الجمل؛ لأن هذا ليس من مواضع زيادتها، وعلى هذا فالفعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾ مجزوم بلا الناهية على الوجه الأول والثالث، ومنصوب على الوجه الثاني، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية على الوجه الأول: مفسرة لا محل لها، وفي محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم: لا تتخذوا. هذا؛ وعلى وجه النصب، وهو الثاني: فتؤوّل (أن) مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله، التقدير: مخافة اتخاذكم. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ على (أن) ناصبة، و (لا): نافية، والفعل منصوب ب: (أن)، و (أن) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف؛ إذ التقدير: لئلا يتخذوا، والجار والمجرور بعد السبك يتعلقان بالفعل (جعلنا). ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكِيلاً:﴾ مفعول به ثان، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف مفعول أول. هذا؛ وأجيز تعليقهما ب: ﴿وَكِيلاً،﴾ أو بمحذوف حال منه. ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)﴾ الشرح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:﴾ المعنى: يا ذرية من حملنا مع نوح كونوا كما كان نوح ﵇ في العبودية، والانقياد، وفي كثرة الشكر لله تعالى، يفعل الطاعات، ويجتنب المعاصى والسيئات. هذا؛ ويقرأ ذرية بتثليث الذال، مع تشديد الراء والياء. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ أي: إن نوحا ﵇ كان كثير الشكر لله. وقيل في شكره: إنه كان يسمي الله ويحمده في كل حالاته: من طعام، وشراب، ولباس، وكل حركاته، وسكناته. وانظر شرح (الشكر) في الآية رقم [٧ و ٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر قصة نوح مع قومه في سورة (هود) ﵇ وفي سورة (الأعراف). وفي الآية إيماء إلى أن جميع المخلوقات بعد نوح من ذرية الذين نجوا معه في السفينة، وهو ممّا يؤيد: أن الطوفان عمّ الأرض كلها.

стр. 3146

الإعراب: ﴿ذُرِّيَّةَ:﴾ فيه أوجه: أحدها هو منادى حذف منه أداة النداء؛ إذ الأصل: يا ذرية. والثاني: هو مفعول ثان للفعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾. وقيل: العكس أيضا. والثالث: هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني، واعتبره الزمخشري منصوبا على الاختصاص، وليس هذا موضع الاختصاص، كما أجيز اعتباره بدلا من ﴿وَكِيلاً،﴾ فإعراب ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ مرتبط بما قبله، ويختلف باختلاف القراءة في: ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾. تأمل، وتدبر. هذا؛ وقرئ شاذا برفعه على أنه بدل من واو الجماعة، أو خبر لمبتدإ محذوف، ويجوز جره في العربية على البدل من (بني إسرائيل)، ولم يقرأ به أحد، و ﴿ذُرِّيَّةَ:﴾ مضاف، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وهو يحتمل الإفراد والجمع، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي حملناه، أو الذين حملناهم، وهو أقوى. تأمل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى نوح ﵇. ﴿عَبْداً﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿شَكُوراً﴾ صفة عبدا، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر الذي رأيت تقديره في الشرح. ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤)﴾ الشرح: ﴿وَقَضَيْنا إِلى..﴾. إلخ: أي: أعلمناهم، وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب: أنهم سيفسدون. انتهى. خازن. وقال البيضاوي: أوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتا. وقال قتادة: أي: حكمنا، فتكون ﴿إِلى﴾ بمعنى: على، والمراد: بالكتاب: التوراة، وقرئ: «(في الكتب)» وعلى تفسير (قضينا) بحكمنا يكون المراد ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ اللوح المحفوظ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ:﴾ المراد في الأرض: أرض بيت المقدس، وما حوله، وإفسادهم في المرة الأولى هي مخالفة أحكام التوراة، وقتل زكريا ﵇، وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله. قيل: وقتل شعياء النبي. وإفسادهم في المرة الثانية: قتل يحيى بن زكريا، وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسّلام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (مريم) ﵍. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً:﴾ أراد بالعلو: التكبر عن طاعة الله تعالى، والاعتداء على حرمات الناس، وحقوقهم، وما يتعلق به من بغي، وطغيان. بعد هذا خذ شرح «قضى» بمعانيه المختلفة: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى- القضاء يحتمل الحكم؛ أي: ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة. انتهى. هذا؛ والمصدر: قضاء بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه «قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومصدره: «قضيا»

стр. 3147

بالتحريك، كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء-ممدودا-. وجمع القضاء أقضية كعطاء وأعطية، وهو في الأصل إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، ويكون أيضا بمعنى: الأمر، قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ..﴾. إلخ وبمعنى: العلم، تقول: قضيت بكذا؛ أي: أعلمتك به، وبمعنى: الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ وبمعنى: الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ وبمعنى: الإرادة، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وبمعنى: الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ وبمعنى: الكتابة قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ. وبمعنى: الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وبمعنى: الخلق، قال تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وبمعنى: بلوغ المراد، والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى: وفيت الدين، كقولك: قضيت ديني. انتهى. قسطلاني شرح البخاري بتصرف، وأضيف: أنه يكون بمعنى: أوصينا كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ الآية رقم [٦٦] من سورة (الحجر). وانظر ما ذكرته هناك في شرح (قضينا). وقد أتى: قضى، وليقضوا بمعنى: ليزيلوا في الآية رقم [٢٩] من سورة (الحج). قال القرطبي-رحمه الله تعالى-فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله ذلك عليّ، فقال الحسن: وكان فصيحا، ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. ﴿وَلَتَعْلُنَّ:﴾ أصل الفعل: (تعلو) معتل بالواو، فلما أسند إلى واو الجماعة صار: (تعلوون) فاتصلت به نون التوكيد الثقيلة لوقوعه جوابا لقسم مقدر، فصار: (لتعلووننّ) فاستثقلت الضمة على الواو، فحذفت، فالتقى ساكنان، واو العلة، وواو الجماعة، فحذفت واو العلة، فصار (لتعلوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال. فصار: (لتعلونّ) فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على اللام لتدل عليها، فصار (لتعلنّ) فأنت ترى أنه قد حذف منه حرفان: واو العلة، ونون الرفع، وضمير هو واو الجماعة، أما الفعل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ فقد حذف منه حرف واحد، وهو نون الرفع، وواو الجماعة فقط؛ لأنّه صحيح الآخر، وإذا أسند الفعل المعتل الآخر بالياء لواو الجماعة، يحذف منه أيضا حرفان وضمير، أما إذا أسند الفعل المعتل

стр. 3148

الآخر بالألف لواو الجماعة، فلا تحذف منه واو الجماعة، بل تبقى محركة بحركة مجانسة لها، مثل: «لتسعونّ، ولتخشونّ»، ونحوهما. الإعراب: ﴿وَقَضَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿إِلى بَنِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه. وانظر الآية السابقة. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من (نا)، وهو ضعيف، ولو قيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ لكان أقوى وأولى، وجملة: ﴿وَقَضَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (آتينا...) إلخ لا محل لها مثلها. اللام: واقعة في جواب قسم مقدر، التقدير: والله، أو هي واقعة في جواب (قضينا)؛ لأنه ضمن معنى القسم، ومنه قولهم: قضى الله لأفعلن. ﴿لَتُفْسِدُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والمفعول محذوف، التقدير: لتفسدن الأديان، ونحوها. هذا؛ ويقرأ بالبناء للمجهول، فتكون الواو نائب فاعله، وهي المفعول، ويقرأ بفتح التاء وضم السين، فيكون لازما بمعنى: تفسد أموركم، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، والقسم، وجوابه كلام في محل نصب مفعول به ل (قضينا)، وإن كان جوابا ل: (قضينا) فلا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق، وبعضهم يعتبره ظرفا متعلقا بالفعل قبله، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلَتَعْلُنَّ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿عُلُوًّا:﴾ مفعول مطلق مبين لنوع الفعل. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ أي: وقت أولى المرتين من فسادهم. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ:﴾ هم أهل بابل في العراق، وكان ملكهم بختنصر. قاله ابن عباس-﵄. وقال قتادة: أرسل الله عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقيل: اسم الملك سنحاريب من أهل نينوى. والمعتمد الأول. ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ:﴾ طافوا بين الديار يطلبونهم، ويقتلونهم ذاهبين، وجائين. هذا؛ وقرئ: «(فحاسوا)» بالحاء المهملة، قال أبو زيد: الحوس، والجوس، والعوس، والهوس: الطواف بالليل. ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ أي: قضاء نافذا لا خلف فيه، فقد قتلوا كبار بني إسرائيل، وسبوا صغارهم، ونساءهم، وحرقوا التوراة، وخرّبوا بيت المقدس، وكان عدد ما سبوه سبعين ألفا، ومائة ألف. انظر الآية رقم [١٤] من سورة (مريم) ﵍.

стр. 3149

ومعنى ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ:﴾ أصحاب قوة وبطش شديد في الحرب. هذا؛ و ﴿أُولِي﴾ بمعنى: أصحاب. وانظر الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد) أيضا، و «جاء» يكون لازما؛ إذا كان بمعنى: حضر وأقبل كما في الآية الكريمة، ويكون متعديا؛ إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿وَعْدُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿أُولاهُما:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بَعَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عِباداً:﴾ مفعول به. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عِباداً،﴾ والإضافة لله ليست للتشريف هنا، كما في الآية رقم [١] وإنما هي بمعنى: مقهورين، وتحت سيطرتنا. ﴿أُولِي:﴾ صفة ثانية، أو هو حال من ﴿عِباداً﴾ بعد وصفه بما تقدم منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿بَأْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿بَأْسٍ،﴾ وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَجاسُوا:﴾ ماض، والواو فاعله والألف للتفريق، ﴿خِلالَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿خِلالَ:﴾ مضاف، و ﴿الدِّيارِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَجاسُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها أيضا. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى مصدر الجوس، أو إلى ﴿وَعْدُ أُولاهُما﴾. ﴿وَعْداً:﴾ خبر كان. ﴿مَفْعُولاً:﴾ صفة ﴿وَعْداً،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الدولة والغلبة على من قتلكم، وسباكم، ونهب أموالكم، وذلك لمّا تبتم إلى الله، وأطعتموه، وتم ذلك بقتل داود جالوت، أو بقتل غيره على الخلاف فيمن قتلهم. ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ:﴾ قويناكم بالأموال، والأولاد؛ حتى عاد أمركم كما كان. ﴿وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً:﴾ أكثر عددا، وأوفر جندا. هذا؛ و ﴿الْكَرَّةَ:﴾ في الأصل مصدر، يقال: كر، يكر، كرا، وكرة. والكر، والكرة: الرجوع والرجعة. والمراد: به هنا: المرة من ذلك، والأموال: جمع: مال، قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك

стр. 3150

من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسّان-﵁: [البسيط] المال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضبي: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة، والجواهر. والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فالمراد: الناطق. والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول من المال المذكور آنفا، قال عمرو بن معديكرب الزبيدي-﵁: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا؛ والنفير: فعيل بمعنى: فاعل من نفر، ينفر: إذا خرج مع قومه للحرب، ونحوه، وهم اسم جمع مثل: نفر، ورهط. وقيل: هو جمع: نفر مثل: عبد، وعبيد. هذا؛ والنفير أيضا مصدر، يقال: نفرت الدابة، تنفر نفورا، ونفارا، ونفيرا من كذا، بمعنى: تباعدت. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل). هذا؛ ولا تنس: أن الأفعال الثلاثة بمعنى: المضارع، وضعت موضع المستقبل لتحققه عبر عنها بالماضي، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿رَدَدْنا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَرَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بالكرة، أو بمحذوف حال منها، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) وهو جملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿نَفِيراً:﴾ تمييز. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧)﴾ الشرح: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾ أي: العمل، وعملتم بطاعة الله تعالى. ﴿أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: لها ثوابها، وجزاء إحسانها. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أي: العمل، وعملتم بمعاصي الله تعالى. ﴿فَلَها﴾ أي: فعليها وبال إساءتها، فاللام الجارة بمعنى: «على» وهو مستعمل في الكلام العربي، نثره، وشعره، ثم هذا الكلام يحتمل أن يكون لبني إسرائيل في ذلك الوقت، ويكون على إرادة القول، ويحتمل أن يكون خطابا لليهود في زمن النبي ﷺ ، وأن يكون خطابا لمشركي قريش. تأمل. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: وعد عقوبة المرة الثانية من إفسادهم. ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: بعثنا عليكم عدوّا آخر، فيجعل وجوهكم حزينة، باديا عليها أثر المساءة، وقرئ: «(ليسوء)»،

стр. 3151

فالفاعل يعود إلى العدو، أو ل: (الله)، وقرئ: «(ليسوءنّ)» باللام المفتوحة، ونون التوكيد مثقلة ومخففة. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس. ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في المرة الأولى. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ أي: وليهلكوا ما غلبوا عليه من ديار بني إسرائيل إهلاكا. عن حذيفة-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما، جسيم الخطر، عظيم القدر، فقال رسول الله ﷺ : «هو من أجل البيوت، ابتناه الله لسليمان بن داود-﵉-من ذهب، وفضة، ودرّ، وياقوت، وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود لما بناه؛ سخر الله له الجن، فأتوه بالذهب، والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر، والياقوت والزمرّد، وسخر الله له الجن، حتى بنوه من هذه الأصناف». قال حذيفة-﵁-فقلت: يا رسول الله ﷺ ، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال: «إن بني إسرائيل لمّا عصوا الله، وقتلوا الأنبياء؛ سلط الله عليهم بختنصر، وهو من المجوس، وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما..﴾. إلخ، فدخلوا بيت المقدس، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء، والأطفال، وأخذوا الأموال، وجميع ما كان في بيت المقدس، من هذه الأصناف، فاحتملوها على سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة حتى، أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل، ويستملكونهم بالخزي، والعقاب والنكال مائة عام. ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل، فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان في بيت المقدس، وردّه الله إليه، كما كان أول مرة. وقال لهم: يا بني إسرائيل! إن عدتم إلى المعاصي، عدنا عليكم بالسبي، والقتل، وهو قوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، عادوا إلى المعاصي، فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ..﴾. إلخ فغزاهم في البر، والبحر، فسباهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ جميع حلي بيت المقدس، واحتمله على سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة حتى، أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي، فيرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة، وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين». انتهى. قرطبي بحروفه. والله أعلم بالحقيقة. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَحْسَنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، والمفعول محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَحْسَنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل

стр. 3152

لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أو هو مستأنف، انظر الشرح. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ:﴾ مثل سابقه. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لها): متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فلها إساءتها، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥] وجملة: ﴿جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لِيَسُوؤُا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، وهو جواب (إذا)، انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ إعرابه مثل سابقه، ومعطوف عليه. الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿دَخَلُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: ليدخلوا المسجد دخولا كائنا مثل دخولهم أول مرة، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه-رحمه الله تعالى-إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا:﴾ إعرابه مثل سابقه، ومعطوف عليه بعد التأويل. ﴿كَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ليتبروا الذي علوه، وما كناية عن البلاد والعباد من بني إسرائيل، انظر الشرح وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، ظرفية، تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، يتعلق بالفعل (يتبروا) ويكون مفعوله محذوفا، وهو ضعيف. تأمل. ﴿تَتْبِيراً:﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨)﴾ الشرح: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ:﴾ وهذا ممّا أخبروا به في كتابهم، و ﴿عَسى﴾ وعد من الله أن يكشف عنهم البلاء، وهي من الله واجبة. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ:﴾ إلى الكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿عُدْنا﴾

стр. 3153

أي: مرة ثالثة إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب محمد ﷺ ، وقصد قتله، فعاد الله تعالى بتسليطه عليهم، فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين منهم، هذا لهم في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآبدين. وقيل: بساطا كما يبسط الحصير في الأرض. وقيل: محبسا، وسجنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا؛ والمراد ب: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا: خالقكم، ورازقكم، ومحييكم، ومميتكم. هذا؛ والرب يطلق ويراد به: السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل] ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شئونها. كما يراد به: المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). هذا؛ و ﴿حَصِيراً﴾ إن كان اسم مكان؛ فهو جامد لا يلزم تذكيره، ولا تأنيثه، وإن كان بمعنى: حاصرا؛ أي: محيطا بهم، وفعيل بمعنى: فاعل يلزم مطابقته، فكان يقال: حصيرة، ولم يؤنث. إما؛ لأنه على النسب ك: «لابن» و «تامر»، أو لحمله على فعيل بمعنى: مفعول، أو لأن تأنيث جهنم غير حقيقي، أو لتأويلها بمذكر كالسجن والحبس. انتهى. جمل. وينبغي أن تعلم أنه لم يرد لفظ ﴿حَصِيراً﴾ في غير هذا الموضع من القرآن الكريم. الإعراب: ﴿عَسى:﴾ فعل ترج ناقص مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى،﴾ وهو يصرف إلى اسم الفاعل أيضا، فيكون التقدير: عسى ربكم راحما لكم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ هو مثل: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ﴾

стр. 3154

و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَصِيراً﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال من حصيرا كان صفة له... إلخ، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿عُدْنا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩)﴾ الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله الإسراء؛ ذكر ما قضى في بني إسرائيل، وعليهم، وكان ذلك دلالة على نبوة محمد ﷺ ، ثم بين: أن القرآن الذي أنزله عليه يهدي الناس إلى الطريقة التي هي أعدل الطرق وأصوبها، أو يهدي إلى الحال التي هي أقوم الحالات، وأحسنها. انتهى. بتصرف كبير. ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: المراد بالأجر الكبير الجنة، وما فيها من نعيم لا ينفد وسعادة دائمة. هذا؛ ولا تنس: ما في الآية الكريمة من الاحتراس. انظره في الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى القرآن، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِلَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (التي): صفة لموصوف محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة للمؤمنين، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، ولا تنس: أنّ ﴿الصّالِحاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْراً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة ﴿أَجْراً﴾ و ﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لهم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو المصدر منصوب بنزع الخافض. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠)﴾ الشرح: المراد بهذه الآية: الكافرون الذين لا يعترفون بالحياة الآخرة بعد الموت، فهؤلاء لهم عذاب أليم في النار، والمراد: ب: (الآخرة) الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب،

стр. 3155

والجزاء، ودخول الجنة والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها، ومعنى ﴿أَعْتَدْنا:﴾ هيأنا لهم. هذا؛ و (عذاب) اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: «تعذيب»؛ لأن الفعل عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: سلام، وعطاء، ونبات ل: «سلّم»، و «أعطى» و «أنبت»، و ﴿أَلِيماً:﴾ بمعنى: مؤلم، وموجع. هذا؛ والتذكير في الآيتين لا يمنع دخول النساء في الوعد، والوعيد: فالكلام من باب التغليب، أو هنّ ملحقات بالرجال في الجانبين. الإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (أنّ)، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفته، وجملة: ﴿أَعْتَدْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق. فيكون داخلا في حيز البشارة، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أن المؤمنين بشروا ببشارتين: أجر كبير لهم على أعمالهم الصالحات، وتعذيب أعدائهم المكذبين باليوم الآخر، وما يتعلق به، والثاني: أن الكافرين بشّروا بعذاب أليم، وذلك على سبيل التهكم، والاستهزاء على حدّ قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٤] وعلى هذا فالعطف عطف مفرد على مفرد. هذا؛ وبعضهم يقدر فعلا قبل المصدر؛ أي: ويخبر أن الذين لا يؤمنون... إلخ، وعليه فالعطف عطف جملة فعلية على مثلها. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)﴾ الشرح: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم أهلكه، ونحوه. ﴿دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي: كدعائه ربه أن يهب له العافية من جميع أنواع البلاء، فلو استجاب الله له دعاءه على نفسه بالشر؛ لهلك، لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (يونس) ﵇. وانظر الآية رقم [٧] من سورة (الرّعد). وقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث؛ الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل: دفع ﵊ أسيرا إلى زوجه سودة لتحرسه، فبات يئنّ، فرحمته لأنينه. فأرخت من كتافه، فلمّا نامت هرب، فأخبرت النبي ﷺ فقال: «قطع الله يديك». ثم ندم، فقال ﷺ : «إنّي سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحقّ من أهلي رحمة؛ لأنّي بشر أغضب، كما يغضب البشر». ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ أي: طبعه العجلة، يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر إلى عاقبته. وقيل: أشار به إلى آدم ﵇ حين نهض قبل أن تركّب فيه الروح على الكمال، قال ابن
следующие страницы →