← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

هو رومي. وقيل: سريانيّ عرّب، والأصح: أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل. قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي: أجمل وأسلم عاقبة، ومآلا، فهو من: آل، يؤول بمعنى: رجع، يرجع. وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، وإعلال ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ مثل إعلال (مقيم) في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. تنبيه: اعلم: أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل، والميزان وقت الإعطاء، وزيادتهما وقت الأخذ شيء قليل، والوعيد المذكور في سورة (المطففين) وغيرها شديد عظيم، فوجب الاحتراز عنه، وإنما عظم الوعيد فيه؛ لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات، والبيع، والشراء، فالشارع الحكيم بالغ في المنع في التطفيف، والنقصان سعيا وحرصا على صحة المعاملات، ولا تنس: أن الله أهلك قوم شعيب بسبب هذه الجريمة مقرونة بالشرك، وعبادة غير الله تعالى. هذا؛ وأضيف: أن الله جلت قدرته قد قال في سورة (الأنعام) بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ وذلك لأن إيفاء الحق عسير، فكأنه تعالى يقول: عليكم بما في وسعكم، وطاقتكم، وما عداه غير مؤاخذين به، وخذ ما يلي: قال الحسن-رحمه الله تعالى-: ذكر لنا: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه، ليس لديه إلاّ مخافة الله تعالى؛ إلاّ أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك». انتهى. قرطبي. فعن عبد الله بن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والوزن: «إنّكم قد ولّيتم أمرا، فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم». رواه الترمذي، وفي حديث آخر مشهور: «ولم ينقصوا المكيال، والميزان، إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السلطان عليهم». الإعراب: ﴿وَأَوْفُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون.. إلخ. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر)، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وهو أولى من اعتبارها شرطية محذوفة الجواب. ﴿كِلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. وأيضا جملة: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ معطوفة عليها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾ معطوف عليه. ﴿تَأْوِيلاً:﴾ تمييز لأحدهما على التنازع، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.

стр. 3187

﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: لا تتبع ما لا تعلم، ولا يعنيك. قال قتادة- رحمه الله تعالى-: لا تقل: رأيت؛ وأنت لم تر، وسمعت؛ وأنت لم تسمع، وعلمت؛ وأنت لم تعلم. وأصل (القفو): البهت، والقذف بالباطل، ومنه قول النبي ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا، ولا ننتفي من أبينا». أي: لا نسبّ أمنا. وقال الكميت: [الوافر] فلا أرمي البريء بغير ذنب... ولا أقفو الحواصن إن قفينا وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور، والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة، والرديئة. فعن شكل بن حميد-﵁-قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به. قال: فأخذ بيدي، ثم قال: قل: «أعوذ بك من شرّ سمعي، وشرّ بصري، وشرّ فؤادي، وشرّ لساني، وشرّ قلبي، وشرّ منيّي». قال: فحفظتها. أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب. ولا تنس: أن النهي موجه إلى النبي ﷺ ، والمراد: به أمته بلا شك. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ أي: كل هذه الأعضاء تسأل يوم القيامة، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه، واعتقده، والسمع عما سمع، والبصر عما رأى. وقيل: يسأل الإنسان عما حواه سمعه، وبصره، وفؤاده، والأول: أبلغ في الحجة، وأشد في التقريع، والخزي، والذل. قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هذا؛ وقد جمع هذه الأعضاء بأولئك، وهو يغلب في العقلاء، فأجريت مجراهم؛ لأنها مسئولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها، وحكى الزجاج: أن العرب تعبر عما يعقل، وعما لا يعقل ب: «أولئك»، وأنشد هو والطبري قول جرير: [الكامل] ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأيام الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْفُ:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ليس مقدم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من علم. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو

стр. 3188

صفتها، والعائد، أو الرابط: هو الضمير المجرور محلا بالباء، وجملة: ﴿وَلا تَقْفُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السَّمْعَ:﴾ اسمها. ﴿وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ:﴾ معطوفان على السمع. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى كل واحد من البشر، أو إلى كل واحد من الجوارح المذكورة، أو إلى المكلف، انظر الشرح. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. وقيل: متعلقان بنائب فاعله، وهو مردود؛ لأن الفاعل، ونائبه لا يتقدمان، لذا فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ما عاد إليه المضمر في ﴿كانَ﴾ وهو المفعول الأول، وهذا كله فحوى كلام ابن هشام في مغنيه. ﴿مَسْؤُلاً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والرابط: اسم الإشارة العائد إلى السمع، والبصر، والفؤاد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ ﴿مَرَحاً:﴾ بفتح الراء وكسرها، والأول: أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ أي: لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك. والمعنى أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا، كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال، لا يحصل على شيء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: في الآية خطاب للنبي ﷺ ، والمراد: به أمته على مثال ما تقدم، وفيها نهي عن الكبر، والتكبر، والخيلاء، وقد نهى الله عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين: أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهدى. قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. والرسول ﷺ شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته لقي الله ﵎، وهو عليه غضبان». رواه الطبراني في الكبير. وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلّة، تعجبه نفسه، مرجّل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». رواه الشيخان. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من تواضع لله درجة؛ يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى علّيّين، ومن تكبّر على الله درجة؛ يضعه الله درجة حتى

стр. 3189

يجعله في أسفل سافلين، ولو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، ليس عليها باب، ولا كوّة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». رواه ابن ماجة وابن حبان. وعن ابن عباس-﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله جل وعلا: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار». رواه ابن ماجة، وخذ قول الشاعر: [الطويل] تواضع تكن كالنجم لاح لناظر... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدّخان يعلو بنفسه... إلى طبقات الجوّ، وهو وضيع وخذ قول الآخر: [الطويل] ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا... فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عزّ وحرز ومنعة... فكم مات من قوم هم منك أمنع الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمْشِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنت». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَحاً:﴾ نائب مفعول مطلق، أو هو حال من الفاعل المستتر على حذف المضاف، التقدير: ذا مرح. وقال أبو البقاء: مفعول لأجله، وليس بالقوي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَخْرِقَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿طُولاً:﴾ تمييز محول عن الفاعل، التقدير: ولن يبلغ طولك الجبال، أو هو محول عن المفعول مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ فيكون التقدير: ولن تبلغ طول الجبال، وهو أولى، وأجاز أبو البقاء اعتباره حالا من الفاعل، أو المفعول، ومفعولا مطلقا من معنى ﴿تَبْلُغَ﴾ والأول: أولى. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨)﴾ الشرح: ﴿كُلُّ ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة فيما تقدم، واسم الإشارة: ﴿ذلِكَ﴾ يصلح للواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿كانَ سَيِّئُهُ:﴾ المراد منه: المنهي عنه فيما تقدم، وأما المأمور به، فلا يكون سيئا. هذا؛ وقرئ «(سيئة)» والقراءتان سبعيتان. ﴿مَكْرُوهاً:﴾ مبغوضا محرما معاقبا عليه، والمراد: به المنهيات، وعلى قراءة: «(سيئة)» يكون قد راعى فيه معنى ﴿كُلُّ﴾ وفي: ﴿مَكْرُوهاً﴾ يكون راعى لفظها. وهو التذكير.

стр. 3190

الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ. وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿سَيِّئُهُ:﴾ اسم كان، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَكْرُوهاً،﴾ و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَكْرُوهاً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة: «(سيئة)» بالنصب فهو خبر كان، واسمها ضمير مستتر يعود إلى ﴿كُلُّ ذلِكَ،﴾ ويكون ﴿مَكْرُوهاً﴾ بدلا من (سيئة) أو صفة لها محمولة على المعنى، فإنها بمعنى: سيئا؛ ويجوز أن ينتصب على الحال من اسم ﴿كانَ﴾ المستتر، أو من الضمير المستتر في الظرف، على أنه متعلق بمحذوف صفة (سيئة). ﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ مِمّا..﴾. إلخ: الإشارة إلى هذه الآداب، والقصص، والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة؛ التي نزل بها جبريل الأمين-﵇-على قلب سيد المرسلين ﷺ ، والأحكام المذكورة شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان، والملل، لا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحكمة بهذا الاعتبار، وكرر سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ..﴾. إلخ للتنبيه على أنّ التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإنّ من لا إيمان له بالله لا يقبل منه عمله، ومن قصد بفعله، أو تركه غير الله ضاع سعيه، وخاب أمله. و ﴿مَلُوماً:﴾ تلوم نفسك على اتخاذك إلها غير الله، وهذا في الآخرة. وانظر الآية رقم [٢٩]. ﴿مَدْحُوراً:﴾ مطرودا، ومبعدا من رحمة الله. وانظر الآية رقم [١٨]. هذا؛ وقد قال الخازن: والفرق بين المذموم والملوم، أما كونه مذموما: فمعناه: أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح، ومنكر، فهذا معنى كونه مذموما، يقال له: لم فعلت هذا الفعل القبيح؟ وما الذي حملك عليه؟ وهذا هو اللوم. والفرق بين المخذول، والمدحور: أن المخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو المبعد المطرود عن كل خير. انتهى. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) للتبعيض، فهي تفيد: أن الموحى إلى النبي ﷺ في هذه السورة قليل من كثير، وهو الواقع، والحق. ﴿أَوْحى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من

стр. 3191

الذي، أوحاه... إلخ، واعتبار (ما) موصوفة ضعيف هنا. ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، ومتعلقين بالفعل، أوحى، وبدلا من ﴿مِمّا﴾ والأول: هو الذي أعتمده، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين المتعاطفات، وهو أولى. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و (مع) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة إلها. وقيل: ﴿مَعَ﴾ متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني: ل: (تجعل) و ﴿إِلهاً﴾ هو المفعول الأول: وهو ضعيف. ﴿فَتُلْقى:﴾ الفاء: للسببية في جواب النهي. (تلقى): مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ حالان من نائب الفاعل المستتر، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك جعل لله شريكا في العبادة فإلقاء لك في جهنم، وجملة: ﴿وَلا تَجْعَلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠)﴾ الشرح: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ..﴾. إلخ: توبيخ، وتقريع لمشركي العرب؛ إذ المعنى: أفخصكم الله بأفضل الأولاد، وهم البنون، فجعل لكم الصفوة، ولنفسه ما ليس بصفوة؟! لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، مع علمهم بأن الله منزه عن النقص، وموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، وهو دليل واضح على شدة جهلهم؛ ولذا قال جل شأنه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ أي: تفترون على الله الكذب، وهو جرم كبير، وذنب عظيم. وانظر الآية رقم [٥٧] من سورة (النحل) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أصفاكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْبَنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: أفضلكم، فأصفاكم. أو هي مستأنفة، انظر سورة (النحل) [١٧] ﴿وَاتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ،﴾ وهو ينصب

стр. 3192

مفعولين، الأول: ﴿إِناثاً،﴾ والثاني: محذوف، تقديره: أولادا. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِناثاً،﴾ كان صفة، فلما قدم عليه صار حالا. وقال الجمل نقلا عن السمين: هما المفعول الثاني: قدم على الأول، والأول: أقوى، وجملة: ﴿وَاتَّخَذَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من ﴿رَبُّكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ويجب تقدير «قد» قبلها. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. اللام: هي المزحلقة. (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤١)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ أي: كررنا، والمفعول محذوف؛ أي: كررنا أمثاله ومواعظه، وقصصه، وأخباره، وأوامره تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. أو المعنى: بينا في هذا القرآن ما يحتاجه الناس في دنياهم من العقائد، والأحكام، والمواعظ، والحلال والحرام، والقصص، والوعد، والوعيد، والمحكم، والمتشابه، والحدود، والأمثال، وغير ذلك، كما قال بعضهم ذاكرا ما اشتمل عليه القرآن الكريم. [الطويل] حلال حرام محكم متشابه... بشير نذير قصّة عظة مثل هذا؛ وفي (الأنعام) وغيرها ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ ليتعظوا، وقرئ بالتخفيف هنا وفي سورة (الفرقان) بمعنى: الذكر. ﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ أي: التصريف، والتذكير. ﴿إِلاّ نُفُوراً:﴾ إلا تباعدا عن الحق، وغفلة عن النظر، والاعتبار، وذلك؛ لأنهم اعتقدوا في القرآن: أنه حيلة، أو سحر، أو كهانة، أو شعر. هذا؛ وزاد، يزيد ضدّ: نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما والبر مدّا، فدرهما، ومدّا: تمييز، ومثله قل في نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف. ويعتبران الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به،

стр. 3193

ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر)، افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: ورب الشمس، ورب السماء. الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم). وأظهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَرَّفْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية: ﴿صَرَّفْنا..﴾. إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعتبره صفة له. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَزِيدُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى التصريف، أو إلى التذكير المفهومين من الفعلين السابقين، والهاء مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُفُوراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ:﴾ لو كان مع الله جلت قدرته آلهة كما تزعمون، وتفترون. ﴿إِذاً لابْتَغَوْا..﴾. إلخ: أي: لطلب الآلهة طريقا يسلكونها إلى الله ليقهروه، ويزيلوا ملكه، كما يفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض، أو ليتقربوا، ويتوددوا إليه، أو ليتعرفوا عليه، والتعارف بين الملوك سنّة متبعة.

стр. 3194

بعد هذا انظر شرح العرش في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) و (ذي) بمعنى: صاحب، وجمعه من غير لفظه على الأكثر، وهو (أولو، وأولي) ويجمع على: (ذوين، وذوون) وهو قليل. هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي لجماعة المذكرين العاقلين مع أنها جمادات؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل؛ جمع من يعقل؛ إذا نزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. أما (السبيل) فهو الطريق يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في رسل، وعسر، ويسر. قال: عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ هذا؛ وإعلال (ابتغوا) مثل إعلال (ألقوا) في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آلِهَةٌ:﴾ اسمها مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة فالمعنى لا يأباه، ويكون الظرف متعلقا بها، وآلهة فاعلها، والجملة الفعلية على الاعتبارين لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بما تعلق به الظرف. قاله الحوفي، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: كونا مشابها لما تقولون، وهذا ليس مذهب سيبويه... إلخ. وانظر الآية رقم [٢٤] ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء. ﴿لابْتَغَوْا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (ابتغوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من سبيلا، كان صفة له.. إلخ، وعلامة الجر الياء؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذي) مضاف، و ﴿الْعَرْشِ:﴾ مضاف إليه. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿إِذاً لابْتَغَوْا﴾ إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣)﴾ الشرح: نزه الله نفسه في هذه الآية تنزيها يليق به، وقدس ذاته العلية، عما لا يليق به، ومجد عظمته تمجيدا يليق بكبريائه. وانظر شرح: ﴿ ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (النحل).

стр. 3195

الإعراب: ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَعالى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب: (سبحان) أو بفعله المحذوف على التنازع، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يقولونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: تعالى الله عن قولهم. ﴿عُلُوًّا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيراً:﴾ صفته. هذا؛ و ﴿عُلُوًّا﴾ وضع موضع تعاليا؛ لأنه مصدر الفعل: (تعالى) ويجوز أن يقع مصدر موقع آخر من معناه. تنبيه: يقرأ الفعل ﴿يَقُولُونَ﴾ في هذه الآية وسابقتها بالياء والتاء، وبالياء في الأولى، والتاء في الثانية فالقراءات ثلاث كلها سبعية، وعلى الأخيرة يكون في الكلام التفات، انظره في الآية [٢٢] من سورة (النحل). ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)﴾ الشرح: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ:﴾ لله . ﴿السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: الملائكة، والإنس والجن. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ما من شيء في الدنيا إلا يسبح الله ويقدسه، واختلف في هذا العموم، فقالت فرقة: المراد به تسبيح دلالة، وكل محدث يشهد على نفسه بأن الله خالق قادر. وقالت فرقة أخرى: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر، ولا يفقهه، وهذا هو المعتمد، ويستدل به بقول الله تعالى في سورة (ص): ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ وقوله جل ذكره في سورة (البقرة) [٧٤]: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ وقوله تعالى شأنه في سورة (مريم): ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾. فعن أنس بن مالك-﵁-قال: ما من صباح، ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا: يا جارة هل مرّ بك اليوم عبد فصلّى لله، أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: لا، ومن قائلة: نعم، فإذا قالت: نعم رأت لها بذلك فضلا عليها. وقال رسول الله ﷺ : «لا يسمع صوت المؤذّن جنّ، ولا إنس، ولا شجر، ولا حجر، ولا مدر، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». رواه ابن ماجة، ومالك من حديث أبي سعيد الخدري-﵁. وخبر حنين الجذع أيضا

стр. 3196

مشهور في هذا الباب، خرجه البخاري في مواضع من كتابه، وإذا ثبت ذلك في جماد واحد؛ جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك، فكل شيء يسبّح للعموم، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة حال كما يقول البعض، فأي: تخصيص لتسبيح الجبال مع داود ﵇؟ وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما تقدم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ:﴾ لا تفهمون. والفقه: الفهم، والعلم بالشيء، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية مستمد من أدلتها التفصيلية، وهو المراد بقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين». والفقه: الحذق، والفطنة، وفقه: يفقه من باب: علم: كان فقيها، وفقه، يفقه من باب: ظرف صار فقيها. هذا؛ وخص سبحانه ﴿تَفْقَهُونَ﴾ بالذكر دون «تعلمون» لما في الفقه من معنى الزيادة على العلم؛ لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه، واستنباط الأحكام منه. ﴿حَلِيماً:﴾ حيث لم يعجّل بعقاب العاصين، والمجرمين، والفاسدين المفسدين. و (الحليم) من أسماء الله الحسنى، ومعناه: هو الذي لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يستثيره جحود الجاحدين. والحلم (بكسر الحاء، وسكون اللام) وهو: الأناة، والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل. ومقابله: السفه، والطيش، والجهل الذي أحدثك عنه في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأنبياء). والحلم من خير ما يتصف به مؤمن. قال الشاعر الحكيم: [الطويل] فيا ربّ هب لي منك حلما فإنني... أرى الحلم، لا يندم عليه حليم كيف لا وقد وصف الله به خليله إبراهيم وكثيرا من أنبيائه عليهم جميعا ألف تحية، وسلام. ﴿غَفُوراً﴾ أي: يغفر ذنوب المذنبين، إن هم تابوا، وأنابوا إليه، وهو صيغة مبالغة. هذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على كثرة التسبيح لله تعالى، وذكر لنا أحاديث ترغبنا به، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني القوية الكثيرة، وخذ نبذة من ذلك: فعن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم». رواه الستة ما عدا أبا داود. وعن سمرة بن جندب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرّك بأيّهنّ بدأت». رواه مسلم، وابن ماجة، والنسائي. وعن جويرية أمّ المؤمنين-﵂-أن النبي ﷺ خرج من عندها، ثمّ رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟!». قالت: نعم، قال النبيّ ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرّات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنّ:

стр. 3197

سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». رواه الستة ما عدا البخاري. وفي كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري الكثير، والكثير من ذلك. الإعراب: ﴿تُسَبِّحُ:﴾ مضارع. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّماواتُ:﴾ فاعل. ﴿السَّبْعُ:﴾ صفة له. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِيهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿تُسَبِّحُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى شيء، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. ﴿بِحَمْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: يسبح ملتبسا بحمده، والهاء في محل جر بالإضافة. والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرتها مستأنفة فلست مفندا. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو الحال، ولا وجه له. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿تَفْقَهُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿تَسْبِيحَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ... ﴿حِجاباً:﴾ يحجبهم عن فهم ما تقرأه عليهم. ﴿مَسْتُوراً:﴾ ذا ستر كقوله تعالى: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وقولهم: «سيل مفعم»، أو مستورا بحجاب آخر، لا يفهمون، ولا يفهمون: أنهم لا يفهمون، وهذا هو الجهل المركب المطبق. هذا؛ وقيل: معناه مستورا عن أعين الناس فلا يرونك؛ لما روي عن أسماء بنت أبي بكر-﵄-قالت: لما نزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: [مجزوء الرجز] مذمّما عصينا... وأمره أبينا ودينه قلينا والنبي ﷺ قاعد في المسجد، ومعه أبو بكر-﵄-فلما رآها أبو بكر. قال: يا رسول الله! لقد أقبلت، وأنا أخاف أن تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذيّة، فقال النبي ﷺ : «إنها لن تراني!». وقرأ قرآنا فاعتصم به، فوقفت على أبي بكر، ولم تره، فقالت: يا أبا بكر! إن

стр. 3198

صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك! ولا ينطق بالشعر، ولا يقوله. فقالت: إنك لمصدق، وولّت، وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها، وقد جئت بهذا الحجر لأرضخ به رأسه، فقال الصدّيق-﵁: يا رسول الله! أما رأتك؟! قال: «لا، ما زال ملك بيني وبينها، يسترني حتى ذهبت». هذا؛ واعتصامه ﷺ بالقرآن الكريم ثابت، ومشهور، ففي ليلة الهجرة أمر ابن عمه عليا ﵁-أن ينام في فراشه، وخرج ﵊ من بين صفوف المحاصرين بيته، وهو يقرأ الآيات من صدر سورة (يس)، فأعمى الله أبصارهم عنه، وأخذ حفنة من تراب في يده ونثرها على رءوسهم، فلم يبق منهم رجل، إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، وتركهم في طغيانهم يعمهون. أما (بين) فهو ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم. هذا؛ و (البين): الفراق والبعاد، وهو أيضا: الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) الآية رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى: الفراق والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-في قصيدة البردة في مدح النبي ﷺ : [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥]. ﴿قَرَأْتَ﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها.. إلخ. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان، ولا وجه له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حِجاباً:﴾ مفعول به. ﴿مَسْتُوراً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿جَعَلْنا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً:﴾ أغطية، جمع: كنان، وهو: الوعاء المحيط بالشيء، وهو غير «الكن» بكسر الكاف، فإنه يجمع على: أكنان، انظر الآية رقم [٨١] من سورة (النحل). وانظر الفقه ومعانيه في الآية رقم [٤٤]. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً:﴾ الوقر: الصمم في الأذن، وهو بفتح

стр. 3199

الواو. والوقر بكسر الواو: حمل البغل، والحمار. والوقار: الحلم، والرزانة، والتعقل، وهو أيضا: العظمة، والهيبة، والمهابة. وفي هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح بعضها للهدى، والإيمان، فتقبله، ويجعل بعضها في أكنة، فلا تفقه كلاما، ولا تؤمن به، ولا تقبله. ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي: قلت: لا إله إلا الله، وأنت تتلو القرآن. ﴿وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ أي: أعرضوا هربا من استماع التوحيد، وهو مثل قولهم في سورة (ص): ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ هذا؛ و ﴿نُفُوراً﴾ جمع: نافر، فهو مثل: شهود، وشاهد، وقعود، وقاعد. وانظر إعلال مثل: ﴿وَلَّوْا﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل). الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول ثان، ولا وجه له، ولو قيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَكِنَّةً﴾ لسلّم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكِنَّةً:﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و «لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا يفقهوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (جعلنا) وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم، فالمحذوف مفعول لأجله. وانظر الشاهد [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَفِي آذانِهِمْ:﴾ معطوفان على: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَقْراً:﴾ معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ وإن قدرت: ﴿وَجَعَلْنا﴾ قبلهما؛ وضح لك ذلك. ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ انظر مثله في الآية السابقة. ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من ﴿رَبَّكَ،﴾ وإن كان معرفة لفظا، فهو في قوة النكرة؛ لأنه بمعنى: منفردا. ﴿وَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى أَدْبارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿نُفُوراً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا عامله: ﴿وَلَّوْا﴾ لتقاربهما في المعنى، وجملة: ﴿وَلَّوْا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة، لا محل له مثله. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧)﴾ الشرح: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أي: بسببه، ولأجله. أو المعنى: نحن أعلم بالحال، أو الطريقة التي يستمعون القرآن بها، فهم يستمعون القرآن هازئين لا جادين، والواجب أن يستمعوه جادين لينتفعوا به، ويهتدوا بهديه. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ أي: نحن أعلم

стр. 3200

بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك، وحين هم نجوى يتناجون؛ أي: يتحادثون سرا في شأنك، يقول بعضهم: هو مجنون. وبعضهم يقول: هو كاهن. وبعضهم يقول: هو ساحر. وبعضهم يقول: هو شاعر. وانظر الكلام على الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنعام) تجد أنّ المغزى واحد. وانظر شرح ﴿النَّجْوى﴾ في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه). ﴿إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ:﴾ أبو جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ أي: مطبوبا قد خبله السحر، فاختلط عليه أمره. وقال مجاهد: معناه: مخدوعا، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أين تخدعون؟ وقال أبو عبيدة: معناه: أن له سحرا؛ أي: رئة، فهو لا يستغني عن الطعام، والشراب. قال امرؤ القيس: [الوافر] أرانا موضعين لأمر غيب... ونسحر بالطعام وبالشراب أي: نغذّى، ونعلّل، وموضعين: مسرعين. وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره. وفي الحديث عن عائشة-﵂: أنها قالت: «من هذه التي تساميني من أزواج النّبيّ ﷺ ، وقد توفي رسول الله بين سحري ونحري» تريد: أنه ﷺ توفي وهو مستند إلى صدرها، وما يحاذي سحرها، وهو الرئة. وانظر (السّحر) في الآية رقم [٥٧] من سورة (طه). الإعراب: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿يَسْتَمِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول به محذوف، انظر الشرح. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (ما)، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وهو أقوى معنى، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بأعلم، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَإِذْ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَجْوى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقه، أو هو متعلق باذكر محذوفا، والجملة الفعلية: ﴿يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ في محل جر بإضافة إذ إليها، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلاً:﴾ مفعول به. ﴿مَسْحُوراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨)﴾ الشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ:﴾ مثّلوك تارة بالساحر وتارة بالشاعر، وتارة بالمجنون، وأخرى بالكاهن. ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: في أمثلتهم، وحاروا. أو ضلوا عن طريق الحق. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾

стр. 3201

سَبِيلاً أي: حيلة في صدّ الناس عنك. أو لا يجدون طريقا إلى الهدى، والرشاد. والخطاب في ذلك للنبي ﷺ وحده. هذا؛ وتعاد الآية بحروفها كاملة في الآية رقم [٩] من سورة (الفرقان). الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» وهو معلق عن العمل بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ المعلق عن العمل لفظا، التقدير: انظر كيفية ضرب الأمثال لك، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَضَلُّوا..﴾. مع المعلق بها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، وكذلك جملة: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والفاء في الجملتين حرف عطف، وسبب. ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا أَإِذا..﴾. إلخ: أي: قالوا، وهم يتناجون لما سمعوا القرآن، وسمعوا ذكر البعث، والنشر، والحساب، والجزاء. والمراد: بالاستفهام: الجحود، والإنكار من أن يعادوا مرة ثانية بعد الموت. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال مجاهد: هو التراب. والرفات: الأجزاء المتفتتة من كل شيء تكسر، كالفتات، والحطام، والرضاض، فلذا يقال فيه: هو اسم مفرد لأجزاء ذلك الشيء المفتت. هذا؛ ويقرأ ﴿أَإِذا﴾ ﴿أَإِنّا﴾ بقراءات كثيرة، فجملتها تسعة، وكلها سبعية. وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر] ألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأنّي تارك شهر الصّيام أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟ أتترك أن تردّ الموت عني... وتحييني إذا بليت عظامي فهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ ، وأبو كبشة كنية زوج حليمة مرضعته ﷺ ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ . ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري: (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه،

стр. 3202

منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وهذا عند سيبويه. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿عِظاماً:﴾ خبرها. ﴿وَرُفاتاً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: (أإذا كنا... نبعث)، ولا يجوز أن يعمل فيها مبعوثون لأن ما بعد إنّ لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم أن (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: (أنبعث إذا... إلخ) وهذا قول غير سيبويه. والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنّا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مبعوثون): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿خَلْقاً:﴾ مفعول مطلق، عامله من لفظ (مبعوثون) وهو بمعنى: بعثا، فيكون التقدير: نبعث بعثا، أو هو حال على تقديره: مخلوقين. ﴿جَدِيداً:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا﴾ إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ضَرَبُوا لَكَ..﴾. إلخ فهي مثلها في محل نصب، والاستئناف ممكن. ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أي: قل لهم يا محمد: كونوا على جهة التعجيز حجارة، أو حديدا في الشدة، والقوة. وقال علي بن عيسى: معناه: أنكم لو كنتم حجارة، أو حديدا؛ لم تفوتوا الله إذا أرادكم، إلا أنه خرج مخرج الأمر؛ لأنه أبلغ في الإلزام. ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ﴾ أي: يعظم. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ قال مجاهد: يعني السموات والأرض والجبال؛ لأنها أعظم المخلوقات. وقيل: يعني به الموت؛ لأنه لا شيء في نفس ابن آدم أكبر من الموت، ومعناه: لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم، ولأبعثنكم. ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا﴾ أي: من يبعثنا بعد الموت. ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ:﴾ خلقكم. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فمن قدر على الإنشاء؛ قدر على الإعادة. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ أي: يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزءين بما تقول، يقال: نغض رأسه، ينغض، وينغض نغضا، ونغوضا؛ أي: تحرك، وأنغض رأسه؛ أي: حركه كالمتعجب من الشيء.

стр. 3203

هذا؛ ونقل الأزهري: أن ثلاثة أحرف جاءت بلغة قريش، وهي قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ أي: يحركونها. وقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٧]: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكل بهم من وراءهم. وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ أي: مقتدرا. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أي: البعث، والقيامة، والحساب، والجزاء... إلخ. ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي: هو قريب؛ لأن «عسى» في حق الله تعالى واجبة التحقيق، نظيره قوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ وقوله جل ذكره: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً،﴾ وكل ما هو آت قريب. وانظر القول في الآية رقم [١٦]. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿كُونُوا:﴾ أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿حِجارَةً:﴾ خبره. ﴿حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً:﴾ معطوفان على حجارة، والجملة الفعلية: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿خَلْقاً﴾. ﴿يَكْبُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَكْبُرُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَسَيَقُولُونَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُعِيدُنا:﴾ مضارع، و (نا): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يُعِيدُنا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَسَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الذي فطركم يعيدكم. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: معيدكم الذي فطركم. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: يعيدكم الذي فطركم. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿فَطَرَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و ﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَطَرَكُمْ﴾ إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿الَّذِي..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة في إعرابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ:﴾ مثل: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رُؤُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.

стр. 3204

﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض وترج مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ في محل رفع فاعل عسى على تمامه، وفي محل نصب خبره على نقصانه، فيكون اسمه مستترا تقديره: «هو»، والتمام أقوى، وأتمّ معنى، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَرِيباً:﴾ خبر ﴿يَكُونَ﴾. وقيل: هو ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر، واسمه يعود إلى البعث المفهوم ممّا تقدم. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً (٥٢)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: يوم يناديكم للخروج من القبور، ونحوها على لسان إسرافيل ﵇، فيقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: فتخرجون من القبور بأمره. وقيل: تخرجون مقرّين بأنه خالقكم، وباعثكم، ويحمدونه، ولكن لا ينفعهم الحمد. وقيل: هذا الخطاب للمؤمنين فإنهم يبعثون حامدين ربهم، فيقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. أو المعنى: منقادين لأمره انقياد الطائعين الحامدين على البعث. ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: تظنون: أن إقامتكم في القبور. -وقيل: في الدنيا-قليلة جدا، وذلك لأن الإنسان لو مكث في الدنيا، أو في القبر ألوفا من السنين عد ذلك قليلا بالنسبة لمدة القيامة، والخلود في الآخرة. قال قتادة: المعنى: أن الدنيا تحاقرت في أعينهم، وقلّت حين رأوا القيامة، وما فيها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو بدل من ﴿قَرِيباً﴾ على اعتباره ظرفا. ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والجملة الفعلية: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِحَمْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: حال كونكم حامدين لله على كمال قدرته، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَظُنُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب النفي بعده. ﴿إِنْ:﴾ نافية بمعنى: «ما». ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: إلا لبثا قليلا،

стр. 3205

أو صفة ظرف محذوف؛ أي: إلا زمانا قليلا، وجملة: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل (تظنون) المعلق عن العمل لفظا، وجملة: ﴿وَتَظُنُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. هذا؛ وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من واو الجماعة، وقدر الكلام: «وأنتم تظنون...» إلخ؛ لأن المضارع المثبت لا يقترن بالواو إذا وقع حالا. ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:﴾ وذلك: أن المشركين كانوا يؤذون المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية، يأمر بها المسلمين أن يقولوا للكافرين التي هي أحسن؛ أي: لا يكافئوهم على سفههم، بل يقولون لهم: يهديكم الله، وكان هذا قبل الإذن بالقتال والجهاد. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب-﵁-وذلك: أنه شتمه بعض الكفار، فأمره الله بالعفو. وقيل: أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصة بحسن الأدب، وإلانة القول، وخفض الجناح، واطّراح نزغات الشيطان. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف. ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بالفساد، وإلقاء العداوة، والإغواء. هذا؛ والنزغ، والنخس، والنسغ، والنفر، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد. فقد شبه وسوسة الشيطان، وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير. هذا؛ وانظر شرح ﴿الشَّيْطانَ﴾ في الاستعاذة أول سورة (يوسف) ﵇، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ أي: عدوا ظاهر العداوة. بعد هذا انظر شرح (عبده) في الآية رقم [١] و (القول) في الآية رقم [١٦] وشرح (الإنسان) في الآية رقم [١١] وانظر إعلال (مبين) ومعناه في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). أما (عدو) فهو ضد الصديق؛ وهو على فعول بمعنى: فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا. قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد، جمع أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع. وانظر شرح (بين) في الآية [٤٥] هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية حيث شبه الإغراء على الفساد بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه: ﴿يَنْزَغُ﴾. والله أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3206

الإعراب: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا﴾ إعراب هذا التركيب مثل إعراب: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) ﵇ بلا فارق بينهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسمها. ﴿يَنْزَغُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانَ،﴾ ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ..﴾. إلخ توكيد لسابقتها لا محل لها مثلها. وقال الجمل: علة لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ والجار والمجرور ﴿لِلْإِنْسانِ﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوًّا﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤)﴾ الشرح: ما في الآية الكريمة خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفقكم للإسلام، فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك؛ فيعذبكم. قاله ابن جريج. وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم. قاله الكلبي. والأول: أقوى. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ أي: ما وكلناك في منعهم من الكفر، ولا جعلنا إليك إيمانهم. وقيل: ما جعلناك كفيلا لهم، تؤخذ بهم. وانظر الآية رقم [٢] وإنما أرسلناك مبشرا، ونذيرا، فدارهم، ومر أصحابك بالتحمّل منهم. هذا؛ وفي الآية الكريمة انتقال من خطاب الجماعة إلى خطاب المفرد، وهو النبي ﷺ ويسمى هذا التفاتا. الإعراب: ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. وهو بمعنى: عالم، وليس على بابه من التفضيل، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَرْحَمْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ربكم، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، و ﴿إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ معطوف عليه، وهو مثله في الإعراب. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول

стр. 3207

به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿وَكِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: إن علمه غير مقصور عليكم، بل علمه يتعلق بجميع الموجودات، والمعدومات، ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، ويعلم حال كل أحد، ويعلم ما يليق به من المصالح، والمفاسد. وقيل: معناه: أنه عالم بأحوالهم، واختلاف صورهم، وأخلاقهم، ومللهم، وأديانهم. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أي: فقد اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وقال لعيسى: كن فكان، وآتى سليمان ملكا عظيما، لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورا، وقد ذكر الله هذا التفضيل في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية رقم [٢٥٣] من سورة (البقرة)، وتفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون بتفاوت الفضائل النفسانية التي وهبها الله لكل واحد، ولهذا اشتهر منهم أولو العزم، الذين تحملوا المتاعب والمصاعب، فما وهنوا، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وكان محمد ﷺ خاتمة الأنبياء الذين اتصفوا بكامل الصفات، وقد ذكرت لك ذلك مرارا. هذا؛ و (الزبور) كتاب أنزله الله على داود ﵇، وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم، ولا حلال، ولا حرام، ولا فرائض، ولا حدود، ولا أحكام، بل فيها تسبيح، وتقديس، وتحميد، وثناء على الله ، ومواعظ، وحكم. وتعريفه مرّة، وتنكيره أخرى، إما؛ لأنه في الأصل فعول بمعنى: المفعول كالحلوب، أو مصدر بمعناه كالقبول، وإما لأن المراد إيتاء داود زبورا من الزبر، فيه ذكر النبي ﷺ . بقي أن تعرف لم خص داود في هذه الآية بالذكر دون غيره من الأنبياء؟ وذلك من وجوه: أحدها: أن الله تعالى ذكر: أنه فضل بعض النبيين على بعض، ثم قال: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ وذلك أن الله أعطى داود مع النبوة الملك، فلم يذكره بالملك، وذكر ما أتاه من الكتاب، تنبيها على أنّ الفضل المذكور في هذه الآية المراد به العلم، لا الملك والمال، «اللهم لك الحمد على ما أنعمت». والوجه الثاني: أن الله كتب له في الزبور: أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم؛ فلهذا خصه بالذكر. الثالث: زعمت اليهود أن لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فكذبهم الله بقوله: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾. انتهى. خازن بتصرف. هذا؛ وكان داود على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف تحية، وألف صلاة يخرج إلى البرية، فيقوم، ويقرأ الزبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس

стр. 3208

خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رءوس الناس، وهم يستمعون لقراءة داود، ويتعجبون منها لجمالها، فلما قارف الذنب؛ زال عنه ذلك. وقيل له: كان ذلك أنس الطاعة، وهذا ذل المعصية. انتهى. خازن في سورة (النساء). هذا؛ وأضيف: أن داود ﵇ كان حسن الصوت، وفي الآخرة يقرأ القرآن في الجنة، يجتمع عليه أهل الجنة، فيستمعون لقراءته، فلا يكون شيء ألذ عندهم من الاستماع إليه. وانظر ما أذكره في سورة (الأنبياء). الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان به. وقيل: متعلقان بفعل محذوف، تقديره: يعلم. قاله الفارسي، ولا وجه له. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، وعطفها على ما قبلها، لا بأس به، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤١] تفصيلا، وجملة، و ﴿بَعْضَ:﴾ مضاف، و ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء.. إلخ ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿فَضَّلْنا،﴾ والجملة القسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله. ﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦)﴾ الشرح: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ:﴾ وذلك لما ابتليت قريش بالقحط الشديد؛ حتى أكلوا الجيف، والحشرات، فاستغاثوا بالنبي ﷺ ليدعو الله لهم، فأنزل الله هذه الآية الكريمة، والمراد: من زعمتم أنهم آلهة من ملائكة، وعزير، وعيسى، وأصنام، وشمس، وقمر... إلخ. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ:﴾ كالمرض، والجوع، والفقر، والقحط، ونحو ذلك؛ أي: لا يقدرون على دفع شيء من ذلك. ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ أي: لا يقدرون على تحويل شيء ممّا نزل بكم إلى غيركم، ولا تحويل الحال من العسر إلى اليسر... إلخ. «زعم»: قال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-: الغالب في: «زعم» أن تستعمل للظن الفاسد، وهو حكاية قول، يكون مظنة الكذب، فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه، ولذلك يقولون: «زعموا» مطية الكذب؛ أي: إن هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب أن من قال كلاما، وكان عندهم كاذبا. قالوا: زعم فلان؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذمّ القائلون به، وقد يراد الزعم بمعنى: القول مجردا عن معنى الظن الراجح، أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت زعم بمعنى: تأمّر، وترأس، أو بمعنى: كفل به تعدت إلى

стр. 3209

واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم فهو زعيم؛ أي: تأمر عليهم، وترأسهم، وزعم بفلان، وبالمال؛ أي: كفله، وضمنه، وتقول: زعم اللبن؛ أي: أخذ يطيب، فهو لازم. انتهى. وقال الأشموني: وإن كانت بمعنى: سمن، أو هزل؛ فهي لازمة. بعد هذا أقول: إن زعم من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ، وخبر إن كان من أفعال الرجحان، والأكثر أن يسد مسدهما: أن، واسمها، وخبرها مخففة من الثقيلة، أو غيرها، نحو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ، وانظر شواهد ذلك في كتابنا: «فتح رب البرية». والقليل أن تنصب مفعولين صريحين، وهو ناقص التصرف، يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب بذلك النبي ﷺ . ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول مصدر سد مسد المفعولين محذوف مؤول من: «أنهم آلهة». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: «آلهة» المقدر، وقول الجمل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: قل: ادعوا الذين من دون الله زعمتم أنهم شركاء، لا أراه قويّا، ومعناه غير واضح. تأمل. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له قطعا، وجملة: ﴿زَعَمْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير في المقدر المحذوف، وجملة: ﴿اُدْعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا): نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع. إلخ، والواو فاعله. ﴿كَشْفَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الضُّرِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالمصدر، وهو أقوى من تعليقهما بالفعل. الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿تَحْوِيلاً:﴾ معطوف على ﴿كَشْفَ،﴾ ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: ولا تحويله عنكم، أو إلى غيركم، وجملة: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب لشرط مقدر؛ إذ التقدير: وإن تدعوهم؛ فلا يملكون... إلخ، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول أيضا. وقيل: جملة: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، ولا وجه له. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ:﴾ الإشارة إلى الذين عبدوهم من دون الله، والمعنى: أولئك الذين يعبدونهم، ويتخذونهم آلهة من دون الله. ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: يطلبون إلى الله القرب، والتقرب بالإيمان والعمل الصالح. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يتنافسون في القربة. أو المعنى:

стр. 3210

ينظرون أيهم أقرب إلى الله، فيتوسلون به إليه. هذا؛ وأعطى الجلال هذا المعنى: أي: يبتغيها الذي هو أقرب إليه، فكيف بغيره؟ قال الجمل معلقا: أي: أقرب إلى مناجاته، وهم الملائكة، وبغير الأقرب كعيسى، وعزير، ومريم.. إلخ. انتهى. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ أي: يؤملون، ويرغبون في رحمة الله، و ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ..﴾. إلخ. أي: مخوفا لا أمان لأحد منه، فينبغي أن لا يأمنه أحد، لذا كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الخوف من عذاب الله، وما يروى عن كرام الصحابة، أبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم-رضوان الله عليهم-من أقوال وعبارات تدل على أنهم كانوا شديدي الحذر من عذاب الله. قال سهل بن عبد الله: الرجاء، والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر، كيف لا، وعذاب الله يحذره الرسل، والملائكة، وكل أحد؟ كيف لا؛ وقد قال الله في حق الرسل، وذرياتهم: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ هذا؛ وقد قال ابن عباس-﵄: المراد بالمشار إليهم: عيسى، وأمه، وعزير، والملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم. وقال عبد الله بن مسعود-﵁: نزلت هذه الآية في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم أولئك الجن، ولم يعلم الناس بذلك، فتمسكوا بعبادتهم، فعيرهم الله بهذه الآية. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف. هذا؛ والمراد: بواو الجماعة في قوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ العابدون، وفيما بعده: المعبودون، أما الضمير في قوله: ﴿رَبِّهِمُ﴾ فإنه يعود إلى العابدين، أو إلى المعبودين، أو إليهم جميعا. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح: (عذاب) في الآية رقم [١٠]، وشرح (الخوف) في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). هذا؛ و (يرجون): يطمعون، واصل الرجاء: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، وقد يأتي بمعنى: الخوف. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل وما في الآية الكريمة بمعنى: يطمعون كما قدمت، ومنه قول سوّار بن المضرّب السعدي. أحد بني سعد تميم، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل] أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى: الخوف إلا مع الجحد؛ أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد.

стр. 3211

الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يدعونهم. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ مضارع مرفوع. إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلى رَبِّهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْوَسِيلَةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَبْتَغُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول خبرا للمبتدإ، فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب المحذوف الذي رأيت تقديره، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم موصول مبني على الضم في محل رفع بدل من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَقْرَبُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أقرب، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المحذوف، وهذا الحذف مع إضافة (أي) للضمير هما اللذان، أوجبا بناء «أيّ». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] أيّ كما وأعربت ما لم تضف... وصدر وصلها ضمير انحذف هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار: ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسم استفهام مبتدأ و (أقرب) خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ل: ﴿يَدْعُونَ﴾ والأول: أقوى معنى وأتم سبكا. وانظر ما أذكره في الآية رقم [٦٨] من سورة (مريم)، وعلى قول أبي البقاء فالجملة الاسمية في محل نصب لفعل محذوف معلق عن العمل بسبب الاستفهام، أو للفعل يدعون، وهو غير مسلم له على الاعتبارين. وجملة: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَبْتَغُونَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. وأيضا جملة: ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ معطوفة عليها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿عَذابَ رَبِّكَ﴾. ﴿مَحْذُوراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لخوف العذاب. ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها:﴾ إما بالموت، أو بالاستئصال، والعذاب. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقال ابن مسعود ﵁: إذا ظهر الزنى والربا في قرية؛ آذن الله في هلاكها. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً﴾

стр. 3212

شَدِيداً: بالقتل، وأنواع العذاب. إذا كفروا، وعصوا، كالذي حصل لقوم ثمود، وعاد، وأمثالهم. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ أي: مكتوبا مثبتا، والمراد: بالكتاب: اللوح المحفوظ. فعن عبادة بن الصامت-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد». أخرجه الترمذي. هذا؛ ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء. وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من: قام، يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف نفي بمعنى: (ما). ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿مُهْلِكُوها:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُهْلِكُوها﴾ و ﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُعَذِّبُوها:﴾ معطوف على ﴿مُهْلِكُوها﴾ وهو مثله في إعرابه. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق عامله ما قبله. ﴿شَدِيداً:﴾ صفة له. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مَسْطُوراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً (٥٩)﴾ الشرح: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ..﴾. إلخ: أي: التي سألها كفار قريش، وطلبوها من الرسول ﷺ . ﴿إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي: الأمم السابقة طلبوا المعجزات من أنبيائهم فأعطوها، فلم يؤمنوا بها، فأهلكهم الله، وكذلك كفار قريش لو أعطوا ما سألوا، وإذا لم يؤمنوا؛ أهلكهم الله، كما أهلك من كان قبلهم. ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي: معجزة واضحة، تدل على صدق نبي الله صالح، ﵇. أو المعنى: يبصرها كفار قريش، ويرونها؛ لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم، وهم يبصرونها في ذهابهم، وإيابهم إلى بلاد الشام للتجارة، وغيرها.

стр. 3213

﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أي: جحدوا: أنها من عند الله، أو ظلموا أنفسهم بتكذيبها، فعاجلهم الله بالعقوبة، وما أحراك أن تنظر قصة قوم ثمود في سورة (الأعراف)، وفي سورة (هود) ﵇. ﴿وَما نُرْسِلُ..﴾. إلخ: أي: ما نرسل بالآيات المقترحة إلا تخويفا، وتهديدا من نزول العذاب، فإن لم يخافوا؛ وقع عليهم. وقيل: معناه: وما نرسل بالدلالات، والعبر إلا إنذارا بنزول العذاب في الدنيا، أو بعذاب الآخرة، ولا تنس: أن الله لا يمنعه مانع ممّا يريد، وإنما المعنى المبالغة في أنه لا يفعل، فكأنه قد منع منه. وانظر ما يلي: قال ابن عباس-﵄: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وفضة، وأن ينحّي عنهم الجبال؛ ليزرعوا، وأن يفجّر لهم في أرضهم العيون، والأنهار... إلخ فأوحى الله إلى رسوله ﷺ : إن شئت أن أستأني بهم؛ فعلت، وإن شئت أن، أوتيهم ما سألوا؛ فعلت، فإن لم يؤمنوا؛ أهلكتهم، كما أهلكت من كان قبلهم. فقال النبي ﷺ : «لا بل تستأني بهم»، فأنزل الله الآية الكريمة. انتهى. خازن. هذا؛ ولم يعطهم ما سألوا، ولم يستأصلهم كما استأصل الأمم السابقة؛ لعلمه الأزلي: أن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلاب الكافرين منهم من يؤمن، وهو فحوى قول النبي ﷺ : «إني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» ولعلمه الأزلي، وقضائه الأبدي: أن هذا الدين سينتشر في شرق الدنيا، وغربها، وأن حملة لوائه يكونون ممن يؤمن منهم، وقد تحقق هذا في أقل من ثلاثين سنة بعد وفاة الرسول ﷺ . وقال ﵊: «إذا أراد الله بأمّة شرا؛ أهلكها قبل نبيّها، وإذا أراد بأمة خيرا أهلك نبيّها قبلها». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَنَعَنا:﴾ ماض، و (نا): مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نُرْسِلَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر محذوف على الخلاف بين سيبويه، والخليل وقد تقدم معنا كثير من ذلك. ﴿بِالْآياتِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الآيات): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وأجيز اعتبار الباء أصلية، على أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، التقدير: وما منعنا أن نرسل النبي حالة كونه مؤيدا بالآيات. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبَ﴾ في محل رفع فاعل للفعل: (منع) التقدير: وما منعنا من إرسال الرسول مؤيدا بالمعجزات إلا تكذيب الأولين بها. وانظر مثل ذلك في الآية رقم [٩٤] الآتية. ﴿بِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَوَّلُونَ:﴾ فاعل كذب مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَما مَنَعَنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَآتَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (آتينا): فعل، وفاعل. ﴿ثَمُودَ:﴾ مفعول به أول. ﴿النّاقَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مُبْصِرَةً:﴾ حال من الناقة، وجملة: ﴿وَآتَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما

стр. 3214

قبلها، وإن اعتبرتها حالا من (نا) فلست مفندا، ويلزم تقدير «قد» قبلها، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ معطوفة عليها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ مثل سابقه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَخْوِيفاً:﴾ مفعول لأجله، وأجيز اعتباره حالا، إما من الفاعل؛ أي: مخوفين، أو من المفعول؛ أي: مخوفا بها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا من نا فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير، وتكون حالا متداخلة من وجه واحد، وهو اعتبار الأولى حالا. ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك. ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ أي: قدرته محيطة بهم، فهم في قبضته، وقدرته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته، وإذا كان الأمر كذلك، فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، وهو حافظك، ومانعك منهم، فلا تهبهم، وامض لما أمرك من التبليغ للرسالة، فهو ينصرك، ويقويك على ذلك. انتهى. خازن. وقال ابن عباس-﵄: الناس هنا: أهل مكة، وإحاطته بهم: إهلاكه إياهم؛ أي: إن الله سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه، وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما جرى يوم بدر، ويوم الفتح. ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ:﴾ قال الخازن: الأكثرون من المفسرين على أنّ المراد منها ما رأى: النبي ﷺ ليلة المعراج من العجائب والآيات. قال ابن عباس-﵄-هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة المعراج، وهي ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي ﷺ : أنه أسري به، انظر ما ذكرته في أول السورة ففيه الكفاية، وعليه فالمراد بالرؤيا بالألف: الرؤية بالتاء، وهي البصرية، ولو كانت منامية لما ارتدّ أحد؛ لأن أحدا لا يستنكر، بل، ولا يستغرب ما يذكر له من رؤيا المنام. هذا؛ وكتابة البصرية بالألف قليل، والكثير في كتابة الحلمية بالألف. وقيل: المراد بهذه الرؤيا ما رأى رسول الله ﷺ عام الحديبية: أنه دخل مكة هو، وأصحابه فعجل المسير إلى مكة قبل الأجل، فصدّه المشركون، ورجع إلى المدينة، فكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر: أنه يدخلها فتنة لبعضهم، ثم دخل مكة في العام المقبل، وأنزل الله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ..﴾. إلخ. وقيل: إن النبي ﷺ رأى في منامه: أن ولد الحكم بن أميّة يتداولون منبره، كما يتداول الصبيان الكرة، فساءه ذلك، وهذا ضعيف جدا.

стр. 3215

﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ يعني: شجرة الزقوم؛ التي وصفها الله تعالى في سورة (الصافات) من الآية رقم [٦٢] وما بعدها، والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون، والفتنة فيها: أن أبا جهل قال: ابن أبي كبشة-يعني: النبي ﷺ -توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم: أنه تنبت فيها شجرة، وتعلمون: أن النار تحرق الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر، والزبد، ثم قال: يا جارية! تعالي فزقمينا. فأتت بتمر، وزبد، فقال: يا قوم! تزقموا، فإن هذا ما يخوفكم به محمد، فأنزل الله حين عجبوا أن يكون في النار شجر: ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ..﴾. إلخ فقد استغربوا من ذلك، ونسبوا لله العجز عن خلق شجرة في النار، وهو قادر على أكثر منه. ويقويه: أن النعامة تبتلع الجمر، والحديد المحمّى بالنار، ولا يحرقها، وإن طير السمندل يتّخذ من وبره مناديل، فإذا اتسخت؛ ألقيت في النار، فيزول وسخها، وتبقى بحالها. والمراد: بلعن الشجرة: لعن آكليها؛ لأنه لم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة، ولكن الله لعن الكفار، وهم آكلوها. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ أي: بالزقوم وغيرها. ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ أي: التخويف. ﴿إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ أي: تمردا، وعتوا عظيما. هذا؛ والطغيان: مجاوزة الحد، يقال: طغا، يطغى، ويطغو طغيانا، وطغوانا جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، وكل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. هذا؛ و (الناس) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده: «إنسان» من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس. قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ الآية رقم [٧١] الآتية. وقيل: إن أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وانظر شرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] فإنه جيد. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وابن هشام في مغنيه يعتبره مفعولا به للفعل المحذوف المقدر بما رأيت. ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَحاطَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿بِالنّاسِ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب

стр. 3216

مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: واذكر إذ... إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرُّؤْيَا:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ل: ﴿الرُّؤْيَا﴾. ﴿أَرَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: التي أريناكها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان ل ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فِتْنَةً،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما جَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، والعطف أقوى من الاستئناف. ﴿وَالشَّجَرَةَ:﴾ معطوف على ﴿الرُّؤْيَا﴾. ﴿الْمَلْعُونَةَ:﴾ صفة. ﴿فِي الْقُرْآنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هي». هذا؛ ويقرأ شاذا برفع «(الشجرة)» على اعتبارها مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: كذلك، وتكون الجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: نخوفهم بالشجرة وغيرها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَزِيدُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى مصدر الفعل السابق؛ أي: التخويف. إلا: حرف حصر. ﴿طُغْياناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿فَما يَزِيدُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١)﴾ الشرح: ما أحراك أن تنظر خلق آدم ﵇، وما جرى له مع إبليس-لعنه الله تعالى- في سورة (الحجر) الآية رقم [٢٦] وما بعدها. هذا؛ وقد قال القرطبي: تقدّم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان، فانجرّ الكلام إلى ذكر آدم، والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين، وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه، وأبى السجود. وقال ما قال. انتهى. هذا؛ وآدم: اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى: الأسوة، أو من أديم الأرض؛ أي: من وجهها، وترابها، أو من الأدمة بمعنى: الألفة، وأصله أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإنّ أصله إئمان، وكما قلبت في أومن، فإن أصله: أأأمن بثلاث همزات، فاستثقلوا اجتماع ثلاث همزات، فحذفوا الثانية طلبا للتخفيف فبقي: أأمن بهمزتين، الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، فقلبت الساكنة واوا لسكونها، وانضمام ما قبلها، فصار أومن، ومثل آدم في إعلاله: آمن، وما جرى مجراه.

стр. 3217

الإعراب: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِآدَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَإِذْ قُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. ﴿فَسَجَدُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (سجدوا): ماض، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ ورأيت الخلاف فيه، هل هو متصل، أو منقطع؟ وجملة: ﴿فَسَجَدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبليس. ﴿أَأَسْجُدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أسجد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». لمن: متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿خَلَقْتَ﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص خلقته. ﴿طِيناً:﴾ منصوب بنزع الخافض؛ إذ التقدير: من طين. وقيل: هو حال من (من)، أو من العائد المحذوف، وجاز وقوعه حالا وهو جامد؛ لدلالته على الأصالة، كأنه قال: متأصلا من طين. وقال الزجاج وتبعه ابن عطية: منصوب على التمييز، ولا يظهر ذلك؛ إذ لم يتقدم إبهام ذات، ولا نسبة. وجملة: ﴿أَأَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً (٦٢)﴾ الشرح: ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ﴾ أي: أخبرني. قال الجمل: استعمال «أرأيت» في الإخبار مجاز؛ أي: أخبرني عن هذه الحالة العجيبة. ووجه المجاز: أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب. انتهى. بتصرف من سورة (الأنعام). ﴿هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: فضلته عليّ بأمري بالسجود له. والتقدير: لم فضلته وقد خلقتني من نار، وخلقته من طين؟ ولم يجبه الله عن هذا السؤال إهمالا له، وتحقيرا؛ حيث اعترض على مولاه ب: (لم)؟ انظر الإعراب. ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي: أمهلتني، وهو جواب قسم محذوف، وفي سورة (الأعراف) و (الحجر) وسورة (ص) طلب الإنظار، والإمهال طلبا، فأعطي ما طلب فتنة، وابتلاء. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ:﴾ لأستولين عليهم، أو لأقودنهم حيث شئت. وقيل: معناه: لأستأصلنهم بالإغواء والإضلال. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ منهم، لا أقدر عليهم؛ لاعتصامهم بحبلك المتين، واتباعهم لسنن الأنبياء والمرسلين، وهم المذكورون في الآية [٦٥]

стр. 3218

الآتية. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١١٨ - ١١٩] من سورة (النساء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والفعل المضارع مأخوذ من: احتنك الجراد الزرع: إذا أكله كله، أو من قولهم: حنكت الفرس، أحنكه، وأحنكه حنكا: إذا جعلت في فيه الرسن. والأول: قريب من هذا لأن الجراد يأتي على الزرع بالحنك. وانظر شرح: (ذرية) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿أَرَأَيْتَكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (رأيتك): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والهاء حرف تنبيه لا محل له. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة اسم الإشارة، أو بدل منه، والجملة الفعلية بعده صلة له، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: كرمته علي، والمفعول الثاني: محذوف، التقدير: لم كرمته علي؟ هذا؛ وقيل: الكاف هي المفعول الأول، واسم الإشارة مبتدأ، وقبله استفهام مقدر: «أي: أهذا...» إلخ؟ والموصول مع صلته خبره، والجملة الاسمية هي المفعول الثاني، والمعتمد الأول. والجملة الفعلية: ﴿أَرَأَيْتَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير: وحقك، أو أقسم بك. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَخَّرْتَنِ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، وقرئ بإثباتها مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلى يَوْمِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أحتنكن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل تقديره: «أنا»، والنون حرف دال على التوكيد لا محل له. ﴿ذُرِّيَّتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: منهم، وجملة: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه؛ على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والكلام: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له، وهو من مقول إبليس. تأمل. ﴿قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ:﴾ اذهب: هذا أمر إهانة؛ أي: امض لشأنك، فقد أمهلناك، وأنظرناك. ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ: أي: من أطاعك من ذرية آدم، فمآلك، ومآلهم جهنم

стр. 3219

تحترقون بها جميعا. فغلب المخاطبين على الغائب. أو الخطاب للتابعين، فيكون من باب الالتفات. ومعنى: ﴿مَوْفُوراً:﴾ وافرا كاملا. هذا؛ وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). هذا؛ وقد أمر الله الشيطان في الآية وما بعدها بأوامر خمسة، القصد منها التهديد، والاستدراج؛ لا التكليف؛ لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿اِذْهَبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف مفيد للتعليل، أو هي حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَكَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، والكاف مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسمها. ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ خبر (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله المصدر قبله. وقيل: عامله محذوف، تقديره: تجازون جزاء. وقيل: هو حال موطئة. وقيل: هو تمييز. ﴿مَوْفُوراً:﴾ صفة ﴿جَزاءً،﴾ وهو بمعنى: وافرا، كما رأيت، والجملة: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، تقديره: فلا خير فيهم؛ فتكون الجملة الاسمية تعليلا للنفي المقدر، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فالكلام على ذلك مستوفى في الآية المذكورة، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، وهي من مقول الله تعالى على الاعتبارين. تأمل. ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (٦٤)﴾ الشرح: ﴿وَاسْتَفْزِزْ:﴾ استزل، أو استخف، واستفزه الخوف؛ أي: استخفه، وهو كغيره أمر تعجيز. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ:﴾ أن تستفزه، وأن تضله. ﴿بِصَوْتِكَ:﴾ صوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى. قاله ابن عباس-﵄. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الغناء، والمزامير، واللهو صوته. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي: اجمع عليهم مكايدك، وحبائلك، واحثثهم على الإغواء. وقيل: معناه: استعن عليهم بركبان جندك، ومشاتهم. يقال: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، فكل من قاتل، أو مشى في معصية الله فهو من جنود إبليس. هذا؛ والإجلاب: السوق بجلبة من السائق، والجلب، والجلبة: الأصوات. هذا؛ ويقرأ: (رجلك) بكسر الجيم وسكونها، فهو جمع: راجل، مثل صحب، وصاحب.

стр. 3220

﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ أي: بحملهم على كسب الأموال، وجمعها من الحرام، وإنفاقها في غير طاعة الله تعالى، وبالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم، أو الإشراك فيه بتسميته عبد العزى، ونحوه، أو بالتضليل عن طريق الهدى، أو إهمال الولد بدون تربية؛ حتى يتعود الأفعال القبيحة، والصفات الذميمة. هذا؛ ومشاركة الشيطان للإنسان في ماله، وولده تكون بترك التسمية عند الأكل، والشرب، واللباس، والجماع، وسائر التصرفات، وقد نبه النبي ﷺ على ذلك، وخذ ما يلي: فعن جابر بن عبد الله-﵄-أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه قال الشّيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء. وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله قال الشّيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت، والعشاء». رواه الخمسة إلا البخاري. وعن سلمان الفارسي-﵁-عن النبي ﷺ . قال: «من سرّه ألاّ يجد الشيطان عنده طعاما، ولا مقيلا، ولا مبيتا، فليسلّم إذا دخل بيته، وليسمّ على طعامه». رواه الطبراني. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أنّ أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهمّ جنّبني الشّيطان، وجنّب الشّيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد؛ لم يضرّه الشيطان، ولم يسلّط عليه». ويروى هذا الحديث بروايات مختلفة من طرق متعددة، والمرأة فيما ذكر كالرجل من أنها مطالبة بالتسمية في كل شيء. وقيل: إن الشيطان يعتمد على ذكر الرجل وقت الجماع، فإذا لم يقل: بسم الله أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل، وهو معنى قول مجاهد: إن الذي يجامع، ولا يسمي يلتفّ الشيطان على إحليله، فيجامع معه. وروي من حديث عائشة ﵂. قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ فيكم مغرّبين». قلت: يا رسول الله! وما المغرّبون؟ قال: «الّذين شارك فيهم الجنّ». انظر رقم [٥١] من سورة (الكهف)، وفي الخبر: أن إبليس-لعنه الله تعالى-قال: يا رب بعثت أنبياء، وأنزلت كتبا، فما قراءتي؟ قال: الشعر. قال: فما كتابي؟ قال: الوشم. قال: ومن رسلي؟ قال: الكهنة. قال: أي: شيء مطعمي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي. قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر. قال: وأين مسكني؟ قال: الحمامات. قال: وأين مجلسي. قال: في الأسواق. قال: وما حبائلي؟ قال: النساء. قال: وما أذاني؟ قال: المزمار. وانظر الآية رقم [٩٧ - ٩٨] من سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: المواعيد الباطلة كشفاعة الأصنام، وقل لهم: لا جنة، ولا نار، ولا بعث بعد الموت، ولا حساب، ولا جزاء. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً:﴾ الغرور تزيين الخطأ بما يوهم الصواب، وتزيين الباطل بما يظن أنه حق، ومثله الآية رقم [١٢٠] من سورة (النساء). تنبيه: في الآية الكريمة ما يدل على تحريم المزامير، والغناء، واللهو. وما كان من صوت الشيطان، أو فعله، وما يستحسنه؛ فواجب التنزه عنه. وروى نافع: أن ابن عمر-﵄-

стр. 3221

سمع صوت زمارة، فوضع إصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول: نعم، فمضى؛ حتى قلت له: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق. وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم!. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿وَاسْتَفْزِزْ:﴾ أمر، وفاعله، مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اِسْتَطَعْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المتصل في المفعول المقدر. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير العائد على (من)، و (من) بيان لما أبهم في (من) هذا؛ وقال أبو البقاء: (من) استفهام في موضع نصب ب: ﴿اِسْتَطَعْتَ،﴾ ولا يؤيده المعنى. تأمل. ﴿بِصَوْتِكَ:﴾ متعلقان بالفعل (استفزز) وجملة: ﴿وَاسْتَفْزِزْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَأَجْلِبْ..﴾. إلخ معطوفة أيضا، والجار والمجرور ﴿عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَجِلِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَشارِكْهُمْ﴾ إلخ معطوفة أيضا. ﴿وَعِدْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، والجملة معطوفة أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَعِدُهُمُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُوراً:﴾ مفعول به ثان على التوسع، أو هو نعت مصدر محذوف، التقدير: إلا وعدا غرورا، أو هو مفعول لأجله؛ أي: ما يعدهم المواعيد الكاذبة إلا لأجل الغرور. وجملة: ﴿وَما يَعِدُهُمُ..﴾. إلخ معترضة لبيان مواعيده الباطلة بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان، أو هي في محل نصب حال، والأول: أقوى. ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ: أي: إن عبادي المؤمنين المخلصين لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة من غير أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصة الله الذين هداهم، واجتباهم من عباده. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ أي: حافظا لعباده المؤمنين من وساوس الشياطين، فهو سبحانه يحفظهم من كيدهم، ويعصمهم من إغوائهم، وإضلالهم. وفي الآية دليل على أنّ المعصوم من عصمه الله، وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا بقوته. فائدة: ذكر اليافعي عن الشاذلي: أن ممّا يعين على دفع وسوسة الشيطان: أنك عند وسوسته لك تضع يدك اليمنى على جانب صدرك الأيسر بحذاء القلب: وتقول: سبحان الملك

стр. 3222

القدوس الخلاق الفعال سبع مرات، ثم تقرأ قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾. بعد هذا فالإضافة في قوله: ﴿عِبادِي﴾ إضافة تشريف، وتكريم، خصهم الله بالذكر، وشرفهم بالإضافة تنويها بشأنهم، وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. وانظر شرح (عبده) في الآية رقم [١]، وانظر شرح ﴿سُلْطانٌ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل)، وشرح (ربك) في الآية رقم [٨] وشرح: ﴿وَكِيلاً﴾ في الآية رقم [٢]. هذا؛ ﴿وَكَفى﴾ فهو هنا بمعنى: اكتف، فالباء زائدة عند الجمهور في الفاعل، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ،﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى، فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِبادِي:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿سُلْطانٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿سُلْطانٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية. لا محل لها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الباء: حرف جر صلة. (ربك): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَكِيلاً:﴾ تمييز. وقيل: حال من (ربك)، والأول: أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب؛ فلست مفندا. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦)﴾ الشرح: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: يسوق، ويجري، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً،﴾ وقال رويشد بن كثير الطائي: [البسيط] يا أيها الرّاكب المزجي مطيّته... سائل بني أسد ما هذه الصّوت؟ ومنه: ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي: يزجيها كل واحد؛ بمعنى: يدفعها، لرداءتها.

стр. 3223

وإزجاء الفلك: سوقها بالريح اللينة. وقد كان هذا في الزمن الغابر، أما اليوم فسوقها بالبخار والنار. هذا؛ والفلك بضم الفاء وسكون اللام يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد، وذكر. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد، والجمع. وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فتذكر، وإلى السفينة فتؤنث، وقد ألغز الشاعر فيها، فقال: [الطويل] مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل ولا تنس: أن أول من اخترع الفلك-وهي السفينة-نوح ﵊، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ والفلك: بفتحتين مدار النجوم، ويجمع على: فلك بضم الفاء وسكون اللام وضمها أيضا وعلى: أفلاك أيضا، والفلك من كل شيء: مستداره ومعظمه، والفلكي منسوب إلى علم الفلك. و ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الرزق، والأرباح بالتجارة التي تنقل من بلاد إلى بلاد بواسطة السفن التي تمخر عباب البحار. ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً:﴾ حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه، وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه. وانظر شرح ﴿الرَّحِيمِ﴾ في البسملة أول سورة (يوسف) ﵇، وشرح ﴿كانَ﴾ في الآية [٣٠]. الإعراب: ﴿رَبُّكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والميم علامة جمع الذكور. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُزْجِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلته لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُزْجِي﴾ أيضا. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُزْجِي﴾. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة و ﴿فَضْلِهِ:﴾ مفعول به، والأول: أقوى. ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً:﴾ تقدم إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣] وغيرها، والجملة الاسمية تعليل آخر لقوله: ﴿يُزْجِي،﴾ والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3224

﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ:﴾ الضر في الأصل: كل ما ينوب الإنسان في هذه الدنيا من فقر، ومرض، وفقد نفس، وخوف... إلخ، والمراد: به هنا: خوف الغرق في البحر، والإمساك عن الجري، واضطراب البحر، وتموجه. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ:﴾ ذهب عن بالكم، وخواطركم كل من تدعون في حوادثكم من الأصنام وغيرها. ﴿إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي: إلا الله وحده، فإنكم لا تذكرون سواه في الشدائد، والملمات؛ لأنه القادر على نجاتكم، وإعانتكم، وغيره لا يقدر. ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ أي: أجاب دعاءكم، وأنقذكم من هول البحر، وشدته. ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: عن الإيمان، والإخلاص، والطاعة، وكفرتم النعمة. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً:﴾ المراد به هنا: الكافر. وقيل: المعنى: وطبع الإنسان جحودا للنعم إلا من عصمه الله، ووفقه للشكر، فالمراد جنس الإنسان. هذا؛ ولقد تكرر معنى الآية في كثير من السور، فينبغي التنبه له. وانظر شرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، وشرح ﴿الْكافِرِينَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] منها. وانظر شرح (البحر) في الآية رقم [٧٠] الآتية، ولقد استعمل (من) وهي للعاقل لغير العاقل، وهي الأصنام؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة العاقل: من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، وتقديسها، وتعظيمها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] من سورة (النحل) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّكُمُ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿الضُّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضر. وقيل من البحر. ﴿ضَلَّ:﴾ ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ضل الذي تدعونه من دون الله، والجملة الفعلية: جواب (إذا) لا محل لها. إلا: أداة استثناء. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام

стр. 3225

الأول. والمشهور الثاني. ﴿نَجّاكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقدر الجلال الكلام: «فلما نجاكم من الغرق، وأوصلكم إلى البر» وعليه فالجار والمجرور: ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ متعلقان بالفعل المحذوف، وهو ما صرح به الجمل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿أَعْرَضْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب لمّا، لا محل لها، ولمّا ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو كلام مستأنف، لا محل له على الوجهين، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨)﴾ الشرح: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ:﴾ المعنى: لا تأمنوا عقاب الله، وانتقامه، فإن من يقدر على إهلاككم بالغرق يقدر أن يهلككم في البر بأحد أمرين: إما خسف ناحية من الأرض بكم، وإما إرسال ريح شديدة ترميكم بالحصباء، وهي صغار الحصى، أو إرسال حجارة من السماء عليكم، كما أرسلت على قوم لوط ﵇. هذا؛ والخسف: انهيار الأرض بالشيء. وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه جلس، وخسف الله به الأرض من باب ضرب؛ أي: غاب به فيها، وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة والحقارة. قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد وجانب البر: ناحية من الأرض. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: حافظا ونصيرا يمنعكم من عقاب الله وانتقامه. الإعراب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي فيه معنى التهديد. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (أمنتم): فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَخْسِفَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله). بكم: متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿جانِبَ الْبَرِّ،﴾ والتقدير: مصحوبا بكم، والأول: أقوى معنى. ﴿جانِبَ:﴾ مفعول به. وقيل: ظرف مكان، والأول: أقوى، و ﴿جانِبَ:﴾ مضاف، و ﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿يَخْسِفَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أنجوتم من الغرق، فأمنتم
следующие страницы →