← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

سمع صوت زمارة، فوضع إصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول: نعم، فمضى؛ حتى قلت له: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق. وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم!. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿وَاسْتَفْزِزْ:﴾ أمر، وفاعله، مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اِسْتَطَعْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المتصل في المفعول المقدر. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير العائد على (من)، و (من) بيان لما أبهم في (من) هذا؛ وقال أبو البقاء: (من) استفهام في موضع نصب ب: ﴿اِسْتَطَعْتَ،﴾ ولا يؤيده المعنى. تأمل. ﴿بِصَوْتِكَ:﴾ متعلقان بالفعل (استفزز) وجملة: ﴿وَاسْتَفْزِزْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَأَجْلِبْ..﴾. إلخ معطوفة أيضا، والجار والمجرور ﴿عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَجِلِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَشارِكْهُمْ﴾ إلخ معطوفة أيضا. ﴿وَعِدْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، والجملة معطوفة أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَعِدُهُمُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُوراً:﴾ مفعول به ثان على التوسع، أو هو نعت مصدر محذوف، التقدير: إلا وعدا غرورا، أو هو مفعول لأجله؛ أي: ما يعدهم المواعيد الكاذبة إلا لأجل الغرور. وجملة: ﴿وَما يَعِدُهُمُ..﴾. إلخ معترضة لبيان مواعيده الباطلة بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان، أو هي في محل نصب حال، والأول: أقوى. ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ: أي: إن عبادي المؤمنين المخلصين لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة من غير أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصة الله الذين هداهم، واجتباهم من عباده. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ أي: حافظا لعباده المؤمنين من وساوس الشياطين، فهو سبحانه يحفظهم من كيدهم، ويعصمهم من إغوائهم، وإضلالهم. وفي الآية دليل على أنّ المعصوم من عصمه الله، وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا بقوته. فائدة: ذكر اليافعي عن الشاذلي: أن ممّا يعين على دفع وسوسة الشيطان: أنك عند وسوسته لك تضع يدك اليمنى على جانب صدرك الأيسر بحذاء القلب: وتقول: سبحان الملك

стр. 3222

القدوس الخلاق الفعال سبع مرات، ثم تقرأ قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾. بعد هذا فالإضافة في قوله: ﴿عِبادِي﴾ إضافة تشريف، وتكريم، خصهم الله بالذكر، وشرفهم بالإضافة تنويها بشأنهم، وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. وانظر شرح (عبده) في الآية رقم [١]، وانظر شرح ﴿سُلْطانٌ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل)، وشرح (ربك) في الآية رقم [٨] وشرح: ﴿وَكِيلاً﴾ في الآية رقم [٢]. هذا؛ ﴿وَكَفى﴾ فهو هنا بمعنى: اكتف، فالباء زائدة عند الجمهور في الفاعل، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ،﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى، فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِبادِي:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿سُلْطانٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿سُلْطانٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية. لا محل لها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الباء: حرف جر صلة. (ربك): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَكِيلاً:﴾ تمييز. وقيل: حال من (ربك)، والأول: أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب؛ فلست مفندا. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦)﴾ الشرح: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: يسوق، ويجري، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً،﴾ وقال رويشد بن كثير الطائي: [البسيط] يا أيها الرّاكب المزجي مطيّته... سائل بني أسد ما هذه الصّوت؟ ومنه: ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي: يزجيها كل واحد؛ بمعنى: يدفعها، لرداءتها.

стр. 3223

وإزجاء الفلك: سوقها بالريح اللينة. وقد كان هذا في الزمن الغابر، أما اليوم فسوقها بالبخار والنار. هذا؛ والفلك بضم الفاء وسكون اللام يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد، وذكر. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد، والجمع. وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فتذكر، وإلى السفينة فتؤنث، وقد ألغز الشاعر فيها، فقال: [الطويل] مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل ولا تنس: أن أول من اخترع الفلك-وهي السفينة-نوح ﵊، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ والفلك: بفتحتين مدار النجوم، ويجمع على: فلك بضم الفاء وسكون اللام وضمها أيضا وعلى: أفلاك أيضا، والفلك من كل شيء: مستداره ومعظمه، والفلكي منسوب إلى علم الفلك. و ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الرزق، والأرباح بالتجارة التي تنقل من بلاد إلى بلاد بواسطة السفن التي تمخر عباب البحار. ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً:﴾ حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه، وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه. وانظر شرح ﴿الرَّحِيمِ﴾ في البسملة أول سورة (يوسف) ﵇، وشرح ﴿كانَ﴾ في الآية [٣٠]. الإعراب: ﴿رَبُّكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والميم علامة جمع الذكور. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُزْجِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلته لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُزْجِي﴾ أيضا. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُزْجِي﴾. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة و ﴿فَضْلِهِ:﴾ مفعول به، والأول: أقوى. ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً:﴾ تقدم إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣] وغيرها، والجملة الاسمية تعليل آخر لقوله: ﴿يُزْجِي،﴾ والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 3224

﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ:﴾ الضر في الأصل: كل ما ينوب الإنسان في هذه الدنيا من فقر، ومرض، وفقد نفس، وخوف... إلخ، والمراد: به هنا: خوف الغرق في البحر، والإمساك عن الجري، واضطراب البحر، وتموجه. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ:﴾ ذهب عن بالكم، وخواطركم كل من تدعون في حوادثكم من الأصنام وغيرها. ﴿إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي: إلا الله وحده، فإنكم لا تذكرون سواه في الشدائد، والملمات؛ لأنه القادر على نجاتكم، وإعانتكم، وغيره لا يقدر. ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ أي: أجاب دعاءكم، وأنقذكم من هول البحر، وشدته. ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: عن الإيمان، والإخلاص، والطاعة، وكفرتم النعمة. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً:﴾ المراد به هنا: الكافر. وقيل: المعنى: وطبع الإنسان جحودا للنعم إلا من عصمه الله، ووفقه للشكر، فالمراد جنس الإنسان. هذا؛ ولقد تكرر معنى الآية في كثير من السور، فينبغي التنبه له. وانظر شرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، وشرح ﴿الْكافِرِينَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] منها. وانظر شرح (البحر) في الآية رقم [٧٠] الآتية، ولقد استعمل (من) وهي للعاقل لغير العاقل، وهي الأصنام؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة العاقل: من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، وتقديسها، وتعظيمها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] من سورة (النحل) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّكُمُ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿الضُّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضر. وقيل من البحر. ﴿ضَلَّ:﴾ ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ضل الذي تدعونه من دون الله، والجملة الفعلية: جواب (إذا) لا محل لها. إلا: أداة استثناء. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام

стр. 3225

الأول. والمشهور الثاني. ﴿نَجّاكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقدر الجلال الكلام: «فلما نجاكم من الغرق، وأوصلكم إلى البر» وعليه فالجار والمجرور: ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ متعلقان بالفعل المحذوف، وهو ما صرح به الجمل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿أَعْرَضْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب لمّا، لا محل لها، ولمّا ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو كلام مستأنف، لا محل له على الوجهين، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨)﴾ الشرح: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ:﴾ المعنى: لا تأمنوا عقاب الله، وانتقامه، فإن من يقدر على إهلاككم بالغرق يقدر أن يهلككم في البر بأحد أمرين: إما خسف ناحية من الأرض بكم، وإما إرسال ريح شديدة ترميكم بالحصباء، وهي صغار الحصى، أو إرسال حجارة من السماء عليكم، كما أرسلت على قوم لوط ﵇. هذا؛ والخسف: انهيار الأرض بالشيء. وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه جلس، وخسف الله به الأرض من باب ضرب؛ أي: غاب به فيها، وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة والحقارة. قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد وجانب البر: ناحية من الأرض. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: حافظا ونصيرا يمنعكم من عقاب الله وانتقامه. الإعراب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي فيه معنى التهديد. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (أمنتم): فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَخْسِفَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله). بكم: متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿جانِبَ الْبَرِّ،﴾ والتقدير: مصحوبا بكم، والأول: أقوى معنى. ﴿جانِبَ:﴾ مفعول به. وقيل: ظرف مكان، والأول: أقوى، و ﴿جانِبَ:﴾ مضاف، و ﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه، و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿يَخْسِفَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أنجوتم من الغرق، فأمنتم

стр. 3226

إلخ، والكلام كله مستأنف. ﴿يُرْسِلَ:﴾ معطوف على يخسف منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حاصِباً:﴾ مفعول به. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. لا: نافية. ﴿تَجِدُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، انظر المعنى في الشرح. ﴿وَكِيلاً:﴾ مفعول به. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩)﴾ الشرح: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى:﴾ الخطاب للمشركين الذين يلجئون إلى الله في الشدائد عند اضطراب البحر، وهيجانه، ثم يعرضون عنه تعالى إذا نجاهم منه، ومن كل شدة، وبلاء، والمعنى: هل أمنتم أن ترجعوا إلى البحر مرة ثانية بسبب ضرورة تلجئكم إليه؟ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ﴾ أي: رياحا شديدة تقصف؛ أي: تكسر كل شيء من شجر، وغيره. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ:﴾ فيهلككم في البحر بسبب كفركم، وجحودكم نعم الله تعالى. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: إنا نفعل بكم ما نفعل من الهلاك، وغيره، ثم لا تجدون أحدا يطالبنا بما فعلنا بكم انتصارا لكم، ولا يستطيع أحد أن ينكر علينا ما نفعله بكم. هذا؛ والأفعال الخمسة: (يخسف، يرسل، يعيد، فيرسل، فيغرقكم) تقرأ بالياء كما رأيت، ولا التفات حينئذ، وتقرأ أيضا بالنون، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، والقراءتان سبعيتان، انظر الالتفات في الآية [٢٢] من سورة (النحل). تنبيه: الريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرك لطيف. ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وأصله الرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل فيه كما فعل بأصل «ريح» والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكّر على معنى الهواء. والرياح الأصول أربع: إحداها الشّمال، وتأتي من ناحية الشام، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف باردة في الشتاء، والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا، والرابعة: الدبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات، يقال لها: النكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق. قيل لها: أزيب، بفتح الهمزة وسكون الزاي، وفتح الياء. وإن خرجت من بين

стр. 3227

الشمال، والغرب؛ قيل لها: جربيا، بكسر الجيم، وسكون الراء وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشمال، والشرق؛ قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب والغرب. قيل لها: هيف، بفتح الهاء وسكون الياء، وقد جمع الثمانية النواجي بقوله: [الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمأل... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ ومن بينها النكباء أزيب جربيا... وصابية، والهيف خاتمة العدّ هذا؛ وأضيف: أن ريح الصّبا نصر الله بها نبيه محمدا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما ستقف عليه في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى، وأنّ ريح الدبور أهلك بها قوم عاد. ونبيّهم هود ﵇، كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇. قال الرسول ﷺ : «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». هذا، ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة والقوة. قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دالت لهم الدولة، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر، قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السكون متى يكون؟ فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: «إن الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم، وأربع منها رحمة، وهي الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات». الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يُعِيدَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿تارَةً:﴾ نائب مفعول مطلق، وبعضهم يعتبره ظرفا متعلقا بالفعل قبله. ﴿أُخْرى:﴾ صفة: ﴿تارَةً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَيُرْسِلَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قاصِفاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الرِّيحِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قاصِفاً﴾. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل،

стр. 3228

وفاعل، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، واعتبار (ما) موصولة ضعيف معنى. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجِدُوا:﴾ معطوف على ما قبله أيضا منصوب، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الأول. ﴿عَلَيْنا بِهِ:﴾ كلاهما متعلق ب ﴿تَبِيعاً﴾ بعدهما، وأجيز تعليق (به) بمحذوف حال من تبيعا. ﴿تَبِيعاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هو أنهم يأكلون بالأيدي، وغيرهم يأكل بفيه من الأرض. وقيل: بالعقل. وقيل: بالنطق، والتمييز، والخط، والفهم. وقيل: باعتدال القامة، وحسن الصورة. وقيل: بتسليطهم على جميع ما في الأرض، وتسخيره لهم. وقيل: غير ذلك. ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ أي: على الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، وهذا في الزمن الماضي، وأما في هذا الزمن فالحمل بواسطة الطائرات، والسيارات. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: وحملناهم في البحر على السفن، وهذا من مؤكدات التكريم؛ لأن الله سخر لهم هذه الأشياء؛ لينتفعوا بها، ويستعينوا بها على مصالحهم. ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: لذيذ المطاعم، والمشارب، وجعل رزق غيرهم ممّا لا يخفى. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً:﴾ وينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ وقال في آخرها: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ ولا بد من الفرق بين التكريم، والتفضيل، وإلا؛ لزم التكرار، والأقرب أن يقال: إن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ذاتية طبيعية، مثل: العقل، والنطق، والخط، وحسن الصورة، ثم إنه عرفه بواسطة العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل. هذا؛ ويفيد قوله: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ..﴾. إلخ أن الله فضل بني آدم على كثير ممن خلق، لا على الكل، فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق لا على الملائكة، وهذا مذهب المعتزلة. وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة، مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وأشباههم، والقول الفصل في هذه المسألة أن خواص البشر، وهم الرسل أفضل من خواص الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وبقية العشرة المقربين، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر، وعوام البشر أفضل من عوام الملائكة. هذا؛ والبر بفتح الباء: الأرض اليابسة غير البحر، وهو بضم الباء: حب القمح وبكسرها: عمل الخير مطلقا. و (البحر): الماء الكثير، أو الملح، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. هذا؛ وقد ثبت

стр. 3229

جغرافيا أن مساحة البحر تعدل ثلاثة أضعاف مساحة البر، وروي: أن أنواع المخلوقات وأجناسها الموجودة في أعماق البحر أكثر ممّا يوجد على سطح الأرض. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا:﴾ انظر إعراب مثله في الآية رقم [٤١]. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَحَمَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَحَمَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الفعلية الواقعة جوابا للقسم، وكذلك الجملتان: ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان بكثير، أو بمحذوف صفة له، و (من): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بمن، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء خلقناه. ﴿تَفْضِيلاً:﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ أي: بنبيهم الذي اتبعوه في الدنيا، والإمام: من يؤتم به؛ أي: يقتدى به، فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم، ﵇. هاتوا متبعي موسى، ﵇. هاتوا متبعي الشيطان. هاتوا متبعي الأصنام، فيقوم أهل الحق، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل، فيأخذون كتبهم بشمالهم. وقيل: يدعون بكتابهم الذي أنزل عليهم. وقيل: بكتاب أعمالهم. وعن ابن عباس-﵄-بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال. فيكون المراد بالإمام: من ائتمّوا به في دنياهم، وفوضوا إليه أمورهم وأحكام معايشهم، وقلدوه في شئون دنياهم، وآخرتهم. وقال محمد بن كعب: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ أي: بأمهاتهم، وإمام جمع آمّ، أو جمع أم، كخف وخفاف. والحكمة في ذلك: إجلال عيسى، ﵇، وإظهار شرف الحسن، والحسين ﵄-وأن لا يفتضح أولاد الزنى، وهذا أضعف ما ذكرته من الأقوال؛ لما روي عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأوّلين، والآخرين يوم القيامة، يرفع لكلّ غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان». أخرجه البخاري، ومسلم، فقوله: «هذه غدرة فلان بن فلان». دليل على أنّ الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم، وأسماء

стр. 3230

آبائهم. انتهى. وعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم؛ فحسّنوا أسماءكم». رواه أبو داود، وابن حبان. ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ:﴾ قال القرطبي: هذا يقوي قول من قال: (بإمامهم): بكتابهم، ويقويه أيضا قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾ فأولئك: الإشارة إلى كل أناس. ﴿يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي: لا ينقصون من أجورهم أدنى شيء، وذكر أصحاب اليمين يدل على أنّ من أوتي كتابه بشماله إذا اطلع على ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذا لم يذكرهم، مع أن الآية التالية تشعر بذلك، وتشير إليه. هذا؛ والفتيل: هو الخيط الذي في شق نوى التمرة، يضرب به المثل في الحقارة. وقيل: هو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ، كما يضرب المثل بالقطمير، وهو القشرة التي تحيط بالنواة. والنقير: هو النقرة في ظهر النواة، تنبت منها النخلة، والثلاثة مذكورة في القرآن الكريم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿يَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] وشرح: ﴿أُناسٍ﴾ في الآية [٦٠] وشرح: (كتاب) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ وذكر أبو البقاء، أوجها أخر، فيها بعد، وغرابة. ﴿نَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». كل: مفعول به. هذا؛ ويقرأ: «(يدعى كل)» بالبناء للمجهول ورفع (كلّ) على أنه نائب فاعله، و ﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و ﴿أُناسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِمامِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كُلَّ أُناسٍ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَدْعُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أُوتِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من)، وهو المفعول الأول. ﴿كِتابَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وقد راعى لفظ (من) هنا، وراعى معناها فيما يلي. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ خبرها، وزيدت الفاء في خبرها لتحسين اللفظ، ولأن الموصول

стр. 3231

يشبه الشرط في العموم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به في الأصل. ﴿فَتِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ظلما فتيلا، كما تقول: لا أظلم قليلا، ولا كثيرا. وقيل: ضمن الفعل معنى لا يتعدى لاثنين، فانتصب ﴿فَتِيلاً﴾ على أنه مفعول ثان، التقدير: ولا ينقصون فتيلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى:﴾ المراد عمى القلب، والبصيرة، لا عمى البصر، والمعنى: من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي قد عددها الله في هذه الآيات المتقدمة، ولا يتفكر فيها. ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ أي: لا يرى طريق النجاة، ولا يهتدي إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية [٩٧] الآتية. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: أخطأ طريقا عن الهدى، والنجاة، وهذا لا ينفي: أنه يقرأ كتاب أعماله الذي يعطاه، بل يقرؤه كما رأيت في الآية رقم [١٤] ولكن لا يقرؤه قراءة سرور، وإنما يقرؤه، ويغتمّ بقراءته، ويقول: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ وانظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الحج) ففيها كبير فائدة. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. في هذه: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿أَعْمى:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْمى﴾ بعدهما. وانظر بقية الإعراب في الآية السابقة، فهي مثلها في كل ما ذكر. هذا؛ والضمير الواقع في الجواب هو الرابط بالمبتدإ على اعتبار: (من) موصولة، أو شرطية. ﴿وَأَضَلُّ:﴾ معطوف على ﴿أَعْمى﴾ مرفوع مثله. ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي..﴾. إلخ: قيل في سبب نزولها: أن النبي ﷺ أراد أن يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا، وتمسها، فحدث نفسه: ما عليّ أن أفعل ذلك، والله يعلم: أني كاره بعد أن يدعوني أستلم الحجر. وقيل: طلبوا منه أن يذكر آلهتهم بخير، ويثني عليها حتى يسلموا، ويتبعوه، فحدث نفسه، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 3232

وقال ابن عباس-﵄: قدم وفد ثقيف على النبي ﷺ ، فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: «وما هن؟». قالوا: لا ننحني في الصلاة، ولانكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها، فقال النبي ﷺ : «لا خير في دين لا ركوع فيه، ولا سجود، وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم، فذاك لكم، وأما الطاغية يعني: اللات، والعزى؛ فإني غير ممتعكم بها». قالوا: يا رسول الله! إنا نحب أن تسمع العرب: أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا؛ فقل: الله أمرني بذلك، فسكت النبي ﷺ ، فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله الآية. انتهى خازن. أقول: وهذا يناقض ما ذكرته في مقدمة السورة: أن الآية وما بعدها ممّا نزل في المدينة. ومعنى الآية: هموا، وأرادوا أن يصرفوك عن الذي أنزلناه إليك من القرآن، والهدى، والنور؛ لتفتري، وتختلق علينا ما لم نقله لك، ولو فعلت ما طلبوا منك؛ لاتخذوك صديقا لهم، ووالوك، وصافوك. بعد هذا؛ أما كاد يكاد فهو فعل يدل على مقاربة الفعل بعده؛ ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف النفي؛ دل على: أنّ الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي؛ لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع. والفعل منهما واوي العين، ف «كاد» أصله: كود بكسر الواو كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، و «يكاد» وزنه يكود، كيعلم، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا فصار: يكاد بوزن يخاف، ومصدره الكود، كالخوف، وهذا في كاد الناقصة، وأما كاد التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، ومصدره الكيد كالبيع؛ ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ ومعنى الأول: المقاربة، ومعنى الثاني: المكر، والأول: ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني: تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به. فائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد. قاله محب الدين الخطيب، شارح شواهد «الكشاف»، وجعل منه قول الأفوه الأودي: [البسيط] والبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فإن تجمّع أوتاد وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا أي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل] كدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى

стр. 3233

أي: أردنا، وأردت، دليله: «تلك خير إرادة». تنبيه: شاع على الألسن أن نفي (كاد) إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل] أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل] نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها، فالعلم غير بعيد وقد اتفقت كلمة النحاة على أنّ (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن ومتشابه، انظر الشاهد [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-والتحقيق أنها كسائر الأفعال نفيها نفي، وإثباتها إثبات إلا أنّ معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل؛ لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة إلا أنه لم يضيء، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه. وعلى هذا الزجاجي، وغيره، وذهب قوم منهم ابن جنيّ إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء، لآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾. وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى. وقوله مشابه لقول السيوطي المتقدم. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له. ﴿كادُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (يفتنونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله،

стр. 3234

والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كاد)، وجملة: ﴿وَإِنْ كادُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ الَّذِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أوحيناه. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِتَفْتَرِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يفتنونك). ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غَيْرَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِذاً:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): حرف جواب وجزاء. ﴿لاتَّخَذُوكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿خَلِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مثلها. هذا؛ وقدر الجلال: لو فعلت ذلك لاتخذوك... إلخ. قال الجمل معلقا: إذا حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين: (إذا) حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، وقوله: ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جواب قسم محذوف، تقديره: والله لاتخذوك. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن»، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول: كقول كثير عزة: [الطويل] لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها هذا هو الشاهد رقم [١٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقول قريط بن أنيف: [البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا هذا هو الشاهد رقم [٢٠] من الكتاب المذكور. هذا؛ وقال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام، فقبلها لو مقدرة، إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل. تأمل، وتدبر. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ﴾ أي: ولولا تثبيتنا إياك على الحق بحفظنا، ورعايتنا لك. ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ..﴾. إلخ: أي: لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم، والمعنى: أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خداعهم، وشدة احتيالهم، لكم أدركتك عنايتنا، فمنعت أن تقرب من الركون لما يريدون، فضلا عن أن تركن إليهم، وهو صريح في أنه ﷺ ما همّ بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليل على أنّ العصمة بتوفيق الله، وحفظه، وقد كان النبي ﷺ يقول بعد ذلك: «اللهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وانظر مبحث (كاد) في الآية السابقة. هذا؛ وفي ركن، يركن ثلاث لغات: من باب تعب، ومن باب قعد، ومن باب فتح.

стр. 3235

الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿ثَبَّتْناكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله و ﴿أَنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، التقدير: ولولا تثبيتنا موجود، والجملة الاسمية ابتدائية، وحالة محل شرط (لولا)، لا محل لها. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كِدْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ في محل نصب خبر (كاد)، والجملة الفعلية جواب (لولا)، لا محل لها. ﴿شَيْئاً:﴾ نائب مفعول مطلق. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة له، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥)﴾ الشرح: المعنى. لو ركنت إليهم؛ لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا، ومثلي عذاب الممات في الآخرة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. وهذا في غاية الوعيد، وإنما ضوعف العذاب على فرض ميل الرسول ﷺ لما يريده المشركون؛ لأنه كلّما كان مقام العبد أعلى؛ كان عذابه عند المخالفة أعظم، انظر الآية رقم [٣٧] من سورة (التوبة). ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً:﴾ يدفع عنك العذاب. بعد هذا انظر استعارة الذوق في الآية رقم [٩٤] من سورة (النّحل)، وإعلال: ﴿تَجِدُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] هذا؛ و «ضعف» بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. هذا الأصل في «الضعف» ثم استعمل في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا هو أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ لم يرد به مثلا، ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فأقل الضعف محصور، وهو المثل، وأكثره غير محصور. هذا؛ ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم قوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. الإعراب: ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له، وهو قائم مقام «لو». ﴿لَأَذَقْناكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو) المقدرة. (أذقناك): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿ضِعْفَ:﴾ مفعول به ثان، وهو على حذف المضاف، انظر الشرح، و ﴿ضِعْفَ:﴾ مضاف، و ﴿الْحَياةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة: ﴿لَأَذَقْناكَ..﴾. إلخ جواب «لو»، انظر التقدير في الشرح. ﴿ضِعْفَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (ضعف): مضاف، و ﴿الْمَماتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾

стр. 3236

حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجِدُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الأول. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿نَصِيراً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿لا تَجِدُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً (٧٦)﴾ الشرح: قيل: إن هذه الآية مدنية حسبما رأيت في أول السورة. قال ابن عباس-﵄: حسدت اليهود مقام النبي ﷺ في المدينة، فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فإن كنت نبيا فالحق بها، فإن خرجت إليها؛ صدقناك، وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه؛ لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية، فرجع. وقيل: إن الآية مكية. قال مجاهد، وقتادة: نزلت في همّ أهل مكة بإخراجه، ولو أخرجوه لما أمهلوا، ولكن الله أمره بالهجرة، فخرج. وهذا أصح؛ لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. انتهى. قرطبي. بعد هذا انظر شرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ:﴾ ليخرجونك. وقيل: ليزعجونك بمعاداتهم. والاستفزاز: الاستخفاف، انظر الآية رقم [٦٤]. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ أرض المدينة، أو أرض مكة. ﴿وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ:﴾ لا يقيمون. ﴿خِلافَكَ:﴾ بعدك، وقرئ: «(خلفك)» وهما بمعنى: واحد. قال الشاعر: [الكامل] عفت الدّيار خلافهم فكأنّما... بسط الشواطب بينهنّ حصيرا يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته؛ لتعمل منه الحصر، فهو يصف ديار الأحباب بعدهم غير مكنوسة كأنها بسط فيها سعف النخل... ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ فيه، وجهان: أحدهما: أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له من مكة إلى قتلهم يوم بدر قليلة، وهذا قول من ذكر: أنهم قريش. الثاني: أنها المدة ما بين ذلك وقتل بني قريظة، وجلاء بني النضير. وهذا قول من ذكر: أنهم اليهود. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، والمعنى: ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك إلا قليلا. الإعراب: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ انظر الآية رقم [٧٣] ففيها الكفاية. ﴿لِيُخْرِجُوكَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِذاً:﴾ الواو: حرف عطف. إذن: حرف جواب وجزاء، وهي مقدرة ب «لو» كما رأيت في الآية رقم [٧٣] ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَلْبَثُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿خِلافَكَ:﴾ ظرف مكان

стр. 3237

متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة لمصدر محذوف، أو لزمان محذوف، التقدير: إلا لبثا قليلا، أو إلا زمانا قليلا، والجملة الفعلية: ﴿لا يَلْبَثُونَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب ل: «لو» المقدرة، و «لو» المقدرة، ومدخولها معطوف على جملة: ﴿كادُوا..﴾. إلخ هذا؛ ويقرأ شاذا بنصب: «(لا يلبثوا)» على اعتبار (إذا) عاملة كما في آية النساء رقم [٥٣]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وتبقى الجملة على اعتبار الفعل منصوبا معطوفة على جملة: ﴿كادُوا..﴾. إلخ. ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧)﴾ الشرح: ﴿سُنَّةَ مَنْ..﴾. إلخ: المعنى: أنّ كل قوم أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فسنة الله أن يهلكهم، وألا يعذبهم ما دام نبيهم بينهم، فالسنة لله، وإضافتها للرسل لأنها من أجلهم، ويدل عليه: ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾ أي: تغييرا، أو تبديلا. وانظر شرح السنة في الآية رقم [١٣] من سورة (الحجر). وانظر شرح الرسل في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد)، ومثل هذه الآية في معناها ومغزاها قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب)، وهاكها: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾. الإعراب: ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: سن الله ذلك سنة. وقال الفراء: منصوب بنزع الخافض، وأصل الكلام: يعذبون كسنة من قد أرسلنا، فلما سقط الخافض عمل الفعل فيه. وقيل: هو مفعول به بفعل محذوف، تقديره: اتبع سنة، و ﴿سُنَّةَ:﴾ مضاف، و ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: سنة الذين قد أرسلناهم. ﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ رُسُلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿تَجِدُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لِسُنَّتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿تَحْوِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا تَجِدُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة المقدرة، واعتبارها حالا من (نا)، أو من الكاف أقوى معنى، والرابط على الاعتبارين هو: الواو، والضمير. ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨)﴾ الشرح: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: لزوالها، ويدل عليه قول النبي ﷺ : «أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت، فصلى بي الظهر». وقيل: لغروبها، وأصل التركيب

стр. 3238

للانتقال، ومنه الدلك، فإن الدالك لا تستقر يده، وكذا كل ما تركب من الدال واللام: دلج، ودلف، ودلع، ودله. وقيل: الدلوك من الدلك؛ لأن الناظر إلى الشمس يدلك عينيه ليدفع شعاعها، واللام للتأقيت، مثلها: لثلاث خلون. انتهى. بيضاوي، وهذا يعني: أن اللام بمعنى: «عند» أو «بعد». القائل: إن الدلوك هو الزوال ابن عباس، وابن عمر-﵄-والقائل: إنه الغروب ابن مسعود-﵁، وهو قول النخعي، ومقاتل، والضحاك، والسدي. ﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي: ظهور ظلمته. وقال ابن عباس: بدو الليل، وهذا يتناول المغرب، والعشاء. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر سمى الله الصلاة قرآنا؛ لأنها لا تجوز إلا بقرآن، كما سميت: ركوعا، وسجودا؛ لأنها لا تصح بدونهما. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] الآتية. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ أي: يشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار، فعن أبي هريرة ﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفضل صلاة الجمع (الجماعة) صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا، وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر». ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ فيا خيبة المهملين لصلاة الفجر، والعشاء في الجماعة، كيف لا؟ وهما أثقل صلاة على المنافقين. وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك إن كنت من أهل الإيمان، وتجد ما يسوؤك إن كنت من أهل النفاق. وانظر شرح: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇، وشرح القرآن في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿أَقِمِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِدُلُوكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (دلوك): مضاف، و ﴿الشَّمْسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلى غَسَقِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَقِمِ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الصَّلاةَ؛﴾ أي: ممتدة إلى غسق، وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قُرْآنَ:﴾ فيه ثلاثة، أوجه: أحدها: عطفه على ﴿الصَّلاةَ﴾ والثاني: نصبه على الإغراء بفعل محذوف؛ أي: الزم قرآن، والثالث: نصبه بفعل محذوف؛ أي: أقم قرآن، وهو مضاف، و ﴿الْفَجْرِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ تعليل للأمر، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ:﴾ الضمير يعود إلى (القرآن)، أو إلى ﴿اللَّيْلِ﴾ والتهجد: من الهجود، وهو من الأضداد، يقال: هجد: نام، وهجد: سهر على الضد. قال الشاعر: [الوافر] ألا زارت وأهل منى هجود... وليت خيالها بمنى يعود

стр. 3239

أي: نيام، وهجد، وتهجد بمعنى: واحد، وهجدته: أي: أنمته، وهجدته: أي: أيقظته، والتهجد: التيقظ بعد رقدة، فصار اسما للصلاة، لأنه ينتبه لها، فالتهجد: القيام إلى الصلاة من النوم. انتهى. قرطبي. وهو ما في كتب اللغة. ﴿نافِلَةً لَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: فريضة زائدة على الصلوات الخمس. وقيل: معناه: كرامة. وقيل: عطية لك. هذا؛ والنافلة: العطية بدون مقابل، كأنها مغنم، ومن هذا قوله ممتنا على إبراهيم-﵊: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ والنفل: الزيادة، ومنه: نفل الصلاة، والصوم، والحج، والصدقة: الذي يفعله المسلم زيادة على المكتوبات، وجمع النافلة: نافلات، ونوافل، والأنفال: الغنائم التي يكسبها المسلمون من أعدائهم بالحرب، كما في سورة (الأنفال). ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ..﴾. إلخ: اتفق المفسرون على أنّ كلمة «عسى» من الله تدخل فيما هو قطعي الوقوع؛ لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم حرمه، كان عارا عليه، والله أكرم من أن يطمع أحدا، ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه. هذا؛ وقد أجمع المفسرون على أنّ المراد بالمقام المحمود الشفاعة، لأنه أطمعه فيه الأولون، والآخرون، لما روى أبو هريرة ﵁-أن النبي ﷺ قال: «هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي». رواه الترمذي. وعنه أيضا قال رسول الله ﷺ : «إنّ لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي، فهي نائلة منكم، إن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئا». متفق عليه. هذا؛ وحديث الشفاعة مشهور مسطور في أمهات كتب الحديث. تنبيه: قد رأيت أن التهجد قد صار اسما للصلاة بعد النوم، وأما الصلاة في الليل قبل النوم فلا تسمى تهجدا، وإنما تسمى: قيام الليل، وعليه فمن نام بعد المغرب؛ فصلاته كلها تسمى تهجدا سواء أكانت فرضا، أو نفلا. هذا؛ وقد كانت صلاة الليل فريضة على النبي ﷺ ، وعلى جميع الأمة في ابتداء الإسلام، ثم نسخ الوجوب على الأمة بالصلوات الخمس، وبقي على الاستحباب والتطوع، وبقي الوجوب ثابتا في حقه ﷺ ، لما روي عن عائشة-﵂: أن النبي ﷺ . قال: «ثلاث هنّ عليّ فريضة وهي سنّة لكم: الوتر، والسّواك، وقيام اللّيل». وقيل: إن الوجوب صار منسوخا في حقه؛ كما في حق الأمة، فصار قيام الليل نافلة؛ لأن الله قال: نافلة لك، ولم يقل: عليك. هذا؛ وقد ورد أحاديث كثيرة شهيرة ترغب في قيام الليل، أذكر منها ما يلي: عن أبي مالك الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السّلام، وصلّى في اللّيل، والناس نيام». رواه ابن حبان. وعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كلّ عقدة: عليك ليل طويل، فارقد، فإن استيقظ،

стр. 3240

فذكر الله؛ انحلّت عقدة، فإن توضّأ؛ انحلّت عقدة، فإن صلّى؛ انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النّفس، وإلاّ أصبح خبيث النفس كسلان». متفق عليه. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يبغض كلّ جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة باللّيل، حمار بالنّهار، عالم بأمر الدّنيا، جاهل بأمر الآخرة». رواه ابن حبان في صحيحه. هذا؛ والجعظريّ: الشديد الغليظ، والجوّاظ: الأكول، والصّخّاب: الصّيّاح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله الموفق، والمعين، وبه استعين. الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنَ اللَّيْلِ):﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: قم، فعلى الأول: الفاء زائدة، وعلى الثاني: عاطفة جملة: (تهجد) على المقدرة، والكلام معطوف على جملة: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نافِلَةً:﴾ فيه أوجه: أحدها: هو مفعول به للفعل قبله وهذا على تضمين (تهجد) معنى فعل متعد. والثاني: هو مفعول مطلق، والمعنى: فتنفل نافلة، والنافلة مصدر كالعاقبة، والعافية، والثالث: هو حال، والمعنى: فصلّ حال كون الصلاة نافلة. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿نافِلَةً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿عَسى:﴾ البت في إعرابه يتوقف على إعراب: ﴿مَقاماً﴾ فإن فيه أربعة أوجه: أحدها هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والثاني: هو مفعول مطلق، عامله ما قبله؛ لأنه في معنى يقيمك، فهو مثل: «قعد جلوسا». الثالث: هو حال؛ أي: يبعثك ذا مقام محمود. الرابع: هو مفعول مطلق مؤكد لعامله المحذوف؛ أي: فتقوم مقاما؛ أي: هو مصدر ميمي، و ﴿عَسى﴾ على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعين فيها أن تكون تامة، ويكون فاعلها المصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ،﴾ ولا يجوز أن تكون ناقصة على أن يكون المصدر المؤول خبرا مقدما، و ﴿رَبُّكَ﴾ اسما مؤخرا، للفصل بأجنبي بين صلة الموصول، ومعمولها، فإن ﴿مَقاماً﴾ على الأوجه الثلاثة الأول: منصوب ب: ﴿يَبْعَثَكَ﴾ وهو صلة ل: ﴿أَنْ،﴾ فإذا جعلت ﴿رَبُّكَ﴾ اسمها كان أجنبيا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلا لم يكن أجنبيا، فلا يبالى بالفصل به، وأما على الوجه الرابع، فيجوز أن تكون ﴿عَسى﴾ التامة، والناقصة بالتقديم والتأخير لعدم المحظور المذكور؛ لأن ﴿مَقاماً﴾ معمول لغير الصلة، وهذا من محاسن صناعة النحو. انتهى. بتصرف من الجمل نقلا عن السمين؛ علما بأن ابن هشام لم يجوز إلا التمام. ﴿مَحْمُوداً:﴾ صفة مقاما، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ تعليل لطلب التهجد. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: معناه: أدخلني مدخل صدق المدينة، وأخرجني مخرج صدق من مكة. نزلت حين أمر رسول الله ﷺ بالهجرة،

стр. 3241

ومن المعلوم: أن إدخاله المدينة بعد إخراجه من مكة، وإنما قدمه عليه اهتماما بشأنه، ولأنه هو المقصود له. هذا؛ وقيل: المعنى: أدخلني في القبر مدخل صدق، وأخرجني منه يوم القيامة مخرج صدق، واستحسنه قائله ليتصل بالكلام السابق، كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو لينجز له ما وعده. وقيل: معناه: أخرجني من مكة آمنا من المشركين، وأدخلني مكة ظاهرا عليها بالفتح المبين. وقيل: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني من الدنيا، -وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة-مخرج صدق. وقيل: معناه: ادخلني في طاعتك مدخل صدق، وأخرجني من المناهي مخرج صدق. وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول. هذا؛ و ﴿مُدْخَلَ﴾ بضم الميم من الرباعي، وبفتحها من الثلاثي، فعلى الأول: هو مصدر على صورة اسم المفعول، وكثيرا ما يرد المصدر كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ ويحتمل أن يكون اسم مكان، وعلى الثاني: هو اسم مكان، ويحتمل أن يكون مصدرا أيضا. ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ أي: حجة بينة. وقيل: ملكا قويا تنصرني به على من عاداني، أو عزّا ظاهرا، أقيم به دينك، فوعده الله تعالى: لينزعن ملك فارس، والروم، وغيرهما، ويجعله له، وأجاب دعاءه. وقال له: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. بعد هذا انظر شرح (ربكم) في الآية رقم [٨] وشرح (سلطان) في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل)، أما (لدن) فهي بمعنى: عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها: إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها، معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث» ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لمّا لم يتمحض «لدن» في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا لدك. الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، ﴿أَدْخِلْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، ويا المتكلم مفعول به. ﴿مُدْخَلَ:﴾ هو مفعول مطلق، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله انظر الشرح، وهو مضاف، و ﴿صِدْقٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف لصفته، وجملة: ﴿وَأَخْرِجْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَاجْعَلْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت. ﴿لِي:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعول به ثان له. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُلْطاناً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار

стр. 3242

حالا... إلخ، و (لدن) مبني على السكون في محل جر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به أول. ﴿نَصِيراً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَاجْعَلْ لِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ . ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: الإسلام، والقرآن. ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ:﴾ ذهب، وهلك الباطل بجميع أنواعه وصنوفه، من: زهقت روحه: إذا خرجت بصعوبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ والفعل من باب: فتح، وقد يأتي من باب: فرح. ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ أي: مضمحلا غير ثابت، وذلك: أن الباطل؛ وإن كان له دولة، وصولة في وقت من الأوقات؛ فهو سريع الذهاب والزوال. فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ..﴾. إلخ، ﴿جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾. متفق عليه، يقال: إنها كانت مثبتة بالرصاص، وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه، ويقرأ الآية، ثم أمر بها، فكسرت. وكان قد بقي منها صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر، فقال النبي ﷺ لعليّ ﵁: «يا علي! ارم به». فصعد، فرمى به، فكسره، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده. تنبيه: في الآية الكريمة فن من فنون البلاغة يسمى فن التذييل، وهو أن يذيل الناظم، والناثر كلامه بعد تمامه، وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام، وتزيده توكيدا وتجري منه مجرى المثل لزيادة التحقيق، فالجملة الأخيرة هي التذييل الذي خرج مخرج المثل السائر، ومن شواهده في النظم قول الحطيئة: [الطويل] تزور امرأ يعطي على الحمد ماله... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فالشطر الثاني: من البيت مثل من الأمثال السائرة، وهذا التذييل نوع من أنواع الإطناب التي تذكر في مبحث المعاني، انظر كتاب القواعد بشرحنا وتحقيقنا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. بعد هذا بالإضافة لما رأيت من تفسير الباطل انظر الآية رقم [٧٢] من سورة (النحل). وانظر القول في الآية رقم [١٦] وشرح ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥] أما ﴿الْحَقُّ﴾ فهو ضد الباطل. قال الراغب: أصل «الحق» المطابقة، والموافقة كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و «الحق» يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى:

стр. 3243

هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة؛ ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو الموت والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق، وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدّر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق. ورأيك حق، ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي. وانظر: ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [٣٠]. الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله: أنت. وجملة: ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ معطوفة عليها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْباطِلَ..﴾. إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً (٨٢)﴾ الشرح: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ أي: بيان من الضلالة، والجهالة، يتبين به المختلف فيه، ويتضح المشكل، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. وقيل: هو شفاء للأمراض الباطنة، والظاهرة، فالأولى: الاعتقادات الباطلة، والثانية: الأخلاق المذمومة، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض، يدل عليه ما روي من قول النبي ﷺ لأبي سعيد الخدري في فاتحة الكتاب التي قرأها على اللديغ: «وما يدريك أنّها رقية؟». وعن أبي أمامة-﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ينفع بإذن الله تعالى من البرص، والجنون، والجذام، والبطن، والسّل، والحمّى، والنّفس أن تكتب بزعفران، أو بمشق (المغرة) أعوذ بكلمات الله التامّة، وأسمائه كلّها عامّة، من شرّ السّامّة والغامّة، ومن شرّ العين اللاّمّة، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن أبي فروة وما ولد». وهي كنية إبليس. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ فيه بالإضافة لما ذكر: تفريج الكروب، وتطهير العيوب، وتكفير الذنوب مع ما تفضل الله به من الثواب في تلاوته، كما روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً:﴾ لأن الظالم لا ينتفع به، فكان خسارة له، والمؤمن ينتفع به فكان رحمة له. قال قتادة-رحمه الله تعالى: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة، أو نقصان، قضاه الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (فصلت).

стр. 3244

الإعراب: ﴿وَنُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ننزل): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْقُرْآنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شِفاءٌ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على ﴿شِفاءٌ،﴾ وقرئ بالنصب عطفا على الموصول. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب: (رحمة) أو بمحذوف صفة لها، أو هما متعلقان ب: ﴿شِفاءٌ﴾ على التنازع، وجملة: ﴿وَنُنَزِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَزِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْقُرْآنِ﴾. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَساراً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَلا يَزِيدُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من القرآن ممكن، وعليه فالرابط: الواو، ورجوع الفاعل إليه. ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: بالصحة، والمال، والولد ونحو ذلك من منصب إلخ. ﴿أَعْرَضَ﴾ أي: عن ذكرنا، ودعائنا، وطاعتنا. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: تباعد منا. وقيل: تكبر، وتعظم. وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الحج) .. ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: المرض، والفقر، والضر، ونحو ذلك. ﴿كانَ يَؤُساً﴾ أي: قانطا من رحمتنا، والمراد: ب: ﴿الْإِنْسانِ﴾ الكافر، والفاجر، والملحد الذي لا يزيده القرآن إلا خسارا. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٧] وجملة: ﴿أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿أَعْرَضَ﴾ مع المتعلق المحذوف جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثلها. ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الْإِنْسانِ﴾. ﴿يَؤُساً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أي: كل واحد من الناس. ﴿يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ:﴾ على طريقته، ومذهبه الذي جبل عليه، أو هو يعمل على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه طيبة طاهرة؛

стр. 3245

صدرت عنه أفعال جميلة، وأخلاق كريمة عالية، وإن كانت نفسه خبيثة؛ صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة. هذا؛ وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة، والعادة، والدين، وفسر الشكل بالمثل، والنظير، كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾. ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ..﴾. إلخ: أي: أوضح طريقا، وأحسن مذهبا، واتباعا للحق. وانظر شرح (ربكم) في الآية رقم [٨] وشرح ﴿سَبِيلاً﴾ في الآية رقم [٤٢] و ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس على بابه، بل هو بمعنى: عالم. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى كل واحد. ﴿عَلى شاكِلَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَرَبُّكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ربكم): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَهْدى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله، وفاعل ﴿أَعْلَمُ﴾ ضمير مستتر وجوبا تقديره: «هو». ﴿سَبِيلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير، والجملة الاسمية: ﴿فَرَبُّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً (٨٥)﴾ الشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ أرجئ الكلام على السائلين إلى الآية رقم [٢٣] من سورة (الكهف). ﴿عَنِ الرُّوحِ:﴾ لقد اختلف في الروح هنا، فقيل: المراد: جبريل ﵇. وقيل: ملك عظيم الخلق، والشّكل. وقيل: جند من جنود الله، والمعتمد: أن المراد: الروح التي يكون بها حياة الجسد، فقد سألوا النبي ﷺ عن كيفية الروح، ومسلكها في بدن الإنسان، وكيفية امتزاجها بالجسم، واتصال الحياة بها، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله . انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇ عن الروح، والنفس، والعقل، ولا تنس: أن الروح يطلق على القرآن الكريم؛ لأن به حياة القلوب. قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ الآية [٥٢] من سورة (الشورى). وهذا يفيد أيضا: أن الروح تذكر، وتؤنث. ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من علم ربي الذي استأثر به، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه؛ ليعرف الإنسان عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها في جسده. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ﴾

стр. 3246

قَلِيلاً أي: مهما تعلمتم؛ فعلمكم بجانب علم الله تعالى قليل، بل هو طفيف لا قيمة له، والمراد: بذلك العالم كله. روي: أن النبي ﷺ لما قال لليهود ذلك. قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: «بل نحن، وأنتم». فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ الآية [٢٦٨] من سورة (البقرة) وساعة تقول: هذا فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ الآية رقم [٢٧] من سورة (لقمان). وما قالوه دليل على سوء فهمهم؛ لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم العبد من الخير، والحق ما تسعه الطاقة البشرية، بل ما ينتظم به معاشه، ومعاده، وهو بالإضافة إلى معلومات الله التي لا نهاية لها قليل، ينال به خير الدارين، وهو بالإضافة إليه كثير. انتهى. بيضاوي بتصرف. وأخيرا أقول: إن السؤال في هذه الآية سؤال تعنت، وامتحان، بخلافه في أول سورة (الأنفال)، فإنه سؤال استفهام، واستفتاء. الإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يسألونك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿عَنِ الرُّوحِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأن الفعل: «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى للثاني ب: «عن» كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين صريحين، نحو: سألت زيدا مالا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: سألوك كثيرا، ويسألونك عن الروح، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله: أنت. ﴿الرُّوحِ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ أَمْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿الرُّوحِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. إلا: حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرئ «(وما، أوتوا)» فلا يكون التفات في الكلام. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦)﴾ الشرح: معنى الآية: إن شئنا ذهبنا بالقرآن الذي أوحيناه إليك، ومحوناه من الصدور والمصاحف، فلم نترك له أثرا، وبقيت كما كنت ما تدري ما الكتاب، ثم لا تجد بعد ذهابنا به من يتوكل علينا باسترداده عليك مسطورا محفوظا.

стр. 3247

الإعراب: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ في الآية رقم [٦٢] بلا فارق. ﴿لَنَذْهَبَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نذهبن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿بِالَّذِي﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: بالذي أوحيناه إليك، وجملة: ﴿لَنَذْهَبَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم. وانظر بقية الكلام في الآية رقم [٦٢]. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ..﴾. إلخ إعراب هذا الكلام مثل إعراب: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا..﴾. إلخ في الآية رقم [٦٩] بلا فارق بينهما، والجملة الفعلية هنا معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله، مع ملاحظة أن الفعل هنا مرفوع، وهناك منصوب. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ:﴾ المعنى: إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك بعد أخذه منك. أو المعنى: لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به. وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن مسطورا، أو محفوظا في الصدور. ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً:﴾ إذ جعلك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود، وختم بك النبيين، وأنزل عليك يا محمد هذا الكتاب المبين. تنبيه: المراد بذهاب القرآن: محو ما في المصاحف، وإذهاب ما في الصدور. قال عبد الله بن مسعود-﵁: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون وما معكم منه شيء. فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن، وقد ثبتناه في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا، نعلمه أبناءنا، ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: يسرى به في ليلة، فيذهب بما في المصاحف، وما في القلوب، فتصبح الناس كالبهائم، ثم قرأ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ..﴾. إلخ. وعن عبد الله بن عمر ﵄: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوي كدويّ النّحل، فيقول الله: ما بالك؟ فيقول: يا رب منك خرجت، وإليك أعود، أتلى، فلا يعمل بي. وقد جاء معنى ما تقدم مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو، وحذيفة-﵄. قال حذيفة: قال رسول الله ﷺ : «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، فيسرى على كتاب الله تعالى في ليلة، فلا يبقى منه في الأرض آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: «لا إله إلا الله» وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة». قال له صلة بن زفر العبسي: ما تغني عنهم «لا إله إلا الله» وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها ثلاثا، كلّ ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم

стр. 3248

أقبل عليه، فقال: «يا صلة تنجيهم من النار ثلاثا». خرجه ابن ماجة في السنن. انتهى قرطبي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿رَحْمَةً:﴾ مستثنى، وهل الاستثناء متصل، أو منقطع؟ انظر الشرح. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه... ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فَضْلَهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر فيه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كَبِيراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قال أبو البقاء: ﴿إِلاّ رَحْمَةً﴾ هو مفعول له، والتقدير: حفظناه عليك للرحمة. ويجوز أن يكون مصدرا، تقديره: لكن رحمناك رحمة. انتهى. والمعنى لا يأبى الاعتبارين. تأمل. ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة حين قال المشركون ما ذكره الله عنهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ فكذبهم الله ، فالقرآن معجز في النظم، والتأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنه كلام الخالق، وهو غير مخلوق، ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله. انتهى. خازن. أقول: وفي الآية دليل قاطع على عجز الإنس، والجن عن الإتيان بمثل هذا القرآن، كيف لا؟ ولو قدروا لأتوا بمثله مع تطاول الأعوام، والسنين، وكيف يأتون بمثله، وقد تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، ولو بالاستعانة بأصنامهم، وآلهتهم التي يدعونها من دون الله، بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (يونس) ﵇ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله الموفق. هذا؛ و ﴿الْإِنْسُ﴾ البشر، الواحد: إنسي بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي: أناس كما في الآية رقم [٧١] وأناسيّ. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (الفرقان) ويقال أيضا: أناسية، مثل: صيارفة، وصياقلة. هذا؛ وسمي بنو آدم إنسا لظهورهم، وأنهم يؤنسون؛ أي: يبصرون، كما سمي الجن جنا؛ لاجتنانهم؛ أي: لاختفائهم عن أعين البشر، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، كما رأيت في الآية رقم [١٠٣] من سورة (النحل). وانظر شرح (الإنسان) في الآية رقم [١١].

стр. 3249

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَئِنِ:﴾ اللام: موطئة للقسم، (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِجْتَمَعَتِ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْإِنْسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَالْجِنُّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: متعاونين، متظاهرين، وهو ضعيف معنى. تأمل. ﴿بِمِثْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (مثل) مضاف، و ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْتُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿بِمِثْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا يَأْتُونَ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه انظر الآية رقم [٦٢] والكلام: ﴿لَئِنِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿ظَهِيراً:﴾ خبر كان، والجملة: ﴿وَلَوْ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية، فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ شرطها، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: ولو كان... إلخ لا يأتون بمثله. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً (٨٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ:﴾ هو مثل الآية رقم [٤١] بلا فارق بينهما. ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً:﴾ إلا جحودا ودفعا للحق. قيل: المراد أهل مكة، والأولى أن يكون المراد كل من كفر بالقرآن. وانظر شرح «الناس» في الآية رقم [٦٠]، و (أبى) من الإباء، وهو الامتناع، أو أشده، وإباء الله قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون. قال تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ هذا؛ ويكون الفعل متعديا إذا كان بمعنى: كره، ولازما إن كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ انظر الآية رقم [٤١] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمحذوف يقع مفعولا به، التقدير: صرفنا... مثلا من جنس كل مثل. هذا؛ وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة و ﴿كُلِّ﴾ مفعول به، وهو جائز على مذهب الكوفيين والأخفش؛ الذين

стр. 3250

يجيزون زيادة «من» في الإثبات، والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿فَأَبى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَكْثَرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُفُوراً:﴾ مفعول به، والجملة: ﴿فَأَبى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠)﴾ الشرح: لمّا تبين إعجاز القرآن، فلم يقدر كفار قريش على معارضته بعد أن تحدّاهم الله بأن يأتوا بمثله، بل بعشر سور، بل بسورة واحدة من مثله، وانضم إليه معجزات أخر، كانشقاق القمر، ونحوه، وغلبوا، وقهروا أخذوا يتغالون باقتراح الآيات، والمعجزات، فطلبوا من الرسول ﷺ ما ذكر الله في هذه الآيات ما تراه ظاهرا لا يحتاج إلى شرح وبيان، وذلك أنهم قالوا: يا محمد! إنك تعلم أنه ليس أحد أضيق بلادا، ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك، فيسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها الأنهار والينابيع كما في بلاد الشام، والعراق، وغيرهما، وطلبهم هذا تعنت. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ:﴾ لن نقر، ونعترف بنبوتك، ورسالتك. وانظر الإيمان في الآية رقم [٣٨] من سورة (النحل). ﴿حَتّى تَفْجُرَ:﴾ يقرأ الفعل بالتشديد، والتخفيف قراءتان سبعيتان. هذا؛ وفجر الماء: فتح له منفذا، أو طريقا، فجرى. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ المراد: أرض مكة، وما جاورها. ﴿يَنْبُوعاً:﴾ عين لا ينضب ماؤها؛ أي: لا يغور، ولا يقل، والجمع: الينابيع. وانظر القول في الآية رقم [١٦]. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿تَفْجُرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿يَنْبُوعاً﴾ بعدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿يَنْبُوعاً:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل ﴿تَفْجُرَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١)﴾ الشرح: هذا الاقتراح الثاني الذي اقترحوه على النبي ﷺ ، هو أن يكون له بستان فيه من أنواع الأشجار شجر النخيل، والعنب، وعيون الماء، والأنهار جارية وسط هذا البستان، وهي

стр. 3251

غزيرة المياه. وانظر شرح النخل، والنخيل في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم)، وهما بمعنى: واحد. المفرد: نخلة، ونخيلة، وعنب: اسم جنس جمعي، مثل: تمر، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة، وجمع عنب: أعناب، و ﴿خِلالَها:﴾ وسطها. هذا؛ و (تفجّر) هنا بالتشديد لا غير. الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونَ:﴾ معطوف على (تفجر)، فهو منصوب مثله، وهو ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره تقدم على اسمه. ﴿جَنَّةٌ:﴾ اسمه مؤخر. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَعِنَبٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَتُفَجِّرَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله بالفاء، فهو منصوب أيضا، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَنْهارَ:﴾ مفعول به. ﴿خِلالَها:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَنْهارَ،﴾ وهو ضعيف معنى. وها: في محل جر بالإضافة. ﴿تَفْجِيراً:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل قبله. ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢)﴾ الشرح: في هذه الآية اقتراحان ممّا اقترحوه على النبي ﷺ ، أولهما: إسقاط السماء عليهم قطعة قطعة، والثاني: إتيان الملائكة، ونزولهم يشهدون بأنّ محمدا نبي، ورسول. هذا؛ وانظر إعلال ﴿السَّماءَ﴾ في الآية رقم [٢٢] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النّحل)، وشرح (زعم) في الآية رقم [٥٦] و ﴿كِسَفاً﴾ يقرأ بفتح السين، وسكونها. قال الأخفش: من قرأ بالسكون جعله واحدا، ومن قرأه بالفتح جعله جمعا. وقال المهدوي: ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع: كسفة، وجاز أن يكون مصدرا، من: كسفت الشيء: إذا غطيته، فكأنهم قالوا: أسقطها طبقا علينا. انتهى. قرطبي، وسترى مزيدا لهذا في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الشعراء) إن شاء الله. وانظر شرح (الملائكة) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿قَبِيلاً:﴾ معاينة، كفيلا، شهيدا، أقوال. وقال مجاهد: هو جمع: قبيلة؛ أي: بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة؛ أي: جماعة جماعة، و ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ المراد به: ما هددهم به في الآية رقم [٩] من سورة (سبأ) ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُسْقِطَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب أيضا، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿زَعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، وهو متعد لمفعول واحد، وهو محذوف لفهمه من المقام. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُسْقِطَ﴾. ﴿كِسَفاً:﴾ حال من ﴿السَّماءَ،﴾ و (ما) والفعل

стр. 3252

بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: تسقط السماء إسقاطا كائنا مثل زعمك الذي تدعيه. وانظر مذهب سيبويه في ذلك في الآية رقم [٢٤] ﴿تَأْتِيَ:﴾ معطوف أيضا على ما قبله، منصوب أيضا، والفاعل أنت. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْمَلائِكَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قَبِيلاً:﴾ حال من (الله) على الأقوال الثلاثة فيه، وحال من الملائكة على قول مجاهد الأخير. ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣)﴾ الشرح: في هذه الآية اقتراحان آخران ممّا اقترحوه على النبي ﷺ . أولهما: أن يكون له بيت من ذهب، والثاني: عروجه، وصعوده في السماء. وازداد عتوهم، فطلبوا شيئا آخر في ذلك الرقي، والصعود، وهو إنزال كتاب لكل واحد يقرؤه، كما قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ وقد علم الله نبيه ﷺ أن يرد عليهم بما ذكر في قوله: ﴿قُلْ سُبْحانَ..﴾. إلخ. ومعناه إنما أنا بشر لا أقدر على شيء ممّا سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه، ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بما يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتي بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى. انتهى. قرطبي بحروفه. بعد هذا ف: ﴿زُخْرُفٍ﴾ هو الذهب، وهو أصل الزينة، والرقي: الصعود؛ وأصله: رقوي، فقلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء. وانظر شرح (كتابا) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). وانظر شرح «سبحان» في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، وشرح (بشرا) في الآية رقم [١٠٣] منها أيضا. وشرح الرسول في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ انظر الآية رقم [٩١]، (أو): حرف عطف. ﴿تَرْقى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. لن: حرف ناصب. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِرُقِيِّكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿تُنَزِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»

стр. 3253

مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كِتاباً:﴾ مفعول به. ﴿نَقْرَؤُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿كِتاباً،﴾ وأجيز اعتبارها حالا مقدرة من (نا)، و «أن» المضمرة، والفعل ﴿تُنَزِّلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، و ﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى: النفي. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَراً:﴾ خبر كان. ﴿رَسُولاً:﴾ صفة له. ويجوز أن يكون ﴿رَسُولاً﴾ هو الخبر، وبشرا حال مقدمة عليه، والكلام: ﴿سُبْحانَ رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤)﴾ الشرح: المعنى: وما منع الكافرين من الإيمان بالله ورسوله وقت مجيء الهدى إليهم إلا شبهة تلجلجت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله رسولا من البشر، فكانوا يستغربون إرسال الرسل من البشر، ويطلبون ملائكة من السماء، وهو ما أفادته الآية التالية، والمراد: بالهدى: الإسلام، أو القرآن، أو محمد ﷺ . الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَنَعَ:﴾ ماض. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر بحرف جر محذوف على الخلاف بين سيبويه، والخليل. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿يُؤْمِنُوا،﴾ وعلقه الجمل بالفعل ﴿مَنَعَ﴾. ﴿جاءَهُمُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْهُدى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿جاءَهُمُ الْهُدى﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل نصب ب: «أن»، والواو فاعله، والألف للتفريق، وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ل: - ﴿مَنَعَ﴾ التقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى لهم إلا قولهم... إلخ. وانظر مثل ذلك في الآية رقم [٥٩]. ﴿أَبَعَثَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. إنكاري. ﴿(بَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً):﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿رَسُولاً:﴾ هو مثل الآية السابقة،

стр. 3254

وجملة: ﴿أَبَعَثَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿وَما مَنَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي من مقول الرسول ﷺ . ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥)﴾ الشرح: في هذه الآية رد لشبهة الكافرين الذين يستنكرون أن يكون الرسول بشرا، فأعلمهم الله تعالى: أن الملك إنما يرسل إلى الملائكة؛ إذ لو أرسل ملكا إلى البشر؛ لما استطاعوا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك، وخلق فيهم ما يقدرون به، ليكون ذلك آية لهم ومعجزة، وقد تقدم نظير ذلك في سورة (الأنعام) رقم [٨ و ٩] وسيأتي مثله في سورة (الفرقان) إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مَلائِكَةٌ:﴾ اسمها مؤخر. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿كانَ﴾ تامة فيكون الملائكة فاعله، و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَمْشُونَ﴾. ﴿يَمْشُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مُطْمَئِنِّينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وجملة: ﴿يَمْشُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ملائكة، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَزَّلْنا:﴾ اللام واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (نزلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَلَكاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مَلَكاً:﴾ مفعول به. ﴿رَسُولاً:﴾ انظر الآيتين السابقتين فهو مثلهما، وجملة: ﴿لَنَزَّلْنا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لَوْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦)﴾ الشرح: يروى: أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً:﴾ فمن يشهد لك أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية. والمعنى: أكتفي بالله شهيدا بأني عبده، ورسوله؛ حيث أجرى المعجزة على وفق دعواي، وعلى أني بلغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم عاندتم، وكذبتم، وأعتقد بأن الله عليم خبير بصير بأحوال عباده المنذرين والمنذرين، وأنّه تعالى يجازيهم على أعمالهم. وفيه تسلية للنبي ﷺ ، ووعيد للكفار.

стр. 3255

بعد هذا انظر (القول) في الآية رقم [١٦] و (كفى) في الآية رقم [٦٥] و (بين) في الآية رقم [٤٥] و ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [٣٠] وعباده في الآية رقم [١] وانظر: ﴿خَبِيراً بَصِيراً﴾ في الآية رقم [١٧]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿شَهِيداً:﴾ تمييز، ويقال: حال أيضا. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿شَهِيداً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى (الله). ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿خَبِيراً بَصِيراً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ ... ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ فيه تسلية للنبي ﷺ ، وهو: أنّ الذين حكم الله لهم بالإيمان، والهداية؛ وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن يرجعوا عن ذلك. وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد). ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ فعن أنس بن مالك-﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! قال الله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ : «أليس الذي أمشاه على الرّجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». قال قتادة؟! حين بلغه: بلى وعزة ربنا. رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم. قيل: يا رسول، وكيف يمشون على وجوههم. قال: إنّ الّذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما وإنّهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب وشوك». أخرجه الترمذي. وانظر الآية رقم [١٠٢] من سورة (طه).

стр. 3256

﴿عُمْياً:﴾ لا يبصرون. ﴿وَبُكْماً:﴾ لا ينطقون. ﴿وَصُمًّا:﴾ لا يسمعون، وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ..﴾. إلخ وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ وقوله تبارك اسمه: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ فقد قيل فيه أوجه: أحدها: قال ابن عباس-﵄: معناه ﴿عُمْياً:﴾ لا يبصرون ما يسرهم. ﴿وَبُكْماً:﴾ لا ينطقون بحجة. ﴿وَصُمًّا:﴾ لا يسمعون ما يسرهم. الثاني: قيل: معناه: يحشرون على ما وصفهم الله تعالى، ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. الوجه الثالث: قيل: هذا معناه حين يقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فيصيرون عند ذلك ﴿عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا،﴾ لا يبصرون، ولا ينطقون، ولا يسمعون. ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ مستقرهم، ومقامهم. ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ أي: سكن لهيبها وهدأت من غير أن يوجد فيها نقصان في إيلام الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾. ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً:﴾ نارا تتلهب. وقيل: وقودا لتحرقهم، وتبدل جلودهم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا ف: ﴿الْمُهْتَدِ﴾ يقرأ بحذف الياء وإثباتها. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) في الجملة الأولى، فأفرد الضمير، وراعى معناها في الجملة الثانية في قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ فجمع الضمير. وانظر شرح (دون) في الآية رقم [١٥] من سورة (الكهف)، وشرح: ﴿وَلِيًّا﴾ في الآية رقم [١٧] منها، وإعلال ﴿تَجِدَ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] وانظر شرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٥٨] ﴿وَبُكْماً:﴾ جمع: أبكم، انظر الآية رقم [٧٦] من سورة (النحل). ﴿وَصُمًّا:﴾ جمع أصم، وهو الذي لا يسمع. وانظر: «مأوى» و ﴿مَثْوَى﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (النحل). وانظر «زاد يزيد» في الآية رقم [٤١]. هذا؛ وأصل ﴿خَبَتْ﴾ «خبوت» بوزن: قعد؛ لأن الفعل واوي اللام، تقول: خبا يخبو، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وتاء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية [٢٢] من سورة (النحل). الإعراب: (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو مفعول به مقدم؛ لأن فعل الشرط متعد، ولم يستوف مفعوله. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُهْتَدِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ

стр. 3257

الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية [١٥] والجملة الاسمية: ﴿(مَنْ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها على اعتبارها من كلام الله تعالى، وعلى الأول: فهي من مقول الرسول ﷺ ، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها فلا خفاء فيه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والمفعول الثاني: ل: ﴿تَجِدَ﴾ محذوف، تقديره: يهدونه. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نحشرهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير: ماشين على وجوههم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عُمْياً:﴾ حال أخرى، إما بدل من الأولى وإما حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور قبله، وما بعده معطوف عليه. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي حال من الضمير المنصوب، أو المجرور ﴿كُلَّما﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿خَبَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة؛ والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿جَهَنَّمُ﴾ و (ما) والفعل ﴿خَبَتْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت خبت جهنم. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل). وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿زِدْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿سَعِيراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، أو هو في محل نصب حال من ﴿جَهَنَّمُ،﴾ والعامل فيه المأوى. ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨)﴾ الشرح: الإشارة في هذه الآية إلى ما ذكر من أنواع العذاب في الآية السابقة من كونهم يحشرون على وجوههم عميا، وبكما، وصما، وكون النار كلما هدأت زيد في وقودها ليشتد تحريق جلودهم بحرّها كل ذلك بسبب كفرهم، وتكذيبهم بآيات القرآن التي نزلت على محمد ﷺ ، وإنكارهم الحشر، والنشر، والحساب بعد الموت. وانظر الآية رقم [٤٩] ففيها الكفاية. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة

стр. 3258

المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر قبلهما. هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثانيا، والجار والمجرور خبره، والجملة الاسمية خبر المبتدأ: ﴿ذلِكَ﴾. ويجوز اعتبار ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من اسم الإشارة؛ أو عطف بيان عليه، والجار والمجرور خبره ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ انظر الإعراب وافيا كافيا في الآية رقم [٤٩] وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً (٩٩)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا:﴾ أولم يعلموا. ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ..﴾. إلخ: ففيه رد لاستبعادهم البعث، والحشر بعد الموت، والمعنى: أن الذي خلق السموات والأرض كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم بعد الموت، وهو قادر على إهلاكهم، وخلق عبيد مطيعين له، يوحدونه، ويقرّون بكمال حكمته، وعظيم قدرته، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً﴾ أي: وقتا لإهلاكهم، لا يستقدمون عنه، ولا يستأخرون. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه، ولا ارتياب، بل هو محقق الوقوع. ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون. ﴿إِلاّ كُفُوراً:﴾ إلا جحودا، وإنكارا للبعث، والحساب، والجزاء. بعد هذا ﴿أَوَلَمْ﴾ مثل ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل). وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] منها. وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر التعبير عن الكافرين ب: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ ونحوه في الآية رقم [١٣] منها أيضا. وانظر شرح «الكفر» في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل)، وشرح: (أبى) في الآية رقم [٨٩]. هذا، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في ريبة؛ أي: في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي، والنسائي عن الحسن بن علي-﵄-سبط رسول الله ﷺ وريحانته. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل). (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله،

стр. 3259

والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ما قبله، وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قادِرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ وفاعله مستتر فيه، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قادِرٌ﴾. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِثْلَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، والأول: ما بعده. ﴿أَجَلاً:﴾ مفعول به. ﴿أَجَلاً:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿أَجَلاً،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محل نصب صفة أجلا، وجملة: ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، والكلام ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿فَأَبَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أبى): ماض. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُفُوراً:﴾ مفعول به، وجملة: (أبى...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)﴾ الشرح: هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ..﴾. إلخ أي: لو ملكتم خزائن رزق الله، ونعمه؛ لبخلتم بالمال خشية إنفاقه؛ أي: نفاده، وذهابه. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ أي: بخيلا؛ لأن بناء أمره على الحاجة، والبخل بما يحتاج إليه، وترقب العوض فيما يبذله، كالذكر الجميل، والثناء الحسن عليه، إن كان من أهل الدنيا، أو لطلب الثواب والأجر من الله تعالى؛ إن كان من أهل الإيمان، والطاعة. ولقد اختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة. قاله الحسن، والثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور، وذكره الماوردي. انتهى. قرطبي. هذا؛ والإنفاق المراد به هنا: الفقر الناجم عن الإنفاق، فهو مثل قوله تعالى في غير ما آية: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وانظر بعد ذلك شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر خشي في الآية رقم [٢١] من سورة (الرعد)، فإنه جيد.

стр. 3260

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْتُمْ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، أو هو اسم ل: «كان» محذوفة، وأصل الكلام: لو كنتم تملكون، وقد كثر حذف «كان» بعد «لو»، ورد هذا القول بأن المعهود بعد «لو» حذف «كان» ومرفوعها، فقيل: الأصل لو كنتم أنتم تملكون، فحذفا. وفيه نظر للجمع بين الحذف، والتوكيد. هذا؛ وقيل: إن ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيد للفاعل المستتر في الفعل المحذوف، الذي يفسره ما بعده، وغلط من أعرب أنتم فاعلا؛ لأن ضمير المخاطب، لا يجوز إظهاره. انتهى. والمغلط غالط، فكيف يفعل هذا المغلط، وما يقول في قول العباس بن مرداس السلمي الصحابي، وقل أن يخلو منه كتاب نحو؟ [البسيط] أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر... فإن قومي لم تأكلهم الضّبع أليس الضمير المنفصل خبرا لكان محذوفة وعلى الاعتبارين كان الضمير متصلا، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، وبرز، وإنما وجب تقدير فعل؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر ك: «إن» و «إذا» الشرطيتين. ﴿تَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مفسرة على الاعتبار الأول، وفي محل نصب خبر «كان» على الاعتبار الثاني، وعلى التقديرين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿خَزائِنَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف إليه، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء. ﴿لَأَمْسَكْتُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (أمسكتم): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره الأموال، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها. ﴿خَشْيَةَ:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال، وهو مضاف، و ﴿الْإِنْفاقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من ﴿الْإِنْفاقِ﴾ ضعيف معنى وهو يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط على اعتبار ﴿الْإِنْفاقِ﴾ صاحب الحال. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ لقد اختلف في هذه الآيات، فقيل: هي بمعنى: آيات الكتاب، كما روى الترمذي، والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي: أن يهوديين
следующие страницы →