← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

فالفاعل يعود إلى العدو، أو ل: (الله)، وقرئ: «(ليسوءنّ)» باللام المفتوحة، ونون التوكيد مثقلة ومخففة. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس. ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في المرة الأولى. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ أي: وليهلكوا ما غلبوا عليه من ديار بني إسرائيل إهلاكا. عن حذيفة-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما، جسيم الخطر، عظيم القدر، فقال رسول الله ﷺ : «هو من أجل البيوت، ابتناه الله لسليمان بن داود-﵉-من ذهب، وفضة، ودرّ، وياقوت، وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود لما بناه؛ سخر الله له الجن، فأتوه بالذهب، والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر، والياقوت والزمرّد، وسخر الله له الجن، حتى بنوه من هذه الأصناف». قال حذيفة-﵁-فقلت: يا رسول الله ﷺ ، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال: «إن بني إسرائيل لمّا عصوا الله، وقتلوا الأنبياء؛ سلط الله عليهم بختنصر، وهو من المجوس، وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما..﴾. إلخ، فدخلوا بيت المقدس، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء، والأطفال، وأخذوا الأموال، وجميع ما كان في بيت المقدس، من هذه الأصناف، فاحتملوها على سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة حتى، أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل، ويستملكونهم بالخزي، والعقاب والنكال مائة عام. ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل، فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان في بيت المقدس، وردّه الله إليه، كما كان أول مرة. وقال لهم: يا بني إسرائيل! إن عدتم إلى المعاصي، عدنا عليكم بالسبي، والقتل، وهو قوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، عادوا إلى المعاصي، فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ..﴾. إلخ فغزاهم في البر، والبحر، فسباهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ جميع حلي بيت المقدس، واحتمله على سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة حتى، أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي، فيرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة، وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين». انتهى. قرطبي بحروفه. والله أعلم بالحقيقة. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَحْسَنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، والمفعول محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَحْسَنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل

стр. 3152

لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أو هو مستأنف، انظر الشرح. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ:﴾ مثل سابقه. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لها): متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فلها إساءتها، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥] وجملة: ﴿جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لِيَسُوؤُا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، وهو جواب (إذا)، انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ إعرابه مثل سابقه، ومعطوف عليه. الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿دَخَلُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: ليدخلوا المسجد دخولا كائنا مثل دخولهم أول مرة، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه-رحمه الله تعالى-إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا:﴾ إعرابه مثل سابقه، ومعطوف عليه بعد التأويل. ﴿كَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ليتبروا الذي علوه، وما كناية عن البلاد والعباد من بني إسرائيل، انظر الشرح وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، ظرفية، تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، يتعلق بالفعل (يتبروا) ويكون مفعوله محذوفا، وهو ضعيف. تأمل. ﴿تَتْبِيراً:﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨)﴾ الشرح: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ:﴾ وهذا ممّا أخبروا به في كتابهم، و ﴿عَسى﴾ وعد من الله أن يكشف عنهم البلاء، وهي من الله واجبة. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ:﴾ إلى الكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿عُدْنا﴾

стр. 3153

أي: مرة ثالثة إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب محمد ﷺ ، وقصد قتله، فعاد الله تعالى بتسليطه عليهم، فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين منهم، هذا لهم في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآبدين. وقيل: بساطا كما يبسط الحصير في الأرض. وقيل: محبسا، وسجنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا؛ والمراد ب: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا: خالقكم، ورازقكم، ومحييكم، ومميتكم. هذا؛ والرب يطلق ويراد به: السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل] ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شئونها. كما يراد به: المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). هذا؛ و ﴿حَصِيراً﴾ إن كان اسم مكان؛ فهو جامد لا يلزم تذكيره، ولا تأنيثه، وإن كان بمعنى: حاصرا؛ أي: محيطا بهم، وفعيل بمعنى: فاعل يلزم مطابقته، فكان يقال: حصيرة، ولم يؤنث. إما؛ لأنه على النسب ك: «لابن» و «تامر»، أو لحمله على فعيل بمعنى: مفعول، أو لأن تأنيث جهنم غير حقيقي، أو لتأويلها بمذكر كالسجن والحبس. انتهى. جمل. وينبغي أن تعلم أنه لم يرد لفظ ﴿حَصِيراً﴾ في غير هذا الموضع من القرآن الكريم. الإعراب: ﴿عَسى:﴾ فعل ترج ناقص مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى،﴾ وهو يصرف إلى اسم الفاعل أيضا، فيكون التقدير: عسى ربكم راحما لكم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ هو مثل: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ﴾

стр. 3154

و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَصِيراً﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال من حصيرا كان صفة له... إلخ، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿عُدْنا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩)﴾ الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله الإسراء؛ ذكر ما قضى في بني إسرائيل، وعليهم، وكان ذلك دلالة على نبوة محمد ﷺ ، ثم بين: أن القرآن الذي أنزله عليه يهدي الناس إلى الطريقة التي هي أعدل الطرق وأصوبها، أو يهدي إلى الحال التي هي أقوم الحالات، وأحسنها. انتهى. بتصرف كبير. ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: المراد بالأجر الكبير الجنة، وما فيها من نعيم لا ينفد وسعادة دائمة. هذا؛ ولا تنس: ما في الآية الكريمة من الاحتراس. انظره في الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى القرآن، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِلَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (التي): صفة لموصوف محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة للمؤمنين، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، ولا تنس: أنّ ﴿الصّالِحاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْراً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة ﴿أَجْراً﴾ و ﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لهم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو المصدر منصوب بنزع الخافض. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠)﴾ الشرح: المراد بهذه الآية: الكافرون الذين لا يعترفون بالحياة الآخرة بعد الموت، فهؤلاء لهم عذاب أليم في النار، والمراد: ب: (الآخرة) الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب،

стр. 3155

والجزاء، ودخول الجنة والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها، ومعنى ﴿أَعْتَدْنا:﴾ هيأنا لهم. هذا؛ و (عذاب) اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: «تعذيب»؛ لأن الفعل عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: سلام، وعطاء، ونبات ل: «سلّم»، و «أعطى» و «أنبت»، و ﴿أَلِيماً:﴾ بمعنى: مؤلم، وموجع. هذا؛ والتذكير في الآيتين لا يمنع دخول النساء في الوعد، والوعيد: فالكلام من باب التغليب، أو هنّ ملحقات بالرجال في الجانبين. الإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (أنّ)، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفته، وجملة: ﴿أَعْتَدْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق. فيكون داخلا في حيز البشارة، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أن المؤمنين بشروا ببشارتين: أجر كبير لهم على أعمالهم الصالحات، وتعذيب أعدائهم المكذبين باليوم الآخر، وما يتعلق به، والثاني: أن الكافرين بشّروا بعذاب أليم، وذلك على سبيل التهكم، والاستهزاء على حدّ قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٤] وعلى هذا فالعطف عطف مفرد على مفرد. هذا؛ وبعضهم يقدر فعلا قبل المصدر؛ أي: ويخبر أن الذين لا يؤمنون... إلخ، وعليه فالعطف عطف جملة فعلية على مثلها. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)﴾ الشرح: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم أهلكه، ونحوه. ﴿دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي: كدعائه ربه أن يهب له العافية من جميع أنواع البلاء، فلو استجاب الله له دعاءه على نفسه بالشر؛ لهلك، لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (يونس) ﵇. وانظر الآية رقم [٧] من سورة (الرّعد). وقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث؛ الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل: دفع ﵊ أسيرا إلى زوجه سودة لتحرسه، فبات يئنّ، فرحمته لأنينه. فأرخت من كتافه، فلمّا نامت هرب، فأخبرت النبي ﷺ فقال: «قطع الله يديك». ثم ندم، فقال ﷺ : «إنّي سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحقّ من أهلي رحمة؛ لأنّي بشر أغضب، كما يغضب البشر». ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ أي: طبعه العجلة، يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر إلى عاقبته. وقيل: أشار به إلى آدم ﵇ حين نهض قبل أن تركّب فيه الروح على الكمال، قال ابن

стр. 3156

عباس-﵄: لمّا انتهت النفخة-أي: الروح-إلى سرته؛ نظر إلى جسده، فذهب لينهض، فلم يقدر. وقال ابن مسعود-﵁: لما دخلت الروح في عينيه؛ نظر إلى ثمار الجنة، فلمّا دخلت جوفه؛ اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تدخل الروح رجليه عجلان، إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية رقم [٣٧] من سورة (الأنبياء). وقيل: المعنى: إنّ الإنسان يؤثر العاجل؛ وإن قلّ على الآجل وإن جلّ. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد. هذا؛ و «الإنسان» يطلق على الذكر، وعلى الأنثى من بني آدم، ومثلها كلمة: «شخص»: قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أنّ الله لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أنّ المراد الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانُ﴾ إنّما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق؛ ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة العصر. هذا؛ وإنسان العين هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد. وانظر جمع «الإنسان» في الآية [٦٠]. الإعراب: ﴿وَيَدْعُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يدعو): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل وهي محذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله. ﴿بِالشَّرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الإنسان. ﴿دُعاءَهُ:﴾ مفعول مطلق، وأصل الكلام: يدعو.. دعاء مثل دعائه، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِالْخَيْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر، والجملة الفعلية: ﴿وَيَدْعُ﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الإنسان الأول، والرابط: الواو، وإعادة صاحب الحال بلفظه، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ أي: علامتين على وحدانيتنا، ووجودنا، وكمال علمنا، وقدرتنا، والآية فيهما إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم، وإدباره من حيث لا يعلم، ونقصان أحدهما بزيادة الآخر، وبالعكس أيضا آية، وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل، قال تعالى في سورة (النور) الآية رقم [٤٤]: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾. ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: جعلنا الليل ممحو الضوء، مطموسا، مظلما لا يستبان فيه شيء. هذا؛ والمحو: الإزالة ومنه الآية رقم [٣٩] من سورة (الرعد). ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: جعلنا شمسه مضيئة للأبصار فيكون المعنى: مبصرا فيها بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر

стр. 3157

فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم. وقيل: المراد بآية الليل وآية النهار: القمر، والشمس. وتقدير الكلام: جعلنا نيّري الليل والنهار آيتين، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: لتتوصلوا بضوء النهار إلى استبانة أعمالكم، والتصرف في معايشكم. هذا؛ ولم يذكر السكون في الليل اكتفاء بما ذكر في النهار، وقد قال تعالى في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) ﵇: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾. ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ أي: باختلاف الليل والنهار تعلمون ما تحتاجون إليه منه، ولولا ذلك؛ لما عرف أحد حساب الأوقات، ولتعطلت الأمور، ولو ترك الله الشمس، والقمر كما خلقهما؛ لم يعرف الليل من النهار، ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يعرف وقت الحج، ولا وقت الديون المؤجلة، وغير ذلك من المعاملات. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ أي: وكل شيء تفتقرون إليه من أمر دينكم، ودنياكم قد بيناه بيانا شافيا واضحا غير ملتبس، وهو مثل الآية رقم [٨٩] من سورة (النحل). وانظر الآية [٤١] الآتية. وانظر الآية رقم [٥] من سورة (يونس) ﵇ ففيها فضل زيادة. بعد هذا فالليل: واحد بمعنى: الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال. والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار: ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب. وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر وفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر-على ما تقدم في نهاية الليل-إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في الآية التالية. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر] إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا الإعراب: ﴿وَجَعَلْنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف عليه. ﴿آيَتَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. وكذلك جملة: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف

стр. 3158

للتفريق. ﴿فَضْلاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿فَضْلاً﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (جعلنا) الثاني. ﴿وَلِتَعْلَمُوا:﴾ مثل سابقه في إعرابه وتأويله، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما. وقال الجمل: متعلقان بكلا الفعلين؛ أي: لتعلموا بتعاقبهما، واختلافهما. ﴿عَدَدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿السِّنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْحِسابَ:﴾ معطوف على ما قبله، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم. ﴿وَكُلَّ:﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. وقيل: هو معطوف على (الحساب) وهو بعيد، و ﴿وَكُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، ﴿فَصَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على الاعتبار الأول: في (كلّ)، وفي محل نصب صفة له على الاعتبار الثاني: فيه. ﴿تَفْصِيلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: ﴿طائِرَهُ﴾ عمله، وما قدر عليه من خير، أو شر، وهو ملازمه أينما كان. وقال مجاهد: عمله، ورزقه، وما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة فيها مكتوب شقي، أو سعيد. انتهى. وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء؛ لأنه موضع القلائد، والأطواق، والغل ممّا يزين، أو يشين، وذكر الطائر لما هو سبب الخير، والشر من قدر الله وعمل العبد على طريق الاستعارة؛ لأنهم كانوا يتيمّنون، ويتشاءمون بسنوح الطائر من جهة اليمين، أو من جهة الشمال على عادة الجاهلية. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً:﴾ هو كتاب طائره الذي كان في عنقه، وسجل فيه كل شيء عمله في الدنيا، من خير، أو شر. هذا؛ ويقرأ: «(ويخرج)» و «(يخرج)» و «(يخرج)» والمعتمد قراءته بالنون لموافقته ﴿أَلْزَمْناهُ﴾. ﴿يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ أي: يجده مفتوحا أمامه، ويكشف عنه الغطاء. هذا؛ ويقرأ بالبناء للمجهول، مع تخفيف القاف، وتشديدها، وهذا ﴿الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾. انظر الكهف رقم [٤٩]. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: بسطت لك يا بن آدم صحيفة، ووكّل بك ملكان، فهما عن يمينك، وشمالك، فأما الذي عن يمينك؛ فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك؛ فيحفظ عليك سيئاتك، حتى إذا مت؛ طويت عليك صحيفتك، وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة. انتهى جمل، كيف لا وربنا يقول: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ؟!﴾.

стр. 3159

الإعراب: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ هو مثل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ ﴿فِي عُنُقِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿طائِرَهُ﴾. ﴿وَنُخْرِجُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿كِتاباً:﴾ مفعول به، وهو حال على بناء الفعل للمجهول، ورجوع نائب الفاعل إلى ﴿طائِرَهُ﴾. ﴿يَلْقاهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿(كُلَّ إِنسانٍ)،﴾ والهاء مفعول به. ﴿مَنْشُوراً:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿كِتاباً﴾ ويحتمل أن يكون (منشورا) صفة ثانية لكتاب، وجملة: ﴿وَنُخْرِجُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وهي مستأنفة على بعض القراءات. تأمل. ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤)﴾ الشرح: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾ أي: يقال له ذلك، فيقرؤه كل واحد سواء أكان أميا، أو غير أمي، عربيا كان أم أعجميا، فيقرؤه بلسان فصيح، وعقل سليم. ﴿كَفى بِنَفْسِكَ..﴾. إلخ: أي: محاسبا. قال الحسن رحمه الله تعالى: عدل في حقك والله من جعلك حسيب نفسك. قيل: يقول العبد: إنك لست بظلام للعبيد. فاجعلني أحاسب نفسي. فيقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ..﴾. إلخ. وقال بعض الصلحاء: هذا كتاب، لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المملي على حفظتك، ما زيد فيه، ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئا؛ يكون الشاهد منك عليك. هذا؛ ولم يؤنث ﴿حَسِيباً؛﴾ لأنه بمنزلة الشاهد، والقاضي والأمين، وهذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن تؤوّل النفس بمعنى: الشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. وقيل: حسيب بمعنى: محاسب، كخليط، وجليس بمعنى: مخالط، ومجالس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف). هذا؛ والمراد: ب: ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا، كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو: الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر، إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما رأيت في الآية رقم [١٢] يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم؛ أي: لهذا الوقت، والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه، كما في الآية رقم [١٠٢] من سورة (يونس) ﵇ والآية رقم [٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. ويقال: فلان ابن الأيام؛ أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.

стр. 3160

الإعراب: ﴿اِقْرَأْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كِتابَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿كَفى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِنَفْسِكَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (نفسك): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حَسِيباً:﴾ تمييز. وقيل: حال من (نفسك)، والأول: أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿اِقْرَأْ﴾ المستتر؛ أي: اقرأ كتابك حال كونك مكتفيا بحساب نفسك. أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)﴾ الشرح: ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ .. ﴿عَلَيْها﴾ أي: إن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، وعقاب الذنب مختص بفاعله أيضا، ولا يتعدى منه إلى غيره. انتهى. خازن، وملخصه: أن كل واحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره. وانظر الآية رقم [١٠٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح (ضل) في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل). ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: ﴿اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ بمعنى: لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الذنوب، والسيئات، وأما قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [١٣]: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فهذا في حق الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك يعدّ من أوزارهم، ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، انظر تفسيرها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وأصل تزر: (توزر) لأن ماضيه: «وزر»، فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما: الياء والكسرة في مضارع الغائب (يزر) وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، ولا أمر له فيما يظهر، ومصدره: وزر بفتح الواو، وكسرها، وهو بمعنى: الإثم، والثقل أيضا. والوزر بفتح الواو، والزاي: الملجأ، والمستغاث. قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾ ومن المعنيين يؤخذ اسم وزير السلطان، فإنه يحمل ثقل دولته، ويلجأ إليه السلطان في المهمات، فيستشيره بذلك. ومعنى الآية: يتبرأ كل واحد من أوزار غيره، حتى إن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة، فتقول: يا بني! ألم يكن حجري لك وطاء؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن بطني لك

стр. 3161

وعاء؟ فيقول: بلى يا أمه! فتقول: يا بني! إن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أمّه! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول. خذ قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ وقوله جل ذكره في سورة (عبس): ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾. تنبيه: عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: قال النبي ﷺ : «الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة، والنسائي إلا أنه قال «بالنّياحة عليه» فلا تعارض بين الآية والحديث، فإن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من وصية الميت، وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة بن العبد: [الطويل] إذا متّ فانعيني بما أنا أهله... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد وذهب جماعة من أهل العلم-منهم داود الظاهري-إلى الأخذ بظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوح النساء؛ لأنه أهمل النهي عنه قبل موته، فيعذب بتفريطه بذلك. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ أي: لم نترك الخلق سدى، بل أرسلنا الرسل، وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح، ويحسن، ويبيح، ويحظر، ونص الآية يعطي احتمال عدم مؤاخذة الذين لم تصلهم رسالة، وهم أهل الفترات؛ الذين لم يرسل إليهم رسل، ومنهم من كانوا قبل النبي. ومجمل القول فيهم: أنهم ثلاثة أقسام: القسم الأول: من أدرك التوحيد، وعرف الله ببصيرته، فمنعه هذا التبصر عن عبادة غير الله تعالى، ومنهم من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة الأيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبّع، وورقة بن نوفل اللّذين تنصرا. القسم الثاني: من غير، وبدل، وأشرك، ولم يوحد، وشرع لنفسه، وحلل، وحرم، وهم الأكثر من العرب، كعمرو بن لحي الخزاعي؛ الذي أدخل الأصنام إلى الكعبة، وأجبر الناس على عبادتها، وتقديسها. القسم الثالث: وهم من لم يشرك، ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دينا، بل بقي مدة عمره على حين غفلة، وهم أهل الفترة حقيقة، ومنهم عبد المطلب، ووالدا النبي ﷺ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٤] من سورة (طه). الإعراب: ﴿مَنِ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود

стр. 3162

إلى (من) تقديره: «هو». ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَهْتَدِي:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَإِنَّما..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة، فالجملة بعدها صلتها، وهي مبتدأ، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي..﴾. إلخ خبرها، وزيدت الفاء في خبره لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والجملة: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ مثلها في إعرابها، وهي معطوفة عليها، والجار والمجرور ﴿عَلَيْها﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ مضارع. ﴿وازِرَةٌ:﴾ فاعله. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُخْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَضِلُّ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي مؤكدة لمعنى ما قبلها، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ ماض مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿مُعَذِّبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، تقديره: أحدا.. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿نَبْعَثَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُعَذِّبِينَ،﴾ وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦)﴾ الشرح: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها: في معنى ﴿أَمَرْنا﴾ قولان: فقال أكثر المفسرين: معناه: أمرهم بالطاعة، والأعمال الصالحة، وفعل الخير، فخالفوا ذلك الأمر، وفسقوا. والقول الثاني: أمرنا بمعنى: كثّرنا فسّاقها، يقال: أمر القوم إذا كثروا. وقال عبد الله بن مسعود-﵁: كنا نقول في الجاهلية للحيّ إذا كثروا: أمر أمر بني فلان. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [المنسرح] كلّ بني حرّة مصيرهم... قلّ وإن أكثروا في العدد إن يغبطوا يهبطوا، وإن أمروا... يوما يصيروا للهلك والنّكد

стр. 3163

وقرئ: «(أمّرنا)» بتشديد الميم؛ أي: سلطنا شرارها على ضعفائها، ففسقوا فيها وعصوا. وقال أبو عثمان النهدي: جعلناهم أمراء مسلطين. وقرئ: «(أمِرنا)» وهو يحتمل التكثير والتأمير، وفي حديث هرقل من قول أبي سفيان: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة»، وهو يحتمل العلو، والتأمير، ويحتمل الكثرة. هذا؛ والمترف: هو الذي أبطرته النعمة ورغد العيش. ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أي: خرجوا فيها عن طاعة الله إلى المعاصي، وتخصيص المترفين بالذكر؛ لأنهم أسرع إلى الحماقة، وأقدر على الفجور، ولأن غيرهم يتبعهم. انتهى. بيضاوي. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها العقاب الموعود للفاسقين، والمجرمين. ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناها إهلاك استئصال بإهلاك أهلها، وتخريب ديارهم، وإن كان فيها بعض الصالحين، فإن العذاب يعمّهم جميعا. انظر الآية رقم [٦١] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد، وعن أمّ المؤمنين زينب بنت جحش: أن النبي ﷺ دخل عليها فزعا، يقول: «لا إله إلاّ الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج، ومأجوج مثل هذه». وحلّق بإصبعيه الإبهام، والتي تليها. قالت زينب: قلت يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». متفق عليه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها؛ فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك، فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق؛ الذي هو مسمى الإيمان. هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة والإمالة، يقال: قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة؛ أي: ما يعتقدونه. وانظر الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون). الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف ﴿(إِذا أَرَدْنا):﴾ انظر الآية رقم [٥] والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿أَمَرْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿مُتْرَفِيها:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ جواب (إذا) لا محل لها. وقيل: الجملة صفة ﴿قَرْيَةً،﴾ والجواب

стр. 3164

محذوف، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ معطوفة أيضا. وأيضا جملة: ﴿فَدَمَّرْناها﴾ معطوفة أيضا. ﴿تَدْمِيراً:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَكَمْ:﴾ خبرية كناية عن عدد مبهم، وهي هنا بمعنى: كثير، والمعنى: أهلكنا كثيرا من القرون من بعد نوح، كعاد، وثمود، وغيرهم ممن لا يعلمه إلا الله تعالى، وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ؛﴾ لأنه أول رسول كذبه قومه، ولذا لم يقل: من بعد آدم. وانظر ما جرى لنوح ﵇ مع قومه مع سورة (الأعراف) وسورة (هود) ﵇. ﴿وَكَفى:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٦٥] الآتية وقدم ﴿خَبِيراً﴾ لتقدم متعلقه. وقال النسفي: خبيرا بذنوب عباده، وإن أخفوها في الصدور، بصيرا بها، وإن أرخوا عليها الستور. انتهى. وهما اسما مبالغة كما ترى. هذا؛ والآية فيها تهديد، وتخويف لكفار مكة. هذا؛ و (ذنوب) جمع: ذنب، وهو يطلق على مخالفة الله فيما أمر، أو فيما نهى عنه، وهو على درجات: منها الصغائر، ومنها الكبائر، وتفصيلها معروف في محالّها. هذا؛ و (ذنوب) بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى: النصيب. قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٩] ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ و «ذنوب» بفتحها الدلو العظيمة في الأصل. قال الراجز: [الرجز] إنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب فإن أبى كان له القليب هذا؛ و ﴿الْقُرُونِ﴾ جمع: قرن بفتح القاف، وسكون الراء وهو مائة سنة على الصحيح. وقيل: ثمانون. وقيل: ثلاثون، ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، ونحوها وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني...» إلخ ومنه قول الشاعر: [الطويل] إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن، فأنت غريب وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل] فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل والقرن: بفتح القاف أيضا: الزيادة العظيمة؛ التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه: اسكندر ذو القرنين. والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر. والقرن: من القوم سيدهم، ومن السيف حده، ونصله. وجمعه في كل ما تقدم: قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.

стр. 3165

الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وهي خبرية بمعنى: كثير. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِنَ﴾ بيان ل: (كم) وتمييز له، والتمييز في المعنى هو المجرور ب: ﴿مِنَ،﴾ وبما أنه معرفة والتمييز لا يكون معرفة جر بالحرف. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْقُرُونِ،﴾ و ﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ مثل: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ﴾ في الآية رقم [١٤] ﴿بِذُنُوبِ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع، و (ذنوب) مضاف، و ﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَبِيراً بَصِيراً:﴾ كلاهما تمييز لنسبة (كفى)، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨)﴾ الشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ﴾ أي: الدار العاجلة، والمراد: بها: الدنيا. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها:﴾ أعطيناه طلبه وما يريده في هذه الدنيا من مال، وبنين، ومنصب، وجاه، ولكن هذا الإعطاء متوقف على مشيئتنا، وإرادتنا، فلا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ أي: يحترق فيها. وفي المصباح: صلي بالنار، وصليها، صليا من باب: تعب: وجد حرها، والصّلاء وزان: كتاب: حر النار، وصليت اللحم، أصليه من باب: رمى: إذا شويته. ﴿مَذْمُوماً مَدْحُوراً:﴾ مطرودا من رحمة الله تعالى، وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداحين، يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة، ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم، وقد ذكرت لك في الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇: أن هذه الآية تقيد تلك الآيات المطلقة. وانظر شرح: «شاء، وأراد» في الآية رقم [٢] من سورة (النحل). وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿عَجَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان فيه أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا نشاؤه. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من ﴿الْعاجِلَةَ﴾ بدل بعض من كل، و (من) تحتمل الموصولة،

стр. 3166

والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص نريده، وجملة: ﴿عَجَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا. ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٥] ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولة كما في الآية المذكورة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَجَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿يَصْلاها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿مَذْمُوماً:﴾ حال من الفاعل المستتر، فهي حال متداخلة. ﴿مَدْحُوراً:﴾ حال ثانية، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ﴾ أي: الدار الآخرة، وما فيها من النعيم المقيم. ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي: عمل لها عملها من الطاعات فيأتي بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن، وهو احتراس، انظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل). ﴿فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ أي: مقبولا عند الله تعالى، وعن بعض السلف الصالح: من لم يكن معه ثلاث؛ لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب. وقيل: مشكورا مضاعفا؛ أي: تضاعف لهم الحسنات إلى عشر وإلى سبعين، وإلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) فيما تقدم، وراعى معناها في جمع اسم الإشارة. الإعراب: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ:﴾ انظر الآية السابقة، وجملة: ﴿وَسَعى لَها﴾ معطوفة عليها. ﴿سَعْيَها:﴾ مفعول مطلق. وقيل: مفعول به، وهو ضعيف، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب حال من فاعل (سعى) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة لا محل لها، وهو أجود؛ لأن الغرض منها الاحتراس، كما رأيت في الشرح. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة فجملة:

стр. 3167

﴿أَرادَ..﴾. إلخ صلتها، والجملة الاسمية (أولئك..) إلخ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠)﴾ الشرح: ﴿كُلاًّ﴾ أي: كل واحد من الفريقين المذكورين. ﴿نُمِدُّ هؤُلاءِ:﴾ من يريد العاجلة. ﴿وَهَؤُلاءِ:﴾ من يريد الآخرة. ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أي: نرزقهما جميعا، ثم يختلف الحال بهما في المآل. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ أي: ممنوعا عن عباده. والمراد: بالعطاء: العطاء في الدنيا؛ إذ لا حظ للكافر في الآخرة، كما قال في الآية رقم [١٦] هود ﵇: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾ هذا؛ و ﴿عَطاءِ﴾ اسم مصدر، انظر الآية رقم [١٠]. الإعراب: ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به مقدم. ﴿نُمِدُّ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب بدلا من ﴿كُلاًّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿وَهَؤُلاءِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ عَطاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿عَطاءِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لفاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَطاءِ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه.. إلخ. ﴿مَحْظُوراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿رَبِّكَ،﴾ فلست مفندا، والرابط: الواو، وإعادة لفظ ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١)﴾ الشرح: ﴿اُنْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل عاقل يتأتى منه النظر، والتبصر. ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ:﴾ بعض الناس، ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ أي: في المال، والولد، والصحة، والجاه، وغير ذلك من أمور الدنيا. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً:﴾ إن التفاضل، والتفاوت في الآخرة أعظم منه في الدنيا؛ لأن التفاوت فيها بالجنة، ودرجاتها، أو بالنار، ودركاتها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. روي: أن قوما من أشراف قريش فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر-﵁، فخرج الإذن لبلال، وصهيب، ونحوهما، فشق على أبي سفيان، ذلك، فقال سهيل بن عمرو: إنما، أوتينا من قبلنا، إنهم دعوا، ودعينا، يعني: إلى الإسلام، فأسرعوا، وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر؛ لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر. انتهى. نسفي.

стр. 3168

الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من (نا) تقدم على صاحبه وعامله، وهو معلق للفعل قبله عن العمل. ﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَلْآخِرَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الآخرة): مبتدأ. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿أَكْبَرُ:﴾ مضاف، و ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ ويجوز اعتباره تمييزا، ويؤيده نصب ما بعده، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَكْبَرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿تَفْضِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿وَلَلْآخِرَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطفها يخل بالمعنى. وقيل: هي في محل نصب حال. ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢)﴾ الشرح: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ﴾ .. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: به أمته، أو كل أحد، وهو أولى. ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ أي: فتصير مذموما من قبل الملائكة، والمؤمنين مخذولا من الله تعالى، ومفهومه: أن المؤمن الموحد يكون ممدوحا منصورا. دليله قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حيث ذكر الخذلان في مقابلة النصر. قال الجمل: وحاصل ما ذكر في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعا، بعضها أصلي، وبعضها فرعي، وقد ابتدئت بالأصلي في قوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ وختمت به أيضا في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩]. انتهى نقلا عن شيخه، ثم قال: وفي زاده: لما بين الله: أنّ سعادة الآخرة منوطة بإرادتها، بأن يسعى سعيها، وبأن يكون مؤمنا؛ شرع في تفصيل هذه الأمور المجملة، فبدأ بشرح حقيقة الإيمان، وبيان ما هو العمدة فيه، وهو التوحيد، فقال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ، ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال؛ التي يكون من عمل بها ساعيا في الآخرة. انتهى. الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، ومع مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له. الفاء: للسببية. (تقعد): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَذْمُوماً مَخْذُولاً:﴾ حالان من فاعل تقعد المستتر، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك جعل مع الله إلها آخر فقعود... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لا تَجْعَلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى تفسير (تقعد) ب: «تصير» يكون فعلا ناقصا يرفع، وينصب.

стр. 3169

﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَقَضى رَبُّكَ:﴾ أمر وألزم وأوجب. وانظر الآية رقم [٤] وقرئ: «(وصّى)» و «(أوصى أن لا تعبدوا إلا إياه)». ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً:﴾ أمر الله سبحانه بعبادته، وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما:﴾ أو كلاهما: خص حالة الكبر؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر ممّا ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلاّ عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فذلك خصّ هذه الحالة بالذكر. ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، وعن أبي رجاء العطارديّ قال: الأفّ: الكلام والقذع الرديء الخفي. وقال مجاهد: معناه: إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر، فلا تقذرهما، وتقول: أف. وقال بعضهم: معنى: ﴿أُفٍّ:﴾ الاحتقار، والاستقلال، أخذ من الأفف، وهو القليل، وروي من حديث عليّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من (أفّ) لذكره، فليعمل البارّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل النّار، وليعمل العاقّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل الجنّة». ﴿وَلا تَنْهَرْهُما:﴾ النهر: الزجر، والغلظة. ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ أي: لينا لطيفا، مثل: يا أبتاه، ويا أماه من غير أن يسمّيهما، ويكنيهما. هذا؛ والمراد: بالوالدين: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم. وأيضا في لفظ (الأبوين) تغليب، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى. هذا؛ ويقرأ: «(يبلغانّ)» بتشديد النون المكسورة، وقرئ: (أف) بقراءات كثيرة. قال أبو البقاء العكبري-رحمه الله تعالى-فمن كسر؛ بناه على الأصل، ومن فتح؛ طلب التخفيف، مثل: رب، ومن ضم؛ أتبع، ومن نون؛ أراد التنكير، ومن لم ينون؛ أراد التعريف، ومن خفف الفاء؛ حذف أحد المثلين. وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿كِلْتَا﴾ في الآية التالية لها منها أيضا، وكذا شرح كلا. الإعراب: ﴿وَقَضى:﴾ الواو: حرف استئناف. (قضى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف تفسير. (لا): ناهية. ﴿تَعْبُدُوا:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، هذا؛ أو هي حرف مصدري ونصب، و (لا) نافية والفعل منصوب ب: (أن)،

стр. 3170

وأجيز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، والفعل مجزوم ب: (لا)، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. فعلى اعتبار (أن) مفسرة فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تفسير ل: (قضى)، وعلى اعتبارها مخففة فالجملة في محل رفع خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوف، وتؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر، كما تؤوّل على اعتبارها حرفا ناصبا بمصدر، والمصدر على التأويليين في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: قضى ربك بعدم عبادة غيره. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف التقدير: وأن تحسنوا بالوالدين، وهما في محل مفعول به، وعلامة الجر بالياء؛ لأنه مثنى.. إلخ، ﴿إِحْساناً:﴾ مفعول مطلق، والمصدر المؤول من «أن تحسنوا» معطوف على سابقه. ﴿إِمّا:﴾ أصلها: (إن ما) إن الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. ﴿يَبْلُغَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، وعلى قراءة «(يبلغانّ)» فهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿عِنْدَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِبَرَ:﴾ مفعول به. ﴿أَحَدُهُما:﴾ فاعل على القراءة الأولى، وبدل من ألف الاثنين على القراءة الثانية. وقيل: فاعل بفعل محذوف، وبعضهم يعتبر الألف حرفا دالا على التثنية، و ﴿أَحَدُهُما﴾ هو الفاعل، والمعتمد الأول: من الأوجه الثلاثة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كِلاهُما:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بالمثنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وقل فيما يأتي مثل ذلك، وجملة: ﴿يَبْلُغَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَقُلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿أُفٍّ:﴾ اسم فعل مضارع مبني على الكسر. وانظر، أوجه القراءات. وقيل: هو اسم بمعنى: تبّا، أو قبحا، والمعتمد الأول، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»؛ لأنه بمعنى: أتضجر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ معطوفة على جواب الشرط، ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَرِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب الشرط أيضا.

стр. 3171

﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ:﴾ تذلل للوالدين، وتواضع معهما تواضع الرعية للأمير، والعبيد للسادة. وضرب خفض الجناح، ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه للطيران، ففيه استعارة مكنية، فقد استعار الطائر للذل، ثم حذفه ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه استعارة تخييلية، ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل] وإذا المنيّة أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع حيث أثبت الأظفار للمنية، وهي لا ترى، ولا تشاهد على طريقة الاستعارة التخييلية. وأيضا قول لبيد-﵁: [الكامل] وغداة ريح قد كشفت وقرّة... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها فقد جعل للشمال يدا، وللقرة-أي: البرد-زماما على مثال ما رأيت. هذا؛ ويقرأ الذل بضم الذال وكسرها. هذا؛ والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: المؤمنون من أمته؛ إذ لم يكن له ﵇ في ذلك الوقت أبوان. هذا؛ ولم يذكر الذل في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده، وتنزيها له ﷺ من الذل، انظر الآية [٨٨] من سورة (الحجر). ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ:﴾ من فرط رحمتك، وشدة شفقتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، وهو الولد نفسه. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما﴾ أي: واسأل الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك، وشفقتك الفانيتين. ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيراً:﴾ خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما، وحنانا عليهما. تنبيه: لقد بين الله في هاتين الآيتين مكانة الأبوين في الإسلام، وقد، أوصى ببرهما، ورحمتهما، والإشفاق عليهما، فنهى الولد عن أمرين، وأمره بثلاثة تجاه والديه، نهاه عن التضجر منهما، ونهرهما، وأمره بالتواضع لهما، والتذلل بين أيديهما، وأن يقول لهما قولا لينا لطيفا، وأن يدعو لهما بالرحمة، والمغفرة لذنوبهما، وأن يعفو الله عنهما، ويدخلهما فسيح جنته، وقد وردت أحاديث شريفة تأمر ببرّ الوالدين، ومثلها تنهى عن عقوقهما، أكتفي منها بما يلي: عن عبد الله بن عباس-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «من أمسى، وأصبح مرضيا لوالديه؛ أمسى، وأصبح؛ وله بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن واحدا فواحدا، ومن أمسى وأصبح، مسخطا لوالديه؛ أمسى وأصبح، وله بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحدا فواحدا». فقال رجل: يا رسول الله! وإن ظلماه. قال: «وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه».

стр. 3172

وعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن أبي أخذ مالي. فقال: «ائتني بأبيك». فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، فقال: إنّ الله يقرئك السّلام، ويقول لك: إذا جاء الشيخ، فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه. فلما جاء فإذا هو شيخ يتوكأ على عصاه. قال له سيد الخلق وحبيب الحق: «ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟». فقال: يا رسول الله! إنه كان ضعيفا؛ وأنا قوي، وكان فقيرا؛ وأنا غني، وكنت لا أمنعه شيئا من مالي. واليوم أنا ضعيف، وهو قوي، وأنا فقير، وهو غني، ويبخل علي بماله، فقال رسول الله ﷺ : «إيه دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك؟». فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما زال الله يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: «قل وأنا أسمع». قال قلت: [الكامل] غذوتك مولودا ومنتك يافعا... تعلّ بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالسّقم لم أبت... لسقمك إلاّ ساهرا أتململ كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي... طرقت به دوني، وعيني تهمل تخاف الرّدى نفسي عليك وإنّها... لتعلم أنّ الموت وقت مؤجّل فلما بلغت السنّ والغاية التي... إليها مدى ما كنت منك أؤمّل جعلت جزائي غلظة وفظاظة... كأنك أنت المنعم المتفضّل فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي... فعلت كما الجار المجاور يفعل فأوليتني حقّ الجوار، ولم تكن... عليّ بمال دون مالك تبخل وسمّيتني باسم المفنّد رأيه... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل فبكى النبي ﷺ . وقال: «ما من حجر، ولا مدر يسمع بهذا إلا بكى». ثم أخذ بتلابيب الابن. وقال: «أنت، ومالك لأبيك». بعد هذا أما الإحسان إلى الوالدين؛ فيعرفه كل واحد من الناس بفطرته، وهو أن يقوم المرء بخدمتهما، وأن لا يرفع صوته عليهما، وأن لا يغلظ في الكلام لهما، وأن يسعى في تحصيل مطالبهما، والإنفاق عليهما بقدر سعته. نعم إن البر بالوالدين أمر عظيم حث عليه الشرع الشريف واستحسنه الذوق، والطبع، ولكنهما كما تعلم ليسا في الدرجة سواء، فإن الأم قد كابدت في سبيلك، وتعبت أكثر من تعب الوالد وجهاده أضعافا مضاعفة. لذا كانت جديرة ببر أعظم، وعطف أكبر، لذا جاء التنبيه عليها بقوله تعالى بعد أن أجمل الوصية بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ﴾ سورة (لقمان) رقم [١٤] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ سورة (الأحقاف): رقم [١٥].

стр. 3173

الإعراب: ﴿وَاخْفِضْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿جَناحَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والذل مضاف إليه. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿جَناحَ الذُّلِّ،﴾ وجملة: ﴿وَاخْفِضْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى. وانظر تفصيله في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿اِرْحَمْهُما:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿رَبَّيانِي:﴾ ماض، والألف فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿صَغِيراً:﴾ حال من ياء المتكلم، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ارحمهما رحمة كائنة مثل تربيتهما لي في حال صغري، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة معينة، وهذا ليس منها. تأمل. هذا؛ وقيل: الكاف للتعليل، مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ فيكون التقدير: ارحمهما لأجل تربيتهما لي. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً (٢٥)﴾ الشرح: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أي: من بر الوالدين، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير وعدم عقوقهما. ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أي: أبرارا صادقين في برهما وطاعتهما. وقيل: قاصدين الصلاح والبر بعد تقصير في حقهما، أو فرط منكم في حال الغضب، أو عند حرج الصدر، وما لا يخلو منه البشر ممّا يؤدي إلى أذاهما، ثم أنبتم، واستغفرتم. ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ﴾ أي: للرجاعين، والتوابين. ﴿غَفُوراً:﴾ يغفر لهم ما فرط منهم في حق أبويهم من تقصير، أو إيذاء، فقد وعد الله بالغفران بشرط الصلاح. قال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-الأواب: هو العبد يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب. وقال ابن عباس-﵄: الأواب: هو الذي إذا ذكر خطاياه؛ استغفر منها. وقال عون العقيلي: الأوابون: هم الذين يصلون صلاة الضحى، يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم-﵁-قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء، وهم يصلون الضحى، فقال: «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال». أخرجه مسلم. يريد: ارتفاع الشمس وقت الضحى. وقيل: الأواب: الذي يصلي بين المغرب، والعشاء. هذا؛ وقد ذكر الحافظ المنذري أحاديث كثيرة ترغب في الصلاة بين هذين الوقتين.

стр. 3174

الإعراب: ﴿رَبُّكُمْ﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، وهو بمعنى: عالم، فاعله مستتر فيه. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿فِي نُفُوسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، وهو ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿صالِحِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ﴾. ﴿لِلْأَوّابِينَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿غَفُوراً:﴾ خبر كان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ:﴾ بعد أن أمر الله تعالى ببر الوالدين أمر بإيتاء القرابات حقوقهم من صلة الرحم، والمودة، والزيارة، وحسن المعاشرة، والمعاونة في الضراء، والمؤالفة في السراء، والمعاضدة، ونحو ذلك. هذا؛ وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يلزم الموسر نفقة أقاربه المعسرين؛ لأنه يورث ذوي الأرحام بعضهم بعضا. وأما الشافعي-رحمه الله تعالى-فلا يلزم النفقة إلا إلى الفروع والأصول، ولا يرى توريث ذوي الأرحام. هذا؛ وقيل: إن الخطاب للنبي ﷺ أمره ربه أن يؤتي أقاربه حقوقهم من بيت المال، ويكون خطابا للولاة، أو من قام مقامهم. وانظر الآية رقم [٩٠] من سورة (النحل). ﴿وَالْمِسْكِينَ:﴾ هو الذي لا يقوم دخله بكفايته، وهو أحسن حالا من الفقير عند الشافعي، والعكس عند أبي حنيفة، وخذ تعريفه فيما يلي: عن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللّقمة واللقمتان، والتمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس». رواه البخاري ومسلم. (ابن السبيل) أي: ابن الطريق المنقطع في سفره، ونفد ماله بأية طريقة كانت، فقد أمر الله الموسرين أن يعطوه ما يوصله بلده، ولو كان من أغنى الأغنياء في وطنه. ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ أي: لا تسرف في إنفاق المال بغير حق. قال الشافعي-﵁-التبذير: إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. وقيل: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق؛ لم يكن مبذرا، ولو أنفق درهما، أو مدا في باطل؛

стр. 3175

كان مبذرا. والحق أن الآية رقم [٢٩] الآتية، والآية رقم [٦٧] من سورة (الفرقان) هما الدستور، والميزان للإنفاق. هذا؛ وخص الله هذه الثلاثة بالذكر هنا من بين الأصناف الثمانية المذكورة في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)؛ لأنه جلت قدرته أراد هاهنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواء أكان زكويا، أو لم يكن؟ وسواء أكان قبل الحول أم لم يكن؟ لأن المقصود هنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، وإن لم يكن مالكا للنصاب، والفقير داخل في المسكين؛ لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا، وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم. وقدم القريب؛ لأن دفع حاجته واجب، سواء أكان في مخمصة، أو لم يكن، فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع، فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع، وهو ابن السبيل. انتهى. جمل نقلا عن كرخي من سورة (الروم). وينبغي أن تعلم أن ﴿ذَا﴾ بمعنى: صاحب، ويجمع جمع تكسير: (ذوين، وذوون) وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه (أولون، وأولين) وهو كثير مثل: أولو الألباب. الإعراب: ﴿وَآتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آت): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ذَا:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذَا:﴾ مضاف، و ﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَقَّهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، أو فاعله. ﴿وَالْمِسْكِينَ:﴾ معطوف على المفعول الأول، و ﴿وَابْنَ:﴾ معطوف عليه أيضا، و (ابن): مضاف، و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه وقد حذف المفعول الثاني: من كليهما، فإن التقدير: وآت المسكين حقه، وآت ابن السبيل حقه. وهذا مذكور في الآية رقم [٣٨] من سورة (الروم)، وجملة: ﴿وَآتِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطفها على جملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ لا بأس به، فتكون الآية: ﴿رَبُّكُمْ..﴾. إلخ كلاما معترضا بين المتعاطفين، وجملة: ﴿وَلا تُبَذِّرْ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿تَبْذِيراً﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي: أمثالهم في الشر، والفساد؛ إذ التضييع، والإتلاف للأموال بغير حق شر، أو هم أصدقاء الشياطين، وأتباعهم؛ لأنهم يطيعونهم في

стр. 3176

التبذير، والصرف في المعاصي، فقد كانوا ينحرون الإبل، ويقامرون بلحومها، ويبذلون أموالهم في حب السمعة، والشهرة، ويتباهون، ويتفاخرون في السخاء، والكرم، كما حصل لجد الفرزدق، ولمن باراه في ذلك. هذا؛ و (الإخوان) هنا جمع: أخ من غير النسب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ أي: جاحدا فضل الله تعالى، مبالغا في الكفر، فلا ينبغي أن يطاع؛ لأنه يدعو إلى مثل عمله. تنبيه: الإسراف، والتبذير يجريان في إنفاق المال في غير حق، وفي كل شيء خرج عن حد الطاعة، والقدرة، والحاجة من طعام، وشراب، ولباس وغير ذلك، فعن النبي ﷺ : أنه قال لسعد بن أبي وقاص-﵁-وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أوفي الوضوء سرف؟ قال: نعم؛ وإن كنت على نهر جار. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُبَذِّرِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِخْوانَ:﴾ خبر (كان) وهو مضاف، و ﴿الشَّياطِينِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان): ماض ناقص. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم (كان). ﴿لِرَبِّهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَفُوراً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو الأقوى فيما يظهر. تأمل. ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨)﴾ الشرح: في الآية الكريمة خطاب للنبي ﷺ ، وفيها تأديب عجيب، وقول لطيف بديع؛ إذ المعنى: لا تعرض عن السائلين من ذوي القربى، والمساكين، وأبناء السبيل إعراض مستهين بهم عن ظهر الغنى، والقدرة، فتحرمهم، وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض، وفقر يعوق، وأنت من ذلك ترجو من الله-سبحانه، وتعالى-فتح أبواب الخير؛ لتتوصل به إلى مواساتهم، وإعطائهم، فإن لم تجد فقل لهم قولا لينا جميلا، وعدهم وعدا تطيب به نفوسهم، وادع لهم دعاء تنشرح به صدورهم، مثل: أغناكم الله ورزقنا الله وإياكم، وآية البقرة رقم [٢٦٣] فيها هذا الأدب، والقول اللطيف البديع إذا ألح السائل بالسؤال، وهي: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾ ولقد أحسن من قال: [البسيط] إلاّ يكن ورق يوما أجود بها... للسّائلين فإنّي ليّن العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي... إمّا نوالي وإمّا حسن مردودي

стр. 3177

قال الخازن رحمه الله تعالى: نزلت في مهجع، وبلال، وصهيب، وسالم، وخباب، كانوا يسألون رسول الله ﷺ في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياء منهم، ويمسك عن القول، ومعنى: ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها:﴾ توقع مال، وانتظار رزق من الله يأتيك به. وانظر شرح «القول» في الآية [١٦]. الإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ هي (إن) الشرطية مدغمة في (لا) الزائدة. ﴿تُعْرِضَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والنون حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و ﴿رَحْمَةٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز تعليقهما بالفعل بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تَرْجُوها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وها: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها صفة ل: ﴿رَحْمَةٍ﴾ والجملة الفعلية: ﴿تُعْرِضَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله: أنت. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مَيْسُوراً:﴾ صفة، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩)﴾ الشرح: في الآية الكريمة مجاز عبر به سبحانه عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله، فضرب له مثل الغل الذي يمنع من التصرف باليد، كما ضرب بسط اليد مثلا لذهاب المال، فإن قبض اليد بحبس ما فيها، وبسطها يذهب ما فيها، وهذا خطاب للنبي ﷺ ، وفيه تعليم لأمته إلى يوم القيامة. فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: (أتى صبيّ إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنّ أمي تستكسيك درعا، ولم يكن له إلاّ قميصه، فقال للصّبيّ: «من ساعة إلى ساعة يظهر كذا، فعد إلينا وقتا آخر». فعاد إلى أمّه، فقالت له: قل له: إنّ أمي تستكسيك الدّرع الذي عليك، فدخل رسول الله ﷺ داره، ونزع قميصه، وأعطاه، وقعد عريانا، فأذّن بلال بالصلاة، وانتظره، فلم يخرج، فشغل قلوب أصحابه، فدخل عليه بعضهم، فرآه عريانا، فأنزل الله هذه الآية). انتهى. خازن. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن أبي هريرة-﵁. قال: ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديّهما

стр. 3178

وتراقيهما، فجعل المتصدق كلّما تصدّق بصدقة؛ انبسطت عنه حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت، وأخذت كلّ حلقة بمكانها. قال أبو هريرة-﵁: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعيه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تتوسّع؛ أي: لعجبت. انتهى. قرطبي. ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: فتعطي كل ما عندك. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ أي: فقيرا ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف، وسوء التدبير. ﴿مَحْسُوراً﴾ أي: منقطعا لا شيء عندك تنفقه. من: حسره السفر: إذا بلغ منه. وقيل: المعنى نادما على ما فرط منك متحسرا. قال القرطبي: وفيه بعد؛ لأن اسم الفاعل من الحسرة: حسر، وحسران، ولا يقال: محسور. والله أعلم بمراده. هذا؛ وانظر الآية رقم [٦٧] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿مَغْلُولَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿إِلى عُنُقِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَغْلُولَةً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَجْعَلْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَقُلْ لَهُمْ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَبْسُطْها:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل: أنت، و (ها): مفعول به، ﴿كُلَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و ﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و ﴿الْبَسْطِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَقْعُدَ:﴾ الفاء: الفاء السببية. (تقعد): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَلُوماً:﴾ حال من الفاعل المستتر، وإن اعتبرت الفعل ناقصا بمعنى: تصير، فالمستتر اسمه و ﴿مَلُوماً﴾ خبره. ﴿مَحْسُوراً:﴾ حال ثانية، أو خبر ثان، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك بسط ليدك فقعود ملوما محسورا. تأمل، وتدبر. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ:﴾ يوسع الرزق لمن يشاء الله التوسيع عليه، ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يضيق الرزق، ويقلله على من يشاء من عباده. ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي: ذو خبرة بعباده، ومن الذي يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، ومن الذي يصلحه الضيق، والإقتار في الرزق، ومن الذي يهلكه ذلك. ﴿بَصِيراً:﴾ هو ذو بصر، ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه، لفسد. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المبذر، فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الإنفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فهو لا يقدر على التصرف في شيء، وشبه

стр. 3179

حال المبذر بحال من يبسط يده كل البسط، فلا يبقى على شيء في كفه، ولا يدخر شيئا بنفعه في حال الحاجة، ليخلص إلى نتيجة مجدية، وهي: الاقتصاد في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى؛ لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها، وغلها أبلغ في القبض، وخذ قول أبي تمام في مدح المعتصم العباسي: [الطويل] تعوّد بسط الكفّ حتى لو انّه... ثناها لقبض لم تطعه أنامله هذا؛ و ﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم تأتي على أوجه: بمعنى: الأزل، والأبد، وبمعنى: المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى: الحال، وبمعنى: الاستقبال، وبمعنى: «صار» وبمعنى: «ينبغي» وبمعنى: «حضر» أو «وجد» وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى: الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة. وإلى أبد الآبدين في الدنيا، والآخرة. هذا؛ وقد قال بعض المفسرين: في الآية تسلية للنبي ﷺ . الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم إن، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَبْسُطُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذا التقدير: للذي، أو لشخص يشاؤه، وجملة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، والنهي السابقين، وجملة: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. وانظر مثل إعراب: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٣] والجار والمجرور: ﴿بِعِبادِهِ﴾ متعلقان بأحد الاسمين بعدهما على التنازع. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ:﴾ خوف الفقر، والفاقة، وأملق الرجل؛ أي: لم يبق له إلا الملقات، وهي الحجارة العظام الملس. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ:﴾ هذا؛ وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ والفرق بينهما: أن ما هنا نهي للموسرين عن قتل الأولاد خشية وقوع الفقر بهم، وأن ما هناك نهي للمعسرين الفقراء عن قتل الأولاد من أجل فقر نازل بهم. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً:﴾ إثما كبيرا يستوجب الخلود في جهنم. هذا؛ ويقرأ: ﴿خِطْأً﴾ بقراءات كثيرة. تنبيه: قتل الأولاد كان عملا فاشيا عند العرب قبل الإسلام، ولكن يرد هنا سؤال، هل كان قتل الأولاد يقتصر على قتل البنات، أم يتعدى إلى الذكور؟ المشهور: أن عامتهم كانوا يكرهون

стр. 3180

البنات. انظر ما ذكرته في الآيات الثلاث، رقم [٥٧] وما بعدها من سورة (النحل) تجد ما يسرك، وأما قتل الذكور، فكان قليلا جدا، لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر المدقع؛ لأنهم كانوا يتكثّرون بالذكور، ويعتزّون بهم، كما هو معروف، ومشهور. تنبيه: يكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير، والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة، فهو مكروه كراهة شديدة، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ : «العزل الوأد الخفيّ». وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على الزوجة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، وأما إسقاطه بعد نفخ الروح فيه، فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ الآية رقم [٩٣] من سورة (النساء). الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقْتُلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوْلادَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خَشْيَةَ:﴾ مفعول لأجله، و ﴿خَشْيَةَ:﴾ مضاف، و ﴿إِمْلاقٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: خشيتكم الإملاق. وجملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَرْزُقُهُمْ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن» والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، وجملة: ﴿نَرْزُقُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ تعليل للنهي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿قَتْلَهُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: إن قتلكم إياهم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى قتلهم. ﴿خِطْأً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة ﴿خِطْأً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، وفيها معنى التأكيد لما قبلها. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى:﴾ نهي عن قربان جريمة الزنى، فضلا عن اقترافها، والقاعدة: أن الأحكام إذا كانت نواهي، يقال فيها: ﴿فَلا تَقْرَبُوها،﴾ كما في هذه الآية، وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ وهكذا. وإن كانت، أوامر، يقال فيها: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ أي: لا تتجاوزوها بأن

стр. 3181

لا تفعلوا، وما هنا من قبيل الأول، والآية الأخرى من قبيل الثاني، فكلّ جاء على ما يليق به وهو أبلغ من: لا تأتوه؛ لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى، كاللمس، والقبلة، والنظرة، والغمزة بالمنطوق، وعن الزنى بمفهوم الأولى. ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ أي: فعلة قبيحة زائدة على حد القبح. ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ أي: بئس الطريق طريقة الزنى، وهو من الكبائر باتفاق جميع علماء المسلمين، لم تبحه شريعة من الشرائع، ولا ديانة من الديانات، وهو يشتمل على أنواع من المفاسد، منها: المعصية، وإيجاب الحد على نفسه، ومنها اختلاط الأنساب، فلا يعرف الرجل ولد من هو، وقد يلقى ولد الزنى في الطرقات، فلا يقوم أحد بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل، وهذا يسبب خراب العالم. هذا؛ والزنى يكتب بالياء؛ لأنه مصدر زنى يزني، ويكتب بالألف على أنه اسم مقصور من الزناء بالمد، ويقول: هو زان بين الزنا، والزناء بالمد والقصر. قال الفرزدق: [الطويل] أبا حاضر من يزن يعلم زناؤه... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا وقال الفراء: المقصور من زنى، والممدود من زانى، يقال: زاناها مزاناة، وزناء. هذا؛ وقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الزناة، والزواني، وتبشرهم بالعذاب الأليم والعقاب الشديد، فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن... إلخ». الحديث. رواه البخاري، ومسلم، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء؛ فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب ردّ عليه». رواه البيهقي وعن أبي قتادة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قعد على فراش مغيّبة قيّض الله له ثعبانا يوم القيامة». رواه الطبراني. وعن المقداد بن الأسود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزّنى؟» قالوا: حرام حرّمه الله، ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال: «لأن يزني الرّجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره... إلخ». الحديث رواه أحمد، والطبراني، وهذا النكير يشمل الذكر، والأنثى على السواء، كما أنّ الترغيب في العفة والجزاء الحسن يشملهما، وخذ قول الشافعي-﵁: [الكامل] عفّوا تعفّ نساؤكم في المحرم... وتجنّبوا ما لا يليق بمسلم إنّ الزّنى دين فإن أقرضته... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم يا هاتكا حرم الرجال وقاطعا... سبل المودّة عشت غير مكرّم لو كنت حرّا من سلالة طاهر... ما كنت هتّاكا لحرمة مسلم من يزن يزن به، ولو بجداره... إن كنت يا هذا لبيبا فافهم

стр. 3182

الإعراب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا:﴾ انظر: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾. ﴿الزِّنى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَساءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ساء): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسره التمييز، وهو ﴿سَبِيلاً،﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: ذلك الفعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف معطوف على خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: ومقولا فيه: ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ نهي عن قتل النفس بغير حق، وقتلها بحق يكون بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل شخص عمدا معصوم بالإيمان، فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». رواه الستة ما عدا ابن ماجة. ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ أي: بغير سبب يوجب القتل. ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ:﴾ للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث لماله، فهو يرث دمه أيضا. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيقتضي ذلك إثبات القود لسائر الورثة. ﴿سُلْطاناً﴾ أي: تسليطا، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. وانظر الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل). ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ:﴾ فيه ثلاثة أقوال: لا يقتل غير قاتله، لا يقتل بدل وليه اثنين، لا يمثل بالقاتل إذا تمكن الولي من قتله، وقد كان العرب في الجاهلية يفعلون الأمور الثلاثة، ولا تزال آثار الجاهلية فاشية في هذا الزمن، وعلى الأكثر عند أعراب البادية. ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً:﴾ الضمير إما للمقتول، فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتل قاتله، وفي الآخرة بالثواب العظيم، وإما لوليه، فإن الله نصره حيث، أوجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته بالوصول إلى حقه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه، قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة، واستيفائها أخرى، وبمجموعهما ثالثة، فأيها كان؛ فهو نصر

стр. 3183

من الله تعالى. انتهى. هذا؛ ويقرأ: «(فلا تسرف)» بالخطاب إلى الولي، وقرئ: «(فلا تسرفوا)» بالخطاب لأولياء المقتول، أو للحكام، وعلى هاتين القراءتين يكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل). هذا؛ وقد وردت أحاديث شريفة كثيرة تحذر من قتل النفس بغير حق، وتتوعد بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم من اقتراف جريمة القتل، وذلك إلى جانب الآيات القرآنية الكثيرة المعروفة، فعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة-﵄-عن رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في النار». رواه الترمذي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله». رواه ابن ماجة، والأصبهاني. وعن أبي سعيد ﵁-عن النبي ﷺ قال: «يخرج عنق من النار يتكلّم، يقول: وكّلت اليوم بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير حقّ، فينطوي عليهم، فيقذفهم في حمراء جهنّم». رواه أحمد. ولم يبح الإسلام دماء غير المسلمين، بل حفظها، ونهى عن الاعتداء عليها بغير حق، بل وشدد النبي ﷺ النكير على من ينتهك حرمتها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما». رواه البخاري. وعن أبي بكرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل معاهدا في غير كنهه حرّم الله عليه الجنة». رواه أبو داود، والنسائي، ومعنى: في غير كنهه: في غير وقته الذي يجوز قتله فيه حين لا عهد له. وما ذكرته قليل من كثير. الإعراب: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ:﴾ انظر الآية [٣١] ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿النَّفْسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: التي حرمها الله. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿(لا تَقْتُلُوا)﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: إلا ملتبسين بالحق، وجملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قُتِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل يعود إلى (من). ﴿مَظْلُوماً:﴾ حال من نائب الفاعل. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِوَلِيِّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول به أول، والثاني: قوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ ولو قيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال؛ لكان أجود، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وإن

стр. 3184

اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة بعدها صلتها، وهي مبتدأ، والخبر جملة: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا..﴾. إلخ وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿يُسْرِفْ:﴾ مضارع مجزوم بها، والفاعل يعود إلى الولي. ﴿فِي الْقَتْلِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا للولي؛ فلا يسرف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ لا محل لها؛ لأنها تعليل للنهي، والكلام ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً..﴾. إلخ معترض بين المتعاطفين. ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ أي: فضلا عن أن تتصرفوا فيه بالأكل والاستيلاء عليه. وانظر الآية [٣٢]. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:﴾ إلا بالطريقة التي هي أحسن، وهي صلاحه وتثميره، وتحصيل الربح له، وهذا إذا كان القيم على مال اليتيم غنيا غير محتاج إليه، فلو كان الوصي، أو القيم فقيرا، فله أن يأكل بالمعروف. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ:﴾ فقد اختلف في الأشد على أقوال كثيرة، والمراد: بالأشد في هذه الآية وأمثالها هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ هذا؛ وتخصيص اليتيم بالذكر بالنهي عن أكل ماله، مع أن حال البالغ وماله كذلك؛ لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفه، ولعظم إثمه، ولأن البالغ يستطيع الدفاع عن ماله ما أمكنه؛ لذا فقد عد الرسول ﷺ أكل مال اليتيم من السبع الموبقات. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة ﵁-عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وعن أبي برزة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجّج أفواههم نارا». فقيل من هم يا رسول الله؟! قال: «ألم تر أنّ الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً»﴾. رواه أبو يعلى، وهذه الآية هي رقم [١٠] من سورة (النساء)، انظرها، ففيها بحث جيد يسرّك. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي: بما عاهدكم الله به من تكاليفه، وأوامره، ونواهيه، أو ما عاهدتموه عليه، وقطعتموه على أنفسكم من نذر، ونحوه، أو عاهدتم أحدا من الناس. وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ أي: مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه، ويفي به، أو مسئولا عنه، يسأل الناقض للعهد، ويعاقب عليه، أو يسأل

стр. 3185

العهد نفسه لم نكثت؟ تقريعا وتوبيخا للناكث على حدّ قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وذلك على طريق الاستعارة بالكناية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده، ونسبة السؤال إليه تخييل. انتهى. جمل. وأما ﴿الْيَتِيمِ﴾ فهو من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، وقد يغلب أن يكون المراد: من فقد معيله من بني آدم، والأم من الحيوانات والطيور، وهناك يتيم العقل، والأدب، والتربية، والخلق، والدين. وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الخمسين، والستين، ويملك من الأموال الملايين، ورحم الله من قال: [البسيط] ليس اليتيم الذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب وخذ قول الآخر: [الكامل] ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا إنّ اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت، أو أبا مشغولا هذا؛ وقد وردت أحاديث شريفة كثيرة توصي باليتيم، وتحث على الإحسان إليه، سأعرض لها في مناسبة أخرى تأتي بعد إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ:﴾ انظر: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ في الآية [٣١] ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي: لا تقربوه في حال من الأحوال، إلا بحال إصلاحه، وتثميره، ويجوز تعليقهما بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى ﴿الْيَتِيمِ﴾. ﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَوْفُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون.. إلخ والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ تعليل للأمر، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى وقد تقدم مثلها، ومتعلق: ﴿مَسْؤُلاً﴾ محذوف، التقدير: مسئولا عنه، وتقديره مقدما أولى؛ ليجري فيه إعراب الآية الآتية برقم [٣٦]. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ:﴾ إذا كلتم؛ أي: أتموا الكيل للناس إذا كلتم لهم، وأعطوهم حقوقهم كاملة. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي: بالميزان السوي صغيرا كان، أو كبيرا. قيل:

стр. 3186

هو رومي. وقيل: سريانيّ عرّب، والأصح: أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل. قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي: أجمل وأسلم عاقبة، ومآلا، فهو من: آل، يؤول بمعنى: رجع، يرجع. وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، وإعلال ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ مثل إعلال (مقيم) في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. تنبيه: اعلم: أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل، والميزان وقت الإعطاء، وزيادتهما وقت الأخذ شيء قليل، والوعيد المذكور في سورة (المطففين) وغيرها شديد عظيم، فوجب الاحتراز عنه، وإنما عظم الوعيد فيه؛ لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات، والبيع، والشراء، فالشارع الحكيم بالغ في المنع في التطفيف، والنقصان سعيا وحرصا على صحة المعاملات، ولا تنس: أن الله أهلك قوم شعيب بسبب هذه الجريمة مقرونة بالشرك، وعبادة غير الله تعالى. هذا؛ وأضيف: أن الله جلت قدرته قد قال في سورة (الأنعام) بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ وذلك لأن إيفاء الحق عسير، فكأنه تعالى يقول: عليكم بما في وسعكم، وطاقتكم، وما عداه غير مؤاخذين به، وخذ ما يلي: قال الحسن-رحمه الله تعالى-: ذكر لنا: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه، ليس لديه إلاّ مخافة الله تعالى؛ إلاّ أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك». انتهى. قرطبي. فعن عبد الله بن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والوزن: «إنّكم قد ولّيتم أمرا، فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم». رواه الترمذي، وفي حديث آخر مشهور: «ولم ينقصوا المكيال، والميزان، إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السلطان عليهم». الإعراب: ﴿وَأَوْفُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون.. إلخ. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر)، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وهو أولى من اعتبارها شرطية محذوفة الجواب. ﴿كِلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. وأيضا جملة: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ معطوفة عليها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾ معطوف عليه. ﴿تَأْوِيلاً:﴾ تمييز لأحدهما على التنازع، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.

стр. 3187

﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: لا تتبع ما لا تعلم، ولا يعنيك. قال قتادة- رحمه الله تعالى-: لا تقل: رأيت؛ وأنت لم تر، وسمعت؛ وأنت لم تسمع، وعلمت؛ وأنت لم تعلم. وأصل (القفو): البهت، والقذف بالباطل، ومنه قول النبي ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا، ولا ننتفي من أبينا». أي: لا نسبّ أمنا. وقال الكميت: [الوافر] فلا أرمي البريء بغير ذنب... ولا أقفو الحواصن إن قفينا وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور، والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة، والرديئة. فعن شكل بن حميد-﵁-قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به. قال: فأخذ بيدي، ثم قال: قل: «أعوذ بك من شرّ سمعي، وشرّ بصري، وشرّ فؤادي، وشرّ لساني، وشرّ قلبي، وشرّ منيّي». قال: فحفظتها. أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب. ولا تنس: أن النهي موجه إلى النبي ﷺ ، والمراد: به أمته بلا شك. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ أي: كل هذه الأعضاء تسأل يوم القيامة، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه، واعتقده، والسمع عما سمع، والبصر عما رأى. وقيل: يسأل الإنسان عما حواه سمعه، وبصره، وفؤاده، والأول: أبلغ في الحجة، وأشد في التقريع، والخزي، والذل. قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هذا؛ وقد جمع هذه الأعضاء بأولئك، وهو يغلب في العقلاء، فأجريت مجراهم؛ لأنها مسئولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها، وحكى الزجاج: أن العرب تعبر عما يعقل، وعما لا يعقل ب: «أولئك»، وأنشد هو والطبري قول جرير: [الكامل] ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأيام الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْفُ:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ليس مقدم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من علم. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو

стр. 3188

صفتها، والعائد، أو الرابط: هو الضمير المجرور محلا بالباء، وجملة: ﴿وَلا تَقْفُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السَّمْعَ:﴾ اسمها. ﴿وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ:﴾ معطوفان على السمع. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى كل واحد من البشر، أو إلى كل واحد من الجوارح المذكورة، أو إلى المكلف، انظر الشرح. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. وقيل: متعلقان بنائب فاعله، وهو مردود؛ لأن الفاعل، ونائبه لا يتقدمان، لذا فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ما عاد إليه المضمر في ﴿كانَ﴾ وهو المفعول الأول، وهذا كله فحوى كلام ابن هشام في مغنيه. ﴿مَسْؤُلاً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والرابط: اسم الإشارة العائد إلى السمع، والبصر، والفؤاد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ ﴿مَرَحاً:﴾ بفتح الراء وكسرها، والأول: أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ أي: لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك. والمعنى أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا، كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال، لا يحصل على شيء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: في الآية خطاب للنبي ﷺ ، والمراد: به أمته على مثال ما تقدم، وفيها نهي عن الكبر، والتكبر، والخيلاء، وقد نهى الله عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين: أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهدى. قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. والرسول ﷺ شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته لقي الله ﵎، وهو عليه غضبان». رواه الطبراني في الكبير. وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلّة، تعجبه نفسه، مرجّل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». رواه الشيخان. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من تواضع لله درجة؛ يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى علّيّين، ومن تكبّر على الله درجة؛ يضعه الله درجة حتى

стр. 3189

يجعله في أسفل سافلين، ولو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، ليس عليها باب، ولا كوّة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». رواه ابن ماجة وابن حبان. وعن ابن عباس-﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله جل وعلا: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار». رواه ابن ماجة، وخذ قول الشاعر: [الطويل] تواضع تكن كالنجم لاح لناظر... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدّخان يعلو بنفسه... إلى طبقات الجوّ، وهو وضيع وخذ قول الآخر: [الطويل] ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا... فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عزّ وحرز ومنعة... فكم مات من قوم هم منك أمنع الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمْشِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنت». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَحاً:﴾ نائب مفعول مطلق، أو هو حال من الفاعل المستتر على حذف المضاف، التقدير: ذا مرح. وقال أبو البقاء: مفعول لأجله، وليس بالقوي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَخْرِقَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿طُولاً:﴾ تمييز محول عن الفاعل، التقدير: ولن يبلغ طولك الجبال، أو هو محول عن المفعول مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ فيكون التقدير: ولن تبلغ طول الجبال، وهو أولى، وأجاز أبو البقاء اعتباره حالا من الفاعل، أو المفعول، ومفعولا مطلقا من معنى ﴿تَبْلُغَ﴾ والأول: أولى. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨)﴾ الشرح: ﴿كُلُّ ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة فيما تقدم، واسم الإشارة: ﴿ذلِكَ﴾ يصلح للواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿كانَ سَيِّئُهُ:﴾ المراد منه: المنهي عنه فيما تقدم، وأما المأمور به، فلا يكون سيئا. هذا؛ وقرئ «(سيئة)» والقراءتان سبعيتان. ﴿مَكْرُوهاً:﴾ مبغوضا محرما معاقبا عليه، والمراد: به المنهيات، وعلى قراءة: «(سيئة)» يكون قد راعى فيه معنى ﴿كُلُّ﴾ وفي: ﴿مَكْرُوهاً﴾ يكون راعى لفظها. وهو التذكير.

стр. 3190

الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ. وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿سَيِّئُهُ:﴾ اسم كان، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَكْرُوهاً،﴾ و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَكْرُوهاً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة: «(سيئة)» بالنصب فهو خبر كان، واسمها ضمير مستتر يعود إلى ﴿كُلُّ ذلِكَ،﴾ ويكون ﴿مَكْرُوهاً﴾ بدلا من (سيئة) أو صفة لها محمولة على المعنى، فإنها بمعنى: سيئا؛ ويجوز أن ينتصب على الحال من اسم ﴿كانَ﴾ المستتر، أو من الضمير المستتر في الظرف، على أنه متعلق بمحذوف صفة (سيئة). ﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ مِمّا..﴾. إلخ: الإشارة إلى هذه الآداب، والقصص، والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة؛ التي نزل بها جبريل الأمين-﵇-على قلب سيد المرسلين ﷺ ، والأحكام المذكورة شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان، والملل، لا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحكمة بهذا الاعتبار، وكرر سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ..﴾. إلخ للتنبيه على أنّ التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإنّ من لا إيمان له بالله لا يقبل منه عمله، ومن قصد بفعله، أو تركه غير الله ضاع سعيه، وخاب أمله. و ﴿مَلُوماً:﴾ تلوم نفسك على اتخاذك إلها غير الله، وهذا في الآخرة. وانظر الآية رقم [٢٩]. ﴿مَدْحُوراً:﴾ مطرودا، ومبعدا من رحمة الله. وانظر الآية رقم [١٨]. هذا؛ وقد قال الخازن: والفرق بين المذموم والملوم، أما كونه مذموما: فمعناه: أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح، ومنكر، فهذا معنى كونه مذموما، يقال له: لم فعلت هذا الفعل القبيح؟ وما الذي حملك عليه؟ وهذا هو اللوم. والفرق بين المخذول، والمدحور: أن المخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو المبعد المطرود عن كل خير. انتهى. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) للتبعيض، فهي تفيد: أن الموحى إلى النبي ﷺ في هذه السورة قليل من كثير، وهو الواقع، والحق. ﴿أَوْحى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من
следующие страницы →